← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 12636–12675 · переход к 12641.

стр. 12636

قوله: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ، لما ذكر الله - تعالى - أمر الدارين تعجب الكفَِّار من ذلك، فكذبوا وأنكروا، فذكرهم الله صنعته، وقدرته، وأنه - تعالى - قادر على كل شيء، كما خلق الحيوانات والسماء والأرض، وذكر الإبل أولاً؛ لأنها كثيرة في بلاد العرب، ولم يروا الفيلة، فنبّههم تعالى على عظيم من خلقه، قد ذلله للصغير من خلقه يقوده وينيخه وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الأحمال، وهو بارك، فينهض بثقيل حمله، وليس ذلك في شيء وينيخه وينهضه، ويجمل عليه الثقيل من الأحمال، وهو بارك، فينهض بثقيل حمله، وليس ذلك في شيء من الحيوان غيره، فأراهم عظيماً من خلقه، يدلهم بذلك على توحيده، وعظيم قدرته تعالى.

стр. 12637

وعن بعض الحكماء: أنه حدث عن البعير، وبديع خلقه، وقد نشأ في بلاد لا إبل فيها، ففكر، ثم قال: يوشك أن تكون طوال الأعناق. قال ابنُ الخطيب: الإبل لها خواص، منها أنه - تعالى - جعل الحيوان الذي يقتني أنواعاً، فتارة يقتنى ليؤكل لحمه، وتارة ليشرب لبنه، وتارة ليحمل الناس في الأسفار، وتارة لنقل المتاع من بلد إلى بلد، وتارة للزِّينة والجمال، وهذه المنافع بأسرها حاصلة في الإبل، ثم إنها فاقت في كل خصلة من هذه الخصال غيرها من الحيوان المختص ببعضها، مع صبرها على العطش، وقطع المفاوز بالأحمال الثقيلة، وقناعتها في العلف بنبات البر، ولقد ضللنا الطريق في مفازة، فقدموا جملاً واتبعوه، فهداهم للطريق بعد زمان طويل، مع كثرة المعاطف والتلول، فانظر كيف ثبت واهتدى على ما عجزت عنه ذوو العقول. ومنها: أنه في غاية القوة والصبر على العمل. ومنها: أنها مع كونها كذلك منقادة للصَّب الصغير. ومنها: أنها تحمل وهي باركة، ثم تقوم بحملها، وهذه الصفات توجب على العاقل أن ينظر في خلقها وتركيبها، ويستدل بذلك على وجود الصانع الحكيم جلت قدرته. فصل قال قتادةُ ومقاتلٌ وغيرهما: لما ذكر الله - تعالى - السرر المرفوعة، قالوا: كيف نصعدها؟ فأنزل الله هذه الآية، وبيَّن أنَّ الإبل «تبرك» حتى يحمل عليها، ثم تقوم، فكذلك تلك السرر تتطامَنُ، ثم يرتفع. وقال المبرد: الإبل هنا: القطعُ العظيمة من السَّحاب. وقال الثعلبي: ولم أجد لذلك أصلاً في كتب الأئمة. قال القرطبي: قد ذكره الأصمعي أبو سعيد بن عبد الملك بن قريب، قال أبو عمرو: من قرأها: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ بالتخفيف، عنى بها: البعير؛ لأنها من ذوات الأربع، يبرك، فتحمل عليه الحمولة، وغيره من ذوات الأربع، لا يحمل عليه إلا وهو قائم، ومن قرأها بالتثقيل فقال: «الإبل» عنى بها السحاب التي تحمل الماء والمطر. وقال الماورديُّ: وفي الإبل وجهان: أظهرهما: أنها «الإبل» .

стр. 12638

والثاني: أنها «السحاب» فإن كان المراد بها السحاب، فلما فيها من الآيات الدالة على قدرته، والمنافع العامة لجميع خلقه. وإن كان المراد بها الإبل من النعم؛ فلأن الإبل أجمع للمنافع من سائر الحيوان؛ لأن ضروبه أربعة: حلوبة، وركوبة، وأكولة، وحمولة، والإبل تجمع هذه الخلال الأربع، فكانت النعمة بها أعم، وظهور القدرة بها أتم. وقيل للحسن: الفيل أعظم في الأعجوبة فقال: العرب بعيدة العهدِ بالفيل ثم هو لا يؤكل لحمه ولا يركب ظهره، ولا يحلب درّه. فصل في الكلام على الإبل الإبل: اسم جمع، واحده: بعير، وناقة، وجمل، ولا واحد لها من لفظها، وهو مؤنث، ولذلك تدخل عليه تاء التأنيث تصغيره، فيقال: أبيلة. قال القرطبيُّ: لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين، فالتأنيث لها لازم، وربما قالوا للإبل: إبْل - بسكون الباء - للتخفيف، والجمع: آبال واشتقوا من لفظه، فقالوا: تأبل زيد، أي كثرت إبله. وتعجبوا من هذا، فقالوا: ما آبله ﴿أي: ما أكثر إبله﴾ وتقدم في سورة «الأنعام» . قوله: «كَيْفَ» : منصوب ب «خُلِقتْ» على حد نصبها في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ ، والجملة بدل من «الإبل» بدل اشتمال، فتكون في محل جر، وهي في الحقيقة معلقة بالنظر، وقد دخلت «إلى» على «كيف» في قولهم: «انظر إلى كيف يصنع» ، وقد تبدل الجملة المشتملة على استفهام من اسم ليس فيه استفهام، كقولهم: «عرفت زيداً أبو من هو» على خلاف بين النحويين. وقرأ العامة: «خُلِقَتْ، ورُفِعَتْ، ونُصِبَتْ، وسُطِحَتْ» مبنياً للمفعول، والتاء ساكنة للتأنيث. وقرأ أمير المؤمنين، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة، قال القرطبي: وابن السميفع وأبو العالية: «خلقتُ» وما بعده بتاء المتكلم، مبنياً للفاعل. والعامة على: «سُطِحَتْ» مخففاً. وقرأ الحسنُ وأبو حيوة وأبو رجاء: «سُطِّحَتْ» بتشديد الطاء وإسكان التاء.

стр. 12639

قال القرطبيُّ: وقدم الإبل في الذكر، ولو قدم غيرها لجاز. قال القشيريُّ: وليس هذا مما يطلب فيه نوع حكمة. قوله: ﴿وَإِلَى السمآء كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ، أي: رفعت عن الأرض بغير عمدٍ بعيدة المدى. وقيل: رفعت فلا ينالها شيء. قوله: ﴿وإلى الجبال كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ نصباً ثابتاً راسخاً لا يميل ولا يزول، وذلك أن الأرض لما دحيت مادت، فأرساها بالجبال، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١] . قوله: ﴿وَإِلَى الأرض كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ممهدة، أي: بسطتْ ومدتْ، واستدل بعضهم بهذا على أن الأرض ليست بكرةٍ. قال ابنُ الخطيب: وهو ضعيف؛ لأن الكرة إذا كانت في غاية العطمة تكون كل قطعة منها كالسطح. فإن قيل: ما المناسبة بين هذه الأشياء؟ . فالجواب: قال الزمخشريُّ: من فسَّر الإبل بالسحاب، فالمناسبة ظاهرة، وذلك تشبيه ومجاز، ومن حملها على الإبل، فالمناسبة بينها وبين السماء والأرض والجبال من وجهين: الأول: أن القرآن نزل على العرب، وكانوا يسافرون كثيراً، وكانوا يسيرون عليها في المهامه والقفار، مستوحشين، منفردين عن الناس، والإنسان إذا انفرد أقبل على التفكُّر في الأشياء؛ لأنه ليس معه من يحادثه، وليس هناك من يشغل به سمعه وبصره، فلا بد من أن يجعل دأبه الفكر، فإذا فكر في تلك الحال، فأوَّل ما يقع بصره فلا بد من أن يجعل دأبه الفكر , فإذا فكر في تلك الحال , فأوَّل ما يقع بصره على الجمل الذي هو راكبه , فيرى منظراً عجيباً , وإن نظر إلى فوق لم ير غير السماء , وغذا نظر يميناً وشمالاً لم ير غير الجبال , وإذا نظر إلى تحت لم ير غير الأرض , فكأنه تعالى أمره بالنظر وقت الخلودِ والانفراد , حتى لا تحمله داعية الكبر والحسد على ترك النَّظر. الثاني: أن جميع المخلوقات دالة على الصانع - جلت قدرته - إلا انها قسمان: منها ما للشهوة فيه حظّ كالوجه الحسن، والبساتين للنُّزهة، والذهب والفضة، ونحوها، فهذه مع دلالتها على الصَّانع، قد يمنع استحسانها عن إكمال النظر فيها. ومنها ما لا حظّ فيه للشهوة كهذه الأشياء، فأمر بالنظر فيها، إذ لا مانع من إكمال النظر.

стр. 12640

قوله: ﴿فَذَكِّرْ﴾ أي: عظهم يا محمد وخوفهم. ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾ : واعظ. ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ﴾ أي بمسلّط فتقتلهم، ثم نسختها آية السيف. وقرأ العامة: «بمصيطر» بالصَّاد. وهشام: بالسِّين. وخلف: بإشمام الصاد زاياً بلا خلاف. وعن خلَاّد: وجهان. وقرأ هارون الأعور: «بمصيطر» - بفتح الطاء - اسم مفعول، لأن «سيطر» عندهم متعدٍّ. [ويدل على ذلك فعل المطاوعة، وهو تسيطر، ولم يجيء اسم على مفعل إلا مسيطر، ومبيقر، ومهيمن، ومبيطر؛ من سيطر، وهيمن، وبيطر، وقد جاء مجيمر اسم وادٍ، ومديبر، ويمكن أن يكون أصلهما مجمر ومدبر، فصغراً. قال شهاب الدين: قد تقدم أن بعضهم جعل مهيمناً مصغراً، وتقدم أنه خطأ عظيم، وذلك في سورة المائدة] . قال القرطبيُّ: «وفي الصحاح: المسيطر والمصيطر: المسلط على الشيء، ليشرف عليه ويتعهَّد أحواله، ويكتب عمله، وأصله من السطر؛ لأن معنى السطر ألَاّ يتجاوز، فالكتاب مسطر، والذي يفعله مسطر ومسيطر، يقال: سيطرت علينا، وقال تعالى: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ﴾ ، وسطره أي: صرعه» . قوله ﴿إِلَاّ مَن تولى وَكَفَرَ﴾ استثناء منقطع، أي: لكن من تولّى عن الوعظ والتذكر، فيعذبه الله العذاب الأكبر، وهو جهنم الدائم عذابها، وإنما قال: «الأكبر» ؛ لأنهم عذّبوا في الدنيا بالجوع، والقَحْط، والأسْر، والقَتْل، ويؤيد هذا التأويل: قراءة ابن مسعود: «إلا مَنْ تَوَلَّى وكَفَر فإنَّه يُعَذِّبُهُ الله» .

стр. 12641

وقيل: هو استثناء متصل، والمعنى: لست مسلَّطاً إلى على من تولى وكفر، فأنت مسلَّط عيله بالجهاد، والله - تعالى - يعذبه ذلك العذاب الأكبر، فلا نسخ في الآية على هذا التقدير. وقرأ ابنُ عبَّاسٍ وزيد بن عليٍّ، وزَيْدُ بنُ أسلمَ، وقتادةُ: «ألا» حرف استفتاح وتنبيه؛ كقول امرئ القيس: [الطويل] ٥١٨٧ - الَا رُبَّ يَوْمٍ لَكَ مِنْهُنَّ صَالِحٍ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . و «مَنْ» على هذا شرط، فالجملة مقدرة شرطية، والجواب: «فيعذبه الله» ، والمبتدأ بعد الفاء مضمر، والتقدير: فهو يعذبه الله؛ لأنه لو أريد الجواب بالفعل الذي بعد الفاء لكان: «إلا من تولى وكفر يعذبه الله» . [قال شهال الدين: أو موصول مضمن معناه] .

стр. 12642

قوله: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ ، أي: رجوعهم بعد الموت: والعامة: على تخفيف الياء، مصدر: آب، يئوب، إياباً، أي: رجع، كقام يقوم قياماً؛ قال عبيدٌ: [مخلع البسيط] ٥١٨٨ - وكُلُّ ذِي غِيْبَةٍ يَئُوبُ ... وغَائِبُ المَوْتِ لا يَئُوبُ وقرأ أبو جعفر وشيبة بتشديدها. قال أبو حاتمٍ: لا يجوز التشديد، ولو جاز جاز مثله في الصيام والقيام. وقيل: لغتان بمعنى. قال شهابُ الدين: وقد اضطربت فيها أقوال التصريفيّين. فقيل: هو مصدر ل «أيَّبَ» على وزن «فَيْعَل» ك «بَيْطَر» يقال منه: «أيَّبَ يُؤيبُ

стр. 12643

إيَّاباً» والأصل: أيْوبَ يُؤيوبٌ إيواباً ك «بَيْطَرَ يُبَيْطِرُ» ، فاجتمعت الواو والياء في جميع ذلك، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء المزيدة فيها، ف «إيَّابَ» على هذا «فِيعَال» . وقيل: بل هو مصدر ل «أوَّبَ» بزنة «فَوْعَلَ» ك «حَوْقَلَ» ، والأصل: «إوْوَاب» بواوين، الأولى: زائدة، والثانية: عين الكلمة، فسكنت الأولى بعد كسرة، فقلبت ياء، فصارت: «إيواباً» ، فاجتمعت ياء وواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء بعدها، فوزنه «فِيعَال» ك «حِيقَال» ، والأصل: «حِوقَال» . وقيل: بل هو مصدر ل «أوَّبَ» ، على وزن «فَعْوَل» ، ك «جَهْور» ، والأصل: «إوْوَاب» على ومن «فِعْوَال» ، ك «جِهْوَار» ، والأولى عين الكلمة، والثانية زائدة، وفعل به ما فعل بما قبله من القلب والإدغام، للعلل المتقدمة، وهي مفهومة مما مرَّ. فإن قيل: الإدغام مانعٌ من قلب الواو ياء. قيل: إنما يمنع إذا كانت الواو والياء عينان، وقد عرفت أن الياء في «فَيْعَل» ، والواو في «فَوْعَل، وفَعْوَل» زائدتان. وقيل: بل هو مصدر ل «أوَّبَ» بزنة: «فعَّل» نحو: «كذَّبَ كِذَّاباً» ، والأصل: «إوَّاب» قلبت الواو الأولى ياء لانكسار ما قبلها، فقيل: «إيواباً» . قال الزمخشريُّ: كديوان في «دِوَّان» ، ثم فعل به ما فعل ب «سيِّد وميِّت» ، يعني أصله: سَيْود، فقلبت وأدغم، وإلى هذا نحا أبو الفضل أيضاً. إلَاّ انَّ أبا حيَّان ردَّ ما قالاه: بأنهم نصُّوا على أن الواو الموضوعة على الإدغام وجاء ما قبها مكسوراً، فلا تقلب الواو الأولى ياء لأجل الكسرة، قال: ومثلوا بنفس «إوَّاب» مصدر: «أوَّبَ» مشدداً، وب «اخرواط» ، مصدر «اخروَّطَ» قال: وأما تشبيه الزمخشري ب «ديوان» ، فليس بجيد؛ لأنهم لم ينطقوا بها الوضع مدغمة، ولم يقولوا: «دوان» ، ولولا الجمع على: «دواوين» لم يعلم أن أصل هذه الياء واو، وقد نصوا على شذوذ: «ديوان» ، فلا يقاس عليه غيره. قال شهاب الدين: أما كونهم لم ينطقوا ب «دوان» ، فلم يلزم منه رد ما قاله الزمخشري، ونص النحاة على أن أصل «ديوان» : «دِوَّان» ، و «قيراط» : «قِرَّاط» بدليل الجمع على «دواوين وقراريط» وكونه شاذًّا لا يقدح؛ لأنه لم يذكره مقيساً عليه، بل منظراً به.

стр. 12644

وذهب مكي إلى نحو من هذا، فقال: وأصل الياء: واو، ولكن انقلبت ياء لانكسار ما قبلها، وكان يلزم من شدد أن يقول: إوَّابهم؛ لأنه من الواو، أو يقول: إيوابهم، فيبدل من الأول المشدد ياء، كما قالوا «ديوان» وأصله: «دوان» . انتهى. وقيل: هو مصدر ل «أوَّب» بزنة: «أكْرمَ» من الأوب، والأصل «إواب» ، ك «إكرام» ، فأبدلت الهمزة الثانية ياء لسكونها بعد همزة مكسورة، فصار اللفظ «إيواباً» ، اجتمعت الواو والياء على ما تقدم فقلب وأدغم ووزنه: «إفْعَال» وهذا واضح. وقال ابن عطية في هذا الوجه: سهلت الهمزة وكان الإدغام يردها «إواباً» لكن استحسنت فيه الياء على غير قياس. انتهى. وهذا ليس بجيد، لما عرفت من أنه لما قلبت الهمزة ياء، فالقياس أن تفعل ما تقدم منقلب الواو إلى الياء من دون عكس. قال شعاب الدين: «وإنَّما ذكرت هذه الأوجه مشروحة، لصعوبتها، وعدم من يمعن النظر في مثل هذه المواضع القلقةِ، وقدم الخبر في قوله:» إلَيْنَا، وعَلَيْنَا «مبالغة في التشديد في الوعيد» . والله أعلم. روى الثَّعلبيُّ في تفسيره عن أبيّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ سُورة الغَاشِيَةِ حَاسبهُ اللهُ حِسَاباً يَسِيْراً» .

стр. 12645

سورة الفجر

стр. 12646

مكية، وهي ثلاثون آية، ومائة وتسع وثلاثون كلمة، وخمسمائة وسبعة وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿و الفجر﴾ ، قيل: جواب القسم مذكور، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد﴾ [الفجر: ١ ٤] ، قاله ابن الأنباري. وقيل: محذوف، لدلالة المعنى عليه، أي: ليجازي كل واحد بما عمل، بدليل ما فعل بالقرون الخالية. وقدَّره الزمخشريُّ: ليُعذبنَّ، قال: يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ إلى قوله «فصبَّ» . وقدره أبو حيَّان: بما دلت عليه خاتمة السورة قبله، أي: لإيابهم إلينا وحسابهم علينا. وقال مقاتل: «هل» هنا: في موضع «إنَّ» تقديره: «إنَّ في ذلك قسماً لذي حجر، ف» هل «هذا في موضع جواب القسم. انتهى. وهذا قول باطل؛ لأنه لا يصلح أن يكون مقسماً عليه تقدير تسليم أنَّ التركيب هكذا، وإنما ذكرناه للتنبيه على سقوطه. وقيل: ثم مضاف محذوف، أي: صلاة الفجر، أو ربِّ الفجر. والعامة: على عدم التنوين في:» الفَجْرِ، والوَتْرِ، ويَسْرِ «. وأبو الدينار الأعرابي: بتنوين الثلاثة.

стр. 12647

قال ابن خالويه: هذا ما روي عن بعض العرب أنه يقف على آخر القوافي: بالتنوين، وإن كان فعلاً، وإن كان فيه الألف واللام؛ قال الشاعر: [الوافر] ٥١٨٩ - أقِلِّي اللَّوْمَ عَاذلَ والعِتابَنْ ... وقُولِي إنْ أصَبْتُ لَقدْ أصَابَنْ يعني: هذا تنوين الترنُّم، وهو أن العربي إذا أراد ترك الترنُّم - وهو: مدّ الصوت - نوَّن الكلمة، وإنما يكن في الروي المطلق. وقد عاب بعضهم النحويين تنوين الترنم، وقال: بل ينبغي أن يسموه بتنوين تركه، ولهذا التنوين قسيم آخر، يسمى: التنوين الغالي وهو ما يلحقُ الرويَّ المقيد؛ كقوله: [الرجز] ٥١٩٠ - خَاوِي المُختَرَقْنْ ... على أن بعض العروضيين أنكروا وجوده، ولهذين التنوينين أحكام مخالفة لحكم التنوين مذكورة في علم النحو. والحاصل: أن هذا القارئ أجرى الفواصل مجرى القوافي، وله نظائر منها:» الرَّسُولا، والسَّبِيلا، والظُّنُونَا «» في الأحزاب ١٠ و٦٦ و٦٧ «و» المتعال «في الرعد و» عَشْرٍ «هنا. قال الزمخشري: فإن قيل: فما بالها منكرة من بين ما أقسم به؟ قلت: لأنها ليال مخصوصة من نفس جنس الليالي العشر بعض منها، أو مخصوصة بفضيلة ليست لغيرها، فإن قلت: فهلا عرفت بلام العهد؛ لأنها ليال معلومة معهودة؟ . قلت: لو فعل ذلك لم تستقل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير؛ ولأن الأحسن أن تكون الكلمات متجانسة، ليكون الكلام أبعد من الإلغاز والتَّعميَة.

стр. 12648

يعني بتجانس اللامات، أن تكون كلها إمَّا للجنس، وإما للعهد والغرض الظاهر أن اللامات في:» الفجر «وما معه، للجنس، فلو جيء بالليالي معرفة بلام العهد لفات التجانس. أقسم سبحانه: بالفجر، وليال عشر، والشفع والوتر، والليل إذا يسر: أقسام خمسة. واختلف في» الفجرِ «، فقال عليٌّ وابنُ الزُّبيرِ وابنُ عبَّاسٍ ﵃:» الفَجْر «هنا: انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم. قال ابنُ الخطيب: أقسم تعالى بما يحصل فيه، من حصول النور، وانتشار الناس، وسائر الحيوان في طلب الأرزاق، وذلك مشاكل لنشور الموتى، وفيه عبرة لمن تأمل، كقوله تعالى: ﴿والصبح إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] ، ومدح بكونه خالقاً، فقال سبحانه: ﴿فَالِقُ الإصباح﴾ [الأنعام: ٩٦] . وعن ابن عباسٍ ﵄ أنه: النهار كله، وعبر عنه بالفجر؛ لأنه أوله. وروى ابن محيصن عن عطيَّة عن ابن عبَّاسٍ: يعني: فجر المحرم. قال قتادةُ: هو فجر أول يوم من المحرم منه تنفجر السنة، وعنه أيضاً: صلاة الصبح. وروى ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس قال: يريد صبيحة يوم النحر؛ لأن الله تعالى جعل لكل يوم ليلة قبله إلا يوم النحر لم يجعل له ليلة قبله ولا ليلة بعده؛ لأن يوم عرفة له ليلتان ليلة قبله وليلة بعده، فمن أدرك الموقف الليلة التي بعد عرفة فقد أدرك الحج إلى طلوع فجر يوم النحر، وهذا قول مجاهد. وقال عكرمة: «والفجر» قال: انشقاق الفجر من يوم الجمعة. وعن محمد بن كعب القرظي: «والفجر» قال: آخر أيام العشر إذا رفعت أو دفعت من جمع. وقال الضحاك: فجر ذي الحجة؛ لأن الله تعالى قرن به الأيام، فقال تعالى: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ أي ليال عشر من ذي الحجة.

стр. 12649

وقيل: هي العيون التي تنفجر منها المياه. قوله: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ . العامة: على «ليالٍ» بالتنوين، «عشر» صفة لها. وقرأ ابنُ عباسٍ: «وليالِ عشرٍ» بالإضافة. فبعضهم قال: «ليال» في هذه القراءة دون ياء، وبعضهم قال: «وليالي عشر» بالياء، وهو القياس. وقيل: المراد: ليالي أيام عشر، وكان من حقه على هذا أن يقال: عشرة؛ لأن المعدود مذكر. ويجاب عنه: بأنه إذا حذف المعدود جاز الوجهان، ومنه: «وأتْبعَهُ بِستٍّ مِنْ شوَّالٍ» . وسمع الكسائي: صمنا من الشهر خمساً. فصل في المراد بالعشر قال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ والسديُّ والكلبيُّ: هو عشر ذي الحجة. وقال مسروقٌ: هي العشرة المذكورة في قوله - تعالى - في قصة موسى ﵊ ُ: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢] ، وهي أفضل أيام السنةِ، قال رسول الله ﷺ َ: «مَا مِنْ أيَّام العَملِ الصَّالحُ فِيهِنَّ أحَبُّ إلى الله - تعَالَى - مِنْ عَشْرِ ذِي الحجَّةِ» ؛ ولأن ليلة يوم النَّحرِ داخلة فيه رخّصه الله تعالى موفقاً لمن يدرك الموقف يوم عرفة. وعن ابن عبَّاسٍ أيضاً: هي العشرُ الأواخر من رمضان. وقال الضحاكُ: أقسم الله - تعالى - بها لشرفها بليلة القدرِ، وكان ﷺ َ إذا دخل

стр. 12650

العشر الأواخر من رمضان، شد المئزرَ، وأيقظ أهله للتهجد. وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ ويمان والطبريُّ: هو العشر الأول من المحرم؛ لأن آخرها يوم عاشوراء، ولصومه فضل عظيم. قوله: ﴿والشفع والوتر﴾ . قرأ الأخوان: بكسر الواو من: «الوِتْرِ» . والباقون: بفتحها، وهما لغتان، كالحَبْرِ والحِبْر، والفتح: لغة قريش ومن والاها، والكسر: لغة تميم. وهاتان اللغتان في: «الوتر» ، مقابل «الشفع» ، فأما في «الوتر» بمعنى: التِّرة، فبالكسر وحده. قال الزمخشريُّ: ونقل الأصمعي فيه اللغتين أيضاً. وقرأ أبو عمرو في رواية يونس عنه: بفتح الواو وكسر التاء، فيحتملُ أن تكون لغة ثالثة، وأن يكون نقل كسرة الراء إلى التاء، إجراءً للوصل مجرى الوقف. فصل في الشفع والوتر قال ابنُ الخطيب: «الشَّفْعُ والوتْرُ» : هو الذي تسميه العرب، الخساء والركاء، وتسميه العامة: الزَّوجُ والفَرْدُ. قال يونس: أهل العالية يقولون: «الوَتْرُ» بالفتح في العدد، و «الوِتْر» بالكسر في الذحل، وتميم يقولون: بكسر الواو فيهما، تقول: «أوترت أوتر إيتاراً» أي: جعلته وتراً، ومنه قوله ﷺ َ: «من اسْتَجْمرَ فليُوتِرْ» . واختلف في الشفع والوتر، فروى عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ َ قال: «الشَّفعُ والوتر: الصَّلاة مِنْها شَفعٌ، ومِنهَا وتْرٌ» . قال جابر بن عبد الله: قال النبي ﷺ َ: « ﴿والفَجْرِ وليَالٍ عَشْرٍ﴾ قال:» هُو الصُّبْحُ وعَشْرُ النَِّحْرِ، والوترُ: يومُ عرفَة، والشَّفعُ: يومُ النَّحْرِ «» .

стр. 12651

وهو قول ابن عباس وعكرمة، واختاره النحاس وقال: حديث ابن الزبير عن جابر، وهو الذي صح عن النبي ﷺ َ وهو أصح إسناداً من حديث عمران بن حصين، فيوم عرفة: وتر؛ لأنه تاسعها، ويوم النحر: شفع؛ لأنه عاشرها. وعن أبي أيوب، قال: «سئل النبي ﷺ َ عن قوله تعالى: ﴿والشفع والوتر﴾ ، قال:» الشَّفْعُ: يَومُ عَرفَةَ ويوْمُ النَِّحْرِ، والوترُ: ليْلَةُ يَوْمِ النَّحْرِ «. وقال مجاهدٌ وابنُ السميفع وابنُ عباسٍ: الشفع: خلقه، قال الله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾ [النبأ: ٨] ، والوتْرُ: هو الله . فقيل لمجاهد: أترويه عن أحد؟ قال: نعم، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ عن رسول الله عليه وسلم. ونحوه قال محمدُ بن سيرين، ومسروق، وأبُو صالحٍ وقتادةُ، قالوا: الشَّفع: الخلقُ، قال تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] : الكفر والإيمان، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلال، والنور والظلمة، والليل والنهار، والحر والبرد، والشمس والقمر، والصيف والشتاء، والسماء والأرض، والإنس والجن، والوَتْر: هو الله تعالى، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد﴾ [الإخلاص: ١، ٢] . وقال ﷺ َ:» إنَّ للهِ تِسْعَة وتسْعِينَ اسْماً، واللهُ وترٌ يُحِبُّ الوِتْرِ «. وعن ابن عبَّاسٍ ﵁: الشَّفعُ: صلاة الصبح، والوَتْرُ: صلاة المغرب. وقال الربيعُ بنُ أنس وأبو العالية: هي صلاة المغرب فالشفع منها: الركعتان الأوليان، والوتر: الثالثة. وقال ابنُ الزبير: الشفع: الحادي عشر، والثاني عشر من أيَّام منى، والوتر: اليوم الثالي، قال تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] .

стр. 12652

وقال عطاءٌ والضحاكُ: الشفعُ: عشر ذي الحجة، والوتر: أيام منى الثلاثة. وقيل: الشفع والوتر: آدم ﵊ ُ - كان وتراً، فشفع بزوجته حواء، رواه ابن أبي نجيحٍ، وحكاه القشيريُّ عن ابن عباس [﵄. وفي رواية: الشفع آدم وحواء، والوتر هو الله تعالى. وقيل: الشفع درجات الجنة، وهي ثمان، والوتر هي دركات النار، وهي سبع، كأنه أقسم بالجنة والنار. قاله الحسين بن الفضل. وقيل: الشفع: الصفا والمروة، والوتر: الكعبة. وقال مقاتل بن حيان: الشفع الأيام والليالي، والوتر الذي لا ليلة بعده، وهو يوم القيامة. وقيل غير ذلك] . قال ابنُ الخطيبِ: كل هذه الوجوه محتملة، والظاهر لا شعار له بشيء من هذه الأشياء على التعيين، فإن ثبت في شيء منها خبرٌ عن الرسول ﵊ ُ -، أو إجماع من أهل التأويل، حكم بأنه المراد، وإن لم يثبت، وجب أن يكون الكلام على طريقة الجواز؛ لا على القطع، ولقائل أن يقول: إني أحمل الكلام على الكل؛ لأن الألف واللام في: «الشفع والوتر» يفيد العموم. قوله: ﴿والليل إِذَا يَسْرِ﴾ ، هذا قسم خامس، بعدما أقسم بالليالي العشر على الخصوص، أقسم بالليل علىلعموم، ومعنى «يَسْر» أي: يسرى فيه، كما يقال: ليل نائم، ونهار صائم؛ قال: [الطويل] ٥١٩١ - لَقدْ لُمْتِنَا يا أم غِيلانَ في السُّرَى ... ونِمْتِ، ومَا لَيْلُ المَطِيِّ بِنائمِ ومنه قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ الليل والنهار إِذْ تَأْمُرُونَنَآ﴾ [سبأ: ٣٣] ، وهذا قول أكثر أهل المعاني، وهو قول القتيبي والأخفش. وقال أكثر المفسرين: معنى «يَسْر» : سار فذهب. وقال قتادةُ وأبو العاليةِ: جاء وأقبل.

стр. 12653

وقيل: المراد: ينقص، كقوله: ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] ، ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] . و «يَسْرِ» : منصوب بمحذوف، هو فعل القسم، أي: أقسم به وقت سراه، وحذف ياء «يَسْري» وقفاً، وأثبتها وصلاً، نافع وأبو عمرو، وأثبتها في الحالين ابن كثير، وحذفها في الحالين الباقون لسقوطها في خط المصحف الكريم. وإثباتها هو الأصل؛ لأنها لام فعل مضارع مرفوع، وحذفها لموافقة المصحف، وموافقة رءوس الآي، وجرياً للفواصل مجرى القوافي. ومن فرق بين حالتي الوقف والوصل؛ فلأن الوقف محل استراحة. قال الزمخشري: «وياء» يسري «تحذف في الدَّرج اكتفاء عنها بالكسرة، وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة» . وهذه الأسماء كلها مجرورة بالقسم، والجواب محذوف، [تقديره:] ليعذبن، بدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ [الفجر: ٦] ، إلى قوله: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: ١٣] وقد تقدم الكلام على ذلك. قوله: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ﴾ . قيل: «هل» على بابها من الاستفهام الذي معناه التقرير، كقولك: ألم أنعم عليك إذا كنت قد أنعمت. وقيل: المراد بذلك: التوحيد، لما أقسم به وأقسم عليه، والمعنى: بل في ذلك مقنع لذي حجر، ومعنى «لذي حجر» : لذي لبٍّ وعقلٍ؛ فقال الشاعر: [الطويل] ٥١٩٢ - وكَيْفَ يُرَجَّى أنْ تَتُوبَ وإنَّمَا ... يُرَجَّى مِنَ الفِتْيَانِ من كَانَ ذَا حِجْرِ وقال أبو مالك: «لذِي حِجْرٍ» : أي: لذي ستر من الناس. وقال الحسن: لذِي حِلْم. قال الفراء: الكل يرجع إلى معنى واحد: لذي حِجْر، ولذي عَقْل ولذي حِلْم، ولذي ستر، الكل بمعنى العقل. وأصل الحِجْر: المنع، يقال لمن ملك نفسه ومنعها إنه لذو حجر. [ومنه سمي الحجر: المنع، لامتناعه بصلابته، ومنه: حجر الحاكم على فلان أي: منعه من التصرف، ولذلك سميت الحجرة حجرة، لامتناع ما فيها بها] .

стр. 12654

وقال الفراء: العرب تقول: إنه لذو حجر إذا كان قاهراً لنفسه ضابطاً لها، كأنه أخذ من قولك: حجرت على الرجل. والمعنى: أن كلَّ ذلك دال على أن كل ما أقسم الله تعالى به من هذه الأشياء فيه دلائل وعجائب على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه. قال القاضي: وهذه الآية تدل على أن القسم واقع برب هذه الأمور؛ لأن الآية دالة على أن هذه مبالغة في القسم، والمبالغة لا تحصل إلا في القسم بالله تعالى؛ ولأن النهي قد ورد بأن يحلف العاقل بغير الله تعالى.

стр. 12655

قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ﴾ . قرا العامة: «بعاد» : مصروفاً، «إرم» بكسر الهمزة، وفتح الراء، والميم. ف «عاد» اسم لرجل في الأصل، ثم أطلق على القبيلة أو الحي، وقد تقدم في الكلام عليه، وأما: «إرَمَ» فقيل: اسم قبيلة. وقيل: اسم مدينة [اختلفوا في تعيينها، فقيل: «إسكندرية» ، وقيل: «دمشق» ، وهذان القولان ضعيفان؛ لأنها منازل كانت من «عمان» إلى «حضرموت» ، وهي بلاد الرمال والأحقاف، وأما «الإسكندرية» و «دمشق» ، فليستا من بلاد الرمال] . فإن كانت اسم قبيلة كانت بدلاً، أو عطف بيان، أو منصوبة بإضمار: «أعني» ، وإن كانت اسم مدينة، فتعلق الإعراب من: «عاد» وتخريجه على حذف مضاف، كأنه قيل: بعاد أهل إرم. قاله الزمخشري. وهو حسن، ويبعد أن يكون بدلاً من: «عاد» ، بدل اشتمال، إذ لا ضمير، وتقديره قلق وقد يقال: إنه لما كان المراد ب «عاد» : مدينتهم؛ لأن «إرم» قائمة مقام ذلك، صح البدل. وإرَمَ: اسم جد عاد، وهو عادُ بنُ عوصِ بنِ إرمَ بْنِ نوحٍ ﵊ ُ؛ قال زهيرٌ: [البسيط]

стр. 12656

٥١٩٣ - وآخَرينَ تَرَى المَاذيَّ عُدَّتهُمْ ... مِنْ نسْجٍ دَاوُد أوْ مَا أوْرثَتْ إرَمْ وقال ابن قيس الرقيات: [المنسرح] ٥١٩٤ - مَجْداً تَلِيداً بَناهُ أوَّلهُ ... أدْركَ عاداً وقَبْلهَا إرَمَا وقرأ الحسن: «عاد» غير مصروف. قال أبُو حيَّان: مضافاً إلى «إرَمَ» ، فجاز أن يكون «إرَمَ» أباً، أو جداً، أو مدينة. قال شهاب الدين: يتعين أن يكون في قراءة الحسن، غير مضاف، بل يكون كما كان منوناً، ويكون «إرَمَ» بدلاً أو بياناً أو منصوباً بإضمارِ: أعني، ولو كان مضافاً لوجب صرفه وإنما منع «عاد» اعتباراً بمعنى: القبيلة، أو جاء على أحد الجائزين في: «هند» وبابه. وقرأ الضحاكُ في رواية: «بِعادَ أرَمَ» ممنوع الصرف، وفتح الهمزة من: «أرم» . قال مجاهد: من قرأ بفتح الهمزة شبههم بالآرام التي هي الأعلام. وعنه أيضاً: فتح الهمزة، وسكون الراء، وهو تخفيف «أرِم» بكسر الراء، وهي لغة في اسم المدينة، كما قرئ: ﴿بِوَرِقْكُمْ﴾ [الكهف: ١٩] ، وهي قراءة ابن الزبير، وعنه في: «عاد» مع هذه القراءة: الصرف وتركه. وعنه - أيضاً - وعن ابن عباسٍ: «أرَمَّ» بفتح الهمزة والراء والميم المشددة جعلاه فعلاً ماضياً، [يقال: أرم العظم أي بَلِيَ، وأرم وأرمه غيره، فأفعل يكون لازماً ومتعدياً في هذا] . و «ذات» على هذه القراءة مجرورة صفة ل: «عاد» ويكون قد راعى لفظها تارة في قوله: «إرَمَ» ، فلم تلحق علامة التأنيث، ويكون: «أرم» معترضاً بن الصفة والموصوف، أي: أرمت هي، بمعنى: رمَتْ وبَليتْ، وهو دعاء عليهم، ويجوز أن يكون فاعل: «أرم» ضمير الباري تعالى، والمفعول محذوف، أي: أرمها الله تعالى، والجملة الدعائية معترضة - أيضاً - وراعى معناها أخرى في: «ذات» فأنث. وروي عن ابن عبَّاسٍ ﵄: «ذاتَ» بالنَّصْب، على أنها مفعول ب «

стр. 12657

أرم» وفاعل «أرم» ضمير يعود على الله - تعالى -، أي: أرمها الله، ويكون: «أرم» بدلاً من: «فعَل ربُّك» وتبييناً له. وقرأ ابنُ الزُّبيرِ: «بعادِ أرمَ» بإضافة: «عاد» إلى: «أرمِ» مفتوح الهمزة مكسور الراء، وقد تقدم أنه اسم مدينة. وقرأ: «إرمَ ذَات» ، بإضافة: «إرم» إلى: «ذات» . وروي عن مجاهدٍ: «أرَم» يعني: بفتحتين، مصدر «أرَمَ، يَأرم» ، أي: هلك، فعلى هذا يكون منصوباً ب: «فَعَلَ ربُّك» نصب المصدر التشبيهي، والتقدير: كيف أهلك ربك عاداً إهلاك ذات العماد؟ وهذا أغرب الأقوال. و «ذَاتِ العمادِ» : إن كان صفة لقبيلة، فمعناه: أنهم أصحاب خيام لها أعمدة يظعنون بها، أو هو كناية عن طول أبدانهم [كقولهم: رفيع العماد طويل النجاد قاله ابن عباس ﵄] ، وإن كان صفة للمدينة، فمعناه: أنها ذات عُمُد من الحجارة. قوله: ﴿التي لَمْ يُخْلَقْ﴾ : يجوز أن يكون: تابعاً، وأن يكون: مقطوعاً، رفعاً ونصباً. والعامة على: «يُخْلَق» مبنياً للمفعول، «مِثْلُهَا» مرفوع على ما لم يسم فاعله. وعن ابن الزُّبيرِ: «يَخْلقُ» مبنياً للفاعل، «مِثْلها» منصوب به، وعنه أيضاً: «نَخْلقُ» بنون العظمة. فصل في الكلام على إرم وعاد قال القرطبيُّ: من لم يضف جعل «إرم» : اسم «عاد» ، ولم يصرفه؛ لأنه جعل «عاداً» اسم أبيهم، و «إرم» : اسم القبيلة، وجعله بدلاً منه، أو عطف بيان. ومن قرأه بالإضافة ولم يصرفه جعله اسم أمهم، أو اسم بلدتهم، وتقديره: بعادٍ أهل إرمَ، كقوله: ﴿وَسْأَلِ القرية﴾ [يوسف: ٨٢] ، ولم تنصرف - قبيلة كانت، أو أرضاً - للتعريف والتأنيث. والإرم: العلم، أي: بعاد أهل ذات العلم، والخطاب للنبيِّ ﷺ َ، والمراد عام، وكان أمر عاد وثمود عندهم مشهوراً، إذا كانوا في بلاد العرب، وحجر ثمود موجود اليوم، وأمر فرعون يسمعونه من جيرانهم من أهل الكتاب، واستفاضت به الأخبار، وبلاد فرعون متصلة بأرض العرب.

стр. 12658

قوله: «بعَادٍ» ، أي: بقوم عاد. قال أبو هريرة: كان الرجل من قوم عادٍ، يتخذ المصراع من حجارة، لو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة، لم يستطيعوا أن يقلوه. [وإرم قال ابن إسحاق: هو سام بن نوح ﵇. وعن ابن عباس وابن إسحاق أيضاً قال: عاد بن إرم بن عاص بن سام بن نوح ﵇. قال ابن إسحاق: كان سام بن نوح له أولاد منهم إرم بن سام، وأرفخشذ بن سام؛ فمن ولد إرم بن سام العمالقة والفراعنة والجبابرة والملوك والطغاة والعصاة] . وإرم: قال مجاهد: «إرم» هي أمة من الأمم، وعنه أيضاً: ان معنى «إرم» : القديمة، وعنه أيضاً: القوية. وقال قتادةُ: هي قبيلة من عاد. وقيل: هما عادان، فالأولى: هي «إرم» ، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأولى﴾ [النجم: ٥٠] ، فقيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح: عاد كما يقال لبني هاشم: هاشم، ثم يقال للأولين منهم: عاداً الأولى، وإرم: تسمية لهم باسم جدهم، ولمن بعدهم: عاد الأخيرة؛ قال ابن الرقيَّات: [المنسرح] ٥١٩٥ - مَجْداً تَلِيداً بَناهُ أوَّلهُ ... أدْركَ عاداً وقَبْلهَا إرَمَا وقال معمر: «إرم» : إليه مجمع عاد وثمود، وكان يقال: عاد وإرم، وعاد وثمود، وكانت القبائل تنسب إلى إرم، «ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد» . قال ابنُ عبَّاسٍ في رواية عطاء: كان الرَّجل منهم، طوله خمسمائة ذراع، والقصير منهم، طوله ثلاثمائة ذراع بذراع نفسه. وعن ابن عبَّاسٍ أيضاً: أن طول الرجل منهم، كان سبعين ذراعاً. قال ابن العربي: وهو باطل؛ لأن في الصحيح: «أنَّ اللهَ خَلقَ آدَمَ طُولهُ سِتُّونَ ذِراعاً في الهواءِ، فَلم يزل الخَلْقُ يَنْقصُ إلى الآنَ» .

стр. 12659

وزعم قتادةُ: أن طول الرجل منهم اثنا عشر ذراعاً. قال أبو عبيدة: «ذَاتِ العمادِ» : أي: ذات الطول، يقال: رجل معمد إذا كان طويلاً ونحوه عن ابن عباس، ومجاهد. وعن قتادة: كانوا عماداً لقومهم، يقال: فلان عميد القوم وعمودهم: أي: سيدهم، وعنه أيضاً: كانوا أهل خيام وأعمدة ينتجعون الغيوث، ويطلبون الكلأ، ثم يرجعون إلى منازلهم. وقيل: المعنى: ذات الأبنية المرفوعة على العمد، وكانوا ينصبون الأعمدة، فيبنون عليها القصور. وقال ابن زيد: ذَاتِ العِمادَ «يعني: إحكام البنيان بالعمد. قال الجوهري:» والعماد: الأبنية الرفيعة، تذكر وتؤنث، والواحدة: عمادة «. وقال الضحاك:» ذات العماد «أي ذات الشدة والقوة مأخوذة من قوة الأعمدة بدليل قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] . فصل في الضمير في» مثلها « والضمير في:» مِثلُهَا «يرجع إلى القبيلة، أي: لم يخلق مثل القبيلة في البلاد قوة وشدة، وعظم أجساد. وعن الحسن وغيره: وفي حرف عبد الله: «التي لم يخلق مثلهم في البلاد» . وقيل: يرجع إلى المدينة، والأول أظهر وعليه الأكثر. فصل قال القرطبيُّ: «رُويَ عن مالك ﵁ أن كتاباً وجد ب» الاسكندرية «فلم يدر ما فيه، فإذا فيه» أنَا شدَّادُ بنُ عادٍ، الذي رفَعَ العِمَادَ، بنيتها حين لا شَيْبَ ولا مَوْتَ «قال مالك: إن كان لتمرُّ بهم مائة سنة لا يرون فيها جنازة» . وروي: أنه كان لعاد ابنان: شدَّاد، وشديد، ثم مات شديد، وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا، ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في

стр. 12660

بعض صحارى عدن، في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب، والفضة، وأساطينها من الزَّبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار، ولما تمَّ بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل مما قدر عليه مما هنا، وبلغ خبره معاوية، فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر، قصير، على حاجبه خال، وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت، فأبصر ابن قلابة، وقال: هذا والله ذلك الرجل. فصل في إجمال القول في الكفار هاهنا ذكر الله - تعالى - هاهنا - قصة ثلاث فرق من الكفار المتقدمين، وهم: عاد، وثمود، وقوم فرعون، على سبيل الإجمال حيث قالوا: «فَصَبَّ عَليْهَم ربُّكَ سوْطَ عذابٍ» ، ولم يبين كيفية ذلك العذاب، وبين في سورة: «الحاقَّة» ، ما أبهم في هذه السورة، فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٥، ٦] إلى قوله: ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ والمؤتفكات بِالْخَاطِئَةِ﴾ [الحاقة: ٩] . قوله: ﴿وَثَمُودَ﴾ . قرأ العامة بمنع الصرف. وابنُ وثابٍ: يصرفه، والذي يجوز فيه ما تقدم في: «التي لم يخلق» . و «جَابُوا» أي: قطعوا، ومنه: فلان يجوب البلاد، أي: يقطعها سيراً؛ قال: [البسيط] ٥١٩٦ - مَا إنْ رَأيْتُ قَلُوصاً قَبْلَهَا حَملتْ ... سِتِّينَ وسْقاً ولا جَابتْ بِهِ بَلدَا وجَابَ الشيء يجوبه: أي: قطعه، ومنه سمي جيب القميص؛ لأنه جيب، أي: قطع. وقوله: «بالوَادِ» : متعلق إما ب «جابوا» أي: فيه، وإما بمحذوف على أنه حال من «الصَّخْر» ، أو من الفاعلين. وأثبت في الحالين: ابنُ كثيرٍ وورشٌ بخلاف عن قنبل، فروي عنه إثباتها في

стр. 12661

الحالين، وروي عنه: إثباتها في الوصل خاصة، وحذفها الباقون في الحالين، موافقة لخط المصحف، ومراعاة للفواصل كما تقدم في «يسر» . فصل في تفسير الآية قال ابنُ عبَّاسٍ: كانوا يجوبون البلادن ويجعلون من الجبال بيوتاً، لقوله - تعالى -: ﴿يَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً﴾ [الحجر: ٨٢] . وقيل: أول من نحت من الجبال، والصخور والرخام: ثمود، وبنوا ألفاً وسبعمائة مدينة، كلها من الحجارة. وقوله تعالى: ﴿بالواد﴾ أي: بوادي القرى. قاله محمد بن إسحاق. [وروى أبو الأشهب عن أبي نضرة، قال: «أتى رسول الله ﷺ َ في غزاة» تبوك «على وادي ثمود، وهو على فرس أشقر، فقال:» أسرعوا السير؛ فإنكم في واد ملعون «» . وقيل: الوادي بين جبال، وكل منفرج بين جبال أو تلال يكون مسلكاً للسيل، ومنفذاً، فهو واد] . قوله: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد﴾ ، أي: الجنود والعساكر والجموع. قاله ابن عباس. وسمي «ذي الأوتاد» لكثرة مضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا. وقيل: ذي الأتاد، أي: ذي الملك الثابت. كقوله: [الرجز] ٥١٩٧ - في ظِلِّ مَلكٍ رَاسخِ الأوْتَادِ ... وقيل: كان يشدّ الناس بالأوتاد إلى أن يموتوا، تجبّراً منه وعتواً، كما فعل بامرأته آسية، وماشطتها. قال عبدُ الرحمنِ بن زيدٍ: كانت له صخرة ترفع بالبكرات، ثم يؤخذ له الإنسان، فيوتد له أوتاد الحديد، ثم يرسل تلك الصخرة عليه. وروى قتادةُ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ عن ابنِ عباسٍ: أن تلك الأوتاد، كانت ملاعب يلعبون تحتها. قوله: ﴿الذين طَغَوْاْ﴾ : يجوز فيه ما جاز في: «الذين» قبله، من الإتباع والقطع على الذم.

стр. 12662

قال ابن الخطيب: يحتمل أن يرجع الضَّمير إلى فرعون خاصة؛ لأنه يليه، ويحتمل أن يرجع إلى جميع من تقدم ذكرهم، وهو الأقرب. وأحسن الوجوه في إعرابه: أن يكون في محل نصب على الذم، ويجوز أن يكون مرفوعاً على: «هم الذين طغوا» مجروراً على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون. يعني: عاداً، وفرعون، وثموداً طغوا، أي: تمردوا وعتوا، وتجاوزا القدر في الظلم والعدوان، ثم فسر تعالى طغيانهم بقوله: ﴿فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الفساد﴾ . قال الكلبيُّ: القتل، والمعصية لله تعالى. قال القفال: والجملة أن الفساد ضد الصلاح، فكما أن الصلاح يتناول جميع أقسام البر، فالفساد يتناول جميع أقسام الإثم، فمن عمل بغير أمر الله، وحكم في عباده بالظلم فهو مفسد. قوله: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ . أي: أفرغ عليهم، وألقى، يقال: صبَّ على فلان خلعة، أي: ألقاها عليه؛ قال النابغة: [الطويل] ٥١٩٨ - فَصبَّ عَليْهِ اللَّهُ أحْسنَ صُنْعهِ ... وكَانَ لَهُ بَيْنَ البَريَّةِ نَاصِراً وقوله تعالى: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: نصيب عذاب؛ وقيل: شدته؛ لأن السوط عندهم ما يعذب به. قال الشاعر: [الطويل] ٥١٩٩ - ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أظهرَ دينهُ ... وصَبَّ على الكُفَّارِ سوْطَ عذابِ والسوط: هو الآلة المعروفة. قيل: سمي سوطاً؛ لأن يساط به اللحم عند الضرب أي: يختلط؛ قال كعب بن زهير: [البسيط] ٥٢٠٠ - لَكنَّهَا خُلَّةٌ قَدْ سِيطَ منْ دَمِهَا ... فَجْعٌ ووَلْعٌ وإخلافٌ وتَبْديلُ وقال آخر: [الطويل] ٥٢٠١ - أحَارِثُ إنَّا لو تُسَاطُ دِماؤُنَا ... تَزايلنَ حتَّى لا يَمَسُّ دَمٌ دَمَا [وقيل: هو في الأصل مصدر: ساطه يسوطه سوطاً، ثم سميت به الآلة] .

стр. 12663

وقال أبو زيد: أموالهم بينهم سويطة، أي: مختلطة. فالسَّوطُ: خلط الشيء بعضه ببعض، ومنه سمي: المسواط، وساطه: أي خلطه، فهو سائط، وأكثر من ذلك، يقال: سوط فلان أموره؛ قال: [الطويل] ٥٢٠٢ - فَسُطْهَا ذَمِيمَ الرَّأي غَيْرَ مُوفَّقٍ ... فَلست عَلى تَسْويطهَا بمُعَانِ قال الفرَّاء: هي كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب، وأصل ذلك أن السَّوطَ: هو عذابهم الذي يعذبون به، فجرى لكل عذاب إذا كان فيه غاية العذاب. وقال الزجاج: أي: جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب. [ويقال: ساط دابته يسوطها أي: ضربها بسوطه. وعن عمرو بن عبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: إن الله تعالى عنده أسواط كثيرة فأخذهم بسوط منها] . قال قتادة: كل شيء عذب الله به، فهو سوط عذاب. [واستعمال الصب في السوط استعارة بليغة شائعة في كلامهم. قال القاضي: وشبه بصبّ السوط الذي يتواتر على المضروب فيهلكه] . قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد﴾ ، أي: يرصد عمل كل إنسان، حتى يجازيه به. قال الحسن وعكرمة: والمِرْصادَ: كالمرصد، وهو: المكان الذي يترقب فيه الرَّصد، جمع راصد كحرس، فالمرصاد «مفعال» من: «رصده» ، كميقات من وقته، قاله الزمخشري. وجوَّز ابنُ عطيَّة في المرصاد: أن يكون اسم فاعل، قال: كأنه قيل: «لبالراصد» ، فعبر ببناء المبالغة. ورده أبو حيَّان: بأنه لو كان كذلك لم تدخل عليه الباء، إذ ليس هوفي موضع دخولها، لا زائدة، ولا غير زائدة.

стр. 12664

قال شهابُ الدِّين: قد وردت زيادتها في خبر: «إنَّ» كهذه الآية؛ وفي قول امرئ القيس: [الطويل] ٥٢٠٣ - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... فإنَّكَ ممَّا أحْدثَتْ بالمُجرِّبِ إلَاّ أنَّ هذه ضرورة، لا يقاس عليه الكلام، فضلاً عن أفصحه. فصل تقدم الكلام في: «المرصاد» ، عند قوله: ﴿كَانَتْ مِرْصَاداً﴾ [النبأ: ٢١] ، وهذا مثلٌ لإرصاده العصاة بالعقاب بأنهم لا يفوتونه، كما قيل لبعض العرب: أين ربك؟ قال: بالمرصاد. وقال الفراء: معناه: إليه المصير. وقال الزجاج: يرصد من كفر به وعاند طاعته بالعذاب. وقال الضحاك: يرصد أهل الظلم، والمعصية.

стр. 12665

قوله: ﴿فَأَمَّا الإنسان﴾ : مبتدأ، وفي خبرها وجهان: أصحهما: أنه الجملة من قوله: «فيقول» ، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦] كما تقدم، والظرف حينئذٍ منصوب بالخبر؛ لأنه في نية التأخير، ولا يمنع الفاء من ذلك. قاله الزمخشري. الثاني: «إذَا» : شرطية، وجوابها: «فيقول» ، وقوله: «فأكْرمهُ» : معطوف على «ابتلاه» ، والجملة الشرطية خبر: «الإنسان» . قاله أبو البقاء. وفيه نظر؛ لأن «أما» تلزم الفاء في الجملة الواقعة خبراً عما بعدها، ولا تحذف إلا مع قول مضمر، كقوله: ﴿فَأَمَّا الذين اسودت﴾ [آل عمران: ١٠٦] كما تقدم، إلا في ضرورة. قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: بم اتَّصل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الإنسان﴾ ؟ . قلت: بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد﴾ ، فكأنه قيل: إن الله لا يريد من الإنسان إلا الطَّاعة، فأما الإنسان، فلا يريد ذلك، ولا يهمه إلا العاجلة» انتهى.

стр. 12666

يعني: بالتعليق من حيث المعنى، وكيف عطفت هذه الجملة التفصيلية على ما قبلها مترتبة عليه، «لا يريد إلا الطَّاعة» على مذهبه، ومذهبُ أهل السنة: أن الله يريد الطاعة وغيرها، ولولا ذلك لم يقع ثم من لا يدخل في ملكه ما لا يريد، وإصلاح العبارة أن نقول: إن الله يريد من العبد والإنسان من غير حصر. ثم قال: فإن قلت: كيف توازن قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ﴾ ، وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه﴾ ، وحق التوازن أن يتقابل الواقعان بعد «أما» و «أما» تقول: أما الإنسان فكفور، وأما الملك فشكور، أمَّا الإنسان أحسنت إلى زيد، فهو محسن إليك، وأمَّا إذا أسأت إليه، فهو مسيء إليك. قلت: هما متوازنان من حيث إنَّ التقدير: وأما هو إذا ما ابتلاه، وذلك أن قوله «فيقُولُ: ربِّي أكرمنِ» : خبر المبتدأ، الذي هو «الإنسان» ، ودخول الفاء لما في «أما» من معنى الشرط، والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر في نية التأخير، كأنه قيل: فأما الإنسان فقائل: ربي أكرمني وقت الابتلاء، فوجب أن يكون «فيقول» الثاني: خبراً لمبتدأ واجب تقديره. فصل في المراد بالإنسان قال ابن عبَّاسٍ: المراد بالإنسان: عتبةُ بنُ ربيعة، وأبو حذيفة بنُ المغيرةَ. وقيل: أمية بن خلف. وقيل: أبي بن خلف. ﴿إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ﴾ أي: امتحنه، واختبره بالنعمة، و «ما» زائدة صلة، «فأكْرمهُ» بالمال، و «نَعَّمَهُ» بما أوسع عليه، «فَيقُولُ: ربِّي أكرمنِ» ، فيفرح بذلك، ولا يحمده. ﴿وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه﴾ أي: امتحنه بالفقر واختبره، «فقَدَر» أي: ضيق، «عَليهِ رِزقهُ» على مقدار البُلغة، «فيقول» ربي أهاننِ «أي: أولاني هواناً، وهذه صفة الكافر، الذي لا يؤمن بالبعث، وإنما الكرامة عنده، والهوان بكثرة المال والحظ في الدنيا، وقلته، فأمَّا المؤمن، فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته، وتوفيقه، المؤدي إلى حظ الآخرة، وإن وسع عليه في الدنيا حمده وشكره. قال القرطبيُّ: الآيتان صفة كُلِّ كافرٍ، وكثيرٌ من المسلمين يظن أن ما أعطاه الله لكرامته، وفضيلته عند الله، وربما يقول بجهله: لو لم أستحق هذا، لم يعطينيه الله،

стр. 12667

وكذا إن قتر عليه، يظن أن ذلك لهوانه على الله. قوله: «فقَدرَ عليهِ» . قرأ ابنُ عامرٍ: بتشديد الدَّال. والباقون: بتخفيفها، وهما لغتان بمعنى واحد، ومعناهما: التَّضييق. قال القرطبيُّ: والاختيار: التخفيف، لقوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] وقوله تعالى: ﴿الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] . وقال أبو عمرو: و «قَدَرَ» أي: قتر. و «قَدَّرَ» مشدداً: هو أن يعطيه ما يكفيه، ولو فعل به ذلك ما قال: «ربِّي أهانن» . فصل في الكلام على أكرمن وأهانن قوله: «أكْرمَنِي، أهانني» . قرأ نافع: بإثبات يائهما وصلاً، وحذفهما وفقاً من غير خلاف عنه. والمروي عن ابن كثير، وابن محيصن، ويعقوب: إثباتهما في الحالين؛ لأنهما اسم فلا تحذف. واختلف عن أبي عمرو في الوصل: فروي عنه الإثبات والحذف، والباقون يحذفونها في الحالتين. وعلى الحذف قوله: [المتقارب] ٥٢٠٤ - ومِنْ كَاشحٍ ظاهرٍ عُمرهُ ... إذَا مَا انْتسَبْتُ لهُ أنْكَرن يريد: أنكرني؛ ولأنها وقعت في الموضعين بغير ياء، والسنة لا تخالف خط المصحف؛ لأنه إجماع الصحابة ﵃. وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: هلا قال: فأهانه وقدر عليه رزقه، كما قال: «فأكرمه ونعمه» ؟ قلت: لأن البسط: إكرام من الله لعبده بإنعامه عليه متفضلاً من غير سابقة، وأما التقدير، فليس بإهانة له؛ لأن الإخلال بالتفضل لا يكون إهانة، ولكن تركاً للكرامة، وقد يكون المولى مكرماً لعبده ومهيناً له، وغير مكرم ولا مهين، وإذا أهدى لك زيدٌ هدية، قلت: أكرمني بالهدية، ولا تقول: أهانني، ولا أكرمني إذا لم يهد لك.

стр. 12668

وأجاب ابنُ الخطيب عن هذا السؤال: بأنه في قوله: «أكرمني» صادق، وفي قوله: «أهانني» غير صادق فهو ظهن أنَّ قلة الدنيا، وتعسرها إهانة، وهذا جهل، واعتقاد فاسد، فكيف يحكي الله - تعالى - ذلك عنه؟ . قيل: لما قال: «فَأكْرَمهُ» ، فقد صحَّ أنه أكرمه، ثم إنه حكى عنه أنه قال: «أكرمن» ذمه عليه فكيف الجمع بينهما؟ . فالجواب: أن كلمة الإنكار: «كلَاّ» ، فلم لا يجوز أن يقال: إنَّها مختصة بقوله تعالى: «ربي أهانن» ؟ . سمنا أن الإنكار عائد إليهما معاً، لكن يمكن أن يكون الذَّم؛ لأنه اعتقد أن ذلك الإكرام بالاستحقاق، أو أنه لما لم يعترف إلا عند سعة الدنيا، مع سبق النعم عليه من الصحة، والعقل دلَّ على أن غرضه من ذلك ليس الشكر، بل محبة الدنيا والتكثير بالأموال والأولاد، أو لأن كلامه يقتضي الإعراض عن الآخرة وإنكار البعث، كما حكى الله تعالى بقوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً﴾ [الكهف: ٣٥] إلى قوله: ﴿أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ [الكهف: ٣٧] .

стр. 12669

قوله تعالى: ﴿كَلَاّ﴾ : ردعٌ للإنسان عن تلك المقالة. قال ابنُ عباسٍ ﵄ المعنى: لم أبتله بالغنى، لكرامته عليّ، ولم أبتله بالفقرِ، لهوانه عليّ، بل ذلك لمحضِ القضاء والقدر، والمشيئة والحكم المنزه عن التعليل، وهذا مذهب أهل السنة، وأما على مذهب المعتزلة: فلمصالح خفيَّة، لا يطلع عليها إلا هو - سبحانه - فقد يوسع على الكافر لا لكرامته، ويقتر على المؤمن لا لهوانه. قال الفراء في هذا الموضع: يعني: لم يكن للعبد أن يكون هكذا، ولكن يحمد الله - تعالى - على الغنى والفقر. قوله: ﴿بَل لَاّ تُكْرِمُونَ اليتيم﴾ . قرأ أبو عمرو: «يكرمون» ، وما بعده بياء الغيبة، حملاً على معنى الإنسان المتقدم، إذا المراد به الجنس، والجنس في معنى: الجمع. والباقون: بالتاء في الجميع، خطاباً للإنسان المراد به الجنس، على طريقة الالتفات.

стр. 12670

فصل فيمن نزلت فيه الآية لما حكى قولهم، فكأنه قال: لهم فعل أشر من هذا القول، وهو أن الله - تعالى - يكرمهم بكثرة المال، فلا يؤدون ما يلزمهم من إكرام اليتيم، فقرعهم بذلك، ووبخهم. وترك إكرام اليتيم بدفعه عن حقه، وأكل ماله. وقال مقاتلٌ: نزلت في قدامة بن مظعونٍ، وكان يتيماً في حجر أمية بن خلف، وكان يدفعه عن حقه. قوله: ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ على طَعَامِ المسكين﴾ . قرأ الكوفيون: «ولا تحاضون» ، والأصل: تتحاضون، فحذف إحدى التاءين، أي: لا يحض بعضكم بعضاً. وروي عن الكسائي: «تُحاضُّون» بضم التاء، وهي قراءة زيد بن علي وعلقمة، أي: تحاضون أنفسكم. والباقون: «تَحُضُّون» من حضَّه على كذا، أي: أغراه به، ومفعوله محذوف، أي: لا تحضون أنفسكم ولا غيرها، ويجوز ألَاّ يقدر، أي: لا يوقعون الحضّ. قوله: «عَلى طعامِ» : متعلق ب «تحضون» ، و «طَعَام» : يجوز أن يكون على أصله من كونه اسماً للمطعوم، ويكون على حذف مضاف، أي: على بذل، أو إعطاء طعام، وأن يكون اسم مصدر بمعنى: الإطعام كالعطاء بمعنى الإعطاء، فلا حذف حينئذ. فصل في ترك إكرام اليتيم اعلم أن ترك إكرام اليتيم على وجوه: أحدها: ترك بره وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ على طَعَامِ المسكين﴾ . والثاني: دفعه عن حقه، وأكل ماله، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً وَتُحِبُّونَ المال حُبّاً جَمّاً﴾ . قوله: ﴿وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً﴾ التاء في «التُّراثَ» : بدل من الواو؛ لأنه من الوراثة ومثله: تولج، وتوراة، وتخمة وقد تقدم كما قالوا: تجاه، وتخمة، وتكأة، وتؤدة، ونحو ذلك. والتراث: ميراث اليتامى، وقوله تعالى: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾ ، اللَّمم: الجمع الشديد، يقال: لممت الشيء لماً، أي: جمعته جمعاً.

стр. 12671

قال الحطيئة: [الطويل] ٥٢٠٥ - إذَا كَانَ لمَّا يُتْبعُ الذَّمُّ ربَّهُ ... فَلا قدَّسَ الرَّحمنُ تِلْكَ الطَّواحِنَا ولمَمْتُ شعثه من ذلك؛ قال النابغة: [الطويل] ٥٢٠٦ - ولسْتُ بِمُسْتبْقٍ أخاً لا تَلمُّهُ ... عَلى شَعثٍ أيُّ الرِّجالِ المُهذب؟ والجَمُّ: الكثير، ومنه: جمَّة الماء. قال زهير: [الطويل] ٥٢٠٧ - فَلمَّا وَرَدْنَا الماءَ زُرْقاً جِمامُهُ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ومنه: الجُمَّةُ، للشعر، وقولهم: جاءوا الجمَّاء الغفير من ذلك. وكتيبة ملمومة وحجر ملموم، وقولهم: إن دارك لمومة، اي تلم الناس وتجمعهم، والآكل يلم الثريد، فيجمعه لقماً، ثم يأكله. قال الحسنُ: يأكلون نصيبهم، ونصيب غيرهم، فيجمعون نصيب غيرهم إلى نصيبهم. وقيل: إنَّ المال الذي يتركه الميت بعضه حلال، وبعضه شبهة، وبعضه حرام، فالوارث يلم الكل، أي: يجمع البعض إلى البعض، ويأخذ الكل ويأكله. قال الزمخشريُّ: يجوز أن يكون الذم متوجهاً إلى الوارث الذي ظفر بالمال، سهلاً مهلاً من غير أن يعرق في جبينه، فيسرف في إنفاقه، ويأكله أكلاً لمًّا جامعاً بين ألوان المشتهيات [من الأطعمة والأشربة والفواكه] . [وقال ابن زيد: كان أهل الشرك لا يورثون النساء ولا الصبيان، بل يأكلون ميراثهم وتراثهم مع تراثهم] . قوله: ﴿وَتُحِبُّونَ المال حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً حلاله وحرامه. والجَمُّ: الكثير، يقال: جمَّ الشيء يجم جُمُوماً، فهو جم وجام، ومنه: جمَّ الماء

стр. 12672

في الحوض، إذا اجتمع وكثر، والجمة: المكان الذي يجتمع فيه الماء، والجُمُوم - بالضم - المصدر يقال: جم الماء يجم جموماً: إذا كثر في البئر واجتمع، والمعنى: يحبون المال حباً شديداً.

стр. 12673

قوله: ﴿كَلَاّ﴾ : ردعٌ لهم عن ذلك، وإنكار لفعلهم، أي: ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر، فهو ردع لانكبابهم على الدنيا وجمعهم لها. قوله: ﴿إِذَا دُكَّتِ الأرض دَكّاً دَكّاً﴾ . في «دكّاً» وجهان: أحدهما: أنه مصدر مؤكد، و «دَكًّا» الثاني: تأكيد للأول، تأكيداً لفظياً. كذا قاله ابن عصفورٍ وليس المعنى على ذلك. والثاني: أنه نُصِبَ على الحال، والمعنى: مكرراً عليها الدَّكُّ، ك «علمته الحساب باباً باباً» ، وهذا ظاهر قول الزمخشري. وكذلك: «صفًّا صفًّا» حال أيضاً، أي: مصطفين، أو ذوي صفوف كثيرة. قال الخليل: الدَّكُّ: كسر الحائط والجبل والدكداك: رمل متلبّد. ورجل مدك: أي شديد الوطء على الأرض. [فمعنى الدك على قول الخليل: كسر شيء على وجه الأرض من جبل أو حجر حين زلزلت فلم يبق على شيء] . وقال المبرد: الدَّكُّ: حطُّ المرتفع من الأرض بالبسط، واندك سنام البعير: إذا انفرش في ظهره، وناقة دكاء كذلك، ومنه الدكان لاستوائه في الانفراش، فمعنى الدك على قول الخليل: كسر الشيء على وجه الأرض من جبل أو حجر حين زلزلت، فلم يبق على ظهرها شيء، وعلى قول المبرد، معناه: أنها استوت في الانفراش، فذهب دورها، وقصورها، حتى صارت كالصخرة الملساء، وهذا معنى قول ابن عباس، وابن مسعود ﵃: تمد الأرض يوم القيامة مد الأديم. قال ابنُ الخطيبِ: وهذا التَّدكُّكُ لا بد وأن يكون متأخراً عن الزلزلة [فإذا زلزلت الأرض زلزلة] بعد زلزلة، فتكسر الجبال، وتنهدم، وتمتلئ الأغوار، وتصير ملساء، وذلك عند انقضاء الدنيا.

стр. 12674

قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً﴾ . أي: جاء أمره وقضاؤه. قاله الحسن، وهو من باب حذف المضاف. وقيل: جاءهم الربُّ بالآيات، كقوله تعالى: ﴿إِلَاّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام﴾ [البقرة: ٢١٠] أي بظلل. وقيل: جعل مجيء الآيات مجيئاً له، تفخيماً لشأن تلك الآيات، كقوله تعالى في الحديث: «يَا ابْنَ آدم مَرضتُ فلمْ تعُدِنِي، واسْتسْقَيتُكَ فَلمْ تَسقِنِي واسْتطعَمْتُكَ فَلمْ تُطْعمْنِي» . وقيل: زالت الشبه، وارتفعت الشكوك، وصارت المعارف ضرورية، كما تزول الشبه والشكوك عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه [وقيل وجاء قهر ربك، كما تقول جاءتنا بنو أمية، أي: قهرهم. قال أهل الإشارة: ظهرت قدرته واستوت، والله لم يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنَّى له التحول والانتقال، ولا مكان ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان؛ لأن في جريان الوقت على الشيء فوات الأوقات، ومن فاته الشيء، فهو عاجز. وأما قوله تعالى: ﴿والملك صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صفٍّ متحلِّقين بالجن والإنس] . قوله: ﴿وجياء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ . «يومئذ» : منصوب ب «جيء» ، والقائم مقام الفاعل: «بجهنم» وحوز مكيٍّ: أن يكون «يومئذ» : قائم مقام الفاعل. وأمَّا «يومئذ» الثاني فقيل: بدل من «إذا دُكَّتِ» ، والعامل فيها: «يتذكر» ، قاله الزمخشري وهذا مذهب سيبويه. وقيل: إن العامل في «إذا دكت» : يقول، والعامل في «يومئذ» : يتذكر، قاله أبو البقاء. فصل قال ابنُ مسعودٍ ومقاتلٌ: «تقادُ جهنَّمُ بِسبْعِينَ ألف زمام، كُل زِمَامٍ بيدِ سبْعينَ ألْف ملكٍ يجرونها، لهَا تَغَيُّظٌ وزفيرٌ، حتَّى تنصبَّ عن يسارِ العرْشِ» .

стр. 12675

رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً. وقال أبُو سعيدٍ الخدريُّ: «لما نزلت: ﴿وجياء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ تغير لون رسول الله ﷺ َ وعرف في وجهه، حتى اشتد على أصحابه، ثم قال: أقْرأنِي جِبْريلُ: ﴿كَلَاّ إِذَا دُكَّتِ الأرض دَكّاً دَكّاً﴾ ، - الآية - ﴿وجياء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ ، قال علي ﵁: قلت: يا رسول الله، كيف يجاءُ بها؟ قال:» يُؤْتَى بِهَا تُقَادُ بِسبعِينَ ألْف زمامٍ، يَقُودُ بكُلِّ زمَامٍ سَبعُونَ ألْف ملكٍ، فتشْردُ شَرْدَةً لو تُرِكَتْ لأحْرقَتْ أهْلَ الجَمْعِ، ثُمَّ تعْرضُ لِي جهنَّمُ، فتقول: مَا لِي ولَكَ يا مُحَمَّدُ، إنَّ الله قَدْ حَرَّمَ لحْمَكَ عليَّ، فلا يَبْقَى أحَدٌ إلَاّ قال: نَفْسِي نَفْسِي، إلَاّ محمدٌ ﷺ َ فإنَّه يقُولُ: ربِّ أمَّتِي، ربِّ أمَّتِي «. قال ابن الخطيب: قال الأصوليون: معلوم أنَّ جهنَّم لا تنقل من مكانها، ومعنى مجيئها: برزت وظهرت حتى يراها الخلق، ويعلم الكافر أنَّ مصيره إليها. قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان﴾ . تقدم الكلام في إعراب:» يومئذ «، والمعنى: يتَّعظُ الكافرُ، ويتوب من همته بالدُّنيا وقيل: يتذكر أن ذلك كان ضلالاً. ﴿وأنى لَهُ الذكرى﴾ أي: ومن أين له الاتِّعاظٌُ والتوبة، وقد فرط فيها الدنيا. وقيل: ومن أين له منفعة الذِّكرى، فلا بُدُّ من تقدير حذفِ المضاف، وإلَاّ فبين» يومئذٍ يَتذكَّر «وبين:» وأنَّى لهُ الذِّكْرى «تناف. قاله الزمخشري. قوله:» وأنَّى «خبر مقدم، و» الذكرى «: مبتدأ مؤخر، و» له «متعلق بما تعلق به الظرف. قوله: ﴿يَقُولُ ياليتني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ ، أي: في حياتي، فاللام بمعنى» في «. وقيل: أي: قدمت عملاً صالحاً أي لحياة لا موت فيها. وقيل: حياة أهل النار ليست هنيئة، فكأنهم لا حياة لهم، فالمعنى: يا ليتني قدمت من الخير لنجاتي من النار، فأكون ممن له حياة هنيئة. فصل في شبهة للمعتزلة والرد عليها استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الاختيار كان في أيديهم وقصدهم، وأنَّهم ما كانوا محجوزين عن الطَّاعات، مجبرين على المعاصي. والجواب: أن فعلهم كان معلقاً بقصد الله - تعالى - فبطل قولهم. قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَاّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ .
следующие страницы →