← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 11796–11835 · переход к 11801.

стр. 11796

وهذا الاختصاص يفيد أنه لا غبن في الدنيا، فكل من اطلع على غبن في بيع فإنه مردود إذا زاد على الثلث. واختاره البغداديون، واحتجوا عليه بقوله ﵊ ُ - لحبان بن منقد: «إذا بِعْتَ فَقُل: لا خَلابَةَ ولَكَ الخِيَارُ ثلاثاً» . ولأن الغَبْنَ في الدنيا ممنوع منه بالإجماع في حكم الدين إذ هو من باب الخِدَاع المحرم شرعاً في كل ملّة، لكن اليسير منه لا يمكن الاحتراز عنه فمضى في البيوع، إذ لو حكمنا برده ما نفذ بيع أبداً؛ لأنه لا يخلو منه، فإذا كان كثيراً أمكن الاحتراز منه فوجب الرد به، والفرق بين القليل والكثير في الشريعة معلوم فقدرناه بالثلث، وهذا الحد اعتبر الشارع في الوصية وغيرها. ويكون معنى الآية على هذا: يوم التغابن الجائز مطلقاً من غير تفصيل، وذلك يوم التَّغابن الذي لا يستدرك أبداً. قال بعض علماء الصُّوفية: إنَّ الله - تعالى - كتب الغَبْنَ على الخَلْقِ أجمعين، فلا يلقى أحد ربه إلا مغبوناً؛ لأنه لا يمكنه الاستيفاء للعمل حتى يحصل له استيفاء الثواب. قال ﵊ ُ -: «لَا يَلْقَى اللَّهَ أحَدٌ إلَاّ نَادِماً إن كَان مُسِيئاً أن لَمْ يُحْسِنْ، وإن كَانَ مُحْسِناً أنْ لَمْ يَزْدَدْ» . قوله: ﴿وَمَن يُؤْمِن بالله وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ﴾ . قرأ نافع وابن عامر: بالنون، والباقون: بالياء. قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ﴾ يعني القرآن ﴿أولئك أَصْحَابُ النار خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ المصير﴾ . قال ابن الخطيب: فإن قيل: قال الله تعالى في حق المؤمنين: ﴿وَمَن يُؤْمِن بالله﴾ بلفظ المستقبل، وفي حق الكُفَّار قال: «والذين كفروا» بلفظ الماضي؟ . فالجواب: أن تقدير الكلام: ومن يؤمن بالله من الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ندخله جنات ومن لم يؤمن منهم أولئك أصحاب النار. فإن قيل: قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن﴾ بلفظ الواحد و «خَالدِينَ» بلفظ الجمع؟ . فالجواب: ذلك بحسب اللفظ وهذا بحسب المعنى.

стр. 11797

فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ المصير﴾ بعد قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ﴾ وذلك بئس المصير؟ . والجواب: أن ذلك وإن كان في معناه فلا بد من التصريح [بما] يؤكده. فصل

стр. 11798

لما ذكر ما للمؤمنين ذكر ما للكفار فقال: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَاّ بِإِذْنِ الله﴾ أي: بإرادته وقضائه. وقال الفراء: يريد إلا بأمر الله. وقيل: إلا بعلم الله. وقيل: سبب نزول هذه الآية: أنَّ الكُفَّار قالوا: لو كان ما عليه المسلمون حقًّا لصانهم الله عن المصائب في الدنيا فبيّن الرب تعالى أن ما أصاب من مصيبة في نفس أو مال أو قول أو فعل يقتضي همّاً أو يوجب عقاباً آجلاً أو عاجلاً فبعلم الله وقضائه. فإن قيل: بم يتصل قوله: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَاّ بِإِذْنِ الله﴾ ؟ . فالجواب: يتعلق بقوله: ﴿فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ [التغابن: ٨] كما أن من يؤمن بالله يصدق بأنه لا تصيبه مصيبة إلا بإذن الله. قوله: ﴿وَمَن يُؤْمِن بالله﴾ يصدق ويعلم أنه لا تصيبه مصيبة إلا بإذن الله ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ للصبر والرضا. وقيل: يثبته على الإيمان. وقال أبو عثمان الجيزي: من صح إيمانه يهد الله قلبه لاتباع السنة. وقيل: ﴿وَمَن يُؤْمِن بالله يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ عند المصيبة فيقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] . قال ابن جبير. وقال ابن عباس: هو أن يجعل في قلبه اليقين ليعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه.

стр. 11799

وقال الكلبي: هو إذا ابتلي صبر وإذا أنْعِمَ عليه شكر وإذا ظلم غفر. وقيل: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ إلى نَيْل الثَّواب في الجنَّة. قوله: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ . قراءة العامة: بالياء مجزوماً جواباً للشرط لتقدم ذكر الله. وابن جبير وابن هرمز طلحة والأزرق: بالنون على التعظيم. والضحاك وأبو حفص وأبو عبد الرحمن وقتادة: «يُهْدَ» مبنياً للمفعول «قَلْبُهُ» قائم مقام الفاعل. ومالك بن دينارٍ، وعمرو بن دينار، وعكرمة: «يَهْدَأ» بهمزة ساكنة «قلبه» فاعل به، بمعنى يطمئن ويسكن. وعمرو بن فائد: «يَهْدَا» بألف مبدلة من الهمزة كالتي قبلها، ولم يحذفها نظراً إلى الأصل، وهي أفصح اللغتين. وعكرمة ومالك بن دينار أيضاً: «يَهْدَ» بحذف هذه الألف إجراء لها مُجرى الألف الأصلية، كقول زهير: [الطويل] ٤٧٧٩ - جَرِيءٌ مَتَى يُظْلَمُ يُعَاقِبْ بظُلْمِهِ ... سريعاً، وإلَاّ يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِمِ وقد تقدم إعراب ما قبل هذه الآية وما بعدها. ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . لا يخفى عليه تسليم من انقاد لأمره، ولا كراهة من كرهه. قوله: ﴿وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول﴾ . أي: هونوا على أنفسكم المصائب واشتغلوا بطاعة الله واعملوا بكتابه، وأطيعوا الرسول في العمل بسنته ﴿فَإِن تَولَّيْتُمْ﴾ عن الطاعة فليس على الرسول إلا البلاغ المبين. قوله: ﴿الله لَا إله إِلَاّ هُوَ﴾ . أي: لا معبود سواه، ولا خالق غيره. قال ابن الخطيب: «قوله ﴿لَا إله إِلَاّ هُوَ﴾ يحتمل أن يكون من جملة ما تقدم من الأوصاف الجميلة بحضرة الله تعالى من قوله: ﴿لَهُ الملك وَلَهُ الحمد وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ

стр. 11800

قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١] ، فإن من كان موصوفاً بهذه الأوصاف هو الذي لا إله إلا هو» . قوله: ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ . قال الزمخشري: هذا بعث لرسول الله ﷺ َ على التوكل عليه حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه. قوله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فاحذروهم﴾ . قال ابن عبَّاس: نزلت هذه الآية بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي شكى إلى النبي ﷺ َ جفاء أهله وولده، فنزلت، ذكره النحاس. وحكاه الطَّبريّ عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة التَّغابن كلها ب «مكة» إلا هؤلاء الآيات: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فاحذروهم﴾ نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد وكان إذا أراد الغزو بكوه ورققوه، فقالوا: إلى من تدعنا فيَرقّ فيقيم فنزلت هذه الآية إلى آخر السورة بالمدينة. روى الترمذي عن ابن عباس، وسئل عن هذه الآية قال: هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة وأرادوا أن يأتوا النبي ﷺ َ فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم يأتوا للنبي ﷺ َ فلما أتوا النبي ﷺ َ وإذا الناس قد تفقهوا في الدين فهموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. حديث حسن صحيح. فصل قال ابن العربي: هذا يبين وجه العداوة، فإن العدو لم يكن عدواً لذاته، وإنما كان

стр. 11801

عدواً بفعله، فإذا فعل الزوج والولد فعل العدو كان عدواً ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد والطاعة. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ َ قال: «إنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ فِي طريقِ الإيمانِ، فقَال لَهُ: أتُؤمِنُ وتَذَرُ دينكَ ودينَ أهْلكَ ومالكَ فخالفه فآمن، ثم قعد له على طريق الهجرة، فقال له: أتهاجر وتترك أهلك فَخالفَهُ وهاجَرَ، ثُمَّ قَعدَ لَهُ على طريقِ الجهادِ، فقَالَ لَهُ: أتُجَاهدُ فتَقْتُلَ نَفْسَك فتنُكَحَ نِسَاؤكَ ويُقسَّم مالك فخَالفَهُ فَجَاهَدَ فقُتِلَ فحقٌّ على اللَّهِ أن يُدْخِله الجَنَّة» . وقعود الشَّيطان يكون بوجهين: أحدهما: أن يكون بالوسوسة. والثاني: أن يحمل على ما يريد من ذلك الزوج والولد والصاحب، فقال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥] ، وفي حكمة عيسى ﵊ ُ -: من اتخذ أهلاً ومالاً وولداً كان في الدنيا عبداً. وقال ﵊ ُ -: «تَعِسَ عَبدُ الدِّينارِ، تَعِسَ عبدُ الدِّرهَمِ، تعِسَ عبْدُ الخَميصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ القَطِيفَة» ، ولا دَنَاءَةَ أعْظَمُ مِنْ عبادَة الدِّينار والدِّرهم، ولا همَّة أخسُّ من همَّة تَرْتَفِعُ بثَوبٍ جَديدٍ. واعلم أن قوله: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ يدخل فيه الذكر والأنثى، فكما أن الرجل تكون زوجته وولده عدوّاً له، كذلك المرأة يكون زوجها عدوّاً لها بهذا المعنى. قوله: ﴿فاحذروهم﴾ . أي: فاحذروهم على أنفسكم، والحذر على النفس يكون بوجهين: إما لضرر في البدنِ، أو لضررٍ في الدين، وضرر البدن يتعلق بالدنيا، وضرر الدين يتعلق بالآخرة، فحذر الله تعالى العبد من ذلك. قال ابن الخطيب: وقيل: أعلم الله تعالى أن الأموال والأولاد من جملة ما تقع به الفتنة، وهذا عام يعم جميع الأولاد، فإن الإنسان مفتون بولده، فإنه ربما عصى الله تعالى بسببه وباشر الفعل الحرام لأجله كغصب مال الغير وغيره. قوله: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .

стр. 11802

روى الطَّبري عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فاحذروهم﴾ . قال: كان الرجل يريد أن يأتي النبي ﷺ َ فيقول أهله: أين تذهب وتدعنا؟ . قال: فإذا أسلم وفَقُهَ قال: لأرجعن إلى الذين كانوا ينهون عن هذا الأمر فلأفعلن ولأفعلن. قال: فأنزل الله ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . وقال مجاهد في هذه الآية: ما عادوهم في الدنيا، ولكن حملتهم مودتهم لهم على أن اتخذوا لهم الحرام فأعطوه إياهم. والآية عامة في كل معصية يرتكبها الإنسان بسبب الأهل والولد، وخصوص السبب لا يمنع عموم الحكم. قوله: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ . أي: بلاء واختبار يحملكم على كسب الحرام ومنع حق الله تعالى فلا تطيعوهم في معصية الله. وفي الحديث: «يُؤتى بِرَجُلٍ يوم القِيامَةِ، فيُقال: أكَلَ عياله حَسَنَاته» . وقال بعض السلف: العيال سوس الطاعات. وقال ابن مسعود: لا يقولن أحدكم، اللهم اعصمني من الفتنة، فإنه ليس أحد منكم يرجع إلى مال ولا ولد إلا وهو مشتمل على فتنةٍ، ولكن ليقل: اللهم إني أعوذ بك من مُضلاّت الفتن. وقال الحسنُ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ ، أدخل «من» للتبعيض؛ لأن كلهم ليسوا بأعداء، ولم يذكر من في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ ؛ لأنهما لا يخلوان من الفتنة، واشتغال القلب بهما. روى الترمذي وغيره عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: «رأيت النبي ﷺ َ يخطب، فجاء الحسن والحُسَين ﵄ وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ َ فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله :

стр. 11803

﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ نظرتُ إلى هذينِ الصَّبيَّين يمشيان ويعثُرانِ فلمْ أصْبِرْ حتَّى قطعتُ حديثي ورَفعتُهُمَا ثُمَّ أخَذَا في خُطْبَتِهِ» . ﴿والله عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ . يعني: الجنة، فلا أعظم أجراً منها. قوله: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾ . قال قتادة، والربيع بن أنس، والسُّدي، وابن زيد: هذه الآية ناسخة لقوله ﴿اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] . ذكر الطبري عن ابن زيد في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] قال: جاء أمر شديد، قال: ومن يعرف هذا ويبلغه، فلما عرف الله أنه اشتد ذلك عليهم نسخها عنهم، وجاء بهذه الآية الأخرى فقال: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾ . وقال ابن عباس: هي محكمة لا نسخ فيها، ولكن حق تقاته أن تجاهد لله حق جهاده ولا تأخذهم في الله لومة لائم ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. فإن قيل: إذا كانت الآية غير منسوخة، فكيف الجمع بين الآيتين، وما وجه الأمر باتقائه حق تقاته مطلقاً من غير تخصيص، ولا مشروط بشرط، والأمر باتقائه بشرط الاستطاعة؟ . فالجواب: أن قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾ معناه فاتقوا الله أيها الناس وراقبوه فيما جعله فتنة لكم من أموالكم وأولادكم أن تغلبكم فتنتهم وتصدكم عن الواجب لله عليكم من الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام فتتركوا الهجرة وأنتم مستطيعون، وذلك أن الله - تعالى - قد كان عذر من لم يقدر على الهجرة بتركها، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ الملائكة ظالمي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] إلى قوله: ﴿فأولئك عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٩] ، فأخبر أنه قد عفا عمن لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلاً بالإقامة في دار

стр. 11804

الشرك، فكذلك معنى قوله: ﴿مَا استطعتم﴾ في الهجرة من دار الشِّرك إلى دار الإسلام أن تتركوها بفتنة أموالكم وأولادكم. ويدل على صحة هذا قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾ عقيب قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فاحذروهم﴾ ، ولا خلاف بين علماء التأويل أن هذه الآيات نزلت بسبب قوم كانوا تأخروا عن الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام بتثبيط أولادهم إياهم عن ذلك كما تقدم، وهذا اختيار الطبري. وقال ابن جبير: قوله: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾ فيما تطوع به من نافلة أو صدقة، فإنه لما نزل قوله تعالى: ﴿اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] اشتدت على القوم فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرَّحت جباهُهُمْ، فأنزل الله تخفيفاً عنهم: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾ فنسخت الأولى. قال الماوردي: ويحتمل أن يثبت هذا النَّقْل، لأن المكره على المعصية غير مؤاخذ بها، لأنه لا يستطيع اتقاءها. قوله: ﴿واسمعوا وَأَطِيعُواْ﴾ . أي: اسمعوا ما توعظون به، وأطيعوا ما تؤمرون به، وتنهون عنه. وقال مقاتل: «اسْمَعُوا» أي: أصغوا إلى ما ينزل عليكم من كتاب الله، وهو الأصل في السَّماع «وأطِيعُوا» الرسول فيما يأمركم أو ينهاكم. وقيل: معنى «واسْمَعُوا» أي: اقبلوا ما تسمعون وعبر عنه بالسماع؛ لأنه فائدته. قوله: ﴿وَأَنْفِقُواْ﴾ . قال ابن عباس: هي الزكاة. وقيل: هي النفقة في النفل. وقال الضحاك: هي النفقة في الجهاد. وقال الحسن: هي نفقة الرجل لنفسه. وقال ابن العربي: وإنما أوقع قائل هذا، قوله: «لأنفُسِكُمْ» وخفي عليه قوله: إن نفقة الفرض والنَّفْل في الصَّدقة على نفسه، قال الله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] . فكل ما يفعله الرجل من خير فإنما هو لنفسه، والصحيح أنها عامة.

стр. 11805

قوله: ﴿خَيْراً لأَنفُسِكُمْ﴾ . في نصبه أوجه: أحدها: قال سيبويه: إنه مفعول بفعل مقدر، دلَّ عليه «وأنفقوا» ، تقديره: ايتوا في الإنفاق خيراً لأنفسكم وقدموا لأنفسكم كقوله: ﴿انتهوا خَيْراً لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] . الثاني: تقديره: يكن الإنفاق خيراً، فهو خبر كان المضمرة، وهو قول أبي عبيدة. الثالث: أنه نعت مصدر محذوف، وهو قول الكسائي والفراء، أي: إنفاقاً خيراً. الرابع: أنه حال، وهو قول الكوفيين. الخامس: أنه مفعول بقوله «أنفِقُوا» ، أي: أنفقوا مالاً خيراً. قوله: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون﴾ . تقدم نظيره. وكذا ﴿إِن تُقْرِضُواْ الله قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ . تقدم في سورة البقرة والحديد. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ والله شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ . تقدم معنى الشكر في «البقرة» . والحليم: الذي لا يعجل. قال بعضهم القَرْض الحسن: هو التصدق من الحلال. وقيل: التصدق بطيب النفس، والقرض هو الذي يرجى بدله. قوله: ﴿عَالِمُ الغيب والشهادة﴾ . أي: ما غاب وحضر، «وهُوَ العَزيزُ» الغالب القاهر، فهو من صفات الأفعال، ومنه قوله : ﴿تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم﴾ [الزمر: ١] أي: من الله القاهر المُحْكم خالق الأشياء. وقال الخطابي: وقد يكون بمعنى نفاسة القدر، يقال منه: «عَزَّ يَعِزُّ» - بكسر العين - فيكون معنى العَزِيز على هذا أنه لا يعادله شيء وأنه لا مثل له «الحَكِيمُ» في تدبير خلقه. وقال ابن الأنباري: «الحَكِيمُ» هو المُحْكِم الخلق للأشياء، صرف عن «مفعل» إلى «فعيل» ومنه قوله : ﴿الم تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم﴾ [لقمان: ١، ٢] .

стр. 11806

فصرف عن «مفعل» إلى «فعيل» والله أعلم. روى الثعلبي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَا مِنْ مولُودٍ يُولَدُ إلَاّ وهو على الفطرة فِي تَشَابِيكِ رَأسِهِ مَكتُوبٌ خَمْسُ آيَاتٍ من فَاتحةِ سُورةِ التَّغَابنِ» . وعن زرّ بن حبيش قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَن قَرَأ سُورَةَ التَّغَابُنِ رَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ مَوْتَ الفُجَاءَةِ» والله أعلم.

стр. 11807

سورة الطلاق

стр. 11808

مدنية، وهي إحدى عشرة آية ومائتان وتسع وأربعون كلمة وألف وستون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء﴾ . قال ابن الخطيب: وجه تعلق هذه السورة بآخر ما قبلها، هو أنه تعالى أشار في آخر التي قبلها إلى كمال علمه بقوله: ﴿عَالِمُ الغيب والشهادة﴾ [التغابن: ١ ٨] ، وفي أول هذه السورة أشار إلى كمال علمه بمصالح النِّساء، والأحكام المخصوصة بطلاقهن، فكأنه بيّن ذلك الكلي بهذه الجزئيات. فصل في هذا الخطاب. وهذا الخطاب فيه أوجه: أحدهما: أنه خطاب لرسول الله ﷺ َ خوطب بلفظ الجمع تعظيماً له؛ كقوله: [الطويل] ٤٧٨٠ - فَإنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِوَاكُمُ ... وإنْ شِئْتُ لَمْ أطْعَمْ نُقَاخاً ولا بَرْداً الثاني: أنه خطاب له ولأمته، والتقدير: يا أيها النبي وأمته إذا طلقتم فحذف المعطوف لدلالة ما بعده عليه، كقوله: [الطويل] ٤٧٨١ - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... إذَا أنْجَلَتْهُ رِجْلُهَا ... ... ... ... ... ... .

стр. 11809

أي: ويدها. كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: ٨١] ، أي: والبرد. الثالث: أنه خطاب لأمته فقط بعد ندائه ﵊ وهو من تلوين الخطاب، خاطب أمته بعد أن خاطبه. الرابع: أنه على إضمار قول، أي: يا أيها النبي قل لأمتك إذا طلقتم النساء. قال القرطبي: قيل: إنه خطاب للنبي ﷺ َ والمراد أمته، وغاير بين اللفظين من حاضر وغائب، وذلك لغة فصيحة، كقوله: ﴿إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] ، والتقدير: يا أيها النبي قل لهم: إذا طلقتم النساء، فطلقوهن لعدتهن، وهذا هو قولهم: إن الخطاب له وحده، والمعنى له وللمؤمنين، وإذا أراد الله بالخطاب المؤمنين لاطفه بقوله: ﴿يا أيها النبي﴾ ، وإذا كان الخطاب باللفظ والمعنى جميعاً له قال: ﴿يا أيها الرسول﴾ . قال القرطبي: ويدلّ على صحة هذا القول نزول العدة في أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية. روى أبو داود: أنها طُلِّقت على عهد النبي ﷺ َ ولم يكن للمطلَّقة عدّة، فأنزل الله - تعالى - العِدّة للطلاق حين طُلقت أسماء، فكانت أولَّ من أُنزل فيها العدة للطلاق. الخامس: قال الزمخشري: «خصّ النبي ﷺ َ بالنداء وعمّ بالخطاب؛ لأن النبي إمام أمته وقدوتهم كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت اعتباراً لتقدمه وإظهاراً لترؤسه» في كلامٍ حسنٍ. وهذا هو معنى القول الثالث المتقدم. قال القرطبي: وقيل: المراد به نداء النبي ﷺ َ تعظيماً له، ثم ابتدأ: ﴿إذا طلّقتم النساء﴾ ، كقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام﴾ [المائدة: ٩٠] الآية فذكر المؤمنين تكريماً لهم، ثم افتتح فقال: ﴿إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام﴾ [المائدة: ٩٠] الآية. وقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ أي: إذا أردتم، كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة﴾ [المائدة: ٦] ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القرآن﴾ [النحل: ٩٨] . وتقدم تحقيقه.

стр. 11810

فصل في طلاق النبي ﷺ َ روى ابن ماجة عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب: أن رسول الله ﷺ َ طلّق حفصة ثم راجعها. وعن أنس قال: طلق رسول الله ﷺ َ حفصة ﵂ فأتَتْ أهلها، فأنزل الله تعالى عليه: ﴿يا أيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ، وقيل له: راجعها فإنها صوَّامة قوَّامة، وهي من أزواجك في الجنة. ذكره القشيري والماوردي والثعلبي. زاد القُشيريّ: ونزل في خروجها إلى أهلها قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ . وقال الكلبي: سبب نزول هذه الآية غضبُ رسول الله ﷺ َ على حفصة لما أسر إليها حديثاً فأظهرته لعائشة، فطلقها تطليقة، فنزلت الآية. وقال السُّديُّ: نزلت في عبد الله بن عمر، طلق امرأته حائضاً تطليقة واحدة، فأمره النبي ﷺ َ بأن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، فإن أراد أن يطلقها فليطلِّقها حين تطهر من قبل أن يجامعها فتلك العدَّة التي أمر اللَّه أن تطلق لها النساء. وقد قيل: إن رجالاً فعلوا مثل ما فعل عبد الله بن عمر، منهم عبد الله بن عمرو بن العاص، وعمرو بن سعيد بن العاص، وعتبة بن غزوان، فنزلت الآية فيهم. قال ابن العربي: وهذا كله وإن لم يكن صحيحاً فالقول الأول أمثل وأصح، والأصح فيه أنه بيان لشرع مبتدأ. فصل في الطلاق روى الثعلبي من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ َ: «إنَّ مِنْ أبْغَضِ الحَلالِ إلى اللَّهِ الطَّلاقُ» .

стр. 11811

وعن علي عن النبي ﷺ َ قال: «تَزَوَّجُوا ولا تُطَلِّقُوا، فإنَّ الطَّلاقَ يَهْتَزُّ مِنْه العَرْشُ» . وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ َ: «لا تُطلِّقُوا النِّساءَ إلَاّ من ريبَةٍ فإنَّ اللَّه لا يُحِبُّ الذَّوَّاقِينَ ولا الذواقات» . وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَا حَلَفَ بالطَّلاقِ ولا اسْتَحْلَفَ بِهِ إلَاّ مُنَافِقٌ» أسنده الثعلبي. وروى الدارقطني عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ َ: «يَا مُعَاذُ مَا يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالَى شَيْئاً عَلَى وَجْهِ الأرْضِ أحَبُّ إليْهِ مِنَ العِتَاقِ، ولا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئاً أبْغَضَ إِليْهِ من الطَّلاقِ، فإذَا قَالَ الرَّجُلُ لمَمْلُوكَهِ: أنتَ حُرٌّ - إن شَاءَ اللَّهُ - فَهُو حُرٌّ ولا اسْتِثْنَاءَ لَهُ، وإذَا قَالَ الرَّجلُ لامْرأتِهِ: أنت طَالِقٌ إن شَاءَ الله فَلهُ اسْتِثْنَاؤهُ، ولا طَلاقَ عَلَيْهِ» . وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَا أحَلَّ اللَّهُ شَيْئاً أبْغَضَ إلَيْهِ مِنَ الطَّلاقِ، فَمَن طلَّقَ واسْتَثْنَى فَله ثنياه» . قال ابن المنذر: واختلفوا في الاستثناء في الطلاق والعتق: فقالت طائفة بجوازه، وهو مروي عن طاووس. قال حماد الكوفي: والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. وقال مالك والأوزاعي: لا يجوز الاستثناء في الطلاق خاصة. قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول.

стр. 11812

فصل في وجوه الطلاق روى الدارقطني عن ابن عباس أنه قال: الطلاق على أربعة وجوه وجهان حلالان، ووجهان حرامان. فأما الحلال، فأن يطلقها [طاهراً] من غير جماع، وأن يطلّقها حاملاً متبيناً حملها، وأما الحرام فأن يطلقها حائضاً، وأن يطلقها حين يجامعها لا يدري أشْتَمَلَ الرَّحمُ على ولدٍ أمْ لَا. واعلم أن الطلاق في حال الحيض والنفاس بدعة، وكذلك في الطُّهر الذي جامعها فيه لقول النبي ﷺ َ: «وإن شَاءَ طلَّق قَبْلَ أن يمضي» . وطلاق السُّنة: أن يُطلِّقها في طُهْرٍ لم يجامعها فيه، وهذا في حقِّ المرأة يلزمها العدة بالأقراء. وأما طلاق غير المدخول بها في حيضها، أو الصغيرة التي لم تحض، والآيسة بعدما جامعها، أو طلق الحامل بعد ما جامعها، أو في حال رؤية الدم لا يكون بدعيًّا ولا سنيًّا لقوله ﵊ ُ -: «ثُمَّ ليُطلِّقْهَا طَاهِراً أو حَاملاً» . والخُلْع في حال الحيض أو في طهر جامعها فيه فلا يكون بدعياً، لأن النبي ﷺ َ أذن لثابت بن قيس في مخالعة زوجته من غير أن يعرف حالها، ولولا جوازه في جميع الأحوال لاستفسره. قوله: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ . قال الزمخشري: «مستقبلات لعدتهن» ، كقولك: أتيته لليلة بقيت من المحرم أي: مستقبلاً لها، وفي قراءة رسول الله ﷺ َ: ﴿من قبل عدتهن﴾ انتهى. وناقشه أبو حيان في تقدير الحال التي تعلق بها الجار كوناً خاصًّا. وقال: «الجار إذا وقع حالاً إنما يتعلق بكون مطلق» . وفي مناقشته نظر، لأن الزمخشري لم يجعل الجار حالاً، بل جعله متعلقاً بمحذوف دلّ عليه معنى الكلام. وقال أبو البقاء: «لعدَّتهنَّ» أي: عندما يعتد لهن به، وهن في قبل الطهر. وهذا تفسير معنى لا تفسير إعراب.

стр. 11813

وقال أبو حيان: «هو على حذف مضاف، أي: لاستقبال عدتهن، واللام للتوقيت، نحو: لقيته لليلة بقيت من شهر كذا» انتهى. فعلى هذا تتعلق اللام ب «طلقوهن» . وقال الجرجاني: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ صفة للطَّلاق. كيف يكون، وهذه اللام تجيء لمعان مختلفة؟ للإضافة، وهي أصلها، أو لبيان السبب والعلة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله﴾ [الإنسان: ٩] . أو بمعنى «عند» كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس﴾ [الإسراء: ٧٨] أي: عنده. وبمنزلة «في» كقوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحشر﴾ [الحشر: ٢] ، أي: في أول الحشر. وهي في هذه الآية بهذا المعنى، لأن المعنى: فطلقوهن في عدتهن، أي: في الزمان الذي يصلح لعدتهن. فصل في قوله: لعدتهن قال القرطبي: قوله: «لعدَّتِهِنَّ» يقتضي أنهن اللاتي دخل بهن الأزواج، لأن غير المدخول بهن خرجن بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] وحصل الإجماع على أن الطلاق في الحيض ممنوع منه، وفي الطهر مأذون فيه، وهذا يدل على أن القرء هو الطهر. فإن قيل: معنى قوله: «فطَلِّقُوهُنَّ لعِدَّتِهِنَّ» أي: في قُبُل عدتهن، أو لقبل عدتهن وهي قراءة النبي ﷺ َ كما قال ابن عمر، فقبول العدة آخر الطهر حتى يكون القرء الحَيْض؟ . قيل: هذا هو الدليل الواضح لمن قال: بأن الأقْراءَ هي الأطْهَار، ولو كان كما قال الحنفي، ومن تابعه لوجب أن يقال: إن من طلق في أول الطهر لا يكون مطلقاً لقبل الحيض لأن الحيض لم يُقْبِل بعد، وأيضاً إقبال الحيض يكون بدخول الحيض، وبانقضاء الطهر لا يتحقق إقبال الحيض، ولو كان إقبال الشيء إدبار ضده لكان الصائم مفطراً قبل

стр. 11814

انقضاء النهار ثُمَّ إذا طلق في آخر الطهر فبقيّة الطهر قرء، ولأن بعض القرء يسمى قرءاً، كقوله تعالى: ﴿الحج أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] ، يعني شوال وذو القعدة وذو الحجة، وكقوله: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وهو ينفر في بعض اليوم الثاني. وقال البغوي: معنى قوله «لِعدَّتهِنَّ» أي: لطهرهن الذي يحضنه من عدتهن، وكان ابن عبَّاس وابن عمر يقرآن: ﴿فطلقوهن في قبل عدتهن﴾ ، والآية نزلت في عبد الله بن عمر. فصل في الطلاق في الحيض من طلق في طهر جامع فيه أو حائضاً نفذ طلاقه، وأخطأ السُّنة. وقال سعيد بن المسيب في آخرين: لا يقع الطلاق في الحيض لأنه خلاف السنة، وإليه ذهبت الشيعة. فصل في طلاق السنة قال عبد الله بن مسعود: طلاق السنة أن يطلقها في كل طُهْر تطليقة، فإذا كان آخر ذلك، فتلك العدّة التي أمر الله بها. قال القرطبي: قال علماؤنا: طلاق السُّنة ما جمع شروطاً سبعة: وهو أن يطلقها واحدة، وهي ممن تحيض طاهراً، لم يمسّها في ذلك الطُّهر، ولا تقدمه طلاق في حيض ولا تبعه طلاق في طهر يتلوه، وخلا عن العوض، وهذه الشروط السبعة من حديث ابن عمرو. وقال الشافعي: طلاق السُّنة: أن يطلقها في كل طُهْرٍ خاصة، ولو طلقها ثلاثاً في طُهْر لم يكن بدعة. قال ابن العربي: «وهذه غفلة عن الحديث الصحيح، فإنه قال فيه:» مُرةُ فَليُرَاجِعْهَا «وهذا يدفع الثلاث» . وفي الحديث أنه قال: «» أرَأيْتَ لَوْ طَلقَّهَا ثلاثاً «؟ قَال:» حَرُمَتْ عليْكَ، وكَانَتْ مِنكَ بِمَعْصيَةٍ «» . وقال أبو حنيفة: ظاهر الآية يدل على أن الطلاق الثلاث والواحد سواء. وهو

стр. 11815

مذهب الشافعي. لولا قوله بعد ذلك: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق: ١] ، وهذا يبطل دخول الثلاث تحت الآية، وبذلك قال أكثر العلماء. قال القرطبي: وأما مالك فلم يخف عليه إطلاق الآية، ولكن الحديث فسرها، وأما قول الشعبي فمردود بحديث ابن عمر. واحتج الشافعي بأن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته تماضر بنت الأصبغ الكلبية وهي أم أبي سلمة ثلاث تطليقات في كلمة واحدة، ولم يبلغنا أن أحداً من الصحابة عاب ذلك عليه. وأن حفص بن المغيرة طلق امرأته فاطمة بنت قيس على عهد رسول الله ﷺ َ ثلاث تطليقات في كلمة واحدة، فأبانها منه رسول الله ﷺ َ، ولم يبلغنا أن رسول الله ﷺ َ عاب ذلك عليه. وبحديث عويمر العجلاني، لما لاعن، قال: يا رسول الله، هي طالق ثلاثة، فلم ينكر عليه النبي ﷺ َ. فصل في نزول العدة للطلاق روى أبو داود عن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، أنها طلقت على عهد رسول الله ﷺ َ ولم يكُن للمطلقة عدة فأنزل الله - تعالى - حين طلقت أسماء العدّة للطلاق، فكانت أول من أنزل فيها العدة للطلاق. قوله: ﴿وَأَحْصُواْ العدة﴾ . يعني في المدخول بها، أي: احفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق. قيل: أمر بإحصاء العدة لتفريق الطلاق على الأقراء إذا أراد أن يطلق ثلاثاً، وقيل: للعلم ببقاء زمان الرجعة ومراعة أمر النفقة والسكن. وفي المخاطب الإحصاء أقوال. أحدها: أنهم الأزواج. والثاني: هم الزوجات. والثالث: هم المسلمون. قال ابن العربي: والصحيح أنهم الأزواج؛ لأن الضمائر كلها من «طَلَّقتُمْ» ، و «أحْصُوا العِدَّة» و «لا تُخْرجُوهُنَّ» على نظام واحد، فرجع إلى الأزواج، ولكن

стр. 11816

الزوجات داخلة فيه بالإلحاق، لأن الزوج يُحْصِي ليراجع، وينفق أو يقطع، وليسكن أو يخرج، وليلحق نسبه أو يقطع، وهذه أمور كلها مشتركة بينه وبين المرأة، وتنفرد المرأة دونه بغير ذلك وكذلك الحاكم يفتقر إلى إحصاء العدة للفَتْوَى عليها، وفصل الخصومة عند المنازعة، وهذه فوائد الأمر بإحصاء العدّة. قوله: ﴿واتقوا الله رَبَّكُمْ﴾ . أي: لا تعصوه. ﴿لا تخرجوهنَّ من بيوتهنَّ﴾ . أي: ليس للزَّوج أن يخرجها من مسكن النكاح ما دامت في العدّة، ولا يجوز لها الخروج أيضاً لحق الزوج إلا لضرورة ظاهرة، فإن خرجت أثِمَتْ، ولا تنقطع العدّة. فإن قيل: ما الحِكمةُ في قوله تعالى: ﴿واتقوا الله رَبَّكُمْ﴾ ولم يقتصر على قوله ﴿واتقوا الله﴾ ؟ . فالجواب: إن في هذا من المبالغة ما ليس في ذاك، فإن لفظ الرَّبِّ يفهم منه التربية، وينبه على كثرة الإنعام بوجوه كثيرة، فيبالغون في التَّقوى حينئذ خوفاً من فوت تلك التربية. فصل في الرجعية والمبتوتة. والرجعية والمبتوتة في هذا سواء، وذلك لصيانة ماء الرجل، وهذا معنى إضافة البيوت إليهن، كقوله تعالى: ﴿واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٤] ، وقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] فهو إضافة إسكان لا إضافة تمليك، وقوله ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ يقتضي أن يكون حقًّا على الأزواج، وقوله: ﴿ولا يخرجن﴾ يقتضي أنه حق على الزوجات، فلا يجوز لها أن تخرج ما لم تنقض عدتها، فإن خرجت لغير ضرورة أو حاجة أثمت، فإن وقعت ضرورة أو خافت هدماً أو غرقاً، فلها أن تخرج إلى منزل آخر، وكذلك إن كانت لها حاجة من بيع غَزْل أو شراء قطن، فيجوز لها الخروج نهاراً ولا يجوز ليلاً؛ فإن رجالاً استشهدوا ب «أحد» ، فقالت نساؤهم: نستوحش في بيوتنا فإذِنَ لهن النبي ﷺ َ أن يتحدثن عند إحداهن، فإذا كان وقت الليل تأوي كل امرأة إلى بيتها. وأذن النبي ﷺ َ لخالة جابر لما طلقها زوجها أن تخرج لجداد نخلها. وإذا لزمتها العدة في السفر تعتد ذاهبة وجائية، والبدوية تَنْتَوي حيث يَنْتَوي أهلها في العدة، لأن الانتقال في حقهم كالإقامة في حق المقيم.

стр. 11817

وقال أبو حنيفة: ذلك في المتوفى عنها زوجها، وأما المطلقة فلا تخرج ليلاً ولا نهاراً. وهذا مردود بحديث فاطمة بنت قيس «لما قدمت أرسل زوجها أبو حفص بن عمرو بتطليقة كانت بقيت من طلاقها، وأرسل إليها وكيله بشير فسخطته، فقال لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة: والله ما لك من نفقة إلا أن تكوني حاملاً، فأتت النبي ﷺ َ فذكرت له قولهما، فقال: لا نفقة لك» ، وفي رواية: «ولَا سَكَنَ» ، فاستأذنت في الانتقال، فأذن لها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، فلما انقضت عدتها أنكحها النبي ﷺ َ أسامة بن زيد، فأرسل إليها مروان قبيصة بن ذؤيب يسألها عن الحديث، فحدثته، فقال مروان: لم نسمع بهذا الحديث إلا من امرأة سنأخذ بالعصْمَةِ التي وجدنا النَّاس عليها، فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان: فبيني وبينكم القرآن، قال الله : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ ، قالت: هذا لما كانت له رجعة، لقوله: ﴿لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً﴾ ، فأي أمر يحدث بعد الثَّلاث؟ فكيف تقولون: «لا نَفقَةَ إذَا لَمْ تَكُنْ حامِلاً، فعلام تَحبسُونهَا» لفظ مسلم. فبين أن الآية في تحريم الإخراج، والخروج إنما هو في الرجعية. فاستدلّت فاطمة أن الآية إنما تضمنت النهي عن خروج المطلقة الرجعية لأنها بصدد أن يحدث لمطلقها رأي في ارتجاعها ما دامت في عدتها فكانت تحت تصرف الزوج في كل وقت. وأما البائن فليس له شيء في ذلك، فيجوز أن تخرج إذا دعتها لذلك حاجة. قوله: ﴿إِلَاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾ . قال ابن عباس، وابن عمر، والحسن، والشعبي، ومجاهد: هو الزِّنا، فتخرج ويقام عليها الحد. وعن ابن عباس أيضاً: أنه البذاء على أحمائها، فيحل لهم إخراجها. وعن سعيد بن المسيب أنه قال في فاطمة: تلك امرأة استطالت على أحمائها بلسانها فأمرها النبي ﵊ ُ - أن تنتقل.

стр. 11818

وفي كتاب أبي داود، قال سعيد: تلك امرأة فتنت النَّاس، إنها كانت لسنةً فوضعت على يدي أم مكتوم الأعمى. قال عكرمة: في مصحف أبيٍّ ﴿إلا أن يفحشن عليْكم﴾ . ويقوي هذا أن محمد بن إبراهيم بن الحارث روي أن عائشة قالت لفاطمة بنت قيس: اتَّقي الله، فإنك تعلمين لم أخرجت. وعن ابن عبَّاس أيضاً: أن الفاحشة كل معصية كالزِّنا والسرقة والبذاء على الأهل، وهو اختيار الطبري. وعن ابن عباس أيضاً والسدي: «الفاحشة خروجها من بيتها في العدة» . وتقدير الآية: إلا أن يأتين بفاحشة لخروجهن من بيوتهن بغير حق، أي: لو خرجت كانت عاصية. وقال قتادة: «الفاحشة» النشوز، وذلك أن يطلقها على النُّشوز، فتتحول عن بيته. وقال ابن العربي: أما من قال: إنه الخروج للزنا، فلا وجه له؛ لأن ذلك الخروج هو خروج القَتْل والإعدام، وليس ذلك بمستثنى في حلال ولا حرام، وأما من قال: إنه البذاء، فهو معتبر في حديث فاطمة بنت قيس، وأما من قال: إنه كل معصية فوهم، لأن الغيبة ونحوها من المعاصي لا تبيح الإخراج ولا الخروج، وأما من قال: إنه الخروج بغير حقًّ فهو صحيح، وتقدير الكلام: لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن شرعاً إلا أن يخرجن تعدِّياً. قوله: ﴿مُّبَيِّنَةٍ﴾ . قرىء: بكسر الياء. ومعناه: أن الفاحشة إذا تفكَّرت فيها تبين أنها فاحشة. وقرىء: بفتح الياء المشددة. والمعنى: أنها مبرهنة بالبراهين، ومبينة بالحُجَجِ. قوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ الله﴾ .

стр. 11819

أي: هذه الأحكام المبينة أحكام الله على العباد، وقد منع التجاوز عنها، فمن تجاوزها فقد ظلم نفسه وأوردها مورد الهلاك. قوله: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ . الأمر الذي يحدث الله أن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليها فيراجعها. وقال جميع المفسرين: أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة، ومعنى الكلام: التحريض على طلاق الواحدة والنهي عن الثلاث، فإنه إذا طلق ثلاثاً أضر بنفسه عند الندم على الفراق والرغبة في الارتجاع فلا يجد للرجعة سبيلاً. وقال مقاتل: «بعد ذلك» أي بعد طلقة أو طلقتين «أمراً» أي: المراجعة من غير خلاف. قوله: ﴿لَعَلَّ الله﴾ . هذه الجملة مستأنفة، لا تعلُّق لها بما قبلها، لأن النحاة لم يعدوها في المعلقات. وقد جعلها أبو حيَّان مما ينبغي أن يعد فيهن، وقرر ذلك في قوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١١] . فهناك يطلب تحريره.

стр. 11820

قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ . قرأ العامة: «أجَلَهُنَّ» ؛ لأن الأجل من حيثُ هو واحد، وإن اختلفت أنواعه بالنسبة إلى المعتدات. والضحاك وابن سيرين: «آجَالهُنّ» جمع تكسير.

стр. 11821

اعتباراً بأن أجل هذه غير أجل تلك. فصل في معنى الآية معنى قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: قاربن انقضاء العدة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٣١] أي: قربن من انقضاء الأجل ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ يعني المراجعة بالمعروف أي: بالرغبة من غير قصد المضارة في المراجعة تطويلاً لعدتها كما تقدم في البقرة ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: اتركوهن حتَّى تنقضي عدّتهن، فيملكن أنفسهن. وفي قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ ما يوجب أن يكون القول قول المرأة في انقضاء عدتها إذا ادعت ذلك على ما تقدم في «البقرة» عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله في أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الآية. فصل قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] وقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أن الزوج له حق في بدنه وذمته، فكل من له دَيْن في ذمة غيره سواء كان مالاً، أو منفعة من ثمنٍ، أو مثمن، أو أجرة، أو منفعة، أو صداق، أو نفقة، أو بدل متلف، أو ضمان مغصوب، فعليه أن يؤدي ذلك الحق الواجب بإحسان، وعلى صاحب الحق أن يتبع بإحسان كما قال تعالى في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فاتباع بالمعروف وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] . وكذلك الحق الثابت في بدنه مثل حق الاستمتاع والإجارة على عينه ونحو ذلك، فالطالب يطلب بمعروف والمطلوب يؤدى بإحسان. قوله: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ . أمر بالإشهاد على الطلاق، وقيل على الرجعة. قال القرطبي: «والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق، فإن راجع من غير إشهاد ففي صحة الرجعة قولان. وقيل: المعنى وأشهدوا عند الرجعة والفرقه جميعاً وهذا الإشهاد مندُوب إليه عند أبي حنيفة، كقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وعند الشَّافعي واجبٌ في الرَّجعة مندوب إليه في الفرقة، وفائدة الإشهاد ألا يقع بينهما التجاحد، وألَاّ

стр. 11822

يتهم في إمساكها، ولئلا يموت أحدهما فيدعي الباقي بثبوت الزوجية فيرث» . فصل في الإشهاد على الرجعية الإشهاد على الرجعية ندب عند الجمهور، وإذا جامع أو قبل أو باشر يريد بذلك الرَّجعة، فليس بمراجع. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا قبل أو باشر أو لمس بشهوة، فهو رجعة وكذلك النظر إلى الفَرْج رجعة. وقال الشافعي وأبو ثور: إذا تكلم بالرجعة، فهي رجعة. وقيل: وطؤه مراجعة على كُلِّ حال، نواها أو لم ينوها، وهو مذهب أحمد وإليه ذهب الليث وبعض المالكية. قال القرطبي ﵁: وكان مالك يقول: إذا وطىء ولم ينو الرجعة، فهو وَطْء فاسد، ولا يعود إلى وطئها حتى يستبرئها من مائهِ الفاسد، وله الرجعة في بقية العدة الأولى، وليست له رجعة في هذا الاستبراء. فصل فيمن أوجب الإشهاد في الرجعة أوجب الإشهاد في الرجعة الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، والشافعي كذلك لظاهر الأمر. وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد والشافعي في القول الآخر: إنَّ الرجعة لا تفتقر إلى القبول فلم تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق، وخصوصاً حل الظهار بالكفارة. فصل إذا ادّعى بعد انقضاء العدة أنه راجع امرأته في العدة، فإن صدقته جاز، وإن أنكرت حلفت، فإن أقام بينةً أنه ارتجعها في العدة، ولم تعلم بذلك لم يضرّه جهلها، وكانت زوجته وإن كانت قد تزوجت ولم يدخل بها، ثم أقام الأول البيّنة على رجعتها، فعن مالك ﵀ في ذلك روايتان: إحداهما: أن الأول أحق بها. والأخرى: أن الثاني أحق بها، فإن كان الثاني قد دخل بها فلا سبيل للأول إليها. قوله: ﴿ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ . قال الحسنُ: من المسلمين.

стр. 11823

وعن قتادة: من أحراركم، وذلك يوجب اختصاص الشهادة على الرجعة بالذكور دون الإناث؛ لأن «ذَوَيْ» للمذكر. قال القرطبي: «ولذلك قال علماؤنا: ولا مدخل للنساء فيما عدا الأموال» . قوله: ﴿وَأَقِيمُواْ الشهادة لِلَّهِ﴾ كما تقدم في «البقرة» . أي: تقرباً إلى الله في إقامة الشهادة على وجهها إذا مست الحاجة إليها من غير تبديل ولا تغيير. قوله: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ﴾ أي: يرضى به ﴿مَن كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر﴾ فأما غير المؤمن فلا ينتفع بهذه المواعظ. قوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ . قال الزمخشري: «قوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله﴾ جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من أمر الطلاق على السُّنَّة» كما مر. روي أن النبي ﷺ َ سئل عمن طلق زوجته ثلاثاً أو ألفاً هل له من مخرج؟ [فتلاها] . وقال ابن عباس والشعبي والضحاك: هذا في الطلاق خاصة، أي: من طلق كما أمره الله يكن له مخرج في الرجعة في العدة، وأن يكون كأحد الخطاب بعد العدة. وعن ابن عبَّاس أيضاً: يجعل له محرجاً ينجِّيه من كل كربٍ في الرجعة في الدنيا والآخرة. وقيل: المخرج هو أن يقنعه الله بما رزقه. قاله علي بن صالح.

стр. 11824

وقال الكلبي: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله﴾ بالصَّبر عند المصيبة ﴿يجعل له مخرجاً﴾ من النار إلى الجنة. وقال الحسن: مخرجاً مما نهى الله عنه. وقال أبو العالية: مخرجاً من كل شدة. وقال الربيع بن خيثم: مخرجاً من كل شيء ضاق على الناس. وقال الحسين بن الفضل: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله﴾ في أداء الفرائض ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ من العقوبة ﴿وَيَرْزُقْهُ﴾ الثواب ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ أن يبارك له فيما آتاه. وقال سهل بن عبد الله: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله﴾ في اتباع السُّنَّة ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ من عقوبة أهل البدع ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ . وقال أبو سعيد الخدري: ومن تبرأ من حوله وقوَّتهِ بالرجوع إلى اللَّه ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ مما كلفه الله بالمعونة. وقال ابن مسعود ومسروق: الآية على العموم. وقال أبو ذر: «قال النبي ﷺ َ:» إنِّي لأعلمُ آيَةً لوْ أخَذَ النَّاسُ بِهَا لَكَفَتهُمْ «وتلا: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [فما زال يكررها ويعيدها» . وقال ابن عباس: «قرأ النبي ﷺ َ ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويزرقه من حيث لا يحتسب﴾ ] قال:» مخرجاً من شُبهات الدنيا، ومن غمرات الموتِ، ومن شدائد يوم القيامة «» . وقال أكثر المفسرين: «نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، أسر المشركون ابناً له يسمى سالماً، فأتى رسول الله ﷺ َ يشتكي إليه الفاقة، وقال: إن العدوّ أسر ابني وجزعت الأم، فما تأمرني؟ قال ﵊ ُ -:» اتِّق اللَّهَ واصْبِرْ، وآمُرُكَ وإيَّاهَا أن تَسْتَكْثِرَا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم «، فعاد إلى بيته، وقال

стр. 11825

لامرأته: إن رسول الله ﷺ َ أمرني وإياك أن نستكثر من قول» لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم «فقالت: نِعْمَ ما أمرنا به، فجعلا يقولان، فغفل العدو عن ابنه فساق غنمهم، وجاء بها إلى أبيه، وهي أربعة آلاف شاةٍ، فنزلت الآية، وجعل النبي ﷺ َ تلك الأغنام له» . وروي أنه جاء وقد أصاب إبلاً من العدو، وكان فقيراً. فقال الكلبي: إنه أصاب خمسين بعيراً. وفي رواية: فانفلت ابنه من الأسر وركب ناقة للقوم ومر في طريقه بسرح لهم فاستاقه. وقال مقاتل: «أصاب غنماً ومتاعاً، فقال أبوه للنبيّ ﷺ َ أيحل لي أن آكل مما أتى به ابني؟ قال: نعم» ، ونزلت: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ . وروى الحسن عن عمران بن الحصين قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَن انقَطَعَ إلى اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ كُلَّ مَؤونةٍ ورَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، ومن انقطع إلى الدُّنيا وكلها اللَّهُ إليهِ» . وقال الزجاج: أي: إذا اتقى وآثر الحلال والصبر على أهله فتح الله عليه إن كان ذا ضيق ورزقه من حيث لا يحتسب. وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ َ قال: «مَنْ أكْثَرَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ من كُلِّ هَمٍّ فَرجاً، ومِن كُلِّ ضيقٍ مَخْرَجاً، ورَزقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ» .

стр. 11826

قوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ . أن من فوّض إليه أمره كفاهُ ما أهمَّه. وقيل: من اتقى الله وجانب المعاصي وتوكل عليه فله فيما يعطيه في الآخرة من ثوابه كفاية، ولم يرد الدنيا؛ لأن المتوكل قد يصاب في الدنيا وقد يقتل. وقال ﵊ ُ -: «لَوْ أنَّكُمْ تَتوكَّلُونَ على اللَّهِ حقَّ تَوكُّلِهِ لرزقَكُم كَمَا يَرزقُ الطَّيْر تَغْدُو خِمَاصاً وتَرُوحُ بِطَاناً» . قوله: ﴿إِنَّ الله بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ . قرأ حفص: «بَالِغُ» من غير تنوين «أمْرِهِ» مضاف إليه على التخفيف. والباقون: بالتنوين والنصب، وهو الأصل، خلافاً لأبي حيان. وقرأ ابن أبي عبلة وداود بن أبي هند، وأبو عمرو في رواية: «بَالِغٌ أمْرُهُ» بتنوين «بالغ» ورفع «أمره» . وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون «بالغ» خبراً مقدماً، و «أمره» مبتدأ مؤخر، والجملة خبر «إن» . والثاني: أن يكون «بالغ» خبر «إن» و «أمره» فاعل به. قال الفراء: أي: أمره بالغ. وقيل: «أمره» مرتفع ب «بالغ» والمفعول محذوف، والتقدير: بالغ أمره ما أراد.

стр. 11827

وقرأ المفضل: «بالغاً» بالنصب، «أمرُه» بالرفع. وفيه وجهان: أظهرهما: وهو تخريج الزمخشري: أن يكون «بالغاً» نصباً على الحال، و ﴿قَدْ جَعَلَ الله﴾ هو خبر «إن» تقديره: إن الله قد جعل لكل شيء قدراً بالغاً أمره. والثاني: أن يكون على لغة من ينصب الاسم والخبر بها، كقوله: [الطويل] ٤٧٨٢ - ... ... ... ... ... ... ... ... . ..... ... ... ... ... . إنَّ حُرَّاسنَا أسْدَا ويكون «قَدْ جَعَلَ» مستأنفاً كما في القراءة الشهيرة. ومن رفع «أمره» فمفعول «بالغ» محذوف، تقديره: ما شاء، كما تقدم في القرطبي. فصل في معنى الآية قال مسروق: يعني قاضٍ أمره فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه إلا أن من توكل عليه يكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجراً. قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ الله لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ . قيل: إن من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿مَخْرَجاً﴾ آية، ومنه إلى قوله تعالى: ﴿قَدْراً﴾ آية أخرى، وعند الكوفي والمدني المجموع آية واحدة. وقرأ جناح بن حبيش: «قَدراً» بفتح الدال. والمعنى: لكل شيء من الشدة والرخاء أجلاً ينتهي إليه. وقيل: تقديراً. وقال السدي: هو قدر الحيض في الأجل والعدة. وقال عبد الله بن رافع: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ فقال أصحاب النبي ﷺ َ: «فَنَحْنُ إذَا توكلنَا عليْهِ يُرسِلُ مَا كَانَ لَنَا وَلَا نَحْفَظُهُ» ، فنزلت: ﴿إِنَّ الله بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ فيكم وعليكم. وقال الربيع بن خيثم: إنَّ الله قضى على نفسه أن من توكل عليه كفاه، ومن آمن به

стр. 11828

هداه، ومن أقرضه جازاه، ومن وثق به نجَّاه، ومن دعاه أجاب له. وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَمَن يُؤْمِن بالله يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] ، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ، ﴿إِن تُقْرِضُواْ الله قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٧] ، ﴿وَمَن يَعْتَصِم بالله فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١] ، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .

стр. 11829

قوله: ﴿واللائي يَئِسْنَ﴾ . تقدم الخلاف فيه. وأبو عمرو يقرأ هنا: «واللاّئي يئسن» بالإظهار. وقاعدته في [مثله] الإدغام، إلا أن الياء لما كانت عنده عارضة لكونها بدلاً من همزة، فكأنه لم يجتمع مثلان، وأيضاً فإن سكونها عارض، فكأن ياء «اللائي» متحركة، والحرف ما دام متحركاً لا يدغم في غيره، وقرىء: «يَئِسْنَ» فعلاً ماضياً. وقرىء: «يَيْئَسْنَ» مضارع. و ﴿مِنَ المحيض مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ . «من» الأولى لابتداء الغاية، وهي متعلقة بالفعل قبلها، والثانية للبيان متعلقة بمحذوف. و «اللَاّئِي» مبتدأ، و «فَعدَّتُهُنَّ» مبتدأ ثانٍ، و «ثَلاثةُ أشْهُرٍ» خبره، والجملة خبر الأول، والشرط معترض، وجوابه محذوف. ويجوز أن يكون «إن ارْتَبْتُمْ» جوابه ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ ، والجملة الشرطية خبر المبتدأ، ومتعلق الارتياب محذوف، تقديره: إن ارتبتم في أنها يئست أم لا لإمكان ظهور حمل وإن كان انقطع دمها.

стр. 11830

وقيل: إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس أهو دم حيض، أو استحاضة، وإذا كان هذا عدة المرتاب فيها فغير المُرتَاب فيها أولى. وأغرب ما قيل: إن «إنِ ارتَبْتُمْ» بمعنى: تَيَقَّنْتُمْ، فهو من الأضداد. قوله: ﴿واللاتي لَمْ يَحِضْنَ﴾ . مبتدأ، خبره محذوف، فقدره جملة كالأولى، أي: فعدتهن ثلاثة أشهر أيضاً، والأولى أن يقدر مفرداً، أي: فكذلك أو مثلهن. ولو قيل: بأنه معطوف على «اللَاّئِي يَئِسْنَ» عطف المفردات، وأخبر عن الجمع بقوله: «فعدَّتُهُنَّ» لكان وجهاً حسناً، وأكثر ما فيه توسُّطُ الخبر بين المبتدأ وما عطف عليه. وهذا ظاهر قول أبي حيان: و ﴿واللائي لَمْ يَحِضْنَ﴾ معطوف على قوله «واللَاّئِي يَئِسْنَ» ، فإعرابه مبتدأ كإعراب «واللائي» . قوله: ﴿وَأُوْلَاتُ الأحمال﴾ مبتدأ، و «أجَلُهُنَّ» مبتدأ ثانٍ، و «أن يَضَعْنَ» خبر المبتدأ الثاني وهو وخبره خبر الأول. والعامَّة: على إفراد «حَمْلَهُنَّ» . والضحاك: «أحْمَالهُنَّ» . فصل في عدة التي لا ترى الدم لما بين أمر الطلاق والرجعة في التي تحيض، وكانوا قد عرفوا عدة ذوات الأقراء عرفهم في هذه السورة عدة التي لا ترى الدم. قال أبو عثمان عمير بن سليمان: لما نزل عدة النِّساء في سورة البقرة في المطلقة والمتوفى عنها زوجها، قال أبيُّ بن كعب: يا رسول الله، إن ناساً يقولون: قد بقي من النساء من لم يذكر فيهن شيء، الصغار والكبار وذوات الحَمْل، فنزلت: ﴿واللائي يَئِسْنَ﴾ الآية. وقال مقاتل: لما ذكر قوله تعالى: ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قرواء﴾ [البقرة: ٢٢٨] قال

стр. 11831

خلاّد بن النعمان: يا رسول الله، فما عدّة التي لم تَحِضْ، وعدة التي انقطع حيضها وعدة الحُبْلى؟ فنزلت: ﴿واللائي يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ ، يعني: قعدن عن الحيض. وقيل: إن معاذ بن جبل سأل عن عدّة الكبيرة التي يئست، فنزلت الآية. وقال مجاهد: الآية واردة في المستحاضة لا تدري دم حيض هو أو دم علة؟ . فصل في تفسير الآية قال المفسرون: ﴿واللائي يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ ، فلا يرجون أن يحضن «إن ارتبْتُمْ» أي: شككتم. وقيل: تيقنتم، وهو من الأضداد، يكون شكًّا ويقيناً كالظَّن. واختيار الطَّبري: أن يكون المعنى إن شككتم، فلم تدروا ما الحكم فيهن. وقال الزجاج: إن ارتبتم في حيضها وقد انقطع عنها الحيض وكانت ممن يحيض مثلها. قال القشيري: وفي هذا نظر، لأنا إذا شككنا، هل بلغت سن اليأس لم نقل: عدتها ثلاثة أشهر. والمعتبر في سن اليأس أقصى عادة امرأة في العالم. وقيل: غالب نساء عشيرة المرأة. وقال مجاهد: قوله: «إن ارْتَبْتُمْ» للمخاطبين، يعني إن لم تعلموا كم عدة الآيسة، والتي لم تحضْ فالعدّة هذه. وقيل: المعنى إن ارتبتم أن الدم الذي يظهر منها من أجل كبر أو من الحيض المعهود أو من الاستحاضة فالعدة ثلاثة أشهر. وقال عكرمة وقتادة: من الريبة المرأة المستحاضة التي لا يستقيم لها الحيض تحيض في أول الشهر مراراً، وفي الأشهر مرة. وقيل: إنه متصل بأول السورة، والمعنى لا تخرجوهن من بيوتهن إن ارتبتم في انقضاء العدة.

стр. 11832

قال القرطبي: «وهو أصح ما قيل فيه» . فصل في المرتابة في عدتها المرتابة في عدتها لم تنكح حتى تستبرىء نفسها من ريبتها، ولا تخرج من العدة إلا بارتفاع الرِّيبة، وقد قيل في المرتابة التي ارتفع حيضها، لا تدري ما رفعه إنها تنتظر سنة من يوم طلَّقها زوجها، منها تسعة أشهر استبراء، وثلاثة عدة، فإن طلقها فحاضت حيضة، أو حيضتين، ثم ارتفع حيضها بغير يأس منها انتظرت تسعة أشهر ثم ثلاثة من يوم طهرت من حيضها ثم حلت [للأزواج] . وهذا قول الشافعي بالعراق. فعلى قياس هذا القول تقيم الحرة المتوفى عنها زوجها المستبرأة بعد التسعة أشهر [أربعة أشهر وعشراً، والأمة شهرين وخمس ليال بعد التسعة أشهر] . وروي عن الشافعي أيضاً: أن أقراءها على ما كانت حتى تبلغ سنَّ اليائسات. وهو قول النخعي والثوري وغيرهما، وحكاه أبو عبيدة عن أهل العراق. فصل في ارتياب المرأة الشابة إذا ارتابت المرأة الشابة هل هي حامل أم لا؟ . فإن استبان حملها فأجلها وضعه، وإن لم يستبن، فقال مالك: عدة التي ارتفع حيضها وهي شابة سنة، وبه قال أحمد وإسحاق وروي عن عمر بن الخطَّاب وغيره. وأهل «العراق» يرون أن عدتها ثلاث حيض بعد ما كانت حاضت مرة واحدة في عمرها وإن مكثت عشرين سنةً، إلا أن تبلغ من الكبر سنًّا تيأس فيه من الحيضِ فتكون عدتها بعد الإياس ثلاثة أشهر. قال الثعلبي: وهذا الأصح من مذهب الشافعي وعليه جمهور العلماء، وروي ذلك عن ابن مسعود وأصحابه. قال إلكيا: وهو الحق، لأن الله تعالى جعل عدة الآيسة ثلاثة أشهر. والمرتابة ليست آيسة. فصل فيمن تأخر حيضها لمرض فأما من تأخر حيضها لمرض، فقال مالك وبعض أصحابه: تعتد تسعة أشهر ثم ثلاثة كما تقدم.

стр. 11833

وقال أشهب: هي كالمرضع بعد الفطام بالحيض أو بالسنة. وقد طلق حبان بن منقذ امرأته وهي ترضع، فمكثت سنة لا تحيض لأجل الرضاع ثم مرض حبان فخاف أن ترثه فخاصمها إلى عثمان وعنده عليّ وزيد فقالا: نرى أن ترثه، لأنها ليست من القواعد ولا من الصغار، فمات حبان فورثته واعتدت عدة الوفاة. فصل لو تأخّر الحيض بغير مرض ولا رضاع فإنها تنتظر سنة لا حيض فيها، تسعة أشهر ثم ثلاثة على ما تقدم، فتحل ما لم ترتب بحمل، فإن ارتابت بحمل أقامت أربعة أعوام أو خمسة أو سبعة على الاختلاف. قال القرطبي: «وأشهر الأقوال خمسة أعوام، فإن تجاوزتها حلت» . وقال أشهب: لا تحل أبداً حتى تنقطع عنها الريبة. قال ابن العربي: «وهو الصحيح، إذا جاز أن يبقى الولد في بطنها خمسة أعوام جاز أن يبقى عشرة أو أكثر من ذلك» ، وروي مثله عن مالك. فصل فيمن جهل حيضها بالاستحاضة وأما التي جهل حيضها بالاستحاضة ففيها أقوال: قال ابن المسيب: تعتد سنة. وهو قول الليث. قال الليث: عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها إذا كانت مستحاضة «سنة» . قال القرطبي: «وهو مشهور قول علمائنا، سواء علمت دم حيضها من دم استحاضتها، وميزت ذلك أو لم تميزه، عدّتها في مذهب مالك سنة، منها تسعة أشهر استبراء، وثلاثة عدّة» . وقال الشَّافعي في أحد أقواله: عدتها ثلاثة أشهر، وهو قول جماعة من التابعين والمتأخرين. قال ابن العربي: «وهو الصحيح عندي» . وقال أبو عمر: المستحاضة إذا علمت إقبال حيضتها وإدبارها اعتدت بثلاثة قُرُوءٍ. قال القرطبي: «وهذا أصحّ في النظر، وأثبت في القياس والأثر» . قوله: ﴿واللائي لَمْ يَحِضْنَ﴾ .

стр. 11834

يعني: الصغيرة، فعدتهن ثلاثة، فأضمر الخبر، وإنما كانت عدتها الأشهر لعدم الأقراء في حقِّها عادة، والأحكام إنما أجراها اللَّه تعالى على العادات، فتعتد بالأشهر، فإن رأت الدَّم في زمن احتماله عند النِّساء انتقلت إلى الدَّم لوجود الأصل، فإذا وجد الأصل لم يبق للبدل حكم، كما أن المُسِنَّة إذا اعتدت بالدم، ثم ارتفع عادت إلى الأشهر، وهذا إجماع. فصل قوله: ﴿وَأُوْلَاتُ الأحمال أَجَلُهُنَّ﴾ وضع الحمل، وإن كان ظاهراً في المطلقة؛ لأنه عليها عطف وإليها رجع عقب الكلام، فإنه في المتوفى عنها زوجها كذلك، لعموم الآية، وحديث سبيعة، كما مضى في سورة «البقرة» . فإذا وضعت المرأة ما في بطنها من علقة أو مضغة حلت عند مالك. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا تحل إلا بوضع ما يتبين فيه شيء من خلق الإنسان، فإن كانت حاملاً بتوءمين لم تنقض عدتها حتى تضع الثاني منهما. قوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ . أي: من يتقه في طلاق السنة ﴿يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ في الرجعة. وقال مقاتل: ومن يتق الله في اجتناب معاصيه يجعل له من أمره يسراً في توفيقه للطاعة. ﴿ذَلِكَ أَمْرُ الله﴾ أي: الذي ذكر من الأحكام أمر الله أنزله إليكم وبيَّنَهُ لَكُمْ، ﴿وَمَن يَتَّقِ الله﴾ أي: يعمل بطاعته ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ أي: في الآخرة. قوله: ﴿وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ . هذه قراءة العامة مضارع «أعظم» . وابن مقسم: «يعظم» بالتشديد، مضارع عظم مشدداً. والأعمش: «نعظم» بالنون، مضارع «أعظم» وهو التفات من غيبة إلى تكلم. قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ .

стр. 11835

قال ابن الخطيب: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ وما بعده بيان لما شرط من التقوى في قوله ﴿وَمَن يَتَّقِ الله﴾ كأنه قيل: كيف يعمل بالتقوى في جنس المعتدات؟ فقيل: «أسكنوهُنَّ» . قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾ . فيه وجهان: أحدهما: أن «من» للتبعيض. قال الزمخشري: «مبعضها محذوف معناه: أسكنوهن مكاناً من حيثُ سكنتم، أي: بعض مكان سُكناكم، كقوله تعالى: ﴿يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] أي: بعض أبصارهم» . قال قتادةُ: إن لم يكن إلا بيت واحد، فأسكنها في بعض جوانبه. قال ابن الخطيب: وقال في الكشاف: «من» صلة، والمعنى أسكنوهن من حيث سكنتم. والثاني: أنها لابتداء الغاية. قاله الحوفي، وأبو البقاء. قال أبو البقاء: والمعنى تسبّبوا إلى إسكانهن من الوجه الذي تسكنون أنفسكم ودلّ عليه قوله «مِن وُجْدِكُم» ، والوُجْد: الغِنَى. قوله: «من وجدكم» . فيه وجهان: أظهرهما: أنه بدل من قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾ بتكرار العامل، وإليه ذهب أبو البقاء. كأنه قيل: أسكنوهن من سعتكُم. والثاني: أنه عطف بيان لقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾ ، وإليه ذهب الزمخشري، فإنه قال بعد أن أعرب «مِنْ حَيْثُ» تبعيضية، قال: «فإن قلت: فقوله» مِنْ وُجْدِكُمْ «قلت: هو عطف بيان لقوله ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾ ومفسّر له، كأنه قيل: أسكنوهن مكاناً من مسكنكم مما تطيقونه، والوُجْد: الوسع والطاقة» . وناقشه أبو حيان بأنه لم يعهد في عطف البيان إعادة العامل. إنما عهد هذا في البدل، ولذلك أعربه أبو البقاء بدلاً.
следующие страницы →