← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 11866–11905 · переход к 11871.

стр. 11866

قوله: ﴿وَإِذَ أَسَرَّ﴾ . العامل فيه «اذكر» فهو مفعول به لا ظرف. والمعنى: اذكر إذ أسر النبي إلى بعض أزواجه، يعني حفصة «حَدِيثاً» يعني تحريم مارية على نفسه واستكتامه إياها ذلك. وقال الكلبيُّ: أسرَّ إليها أن أباك عائشة يكونان [خليفتين] من بعدي على أمَّتي. وقال ابن عباس: أسرّ أمر الخلافة بعده إلى حفصة، فذكرته حفصة.

стр. 11867

روى الدارقطني في سننه عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النبي إلى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً﴾ ، قال: «اطلعت حفصة على النبي ﷺ َ مع أم إبراهيم، فقال:» لا تُخبري عائِشَة «، قال: فانطلقت حفصة فأخبرت عائشة فأظهره اللَّهُ عليه،» فَعرَّف بعضهُ، وأعْرَضَ عن بَعْضٍ «، قال: أعرض عن قولها:» إن أباك وأباها يكُونانِ خَليفَتيْنِ مِنْ بَعْدِي «» ، كره رسول الله ﷺ َ أن ينشر ذلك بين الناس. ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ أخبرت عائشة لمصافاة كانت بينهما، وكانتا متظاهرتين على زوجات النبي ﷺ َ ﴿وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ﴾ أي: أطلعه الله على أنها قد نبأت به. قوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ . أصل «نَبَّأ وأنْبَأ، وأخبر وخبّر، وحدّث» أن يتعدى لاثنين [إلى] الأول بنفسها، وإلى الثاني بحرف الجر، وقد يحذف الجار تخفيفاً، وقد يحذف الأول للدلالة عليه، وقد جاءت الاستعمالات الثلاثة في هذه الآية فقوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ تعدى لاثنين، حذف أولهما، والثاني مجرور بالباء، أي: «نَبَّأتْ بِهِ غيْرهَا» ، وقوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾ ذكرهما، وقوله: ﴿مَنْ أَنبَأَكَ هذا﴾ ذكرهما، وحذف الجار. وقرأ طلحة بن مصرف: «فلمَّا أنْبَأت» ، وهما لغتان «نَبَّأ وأنْبَأ» . قوله: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ . قرأ الكسائي: بتخفيف الراء. قال القرطبي: «وبها قرأ علي، وطلحة بن مصرف، وأبو عبد الرحمن السلمي وقتادة والكلبي والأعمش عن أبي بكر» . قال عطاء: كان أبو عبد الرحم السلمي إذا قرأ عليه الرجل «عَرَّفَ» مشددة حصبه بالحجارة. وقرأ الباقون: بتشديد الراء. فالتثقيل يكون المفعول الأول معه محذوفاً، أي «عرَّفَهَا بَعْضَه» ، أي: وقفها عليه على سبيل العَتْب.

стр. 11868

﴿وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ ، تكرماً منه وحلماً، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ ، أي: لم يعرفها إياه، ولو كانت مخففة لقال في ضده: وأنكر بعضاً. وأما التخفيف: فمعناه جازى على بعضه، وأعرض عن بعض. قال الفرَّاءُ: وتأويل قوله : «عَرَفَ» بالتخفيف، أي: غضب فيه، وجازى عليه، كقولك لمن أساء إليك: «لأعرِفنَّ لك ما فعلت» أي: لأجَازِينَّك عليه. فصل في نزول الآية قال المفسرون: إنه أسرَّ إلى حفصة شيئاً فحدثت به غيرها، فطلقها مجازاة على بعضه، ولم يؤاخذها بالباقي، وهو من قبيل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله﴾ [البقرة: ١٩٧] أي: يجازيكم عليه، وقوله: ﴿أولئك الذين يَعْلَمُ الله مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: ٦٣] ، وإنما اضطررنا إلى هذا التأويل؛ لأن الله - تعالى - أطلعه على جميع ما أنبأت به غيرها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ﴾ . وقرأ عكرمة: «عَرَّافَ» بألف بعد الراء. وخرجت على الإشباع، كقوله: [الرجز] ٤٧٨٥ - أعُوذُ باللَّهِ مِنَ العَقْرَابِ ... وقيل: هي لغة يمانية، يقولون: «عراف زيد عمراً» . وإذا ضمنت هذه الأفعال الخمسة معنى «أعلم» تعدت لثلاثة. وقال الفارسي: «تعدَّت بالهمزة أو التضعيف» . وهو غلط، إذا يقتضي ذلك أنها قبل التضعيف، والهمزة كانت متعدية لاثنين، فاكتسبت بالهمزة، أو التضعيف ثالثاً، والأمر ليس كذلك اتفاقاً. فصل في تفسير الآية قال السديُّ: عرف بعضه، وأعرض عن بعض تكرماً. وقال الحسنُ: ما استقصى كريم قط، قال الله تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ .

стр. 11869

وقال مقاتل: يعني أخبرها ببعض ما قالت لعائشة، وهو قول حفصة لعائشة: إن أبا بكرٍ وعمر سيملكان بعده. قال المفسرون: إن النبي ﷺ َ جازى حفصة، بأن طلقها طلقة واحدة، فلما بلغ ذلك عمر، فقال عمر: لو كان في آل الخطاب خير لما كان رسول الله ﷺ َ طلقك، فأمره جبريل بمراجعتها، وشفع فيها، واعتزل النبي ﷺ َ نساءه شهراً، وقعد في مشربة مارية أم إبراهيم، حتى نزلت آية التخيير كما تقدم. وقيل: هم بطلاقها، حتَّى قال له جبريل: لا تطلقها، فإنها صوَّامة قوَّامة، وإنها من نسائك في الجنة، فلم يطلقها. قوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾ ، أي: أخبر حفصة بما أظهره الله عليه، قالت: ﴿مَنْ أَنبَأَكَ هذا﴾ يا رسول الله عني، فظنت أن عائشة أخبرته، فقال ﵇: ﴿نَبَّأَنِيَ العليم الخبير﴾ الذي لا يخفى عليه شيء. وقيل: إن النبي ﷺ َ لما رأى الكراهية في وجه حفصة حين رأته مع مارية أراد أن يتراضاها فأسرَّ إليها شيئين: تحريم الأمة على نفسه، وتبشيرها بأن الخلافة بعده في أبي بكر وفي أبيها عمر، فأخبرت حفصة بذلك عائشة، وأطلع اللَّهُ نبيه عليه فعرف حفصة، وأخبرها بما أخبرت به عائشة، وهو تحريم الأمة ﴿وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ يعني عن ذكر الخلافة، كره رسولُ الله ﷺ َ أن ينشر ذلك بين الناس، ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾ أي: أخبر حفصة بما أظهره اللَّهُ عليه، قالت حفصة: ﴿مَنْ أَنبَأَكَ هذا﴾ أي: من أخبرك بأني أفشيت السِّرَّ؟ «قال: ﴿نَبَّأَنِيَ العليم الخبير﴾ » . قال ابن الخطيب: وصفه بكونه خبيراً بعدما وصفه بكونه عليماً لما أنّ في الخبير من المبالغة ما ليس في العليم. قوله: ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى الله﴾ . شرط في جوابه وجهان: أحدهما: هو قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ﴾ . والمعنى: إن تتوبا فقد وجد منكما ما يوجب التَّوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب في مخالصة رسول الله ﷺ َ في حب ما يحبه، وكراهة ما يكرهه. و «صَغَتْ» مالت وزاغت عن الحق. ويدل له قراءة ابن مسعود: «فقد زاغت» .

стр. 11870

قال القرطبيُّ: «وليس قوله ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ جزاء للشرط؛ لأن هذا الصغو كان سابقاً، فجواب الشرط محذوف للعلم به، أي: إن تتوبا كان خيراً لكما؛ إذ قد صغت قلوبكما» . والثاني: أن الجواب محذوف، وتقديره: فذلك واجب عليكما، أو فتاب الله عليكما قاله أبو البقاء، ودلّ على المحذوف ﴿فَقَدْ صَغَتْ﴾ ؛ لأن إصغاء القلب إلى ذلك ذنب. قال شهاب الدين: «وكأنه زعم أن ميل القلب ذنب، وكيف يحسن أن يكون جواباً وقد غفل عن المعنى المصحح لكونه جواباً» . وقوله: ﴿قُلُوبُكُمَا﴾ من أفصح الكلام حيث أوقع الجمع موقع المثنى استثقالاً لمجيء تثنيتين لو قيل: «قَلبَاكُمَا» ، ومن شأن العرب إذا ذكروا الشيئين من اثنين جمعوهما؛ لأنه لا يشكل. وقد تقدم هذا في آية السرقة في المائدة. ومن مجيء التثنية قوله: [الكامل] ٤٧٨٦ - فَتَخَالسَا نَفْسَيْهِمَا بنَوافِذٍ ... كنَوافِذِ العُبُطِ الَّتِي لا تُرْقَع والأحسن في هذا الباب الجمع، ثم الإفراد، ثم التثنية. وقال ابن عصفور، لا يجوز الإفراد إلَاّ في ضرورة؛ كقوله: [الطويل] ٤٧٨٧ - حَمَامَةَ بَطْنِ الواديَيْنِ تَرَنَّمِي ... سَقاكِ من الغُرِّ الغَوادِي مَطيرهَا وتبعه أبو حيان، وغلط ابن مالك في كونه جعلهُ أحسن من التثنية. وليس بغلط لكراهةِ توالي تثنيتين مع أمن اللبس. وقوله: «إنْ تَتُوبَا» فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب. فصل في المراد بهذا الخطاب. المراد بهذا الخطاب أُمَّا المؤمنين بنتا الشيخين الكريمين: عائشة وحفصة ﵄ حثّهما على التوبة على ما كان منهما من الميل إلى خلاف محبة رسول الله ﷺ َ، ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ أي: زاغت ومالت عن الحق، وهو أنهما أحبتا ما كره رسول الله ﷺ َ من اجتناب جاريته واجتناب العسلِ، وكان ﷺ َ يحب العسل والنِّساء.

стр. 11871

قال ابن زيد ﵁ مالت قلوبكما بأن سرهما أن يحتبس عن أم ولده، فسرهما ما كرهه رسول الله ﷺ َ. وقيل: فقد مالتْ قُلوبكُمَا إلى التوبة. قوله: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا﴾ . أصله: «تَتَظاهَرَا» فأدغم، وهذه قراءة العامة. وقرأ عكرمة: «تَتَظَاهَرَا» على الأصل. والحسن وأبو رجاء، ونافع، وعاصم في رواية عنهما: بتشديد الظَّاء والهاء دون ألف، وكلها بمعنى المعاونةِ من الظهر؛ لأنه أقوى الأعضاء وأجلها. فصل في معنى تتظاهرا معنى تتظاهرا، أي: تتعاونا على النبي ﷺ َ بالمعصية والإيذاء. روى مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: مكثت سنةً، وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى خرج حاجاً فخرجت معه، فلما رجع وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، فوقفت، حتى فرغ ثم سرت معه بإداوة ثم جاء فسكبت على يديه منها فتوضَّأ، فلما رجع قلت: يا أمير المؤمنين، من اللَّتان تظاهرتا على النبي ﷺ َ؟ . فقال: تلك حفصة وعائشة، قال: فقلت له: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة، فما أستطيع هيبةً لك، قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه فإن كنت أعلمه أخبرتك. وذكر الحديث. قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ . يجوز أن يكون «هو» فصلاً، و «مَولاهُ» خبره والمبتدأ جملة «إنَّ» . والمعنى: الله وليُّه وناصره، فلا يضره ذلك التَّظاهر منهما. قوله: ﴿وَجِبْرِيلُ﴾ . يجوز أن يكون عطفاً على اسم الله تعالى. والمعنى: الله وليه، وجبريل وليه، فلا يوقف على «مَولاهُ» ويوقف على جبريل. ويكون ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مبتدأ، «والملائكة» معطوفاً عليه، والخبر «ظَهِيرٌ» ورفع «

стр. 11872

جبريل» نظراً إلى محل اسم «إن» وذلك بعد استكمال خبرها وقد تقدم مذاهب الناس في ذلك. ويكون «جِبْريلٌ» وما بعده داخلين في الولاية لرسول الله ﷺ َ ويكون «جبريل» ظهيراً له بدخوله في عموم الملائكة. ويكون «الملائكةُ» مبتدأ، و «ظهيرٌ» خبره، وأفرد لأنه بزنة «فَعِيل» . قال القرطبيُّ: «هو بمعنى الجمع» . قال أبو علي: قد جاء «فعيل» للكثرة، قال تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ [المعارج: ١١] . ومعنى: «ظهيرٌ» أي: أعوان، وهو في معنى ظهراء كقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً﴾ [النساء: ٦٩] . ويجوز أن يكون الكلام تم عند قوله «مَولاهُ» ، ويكون «جبريلُ» مبتدأ، وما بعده عطف عليه، و «ظهيرٌ» خبر الجميع، فتختص الولاية بالله، ويكون جبريل قد ذكر في المعاونة مرتين، مرة بالتنصيصِ عليه، ومرة بدخوله في عموم الملائكةِ. وهذا عكس ما في «البقرة» في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨] ، فإنه ذكر الخاص بعد العام تشريفاً له، وهناك ذكر العام بعد الخاص، ولم يذكر الناس إلا القسم الأول. وفي «جِبْريل» لغات تقدم ذكرها في «البقرة» . قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . قال المسيِّبُ بن شريكٍ: ﴿وَصاَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أبو بكر. وقال سعيد بن جبيرٍ: هو عمر. وقال عكرمة: أبو بكر وعمر. وروى شقيق عن عبد الله عن النبي ﷺ َ قال: « ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ : أبو بكر وعمر» .

стр. 11873

وعن أسماء بنت عميسٍ قالت: سمعت رسول الله ﷺ َ يقول: « ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنينَ﴾ : علي بن أبي طالب» . وقيل: خيار المؤمنين، و «صالح» : اسم جنس، كقوله تعالى: ﴿والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: ١، ٢] . قاله الطبريُّ. وقال العلاءُ بنُ زياد، وقتادة، وسفيان: هم الأنبياء. وقال ابن زيد: هم الملائكة. وقال السديُّ: هم أصحاب محمد ﷺ َ. وقيل: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ليس لفظ الواحدِ، وإنما هم «صَالِحُو المُؤمِنينَ» فأضاف الصالحين إلى المؤمنين، وسيأتي له مزيد بيان إن شاء الله تعالى. فصل في هذا التظاهر قيل: كان التَّظاهر منهما في التحكيم على النبي ﷺ َ في النفقة، ولهذا آلى منهن شهراً واعتزلهن. وروى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: «دخل أبو بكرٍ يستأذن على النبي ﷺ َ فوجد النَّاس جلوساً ببابه لم يؤذن لأحدٍ منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثُمَّ أقبل عمرُ، فاستأذن، فأذن له، فوجد النبي ﷺ َ جالساً حوله نساؤه، واجماً ساكتاً، قال: فلأقولن شيئاً أضحكُ النبي ﷺ َ فقال: يا رسول الله أرأيت بنت خارجة تسألني النفقة، فقمت إليها، فوجأت عنقها فضحك رسول الله ﷺ َ وقال:» هَنُّ حَولِي كما تَرَى يَسْألنَنِي النَّفقَة «فقام أبو بكر إلى عائشة ﵂ يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله ﷺ َ ما ليس عنده، فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ َ شيئاً أبداً ليس عنده، ثم اعتزلهن رسول الله ﷺ َ شهراً، أو تسعاً وعشرين، ثم نزلت عليه: ﴿يا أيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨] حتى بلغ ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٢٩] » الحديث.

стр. 11874

قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . الظَّاهر أنه مفرد، ولذلك كتب بالحاء دون واو الجمع. وجوزوا أن يكون جمعاً - بالواو والنون - حذفت النون للإضافة، وكتب دون واو اعتباراً بلفظه، لأن الواو ساقطة لالتقاء الساكنين، نحو: ﴿وَيَمْحُ الله الباطل﴾ [الشورى: ٢٤] . و ﴿يَدْعُ الداع﴾ [القمر: ٦] ، و ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ [العلق: ١٨] ، إلى غير ذلك. ومثل هذا ما جاء في الحديث: «أهْلُ القُرآنِ أهْلُ اللَّه وخاصَّتهُ» . قالوا: يجوز أن يكون مفرداً، وأن يكون جمعاً، كقوله: ﴿شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [الفتح: ١١] وحذفت الواو لالتقاء الساكنين لفظاً. فإذا كتب هذا، فالأحسن أن يكتب بالواو لهذا الغرض، وليس ثمَّ ضرورة لحذفها كما في مرسوم الخطِ. وجوز أبو البقاء في «جبريل» أن يكون معطوفاً على الضمير في «مولاهُ» ، يعني المستتر، وحينئذٍ يكون الفصل بالضمير المجرور كافياً في تجويز العطف عليه. وجوز أيضاً: أن يكون «جبريل» مبتدأ، و «صالحُ» عطف عليه، فالخبرُ محذوفٌ، أي: مواليه. فصل في المراد بصالح المؤمنين قال ابن عباس ﵄: أراد بقوله «وصَالحُ المؤمنين» يعني أبا بكر وعمر مواليين للنبي ﷺ َ على من عاداه، وناصرين له: وهو قول المقاتلين. وقال الضحاكُ: خيار المؤمنين. وقيل: كل من آمن وعمل صالحاً. وقيل: كل من برىء من النفاقِ. وقيل: الأنبياء. وقيل: الخلفاء. وقيل: الصحابة. قوله: ﴿عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ . قيل: كل «عَسَى» في القرآن واجب إلا هذا.

стр. 11875

وقيل: واجب، ولكن الله علقه بشرط، وهو التطليق ولم يطلقهن. قال النحويون: «إنْ طلَّقكُنَّ» شرط معترض بين اسم «عَسَى» وخبرها، وجوابه محذوفٌ، أو متقدم، أي «إنْ طلقَكُنَّ فَعَسى» . وأدغم أبو عمرو القاف في الكاف على رأي بعضهم. قال: وهو أولى من ﴿يَرْزُقُكمْ﴾ [يونس: ٣١] ، ونحوه لثقل التأنيثِ. قوله: ﴿أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً﴾ . قرىء: مخففاً ومشدداً، كما تقدم في «الكهف» . والتبديل والإبدال بمعنى كالتنزيل والإنزال. وقوله: ﴿أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ﴾ . لأنكن لو كنتن خيراً منهن ما طلقكن رسول الله ﷺ َ قال معناه السديُّ. وقيل: هذا وعد من الله تعالى لرسوله لو طلقهن في الدنيا أن يزوجه في الآخرة نساء خيراً منهن، وكان الله عالماً بأنه لا يطلقهن، ولكن أخبر عن قدرته على أنه إن طلقهن أبدله خيراً منهن تخويفاً لهن، كقوله تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] وهو إخبار عن القدرة وتخويف لهم، لا أن في الوجودِ من هو خير من أصحاب محمد ﷺ َ فصل في الكلام على لفظ مسلمات قوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ إلى آخره. إما نعت أو حال أو منصوب على الاختصاص. قال سعيد بن جبير: يعني مخلصاتٍ. وقيل: مسلمات لأمر الله تعالى وأمر رسوله خاضعات لله بالطاعة ﴿مُّؤْمِنَاتٍ﴾ أي: مصدقات بتوحيد الله. وقيل: مصدقات بما أمرنَ به: ونهين عنه ﴿قَانِتَاتٍ﴾ مطيعات، والقنوت: الطاعة. وقيل: داعياتٍ بتوحيد الله. وقيل: مصليات «تائبات» أي: من ذنوبهن، قاله السديُّ. وقيل: راجعاتٍ إلى أمر رسول الله ﷺ َ تاركاتٍ لمحاب أنفسهن، ﴿عَابِدَاتٍ﴾ أي: كثيرات العبادةِ لله تعالى. وقال ابن عباس ﵄: كل عبادة في القرآن فهو التوحيد

стр. 11876

﴿سَائِحَاتٍ﴾ أي: صائمات، قاله ابن عبَّاس والحسن وابن جبير. وقال زيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن ويمان: مهاجرات. قال زيد: وليس في أمة محمدٍ ﷺ َ سياحة إلا الهجرة. والسياحة الجولان في الأرض. وقال الفرَّاء والقتبي وغيرهما: سمي الصائمُ سائحاً؛ لأن السائحَ لا زاد معه، وإنما يأكل من حيث وجد الطعام. وقيل: يسحن معه حيثما ساح. وقيل: ذاهبات في طاعة الله تعالى، من ساح الماءُ إذا ذهب. وقد مضى في سورة براءة. وقرأ عمرو بن فائد: «سَيِّحاتٍ» . فصل في الكلام على الآية. قال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف تكون المبدلات خيراً منهن، ولم يكن على وجه الأرض نساء خيراً من أمهات المؤمنين؟ . فالجواب: إذا طلقهن الرسول ﵊ ُ - لعصيانهن له، وإيذائهن إياه كان غيرهن من الموصوف بهذه الصفات مع الطاعة للرسول ﷺ َ خيراً منهن. فإن قيل: قوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ﴾ يوهم التَّكرارَ؛ لأن المسلمات والمؤمنات سواء؟ فالجواب: الإسلام هو التصديق باللسان، والإيمان التصديق بالقلب، وقد لا يجتمعان فقوله ﴿مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ﴾ تحقيقاً لاجتماعهما. قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ . إنما توسطت الواو بين ثيبات وأبكاراً لتنافي الوصف دون سائر الصفات. و «ثَيِّباتٍ» ونحوه لا ينقاس؛ لأنه اسم جنس مؤنث، فلا يقال: نساء حورات، ولا رأيت عينات. و «الثَّيِّبُ» وزنها «فَيعِل» من «ثاب يثوب» أي: رجع، كأنها ثابت بعد زوال عذرتها.

стр. 11877

وأصله: «ثَيْوب» ك «سيِّد وميِّت» أصلهما: «سَيْود ومَيْوت» على الإعلال المشهور. والمعنى: منهن ثيّب، ومنهن بِكْر. قيل: إنما سميت ثيِّباً؛ لأنها راجعة إلى زوجها إن أقام معها، وإلى غيره إن فارقها. وقيل: لأنها ثابت إلى بيت أبويها. قال القرطبي: «والأول أصح؛ لأن ليس كل ثيبت تعود إلى زوج، وأما البكر: فهي العذراء، سميت بكراً؛ لأنها على أول حالتها التي خلقت بها» . قال ابن الخطيب: فإن قيل: ذكر الثيبات في مقام المدحِ، وهي من جملة ما يقل رغبة الرجال فيهن؟ . فالجوابُ: يمكن أن يكون بعض الثيبات خيراً بالنسبة إلى البعض من الأبكار عند الرسول ﵊ ُ - لاختصاصهن بالمال، والجمال، أو النسب، أو المجموع، وإذا كان كذلك، فلا يقدح ذكر الثَّيِّب في المدح، لجواز ذلك. وقال الكلبيُّ: أراد بالثيِّب مثل: آسية امرأة فرعون، وبالبكر مثل: مريم ابنة عمران. قال القرطبيُّ: «وهذا إنما يمشي على قول من قال: إن التبديل وعد من الله لنبيه لو طلقهن في الدنيا زوجه في الآخرة خيراً منهن، والله أعلم» . قوله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ . «قُوْا» أمر من الوقاية، فوزنه «عُو» ؛ لأن الفاء حذفت لوقوعها في المضارع بين ياء وكسرة، وهذا محمول عليه، واللام حذفت حملاً له على المجزوم؛ لأن أصله «أوقيوا» ك «اضربوا» فحذفت الواو التي هي فاء لما تقدم، واستثقلت الضمة على الياء، فالتقى ساكنانِ، فحذفت الياء؛ وضم ما قبل الواو لتصح.

стр. 11878

وهذا تعليل البصريين. ونقل مكي عن الكوفيين: أن الحذف عندهم فرقاً بين المتعدي، والقاصر، فحذفت الواو التي هي فاء في «يَقِي، ويَعِد» لتعديهما، ولم يحذف من «يَوْجَلُ» لقصوره. قال: «ويرد عليهم نحو: يَرمِ، فإنه قاصر، ومع ذلك فقد حذفوا فاءه» . قال شهاب الدين: وفي هذا نظر؛ لأن «يَوْجَلُ» لم تقع فيه الواو بين ياء وكسرة لا ظاهرة ولا مضمرة. وقلت: ولا مضمرة، تحرُّزاً من «تَضَع، ويَسَع، ويهب» . وقرأ بعضهم: «وأهْلُوكُمْ» . وخرجت على العطف على الضَّمير المرفوع ب «قُوْا» ، وجوز ذلك الفصل بالمفعول قال الزمخشريُّ بعد ذكره القراءة وتخريجها: فإن قلت: أليس التقديرُ: «قُوا أنفُسكُمْ وليَقِ أهلوكم أنفسهم» ؟ . قلت: لا، ولكن المعطوف في التقدير مقارن للواو، و «أنْفُسَكُمْ» واقع بعده، كأنه قيل: قوا أنتم، وأهلوكم أنفسكم، لما جمعت مع المخاطب الغائب غلبته عليه، فجعلت ضميرهما معاً على لفظ المخاطب. قوله: «ناراً» مفعول ثانٍ، «وقُودُهَا النَّاسُ» صفة ل «نَاراً» وكذلك «عَليْهَا مَلائكةٌ» ، ويجوز أن يكون الوصف وحده «عَليْهَا» ، و «مَلائِكَةٌ» فاعل به، ويجوز أن يكون حالاً لتخصيصها بالصفة الأولى، وكذلك ﴿لَاّ يَعْصُونَ الله﴾ . وتقدم الخلاف في واو ﴿وَقُودُهَا﴾ [البقرة: ٢٤] ضمًّا وفتحاً في «البقرة» . فصل في معنى الآية قال الضحاك: المعنى: قو أنفسكم؛ وأهلوكم، فليقوا أنفسهم ناراً.

стр. 11879

وروي عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس ﵄: قوا أنفسكم وأمروا أهليكم بالذكر، والدعاء، حتى يقيهم الله بكم. وقال علي ﵁ وقتادة ومجاهدٌ: قوا أنفسكم بأفعالكم، وقوا أهليكم بوصيتكم. قال ابن العربي: وهو الصحيحُ، والفقهُ الذي يعطيه العطفُ الذي يقتضي التشريك بين المعطوف؛ والمعطوف عليه في معنى الفعل. كقوله: [الرجز] ٤٧٨٨ - عَلَفْتُهَا تِبْناً ومَاءً بَارِداً..... ... ... ... ... ... ... ... . وكقوله: [مجزوء الكامل] ٤٧٨٩ - ورَأيْتُ زَوْجَكِ فِي الوَغَى ... مُتَقلِّداً سَيْفاً ورُمْحا فعلى الرجل أن يصلح نفسه بالطاعة، ويصلح أهله صلاح الراعي للرعيَّة. قال ﵊ ُ -: «كُلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكُمْ مسْئُولٌ عن رعيَّتِهِ، فالإمامُ الَّذي على النَّاسِ راعٍ وهُوَ مَسْئُولٌ عَنهُمْ، والرَّجلُ راعٍ على أهْلِ بَيْتهِ وهُوَ مسْئُولٌ عَنْهُمْ» . قال الحسن في هذه الآية: يأمرهم، وينهاهم. وقال بعض العلماء لما قال: «قُو أنفُسَكُمْ» : دخل فيه الأولاد؛ لأن الولد بعض منه كما دخلوا في قوله تعالى: ﴿وَلَا على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] ، وقوله ﵊ ُ -: «إنَّ أحلَّ مَا أكلَ الرَّجلُ من كسْبِهِ، وإنَّ ولدهُ مِنْ كسْبِهِ» فلم يفرد بالذّكر إفراد سائر القرابات، فيعلمه الحلال والحرام، ويجنبه المعاصي والآثام إلى غير ذلك من الأحكام. وقال ﵊ ُ -: «حَقُّ الولدِ على الوالِدِ، أنْ يُحْسِنَ اسْمَهُ، ويُعلِّمهُ الكِتابَةَ، ويزَوِّجهُ إذا بلَغَ» .

стр. 11880

وقال ﵊ ُ -: «مَا نَحَلَ والدٌ ولَداً أفْضَل مِنْ أدبٍ حسنٍ» . وقال ﵊ ُ -: «مُرُوا أبْناءَكُمْ بالصَّلاة لسَبْعٍ؛ واضْربُوهُمْ على تَرْكِهَا لعشْرٍ، وفرِّقُوا بَيْنَهُم في المَضَاجِعِ» . قال بعض العلماء: ويخبر أهله بوقت الصلاة، ووجوب الصيام. وقال ﵊ ُ -: «رَحِمَ اللَّهُ امْرءاً قَامَ مِنْ اللَّيلِ يُصلِّي، فأيقظَ أهلَهُ، فإنْ لَمْ تَقُم رشَّ على وجهِهِا المَاءَ، ورحِمَ اللَّهُ امْرَأةً قَامَتْ في اللَّيْلِ تُصلِّي، وأيْقَظَتْ زوْجَهَا، فإنْ لم يَقُمْ رشَّتْ على وجْهِهِ المَاء» . وذكر القشيريُّ قال: «فلما نزلت هذه الآية، قال رجلٌ: يا رسول الله، نقي أنفسنا، فكيف لنا بأهلينا؟ . فقال:» تنهونهم عما نهاكم الله، وتأمرونهم بما أمر الله «» . وقال مقاتلٌ: ذلك حق عليه في نفسه، وولده، وأهله، وعبيده، وإمائه. قال إلكيا: فعلينا تعليم أولادنا، وأهلينا الدين، والخير، وما لا يستغنى عنه من الأدب. وهو قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة واصطبر عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] ، وقوله للنبي ﷺ َ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾ [الشعراء: ١٤] . وتقدم الكلام على قوله: ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ في «البقرة» .

стр. 11881

فصل في مخاطبة الله تعالى للمؤمنين قال ابن الخطيب: فإن قيل: إنه - تعالى - خاطب المشركين في قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فاتقوا النار التي وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ [البقرة: ٢٤] ، ثم قال: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ فما معنى مخاطبته للمؤمنين بذلك؟ . فالجوابُ: أن الفساق، وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكُفَّار، فإنهم مع الكُفَّار في دار واحدة، فقيل للذين آمنوا: «قُوا أنفُسَكُمْ» باجتناب الفسوقِ ومجاورة الذين أعدت لهم هذه النار، ولا يبعد أن يأمرهم بالتوقِّي عن الارتداد. قوله: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ . يعني الزَّبَانية، غلاظ القلوب لا يرحمون إذا استرحموا، خلقوا من الغضب، وحبب إليهم عذاب الخلقِ، كما حبب لبني آدم الطعام، والشراب «شِدادٌ» ، أي: شداد الأبدان وقيل: غلاظ الأقوال شدادُ الأفعالِ. وقيل: «غِلاظٌ» في أخذهم أهل النار «شِدادٌ» عليهم، يقال: فلان شديد على فلان، أي: قوي عليه يعذبه بأنواع العذاب. وقيل: أغلاظ أجسامهم ضخمة «شِدادٌ» أي: أقوياء. قال ابن عبَّاس: ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة. وقال ﵊ ُ - في خزنة جهنم: «مَا بَيْنَ منْكبَيْ أحدهِمْ كَمَا بَيْنَ المَشْرقِ والمَغْربِ» . قوله: ﴿لَاّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ﴾ . يجوز أن تكون «ما» بمعنى «الذي» ، والعائد محذوف، أي: «مَا أمَرَهُمُوهُ» ، والأصل: «بِهِ» ، لا يقال: كيف حذف العائد المجرور، ولم يجر الموصول بمثله؟ لأنه يطرد حذف هذا الحرف فلم يحذف إلا منصوباً. وأن تكون مصدرية، ويكون محلها بدلاً من اسم الله بدل اشتمال، كأنه قيل: لا يعصون أمره. وقوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ﴾ . قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: أليست الجملتان في معنى واحد؟ .

стр. 11882

قلت: لا؛ لأن الأولى معناها: أنهم يقبلون أوامره ويلتزمونها. والثانية: معناها أنهم يؤدّون ما يؤمرون به لا يتثاقلون عنه، ولا يتوانون فيه» . وقال القرطبي: ﴿لَاّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ﴾ أي: لا يخالفونه في أمر من زيادة، أو نقصان ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ في وقته لا يقدمونه، ولا يؤخرونه. وقيل: أي: لذتهم في امتثال أمر اللَّهِ، كما أن سرور أهل الجنة في الكون في الجنة، ذكره بعض المعتزلة، وعندهم أنه يستحيل التكليف غداً، ولا يخفى معتقد أهل الحقِّ في أن الله يكلف العبد اليوم وغداً، ولا ينكر التكليف غداً في حق الملائكةِ، ولله أن يفعل ما يشاء.

стр. 11883

أي: فإن عذركم لا ينفع، وهذا النهي لتحقيق اليأس ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا، ونظيره: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَاّ ينفَعُ الذين ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [الروم: ٥ ٧] . قوله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ توبوا إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾ . فرأ الجمهور: بفتح نون «نَصُوحاً» . فهي صيغة مبالغة أسند النصح إليها مجازاً، وهي من: نصح الثوب، أي: خاطه فكأنه التائب يرقع ما حرقه بالمعصية. وقيل: هي من قولهم: عسل ناصح، أي: خالص. وقرأ أبو بكر: بضم النون. وهو مصدر «نَصَحَ» ، يقال: نصح نصحاً ونصوحاً، نحو: كَفَر كُفْراً وكُفُوراً، وشَكَرَ شُكْراً وشُكُوراً. وفي انتصابه أوجه:

стр. 11884

أحدها: أنه مفعول له، أي: لأجل النصح الحاصل نفعه عليكم. والثاني: أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف، أي: ينصحهم نصحاً. الثالث: أنه صفة لها، إما على المبالغة على أنها نفس المصدر، أو على حذف مضاف، أي: ذات نصوحٍ. وقرأ زيد بن عليّ: «تَوْباً» دون تاء. فصل في تعلق هذه الآية بقوله يا أيها الذين كفروا قال ابن الخطيب: وجه تعلق هذه الآية بقوله: ﴿يا أيها الذين كَفَرُواْ﴾ أنه - تعالى - نبّههم على رفعِ العذاب في ذلك اليوم، بالتوبة في الدنيا، إذ في ذلك اليوم لا تفيدُ التوبةُ. فصل أمر بالتَّوبة، وهي فرض على الأعيان في كُلِّ الأحوال، وكُلِّ الأزمان واختلفوا في التوبة النَّصُوح: فقيل: هي التي لا عودة بعدها، كما لا يعود اللَّبن إلى الضرع. روي عن عمر، وابن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، ورفعه معاذٌ إلى النبي ﷺ َ. وقال قتادة: «النَّصُوحُ» الصَّادقة الخالصة.

стр. 11885

وقيل: الخالصة. يقال: نصح له، أي: أخلص له القول. وقال الحسن: «النَّصُوحُ» أن يبغض الذنب الذي أحبه، ويستغفر منه إذا ذكره. وقيل: هي التي لا يثق بقبولها، ويكون على وجلٍ منها. وقال الكلبيُّ: التوبة النَّصوح، الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع عن الذنب، والعزم على ألَاّ يعود. وقيل غير ذلك. فصل في الأشياء التي يُتَاب منها قال بعض العلماءِ: الذنبُ الذي لا يكونُ منه التوبةُ لا يخلو، إما أن يكون حقاً لله أو للآدميين، فإن كان حقاً لله كتركِ صلاة، أو صوم أو تفريط في زكاة؛ فإن التوبة لا تصح منه حتى ينضم إلى الندم قضاء ما فات منها. وإن كان قتل نفساً بغير حقٍّ، فإن تمكن من القصاص منه إن طلب به، فإن عُفِيَ عنه كفاه النَّدم، والعزم على ترك العودِ بالإخلاص، وكذلك إن عُفِي عنه في القَتْل بمال فعليه أن يؤديه إن كان واجداً له، قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فاتباع بالمعروف وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] . وإن كان ذلك من حدود الله - ما كان - فإنه إذا تاب إلى الله - تعالى - بالندم الصحيح سقط منه، وقد نصَّ الله - تعالى - على سقوط الحد عن المحاربين إذا تابوا قبل القدرةِ عليهم، كما تقدم. وكذلك الشُّرَّاب، والسُّراق، والزُّناة إذا صلحوا، وتابوا، وعرف ذلك منهم، ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم، وإن رفعوا إليه فقالوا: تُبْنا لم يتركهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غلبوا، هذا مذهب الشافعي. فإن كان الذنبُ من مظالم العباد، فلا تصح التوبة منه إلا برده إلى صاحبه، والخروج عنه - عيناً كان أو غيره - إن كان قادراً عليه، فإن لم يكن قادراً، فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت، وأسرعه. وإن كان لواحد من المسلمين، وذلك الواحد لا يشعر به، ولا يدري من أين أتى، فإنه يزيل ذلك الضرر عنه، ثم يسأله أن يعفو عنه، ويستغفر له، فإذا عفى، فقد سقط الذنب عنه، وإن أرسل من يسأل ذلك له، فعفى ذلك المظلوم عن ظلمه عرفه بعينه، أو لم يعرفه، فذلك صحيح.

стр. 11886

وإن أساء رجل إلى رجل، بأن فزعه بغير حق، أو غمه، أو لطمه، أو صفعه بغير حق، أو ضربه بسوط وآلمه، ثم جاءه مستعفياً نادماً على ما كان منه عازماً على ألا يعود فلم يزل يتذلل له، حتى طابت نفسه فعفا عنه، سقط الذَّنب عنه، وهكذا إن شتمه بشتمٍ لا حدَّ فيه. قوله: ﴿عسى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ . «عَسَى» من الله واجبةً، وهو معنى قوله ﵊ ُ -: «التَّائِبُ من الذَّنْبِ كمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ» . و «أنْ» في موضع نصب. قوله: «ويُدخِلَكُمْ» . معطوف على «يُكَفِّرَ» . قرأ العامة: بالنصب. وابن أبي عبلة: بسكون اللام. فاحتمل أن يكون من إجراء المنفصلِ مجرى المتصل، فسلبت الحركة؛ لأنه يتحلل من مجموع «يُكفِّرَ عَنْكُم» مثل «نطع وقمع» فيقال: فيهما: نَطْع وقَمْع. ويحتمل أن يكون عطفاً على محل «عَسَى أن يُكَفِّرَ» كأنه قيل: توبوا يوجب تكفير سيئاتكم، ويدخلكم، قاله الزمخشري. يعني أن «عَسَى» في محل جزم جواباً للأمر؛ لأنه لو وقع موقعها مضارع لانجزم كما مثل به الزمخشري. وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم أن «عَسَى» جوابٌ ولا تقع جواباً؛ لأنها للإنشاء. قوله: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى الله النبي﴾ . «يَوْمَ» منصوب ب «يُدخِلَكُم» ، أو بإضمار «اذْكُرْ» . ومعنى «يُخْزِي» هنا: يعذب، أي: لا يعذبه، ولا يعاقب الذين آمنوا معه. قالت المعتزلة: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى الله النبي والذين آمَنُواْ مَعَهُ﴾ يدل على أنه لا يعذب الذين آمنوا؛ لأن الإخزاء يقع بالعذاب، ولو كان أصحاب الكبائر من أهل الإيمان لم يخفف عليهم العذاب. قال ابنُ الخطيب: وأجاب أهل السُّنة بأنه - تعالى - وعد أهل الإيمان بألَاّ يخزيهم.

стр. 11887

من أهل السنَّةِ من يقف على قوله: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى الله النبي﴾ ، ومعناه لا يخزيه في رد الشفاعة، والإخزاء: الفضيحة، أي: لا يفضحهم بين يدي الكفار، ويجوز أن يعذبهم على وجه لا تقف الكفرة عليه. قوله: ﴿والذين آمَنُواْ﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون منسوقاً على «النَّبِي» ، أي: ولا يخزي الذين آمنوا، فعلى هذا يكون «نُورُهُمْ يَسْعَى» مُستأنفاً، أو حالاً. والثاني: أن يكون مبتدأ، وخبره «نُورُهُمْ يَسْعَى» ، و «يَقُولُون» خبر ثاني أو حال. وتقدم إعراب مثل هذه الجمل في «الحديد» وإعراب ما بعدها في «براءة» . وقرأ أبو حيوة، وأبو نهل الفهمي: «وبإيْمَانهِمْ» بكسر الهمزة. ومعنى قوله: ﴿نُورُهُمْ يسعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: في الدنيا وبأيمانهم عند الحساب، لأنهم يؤتون الكتاب بأيمانهم، وفيه نور، وخير. وقيل: يسعى النور بين أيديهم في موضع وضع أقدامهم «وبأيْمانِهِمْ» لأن خلفهم وشمالهم طرق الكفرة، وقولهم: ﴿رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ قال ابن عباس: يقولون ذلك عند إطفاء نور المُنافقين إشفاقاً. وقال الحسنُ: إنه - تعالى - يتمّم لهم نورهم، ولكنهم يدعون تقرباً إلى حضرة الله تعالى، كقوله: ﴿واستغفر لِذَنبِكَ﴾ [غافر: ٥٥] وهو مغفور. وقيل: أدناهم منزلة من نوره بقدر ما يبصر موضع قدمه، فيسألون إتمامه. وقال الزمخشري: السَّابقون إلى الجنَّة يمرون كالبرقِ على الصِّراط، وبعضهم كالريح، وبعضهم كالجواد المسرع، وبعضهم حَبْواً، وهم الذين يقولون: ربنا أتمِمْ لنا نورنا.

стр. 11888

فإن قيل: إنه - تعالى - لا يخزي النبي في ذلك اليوم، ولا الذين آمنوا معه؟ . فالجوابُ: لأن فيه إفادة الاجتماع، بمعنى لا يخزي الله المجموع، أي: الذين يسعى نورهم، وفيه فائدة عظيمة، إذ الاجتماع بين الذين آمنوا، وبين نبيهم تشريفٌ في حقهم وتعظيم.

стр. 11889

أمره أن يجاهدَ الكُفَّار بالسيف، والمواعظ الحسنة، والدعاء إلى الله، والمنافقين بالغلظة، وإقامة الحُجَّة أن يعرفهم أحوالهم في الآخرة، وأنه لا نُور لهم يجوزون به على الصِّراط مع المؤمنين. وقال الحسنُ: أي: جاهدهم بإقامة الحدود عليهم، فإنهم كانوا يرتكبون موجبات الحدود وكانت الحدودُ تقامُ عليهم ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ يرجع إلى الصنفين ﴿وَبِئْسَ المصير﴾ أي: المرجع. قال ابن الخطيب: وفي مخاطبة النبي ﷺ َ بقوله: ﴿يا أيها النبي﴾ في أول السورة وفي هذه الآية ووصفه بالنبي لا باسمه، كقوله لآدم: ﴿يا آدم﴾ [البقرة: ٣٥] ، وموسى ﴿ياموسى﴾ [طه: ١١] ، ولعيسى ﴿ياعيسى﴾ [المائدة: ١١٦] دليل على فضيلته عليهم. فإن قيل: قوله: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ يدل على أن مصيرهم بئس المصيرُ، فما فائدة ذلك؟ فالجوابُ: أن مصيرهم بئس المصير مطلقاً، والمطلق يدل على الدوام، وغير المطلق لا يدل على الدوام.

стр. 11890

ثم ضرب اللَّهُ مثلاً للصَّالحات، من النِّساء، فقال:

стр. 11891

﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً﴾ إلى آخره، تقدم الكلام على «ضرب» مع «المَثَل» ، وهل هو بمعنى «صير» أم لا؟ وكيف ينتصب ما بعدها في سورة «النحل» . فصل في ضرب الله لهذا المثل ضرب الله هذا المثل تنبيهاً على أنه لا يغني أحد عن قريب، ولا نسب في الآخرة إذا فرق بينهما الدِّين، وكان اسم امرأة نوح «والهة» ، وامرأة لوط «والغة» ، قاله مقاتل. وقال الضحاكُ عن عائشة ﵂: إن جبريل نزل على النبي ﷺ َ فأخبره أن اسم امرأة نوح «وَاغِلة» وامرأة لوط «والهة» ، ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾ يعني نوحاً ولوطاً. ويجوز أن يكون «امْرَأة نُوحٍ» بدلاً من قوله «مثلاً» على تقدير حذف المضاف، أي: ضرب الله مثلاً مثل امرأة نوح. ويجوزأن يكونا مفعولين. قوله: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ﴾ . جملة مستأنفة كأنها مفسرة ل «ضَرْبِ المثلِ» ، ولم يأت بضميرهما، فيقال: تحتهما أي: تحت نوح ولوط، لما قصد من تشريفهما بهذه الإضافة الشريفة، وليصفهما بأجَلّ الصِّفات، وهو الصَّلاح. قوله: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ . قال عكرمة، والضحاك: بالكفر. وقال سليمان بن رقية، عن ابن عباس: كانت امرأة تقول للناس: إنه مجنون وامرأة لوط كانت تخبر بأضيافه. وعن ابن عباس: ما بَغَت امرأة نبي قط، وإنما كانت خيانتهما أنهما كانا على غير دينهما.

стр. 11892

قال القشيريُّ: وهذا إجماع من المفسرين إنما كانت خيانتهما في الدين، وكانتا مشركتين وقيل: كانتا منافقتين. وقيل: خيانتهما النَّميمةُ إذا أوحى الله إليهما شيئاً أفشتاه إلى المشركين، قاله الضحاك. وقيل: كانت امرأة لوط إذا نزل به ضيف دخنت لتعلم قومها أنه قد نزل به ضيف لما كانوا عليه من إتيان الرجال. قوله: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا﴾ . العامة: بالياء من تحت، أي: لم يغن نوح ولوط عن امرأتيهما شيئاً من الإغناء من عذاب الله. وقرأ مبشر بن عبيد: تغنيا - بالتاء من فوق -، أي: فلم تُغْن المرأتان عن أنفسهما. وفيها إشكال إذ يلزم من ذلك تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل في غير المواضع المستثناة. وجوابه: أن «عَنْ» هنا اسم كهي في قوله: [الكامل] ٤٧٩٠ - دَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ في حَجَراتِهِ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . وقد تقدم هذا والاعتراض عليه بقوله: ﴿وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة﴾ [مريم: ٢٥] ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: ٣٢] ، والجواب هناك. فصل في معنى الآية معنى الآية: لم يدفع نوح، ولوط مع كرامتهما على الله تعالى عن زوجتيهما لما عصيا شيئاً من عذاب اللَّه تنبيهاً بذلك على أنَّ العذاب يدفع بالطَّاعة، لا بالوسيلة. وقيل: إن كفار مكة استهزءوا وقالوا: إنَّ محمداً يشفع لنا، فبين تعالى أن الشفاعة لا تنفع كفار «مكة» ، وإن كانوا أقرباء كما لا ينفع شفاعة نوح امرأته، وشفاعة لوط لامرأته مع قربهما له لكفرهما. ﴿وَقِيلَ ادخلا النار مَعَ الداخلين﴾ في الآخرة كما يقال لكفار مكة وغيرهم. قطع الله

стр. 11893

بهذه الآية طمع من يرتكب المعصية أن ينفعه صلاح غيره، ثم أخبر أن معصية غيره لا تضره إذا كان مطيعاً. قوله: ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ امرأة فِرْعَوْنَ﴾ . واسمها آسية بنت مزاحم. قال يحيى بن سلام: قوله: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ مثل ضربه الله يحذر به عائشة، وحفصة في المخالفة حين تظاهرتا عليه ﷺ َ ثم ضرب الله لهما مثلاً بامرأة فرعون ومريم ابنة عمران ترغيباً في التمسك بالطاعة، والثبات على الدين. وقيل: هذا حث للمؤمنين على الصبر في الشدة، أي: لا تكونوا في الصبر عند الشدة أضعف من امرأة فرعون حين صبرت على أذى فرعون. قال المفسرون: لما غلب موسى السحرة آمنت امرأةُ فرعون. وقيل: هي عمة موسى آمنت به، فلما تبين لفرعون إسلامها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد، وألقاها في الشمس، وألقى عليها صخرة عظيمة، فقالت: «ربِّ نَجِّنِي مِنْ فرعَونَ وعمله» . فرمى بروحها في الجنة، فوقعت الصخرة على جسد لا روح فيه. وقال الحسنُ: رفعها تأكل في الجنة، وتشرب. قال سلمان الفارسي: كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة. قوله: ﴿إذْ قَالَتْ رَبِّ﴾ . منصوب ب «ضرب» ، وإن تأخر ظهور الضرب. ويجوز أن ينتصب بالمثل. قوله: ﴿عِندَكَ﴾ . يجوز تعلقه ب «ابْنِ» ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «بَيْتاً» كان نعته فلما قدم نصب حالاً. و ﴿فِي الجنة﴾ . إما متعلق ب «ابْنِ» وإما بمحذوف على أنه نعت ل «بَيْتاً» .

стр. 11894

فصل في قصة امرأة فرعون. قال المفسرون: لما كانت تعذب في الشمس، وأذاها حرّ الشمس ﴿قَالَتْ: رَبِّ ابن لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجنة﴾ فوافق ذلك حضور فرعون، فضحكت حين رأت بيتها في الجنة، فقال فرعون: لا تَعْجبُوا من جُنُونهَا أنَا أعذِّبُها وهي تضحك، فقبض رُوحها. وروي أنه وضع على ظهرها رحى فأطلعها اللَّهُ، حتى رأت مكانها في الجنَّة، وانتزع روحها، فألقيت عليها صخرة بعد خروج روحها فلم تجد ألماً. وقال الحسن وابن كيسان: رفع الله امرأة فرعون إلى الجنة، فهي فيها تأكل، وتشرب، وتتنعم. قوله: ﴿وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ . تعني بالعمل: الكفر. وقيل: «من عمله» ، أي: من عذابه وظلمه. وقال ابن عباس: الجماع. ﴿وَنَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين﴾ ، أي: الكافرين. قال الكلبيُّ: أهل «مصر» . وقال مقاتل: القبط. قوله: ﴿وَمَرْيَمَ ابنة عِمْرَانَ﴾ . عطف على ﴿امرأة فِرْعَوْنَ﴾ . ضرب الله المثل للكافرين بامرأتين، وللمؤمنين بامرأتين. وقال أبو البقاء: «ومَرْيَمَ» أي: «واذكر مريم» . وقيل: أو «ومثل مريم» . وقرأ العامة: «ابْنَة» بنصب التاء. وأيوب السختياني: بسكون الهاء، وصلاً، أجرى الوصل مجرى الوقف. والعامة أيضاً: «فَنَفَخْنَا فيْهِ» أي: في الفرجِ.

стр. 11895

وعبد الله: «فِيْهَا» أي: في الجملة. وقد تقدم في «الأنبياء» مثله. والعامة أيضاً: «وصَدَّقتْ» بتشديد الدال. ويعقوب وقتادة وأبو مجلز، وعاصم في رواية: بتخفيفها، أي: صدقت فيما أخبرت به من أمر عيسى. والعامة على: «بِكَلمَاتِ» جمعاً. والحسن ومجاهد والجحدري: «بِكلمَةِ» بالإفراد. فقيل: المراد بها عيسى؛ لأنه كلمةُ الله. فصل في مريم ابنة عمران ضرب الله مثلاً بمريم ابنة عمران وصبرها على أذى اليهود. وقوله: ﴿التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ عن الفواحش. وقال المفسرون هنا: أراد بالفرج الجيب، لقوله ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ وجبريل ﵇ إنما نفخ في جيبها ولم ينفخ في فرجها. وهي في قراءة أبيٍّ: ﴿فنفخنا في جيبها من روحنا﴾ ، وكل خرق في الثوب يسمى فرجاً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] . ويحتمل أن يكون أحصنت فرجها ونفخ الروح في جيبها. ومعنى «فَنَفَخْنَا» أرسلنا جبريل فنفخ في جيبها «مِنْ رُوحِنَا» أي: روحاً من أرواحنا وهي روح عيسى، وقوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ أي: قول جبريل لها: ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: ١٩] الآية. وقال مقاتل: يعني بالكلمات عيسى، وأنه نبيّ وعيسى كلمة الله كما تقدم. وقيل: ﴿بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ يعني الشرائع التي شرعها الله للعباد بكلماته المنزلة. قوله: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ . قرأ أهل «البَصْرة» وحفص: «وكُتُبِهِ» على الجمع. وقرأ الأخرون: «وكِتَابِهِ» على التوحيد.

стр. 11896

والمراد منه الكثرة، فالمراد به الجِنْس، فيكون في معنى كل كتاب أنزله الله تعالى. وقرأ أبو رجاء: «وَكُتْبِهِ» بسكون التاء، وهو تخفيف حسن. وروي عنه: «وكَتْبِهِ» بفتح الكاف. قال أبو الفضل: مصدر وضع موضع الاسم، يعني ومكتوبه. فصل في المراد بالكتب أراد الكتب التي أنزلتْ على إبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى. وقوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ القانتين﴾ . يجوز في «مِن» وجهان: أحدهما: أنها لابتداء الغاية. والثاني: أنها للتبعيض، وقد ذكرهما الزمخشريُّ، فقال: و «مِنْ» للتبعيض، ويجوز أن تكون لابتداء الغاية، على أنها ولدت من القانتين؛ لأنها من أعقاب هارون أخي موسى صلوات الله على نبيِّنا وعليهما وعلى سائر الأنبياء وآلهم. قال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل: ﴿مِنَ القانتين﴾ على التذكير؟ . قلت: القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين فغلب ذكوره على إناثه. ويجوز أن يرجع إلى أهل بيتها، فإنهم كانوا مطيعين لله، والقنوت: الطاعة. وقال عطاء: من المصلّين بين المغرب والعشاء. وعن معاذ بن جبلٍ: «أن النبي ﷺ َ قال لخديجة وهي تجود بنفسها: أتكرهين ما قد نزل بك، وقد جعل اللَّهُ في الكره خيراً، فإذا قدمت على ضراتك فأقرئيهنّ منِّي السَّلام مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم وكليمة - أو قال: حليمة - بنت عمران أخت موسى بن عمران، فقالت: بالرفاء والبنين يا رسول الله» . [قال ابن الأثير: الرفاء والبنين: الالتئام والاتفاق والبركة والنَّماء، وهو مهموز. وذكره الهروي في «المعتلّ» قال: «وهو على معنيين: أحدهما: الاتفاق وحسن الاجتماع، والآخر: من الهدوء والسكون، وأما المهموز

стр. 11897

فمن قولهم: رَفَأتُ الثَّوب رفاءً، ورفوتُه رفواً» انتهى] . وروى قتادة عن أنس عن النبي ﷺ َ أنه قال: «حَسْبُكُ مِنْ نِسَاءِ العَالمينَ أربعٌ: مَريَمُ ابْنَةُ عِمرانَ، وخَدِيجَةُ بنتُ خُويْلِدٍ، وفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وآسيةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ امرأةُ فِرْعَونَ» . روى الثعلبي عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿يا أيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ أعطاهُ اللَّهُ تَوْبَةٌ نَصُوحاً» .

стр. 11898

سورة الملك مكية، وتسمى الواقية، والمنجية، وتدعى في التوراة المانعة؛ لأنها تنقي وتنجي من عذاب القبر.

стр. 11899

وعن ابن شهاب: أنه كان يسميها المجادلة؛ لأنها تجادل عن صاحبها في القبر. وهي ثلاثون آية، وثلاثمائة كلمة، وألف وثلاثمائة حرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك﴾ . «تبارك» تفاعل من البركة وقد تقدم. وقال الحسنُ: تقدّس. وقيل: دام، فهو الدائم الذي لا أول لوجوده، ولا آخر لدوامه ﴿الذي بِيَدِهِ الملك﴾ أي: ملكُ السموات والأرض في الدنيا والآخرة. وقال ابن عبَّاس: ﴿بِيَدِهِ الملك﴾ : يعزّ من يشاء، ويذل من يشاء، ويُحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع. قال ابن الخطيب: هذه اللفظة تستعمل لتأكيد كونه - تعالى - ملكاً ومالكاً كما يقال: بيد فلان الأمر، والنهي، والحل والعقد، ولا مدخل للجارحة. قال الزمخشريُّ: ﴿بِيَدِهِ الملك﴾ كل موجود، وهو على كل ما لم يوجد قدير:

стр. 11900

قوله: ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . يدل على أن المعدوم شيء؛ لأن قدرة الله لا تتعلق بالموجود؛ لأن القدرة مؤثرة، والعدم نفي محض، فلا يكون أثراً لها، فوجب أن يكون المعدوم شيئاً. فصل في أنه لا مؤثر إلا قدرة الله احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه لا مؤثر إلا قدرة الله، وأبطلوا القول بالطَّبائع كقول الفلاسفة، وأبطلوا القول بالمتولدات كقول المعتزلة، وأبطلوا القول بكون العبد موجوداً لأفعالٍ نفسيةٍ، لقوله: ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . فصل في وحدانية الله دلّت هذه الآية على الوحدانية؛ لأنا لو قدرنا إلهاً ثانياً، فإما أن يقدر على إيجاد الشيء أولاً، فإن لم يقدر على إيجاد شيء لم يكن إلهاً، وإن قدر كان مقدور ذلك الإله الثاني شيئاً، فيلزم كون ذلك للإله الأول لقوله ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيلزم وقوع مخلوق من خالقين، وهو محال؛ لأنه إذا كان كل واحد منهما مستقلاً بالإيجاد، ويلزم أن يستغنى بكلّ واحد منهما عن كل واحد منهما، فيكون محتاجاً إليهما وغنياً عنهما وذلك محال. فصل في الرد على جهم احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء، فقال: لوكان شيئاً لكان قادراً على نفسه لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لكن كونه قادراً على نفسه محال، فيمتنع كونه شيئاً. والجواب: لما دلّ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله﴾ [الأنعام: ١٠٩] على أنه - تعالى - شيء وجب تخصيص هذا العموم، فإذن دلّت هذه الآيةُ على أنَّ العامَّ المخصوص واردٌ في كتاب الله تعالى، ودلت على أن تخصيص العام بدليل العقل جائز، بل واقع. قوله: ﴿الذي خَلَقَ الموت والحياة﴾ . قيل: خَلَق الموت في الدنيا، والحياة في الآخرة، وقدم الموت على الحياة، لأن الموت إلى القهر أقرب، كما قدم البنات على البنين فقال: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً﴾ [الشورى: ٤٩] . وقيل: قدمه؛ لأنه أقدم، لأن الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت كالنُّطف والتراب ونحوه.

стр. 11901

وقال قتادة: كان رسول الله ﷺ َ يقول: «إنَّ اللَّه تعالى أذلَّ بَنِي آدَمَ بالموتِ، وجَعلَ الدُّنْيَا دَار حياةٍ ثُمَّ دَارَ مَوْتٍ، وجَعَل الآخِرةَ دَارَ جزاءٍ، ثُمَّ دَارَ بَقَاءٍ» . وعن أبي الدَّرداء أن نبيَّ الله ﷺ َ قال: «لَوْلَا ثلاثٌ ما طَأطَأ ابنُ آدَمَ رَأسهُ: الفَقْرُ، والمَرَضُ والمَوتُ» . وقيل: إنما قدم الموت على الحياة؛ لأن من نصب الموت بين عينيه، كان أقوى الدواعي له إلى العمل الصالح. قال ابن الخطيب: قالوا: الحياة هي الصفة التي يكون الموصوف بها بحيث يصح أن يعلم ويقدر، واختلفوا في الموت. فقيل: إنه عبارة عن عدم هذه الصفة، وقال أصحابنا: إنه صفة وجودية مضادة للحياة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿الذي خَلَقَ الموت﴾ والعدم لا يكون مخلوقاً، وهذا هو التحقيق. وروى الكلبي عن ابن عبَّاسٍ: أن الله - تعالى - خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء، ولا يجد رائحته شيء إلَاّ مات، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار ودون البَغْل لا تمر بشيء، ولا يجد رائحتها شيء إلا حيي على ما سيأتي. قال ابن الخطيب: وهذا لا بد وأن يكون مقولاً على سبيل التمثيل، والتصوير، وإلا فالتحقيق ما ذكرنا. فصل في الموت والحياة حكى ابنُ عباس، والكلبي ومقاتلٌ: أن الموت والحياة يجسمان، فالموت في هيئة كبْش لا يمر بشيء، ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاءَ وهي التي كان جبريل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يركبونها، خطوتُها أمدُ البصر فوق الحمار ودون البغل، لا تمر بشيء يجد ريحاً إلا يحيى، ولا تطأ على شيء إلا حيي، وهي التي أخذ السَّامري من أثرها، فألقاها على العِجْل فحيي. حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس، والماوردي معناه عن مقاتل والكلبي.

стр. 11902

وعن مقاتل: «خَلَقَ المَوْتَ» يعني: النُّطفة والعلقة والمُضغة، وخلق الحياة، يعني خلق إنساناً، ونفخ فيه الروح، فصار إنساناً. قال القرطبيُّ: وهذا حسن، يدل عليه قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ . قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ . متعلق ب «خلق» . وقوله: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ تقدم مثله في أول «هود» [الآية ٧] . وقال الزمخشريُّ هنا: «فإن قلت: من أين تعلق قوله ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ، بفعل البلوى؟ قلت: من حيث إنه تضمن معنى العلم، فكأنه قيل: ليعلمكم أيكم أحسن عملاً، وإذا قلت: علمته أزيد أحسن عملاً أم هو؟ كانت هذه الجملة واقعة موقع الثَّاني من مفعوليه كما تقول: علمته هو أحسن عملاً، فإن قلت: أتسمي هذا تعليقاً؟ . قلت: لا، إنما التعليق أن يقع بعده ما يسد مسدَّ المفعولين جميعاً، كقولك: علمت أيهما عمرو، وعلمت أزيد منطلق، ألا ترى أنه لا فرق بعد سبق أحد المفعولين بين أن يقع ما بعده مصدراً بحرف الاستفهام وغير مصدر به، ولو كان تعليقاً لافترقت الحالتان كما افترقتا في قولك: عَلِمْتُ أزيدٌ منطلق، وعلمت زيداً منطلقاً» . قال شهاب الدين: «وهذا الذي منع تسميته تعليقاً سماه به غيره ويجعلون تلك الجملة في محل ذلك الاسم الذي يتعدى إليه ذلك الفعل، فيقولون في:» عَرفتُ أيُّهُمْ منطلقٌ «: إن الجملة الاستفهامية في محل نصب على إسقاط الخافضِ؛ لأن» نظر «يتعدى به» . فصل في اللام في قوله: ليبلوكم قال الزَّجَّاجُ: اللام في «لِيَبْلوَكُمْ» تتعلق بخلقِ الحياة، لا بخلق الموت. وقال الفراء والزجاج أيضاً: لم تقع البلوى على «أي» لأن فيما بين البلوى و «أي» إضمار فعل كما تقول: «بَلوْتُكمْ لأنْظُر أيكم أطوع» ، ومثله قوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] ، أي: سلهم، ثم انظر أيهم فأيهم، رفع بالابتداء، والمعنى: ليبلوكم ليعلم، أو فينظر أيكم أحسن عملاً. قال ابن الخطيب: «أيُّكُمْ» مبتدأ، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.

стр. 11903

فصل في الابتلاء الابتلاءُ: هو التجربة، والامتحان، حتى يعلم أنه هل يطيع، أو يعصي، وذلك في حق العالم بجميع المعلومات مُحَال، وقد تقدم تحقيق هذه المسألة في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤] . والحاصل أن الابتلاء من الله هو أن يعامل عبده معاملة تشبه المختبر. فصل في تفسير الآية قال السديُّ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ أي: أكثر للموت ذكراً وأحسن استعداداً وأشد خوفاً وحذراً. وقال ابن عمر: «تلا النبي ﷺ َ: ﴿تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك﴾ حتَّى بلغ ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ فقال:» أورعُ عن محَارمِ اللَّهِ، وأسرعُ في طاعةِ اللَّهِ «» . وقيل: يعاملكم معاملة المختبر، فيبلو العبد بموت من يعز عليه ليبين صبره، وبالحياة ليبين شكره. وقيل: خلق الله الموت للبعث، والجزاء، وخلق الحياة للابتلاء «وهُوَ العَزِيزُ» في انتقامهِ ممن عصاه «الغَفُورُ» لمن تاب. فصل فيمن قالوا: إن فعل الله يكون لغرض احتج القائلون بأنه تعالى يفعل الفعل لغرض بقوله: «ليَبْلُوكُمْ» قالوا: وهذه اللام للغرض كقوله تعالى ﴿إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ، والجواب: أن الفعل في نفسه ليس بالابتلاء، إلا أنه لما أشبه الابتلاء سمي به مجازاً، فكذلك هاهنا، إنه يشبه الغرض، وإن لم يكن في نفسه غرضاً فقدم حرف الغرضِ. قوله: ﴿الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً﴾ . يجوز أن يكون الموصول تابعاً للعزيز الغفُورِ، نعتاً، أو بياناً أو بدلاً.

стр. 11904

وأن يكون منقطعاً عنه خبر مبتدأ، أو مفعول فعل مقدر. وقوله: «طِباقَاً» صفة ل «سَبْعَ» ، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه جمع طبق، نحو: جبل وجبال. والثاني: أنه جمع طبقة، نحو: رحبة ورحاب. والثالث: أنه مصدر طابق، يقال: طَابَقَ مُطابَقَةَ وطِبَاقاً. ثم إما أن تجعل نفس المصدر مبالغة، وإما على حذف مضاف، أي: ذات طباق، وإما أن ينتصب على المصدر بفعل مقدر، أي: طوبقت طباقاً. من قولهم: طابق الفعل، أي: جعله طبقةً فوق أخرى. روي عن ابن عباس: «طِبَاقاً» ، أي: بعضها فوق بعض، والملتصق منها أطرافها. قال القرطبيُّ: وقيل: مصدر بمعنى المطابقة، أي: خلق سبع سمواتٍ، ويطبقها تطبيقاً أو مطابقة على طوبقت طباقاً؛ لأنه مفعول ثان، فيكون «خَلَقَ» بمعنى جعل وصيّر. وقال أبان بن تغلب: سمعت بعض الأعراب يذم رجلاً، فقال: شره طباق، وخيره غير باق. ويجوز في غير القرآن «سَبْعَ سماواتٍ طباقٍ» بالخفض على النَّعت ل «سماواتٍ» نظيره: ﴿وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ﴾ [يوسف: ٤٢] . فصل في الدلالة على القدرة قال ابن الخطيب: دلّت هذه الآية على القدرة من وجوه. أحدها: من حيث بقاؤها في جو الهواء متعلقة بلا عماد ولا سلسلة. وثانيها: من حيث إن كل واحد منها اختصّ بمقدار معين مع جواز ما هو أزيد منه وأنقص. وثالثها: أنه اختص كل واحد منها بحركة خاصة مقدرة بقدر معين من السرعة، والبطء إلى جهة معينة. ورابعها: كونها في ذواتها محدثة، وكل ذلك يدل على إسنادها إلى قادر تام القدرة. قوله ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ﴾ . «تَفاوتٍ» هو مفعول «ترى» و «مِنْ» مزيدة فيه. وقرأ الأخوان: «تَفَوُّت» بتشديد الواو دون ألف.

стр. 11905

قال القرطبيُّ: «وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه» . والباقون: بتخفيفها بعد ألف، وهما لغتان بمعنى واحد، كالتعهُّد والتَّعاهد والتَّظاهر والتَّظهُّر والتَّصغُّر والتَّصاغُر والتَّحمُّل والتَّحامُل والتَّضاعف والتضعف والتَّباعد والتبعُّد، قاله الفرَّاء. وقال الأخفش: «تَفَاوُتٍ» أجود؛ لأنهم يقولون: تفاوت الأمر، ولا يكادون يقولون: «تفوت» . واختيار أبي عبيد: «تفوت» ، يقال: تفاوت الشيء إذا فات. واحتج بما روي في الحديث: أنَّ رجُلاً تفوَّت على أبيهِ في مالهِ. وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: «أمثلي يتفوت عليه في ماله» . قال النحاس: وهذا مردود على أبي عبيد، لأن «يتفوت» أي: يضاف في الحديث، «تفاوُتٍ» في الآية أشبه، كما يقال: تباين، تفاوت الأمر إذا تباين، أو تباعد، أي: فات بعضها بعضاً نقله القرطبي. وحكى أبو زيد: تفاوت الشَّيء تفاوُتاً بضم الواو وفتحها وكسرها. [والقياس] : الضَّمُّ كالتقابل، والفتح والكسر شاذان. والتفاوت: عدم التناسب؛ لأن بعض الأجزاء يفوت الآخر، وهذ الجملة المنفية صفة لقوله: «طِبَاقاً» وأصلها: ما ترى فيهن، فوضع مكان الضمير. قوله: ﴿ما ترى في خلقِ الرَّحمنِ﴾ تعظيماً لخلقهن، وتنبيهاً على سببب سلامتهن، وهو أنه خلق الرحمن، قاله الزمخشري. وظاهر هذا أنها صفة ل «طِبَاقاً» ، وقام الظاهر فيها مقام المضمر، وهذا إنما يعرف في خبر المبتدأ، وفي الصلة على خلاف فيهما وتفصيل. وقال أبو حيَّان: الظَّاهر أنه مستأنفٌ، وليس بظاهر لانفلات الكلام بعضه من بعض، و «خَلق» مصدر مضاف لفاعله والمفعول محذوف، أي: في خلق الرحمن السماواتِ، أو كل مخلوق، وهو أولى ليعم، وإن كان السياق مرشداً للأول. فصل في معنى الآية والمعنى ما ترى في خلق الرحمن من اعوجاج، ولا تناقض، ولا تباين، بل هي
следующие страницы →