← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقرأ ابن محيصن بهمزة واحدةٍ على لفظ الخبر، وهمزة الاستفهام مرتدة، ولكن حذفها تخفيفاً، وفي الكلام ما يدلّ عليها، وهو قوله: «أم لم» ؛ لأن «أم» تُعَادل الهمزة، وللقراء في مثل هذه الآية تفصيل كثير. فصل في المراد بالكافرين في الآية المراد من «الذين كفروا» يعني مشركي العرب كأبي لَهَبٍ؛ وأبي جهل، والوليد بن المغيرة وأضرابهم. وقال الكلبي: «هم رؤساء اليَهُودِ والنُعَاندون» وهو قول ابن عباس. والكفر - هنا - الجحود، وهو على أربعة أضرب: كفر إنكار، وكفر جُحُود، وكفر عِنَادٍ، وكفر نفاق: ف «كفر الإنكار» : هو ألا يعرف الله أصلاً، ولا يعترف به. وكفر الجُحُود: هو أن يعرف الله بقلبه، ولا يقر بلسانه، ككفر إبليس؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] . وكفر العناد: هو أن يعرف الله بقلبه، ويعترف بلسانه، ولا يدين به؛ ككفر أبي طَالِبٍ؛ حيث يقول: [الكامل] ١٥٧ - وَلقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ... مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارِ مَسَبَّةٍ ... لَوَجَدْتَنِي سَمْحاً بِذَاكَ مُبِينَا وكفر النفاق: هو أن يقر باللسان، ولا يعتقد بالقلب، وجميع هذه الأنواع سواء في أن من لقي الله - تعالى - بواحد منها؛ لا يغفر له. فصل في تحقيق حد الكفر قال ابن الخطيب: تحقيق القول في حد الكفر أن كل ما نقل عن محمد ﵊ ُ - أنه ذهب إليه، وقال به، فإما أن يعرف صحة ذلك النقل بالضرورة، أو بالاستدلال، أو بخبر الواحد الذي علم بالضرورة، فمن صدق به جميعه، فهو

стр. 247

مؤمن، ومن لم يصدق بجميعه، أو لم يصدق ببعضه، فهو كافر، فإذن الكفر عدم تصديق

стр. 248

الرسول في شيء مما علم بالضرورة أنه ليس من دين محمد ﵊ ُ.

стр. 249

ومثاله من أنكر وجود الصّانع، أو كونه عالماً مختاراً، أو كونه واحداً، أو كونه منزهاً عن النَّقَائص والآفات، أو أنكر نبوة محمد ﷺ َ -؛ كوجوب الصَّلاة والزكاة والصوم والحج وحرمة الربا والخمر، فذلك يكون كافراً. فأما الذي يعرف بالدليل أنه من دين محمد مثل كونه عالماً بالعلم أو بذاته، وأنه مرئي أو غير مرئي، وأنه خالق أعمال العباد أم لا، فلم ينقل بالتواتر القاطع للعُذْرِ، فلا جرم لم يكن إنكاره والإقرار به داخلاً في ماهيّة الإيمان، فلا يكون موجباً للكفر، والدليل عليه أنه لو جاء جزءاً من ماهية الإيمان لكان يجب على الرسول ألا يحكم بإيمان أحد إلاّ بعد أن يعرف أنه عرف الحق في تلك المسألة بين جميع الأمّة؛ ولنقل ذلك على سبيل التواتر، فلمَّا لم ينقل ذلك دلّ على أنه ﵊ ُ - ما وقف الإيمان عليها، ولما لم يكن كذلك وجب ألا تكون معرفتها من الإيمان، ولا إنكارها موجباً للكفر، ولأجل هذه القاعدة لا يكفر أحد من الأمة من أرباب التأويل، وأما الذي لا سبيل إليه إلا برواية الآحاد، فظاهر أنه لا يمكن توقّف الكفر والإيمان عليه، والله أعلم. فصل في الردّ على المعتزلة احتجت المُعْتَزلة بكل ما أخبر الله عن شيء ماض مثل قوله: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا» ، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر﴾ [الحجر: ٩] ، ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ [القدر: ١] ، ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً﴾ [نوح: ١] على أن كلام الله محدث، سواء كان الكلام هذه الحروف، أو الأصوات، أو كان شيئاً آخر.

стр. 250

قالوا: لأن الخبر على هذا الوجه لا يكون صدقاً إلاّ إذا كان مسبوقاً بالمخبر عنه، والقديم يستحيل أن يكون مسبوقاً بالغير، فهذا الخبر يستحيل أن يكون قديماً، فيجب أن يكون محدثاً. أجاب القائلون بقدم الكلام عنه بوجهين: الأول: أن الله - تعالى - كان في الأزل عالماً بأن العالم سيوجد، فلما أوجده انقلب العلم بأنه سيوجد في المستقبل علماً بأنه قد حدث في الماضي، ولم يلزم حدوث علم الله تَعَالَى، فلم لا يجوز أيضاً أن يقال: إن حبر الله - تعالى - في الأزل كان خبراً بأنهم سيكفرون، فلما وجد كفرهم صار ذلك الخبر خبراً عن أنهم قد كفروا، ولم يلزم حدوث خبر الله تعالى؟ . الثاني: أن الله - تعالى - قال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام﴾ [الفتح: ٢٧] ، فلما دخلوا المسجد الحرام، ولا بد أن ينقلب ذلك الخبر إلى انهم قد دخلوا المسجد الحرام من غير أن يتغير الخبر الأول، فإذا أجاز ذلك فلم لا يجوز في مسألتنا؟ فإن قلت: قوله: «إِنَّ الَّذينَ كَفَرُوا» صيغة جمع مع «لام» التعريف، وهي للاستغراق بظاهره، ثم إنه لا نزاع في تكلّم بالعام وأراد الخاص، إما لأجل أنَّ القرينة الدالّة على أن المراد من ذلك العام ذلك الخصوص كانت ظاهرةً في زمان الرَّسول ﵊ ُ - فحسن ذلك لعدم اللّبس، وظهور المقصود، وإمّا لأجل أنّ المتكلّم بالعام لإرادة الخاص جائز، وإن لم يكن البيان مقروناً به عند من يجوز تأخير بَيَان التخصيص عن وقت الخِطَاب، وإذا ثبت ذلك ظهر أنه لا يمكن التمسُّك بشيء من صيغ العموم على القطع بالاستغراق، لاحتمال أن المراد منها هو الخاص، وكانت القرينة الدالة على ذلك ظاهرة في زمان الرسول ﵊ ُ، فلا جَرَمَ حين ذلك، وعدم العلم بوجود قرينة لا يدلّ على العدم. وإذا ثبت ذلك ظهر أنّ استدلال المعتزلة بعمومات الوعيد على القطع بالوعيد في نهاية الضعف، والله أعلم. فصل في المذهب الحق في «تكليف ما لا يطاق» قال ابن الخطيب: احتج أهل السُّنة بهذه الآية وما أشبهها على تكليف ما لا يطاق وتقريره: أنه - تعالى - أخبر عن شخص معين أنه لا يؤمن قطّ، فلو صدر منه الإيمان لزم انقلاب خبر الله - تعالى - الصدق كذباً، والكذب عند الخصم قبيح، وفعل القبيح يستلزم إما الجهل وإما الحاجة، وهما مُحَالان على الله تعالى، والمفضي إلى المُحَال محال، فصدور الإيمان منه مُحَال، فالتكليف به تكليف بالمحال، وقد يذكر هذا

стр. 251

في صورة العلم، وهو أنه - تعالى - لما علم منه أنه لا يؤمن، فكان صدور الإيمان منه يستلزم انقلاب علم الله جهلاً، وذلك محال، ويستلزم من المُحَال محال، فالأمر واقع بالمحال. ونذكر هذا على وجهٍ ثالثٍ: وهو أن وجود الإيمان يستحيل أن يوجد مع العلم بأنه لا يؤمن؛ لأنه إنما يكون علماً لو كان مطابقاً للمعلوم، والعلم بعدم الإيمان يلزم أن يجتمع في الإيمان كونه موجوداً ومعدوماً معاً، وهذا مُحَال، والأمر بالإيمان مع وجود علم الله بعدم الإيمان أمر بالجمع بين الضِّدِّين، بل أمر بالجمع بين العدم والوجود، وكل ذلك مُحَال. ونذكر هذا على وَجْه رابع: وهو أنه - تعالى - كلف هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون البتة [والإيمان يعتبر فيه تصديق الله - تعالى - في كل ما أخبر عنه أنهم لا يؤمنون قط] وقد صاروا مكلفين بأن يؤمنون بأنهم لا يؤمنون قط، وهو مكلف بالجمع بين النفي والإثبات. ونذكر هذا على وجه خامس: وهو أنه - تعالى - عاب الكُفَّار على أنهم حاولوا فعل شيء على خلاف ما أخبر عنه في قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلَامَ الله قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ الله مِن قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥] ، فثبت أن القصد إلى تكوين ما أخبر الله عن عدم تكوينه قصد لتبديل كلام الله، وذلك منهي عنه. ثم هاهنا أخبر الله - تعالى - عنهم أنهم لا يؤمنون ألبتة، فمحاولة الإيمان منهم تكون قصداً إلى تبديل كلام الله، وذلك منهي عنه وترك محاولة الإيمان يكون - أيضاً - مخالفة لأمر الله، فيكون الذم حاصلاً على الترك والفعل. فهذه هي الوجوه المذكورة في هذا الموضع وهي هادمة لأصول الاعتزال، وكل ما استدلّ به المعتزلة من الآيات الواردة، فيأتي الجواب عنها عند ذكر كل آية منها إن شاء الله تعالى.

стр. 252

اعلم أنه - تعالى - لما بيَّن في الآية الأولى أنَّهُمْ لا يؤمنون أخبر في هذه الآية السَّبب الذي لأجله لم يؤمنوا وهو الختم. واعلم أن الختم والكَتْم أخوان وهو: الاشتياق بالشَّيء بضرب الخاتم عليه كتماً له وتغطية؛ لئلا يتوصّل إليه، ومنه: الخَتْم على الباب. «على قلوبهم» متعلّقة ب «ختم» ، و «على سمعهم» يحتمل عطفه على «قلوبهم» ، وهو الظاهر، للتصريح بذلك، أعني: نسبة الختم إلى السمع في قوله تعالى: ﴿وَخَتَمَ على سَمْعِهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] ويحتمل أن يكون خبراً مقدماً، وما بعده عطف عليه.

стр. 253

و «غشاوة» مبتدأ، وجاز الابتداء بها لأن النكرة متى كان خَبَرُها ظرفاً، أو حرف جر تاماً، وقدم عليها جاز الابتداء بها، [ويكون تقديم الخبر حينئذٍ واجباً؛ لتصحيحه الابتداء بالنكرة] ، والآية من هذا القبيل، وهذا بخلاف قوله تعالى: ﴿وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ﴾ [الأنعام: ٢] ؛ ويبتدأ بما بعده، وهو «وعلى أبصارهم غشَاوَةٌ» ف «على أبصارهم» خبر مقدم، و «غِشَاوة» مبتدأ مؤخر. وعلى الاحتمال الثاني يوقف على «قلوبهم» ، وإنما كرر حرف الجر؛ ليفيد التأكيد ويشعر بذلك بِتَغَايُرِ الختمين، وهو: أن ختم القلوب غير ختم الأسماع. وقد فرق النحويون بيم «مررت بزيد وعمرو» وبين «مررت بزيد وبعمرو» فقالوا في الأول هو ممرور واحد، وفي الثاني هما ممروران، وهو يؤيد ما قُلْتُهُ، إلا أن التعليل بالتأكيد يشمل الإعرابين، أعني: جعل «وعلى سمعهم» معطوفاً على قوله: «على قلوبهم» ، وجعله خبراً مقدماً. وأما التعليل بتغاير الختمين فلا يجيء إلا على الاحتمال الأول، وقد يُقَال على الاحتمال الثاني أن تكرير الحرف يُشعر بتغاير الغِشَاوتين، وهو أنَّ الغشاوة على السَّمع غير الغِشَاوة على البَصَرِ، كما تقدم ذلك في الختمين. وقرىء: غِشَاوة بالكسر والنصب، وبالفتح والنصب وبالضَّم والرفع، وبالكسر والرفع - و «غشوة» بالفتح والرفع والنصب - و «غشاوة» بالعين المهملة، والرفع من العَشَا. فأما النصب ففيه ثلاثة أوجه: الأول: على إضمار فعل لائق، أي: وجعل على أبصارهم غِشَاوة، وقد صرح بهذا العامل في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣] . والثاني: الانتصاب على إسقاط حرف الجر، ويكون «على أَبْصَارهم» معطوفاً على ما قبله، والتقدير: ختم الله على قلوبهم، وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم بغشاوة، ثم حذف الجر، فانتصب ما بعده؛ كقوله: [الوافر] ١٥٩ - تَمُرُّونَ الدِّيَارَ فَلَمْ تُعُوجُوا ... كَلَامُكُم عَلَيَّ إِذَنْ حَرَامُ

стр. 254

أي: تمرون بالدِّيَار، ولكنه غير مقيس. والثالث: أن يكون «غشاوة» اسماً وضع موضع المصدر الملاقي ل «خَتَمَ» في المعنى؛ لأن الخَتْمَ والتغشية يشتركان في معنى السّتر، فكأنه قيل: «وختم التغشية» على سبيل التأكيد، فهو من باب «قعدت جلوساً» ، وتكون «قلوبهم وسمعهم وأبصارهم مختوماً عليها مغشاة» . وقال الفَارِسِيّ: قراءة الرفع الأولى، لأن النَّصب إما أن تحمله على فعل يدلّ عليه «ختم» ، تقديره: وجعل على أبصارهم غشاوة، فهذا الكلام من باب: [الكامل] ١٦٠ - يَا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدَا ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحاً وقوله: [الرجز] ١٦١ - عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِداً ... حتَّى شَتَتْ هَمَّالَةٌ عَيْنَاهَا ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حالة سَعَةٍ، ولا اختيار. واستشكل بعضهم هذه العبارة، وقال: لا أدري ما معنى قوله؛ لأن النصب إما أن تحمله على «خَتَم» الزاهر، وكيف تحمل «غشاوة» المنصوب على «ختم» الذي هو فعل هذا ما لا حمل فيه؟ قال: اللهم إلا أن يكون أراد أن قوله تعالى: «ختم الله على قلوبهم» دعاء عليهم لا خَبَر، ويكون «غشاوة» في معنى المصدرية المَدْعو به عليهم القائم مقام الفعل، فكأنه قيل:

стр. 255

وغَشَّى الله على أبصارهم، فيكون إذ ذاك معطوفاً على «ختم» عطف المصدر النائب مناب فعله في الدّعاء، نحو: «رحم الله زيداً وسُقياً له» فتكون إذ ذاك قد حُلْت بين «غشاوة» المعطوف وبين «خَتَمَ» المعطوف عليه بالجار والمجرور. وهو تأويل حسن، إلاّ أن فيه مناقشة لفظيةً؛ لأن الفارسي ما ادّعى الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه إنما ادعى الفصل بين حرف العطف والمعطوف عليه أي بالحرف، فتحرير التأويل أن يقال: فيكون قد حُلْت بين غشاوة وبين حرف العطف بالجار والمجرور. والقراءة المشهورة بالكسر؛ لأن الأشياء التي تدلّ على الاشتمال تجيء أبداً على هذه الزُّنَة كالعِصَابة والعِمَامَة. والغِشَاوة فِعَالة: الغطاء من غشاه إذا غطاه، وهذا البناء لِمَا يشتمل على الشيء، ومنه غشي عليه، وَالغِشْيَان كناية عن الجِمَاع. و «القلب» أصله المصدر، فسمي به هذا العضو الصَّنَوْبَرِي؛ لسرعة الخواطر إليه وتردُّدها عليه، ولهذا قال: [البسيط] ١٦٢ - مَا سُمِّيَ الْقَلْبُ إِلَاّ مِنْ تَقَلُّبِهِ ... فَاحْذَرْ عَلَى القَلْبِ مِنْ قَلْبٍ وَتَحْوِيلِ ولما سمي به هذا العضو التزموا تفخيمه فرقاً بينه وبين أصله، وكثيراً ما يراد به العقل ويطلق أيضاً على لُبِّ كل شيء وخالصه. و «السمع» و «السماع» مصدران ل «سمع» ، وقد يستعمل بمعنى الاستماع؛ قال: [البسيط] ١٦٣ - وَقَدْ تَوَجَّسَ رِكْزَاً مُقْفِرٌ نَدُسٌ ... بِنَبْأَةِ الصَّوْتِ مَا فِي سَمْعَهَ كَذِبُ أي: ما في استماعه. و «السِّمْع» - بالكسر - الذِّكْر بالجميل، وهو - أيضاً - ولد الذئب من الضَّبُع، ووحد وإن كان المراد به الجمع كالذي قبله وبعده؛ لأنه مصدر حقيقة، يقال: رَجُلان صَوْم، ورجال صوم، ولأنه على حذف مضاف، أي: مواضع سمعهم، أو حواس سمعهم، أو يكون كني به عن الأُذُن، وإنما لفهم المعنى؛ كقوله [الوافر] ١٦٤ - كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا ... فَإِنَّ زَمَانَكُمْ زَمَنٌ خَمِيصُ أي: بطونكم.

стр. 256

ومثله قال سيبويه: «إنه وإن وُحِّد لفظ السمع إلَاّ أن ذكر ما قبله وما بعجه بلفظ الجمع دليل على إرادة الجمع» . ومنه أيضاً قال تَعَالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور﴾ [البقرة: ٢٥٧] ، ﴿عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال﴾ [ق: ١٧] ؛ قال الراعي. ١٦٥ - بِهَا جِيَفُ الحَسْرى فأمّا عِظَامُهَا ... فَبِيضٌ وأَمَّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ أي: جلودها. وقرأ ابن أبي عَبْلَةَ: «أسماعهم» . قال الزمخشري: واللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة في حكم الخَتْم، وفي حكم التَّغْشِيَةِ، إلاّ أن الأولى دخولها في حكم الختم؛ لقوله تعالى: ﴿وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣] و «الأبصار» : جمع بصر، وهو نور العين الذي يدرك به المرئيات. قالوا: وليس بمصدر لجمعه، ولقائل أن يقول: جمعه لا يمنع كونه مصدراً في الأصل، وإنما سهل جَمْعَهُ كَوْنُهُ سمي به نور العين، فَهُجِرَت فيه معنى المصدرية، كما تقدم في قلوب جمع قَلْب. وقد قلتم: إنه في الأصل مصدر ثم سمي به، ويجوز أن يكنى به عن العَيْن، كما كي بالسمع عن الأذن، وإن كان السَّمع في الأصل مصدراً كما تقدم. وقرأ أبو عمرو والكِسَائي: «أبصارهم» بالإِمَالَةِ، وكذلك كلّ ألف بعدها مجرورة في الأسماء كانت لام الفعل يميلانها. ويميل حمزة منها ما تكرر فيه الراء «كالقرار» ونحوه، وزاد الكسائي إمالة ﴿جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢] ، و ﴿الجوار﴾ [الشورى: ٣٢] ، و ﴿بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] ، و ﴿مَنْ أنصاريا﴾ [آل عمران: ٣٢] ، و ﴿نُسَارِعُ﴾ [المؤمنون: ٥٦] وبابه، وكذلك يميل كل ألف هي بمنزلة لام الفعْل، أو كانت علماً للتأنيث مثل: ﴿الكبرى﴾ [طه: ٢٣] ، و ﴿الأخرى﴾ [الزمر: ٤٢] ، ولام الفعل مثل: ﴿يَرَى﴾ [البقرة: ١٦٥] ، و ﴿افترى﴾ [آل عمران: ٩٤] يكسرون الراء منها.

стр. 257

و «الغشاوة» : الغطاء. قال: [الطويل] ١٦٦ - تَبِعْتُكَ إِذْ عَيْنِي عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ ... فَلَمَّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفْسِي أَلُومُهَا وقال: [البسيط] ١٦٧ - هَلَا سَأَلْتِ بَنِي ذُبْيَانَ مَا حَسبِي ... إِذا الدُّخَانُ تَغَشِّى الأَشْمَطَ الْبَرِمَا وجمعها «غشاءٌ» ، لما حذفت الهاء قلبت الواو همزة. وقيل: «غشاوي» مثل «أداوي» . قال الفارسي: لم أسمع من «الغشاوة» فعلاً متصرفاً ب «الواو» ، وإذا لم يوجد ذلك، وكان معناها معنى ما «اللام» منه «الياء» ، وهو غشي بدليل قولهم: «الغِشْيَان» ، و «الغشاوة» من غشي ك «الجِبَاوة» من جبيت في أن «الواو» كأنها بدل من «الياء» ، إذْ لم يُصَرَّفْ منه فعل كما لم يُصَرَّف منه الجباوة. وظاهر عبارته أن «الواو» بدل من «الياء» ، و «الياء» أصل بدليل تصرف الفعل منها دون مادة «الواو» . والذي يظهر أن لهذا المعنى مادتين «غ ش و» ، و «غ ش ي» ، ثم تصرفوا في إحدى المادتين، واستغنوا بذلك عن التصرف في المادة الأخرى، وهذا أقرب من ادعاء قلب «الواو» «ياء» من غير سبب، وأيضاً «الياء» أخف من «الواو» ، فكيف يقلبون الأخف للأثقل؟ و «لهم» خبر مقدم فيتعلّق بمحذوف، و «عذاب» مبتدأ مؤخر و «عظيم» صفة. والخبر - هنا - جائز التقديم؛ لأن للمبتدأ مسوغاً وهو صفة ونظيره: ﴿وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ﴾ [الأنعام: ٢] من حيث الجواز. والعذاب في الأَصْل: الاستمرار، ثم سمي به كلّ استمرار أَلِمٍ. وقيل: أصله: المَنْع، وهذا هو الظَّاهر، ومنه قيل للماء: عَذَب؛ لأنه يمنع العطش، والعذاب يمنع من الجريمة. «عظيم» اسم فاعل من «عَظُمَ» ، نحو: كريم من «كَرُم» غير مذهوب به مذهب الزمان، وأصله أن توصف به الأجرام، ثم قد توصف به المعاني. وهل هو و «الكبير» بمعنى واحد أو هو فوق «الكبير» ؛ لأن العظيم يقابل الحقير، والكبير يقابل الصغير، والحقير دون الصغير؟ قولان.

стр. 258

و «فعيل» له معانٍ كثيرة، يكون اسماً وصفة، والاسم مفرد وجمع، والمفرد اسم معنى، واسم عين، نحو: «قميص وظريف وصهيل وكليب جمع كلب» . والصفة مفرد «فُعْلَة» ك «غَزِب» يجمع على غُزَاة «ومفرد» فَعَلَة «ك» سَرِي «يجمع على» سَرَاة «. ويكون اسم فاعل من» فَعُلَ «نحو: عظيم من عَظُم كما تقدم. ومبالغةً في» فَاعِل «، نحو» عليم من عالم «. وبمعنى» أَفْعَل «ك» شميط «بمعنى:» أشمط «و» مَفْعُول «ك» جريح «بمعنى: مجروح، و» مُفْعِل «ك» سَمِيع «بمعنى» «مُسْمِع» ، و «مُفْعَل» ، ك «وَلِيد» بمعنى: مُولَد، و «مُفَاعِل» ، ك «جَلِيس» بمعنى: مُجَالِس، و «مُفْعَل» ، ك «بَدِيع» بمعنى: مُبْتَدِع، و «مُفْتَعِّل» ك: «سَعِير» بمعنى: مُتَسَعِّر «، و» مُسْتَفْعِل «ك» مَكِين «بمعنى:» مُسْتَمْكن «. و» فَعْل «ك» رطيب «بمعنى:» رَطْبْ «، و» فَعَل «ك» عجيب «بمعنى:» عجب «و» فِعَال «ك» صحيح «بمعنى: صِحَاح، وبمعنى:» الفاعل والمفعول «ك» صريخ «بمعنى:» صاروخ ومصروخ «. وبمعنى الواحد والجمع نحو: «خليط» ، وجمع فاعل ك «ريب» جمع غارب. فصل في أيهما أفضل: السمع أو البصر؟ من الناس من قال: السَّمع أفضل منى البَصَرِ؛ لأن الله - تعالى - حيث ذكرهما قد السَّمع على البصر، والتقديم دليلٌ على التفضيل، ولأن السمع شرط النبوّة بخلاف البَصَرِ، ولذلك ما بعث الله رسولاً أَصَمّ، وقد كان فيهم الأعمى، ولأنَّ بالسَّمع تصلُ نتائج عقول البعض إلى البعض، فالسمع كأنه سبب لاستكمال العَقْلِ بالمعارف، والبَصَر لا يوقفك إلى على المحسوسات، ولأن السمع متصرف في الجهات السّت بخلاف البَصَرِ، ولأن السمع متى بطل النُّطق، والبصر إذا بطل لم يبطل النُّطق. ومنهم من قدم البصر؛ لأنّ آلة القوة الباصرة أشرف، ولأن متعلق القوة الباصرة هو النور، ومتعلّق القوة السَّامعة هو الريح. فصل في ألفاظ وردت بمعنى الختم الألفاظ الواردة في القرآن القريبة من معنى الخَتْم هي «الطَّبع» و «الكنان» و «الرين» على القلب، و «الوقر» في الأذن، و «الغشاوة» في ابصر. واختلف الناس في هذا الخَتْم: فالقائلون بأن أفعال العباد مخلوقة لله - تعالى - فهذا الكلام على مذهبهم ظاهر، ثم لهم قولان: منهم من قال: الختم هو خلق الكُفْر في قلوب الكفار.

стр. 259

ومنهم من قال هو خلق الدَّاعية التي إذا انضمّت إلى القدرة صار مجموع القدرة معها سبباً موجباً لوقوع الكُفْر. وأما المعتزلة فأوّلوا هذه الآية، ولم يرجوها على ظاهرها. أما قوله تعالى: «لهم عذاب عظيم» أي: في الآخرة. وقيل: الأَسْر والقَتْل في الدنيا، والعذاب الدائم في العُقْبى. و «العذاب» مشتق من «العَذْب» وهو القَطْع، ومنه سمي الماء الفرات عَذْباً، لأنه يقطع العطش.

стр. 260

«من الناس» خبر مقدم، و «من يقول» مبتدأ مؤخر، و «مَنْ» تحتمل أن تكون موصولة، أو نكرة موصوفة أي: الذي يقول، أو فريق يقول، فالجملة على الأول لا محل لها؛ لكونها صلة، وعلى الثاني محلها الرفع؛ لكونها صفة للمبتدأ. واستضعف أبو البقاء أن تَكُونَ موصولة، قال: لأن «الذي» يتناول قوماً بأعيانهم، والمعنى هنا على الإبهام. وهذا منه غير مسلم؛ لأنّ المنقول أنّ الآية نزلت في قوم بأعيانهم كعبد الله بن أبي ورهطه. وقال الزمخشري: إن كانت أل للجنس كانت «منْ» نكرة موصوفة كقوله: ﴿مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله﴾ [الأحزاب: ٢٣] . وإن كانت للعَهْد كانت موصولة، وكأن قصد مناسبة الجنس للجنس، والعهد للعهد، إلا أن هذا الذي قاله غير لازم، بل يجوز أن تكون «أل» للجنس، وتكون «منْ» موصولة، وللعهد، و «منْ» نكرة موصوفة. وزعم الكِسَائِيّ أنها لا تكون نكرة إلاّ في موضع تختص به النكرة؛ كقوله: [الرمل] ١٦ ٨ - رُبَّ مَنْ أَنْضَجْتُ غَيْظاً صَدْرَهُ ... لَوْ تَمَنَّى لِيَ مَوْتاً لَمْ يُطِعْ وهذا الذي قاله هو الأكثر، إلا أنها قد جاءت في موضع لا تختصّ به النكرة؛ قال: [الكامل]

стр. 261

١٦٩ - فَكَفَى بِنَا فَضْلاً عَلَى مَنْ غَيْرَنا..... ... ... ... ... ... ... ... ... و «من» تكون موصولة، ونكرة موصوفة، أو زائدة؟ فيه خلاف. واستدل الكسَائي على زيادتها بقول عنترة: [الكامل] ١٧٠ - يَا شَاةَ منْ قَنَصٍ لِمَنْ حَلَّتْ لَهُ ... حَرُمَتْ عَلَيَّ وَلَيْتَهَا لَمْ تَحْرُمِ ولا دليل فيه، لجواز أن تكون موصوفة ب «قَنَصٍ» إما على المبالغة، أو على حذف مضاف، وتصلح للتثنية والجمع الواحد. فالواحد كقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥] والجمع كقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] ، والسبب فيه أنه موحّد اللفظ مجموع المعنى. و «مِنْ» في «من الناس» للتبعيض، وقد زعم قومٌ أنها لِلْبَيَانِ وهو غَلَطٌ؛ لعدم تقدم ما يتبين بها. و «النَّاس» اسم جمع لا واحد له من لَفْظِهَ، ويرادفه «أَنَاسِيّ» جمع إنسان أو إنسي، وهو حقيقة في الآدميين، ويطلق على الجِنّ مجازاً. واختلف النحويون في اشتقاقه: فمذهب سيبويه والفراء أن أصله همزة ونون وسين، والأصل: أناس اشتقاقاً من الأُنس، قال: [الطويل] ١٧١ - وَمَا سُمِّيَ الإِنْسَانُ إِلَاّ لأُنْسِهِ ... وَلَا القَلْبُ إِلَاّ أَنَّهُ يَتَقَلَّبُ لأنه أنس ب «حواء» . وقيل: بل أنس بربه ثم حذفت الهمزة تخفيفاً؛ يدلّ على ذلك قوله: [الكامل] ١٧٢ - إِنَّ الْمَنَايَا يَطَّلِعْ ... نَ عَلَى الأُنَاسِ الآمِنِينَا وقال آخر: [الطويل] ١٧٣ - وَكُلُّ أُنَاسٍ قَارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ... وَنَحْنُ خَلَعْنَا قَيْدَهُ فَهُوَ سَارِبُ

стр. 262

وقال آخر: [الطويل] ١٧٤ - وَكُلُّ أُنَاسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بَيْنَهُمْ ... دُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ مِنْهَا الأَنَامِلُ وذهب الكسائي إلى أنه من «نون وواو وسين» والأصل: «نوس» فقلبت «الواو» «ألفاً» لتحركها، وانفتاح ما قبلها، والنَّوسُ: الحركة. وذهب بعضهم إلى أنه من «نون وسين وياء» ، والأصل «نسي» ، ثم قلبت «اللام» إلى موضع العين، فصار: «نيس» ثم قلبت «الياء» «ألفاً» لما تقدم في «نوس» ، قال: سموا بذلك لنسيانهم؛ ومنه الإنسان لنسيانه؛ قال: [البسيط] ١٧٥ - فَإِنْ نَسِيتَ عُهُوداً مِنْكَ سَالِفةً ... فَاغْفِرْ فَأَوَّلُ نَاسٍ أَوَّلُ النَّاسِ ومثله: [الكامل] ١٧٦ - لا تَنْسَيَنْ تِلْكَ الْعُهُودَ فَإِنَّمَا ... سُمِّيتَ إِنْسَاناً لإِنَّكَ نَاسِي فوزنه على القول الأول: «عَال» ، وعلى الثاني: «فَعَلٌ» ، وعلى الثالث: «فَلَعٌ» بالقَلْبِ «. و» يقول «: فعل مضارع، وفاعله ضمير عائد على:» من «. والقول حقيقةً: اللفظ الموضوعُ لمعنى، ويطلق على اللَّفْظِ الدَّال على النسبة الإسنادية، وعلى الكلام النَّفساني أيضاً، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨] . وتراكيبه السّتة وهي:» القول «، و» اللوق «و» الوقل «، و» القلو «،» و «اللّقو» ، و «الولق» تدل على الخفّة والسرعة، وإن اختصت بعض هذه المواد بمعانٍ أخر. و «القول» أصل تعديته لواحد نحو: «قُلْتُ خطبة» ، وتحكي بعده الجمل، وتكون في محل نصب مفعولاً بها، إلا أن يُضَمَّنَ معنى الظن، فيعمل عمله بشروط عند غير «بني سُلَيْمٍ» ؛ كقوله: [الرجز] ١٧٧ - مَتَى تَقُولُ الْقُلُصَ الرَّوَاسِمَا ... يُدْنِينَ أُمَّ قَاسِمٍ وقَاسِمَا

стр. 263

وبغير شرط عندهم، كقوله: [الرجز] ١٧٨ - قَالَتْ وَكُنْتُ رَجُلاً فَطِينَا ... هَذَا لَعَمْرُ اللهِ إِسْرَائِينَا و «آمنا» فعل وفاعل، و «بالله» متعلّق به، والجملة في محلّ نصب بالقول، وكررت «الباء» في قوله: «وباليوم» ، للمعنى المتقدّم في قوله: ﴿وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] فإن قيل: الخبر لا بدّ وأن يفيد غير ما أفاد المبتدأ، ومعلوم أنّ الذي يقول كذا هو من الناس لا من غيرهم؟ فالجواب: أنّ هذا تفصيل معنوي، لأنه تقدّم ذكر المؤمنين، ثم ذكر الكَافرين، ثم عقب بذكر المُنافقين، فصار نظير التَّفصيل اللَّفظي، نحو قوله: ﴿وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ﴾ [البقرة: ٢٠٤] ، ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي﴾ [لقمان: ٦] ، فهو في قوّة تفصيل النَّاس إلى مؤمن، وكافر، ومنافق. وأحسن من هذا أن يقال: إنَّ الخبر أفاد التَّبعيض المقصود؛ لأنَّ النَّاس كلهم لم يقولوا ذلك، وهم غير مؤمنين، فصار التقدير: وبعض الناس يقول كَيْتَ وكَيْت. واعلم أن «مَنْ» وأخواتها لها لفظ ومعنى، فلفظها مفرد مذكر، فإن أريد بها غير ذلك، فَلَكَ أن تراعي لفظها مَرّة، ومعناها أخرى، فتقول: جاء مَنْ قام وقعدوا، والآية الكريمة كذلك روعي اللفظ أولاً فقيل: «من يقول» ، والمعنى ثانياً في «آمنا» . وقال ابن عطية: جسن ذلك؛ لأن الواحد قبل الجمع في الرتبة، ولا يجوز أن يرجع متكلّم من لفظ جمع إلى توحيد. فلو قلت «» ومن الناس من يقومون «وتتكلّم لم يجز. وفي عبارة ابن عطية نظر، وذلك لأنّه منه مِنْ مُرَاعاة اللَّفظ بعد مُرَاعاة المعنى، وذلك جائز، إلَاّ أن مراعاة اللّفظ أولاً أولى، يرد عليه قول الشَّاعر: [الخفيف] ١٧٩ - لَسْتُ مِمَّنْ يَكُعُّ أَوْ يَسْتَكِينُو ... نَ إِذَاَ كَافَحَتْهُ خَيْلُ الأَعَادِي وقال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بالله وَيَعْمَلْ﴾ [الطلاق: ١١] إلى أن قال:» خَالِدين «، فراعى المعنى، ثم قال:» فَقَدْ أَحْسَنَ الله له رِزْقاً «، فراعى اللفظ بعد مُرَاعاة المعنى، وكذا راعى

стр. 264

المعنى في قوله:» أو يستكينون «، ثم راعى اللفظ في:» إذا كافحته «، وهذا الحمل جاز فيها من جميع أحوالها، أعني من كونها موصولة وشرطية، واستفهامية. أما إذا كانت موصوفة فقال الشيخ أثير الدين أبو حَيّان:» ليس في محفوظي من كلام العرب مُرَاعاة المعنى يعني فتقول: مررت بمن محسنون لك. و «الآخر» صفة ل «اليوم» ، وهذا مقابل الأوّل، ومعنى اليوم الآخر: أي عن الأوقات المحدودة. ويجوز أن يُرَاد به الوقت الَّذي لا حَدّ له، وهو الأبد القائم الذي لا انقطاع له، والمراد بالأخر: يوم القيامة. «وما هم بمؤمنين» «ما» : نافية، ويحتمل أن تكون هي الحِجَازية، فترفع الاسم وتنصب الخبر، فيكون «هم» اسمها، و «بمؤمنين» خبرها، و «الباء» زائدة تأكيداً. وأن تكون التَّمِيْمِيّة، فلا تعمل شيئاً، فيكون «هم» مبتدأ، و «بمؤمنين» الخبر، و «الباء» زائدة أيضاً. وزعم ابو علي الفَارِسِيّ، وتبعه الزمخشري أن «الباء» لا تزاد في خبرها إلاّ إذا كانت عاملة، وهذا مردود بقول الفَرَزْدَقِ، وهو تميمي: [الطويل] ١٨٠ - لَعَمْرُكَ مَا مَعْنٌ بِتَارِكِ حَقِّهِ ... وَلَا مُنْسِىءٌ مَعْنٌ وَلَا مُتَيَسِّرُ إلا أنّ المختار في «ما» أن تكون حِجَازية؛ لأنه لما سقطت «الباء» صرح بالنصب قال الله تعالى: ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] ﴿مَا هذا بَشَراً﴾ [يوسف: ٣١] ،

стр. 265

وأكثر لغة «الحجاز» زيادة الباء في خبرها، حتى زعم بعضهم أنه لم يحفظه النصب في غير القرآن، إلاّ قول الشاعر: [الكامل] ١٨١ - وَأَنَا النَّذِيرُ بِحَرَّةٍ مُسْوَدَّةٍ ... تَصِلُ الْجُيوشُ إِلَيْكُمُ أَقْوَادَهَا أَبْنَاؤُهَا مُتَكَنِّفُونَ أَبَاهُمُ ... حَنِقُو الصُّدُورِ وَمَا هُمُ أَوْلَادَهَا وأتى الضمير في قوله: «وما هم بمؤمنين» جمعاً اعتباراً للمعنى كما تقدّم في قوله: «آمنا» . فإن قيل: لم أتي بخبر «ما» اسم فاعل غير مقيّد بزمان، ولم يؤت بعدها بجملة فعلية حتى يطابق قولهم: آمنّا «: فيقال: وما آمنوا؟ فالجواب: أنه عدل عن ذلك ليفيد أن الإيمان منتف عنهم في جميع الأوقات، فلو أتى به مطابقاً لقولهم:» أمنا «فقال: وما آمنوا لكان يكون نفياً للإيمان في الزمن الماضي فقط، والمراد النَّفي مطلقاً أي: أنهم ليسوا ملتبسين بشيء من الإيمان في وقتٍ من الأوقات. فصل في سبب نزول الآية قال ابن عباس ﵁ إنما نزلت في مُنَافقي أَهْلِ الكتاب، كعبد الله بن أبي سلول ومعتب بن قُشَيْرٍ، وجدّ بن قيس وأصحابهم، كانوا إذا لقوا المؤمنين يظهرون الإيمان والتصديق، ويقولون: إنا لنجد نَعْتَهُ وصفته في كتابنا، ولم يكونوا كذلك إذا خَلَا بعضهم إلى بعض. فصل في حقيقة النفاق قال ابن الخَطِيْبِ: الكلام في حقيقة النفاق لا يتخلّص إلا بتقسيم، وهو أنّ أحوال القلب أربعة: وهي أن تعتقد مستنداً لدليل وهو العلم، أو تعتقد لا عن دليل لكن تقليد، أو تعتقد لا عن دليل ولا تقليدج وهو الجهل، أو يكون حال القلب عن هذه الأحوال كلها. وأما أحوال اللسان فثلاثة: الإقرار، والإنكار، والسكوت. فأما الأول: وهو أن يحصل العرفان القلبي، فإما أن ينضم إليه الإقرار باللسان، فإن مان الإقرار اختيارياً، فصاحبه مؤمن حقًّا، بالاتفاق. وإن كان اضطراريَّاً فهذا يجب أن يعد منافقاً؛ لأنه بقلبه منكر مكذب لموجب الإقرار.

стр. 266

فإن كان منكراً بلسانه عارفاً بقلبه، فهذا الإنكار اضطرارياً كان مسلماً؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان﴾ [النحل: ١٠٦] ، وإن كان اختيارياً كان كافراً معانداً. وإن كان عارفاً بقلبه، وكان ساكتاً، فهذا السكوت إن كان اضطرارياً كما إذا خاف ذكره باللسان، فهو مسلم حقّاً، أو كما إذا عرف الله بالدليل، ثم لما تمّم بالنظر مات فهو مؤمن قطعاً؛ لأنه أتى بما كلف به، ولم يجد زَمَانَ الإقرار، فكان معذوراً فيه، وإن كان السّكوت اختيارياً، فهذا محل البحث، فميل الغَزَالي إلى أنه يكون مؤمناً لقوله ﵊:» يَخْرُجُ من النَّار من كَانَ في قَلْبِهِ ذرّة من الإيمان «وهذا قلبه مملوء من نور الإيمان، فكيف لا يخرج من النار؟ النوع الثاني: أن يحصل في القلبِ الاعتقاد التقليدي، فإما أن يوجد معه الإقرار باللسان، أو الإنكار أو السكوت. فإن وجد مع التّقليد الإقرار باللسان، فإن كان اختياراً فهي المسألة المشهورة من أن المقلد هل هو مؤمن أم لا؟ وإن كان اضطرارياً فهذا يفرع على الصورة الأولى، فإن حكمنا في الصورة الأولى بالكفر، فهاهنا لا كلام، وإن حكمنا هُنَاك بالإيمان وجب أن بحكم هاهنا بالنِّفَاق؟ لأن في هذه الصورة لو كان القلب عارفاً لكان هذا الشخص منافقاً، فمات يكون منافقاً عند التقليد. فإن حصل الاعتقاد والتقليد مع الإنكار اللساني، فهذا الإنكار إن كان اختيارياً فلا شَكّ في الكفر، وإن كان اضطرارياً، وحكمنا بإيمان المُقَلّد وجب أن نحكم بالإيمان في هذه الصُّورة. فإن حصل الاعتِقَادُ التقليدي مع السُّكوت اضطرارياً كان أو اختيارياً فحكمه حكم القسم مع النَّوْعِ الأوّل إذا حكمنا بإيمان المُقَلّد. النوع الثَّالث: اعتقاد الجَاهِل، فإما أن يوجد معه الإقرار اللِّسَاني، فذلك الإقرار إن كان اضطرارياً فهو المُنَافق، وإن كان اختيارياً مثل أن يعتقد بناء على شبهة أن العالم قديم، ثم بالاختيار أقرّ باللسان أن العالم مُحْدّث، وهذا غير مستبعدٍ، فهذا أيضاً من النفاق.

стр. 267

النوع الرابع: القَلْبُ الخالي عن جميع الاعتقادات، وهذا إما أن يوجد معه الإقرار، أو الإنكار، أو السكوت. فإن وجد الإقرار، فإن كان الإقرار اختيارياً، فإن كان صاحبه في مُهْلة النظر لم يلزمه الكفر، لكنه فعل ما لا يجوز حيث أخبر عما لا يدري هل هو صَادق فيه أم لا؟ وإن كان الإقرار اضطرارياً لم يكفر صاحبه؛ لأن توقّفه إذا كان في مُهْلة النظر، وكان يخاف على نفسه من ترك الإقرار لم يكن عمله قبيحاً. فإن كان مع القلب الخالي السُّكوت، فهذا إن كان في مُهْلة النظر، فذلك هو الواجب، وإن كان خارجاً عن مُهْلة النظر وجب تكفيره، ولا يحكم عليه بالنِّفَاق ألبتة. فصل في بيان أقبح الكفر اختلفوا في أنّ كفر الكافر الأصلي أقبح أم كفر المُنَافق؟ قال قوم: كفر الأصلي أقبح؛ لأنه جاهل بالقلب كاذب باللسان. وقال آخرون: بل المنافق أيضاً كاذبٌ باللسان، فإنه يخبر عن كونه على ذلك الاعتقاد مع أنه ليس عليه، ولذلك قال تعالى: ﴿قَالَتِ الأعراب آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] ، وقال تعالى: ﴿والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] ثم إن المنافق اختص بمزيد أمور منكرة: أحدها: أنه قصد التَّلبيس، والكافر الأصلي ما قصد ذلك. وثانيها: أنّ الكافر على طبع الرجال، والمُنَافق على طبع الخُثُونة. وثالثها: أنَّ المنافق ضمّ إلى كفره الاستهزاء، بخلاف الكافر الأصلي، ولأجل غلظ كفره قال تعالى: ﴿إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار﴾ [النساء: ١٤٥] . وخامسها: قال كجاهد: إنه - تعالى - ابتداء بذكر المؤمنين في أربع آيات، ثم ثَنّى بذكر الكفار في آيتين، ثم ثلث بذكر المنافقين في ثلاثة عشرة آية، وذلك يدلّ على أنَّ المُنَافق أعظم جرماً، وفي هذا نظراً [لأن كثرة الاقتصاص بخبرهم لا توجب كون جرمهم أعظم] لأنه قد يكون عظم جرمهم لضمهم إلى الكفر وجوهاً من المعاصي، كالمُخَادعة

стр. 268

والاستهزاء، وطلب الغَوَائل وغير ذلك، ويمكن أن يُجَاب بأن كثرة الاقتصاص بخبرهم تدلُّ على أنَّ الاهتمام بدفع شرهم أشدُّ من الاهتمام بِدَفْعِ شرّ الكُفار، وذلك يدلّ على أنهم أعظم جرماً من الكفار، والله أعلم. فصل في ادعائهم الإيمان واليوم الآخر ذكر ابن الخطيب هنا سؤالاً وهو: أنّ المنافقين كانوا مؤمنين بالله، واليوم الآخر، ولكنهم كانوا منكرين نبوة محمد ﵊ ُ - فلم كذبوا في ادّعائهم الإيمان بالله، واليوم الآخر؟ وأجاب فقال: إن حملنا على مُنَافقي أهل الكتاب - وهم اليهود - فإنما كذبهم الله - تعالى - لأن إيمان اليَهُود بالله ليس بإيمان؛ لأنّهم يعتقدونه جماً، وقالوا: عزيرٌ ابن الله، وكذلك إيمانهم باليوم الآخر ليس بإيمان، فلما قالوا: آمنّا بالله كان خبثهم فيه مضاعفاً؛ لأنهم كانوا بقلولهم يؤمنون به على ذلك الوجه الباطل، وباللِّسَان يوهمون المسلمين بقولهم: إنا آمنا بالله مثل إيمانكم، فلهذا كذبهم الله - تعالى - فيه.

стр. 269

قوله: «يخادعون» هذه الجملة الفعلية يحتمل أن يكون مستأنفةً جواباً لسؤال مقدّر هو: ما بالهم قالوا: آمنا وما هم بؤمنين؟ فقيل: يخادعون الله، ويحتمل أن تكون بدلاً من الجملة الواعقة صلة ل «من» وهي «يقول» ، ويكون هذا من بدل الاشْتِمَالِ؛ لأن قولهم كذا مشتمل على الخداع، فهو نظير قوله: [الرجز] ١٨٢ - إِنَّ عَلَيَّ اللهَ أَنْ تُبَايِعَا ... تُؤْخَذَ كَرْهاً أَوْ تَجِيءَ طَائِعَا وقول الآخر: [الطويل] ١٨٣ - مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تَأَجَّجَا

стр. 270

ف «تؤخذ» بدل اشتمال من «تبايع» ، وكذا «تُلْمِم» بدلٌ من «تَأْتِنَا» . وعلى هذين القولين، فلا مَحَلَّ لهذه الجملة من الإعراب. والجمل التي لا مَحَلَّ لها من الإعراب أربع لا تزيد على ذلك - وإن توهّم بعضهم ذلك - وهي: المبتدأ والصِّلة والمُعْترضة والمفسّرة، وسيأتي تفسيرها في مواضعها. ويحتمل أن تكون هذه الجملة حالاً من الضَّمير المستكن في [ «يقول» تقديره: ومن الناس من يقول حال كونهم مخادعين. وأجاز أبو البقاء أن يكون حالاً من الضمير المستكن] في «بمؤمنين» ، والعامل فيها اسم الفاعل. وقد ردّ عليه بعضهم بما معناه: أن هذه الآية الكريمة نظير: «ما زيد أقبل ضاحكاً» ، قال: وللعرب في مثل هذا التركيب طريقان: أحدهما: نفي القيد وحده، وإثبات أصل الفعل، وهذا هو الأكثر، والمعنى: أن الإقبال ثابت، والضحك منتفٍ، وهذا المعنى لا يتصوّر إرادته في الآية، أعني: نفي الخِدَاع، وثبوت الإيمان.

стр. 271

الطريق الثاني: أن ينتفي القَيْدُ، فينتفي العامل فيه، فكأنه قيل في المثال السابق: لم يقبل، ولم يضحك، وهذا المعنى - أيضاً - غير مراد بالآية الكريمة قطعاً، أعني: نفي الإيمان والخداع معاً، بل المعنى على نَفْي الإيمان، وثبوت الخداع، ففسد جعلها حالاً من الضمير في «بمؤمنين» . والعجب من أبي البَقَاءِ كيف استشعر هذا الإشكال، فمنع من جعل هذه الجملة في محل جر صفة ل «مؤمنين» ؟ قال: لأن ذلك يوجب نفي خِدَاعهم، والمعنى على إثبات الخداع، ثم جعلها حالاً من ضمير «بمؤمنين» ، ولا فرق بين الحال والصفة في هذا. و «الخداع» أصله: الإخفاءُ، ومنه الأَخْدَعَان: عِرْقان مُسْتَبْطنان في العُنُقِ، ومنه مخدع البيت، وخَدَع الضَّبُّ خِدْعاً: إذا توارى في جُحْرِه، وطريق خادع وخديع: إذا كان مخالفاً للمقصد، بحيث لا يفطن له؛ فمعنى يخادع: أي يوهم صاحبه خلاف ما يريد به المَكْروه. وقيل: هو الفساد أي يفسدون ما أَظْهَروا من الإيمان بما أَضمروا من الكُفْرِ قال الشاعر: [الرمل] ١٨٤ - أَبْيَضُ اللَّوْنِ لَذِيذٌ طَعْمُهُ ... طَيِّبُ الرِّيقِ إِذَا الرِّيقُ خَدَعْ أي: فسد. ومعنى «يُخَادعون الله» أي: من حيث الصورة لا من حيث المَعْنِى. وقيل: لعدم عرفانهم بالله - تعالى - وصفاته ظنّوه ممن يُخَادَع. وقال الزَّمخشري: إن اسم الله - تعالى - مُقْحَم، والمعنى: يخادعون الذين آمنوا، ويكون من باب: أعجبني زيد وكرمه. والمعنى: أعجبني كرم زيد، وإنَّما ذكر «زيد» توطئةً لذكر كرمه. وجعل ذلك نظير قوله تعالى: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] ، ﴿إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] ، وهذا منه غير مُرْضٍ؛ لأنه إذا صح نسبة مخادعتهم إلى الله - تعالى - بالأوجه المتقدّمة، فلا ضرورة تدعو إلى ادعاء زيادة اسم الله تعالى. وأما «أعجبني زيد وكرمه» ، فإن الإعجاب أسند إلى «زيد» بجملته، ثم عطف عليه بعض صفاته تمييزاً لهذه الصفة من بين سائر الصفات للشرف، فصار من حيث المعنى نظيراً لقوله تعالى: ﴿وملاائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال﴾ [البقرة: ٩٨] .

стр. 272

والمصدر «الْخِدْع» بكسر الخاء، ومثله: الخديعة. و «فَاعَلَ» له معانٍ خمسة: المشاركة المعنوية نحو: ضارب زيد عمراً. وموافقة المجرد نحو: «جاوزت زيداً» أي: جُزْتُه. وموافقة «أفعل» متعدياً نحو: «باعدت زيداً وأبعدته» . والإغناء عن «أفعل» نحو: «واريت الشيء» . وعن المجرد نحو: سافرت وقاسيت وعاقبت، والآية «فَاعَل» فيها يحتمل المعنيين الأوّلَيْن. أما المشاركة فالمُخَادعة منهم الله - تعالى - تقدم معناها، ومخادعة الله إياهم من حيث إنه أجرى عليهم أَحْكام المسلمين في الدنيا، ومُخَادعة المؤمنين لهم كونهم امتثلوا أمر الله - تعالى - فيهم، وأما كونه بمعنى المُجّرَّد، فيبينه قراءة ابن مسعود وأبي حَيَوَةَ «يَخْدَعُونَ» . وقرأ أبو عمرو والرميان «وَمَا يُخَادِعُونَ» كالأولى، والباقون «وَمَا يَخْدَعُونَ» ، فيحتمل أن تكونا القراءتان بمعنى واحد، أي: يكون «فَاعَلَ» بمعنى «فَعَل» ، ويحتمل أن تكون المُفَاعلة على بابها، أعني صدورها من اثنين، فهم يُخَادعون أنفسهم، حيث يُمَنُّونَها الأباطيل، وأَنْفُسهمْ تخادعهم تمنِّيهم ذلك، فكأنها مُحَاورة بين اثنين، ويكون هذا قريباً من قول الآخر: [المنسرح] ١٨٥ - لَمْ تَدْرِ مَا لَا؟ وَلَسْتَ قَائِلَهَا ... عُمْرَكَ ما عِشْتَ آخِرَ الأَبَدِ وَلَمْ تُؤَامِرْ نَفْسَيْكَ مُمْتَرِياً ... فِيهَا وَفِي أُخْتِهَا وَلَمْ تَلِدِ وقال آخر: [الطويل] ١٨٦ - يُؤَامِرُ نَفْسَيْهِ وَفِي الْعَيْشِ فُسْحَةٌ ... أَيَسْتَوْقِعُ الذُّوبَانَ أَمْ لَا يَطُورُهَا قال الومخشري: الاقتصار ب «خادعت» على وجهه أن يُقَال: عني به «فعلت» ، إلا أنه على وزن «فاعلت» ، لأن الزِّنَةَ في أصلها للمغالبة، والفعل متى غولب فيه جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مُغَال لزيادة قوة الداعي إليه، ويعضده قراءة أبي حيوة المتقدمة.

стр. 273

وقرىء: «وَمَا يُخَدِّعَونَ» ، ويُخَدِّعُونَ من خَدَّعَ مشدداً. و «يُخَدِّعَونَ» بفتح الياء والتشديد؛ الأصل يختدعون، فأدغم. وقرىء: «وما يُخْدَعُونَ» ، «ويُخَادَعُونَ» على لفظ ما لم يسم فاعله، وتخريجها على أن الأصل: وَمَا يُخْدَعُونَ إِلَاّ عَنْ أنفسهم «فلما حذف الجَرّ انتصب على حَدّ: [الوافر] ١٨٧ - تَمُرُّونَ الدِّيَارَ فَلَمْ تَعُوجُوا..... ... ... ... ... ... ... ... ... . . » إلا أنفسهم «» إلا «في الأصل حرف استثناء و» أنفسهم «مفعول له، وهذا استثناء مفرغ، وهو: عبارة عما افتقر فيه ما قبل» إلا «لما بعدها، ألا ترى أن» يخادعون «يفتقر إلى مفعول؟ ومثله:» ما قام إلا زيد «، ف» قام «يفتقر إلى فاعل، والتَّام بخلافه، أي: ما لم يفتقر فيه ما قيل» إلا «لما بعدها، نحو: قام القوم إلاّ ويداً، وضربت القوم إلا بكراً، فقام أخذ فاعله، وضربت أخذ مفعوله، وشرط الاستثناء المُفَرَّغ أن يكون بعد نفي، أو شبهة كالاستفهام والنهي. وأن قولهم: قرأت إلاّ يوم كذا، فالمعنى على نفي مؤول تقديره: ما تركت القراءة إلَاّ يوماً، هذا ومثله: ﴿ويأبى الله إِلَاّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] و ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَاّ عَلَى الخاشعين﴾ [البقرة: ٤٥] . وللاستثناء أحكام كثيرة تأتي مفصّلة في مواضعها إن شاء الله تعالى. والنَّفْسُ: هنا ذات الشيء وحقيقته، ولا تختص بالأجسام لقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] ،» وَمَا يَشْعُرُونَ «هذه الجملة الفعلية يحتمل إلا يكون لها محلّ من الإعراب؛ لأنها استئناف، وان يكون لها محلّ، وهو النصب على الحال من فاعل» يخدعون «والمعنى: وما يرجع وَبَال خداعهم إلَاّ على أنفسهم غير شاعرين بذلك، ومفعول» يشعرون «محذوف للعلم به، تقديره: وما يشعرون أن وَبَالَ خداعهم راجع على أنفسهم، واطّلاع الله عليهم. والأحسن ألا يقدّر مفعول؛ لأن الغرض نفي الشعور عنه ألبتة من غير نظر إلى مُتَعلِّقه، والأوّل يسمى حذف الاختصار، ومعناه: حذف الشيء بدليل. والثاني يسمى حذف الاختصار، وهو حذف الشيء لا لدليل.

стр. 274

والشُّعور: إدراك الشيء من وجه يدقّ، وهو مشتقّ من الشَّعَر لدقّته. وقيل: هو الإدراك بالحاسّة مشتقّ من الشِّعِر، وهو ثوب يلي الجَسَد، ومنه مشاعر الإنسان أي: حواسّه الخمسة التي يشعر بها. فصل في حد الخديعة اعلم أن الخديعة مذمومة. قال ابن الخطيب:» وَحَدُّهَا هي إظهار ما يوهم السّلامة والسّداد، وإبطال ما يقتضي الإضرار بالغير، أو التخلّص منه، فهو بمنزلة النِّفَاق في الكفر والرِّياء في الأفعال الحسنة، وكل ذلك بخلاف ما يقتضيه الدين؛ لأن يوجب الدين يوجب الاستقامة والعدول عن الغُرُورِ والإساءة، كما يوجب المُخَالصة في العبادة «. فصل في امتناع مخادعة الله تعالى مخادعة الله - تعالى - ممتنعة من وجهين: أحدهما: أنه يعلم الضَّمائر والسرائر، فلا يصح أن يُخَادَع. والثاني: أن المنافقين لم يعتقدوا أن الله بعث الرسول إليهم، فلم يكن قصدهم في نفاقهم مخادعة الله، فثبت أنه لا يمكن إجْراءُ هذا اللفظ على ظاهره، فلا بُدّ من التأويل، وهو من وجهين: الأول: أنه - تعالى - ذكر نفسه، وأراد به الرسول على عادته في تَفْخِيْمِ أمره، وتعظيم شأنه. قال: ﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾ [الفتح: ١٠] . والمنافقون لما خادعوا [الله ورسوله] قيل: إنهم يخادعون الله. الثاني: أن يقال: صورة حالهم مه الله حيث يظهرون الإيمان وهم كافرون صورة من يُخَادع، وصورة صنع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده من الكَفَرَةِ صورة صنع الخادع، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم حيث امتثلوا أمر الله فيهم، فأجروا أحكامه عليهم. فصل في بيان الغرض من الخداع في الآية الغرض من ذلك الخداع وجوه: الأول: أنهم ظنوا أن النبي ﵊ ُ - وأصحابه يجرونهم في التَّعْظيم

стр. 275

والإكرام مجرى سائر المؤمنين إذا أظهروا لهم الإيمان. الثاني: يجوز أن يكون مرادهم إفشاء النبي ﵊ ُ - أَسْرَاره، والاطّلاع على أسرار المؤمنين، فينقلونها إلى الكفار. الثالث: أنهم دفعوا عن أنفسهم أَحْكَام الكفار، كالقَتْلِ وغيره. الرابع: أنهم كانوا يطعمون في أموال الغَنَائم. فإن قيل: فالله تعالى كان قادراً على أن يوحي إلى نبيه كَيفية مَكْرِهِمْ وخِداعهم، فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْ ذلك هتكاً لسترهم؟ قلنا: هو قادر على استئصال «إبليس» وذريته ولكنه - تعالى - أبقاهم وقواهم، إما لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، أو لحكمة لا يطلع عليها إلا هو. وقوله: «وما يَخْدّعُونَ إلا أنفسهم» فيه وجهان: الأول: أنه - تعالى - يجازيهم على ذلك، ويعاقبهم عليه، فلا يكونون في الحقيقة خادعين إلاّ أنفسهم. والثاني: ما ذكره أكثر المفسرين، وهو أم وَبَالَ ذلك راجع إليهم في الدنيا؛ لأن الله - تعالى - كان يدفع ضرر خِدَاعهم عن المؤمنين ويصرفه إليهم، وهو كقوله: ﴿إِنَّ المنافقين يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] ونظائره. «في قلوبهم مرض» الجار والمجرور خبر مقدّم واجب التقديم لما تقدّم ذكره في قوله تعالى: ﴿وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] . والمشهور تحريك الراء من «مرض» . وَرَوَى الصمعي عن أبي عمرو سكونها، وهما لغتان في مصدر مَرِضَ يَمْرَضُ. «والمرض» : الفتور. وقيل: الفساد. وقيل: صفة توجب وقوع الخَلَلِ في الأفعال الصادرة عن الفاعل، ويطلق على الظلمة؛ وأنشدوا: [البسيط] ١٨٨ - فِي لَيْلَةٍ مَرِضَتْ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ ... فَمَا يُحِسُّ بِهِ نَجْمٌ وَلَا قَمَرُ

стр. 276

أي: لظلمتها، ويجوز أن يكون أراد ب «مَرِضَتْ» فَسَدَت، ثم بين جهة الفَسَادِ بالظُّلمةِ. قوله: «فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً» . هذه جملة فعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، متسبّبة عنها، بمعنى أنَّ سبب الزِّيَادة حصول المرض في قلوبهم، إذ المراد بالمرض هنا الغِلّ والحسد لظهور دين الله تعالى. و «زاد» يستعمل لازماً ومتعدياً لاثنين ثانيهما غير الأول ك «أَعْطَى وكَسَا» ، فيجوز حذف مفعوليه، وأحدهما اختصاراً واقتصاراً، تقول: «زاد المال» فهذا لازم، و «زدت زيداً أجراً» ومنه: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] ، ﴿فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً﴾ [البقرة: ١٠] و «ودت زيداً» ولا تذكر ما زدته، و «زدت مالاً» ولا تذكر من زدته. وألف «زاد» منقلبة عن ياء؛ لقولهم: «يزيد» . وقرأ ابن عامر وحمزة: «فزادهم» بالإمالة. وزاد حمزة «زاد» حيث وقع، و ﴿زَاغَ﴾ [النجم: ١٧] ﴿وَخَابَ﴾ [إبراهيم: ١٥] ، و ﴿طَابَ﴾ [النساء: ٣] ، و «حَاقَ» [الأنعام: ١٠] ، والآخرون لا يميلونها. فصل في أوجه ورود لفظ المرض ورد لفظ «المرض» على أربعة أوجه: الأول: الشّك كهذه الآية. الثاني: الزِّنَا قال تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] . الثالث: الحَرَجُ قال تعالى: ﴿أَوْ كُنتُمْ مرضى أَن تضعوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] . الرابع: المرض بعينه. قوله: ﴿وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ نظيره قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧] وقد تقدّم. و «أليم» هنا بمعنى: مُؤْلِم، كقوله: [الوافر] ١٨٩ - ونَرْفَعُ مِنْ صُدُورِ شَمَرْدَلَاتِ ... يَصُكُّ وُجُوهَهَا وَهَجٌ أَلِيمُ ويجمع على «فُعَلَاء» ك: «شريف وشرفاء» ، و «أفْعَال» مثل: «شريف وأشراف» ، ويجوز أن يكون «فعيل» : هُنَا للمُبَالغة محولاً من «فَعِل» بكسر العَيْنِ، وعلى هذا تكون

стр. 277

نسبة الألم إلى العَذّابِ مجازاً، لأنّ الألم حلّ بمن وقع به العذاب لا بالعذاب، فهو نظير قولهم: «شِعْرٌ شَاعِر» . و ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ متعلّق بالاستقرار المقدر في «لهم» ، أي: استقر لهم عَذَابٌ أليم بسبب تكذيبهم. و «ما» يجوز أن تكون مصدرية، أي: بكونهم يكذبون، وهذا على القول بأن ل «كان» مصدراً، وهو الصحيح عند بعضهم للتصريح به في قول الشاعر: [الطويل] ١٩٠ - بِبَذْلٍ وَحِلْمٍ سَادَ في قوْمِهِ الفَتَى ... وَكَوْنُكَ إِيَّاهُ عَلَيْكَ يَسِيرُ فقد صَرّح بالكون، ولا جائز أن يكون مصدر «كان» التَّامة لنصبه الخبر بعدها، وهو «إياه» على أنَّ للنظر في هذا البيت مجالاً ليس هذا موضعه. وعلى القول بأن لها مصدراً لا يجوز التصريح به معها، لا تقول: «كان ويداً قائماً كوناً» ، قالوا: لأن الخبر كالعوض من المصدر، ولا يجمع بين العوض والمُعَوَّض منه، وحينئذ فلا حَاجَةَ إلى ضمير عائد على «ما» ؛ لأنها حرف مصدري على الصحيح، خلافاً للأخفش وابن السَّراجِ في جعل المصدرية اسماً. ويجوز أن تكون «ما» بمعنى «الذي» ، وحينئذ فلا بُدّ من تقدير عائدٍ أي: بالذي كانوا يكذبونه، وجاز حَذْفُ العائد لاستكمال الشُّروط، وهو كونه منصوباً بفعل، وليس ثمَّ عائد آخر. وزعم أبو البَقَاءِ أن كون «ما» موصولةً اسميةً هو الأظهر، قال: لأنّ الهاء المقدرة عائدة على «الَّذِي» لا على المصدر. وهذا الَّذِي قاله غير لازم، إذ لقائل أن يقول: لا نسلّم أنه لا بُدَّ من هاءٍ مقدّرة حتى يلزم جعل «ما» اسمية، بل من قرأ ﴿يَكْذِبُونَ﴾ مخففاً فهو عنده يكذبون الرَّسول والقرآن، أو يكون المشدّد بمعنى المخفّف، وقرأ الكوفيون: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ بالفتح والتَّخفيف، والباقون بالضَّم والتشديد. و «يكذّبون» مضارع «كذَّب» بالتشديد، وله معانٍ كثيرة: الرَّمي بكذا، ومنه الآية الكريمة والتعدية نحو: «فَرَّحْتُ زيداً» .

стр. 278

والتكثير نحو: «قَطَّعْتُ الأثواب» . والجعل على صفة نحو: «قَطَّرْتُه» أي: جعلته مقطراً؛ ومنه: [السريع] ١٩١ - قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وَجَارَاتَهَا ... مَا قَطَّرَ الفَارِسَ إِلَاّ أَنَا والتسمية نحو: «فَسَّقْتُهُ» أي: سميته فاسقاً والدعاء له نحو: «سَقَّيْتُهُ» أي قلت له: «سَقَاكَ الله» . أو الدعاء عليه نحو: «عَقَّرْتُه» أي قلت: عَقْراً لك. والإقامة على الشي نحو: مَرَّضْتُه «والإزالة نحو:» قَذَّيْتُ عينه «أي: أزلت قَذَاها. والتوجّه نحو:» شَرَّقَ وغَرَّبَ «، أي: توجّه نحو الشرق والغرب. واختصار الحكاية نحو:» أمَّنَ «قال: آمين. وموافقة» تَفَعَّلَ «و» فَعَلَ «مخففاً نحو: وَلَّى بمعنى تولّى، وقَدَّرَ بمعنى قَدَر، والإغناء عن» تَفَعَّلَ «و» فَعَلَ «مخففاً نحو» حَمَّرَ «أي تكلم بلغة» حمير «، قالوا:» مَنْ دخل ظَفَارِ حَمَّرَ وعَرَّدَ في القِتَال «هو بمعنى مخففاًن وغن لم يلفظ به. و» الكذب «اختلف النَّاس فيه، فقائل: هو الإخبار عن الشيء بخير ما هو عليه ذهناً وخارجاً، وقيل: غير ما هو عليه في الخارج، سواء وافق في ما في الخارج أم لا، والصّدق نقيضه. فصل في معنى الآية قال المفسرون: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ شكّ ونفاق ﴿فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً﴾ ؛ لأن الآيات كانت تنزل آيةً بعد آيةٍ، كلما كفروا بآيةٍ ازدادوا كفراً ونفاقاً، وذلك معنى قوله: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] والسورة لم تفعل ذلك، ولكنهم ازدادوا رجساً عند نزولها حين كفروا بها قبل ذلك، وهو كقوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي إِلَاّ فِرَاراً﴾ [نوح: ٦] والدعاء لم يفعل شيئاً من هذا، ولكنهم ازدادوا فراراً عنده، وقال: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَاّ نُفُوراً﴾ [فاطر: ٤٢] . قالت المعتزلة: لو كان المراد من المرض - هاهنا - الكفر والجَهْل لكان قوله:

стр. 279

﴿فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً﴾ محمولاً على الكُفْرِ والجَهْلِ، فيلزم أن يكون الله - تعالى - فاعلاً للكفر والجهل. قالت المعتزلة: ولا يجوز أن يكون الله - تعالى - فاعلاً للكفر والجَهْلِ لوجوه: أحدها: أنّ الكفار كانوا في غَايَة الحرص على الطَّعن في القرآن، فلو كان المعنى ذلك لقالوا لمحمد ﷺ َ: إذا فعل الله الكفر فينا، فكيف تأمران بالإيمان؟ وثانيها: أنه - تعالى - ذكر هذه الآيات في معرض الذَّم لهم على كُفْرِهِمْ، فكيف يذمّهم على شيء خلقه الله فيهم. وثالثها: قوله: ﴿وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فإن كان الله خلق ذلك فيهم كما خلق لونهم وطولهم، فأيّ ذنب لهم حتَّى يعذبهم؟ ورابعها: أنه - تعالى - أضافه إليهم بقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ وبأنهم يفسدون في الأرض، وأنهم هم السّفهاء، وأنهم إذا خلوا إلى شَيَاطِينهم قالوا: إنا معكم، وإذا ثبت هذا فلا بُدّ من التأويل، وهو ن وجوه: الأول: يحمل المرض على الغَمّ، لأنه يقال: مرض قلبي من أمر كذا، والمعنى: أن المنافقين مرضت قلوبهم لما رأوا إثبات أمر النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام -، واستعلاء شأنه يوماً فيوماً، وذلك يؤدي إلى زوال رياستهم، كما روي أنه ﵊ ُ - مَرَّ بعبد الله بن أُبّيِّ على حِمَارٍ، فقال له: نَحّ حمارك يا مُحَمّد فقد آذانا رِيحُهُ، فقال له بعض الأنصار، اعْذُرْهُ يا رسول الله، فإنه كان مؤملاً أن نُتَوِجَهُ الرياسة قبل أن تقدم علينا، فهؤلاء لمَّا اشتدَّ عليهم الغَمّ وصفهم الله بذلك فقال: ﴿فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً﴾ أي: زادهم غمَّاً على غَمِّهِمْ. وثانيها: المراد من زيادة المرض زيادة منع الألطاف فيكون بسبب ذلك المَنْع خاذلاً لهم. الثالث: أنَّ العرب تصف فتور النَّظر بالمرض يقولون: جاريةٌ مريضةُ الطرف. قال جرير: [البسيط] ١٩٢ - إِنَّ العُيُونَ الَّتِي في طَرْفِهَا ... مَرَضٌ قَتَلْنَنَا ثُمَّ لَمْ يُحْيِينَ قَتْلَانَا فكذا المرض هاهنا إنما هو الفتور في النِّية؛ لأن قلوبهم كانت قويً على المُحَاربة، والمُنَازعة، والمخاصمة، ثم انكسرت شوكتهم، فأخذوا في النِّفَاق بسبب ذلك الخوف، والانكسار، فقال تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً﴾ أي: زادهم الانْكِسَارَ والجُبْنَ والضعف،

стр. 280

وحقق الله ذلك بقوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب﴾ [الأحزاب: ٢٦] الرابع: أن يحمل المرض على أَلَم القلب؛ لأنَّ المُبْتَلَى بالحَسَدِ والنِّفَاقِ، ومشاهدة ما يكره ربما صار ذلك سبباً لتغيير مِزَاجَهَ، وتألُّم قلبه، وحَمْلُ اللَّفْظِ على هذا الوَجْهِ حَمْلٌ له على حقيقته، فكان أولى. وقوله: ﴿وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ صريح أن كذبهم علّة للعذاب الأليم، وذلك يقتضي أن يكون كل كذب حراماً. فأما ما يروى عن إبراهيم ﵊ ُ - أنه كذب ثلاث كذبات، فالمراد التعريض، ولكن لما كانت صورته الكذب سمي بذلك. والمراج بكذبهم قولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر، وهم غير مؤمنين.

стр. 281

«إذا» ظرف زمان مستقبل ويلزمها معنى الشرط غالباً، ولا تكون إلاّ في الأمر المحقق، أو المرجح وقوعه، فلذلك لم تجزم إلا في شِعْرٍ؛ لمخالفتها أدوات الشرط؛ فإنها للأمر المحتمل، فمن الجزم قوله: [البسيط] ١٩٣ - تَرْفَعُ لي خِنْدِفٌ واللهُ يَرْفَعُ لِي ... نَاراً إِذَا خَمَدَتْ نِيرَانُهُمْ تَقِدِ وقال آخر: [الكامل] ١٩٤ - وَاسْتَغْنِ مَا أَغْنَاكَ رَبُّكَ بِالغِنَى ... وَإِذّا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلِ وقال الآخر: [الطويل] ١٩٥ - إِذَا قَصُرَتْ أَسْيَافُنَا كَانَ وَصْلُهَا ... خُطَانَا إِلَى أَعْدَائِنَا فَنُضَارِبِ

стр. 282

فقوله: «فَنُضَارب» مجزوم لعطفه على محل قوله «كان وصلها» . وقال الفرزدق: [الطويل] ١٩٦ - فَقَامَ أَبُو لَيْلَى إِلَيْهِ ابْنُ ظَالِمِ ... وَكَانَ إذَا مَا يَسْلُلِ السَّيْفَ يَضْرِبِ وقد تكون للزمن الماضي ك: «إذ» كما قد تكون «إذ» للمستقبل ك «إذا» . فمن مجيء «إذا» ظرفاً لما مَضَى من الزمان واقعةً موقع «إذ» قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الذين إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ﴾ [التوبة: ٩٢] ، وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] ، قال به ابن مالك، وبعض النحويين. ومن مجيء «إذ» ظرفاً لما يستقبل من الزمان قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧٠] . وتكون للمفاجأة أيضاً، وهل هي حينئذ باقية على زمانيتها، أو صارت ظرف مكان أو حرفاً؟ ثلاثة أقوال: أصحُّها الأول استصحاباً للحال، وهل تتصرف أم لا؟ الظاهر عدم تصرفها، واستدلّ من زعم تصرفها بقوله تعالى في قراءة من قرأ: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الواقعة لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الأرض رَجّاً﴾ [الواقعة: ١ - ٤] بنصب «خافضة رافعة» ، فجعل «إذا» الأولى مبتدأ، والثانية خبرها. والتقدير: وَقْتُ وقوع الواقعة رجّ الأرض، وبقوله: ﴿حتى إِذَا جَآءُوهَا﴾ [الزمر: ٧١] ، و ﴿حتى إِذَا كُنتُمْ﴾ [يونس: ٢٢] فجعل «حتى» حرف جر، و «إذا» مجرورة بها، وسيأتي تحقيق ذلك في مواضع. ولا تُضَاف إلَاّ الجُمَلِ الفعلية خلافاً للأخفش. وقوله: «قيل» فعل ماضٍ مبني للمفعول، وأصله: «قَوَلَ» ك: «ضرب» ، فاستثقلت الكسرة على «الواو» ، فنقلت إلى «القاف» بعد سَلْبِ حركتها، فسكنت «الواو» بعد كسرة، فقلبت «ياء» ، وهذه أفصح اللغات، وفيه لغة ثانية، وهي الإشمام، والإشمام عبارة عن جعل الضّمة بين الضم والكَسْرِ. ولغة ثالثة وهي: إخلاص الضم، نحو: «قُولَ وبُوعَ» ، قال الشاعر: [الرجز] ١٩٧ - لَيْتَ وَهَلْ يَنْفَعُ شَيْئاً لَيْتَ ... لَيْتَ شَبَاباً بُوعَ فَاشْتَرَيْتُ

стр. 283

وقال الآخر: [الرجز] ١٩٨ - حُوكَتْ عَلَى نَوْلَيْنِ إذْ تُحَاكُ ... تَخْتَبِطُ الشَّوْكَ وَلَا تُشَاكُ وقال الأخفش: «ويجوز» قُيُل «بضم القاء والياء» ، يعني مع الياء؛ لأن الياء تضم أيضاً. وتجيء هذه اللغات الثلاث في «اختار» و «انقاد» ، و «ردّ» و «حَبَّ» ونحوها، فتقول: «اختير» بالكسر، والإِشْمَام، و «اختورط، وكذلك:» انقيد «، و» انقود «، و» رَدَّ «، و» رِدَّ «، وأنشدوا: [الطويل] ١٩٩ - وَمَا حِلُّ مِنْ جَهْلٍ حُبَا حُلَمَائِنَا ... وَلَا قَائِلُ المَعْرُوفِ فِينَا يُعَنَّفُ بكسر حاء» حل «. وقرىء:» وَلَوْ رِدُّوا « [الأنعام: ٢٨] بكسر الراء. والقاعدة فيما لم يسم فاعله أن يُضَمّ أول الفعل مطلقاً؛ فإن كان ماضياً كسر ما قبل آخره لفظاً نحو:» ضرب «، أو تقديراً نحو:» قيل «، و» اختير «. وقد يضم ثاني الماضي أيضاً إذا افتتح بتاء مُطَاوعة نحو:» تُدُحْرج الحجر «، وثالثه إن افتتح بهمزة وصل نحو:» انْطُلِقَ بزيد «واعلم أن شرط جواز اللغات الثلاث في» قيل «، و» غيض «، ونحوهما ألا يلتبس، فإن التبس عمل بمقتضى عدم اللَّبْس، هكذا قال بعضهم، وإن كان سيبويه قد أطلق جواز ذلك، وأشَمّ الكسائي: ﴿قِيلَ﴾ [البقرة: ١١] ، ﴿وَغِيضَ﴾ [هود: ٤٤] ، ﴿وَجِيءَ﴾ [الزمر: ٦٩] ، ﴿وَحِيلَ﴾ [سبأ: ٥٤] ﴿وَسِيقَ الذين﴾ [الزمر: ٧١] و ﴿سياء بِهِمْ﴾ [هود: ٧٧] ، و ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ﴾ [الملك: ٢٧] ، وافقه هشام في الجميع، وابن ذكوان في» حِيْل «وما بعدها، ونافع في» سيء «و» سيئت «، والباقون بإخلاص الكسر في الجميع. والإشْمَام له معان أربعة في اصطلاح القراء سيأتي ذلك في قوله: ﴿لَا تَأْمَنَّا﴾ [يوسف: ١١] إن شاء الله تعالى. و» الهم «جار ومجرور متعلّق ب» قيل «، و» اللَاّم «للتبليغ، و» لا «حرف نهي يجزم

стр. 284

فعلاً واحداً، و» تفسدوا «مجزوم بها، وعلامة جزمه حذف النون؛ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأمثلة الخمسة. و» في الأرض «متعلّق به، والقائم مقام الفاعل هو الجُمْلَةُ من قوله:» لا تفسدوا «لأنه هو القول في المعنى، واختاره الزمخشري. والتقدير: وإذا قيل لهم هذا الكلام، أو هذا اللّفظ، فهو من باب الإسناد اللَّفْظي. وقيل: القائم مقام الفاعل مضمر، تقديره: وإذا قيل لهم هو، ويفسّر هذا المضمر سياق الكلام كما فسّره في قوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: ٣٢] . والمعنى؟ :» وإذا قيل لهم قول سديد «فأضمر هذا القول الموصوف، وجاءت الجملة بعده مفسّرة، فلا موضع لها من الإعراب، فإذا أمكن الإسناد المعنوي لم يعدل إلى اللَّفْظِيّ، وقد أمكن ذلك بما تقدّم. وهذا القول سبقه إليه أبو البَقَاءِ، فإنه قال:» والمفعول القائم مَقَام الفاعِلِ مصدر، وهو القول، وأضمر لأن الجملة بعد تفسّره، ولا يجزز أن يكون «لا تفسدوا» قائماً مقام الفاعل؛ لأن الجملة لا تكون فاعلاً، فلا تقوم مقام الفاعل «. وقد تقدم جواب ذلك من أن المعنى: وإذا قيل لهم هذا اللفظ، ولا يجوز أن يكون «لهم» قائم مقام الفاعل إلَاّ في رأي الكوفيين والأخفش، إذ يجوز عندهم إقامة غير المفعول به مع وجوده. وتلخصّ من هذا: أنَّ جملة قوله: «لا تفسدوا» في مَحَلّ رفع على قول الزَّمخشري، ولا محلّ لها على قول أبي البَقَاءِ ومن تبعه، والجملة من قوله: «قيل» وما في حَيّزه في محل خفضٍ بإضافة الظرف إليه. والعامل في «إذا» جوابها، وهو «قالوا» ، والتقدير: قالوا «: إنما نحن مصلحون، وقت قول القائم لهم: لا تفسدوا. وقال بعضهم: الذي نختاره أن الجُمْلَةَ الَّتي بعدها وتليها ناصبة لها، وأنَّ ما بعده ليس في مَحَلّ خَفْضٍ بالإضافة؛ لأنها أداة شرط، فحكمها حكم الظروف التي يُجَازى بها، فكما أنك إذا قلت:» متى تَقُمْ أَقُمْ «كان» متى «منصوباً بفعل الشرط، فكذلك إذا قال هذا القائل. والذي يفسد مذهب الجمهور جواز قولك:» إذا قمت فعمرو قائم «ووقوع: إذا» الفُجَائية جواباً لها، وما بعد «الفاء» . و «إذا» الفجائية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وهو اعتراض ظاهر. وقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ «إنَّ» حرف مكفوف ب «ما» الزائدة عن العمل،

стр. 285

ولذلك تليها الجملة مطلقاً، وهي تفيد الحَصْرَ عند بعضهم. وأبعد من زعم أنّ «إنما» مركبة من «إنَّ» التي للإثبات، و «ما» التي للنفي، وأنّ بالتركيب حدث معنى يفيد الحَصْرَ. واعلم أن «إن» وأخواتها إذا وَلِيْتَهَا «ما» الزائدة بطل عملها، وذهب اختصاصها بالأسماء كما مرَّ، إلا «لَيْتَ» فإنه يجوز فيها الوجهان سماعاً، وأنشدوا قول النابعة: [البسيط] ٢٠٠ - قَالَتْ: أَلَا لَيْتَمَا هَذَا الحَمَامُ لَنَا ... إِلَى حَمَامَتِنَا وَنِصْفهُ، فَقَدِ برفع «الحَمَام» ونصبه، فأما إهمالها فلبقاء اختصاصها، وأمّا إهمالها فلحملها على أَخَوَاتِهَا، على أنه قد روي عن سيبويه في البيت أنها معملة على رواية الرفع أيضاً، بأن تجعل «ما» موصولة بمعنى «الذي» ، كالتي في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه: ٦٩] و «هذا» خبر مبتدأ محذوف هو العائد، و «الحَمَام» نعت لهذا، و «لنا» خبر ل «ليت» ، وحُذِفَ العائد وإن لم تَطُل الصلة. والتقدير: ألا ليت الذي هو [هذا] الحمام كَائِنٌ لنا، وهذا أولى من أن يدعي إهمالها، لأن المقتضى للإعمال - وهو الاختصاص - باقٍ. وزعم بعضهم أنّ «ما» الزائدة إذا اتَّصلت ب «إنَّ» وأخواتها جاز الإعمال في الجميع. و «نحن» مبتدأ، وهو ضمير مرفوع منفصل للمتكلم، ومن معه أو المعظّم نفسه، و «مصلحون» خبره، والجملة في محل نَصْبٍ، لأنها محكية ب «قالوا» . والجملة الشرطية وهي قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ عطف على صلة «من» ، وهي «يقول» ، أي: ومن النَّاس من يقول، ومن النَّاس من إذا قيل لهم: لا تفسدوا في الأرض قالوا: وقيل: يجوز أن تكون مستأنفةً، وعلى هذين القولين، فلا مَحَلّ لها من الإعراب
следующие страницы →