Полный текст (12 961 стр.). Показаны 11306–11345 · переход к 11311.
стр. 11306
وقال ابن زيد وابن كيسان: بهما تحسب الأوقات والأعمار، ولولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدرك أحد كيف يجد شيئاً إذا كان الدهر كله ليلاً أو نهاراً.
وقال السدي: «بحسبان» تقدير آجالهما، أي: يجريان بآجال كآجال الناس، فإذا جاء أجلهما هلكا، نظيره: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [الرعد: ٢] .
وقال الضحاك: بقدر.
وقال مجاهد: «بحسبان» كحُسْبَان الرَّحى يعني: قطعها، يدوران في مثل القُطْب.
والحُسْبَان: قد يكون مصدر «حسبته أحسبُه بالضم حَسْباً وحِسَاباً وحُسْبَاناً» مثل الغُفْرَان والكُفْران والرُّجحان.
وحسبته أيضاً: أي عددته.
وقال الأخفش: ويكون جماعة الحساب، مثل «شِهَاب، وشُهْبَان» .
والحُسْبَان - بالضم - أيضاً: العذاب والسِّهام القصار، الواحدة: حُسْبَانة.
والحُسْبانة أيضاً: الوِسادَة الصغيرة تقول منه: «حَسَّبْتُهُ» إذا وسدته. قال: [مجزوء الكامل]
٤٦١٩ - ... ... ... ... ... ... ..... لَثَوَيْتَ غَيْرَ مُحَسَّبِ
أي غير مُوسَّد، يعني: غير مكرم ولا مكفن.
قوله تعالى: ﴿والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] .
قال ابن عباس وغيره: النَّجْم: ما لا ساق له، والشَّجر: ما له ساق.
стр. 11307
وأنشد ابن عباس قول صفوان التيمي: [الطويل]
٤٦٢٠ - لَقَدْ أنجمَ القَاعُ الكَبيرُ عِضَاههُ ... وتَمَّ بِهِ حيَّا تَميمٍ ووَائِلِ
وقال زهير بن أبي سُلْمَى: [البسيط]
٤٦٢١ - مُكَلَّلٌ بأصُولِ النَّجْمِ تَنْسِجُهُ ... رِيحُ الجَنُوبِ لِضاحِي مَائِهِ حُبُكُ
واشتقاق النجم من «نَجَمَ الشيء يَنْجُمُ» - بالضم - نُجُوماً: ظهر وطلع.
ومنه: نَجَمَ نابُ البعير، أي: طلع. وسجودهما: سجود ظلالهما؛ قاله الضحاك. وقال الفرّاء: سجودهما أنهما يستقبلان إذا طلعت، ثم يميلان معهما حتى ينكسر الفيء.
وقال الزجاج: سجودهما: دوران الظِّل معهما، كما قال: ﴿يَتَفَيَّؤُاْ ظِلَالُهُ﴾ [النحل: ٤٨] .
وقال الحسن ومجاهد: النجم نجم السماء، وسجوده في قول مجاهد: «دوران ظله» وهو اختيار الطبري، حكاه المهدوي.
وقيل: سجود النجم: أفوله، وسجود الشجر: إمكان الاجتناء لثمارها، حكاه الماوردي.
والأول أظهر.
وقيل: إن جميع ذلك مسخر لله تعالى، فلا تعبدوا النجم كما عبد قوم من الصَّابئين النجوم، وعبد كثير من العجم الشجر.
стр. 11308
والسجود: الخضوع، والمعني به آثار الحدوث، حكاه القشيري.
وقال النحاس: أصل السجود في اللغة: الاستسلام والانقياد لله فهو من السموات كلها استسلامها لأمر الله وانقيادها له.
ومن الحيوان كذا، ويكون من سجود الصلاة.
وأنشد محمد بن يزيد في النجم بمعنى النجوم؛ قال: [الطويل]
٤٦٢٢ - فَبَاتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ في مُسْتجيرِهِ ... سَرِيعٍ بأيْدِي الآكلينَ جُمُودهَا
قوله تعالى: ﴿والسمآء رَفَعَهَا﴾ .
العامة: على النصب على الاشتغال مراعاة لعجز الجملة التي يسميها النحاة ذات وجهين، وفيها دليل لسيبويه الذي يجوز النصب، وإن لم يكن في جملة الاشتغال ضمير عائد على المبتدأ الذي تضمنته الجملة ذات الوجهين.
والأخفش يقول: لا بد من ضمير، مثاله: «هند قامت وعمراً أكرمته لأجلها» .
قال: «لأنك راعيْتَ الخبر وعطفت عليه، والمعطوف على الخبر خبر، فيشترط فيه ما يشترط فيه» .
ولم يشترط الجمهور ذلك، وهذا دليلهم.
فإن القراء كلهم نصبوا مع عدم الرابط إلا من شذ منهم وقد تقدم تحرير هذا في سورة «يس» عند قوله: ﴿والقمر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩] .
وقرأ أبو السمال: برفع السماء على الابتداء، والعطف على الجملة الابتدائية التي هي قوله «والشمس والقمر» .
قال القرطبي: «فجعل المعطوف مركباً من ابتداء وخبر كالمعطوف عليه» .
قوله: «ووَضَع المِيزانَ» .
العامة على «وَضَع» فعلاً ماضياً، و «الميزان» نصب على المفعول به.
وقرأ إبراهيم: «ووضْع الميزانِ» - بسكون الضاد - وخفص «الميزان» وتخريجها:
стр. 11309
على أنه معطوف على مفعول «رفعها» أي: «ورفع ووضْع الميزان» أي جعل له مكانة ورفعة لأخذ الحُقُوق به، وهو من بديع اللفظ حيث يصير التقدير: «ورفع ووضع الميزان» .
قال الزمخشري: «فإن قيل: كيف أخلّ بالعاطف في الجمل الأول وجيء به بعده؟ .
قلت: بَكَّتَ بالجمل: الأول، وأورده على سننِ التعديد للذين أنكروا الرحمن وآلاءه كما تبكت منكر أيادي المنعم من الناس بتعدّدها عليه في المثال الذي قدمته، ثم رد الكلام إلى منهاجه بعد التَّبكيت في وصل ما يجب وصله للتناسب والتقارب بالعاطف.
فإن قلت: أي تناسب بين هاتين الجملتين حتى وسط بينهما العاطف؟ .
قلت: إن الشمس والقمر سماويَّان، والنجم والشجر أرضيَّان فبينهما تناسب من حيث التقابل، وإن السماء والأرض لا يزالان يذكران قرينتين، وإن جري الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله، فهو مناسب لسجود النجم والشجر» .
فصل في المراد بوضع الميزان
قال مجاهد وقتادة: وضع الميزان عبارة عن العدل.
قال السدي: «ووضع الميزان» وضع في الأرض العدل الذي أمر به، يقال: وضع الله الشريعة، ووضع فلان كذا أي ألقاه.
وقيل: على هذا الميزان القرآن، لأن فيه بيان ما يحتاج إليه.
وهو من قول الحسين بن الفضل.
وقال الحسن وقتادة - أيضاً - والضحاك: هو الميزان الذي يوزن به لينتصف به الناس بعضهم من بعض، وهو خبر بمعنى الأمر بالعدل يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط﴾ [الرحمن: ٩] .
والقسْط هو العَدْل، وقيل: هو الحكم.
стр. 11310
وقيل: المراد وضع الميزان في الآخرة لوزن الأعمال. وأصل «ميزان» «يوزان» . وقد مضى القول فيه في «الأعراف» .
قال ابن الخطيب: قوله: «ووَضَعَ المِيزانَ» إشارة إلى العدل، كقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان﴾ [الحديد: ٢٥] أي: ليعلموا بالكتاب، ويعملوا بالميزان، فكذا هنا «عَلَّمَ القُرآن» ووضع الميزانَ، فالمراد ب «الميزان» : العدل بوضعه شرعة، كأنه قيل: شرع العدل لئلا تطغوا في الميزان الذي هو آلة العَدْل، هذا هو المنقول، قال: والأولى العكس كالأول وهو الآلة، والثاني: بمعنى الوزن، أو بمعنى العدل.
قوله: ﴿أَلَاّ تَطْغَوْاْ﴾ ، في «أنْ» هذه وجهان:
أحدهما: أنها الناصبة، و «لا» بعدها نافية، و «تطغوا» منصوب ب «أن» ، و «أن» قبلها لام العلة مقدّرة تتعلق بقوله: «ووضَعَ المِيزانَ» ، التقدير: «لئلَاّ تَطغَوا» ، كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦] .
وأجاز الزمخشري وابن عطية: أن تكون المفسرة، وعلى هذا تكون «لا» ناهية، والفعل مجزوم بها.
قال القرطبي: فلا يكون ل «أنْ» موضع من الإعراب، فتكون بمعنى «أي» ، و «تطغوا» مجزوم بها كقوله: ﴿وانطلق الملأ مِنْهُمْ أَنِ امشوا﴾ [ص: ٦] ، أي: «امْشُوا» .
إلا أن أبا حيان رد هذا القول بأن شرط التفسيرية تقدم جملة متضمنة لمعنى القول، وليست موجودة.
قال شهاب الدين: «وإلى كونها مفسرة ذهب مكي، وأبو البقاء، إلا أن أبا البقاء كأنه تنبه للاعتراض، فقال:» وأن - بمعنى أي - والقول مقدر «.
فجعل الشيء المفسر ب» أن «مقدراً لا ملفوظاً به، إلا أنه قد يقال إن قوله» والقول مقدر «ليس بجيّد؛ لأنها لا تفسر القول الصريح، فكيف يقدر ما لا يصحّ تفسيره، فإصلاحه أن يقول: وما هو بمعنى القول مقدر» .
فصل في الطغيان في الميزان
والطغيان مجاوزة الحد، فمن قال: الميزان العدل، قال: الطغيان الجور ومن قال:
стр. 11311
إنه الميزان الذي يوزن به، قال: طغيانه النّجس.
قال ابن عباس: لا تخونوا من وزنتم له.
وعنه أيضاً أنه قال: يا معشر الموالي وليتم أمرين بهما هلك الناس: المكيال والميزان.
ومن قال: إنه طغيان الحكم، قال: طغيانه التحريف.
وقيل: فيه إضمار، أي: وضع الميزان وأمركم ألا تطغوا فيه.
فإن قيل: العلم لا شك في كونه نعمة، وأما الميزان فأي نعمة عظيمة فيه حتى يعد بسببها في الآلاء؟ .
فالجواب: أن النفوس تأبى الغَبْنَ، ولا يرضى أحد بأن يغلبه غيره، ولو في الشيء اليسير، ويرى أن ذلك استهانة به، فلا يترك خَصْمه يغلبه، ثم إن عند عدم المعيار الذي به تُؤخذ الحقوق، كل أحد يذهب إلى أن خصمه يغلبه، فوضع الله - تعالى - معياراً بين به التَّساوي، ولا يقع به البغضاء بين الناس، وهو الميزان، فهو نعمة كاملة، ولا ينظر إلى عدم ظهور نعمته وكثرته، وسهولة الوصول إليه كالهواء والماء الذي لا يبين فضلهما إلَاّ عند فقدهما.
قوله: ﴿وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط﴾ .
أي: افعلوه مستقيماً بالعدل.
وقال أبو الدرداء: أقيموا لسان الميزان بالقسط والعدل.
وقال ابن عيينة: الإقامة باليد، والقسط بالقلب.
وقال مجاهد: القسط: العدل بالرومية.
وقيل: هو كقولك: أقام الصلاة، أي: أتى بها في وقتها، وأقام الناس أسواقهم، أي: أتوا بها لوقتها، أي: لا تدعوا التعامل بالوزن والعدل.
قوله: «ولا تُخْسِرُوا» .
العامة على ضم التاء وكسر السين، من «أخْسَرَ» أي: نقص، كقوله: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] .
وقرأ زيد بن علي، وبلال بن أبي بردة: بفتح التاء وكسر السين، فيكون «فَعِل،
стр. 11312
وأفْعَل» بمعنى، يقال: خَسِر الميزان، وأخْسَره «بمعنى واحد، نحو: جَبِر وأجْبر» .
ونقل أبو الفتح وأبو الفضل عن بلال: فتح التاء والسين، ونقلها أيضاً القرطبي عن أبان بن عثمان، قال: وهما لغتان، يقال: أخسرت الميزان، وخسرته، ك «أجبرته» و «جبرته» .
قال شهاب الدين: وفيها وجهان:
أحدهما: أنه على حذف حرف الجر، تقديره: «ولا تخسروا في الميزان» ، ذكره الزمخشري وأبو البقاء، إلا أن أبا حيان قال: لا حاجة إلى ذلك؛ لأن «خَسِر» جاء متعدياً، قال تعالى: ﴿خسروا أَنفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢] و ﴿خَسِرَ الدنيا والآخرة﴾ [الحج: ١١] .
قال شهاب الدين: «وهذا أليق من ذاك، ألا ترى أن» خسروا أنفسهم «و» خسر الدنيا والآخرة «معناه: أن الخسران واقع بهما، وأنهما معدومان، وهذا المعنى ليس مراداً في الآية قطعاً، وإنما المراد: لا تخسروا الموزُون في الميزان» .
وقرىء: «تَخْسُروا» بفتح التاء وضم السين.
قال الزمخشري: «وقرىء:» ولا تَخْسروا «بفتح التاء وضم السين وكسرها وفتحها، يقال: خَسِر الميزان يَخْسُره ويَخْسِره، وأما الفتح فعلى أن الأصل:» في الميزان «فحذف الجار، وأوصل الفعل إليه» .
وكرر لفظ «الميزان» ولم يضمره في الجملتين بعده تقوية لشأنه.
وهذا كقول الآخر: [الخفيف]
٤٦٢٣ - لا أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ ... نَغَّصَ المَوْتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرَا
فصل في معنى الآية
المعنى: ولا تنقصوا ولا تبخسوا الوزن والكيل، كقوله: ﴿وَلَا تَنقُصُواْ المكيال والميزان﴾ [هود: ٨٤] .
стр. 11313
وقيل: لا تخسروا ميزان حسناتكم يوم القيامة، فيكون ذلك حسرة عليكم، وكرَّر الميزان لحال رُءُوس الآي.
وقيل: التكرير للأمر بإيفاء الوزن، ورعاية العدل فيه.
وقال ابن الخطيب: ﴿ولا تخسروا الميزان﴾ أي: لا تنقصوا الموزون.
وذكر «الميزان» ثلاث مرات، فالأول: بمعنى الآلة، وهو قوله «وَضَعَ المِيزانَ» .
والثاني: بمعنى المصدر أي: لا تطغوا في الوزن.
والثالث: للمفعول، أي: لا تخسروا الموزون.
وبين القرآن و «الميزان» مناسبة، فإن القرآن فيه العلم الذي لا يوجدُ في غيره من الكتب، والميزان به يقام العدل الذي لا يقام بغيره من الآلات.
قوله: ﴿والأرض وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ ، كقوله: ﴿والسمآء رَفَعَهَا﴾ .
قرأ أبو السمال: بالرفع مبتدأ، و «الأنام» علّة للوضع.
«الأنام» . قيل: كل الحيوان.
وقيل: بنو آدم خاصة، وهو مروي عن ابن عبَّاس نقل النووي في «التهذيب» عن الزبيدي: «الأنام» : الخَلْق، قال: ويجوز الأنيم.
وقال الواحدي: قال الليث: «الأنامُ» ما على ظهر الأرض من جميع الخلق.
وقيل: هم الإنس والجن. قاله الحسن، والأول قاله الضَّحاك.
ووزنه: «فَعَال» ك «قَذَال» فيجمع في القلة على «أنِمّة» بزنة: «امرأة أنمّة» ، وفي الكثرة على «أنْم» ك «قَذَال وأقذلة وقُذْل» .
قوله: «فيها فاكهة» يجوز أن تكون هذه الجملة حالاً من «الأرض» إلا أنها حال مقدرة، والأحسن أن يكون الجار والمجرور هو الحال.
و «فاكهةٌ» رفع بالفاعلية، ونكرت لأن الانتفاع بها دون الانتفاع بما ذكر بعدها، وهو من باب الترقّي من الأدنى إلى الأعلى.
قال ابن الخطيب: الأرض موضوعة لكل ما عليها، وإنما خصّ الإنسان بالذِّكْر؛
стр. 11314
لأن الانتفاع بها أكثر، فإنه ينتفع بها، وبما فيها، وبما عليها، فقال: «للأنام» لكثرة انتفاع الأنام بها.
وقوله: «فِيهَا فَاكِهَةٌ» .
أي: ما يتفكّه به الإنسان من ألوان الثمار.
قوله: ﴿والنخل ذَاتُ الأكمام﴾ إشارة إلى الأشجار.
و «الأكمام» جمع «كِمّ» - بالكسر - وهو وعاء الثمر.
قال الجوهري: و «الكِمُّ» - بالكسر - و «الكِمَامة» : وعاء الطلع، وغطاء النَّوْر، والجمع: «كِمَام» و «أكِمَّة» ، و «الأكاميم» أيضاً، و «كم» الغسيل إذا أشفق عليه، فسُتر حتى يقوى، قال العجاج: [الرجز]
٤٦٢٤ - بَلْ لَوْ شَهِدتَ النَّاسَ إذْ تُكُمُّوا ... غُمَّةٍ لَوْ لَمْ تُفَرَّجْ غُمُّوا
و «تكمّوا» : أي أعمى عليهم وغطّوا.
وأكممتُ وكَمَمْت أي: أخرجت كمامها، والكِمَامُ - بالكسر - والكمامة أيضاً: ما يكمّ به فَمُ البعير لئلا يعضّ، تقول منه بعير مكموم أي محجوم، وكممت الشيء: غطّيته، ومنه كُمُّ القميص - بالضم - والجمع: «أكْمَام وكِمَمَة» مثل: جُبّ وجببة.
و «الكُمَّةُ» : القَلَنْسُوَة [المدورة] ؛ لأنها تغطي الرأس.
قال ﵀: [الطويل]
٤٦٢٥ - فَقُلْتُ لَهُمْ: كِيلُوا بِكُمَّةِ بَعْضِكُمْ ... دَرَاهِمَكُمْ، إنِّي كذلِك أكْيَل
قال الحسن: «ذات الأكمام» أي: ذات اللّيف، فإن النخلة قد تكمم بالليف وأكمامها: ليفها الذي في أعناقها.
وقال ابن زيد: ذات الطلع قبل أن يتفتّق.
وقال عكرمة: ذات الأحْمَال.
وقال الضَّحاك: «ذات الأكمام» : ذات الغلف.
стр. 11315
والأكمام: الأوعية التي يكون فيها الثمر؛ لأن ثمر النخل يكون في غلاف ما لم يتشقق، والمراد بالفاكهة: الفواكهة.
قال ابن كيسان: ما يتفكّهون به من النعم التي لا تُحْصَى، ونكّر الفاكهة للتكثير والتعظيم.
قوله: ﴿والحب ذُو العصف والريحان﴾ .
قرأ ابن عامر: بنصب الثلاثة. وفيه ثلاثة أوجه:
النصب على الاختصاص، أي «وأخص الحبَّ» قاله الزمخشري.
وفيه نظر، لأنه لم يدخل في مسمى الفاكهة والنخل حتى يخصّه من بينها، وإنما أراد إضمار فعل، وهو «أخص» فليس هو الاختصاص الصّناعي.
الثاني: أنه معطوف على «الأرض» .
قال مكي: «لأن قوله» والأرض وضعها «أي: خلقها، فعطف» الحب «على ذلك» .
الثالث: أنه منصوب ب «خلق» مضمراً، أي «وخلق الحب» .
وقال مكي: «أو وخلق الحب» ، وقراءته موافقة لرسم مصاحف بلدهِ، فإن مصاحف «الشام» «ذا» بالألف.
وجوزوا في «الرَّيْحَان» أن يكون على حذف مضاف، أي «وذا الريحان» فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، ك ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: ٨٢] .
وقرأ الأخوان برفع الأولين وجرّ «الرَّيْحَان» عطفاً على «العَصْف» وهي تؤيد قول من حذف المضاف في قراءة ابن عامر.
والباقون: برفع الثلاثة عطفاً على «فاكهة» أي: وفيها أيضاً هذه الأشياء.
ذكر أولاً ما يتلذّذون به من الفواكهة.
وثانياً: الشيء الجامع بين التلذّذ والتغذِّي، وهو ثمر النخل.
وثالثاً: ما يتغذى به فقط، وهو أعظمها؛ لأنه قوت غالب الناس.
стр. 11316
ويجوز في «الرَّيْحَان» على هذه القراءة أن يكون معطوفاً على ما قبله، أي: «وفيها الريحان» أيضاً، وأن يكون مجروراً بالإضافة في الأصل، أي: «وذو الريحان» ففعل به ما تقدم.
و «العَصْفُ» قال مجاهد ﵁: ورق الشَّجر والزرع.
وقال ابن عباس ﵄: تِبْن الزرع وورقه الذي تَعْصِفُه الرياح.
قال الراغب: «أصله: من» العَصْفِ والعَصِيفَة «، وهو ما يُعصف، أي: يقطع من الزرع» .
وقال سعيد بن جبير: بقل الزرع أي ما ينبت منه، وهو قول الفراء.
والعرب تقول: خرجنا نعصف الزرع إذا قطعوا منه قبل أن يدرك، وكذا في «الصِّحاح» وكذا نقله القرطبي.
وعصفت الزرع، أي: جَزَرته قبل أن يدرك.
وعن ابن عباس أيضاً: العصف: ورق الزرع الأخضر إذا وقع رءوسه ويبس نظيره: ﴿كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ﴾ [الفيل: ٨] .
قال الجوهري: «وقَدْ أعْصَفَ الزَّرْعُ، ومكانٌ مُعْصفٌ، أي: كثير الزرع» .
قال أبو قيس بنُ الأسلت الأنصاريُّ: [السريع]
٤٦٢٦ - إذا جُمَادَى مَنَعَتْ قَطْرَهَا ... زَانَ جَنَابِي عَطَنٌ مُعْصِفُ
وقيل: «العَصْفُ» : حُطام النبات، والعَصْفُ أيضاً: الكسب.
قال الراجز: [الرجز]
٤٦٢٧ - بِغَيْرِ مَا عَصْفٍ ولا اكْتسَابِ ...
стр. 11317
وكذلك «الاعتصاف والعصيفة» : الورق المجتمع الذي يكون فيه السّنبل.
وحكى الثعلبي: وقال ابن السكيت: «تقول العرب لورق الزرع: العَصْف والعَصِيفة، والجِلُّ بكسر الجيم» .
قال علقمة بن عبدة: [البسيط]
٤٦٢٨ - تَسْقِي مَذانِبَ قَدْ مَالتْ عَصيفتُهَا ... حُدُورُهَا مِنْ أتِيِّ المَاءِ مَطْمُوم
في «الصحاح» : «والجِلّ - بالكسر - قصب الزرع إذا حصد» .
والرَّيحان في الأصل مصدر، ثم أطلق على الرزق.
قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: هو الرزق بلغة «حِمْير» ، كقولهم: «سبحان الله وريحانه» أي: استرزاقه.
وعن ابن عباس أيضاً والضحاك وقتادة: أنه الريحان الذي يشمّ وهو قول ابن زيد أيضاً.
وعن ابن عباس أيضاً: أنه خُضْرة الزرع.
وقال سعيد بن جبير: هو ما قام على ساق.
وقال الفراء: «العصفُ» المأكول من الزرع.
و «الريحان» ما لا يؤكل.
وقال الكلبي العَصْف: الورق الذي لا يؤكل.
و «الريحان» : هو الحب المأكول.
стр. 11318
وقيل: كل فلّة طيبة الريح سميت ريحاناً؛ لأن الإنسان يراح لها رائحة طيبة أي: يشم. وفي «الريحان» قولان:
أحدهما: أنه على «فَعْلان» وهو من ذوات «الواو» ، والأصل «رَوْحَان» من الرائحة.
قال أبو علي: فأبدلت «الواو» ياء كما أبدلت الياء واواً في «أشاوى» وإنما قلبت الواو ياء للفرق بينه وبين «الرَّوْحَان» وهو كل شيء له روح.
قال القرطبي: والثاني: أن يكون أصله «رَيْوَحَان» على وزن «فَيْعَلان» فأبدلت الواو ياء، وأدغمت فيها الياء، ثم خفف بحذف عين الكلمة، كما قالوا: كَيْنُونة وبَيْنُونَة والأصل تشديد الياء، فخفف كما خفف «هَيْن ولَيْن» .
قال مكي: ولزم تخفيفه لطوله بلُحُوق الزيادتين، وهما الألف والنون.
ثم ردّ قول الفارسي بأنه: لا موجب لقلبها ياء.
ثم قال: «وقال بعض الناس» وذكر ما تقدم عن أبي علي.
قال القرطبي: «والأصل فيما يتركب من الراء والواو والحاء: الاهتزاز والحركة» .
وفي الصحاح: «والريحان نبات معروف، والرَّيْحَان: الرزق، تقول: خرجت أبتغي ريحان الله» .
وفي الحديث: «الولدُ مِنْ رَيْحانِ اللَّهِ» .
وقولهم: سُبْحَانَ اللَّهِ ورَيْحَانه «نصبوهما على المصدر، يريدون: تنزيهاً له واسترزاقاً.
قوله: ﴿والحب ذُو العصف والريحان﴾ فالعَصْفُ: ساق الزرع، والرَّيْحَان: ورقه قاله الفراء.
قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] ،» فبأي «متعلق ب» تكذبان «.
والعامة على إضافة» أي «إلى» الآلاء «.
وقرىء في جميع السورة بتنوين» أيّ «.
وتخريجها: على أنه قطع» أيًّا «عن الإضافة إلى شيء مقدر، ثم أبدل منه» آلاء ربكما «بدل معرفة من نكرة، وتقدم الكلام في» الآلاء «ومفردها في الأعراف» .
стр. 11319
والخطاب في «ربكما» قيل: للثقلين من الإنس والجن؛ لأن الأنام تضمنهما، وهو قول الجمهور، ويدل عليه حديث جابر.
وفيه: «للْجِنُّ أحْسَنُ مِنْكُم رَدًّا» .
وقيل: لما قال: ﴿خَلَقَ الإنسان، وَخَلَقَ الجآن﴾ [الرحمن: ١٤، ١٥] . دل ذلك على ما تقدم وما تأخر لهما.
وكذا قوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثقلان﴾ [الرحمن: ٣١] خطاب للإنس والجن.
وقال أيضاً: ﴿يامعشر الجن والإنس﴾ [الرحمن: ٣٣] .
وقال الجرجاني: خاطب الجن مع الإنس، وإن لم يتقدم للجن ذكر. كقوله تعالى: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: ٣٢] .
فقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن، والقرآن كالسورة الواحدة، فإذا ثبت أنهم مكلَّفُون كالإنس، خوطب الجنسان بهذه الآيات.
وقيل: الخطاب للذكر والأنثى.
وقيل: هو مثنّى مراد به الواحد، كقوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤] .
وكقول الحجاج بن يوسف: «يا حرسي اضربا عنقه» ، وكقول امرىء القيس: [الطويل]
٤٦٢٩ - قِفَا نَبكِ ... . ..... ... ... ... ... ... ...
و [الطويل]
стр. 11320
٤٦٣٠ - خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي ... . ..... ... ... ... ... ... . .
وقيل: التثنية للتأكيد.
وقيل: التكذيب يكون بالقلب، أو باللسان، أو بهما، فالمراد هما.
فصل في آلاء الله تعالى
قال ابن زيد: المراد بالآلاء: القدرة، والمعنى: فبأي قدرة ربكما تكذبان، وهو قول الكلبي.
واختار محمد بن علي الترمذي، وقال: هذه السورة من بين السور علم القرآن، والعلم: إمام الجند، والجند تتبعه، وإنما صارت علماً؛ لأنها سورة صفة الملك والقدرة، فقال: ﴿الرحمن عَلَّمَ القرآن﴾ فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة، فقال: ﴿الرحمن عَلَّمَ القرآن﴾ .
ثم ذكر الإنسان فقال: «خَلَقَ الإنسان» ثم ذكر ما صنع به، وما من عليه به، ثم ذكر حُسْبَان الشمس والقمر، وسجود الأشياء من نجم وشجر، وذكر رفع السماء، ووضع الميزان وهو العدل، ووضع الأرض للأنام، فخاطب هذين الثقلين: الإنس والجن، حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة، ولا حاجة إلى ذلك، فأشركوا به الأوثان، وكل معبود اتخذوه من دونه، وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم.
فقال سائلاً لهم: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ أي: بأي قدرة ربكما تكذبان، وإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من قدرته وملكه شريكاً يملك معه، ويقدر معه، فذلك تكذيبهم، ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال، وذكر خلق الجانّ من مارجٍ من نارٍ، ثم سألهم فقال: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي: بأي قدرة ربكما تكذبان، فإن له في كل خلق قدرة بعد قدرة، فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد، والمبالغة في التقرير، واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلقٍ بعد خلق.
стр. 11321
وقال القتبي: إن الله - تعالى - عدد في هذه السورة نعماءه، وذكر خلقه آلاءه، ثم أتبع كل خلّة وصفها ونعمة وضعها في هذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين ليبينهم على النعم، ويقررهم بها، كما يقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره: ألم تكن فقيراً فأغنيتك، أفتنكر هذا؟ ألم تكن خاملاً فعززتك، أفتنكر هذا؟ ألم تكن راجلاً فحملتك، أفتنكر هذا؟ والتكرير حسن في مثل هذا.
قال الشاعر: [مشطور الرجز]
٤٦٣١ - كَمْ نِعْمَةٍ كَانَتْ لَكُمْ كَمْ كَمْ وكَمْ ... وقال الشاعر ﵀: [البسيط]
٤٦٣٢ - لا تَقْتُلِي مُسْلِماً إن كُنْتِ مُسْلمَةً ... إيَّاكِ من دمِهِ إيَّاكِ إيَّاكِ
وقال آخر: [المنسرح]
٤٦٣٣ - لا تَقْطَعَنَّ الصَّديقَ ما طَرَفَتْ ... عَيْنَاكَ من قَوْلِ كَاشحٍ أشِرِ
ولا تَمَلَّنَّ مِنْ زيَارتِهِ ... زُرْهُ وَزُرْهُ وَزُرْ وَزُرْ وَزُرِ
وقال الحسين بن الفضل: التكرير طرد للغفلة، وتأكيد للحجَّة.
قال شهاب الدين: والتكرير - هاهنا - كما تقدم في قوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧] ، وكقوله فيما سيأتي: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٥] .
وذهب جماعة منهم ابن قتيبة: إلى أن التكرير لاختلاف النِّعم، فلذلك كرر للتوقيف مع كل واحدة.
قال ابن الخطيب: وذكره بلفظ الخطاب على سبيل الالتفات، والمراد به التقريع والزَّجْر، وذكر لفظ الرب؛ لأنه يشعر بالرحمة.
قال: «وكررت هذه اللفظة في هذه السورة نيفاً وثلاثين مرة إما للتأكيد، ولا يعقل بخصوص العدد معنى.
стр. 11322
وقيل: الخطاب مع الإنس والجن، والنعمة منحصرة في دفع المكروه، وتحصيل المقصود، وأعظم المكروهات عذاب جهنم، و ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ [الحجر: ٤٤] ، وأعظم المقاصد: نعيم الجنة، ولها ثمانية أبواب، فالمجموع خمسة عشر، وذلك بالنسبة للجن والإنس ثلاثون، والزائد لبيان التأكيد» .
روى جابر بن عبد الله، قال: «قرأ علينا رسول الله ﷺ َ سورة» الرحمن «حتى ختمها، ثم قال:» مَا لِي أراكُمْ سُكُوتاً؟ للجِنُّ كانُوا أحسنَ مِنكُم رَدًّا؛ ما قرأتُ عليهمِ هذهِ الآية مرَّة: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلا قالوا: ولا بِشيءٍ من رحْمَتِكَ ربَّنا نكذِّبُ، فلكَ الحمد «.
стр. 11323
قوله: ﴿خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ . لما ذكر الله - تعالى - خلق العالم الكبير من السماء والأرض، وما فيها من الدلالات على وحدانيته وقدرته، ذكر خلق العالم الصَّغير، فقال: ﴿خَلَقَ الإنسان﴾ .
قال المفسرون: يعني: آدم من صلصال وهو الطين اليابس الذي يسمع له صلصلة، وشبهه بالفخَّار الذي طبخ.
وقيل: هو طين خلط برملٍ.
وقيل: هو الطين المُنتنُ، من صلَّ اللحم وأصلَّ: إذا أنْتَنَ.
وقال هنا: ﴿مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ .
وقال في «الحجر» : ﴿مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] وقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَاّزِبٍ﴾ [الصافات: ١١] .
وقال: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] .
وكله متفق المعنى، وذلك أنه أخذ من تراب الأرض، فعجنه فصار طيناً، ثم انتقل فصار كالحَمَأ المسنون، ثم يبس فصار صلصالاً كالفخار.
стр. 11324
فقوله: «كالفخَّار» نعت ل «صَلْصَالٍ» . وتقدم تفسيره.
قوله: ﴿وَخَلَقَ الجآن﴾ .
قيل هو اسم جنس كالإنسان.
وقيل: هو أبو الجن «إبليس» .
وقيل: هو أبوهم، وليس ب «إبليس» .
قوله: ﴿مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ «من» الأولى لابتداء الغاية.
وفي الثانية وجهان:
أحدهما: أنها للبيان.
والثاني: أنها للتبعيض.
و «المَارِجُ» : قيل: ما اختلط من أحمر وأصفر وأخضر، وهذا مشاهد في النار ترى الألوان الثلاثة مختلطاً بعضها ببعض.
وقيل: الخالص.
وقيل: الأحمر وقيل: الحمرة في طرف النَّار.
وقيل المختلط بسواد.
وقيل: اللهب المضطرب.
وقال الليث: «المارج» : الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد، وعن ابن عباس ﵄: أنه اللهب الذي يعلو النَّار، فيختلط بعضه ببعض أحمر وأخضر وأصفر، ونحوه عن مجاهد.
وقيل: «المَارِجُ» المرسل غير ممنوع.
قال المبرد: «المارج» : النار المرسلة التي لا تمنع.
وقال أبو عبيدة والحسن: «المارج» : المختلط النار، وأصله من مرج إذا اضطرب، واختلط.
قال القرطبي: يروى أن الله - تعالى - خلق نارين، فمرج إحداهما بالأخرى، فأكلت إحداهما الأخرى، وهي نار السَّمُوم، فخلق منها «إبليس» .
стр. 11325
قال القشيري: «والمارج» في اللغة: المرسل أو المختلط، وهو فاعل بمعنى مفعول كقوله: ﴿مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] و ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] ، والمعنى: «ذو مرج» .
﴿مِّن نَّارٍ﴾ نعت ل ﴿مَّارِجٍ﴾ .
وتقدم الكلام على قوله: «فبأي آلاء» إلى آخرها.
قوله تعالى: ﴿رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين﴾ .
العامة على رفعه.
وفيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه مبتدأ، خبره ﴿مَرَجَ البحرين﴾ ، وما بينهما اعتراض.
الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: «هُو ربُّ» أي: ذلك الذي فعل هذه الأشياء.
الثالث: أنه بدل من الضمير في «خلق» .
وابن أبي عبلة: «ربّ» بالجر، بدلاً أو بياناً ل «ربّكما» .
قال مكي: ويجوز في الكلام الخفض على البدل من «ربكما» ، كأنه لم يطلع على أنها قراءة منقولة.
و «المشرقان» : قيل: مشرقا الشتاء والصيف ومغرباهما.
وقيل: مشرقا الشمس والقمر ومغرباهما، وذكر غاية ارتفاعهما، وغاية انحطاطهما إشارة إلى أن الطرفين يتناول ما بينهما كقولك في وصف ملك عظيم: (له المشرق والمغرب) فيفهم منه أن له ما بينهما.
ويؤيده قوله تعالى: ﴿بِرَبِّ المشارق والمغارب﴾ [المعارج: ٤٠] .
قوله تعالى: ﴿مَرَجَ البحرين﴾ أي: خلَّى وأرسل وأهمل، يقال: مرج الناس السلطان، أي: أهملهم، وأصل المَرْج الإهمال كما تمرج الدَّابة في المَرْعى ويقال: مرج خلط.
وقال الأخفش: ويقول قوم: أمرج البحرين مثل «مرج» فيكون «فَعَلَ وأفْعَلَ» بمعنى.
و «البَحْرين» : قال ابن عباس ﵄: بحر السماء، وبحر الأرض.
стр. 11326
قال سعيد بن جبير: يلتقيان في كل عام.
وقيل: يلتقي طرفاهما.
وقال الحسن وقتادة: بحر «فارس» و «الروم» .
وقال ابن جريج: البحر المالح، والأنهار العذبة.
وقيل: بحر المشرق، وبحر المغرب يلتقي طرفاهما.
وقيل: بحر اللؤلؤ والمرجان.
«بينهما برزخ» حاجز.
قوله: «يلتقيان» حال من «البَحريْنِ» وهي قريبة من الحال المقدرة، ويجوز بتجوّز أن تكون مقارنة.
و «بَينهُمَا بَرزخٌ» يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون حالاً، وأن يكون الظَّرف وحده هو الحال، و «البَرْزَخُ» فاعل به، وهو أحسن لقربه من المفرد.
وفي صاحب الحال وجهان:
أحدهما: هو البحرين.
والثاني: هو فاعل «يَلْتقيان» .
و «لا يَبْغِيَان» حال أخرى كالتي قبلها، أي: مرجهُمَا غير باغيين أو يلتقيان غير باغِيين، أو بينهما برزخٌ في حال عدم بغيهما، وهذه الحال في قوة التعليل، إذ المعنى: «لئلَاّ يَبْغِيانِ» .
وقد تمحّل بعضهم، وقال: أصل ذلك لئلا يبغيا ثم حذف حرف العلة، وهو مطّرد مع «أن» و «إن» ، ثم حذفت «أن» أيضاً، وهو حذف مطرد، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ﴾ [الروم: ٢٤] ، فلما حذفت «أن» ارتفع الفعل، وهذا غير ممنوع، إلا أنه تكرر فيه الحذف.
وله أن يقول: قد جاء الحذف أكثر من ذلك فيما هو أخفى من هذا، كما سيأتي في قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٢] .
فصل في مناسبة هذه الآية لما قبلها
لما ذكر الشمس والقمر، وهما يجريان في الفلك كما يجري الفلك في البحر،
стр. 11327
كقوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] ، فذكر البحرين عقيب المشرقين والمغربين، أو لأن المشرقين والمغربين يكونان في البر والبحر، فذكر البحر بعد ذكر البر؛ لانحصار البر والبحر بين المشرق والغرب.
قوله: «بينهما بَرْزَخ» أي: حاجز، «لا يبْغِيَان» ، فعلى القول الأول بأنهما بحر السماء، وبحر الأرض، فالحاجز الذي بينهما هو ما بين السماء والأرض. قاله الضحاك.
وعلى الأقوال الباقية: الحاجز: هو الأرض التي بينهما. قاله الحسن وقتادة.
وقال بعضهم: الحاجز: هو القدرة الإلهية.
وقوله: «لا يَبْغِيَان» . قال قتادة: لا يبغيان على النَّاس فيغرقانهم، جعل بينهم وبين الناس اليبس.
وقال مجاهد وقتادة أيضاً: لا يبغي أحدهما على صاحبه فيغلبه.
وقال ابن زيد: «لا يبغيان» أي يلتقيان، تقديره: مرج البحرين يلتقيان لولا البرزخ الذي بينهما لا يبغيان أن يلتقيا.
وقيل: البرزخ ما بين الدنيا والآخرة، أي: بينهما مدة قدرها الله تعالى، وهي مدة الدنيا فهما لا يبغيان، فإذا أذنَ الله بانقضاء الدنيا صار البحران شيئاً واحداً، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا البحار فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: ٣] .
وقال سهل بن عبد الله: البحران: طريق الخير والشر، والبرزخ الذي بينهما التوفيق والعصمة.
فصل في إحاطة البحار بالأرض
قال ابن الخطيب: إن الله - تعالى - خلق في الأرض بحاراً تحيط بها الأرض، وخلق بحراً محيطاً بالأرض أحاط به الهواء، كما قال به أهل الهيئةِ، وهذه البحار التي في الأرض لها اتصال بالبحر المحيط، ثم إنهما لا يبغيان على الأرض، ولا يغطيانها بفضل الله لتكون الأرض بارزة يتخذها الإنسان مكاناً، وعند النظر إلى أمر الأرض يحار الطبيعي ويتلجلج في الكلام، فإن عندهم أن طبع الأرض يكون في المركز مغموراً بالماء، ويكون الماء محيطاً بجميع جوانبه، فإذا سئلوا عن ظهور الأرض من الماء قالوا: جذب في الأرض.
فإذا قيل لهم: لماذا تجذب؟ وما سبب الجذب؟ .
стр. 11328
فالذي عنده قليل من الحق أسند ذلك إلى إرادة الله تعالى ومشيئته، والآخر يقول: ذلك بحسب اتصالات الكواكب وأوضاعها.
فإن قيل له: لماذا اختلفت أوضاع الكواكب على الوجه الذي أوجب البرد في بعض الأرض دون بعض؟ بهت كما بهت الذي كفر، ويرجع إلى الحق إن هداه الله تعالى.
وقال ابن الخطيب: ومعنى الآية أن الله - تعالى - أرسل بعض البحرين إلى بعض، ومن شأنهما الاختلاط فحجزهما ببرزخ من قدرته، فهما لا يبغيان، أي: لا يجاوز كل واحدٍ منهما ما حد له.
و «البَغْي» : مجاوزة الحد، أو من الابتغاء وهو الطَّلب، أي: لا يطلبان غير ما قدر لهما.
قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ قرأ نافع، وأبو عمرو: «يُخْرَجُ» مبنيًّا للمفعول، والباقون: مبنيًّا للفاعل على المجاز.
قالوا: ثم مضاف محذوف، أي «من أحدهما» ؛ لأن ذلك لم يؤخذ من البحر العذب حتى عابُوا قول الشاعر: [الطويل]
٤٦٣٤ - فَجَاءَ بِهَا ما شِئْتَ مِنْ لطَمِيَّةٍ ... على وجْهِهَا مَاءُ الفُراتِ يَمُوجُ
قال مكي: «كما قال: ﴿على رَجُلٍ مِّنَ القريتين﴾ [الزخرف: ٣١] ، أي: من إحدى القريتين، فحذف المضاف كثير شائع» .
وقيل: هو كقوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] وإنما الناسي فتاه، ويعزى هذا لأبي عبيدة.
قال البغوي: وهذا جائز في كلام العرب أن يذكر شيئين، ثم يخص أحدهما بفعل، كقوله: ﴿يَامَعْشَرَ الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] ، ثم كانت الرسل من الإنس.
وقيل: يخرج من أحدهما اللؤلؤ، ومن الآخر المرجان.
وقيل: بل يخرجان منهما جميعاً.
ثم ذكروا أقاويل.
стр. 11329
منها: أنهما يخرجان من المِلْح في المواضع الذي يقع فيه العذب، وهذا مشاهد عند الغواصين، وهو قول الجمهور، فناسب ذلك إسناده إليهما.
ومنها: قول ابن عباس ﵄: تكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر، والصدف تفتح أفواهها للمطر، وقد شاهده الناس، فيكون تولده من بحر السماء، وبحر الأرض. وهذا قول الطبري.
ومنها: أن العذب في الملح كاللقاح، كما يقال: الولد يخرج من الذَّكر والأنثى.
ومنها: أنه قيل: منهما من حيثُ هما نوع واحد، فخروج هذه الأشياء إنما هي منهما، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً﴾ [نوح: ١٦] وإنما هو في واحدةٍ منهن.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: لم قال:» منهما «، وإنما يخرجان من الملح؟
قلت: لما التقيا، وصارا كالشيء الواحد، جاز أن يقال: يخرجان منهما كما يقال: يخرجان من البحر، ولا يخرجان من جميع البحر، وإنما يخرجان من بعضه، وتقول: خرجت من البلد، وإنما خرجت من محلَّةٍ واحدة من محاله، بل من دارٍ واحدة من دُورهِ، وقيل: لا يخرجان إلَاّ من ملتقى الملح والعذب» . انتهى.
وقال بعضهم: كلام الله أولى بالاعتبار من كلام بعض النَّاسِ، فمن الجائز أن يسوقها من البحر العذب إلى الملح، واتفقُوا أنهم لم يخرجوها إلا من الملح، وإذا كان في البر أشياء تخفى على التُّجَّار المترددين القاطعين المفاوز، فكيف بما هو في قَعْرِ البحر؟ .
فالجواب عن هذا: أن الله لا يخاطب الناس، ولا يمنن عليهم إلا بما يألفون، ويشاهدون.
و «اللؤلؤ» : قيل: كِبارُ الجوهر، والمرجان: صغاره. قاله علي، وابن عباس، والضحاك ﵃.
وقيل بالعكس، وأنشدوا قول الأعشى ﵀: [البسيط]
стр. 11330
٤٦٣٥ - مِنْ كُلِّ مَرْجَانةٍ فِي البَحْرِ أحْرَزَهَا ... تيَّارُهَا ووقَاهَا طينهَا الصَّدَفُ
أراد اللؤلؤة الكبيرة. قاله علي، وابن عباس أيضاً.
وقيل: «المرجان» : حجر أحمر.
وقيل: حجر شديد البياض، والمرجان أعجمي.
قال ابن دريد: لم أسمع فيه كلاماً منصرفاً.
و «اللؤلؤ» ، بناء غريب لم يرد على هذه الصيغة إلا خمسة ألفاظ: اللؤلؤ، و «الجُؤجؤ» وهو الصَّدر، و «الدُّردؤ» ، و «اليُؤيُؤ» - لطائر - و «البُؤبؤ» - بالموحدتين - وهو الأصل، و «اللُّؤلُؤ» - بضمتين - والهمز هو المشهور.
وإبدال الهمزة واواً شائع فصيح وقد تقدم ذلك.
وقرأ طلحة: «اللُّؤلِىء» - بكسر اللام الثالثة - وهي لغة محفوظة، ونقل عنه أبو الفضل: «اللُّولِي» بقلب الهمزة الأخيرة ياء ساكنة، كأنه لما كسر ما قبل الهمزة قلبها ياء استثقالاً.
وقرأ أبو عمرو في رواية: «يُخْرِجُ» أي: الله تعالى، وروي عنه، وعن ابن مقسم: «نُخْرِج» بنون العظمةِ.
و «اللؤلؤ والمرجان» على هاتين القراءتين منصوبان.
فصل في مناسبة نعمة اللؤلؤ والمرجان للنعم السابقة
قال ابن الخطيب: فإن قيل: أي نعمة عظيمة في «اللُّولؤ والمرجان» حتى ذكرهما مع نعمة تعليم القرآن وخلق الإنسان؟ .
وأجاب بأن النعم منها خلق الضَّروريات كالأرض التي له مكاناً، وكذا الرزق الذي به بقاؤه.
ومنها ما يحتاج إليه، وإن لم يكن ضروريًّا كالحيوان، وإجراء الشمس والقمر.
ومنها المنافع وإن لم يكن محتاجاً إليها كالفاكهة، وخلق البحار، كقوله تعالى: ﴿والفلك التي تَجْرِي فِي البحر بِمَا يَنفَعُ الناس﴾ [البقرة: ١٦٤] .
стр. 11331
ومنها الزينة وإن لم يكن نافعاً كاللؤلؤ والمرجان، كقوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤] ، فالله تعالى ذكر أنواع النعم الأربعة، وصدرها بالنعمة العظيمة التي هي الروح وهو العلم بقوله: ﴿عَلَّمَ القرآن﴾ [الرحمن: ٢] ، أو يقال: بأن المقصود منه عجائب الله لا بيان النعم؛ لأن النعم سبق ذكرها فذكر خلق الإنسان من صلصال، وخلق الجان من مارج من نارٍ، وهذان من العجائب الدَّالة على القدرة، لا من النعم.
واعلم أن الأركان أربعة: التراب والماء والهواء والنار، فالله تعالى بيّن بقوله: ﴿خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ﴾ ، أن التراب أصل لمخلوق عجيب، وبين بقوله: ﴿وَخَلَقَ الجآن مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ ، أن النار أيضاً أصل لمخلوق عجيب، وبين بقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ أن الماء أصل لمخلوق آخر كالحيوان عجيب، بقي الهواء لكنه غير محسوس، فلم يذكر أنه أصل مخلوق، لكن بين كونه منشئاً للجواري التي في البحر كالأعلام.
فقال: «ولهُ الجوارِ» .
العامة على كسر «الراء» ؛ لأنه منقوص على «مفاعِل» والياء محذوفة لفظاً لالتقاء الساكنين.
وقرأ عبد الله والحسن، ويروى عن أبي عمرو، «برفع الراء تناسياً للمحذوف» . ومنه: [الرجز]
٤٦٣٦ - لَهَا بَنَاتٌ أرْبَعٌ حِسَانُ ... وأرْبَعٌ فثَغْرُهَا ثَمَانُ
وهذا كما قالوا: هذا شاكٍ وقد تقدم تقرير هذا في الأعراف عند قوله: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] .
قوله: «المُنشآتُ» .
قرأ حمزة، وأبو بكر بخلاف عنه بكسر الشِّين، بمعنى أنها تنشىء الموج بجريها، أو تنشىء السير إقْبَالاً وإدباراً، أو التي رفعت شراعها، والشِّراع: القلاع.
وعن مجاهد: كل ما رفعت قلعها فهي من المنشآت، وإلا فليست منها ونسبة الرَّفع
стр. 11332
إليها مجاز، كما يقال: أنشأت السَّحابة المطر.
والباقون: بالفتح، وهو اسم مفعول، أي أنشأها الله، أو الناس، أو رفعوا شراعها.
وقرأ ابن أبي عبلة: «المُنَشَّآت» بتشديد الشين مبالغة.
والحسن: «المُنشَّأة» بالإفراد وإبدال الهمزة ألفاً وتاء محذوفة خطاً، فأفرد الصفة ثقة بإفهام الموصوف الجمعية، كقوله: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٥] .
وأما إبداله الهمزة ألفاً وإن كان قياسها بين بين، فمبالغة في التخفيف.
كقوله: [البسيط]
٤٦٣٧ - إنَّ السِّباعَ لَتَهْدَا فِي مَرَابِضِهَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... .
أي: «لتهدأ» وأما كتابتها بإلقاء المحذوفة، فاتباعاً للفظها في الوصل.
و «في البَحْر» متعلق ب «المنشآت» أو «المنشأة» ، ورسمه بالتاء بعد الشين في مصاحف «العراق» يقوي قرءاة الكسر، ورسمه بدونها يقوي قراءة الفتح، وحذفوا الألف كما تحذف في سائر جمع المؤنث السالم.
و «كالأعلام» حال، إما من الضمير المستكنّ في «المنشآت» ، وإما من «الجواري» وكلاهما بمعنى واحد.
فصل في المراد بالجواري
«الجَوَارِي» جمع جارية. وهي اسم أو صفة للسفينة، وخصها بالذكر؛ لأن جريها في البحر لا صنع للبشر فيه، وهم معترفون بذلك، فيقولون: «لك الفُلْك، ولك المُلْك» .
وإذا خافوا الغرقَ دعوا الله خاصة، وسميت السفينة جارية؛ لأن شأنها ذلك وإن كانت واقفةً في السَّاحل كما سماها في موضع آخر ب «الجارية» ، فقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية﴾ [الحاقة: ١١] .
стр. 11333
وسماها بالفلك قبل أن تكون كذلك، فقال لنوح ﵊ ُ: ﴿واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧] ثم بعد ما عملها سمَّاها سفينة، فقال: ﴿فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ السفينة﴾ [العنكبوت: ١٥] .
واعلم أن المرأة المملوكة تسمى أيضاً جارية؛ لأن شأنها الجري والسعي في حوائج سيدها، بخلاف الزَّوجة، فهو من الصفات الغالبة.
و «السفينة» : «فعيلة» بمعنى «فاعلة» عند ابن دريد، أي: تسفن الماء و «فَعِيلَة» بمعنى «مفعولة» عند غيره بمعنى منحوتة، قال ابن الخطيب: فالفُلك أولاً، ثم السفينة، ثم الجارية.
والأعلام: الجبال، والعلم: الطويل، قال: [الرجز]
٤٦٣٨ - إذَا قطعْنَ علماً بَدَا عَلَمْ ... وقالت الخنساء في صخر: [البسيط]
٤٦٣٩ - وإنَّ صَخْراً لتَأتَمُّ الهُدَاةُ بِهِ ... كَأنَّهُ علمٌ فِي رَأسِهِ نَارُ
أي «جبل» ، فالسفن في البحر كالجبال في البر.
وجمع «الجواري» ووحد «البحر» ، وجمع «الأعلام» إشارة إلى عظمةِ البحر.
стр. 11334
قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ غلب من يعقل على غيره، وجميعهم مراد.
والضمير في «عليها» للأرض.
قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: ٣٢] .
ورد هذا بأنه قد تقدم ذكرها في قوله: ﴿والأرض وَضَعَهَا﴾ [الرحمن: ١٠] .
وقيل: الضمير عائد إلى الجارية.
قال ابن عباس ﵄: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض. فنزلت ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] فأيقنت الملائكة بالهلاك. وقاله مقاتل.
ووجه النعمة في فناء الخلق: التسوية بينهم في الموت.
وقيل: وجه النِّعمة أن الموت سبب النَّقل إلى دار الجزاء والثواب.
قوله: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي ويبقى الله، فالوجه عبارة عن وجود ذاته .
قال ابن عباس ﵄: الوجه عبارة عنه، كما قال ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ .
ويقال: هذا وجه الأمر، ووجه الصواب، وعين الصواب، ومعنى ﴿ذو الجلال والإكرام﴾ أي: هو أهل لأن يكرم، وهذا خطاب مع كل سامع.
وقيل: خطاب للنبي ﷺ َ.
فإن قيل: كيف خاطب الاثنين بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا﴾ .
وخاطب هاهنا الواحد فقال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ، ولم يقل: «وجْه ربِّكُمَا» ؟ .
فالجواب: أن الإشارة هاهنا وقعت إلى فناء كل أحد، فقال: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ أيها السامع ليعلم كل أحد أن غيره فانٍ، فلو قال: ويبقى وجه ربكما، لكان كل أحد يخرج نفسه، ورفيقه المخاطب عن الفناء.
فإن قيل: فلو قال: «ويبقى وجه الرّب» من غير خطاب، كان أدَلَّ على فناء الكل؟ .
فالجواب: إن كان الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر، والموضع موضع بيان اللطف، وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف الخطاب.
стр. 11335
قوله تعالى: ﴿ذُو الجلال والإكرام﴾ .
العامة على «ذو» بالواو صفة للوجه، وأبي، وعبد الله: «ذي» بالياء صفة ل «ربّك» . وسيأتي خلاف القراء في آخر السورة إن شاء الله تعالى.
و «الجلال» : العظمة والكبرياء.
و «الإكرام» : يكرم أنبياء وأولياءه بلُطفه مع جلاله وعظمته.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه مستأنف.
والثاني: أنه حال من «وجه» ، والعامل فيه «يبقى» أي يبقى مسئولاً من أهل السموات والأرض.
وفيه إشكال؛ لأنه لما قال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ كان إشارة إلى بقائه بعد فناء من على الأرض، فكيف يكون في ذلك الوقت مسئولاً لمن في الأرض؟ .
قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه.
الأول: أنهم يفنون بالنظر إليه، لكنهم يبقون بإبقاءِ الله، فيصح أن يكون الله مسئولاً.
الثاني: أن يكون مسئولاً معنًى لا حقيقة؛ لأنهم إذا فنوا فهم يسألونه بلسان الحالِ.
الثالث: أن قوله: «ويبقى» للاستمرار فهو يبقى ويعيد من كان في الأرض، ويكون مسئولاً.
الرابع: أنَّ السَّائلين هم الملائكة الذين هم في الأرض فأنهم فيها، وليسوا عليها، ولا يضرّهم زلزلتها، فعندما يفنى من عليها يبقى الله تعالى، ولا يفنى في تلك الحال الملائكة، فيسألونه ماذا نفعل؟ فيأمرهم بما يريد.
فصل في تحرير السؤال المقصود
وهذا السُّؤال إما استعطاف، وإما استعطاء، فيسأله كل أحد ما يحتاج إليه.
قال ابن عباس وأبو صالح: أهل السموات يسألونه المغفرة، ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعاً.
стр. 11336
قال ابن جريج: تسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض، فكانت المسألتان جميعاً من أهل السماء، وأهل الأرض لأهل الأرض.
قال القرطبي: وفي الحديث: «إنَّ مِنَ الملائكةِ ملكاً لهُ أربعةُ أوجهٍ، وجهٌ كوجْهِ الإنسانِ وهو يَسْألُ اللَّه الرِّزْقَ لِبَنِي آدَمَ، ووجهُ كوجْهِ الأسَدِ وهو يسألُ الله الرِّزْقَ للسِّباع، ووجْه كوجه الثَّوْر وهو يسألُ الله الرِّزْق للبهَائِمِ، ووجْه كوجْهِ النَّسْر وهو يَسْأَلُ الله الرِّزْق للطَّيْرِ»
وقال ابن عطاء: إنهم يسألونه القوة على العباد.
قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ منصوب بالاستقرار الذي تضمنه الخبر، وهو قوله: «فِي شأن» .
والشأن: الأمر.
فصل في تفسير هذه الآية
روى أبو الدرداء عن النبي ﷺ َ قال: «» كُلَّ يوم هُوَ في شأنٍ «قال:» مِنْ شَأنِه أن يَغْفِرَ ذَنْباً، ويُفَرِّجَ كُرْبَةً، ويرفعَ أقواماً، ويضع آخرين «» .
وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ َ في قول الله : ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: يَغْفِرُ ذَنْباً، ويكْشِفُ كَرْباً ويُجِيْبُ داعياً.
وقيل: من شأنه أنه يُحْيي ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويرزق ويمنع.
وقال ابن بحر: الدّهر كله يومان:
أحدهما: مدة أيام الدنيا.
والآخر: يوم القيامة، فشأنه في أيام الدنيا الابتلاء والاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأنه يوم القيامة: الجزاء والحساب والثواب والعقاب.
والظَّاهر أن المراد بذلك الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا.
стр. 11337
وقال عمرو بن ميمون: في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ من شأنه أن يميت حيًّا، ويحيي ميّتًا ويقرّ في الأرحام، ويعز ذليلاً، ويذلّ عزيزاً.
وقيل: من شأنه أن يولج الليل في النهار، ويولج النَّهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويشفي سقيماً، ويسقم سليماً، ويبتلي معافى ويعافي مُبْتلى، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويفقر غنيًّا، ويغني فقيراً.
وقال الكلبي: هو سوق المقادير المواقيت.
وعن عبد الله بن طاهر أنه دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي قوله تعالى:
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين﴾ [المائدة: ٣١] وقد صح أن الندم توبة.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وصح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَاّ مَا سعى﴾ [النجم: ٣٩] فما بال الإضعاف؟ .
فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة؛ لأن الله خصّ هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم.
وقيل: إن ندم «قابيل» لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَاّ مَا سعى﴾ [النجم: ٣٩] ، فمعناه: ليس له إلَاّ ما سعى عدلاً، ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً.
وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنها شُئُون يبديها ولا يبتديها، فقام عبد الله بن طاهر وقَبَّلَ رأسه، وسوغ خراجه.
قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ .
قرأ: «سيفرغ» - بالياء - الأخوان، أي سيفرغ الله تعالى. والباقون من السبعة: بنون العظمة، والرَّاء مضمومة في القراءتين، وهي اللغة الفصحى لغة «الحجاز» .
وقرأها مفتوحة الراء مع النون الأعرج، ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون من «فَرَغَ» بفتح الراء في الماضي، وفتحت في المضارع لأجل حرف الحَلْق.
стр. 11338
والثاني: أنه سمع فيه «فَرِغَ» - بكسر العين - فيكون هذا مضارعه، وهذه لغة «تميم» وقرأ عيسى بن عمر وأبو السمال: «سَنِفْرَغُ» - بكسر حرف المضارعة وفتح الراء. وتوجيهها واضح مما تقدم في «الفاتحة» .
قال أبو حاتم: هذه لغة سفلى «مضر» .
والأعمش وأبو حيوة وإبراهيم: «سَيُفْرَغُ» - بضم الياء - من تحت مبنيًّا للمفعول.
وعيسى - أيضاً - بفتح نون العظمة، وكسر الراء.
والأعرج - أيضاً - بفتح الياء، ويروى عن أبي عمرو.
فصل في الكلام على فرغ
قال القرطبي: «يقال: فرغتُ من الشغل أفرغُ فُرُوغاً وفَرَاغاً، وتفرَّغْتُ لكذا، واستفرغتُ مجهودي في كذا، أي: بذلته، وليس لله - تعالى - شغل يفرغ منه، وإنما المعنى: سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، فهو وعيد لهم وتهديد قاله ابن عباس والضحاك، كقول القائل لمن يريد تهديده: إذن أتفرغ لك، أي: أقصد قصدك» .
وأنشد ابن الأنباري لجرير: [الوافر]
٤٦٤٠ - ألانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ ... فَهَذَا حِينَ كُنْتُ لَهُمْ عَذَابَا
وأنشد الزجاج والنحاس: [الطويل]
٤٦٤١ - فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحِجْلِ ... ويدل عليه قراءة أبيِّ ﵁: «سَنفْرُغُ إليْكُمْ» أي سنقصد إليكم.
стр. 11339
وفي حديث النبي ﷺ َ «أنه لما بايع الأنصار ليلة» العقبةِ «، صاح الشيطان: يا أهل الجباجب هذا مُذمَّمٌ يبايع بني» قيلة «على حربكم، فقال النبي ﷺ َ:» هذا أزَبّ العقبة، أما والله لأتفرَّغن لك «
أي: أقصد إلى إبطال أمرك.
وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما.
قال ابن الأثير: الأزَبُّ في اللغة: الكثير الشعر، وهو هاهنا شيطان اسمه «أزب العقبة» وهو الحيّة.
وقيل: إن الله - تعالى - وعد على التقوى، وأوعد على الفُجُور، ثم قال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أي: مما وعدناكم، ونوصل كلاًّ إلى ما وعدناه، أقسم ذلك وأتفرغ منه. قاله الحسن، ومقاتل، وابن زيد.
قوله تعالى: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ . تقدم الكلام في قراءة «أيُّهَا» في «النور» [النور: ٣١] وهو منادى، والحكمة في نداء المُبْهَم هي تنبيه كل سامع، ثم يخصص المقصود بعد ذلك، فيكون فيه اهتمام بالمنادى.
وأيضاً يجعل المبهم وصلة لنداء المعرف باللام، وزيد معه هاء التي للتَّنبيه عوضاً عن الإضافة؛ لأن المبهم يضاف.
و «الثَّقلان» الجنّ والإنس، سُمِّيَا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف.
وقيل: سمّوا بذلك؛ لأنهما ثقلا الأرض أحياء وأمواتاً.
قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢] .
ومنه قولهم: أعطهِ ثقله أي وزنه.
وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قَدْر ووزن ينافس فيه فهو ثقل، ومنه قيل لبيض النعام: ثقل، لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به.
وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين؛ لأنهم مثقلان بالذنوب.
وقيل: الثَّقَل الإنس لشرفهم، وسمّي الجن بذلك مجازاً للمجاورة والتغليب كالعَمريْن والقَمريْن والثَّقَل: العظيم الشريف.
قال ﵊ ُ: «إنِّي تاركٌ فيكم ثقلينِ: كتاب اللَّهِ وعترتِي» .
стр. 11340
فصل في سبب التثنية بعد الجمع
جمع في قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ ثم قال: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ ؛ لأنهما فريقان، وكل فريق جمع، وهذا كقوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم﴾ ، ولم يقل «إن استطعتما» ؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: ٤٥] .
وقوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] ، ولو قال: سنفرغ لكما، أو قال: استطعتما، لجاز.
وقرأ أهل «الشَّام» : «أيُّهُ الثَّقلانِ» بضم الهاء، والباقون: بفتحها.
فصل في أن الجن مكلفون
هذه الآيات التي في «الأحقاف» ، و ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ [الجن: ١] دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيّون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم.
قوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية. لما بين أن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، كأن قائلاً قال: فلم أخر عذابهم؟ .
فأجيب: بأن الجميع في قبضته، وأن الذي يستعجل إنما يخاف الفوت، والجميع في قبضة الله - تعالى - فلا يفوتونه.
و «المعشر» : الجماعة العظيمة؛ لأن المعشر هو العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلَاّ بابتداء فيه حيث يعيد الآحاد، تقول: أحد عشر، واثنا عشر وعشرون، وثلاثون، أي ثلاث عشرات، فالمعشر كأنه في محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة.
فإن قيل: ما الحكمة في تقديم الجنّ على الإنس هاهنا، وتقديم الإنس على الجن في قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن﴾ [الإسراء: ٨٨] ؟ .
فالجواب: أن النفوذ من أقطار السموات والأرض بالجن أليق إن أمكن، والإتيان
стр. 11341
بمثل هذا القرآن بالإنس أليق إن أمكن الإتيان، فقدم في كل موضع ما يليق به.
فصل في المراد بالآية
معنى الآية: إن استطعتم أن تنفذوا: تجوزوا وتخرجوا بسرعة.
والنفوذ: الخروج وقد تقدم في أول «البقرة» أن ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على الخروج كنفق ونفر، قال تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ فاهربوا واخرجوا منها، وهذا أمر تعجيز، والمعنى: حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت﴾ [النساء: ٧٨] وهو قول الضحاك.
وروى جويبر عن الضحاك أيضاً قال: يقال لهم هذا يوم القيامة، يعني: إن استطعتم أن تجوزوا أقطار السموات والأرض، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم، فجوزوا يعني لا مهرب لكم ولا خروج لكم عن ملك الله ، وأينما تولوا فثمَّ ملك الله.
وقال ابن عباس إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض فاعلموه ولن تعلموه إلا بسلطان أي يبينه من الله وعنه أيضاً لا تنفذون إلا بسلطان لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم وقال قتادة: لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك وقيل: الباء بمعنى إلى أي إلا إلى سلطان كقوله تعالى وقد أحسن بي أي إليّ.
وقيل معناه: لا تنفذوا إلا ومعكم سلطان الله وقيل معناه: لا تتخلصون من عذاب الله إلا بسلطان يجيركم وإلا فلا مجير لكم.
قوله تعالى: ﴿إِلَاّ بِسُلْطَانٍ﴾ . حال أو متعلق بالفعل قبله.
والسلطان: القوة التي يتسلّط بها على الأمر والملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يريد: حيث ما توجهتم كنتم في ملكي.
قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ .
قرأ ابن كثير: بكسر الشين والباقون: بضمها، وهما لغتان بمعنى واحد مثل: «صِوَار» من البقر، و «صُوَار» وهو القطيع من البقر.
стр. 11342
و «الشُّواظ» : قيل: اللَّهب معه دخان.
وقال ابن عباس وغيره: هو اللهب الخالص الذي لا دُخان له.
وقيل: اللَّهب الأحمر.
وقيل: هو الدخان الخارج من اللهب.
وقال رؤبة ﵀: [الرجز]
٤٦٤٢ - ... ... ... ... ... ... ... ... ونَارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظَا
وقال حسَّان ﵁: [الوافر]
٤٦٤٣ - هَجَوْتُكَ فاختضَعْتَ لَهَا بِذُلٍّ ... بِقَافِيةٍ تأجَّجُ كالشُّوَاظِ
وقال مجاهد: «الشُّواظ» : اللَّهب الأخضر المنقطع من النَّار.
وقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من دخان اللَّهب ليس بدخان الحطب.
وقاله سعيد بن جبير.
وقيل: «الشُّواظ» : النَّار والدخان جميعاً. قاله ابن عمر، وحكاه الأخفش عن بعض العرب.
و «يُرْسَل» مبني للمفعول وهي قراءة العامة، وزيد بن علي «نرسل» بالنون شُواظاً ونحاساً بالنصب، و «من نار» صفة ل «شواظ» أو متعلق ب «يرسل» .
قوله: «ونُحَاس» .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بجره عطفاً على «نار» .
والباقون: برفعه عطفاً على «شُواظ» .
و «النُّحَاس» : قيل: هو الصفر المعروف يذيبه الله - تعالى - ويعذبهم به.
стр. 11343
وقيل: الدخان الذي لا لهب معه.
قال الخليل: وهو معروف في كلام العرب.
وأنشد للأعشى: [المتقارب]
٤٦٤٤ - يُضِيءُ كَضَوْءِ السِّرَاجِ السَّلِي ... طِ لَمْ يَجْعَل اللَّهُ فيهِ نُحَاسَا
قال المهدوي: من قال: إن الشواظ النار والدخان جميعاً، فالجر في «نُحَاس» على هذا بين.
فأما الجر على قول من قال: إن الشواظ اللَّهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنه قال: «يرسل عليكما شواظ من نار، وشيء من نحاس» ف «شيء» معطوف على شواظ، و «من نحاس» جملة هي صفة لشيء، وحذف «شيء» وحذفت «من» لتقدم ذكرها في «من نار» كما حذفت «على» من قولهم: على من تنزل أنزل أي: وعليه، فيكون «نُحَاس» على هذا مجروراً ب «من» المحذوفة، وتضم نونه وتكسر، وبالكسر قرأ مجاهد، وطلحة والكلبي، ونقله القرطبي عن حميد أيضاً، وعكرمة، وأبي العالية.
وقرأ ابن جندب: «ونَحْسٌ» ، كقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: ١٩] وابن أبي بكرة، وابن أبي إسحاق: «ونَحُسُّ» بضم الحاء والسين مشددة من قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم﴾ [آل عمران: ١٥٢] أي: ونقتل بالعذاب، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً: «ونَحس» بضم الحاء وفتحها وكسرها وجر السين، والحسن والقاضي: «ونُحُسٍ» بضمتين وجر السين.
وتقدمت قرأة زيد: «ونُحَاساً» بالنَّصْب لعطفه على «شُواظاً» في قراءته.
و «النِّحاس» أيضاً بالكسر: الطبيعة والأصل.
يقال: فلان كريم النحاس و «النُّحاس» أيضاً بالضم، أي: كريم النِّجار.
стр. 11344
قال ابن مسعود: النحاس: المهل وقال الضحاك: هو دُرْديّ الزَّيت المغلي.
وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح شديدة.
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾ أي: لا ينصر بعضكم بعضاً، يعني الجن والإنس.
وثنّى الضمير في «عَلَيْكُمَا» ؛ لأن المراد النوعان، وجمع في قوله: «إن اسْتَطعْتُمْ» ؛ لأنه خطاب للمعشر، وكذا قوله تعالى: ﴿فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾ خطاب للحاضرين، وهم نوعان.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ جوابه مقدر، أي: رأيت هولاً عظيماً، أو كان ما كان.
وقوله: «فَكَانَت ورْدَةً» أي: مثل وردة.
فقيل: هي الزهرة المعروفة التي تشمّ شبهها بها في الحمرة.
وأنشد قول الشاعر: [الطويل]
٤٦٤٥ - فَلَوْ كُنْتُ وَرْداً لونُهُ لَعشِقْتَنِي ... ولكِنَّ ربِّي شَانَنِي بِسَوَادِيَا
وقيل: هي من لون الفَرَس الورد يكون في الربيع إلى الصُّفرة، وفي الشتاء إلى الحُمْرة، وفي شدة البرد إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلون الوردة من الخَيل.
وقرأ عمرو بن عبيد: «وَرْدَةٌ» بالرفع.
قال الزمخشري: فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي يسمى التَّجريد؛ كقوله: [الكامل]
٤٦٤٦ - فَلَئِنْ بَقِيتُ لأرحلنَّ بِغَزْوَةٍ ... تَحْوِي الغَنائمَ أو يَمُوتَ كَرِيمُ
قوله: «كالدِّهان» يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون نعتاً ل «وَرْدَة» ، وأن يكون حالاً من اسم «كانت» .
وفي «الدِّهَان» قولان:
стр. 11345
أنه جمع «دُهْن» نحو: قُرْط وقِرَاط، ورُمْح ورِمَاح، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿تَكُونُ السمآء كالمهل﴾ [المعارج: ٨] وهو: دردي الزيت.
والثاني: أنه اسم مفرد.
فقال الزمخشري: «اسم ما يدهن به كالحزام والإدام» ؛ وأنشد: [الطويل]
٤٦٤٧ - كأنَّهُمَا مَزادَتَا مُتَعَجِّلٍ ... فريَّان لمَّا تُدهَنَا بدِهَانِ
وقال غيره: هو الأديم الأحمر؛ وأنشد للأعشى: [الوافر]
٤٦٤٨ - وأجْرَدَ مِنْ كِرامِ النَّخْلِ طَرْفٍ ... كأنَّ على شَواكِلِه دِهَانَا
أي: أديماً أحمر، وهذا يحتمل أن يكون جمعاً، ويؤيده ما أنشده منذر بن سعيد: [الطويل]
٤٦٤٩ - تَبِعْنَ الدِّهَانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ... بمَوْسمِ بَدْرٍ أو بِسُوقِ عُكَاظِ
فقوله: «الحمر» يحتمل أن يكون جمعاً، وقد يقال: هو كقولهم: أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض، إلَاّ أنه خلاف الأصل.
وقيل: شبهت بالدهان وهو الزيت لذوبها ودورانها.
وقيل: لبريقها.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ انصدعت يوم القيامة، ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ .
قال مجاهد والضحاك، وغيرهما: «الدهان» : الدهن، والمعنى: صارت في صفاء الدّهن، والدهان على هذا جمع دهن.
следующие страницы →