← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

وقيل: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ بسبب إظهارهم لكم الإسلام ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ بسبب أن الكفر مستغرق في قلوبهم. وقال أبُو العَالِيَةِ، ومُقَاتِلٌ: المحبة - هاهنا - بمعنى: المصافاة، أي: أنتم - أيها المؤمنون - تصافونهم، ولا يصافونكم؛ لنفاقهم. وقال الأصمّ: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ بمعنى: أنكم لا تريدون إلقاءهم في الآفات، والمحن، ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ بمعنى: أنهم يريدون إلقاءكم في الآفات والمِحَن، ويتربصون بكم الدوائر. وقيل: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ بسبب أنهم يُظهرون لكم محبة الرسول ﷺ َ وهم يبغضون الرسول، ومحب المبغوض مبغوض. وقيل: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ أي: تخالطونهم، وتُفشون إليهم أسرارَكم في أمور دينكم ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ أي: لا يفعلون ذلك بكم. قوله: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلِّهِ﴾ يجوز أن تكون الألف واللام - في الكتاب - للجنس، والمعنى: بالكتب كلها، فاكتفى بالواحد. وقيل: أفرد الكتاب؛ لأنه مصدر، فيجوز أن يُسَمَّى به الجمع. وقيل: إن المصدر لا يُجْمَع إلا على التأويل، فلهذا لم يَقُل: الكتب - بدلاً من الكتاب -، وإن كان لو قاله لجاز، توسعاً. ويجوز أن يكون للعهد، والمراد به: كتاب مخصوص. وهنا جملة محذوفة، يدل عليها السياق، والتقدير: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلِّهِ﴾ ، وهم لا يؤمنون بكتابكم، وحَسُنَ العطفُ، لما تقدم من أن ذكر أحد الضدين يُغْني عن ذِكْر الآخر، وتقدير الكلام: أنكم تؤمنون بكتبهم كلها، وهم - ممع ذلك - يبغضونكم، فما بالكم - مع ذلك - تحبونهم، وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم؟ . وفيه تنبيخ شديد بأنهم - في باطلهم - أصلب منكم في حقكم. قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ﴾ ومعناه: إذا خَلَا بعضهم ببعض أظهروا شدة العداوة، وشدة الغيظ على المؤمنين، حتى تبلغ الشدة إلى عَضِّ الأنامل، كما يفعل الإنسان - إذا اشتد غيظه، وعَظُم حُزنه - على فَوْت مطلوبه، ولمَّا كَثُر هذا الفعلُ من الغضبان صار ذلك كناية عن الغضب، وإن لم يكن هناك عض. قوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق ب «عَضُّوا» ، وكذلك ﴿مِنَ الغيظ﴾ و «مِنْ» فيه لابتداء الغاية، ويجوز أن يكون بمعنى اللام، فيفيد العِلِّيَّةَ - اي: من أجل الغيظ -. وجوز أبو البقاء - في «عَلَيْكُمْ» ، وفي ﴿مِنَ الغيظ﴾ - أن يكونا حالين، فقال: «ويجوز أن يكون حالاً، أي: حنقين عليكم من الغيظ. ﴿ومِنَ الغيظ﴾ متعلق ب» عَضُّوا «

стр. 2872

أيضاً، و» مِنْ «لابتداء الغاية، أي: من أجل الغيظ، ويجوز أن يكون حالاً، أي: مغتاظين» . انتهى. وقوله: و «من» لابتداء الغاية - أي: من أجل الغيظ كلام متنافر؛ لأن التي للابتداء لا تفسَّر بمعنى: «من أجل» ، فإنه معنى العلة، والعلة والابتداء متغايران، وعلى الجملة، فالحالية - فيهما - لا يظهر معناها، وتقديره الحال ليس تقديراً صناعيًّا؛ لأن التقدير الصناعي إنما يكون بالأكوان المطلقة. والعَضّ: الأزم بالأسنان، وهو تحامُل الأسنان بعضها على بعض، يقال: عَضِضْتُ قال امرؤ القيس: [الطويل] ١٥٩٢ - ... ... ... ... ... ..... كَفَحْلِ الْهِجَانِ يَنْتَحِي لِلْعَضِيضِ جعل الباء زائدة في المفعول؛ إذ الأصل: يعضون خلفنا الأنامل. وقال آخر: [المتقارب] ١٥٩٤ - قَدَ افْنَى أنَامِلَهُ أزْمُهُ ... فَأضْحَى يَعَضُّ عَلَيَّ الْوَظِيفَا وقال الحارث بن ظالم المري: [الطويل] ١٥٩٥ - وَأقْتُلُ أقْوَاماً لِئاماً أذِلَّةً ... يَعُذُّونَ مِنْ غَيْظٍ رُءُوسَ الأبَاهِمِ وقال آخر: [البسيط] ١٥٩٦ - إذَا رَأوْنِي - أطَالَ اللهُ غَيْظَهُمُ ... عَضُّوا مِنَ الْغَيظِ أطْرَافَ الأبَاهِيمِ

стр. 2873

والعَضّ كله بالضاد، إلا في قولهم: عَظَّ الزمان - أي: اشتد - وعظت الحرب، فإنهما بالظاء - أخت الطاء -. قال الشاعر: [الطويل] ١٥٩٧ - وَعَظُّ زَمَانٍ - يَا بْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ ... مِنَ الْمَالِ إلَاّ مُسْحَتاً أوْ مُجَلَّفُ قال شهاب الدين: «وقد رأيته بخط جماعة من الفضلاء: وعضُّ زمان - بالضاد» . والعُضُّ - بضم الفاء - عَلَف من نوًى مرضوض وغيره، ومنه: بَعير عُضَاضِيّ - أي: سمين - كأنه منسوب إليه، وأعَضَّ القومُ - إذا أكلت إبلُهم ذلك، والعِضّ - بكسر الفاء - الرجل الداهية، كأنهم تصوروا عَضَّه وشدته. وزمن عضوض - أي: جدب، والتَّعْضوض: نوع من التمر، سُمِّيَ بذلك لشدة مضغه وصعوبته. والأنامل: جمع أنملة - وهي رؤوس الأصابع. قال الرُّماني: واشتقاقها من النمل - هذا الحيوان المعروف - شبهت به لدقتها، وسرعة تصرفها وحركتها، ومنه قالوا للنمام: «نمل ومنمل» لذلك. قال الشاعر: [المتقارب] ١٥٩٨ - وَلَسْتُ بِذِي نَيْرَبٍ فِيهِمُ ... وَلَا مُنْمِشٍ فيهِمُ مُنْمِلِ وفي ميمها الضم والفتح. والغيظ: مصدر غاظه، يغيظه - أي: أغضبه -. وفسره الراغب بأنه أشد الغضب، قال: وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من ثوران دَمِ قلبه. وإذا وصف به الله تعالى، فإنما يراد به الانتقام. والتغيظ: إظهار الغيظ، وقد يكون مع ذلك صوت، قال تعالى: ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: ١٢] ، والجملة من قوله: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلِّهِ﴾ معطوفة على ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ ، ففيها ما فيها من الأوجه المعروفة. قال الزمخشري: والواو في ﴿وَتُؤْمِنُونَ﴾ للحال، وانتصابها من ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ أي: لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابكم كله، وهم - مع ذلك - يبغضونكم، فما بالكم تحبونهم، وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم. قال أبو حيان: «وهو حسن، إلا أن فيه من الصناعة النحوية ما يخدشه، وهو أنه

стр. 2874

جعل الواو في ﴿وَتُؤْمِنُونَ﴾ للحال، وانتصابها من ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ والمضارع المثبت - إذا وقع حالاً - لا تدخل عليه واو الحال، تقول: جاء زيد يضحك، ولا يجوز: ويضحك، فأما قولهم: قمت وأصُكُّ عينه، ففي غاية الشذوذ، وقد أوِّل على إضمار مبتدأ، أي: وأنا أصُكّ عينه، فتصير الجملة اسمية، ويحتمل هذا التأويل هنا: ولا يحبونكم وأنتم تؤمنون بالكتاب كله، لكنَّ الأولَى ما ذكرنا من كونها للعطف» . يعني: فإنه لا يُحْوِج إلى حَذْف، بخلاف تقديره مبتدأ، فإنه على خلاف الأصل. قوله: ﴿قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ﴾ يجوز أن تكون الباء للحال، أي: موتوا ملتبسين بغيظكم لا يزايلكم، وهو كناية عن كثرة افسلام وفُشوِّه؛ لأنه كلما ازداد الإيمان ازداد غيظهم، ويجوز أن تكون للسببية أي: بسبب غَيْظكم، وليس بالقويّ. وقوله: ﴿مُوتُواْ﴾ صورته أمر ومعناه الدعاء، فيكون دُعَاءً عليهم بأن يزداد غَيْظُهم، حتى يهلكوا به، والمراد من ازدياد الغيظ: ازدياد ما يوجب لهم ذلك الغيظ من قوة الإسلام، وعِزِّ أهْلِه، وما لهم في ذلك من الذُّلِّ، والخِزْي، والعار. وقيل: معناه الخبر، أي: أن الأمر كذلك. وقد قال بعضهم: إنه لا يجوز أن يكون بمعنى: الدعاء؛ لأنه لو كان أمره بأن يدعو عليهم بذلك لماتوا جميعاً على هذه الصفة؛ فإنَّ دعوته لا ترد، وقد آمن منهم كثيرون بعد هذه الآيةِ، [وليس بخبر] ؛ لأنه لو كان خبراً لوقع على حكم ما أخبره، ولم يؤمن أحدٌ بعدُ، وإذا انتفى هذان المعنيان فلم يَبْقَ إلا أن يكون معناه التوبيخ، والتهديد، كقوله تعالى: ﴿اعملوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] و «إذَا لَمْ تَسءتَحْي فاصْنَعْ مَا شِئْتَ» . وهذا - الذي قاله - ليس بشيء؛ لأن مَنْ آمن منهم لم يدخل تحت الدعاء - إن قُصِد به الدعاء - ولا تحت الخبر، إن قُصِد به الإخبار. قوله: ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ يحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة، أخبر - تعالى - بذلك؛ لأنهم كانوا يُخفون غيظَهم ما أمكنهم، فذكر ذلك لهم على سبيل الوعيد، ويحتمل أن يكون من جملة المقول، أي: قُلْ لهم: كذا، وكذا، فيكون في محل نصب بالقول، ومعنى قوله: ﴿بِذَاتِ﴾ أي: باملُضْمَرات، ذوات الصدور، ف «ذَات» - هنا - تأنيث «ذي» بمعنى صاحب؛ فحُذِف الموصوف، وأقيمت صفته مقامه، أي: عَلِيمٌ

стр. 2875

بالمضمرات صاحبة الصدُور، و «ذو» جعلت صاحبة للصدور لملازمتها لها، وعدم انفكاكها عنها، نحو أصحاب النار، وأصحاب الجنة. والمراد بذات الصدور: الخواطر القائمة بالقلب من الدواعهي، والصوارف الموجودة فيه. واختلفوا ف يالوقف على هذه اللفظة، هل يوقف عليها بالتاء، أو بالهاء؟ . فقال الأخفش، والفَرَّاءُ، وابن كيسان: الوقف عليها بالتاء اتباعاً لرسم المصحف. وقال الكسائي، والجَرْمِيّ: يوقف عليها بالهاء، لأنها تاء تأنيث، كهي في صاحبة، وموافقة الرسم أوْلَى؛ فإنَّهُ قد ثبت لنا الوقف على تاء التأنيث الصريحة بالتاء، فإذا وقفنا - هنا - بالتاء، وافقنا تلك اللغة، والرسم، بخلاف عكسه.

стр. 2876

قرأ العامة ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ ، بالتأنيث؛ مراعاةً للفظ «حَسَنَةٌ» . وقرأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بالياء من تحت؛ لأنّ تأنيثها مجازيّ، وقياسه أن يقرأ «وَإن يصبكم سَيئةٌ» بالتذكير - أيضاً - لكن لم يبلغنا عنه في ذلك شيء. والمس: أصله باليد، ثم يُسَمَّى كل ما يصل غلى الشيء ماسًّا، على سبيل التشبيه، يقال: فلان مسَّه العصب والنصب، قال تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] . وقال الزمخشري: المسّ مستعار هاهنا بمعنى: الإصابة، قال تعالى: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ﴾ [التوبة: ٥٠] . وقال: ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] . والمراد بالحسنة - هنا: منفعة الدنيا، من صحة البدن، وحصول الخِصْب والغنيمة، والاستيلاء على الأعداء، وحصول الألْفَة والمحبة بين المؤمنين. والمراد بالسيِّئَة: اضدادها، والسيئة: من ساء الشيء يَسيءُ - فهو سيِّءٌ، والأنْثَى سيئة - أي: قبح، ومنه قوله تعالى ﴿سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦] ، والسوء ضد الحسن، وهذه الآية من تمام وَصْف المنافقين. فصل قال ابو العباس: وردت الحسنةُ على خمسةِ أوجُه: الأول: بمعنى: النصر والظفَر، قال تعالى: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٠] أي: نَصْر وَظفَر.

стр. 2877

الثاني: بمعنى: التوحيد، قال تعالى: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة﴾ [الأنعام: ١٦٠] أي: بالتوحيد. الثالث: الرَّخَاء: قال تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله﴾ [النساء: ٧٨] أي: رخاء. الرابع: بمعنى: العاقبة، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة﴾ [الرعد: ٦] أي بالعذاب قبل العاقبةِ. الخامس: القول بالمعروف، قال تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بالحسنة السيئة﴾ [الرعد: ٢٢] أي: بالقول المعروف. فصل والسيئة - أيضاً - على خمسة أوجه: الأول: بمعنى: الهزيمة - كما تقدم - كقوله: ﴿وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا﴾ [آل عمران: ١٢٠] أي: هزيمة. الثاني: الشرك، قال تعالى: ﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة﴾ [الأنعام: ١٦٠] أي: بالشرك. الثالث: القحط، قال تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ﴾ [النساء: ٧٨] أي: قحط، ومثله قوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] . الرابع: العذاب، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة﴾ [الرعد: ٦] . الخامس: القول الرديء، قال تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بالحسنة السيئة﴾ [الرعد: ٢٢] . قوله: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ﴾ أي: على طاعة الله، وعلى ما ينالكم فيها من شدة، وغَمٍّ، ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ كلَّ ما نهاكم عنه، ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾ . قرأ نافع وابنُ كثير وأبو عمرو: «يَضُرْكُمْ» بكسر الضاد، وجزم الراء في جواب الشرط، من ضاره يضيره ويقال - أيضاً -: ضاره يضوره، ففي العين لغتان، ويقال ضاره يضيره ضَيْراً، فهو ضائر، وهو مضير، نحو: قلته أقوله، فأنا قائل، وهو مقول. وقرأ الباقون: ﴿يَضُرُّكُمْ﴾ بضم الضاد، وتشديد الراء مرفوعة، وفي هذه القراءة أوجه: الأول: أن الفعل مرتفع، وليس بجواب للشرط، وإنما هو دالٌّ على جواب الشرط، وذلك أنه على نية التقديم؛ إذ التقدير: لا يضركم إن تصبروا وتتقوا، فلا

стр. 2878

يضركم، فحذف فلا يضركم الذي هو الجواب، لدلالة ما تقدم عليه، ثم أخر ما هو دليل على الجواب، وهذا تخريج سيبويه وأتباعه، إنما احتاجوا إلى ارتكاب ذلك، لما رأوا من عدم الجزم في فعل مضارع لا مانع من إعمال الجزم، ومثله قول الراجز: ١٥٩٩ - يا أقْرَعُ بْنَ حَابسٍ يَا أقْرَعُ ... إنَّكَ إنْ يُصْرَع أخُوكَ تُصْرَعُ برفع «تصرع» الأخير -. وكذلك قوله: [البسيط] ١٦٠٠ - وَإنْ أتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ ... يَقُولُ: لَا غَائِبٌ مَالِي وَلَا حَرِمُ برفع «يقول» - إلَاّ أن هذا النوع مطّرد، بخلاف ما قبله - أعني: كون فعل الشرط والجزاء مضارعين - فإن المنقول عن سيبويه، وأتباعه وجوب الجزم، إلا في ضرورة. كقوله: [الرجز] ١٦٠١ - ... ... ... ... ... ... . ... إنَّك إنْ يُصْرَعْ أخُوكَ تُصْرَعُ وتخريجه هذه الآية على ما تقدم عنه يدل على أن ذلك لا يُخَصُّ بالضرورةز الوجه الثاني: أن الفعل ارتفع لوقوعه بعد فاء مقدَّرة، وهي وما بعدها الجواب في الحقيقة، والفعل متى وقع بعد الفاء رُفِع ليس إلَاّ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] . والتقدير: فلا يضركم، والفاء حذفت في غير محل النزاع. كقوله: [البسيط] ١٦٠٢ - مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا ... وَالشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللهِ مِثْلانِ أي: فالله يشكرها، وهذا الوجه نقله بعضهم عن المبرد، وفيه نظر؛ من حيث إنهم، لما أنشدوا البيت المذكور، نقلوا عن المبرد أنه لا يُجَوَّز حَذْفَ هذه الفاء - ألبتة - لا ضرورة، ولا غيرها - وينقلون عنه أنه يقول: إنما الرواية في هذا البيت: [البسيط] ١٦٠٣ - مَنْ يَفْعَلِ الْخَيْرَ فَالرَّحْمنُ يَشْكُرُهُ ... وردوا عليه بأنه إذا صحَّت روايةٌ، فلا يقدح فيها غيرُها، ونقله بعضُهم عن الفراء والكسائي، وهذا أقرب. الوجه الثالث: أن الحركة حركة إتباع؛ وذلك أن الأصل: «لَا يَضْرُرْكُمْ» . بالفك وسكون الثاني جَزْماً، وسيأتي أنه إذا التقى مِثْلان في آخر فعل سكن ثانيهما - جَزْماً، أو وَقْفاً - فللعرب فيه مذهبان:

стр. 2879

الجزم: وهو لغة تميم. والفك: وهو لغة الحجاز. لكن لا سبيل إلى الإدغام إلا في متحرك، فاضطررنا إلى تحريك المِثْل الثاني، فحَرَّكْناه بأقرب الحركات إليه، وهي الضمة التي على الحرف قبله، فحرَّكناه بها، وأدْغمنا ما قبله فيه، فهو مجزوم تقديراً، وهذه الحركة - في الحقيقة - حركة إتباع، لا حركة إعراب، بخلافها في الوجهين السابقين، فإنها حركة إعراب. واعلم أنه متى أدغم هذا النوع، فإما أن تكون فاؤُه مضمومةً، أو مفتوحةً، أو مكسورةً، فإن كانت مضمومة - كالآية الكريمة. وقولهم: مُدَّ - ففيه ثلاثة أوجه حالة الإدغام: الضم للإتباع، والفتح للتخفيف، والكسر على أصل التقاء الساكنين، فتقول: مُدَّ ومُدُّ ومُدِّ. وينشدون على ذلك قول الشاعر: [الوافر] ١٦٠٤ - فغُضّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ ... فَلَا كَعْباً بَلَغْتَ وَلَا كِلَابَا بضم الضاد، وفتحها، وكسرها - على ما تقرر - وسيأتي أن الآية قُرِئَ فيها بالأوُجه الثلاثةِ. وإن كانت فاؤه مفتوحةً، نحو عَضَّ، أو مكسورة، نحو فِرَّ، كان في اللام وجهان: الفتح، والكسر؛ إذ لا وَجْهَ للضمِّ، لكن لك في نحو فِرَّ أن تقول: الكسر من وجهين: إما الإتباع، وإما التقاء الساكنين، وكذلك لك في الفتح - نحو عَضَّ - وجهان - أيضاً -: إما الإتباع، وإمَّا التخفيف. هذا كله إذا لم يتصل بالفعل ضمير غائب، فأما إذا اتصل به ضمير الغائب - نحو رُدَّهُ - ففيه تفصيل ولغات ليس هذا موضعها. وقرأ عاصم - فيما رواه المفضَّل -: بضم الضاد، وتشديد الراء مفتوحة - على ما تقدم من التخفيف - وهي عندهم أوجه من ضم الراء. وقرأ الضحاك بن مزاحم: «لا يَضُرِّكُمْ» بضم الضاد، وتشديد الراء المكسورة - على ما تقدم من التقاء الساكنين.

стр. 2880

وكأن ابْنُ عَطِيَّةَ لم يحفظها قراءةً؛ فإنه قال: فأما الكسر فلا أعرفه قراءةً. وعبارة الزجَّاج في ذلك متجوَّز فيها؛ إذْ يظهر من روح كلامه أنها قراءة وقد بينا أنها قراءة. وقرأ أبيّ: «لا يَضْرُرْكُمْ» بالفكّ، وهي لغة الحجاز. والكيد: المكر والاحتيال. وقال الراغب: هو نوع من الاحتيال، وقد يكون ممدوحاً، وقد يكون مذموماً، وإن كان استعماله في المذموم أكثر. قال ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصله من المشقة، من قولهم: فلان يكيد بنفسه، أي: يجود بها في غمرات الموت، ومشقاته. ويقال: كِدْتُ فلاناً، أكيده - كبعته أبيعُه. قال الشاعر: [الخفيف] ١٦٠٥ - مَنْ يَكِدْنِي بسَيِّءٍ كُنْتُ مِنْهُ ... كَالشَّجَى بَيْنَ حَلْقِهِ وَالْوَرِيدِ و «شَيْئاً» منصوب نصب المصادر، أي: شيئاً من الضرر، وقد تقدم نظيره. ومعنى الآية: أن كل من صبر على أداء أوامر الله تعالى، واتقى عما نهى الله عنه، كان في حِفْظ الله، فلا يضره كيد الكائدين، ولا حِيَلُ المحتالين. قوله: ﴿إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ قراءة العامة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ - بالغيبة، وهي واضحة. وقرأ الحسن بالخطاب، إما على الالتفات، والتقدير: إنه عالم، محيط بما تعملونه من الصبر والتقوى، فيفعل بكم ما أنتم أهله، وإما على إضمار: قُل لهم يا محمد. وإنما قال: ﴿إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ولم يقل: إنَّ اللهَ محيط بما يعملونَ؛ لأنهم يُقدِّمون الأهم، والذي هُمْ بشأنه أعْنَى، وليس المقصود - هنا - بيان كونه تعالى عالماً، بل بيان أن جميع أعمالهم معلومة لله تعالى، ومجازيهم عليها، فلا جرم قدّم ذكر العمل.

стр. 2881

العامل في «إذْ» مضمَر، تقديره: واذكر إذْ غدوت، فينتصب المفعول به لا على الظرف، وجوَّز أبو مسلم أن يكون معطوفاً على ﴿فِئَتَيْنِ﴾ في قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣] أي: قد كان لكم آية في فئتين، وفي إذْ غَدَوْتَ، وهذا لا ينبغي أن يعرَّج عليه. وقال بعضهم: العامل في «إذْ» «محيط» تقديره: بما يعملون محيط إذْ غَدَوْتَ. قال بعضهم: وهذا لا يَصحّ؛ لأن الواو في (وَإِذْ) يمنع في عمل (مُحِيطٌ) فيها. والغُدوّ: الخروج أول النهار، يقال: غدا يغدو، أي: خرج غدوة، وفي هذا دليل على جواز صلاة الجمعة قبل الزوال؛ لأن المفسِّرين أجمعوا على أنه إنما خرج بعد أن صَلَّى الجمعة. ويُسْتَعْمَل بمعنى: «صار» عند بعضهم، فيكون ناقصاً، يرفع الاسم، وينصب الخبر، وعليه قوله ﷺ َ: «لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللهِ حَقَّ توكُّلِهِ لَرَزَقكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصاً، وتَرُوحُ بِطَاناً» . قوله: «من أهلك» متعلق ب «غَدَوْتَ» ، وفي «مِنْ» وجهان: أحدهما: أنها لابتداء الغاية، أي: من بين أهلك. قال أبو البقاء: «وموضعه نصب، تقديره فارقت أهلَك» . قال شهابُ الدِّيْنِ: «وهذا الذي قاله ليس تفسير إعراب، ولا تفسير معنى؛ فإن المعنى على غير ما ذكر» . الثاني: أنها بمعنى: «مع» أي: مع أهْلك، وهذا لا يساعده لفظ، ولا معنى. قوله: «تبوئ» يجوز أن تكون الجملة حالاً من فاعل: «غَدَوْتَ» ، وهي حال مقدرة، أي: قاصداً تَبْوئةَ المؤمنين؛ لأن وقت الغدو ليس وقتاً للتبوئة، ويُحْتَمَل أن تكون حالاً مقارنة؛ لأن الزمان متسع.

стр. 2882

و «تبوئ» أي تُنزل، فهو يتعدى لمفعولين، إلى أحدهما بنفسه، وإلى الآخر بحرف الجر، وقد يُحْذَف - كهذه الآية - ومن عدم الحذف قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت﴾ [الحج: ٢٦] وأصله من المباءة - وهي المرجع -. قال الشاعر: [الطويل] ١٦٠٦ - وَمَا بَوَّأ الرَّحْمَنُ بَيْتَكَ مُنْزِلاً ... بِشَرْقيٍّ أجْيَادِ الصَّفَا وَالْمُحَرَّمِ وقال آخر: [مجزوء الكامل] ١٦٠٧ - كَمْ صَاحِبٍ لِيَ صَالِحٍ ... بَوَّأتُهُ بِيَدَيَّ لَحْدَا وقد تقدم اشتقاقه. وقيل: اللام في قوله «لإبراهيم» مزيدة، فعلى هذا يكون متعدياً لاثنين بنفسه. و «مقَاعِدَ» جمع مَقْعَد، والمراد به - هنا - مكان القعود، و «قعد» قد يكون بمعنى: «صار» في المثل خاصة. قال الزمخشري: «وقد اتُّسِعَ في قَامَ، وقَعَدَ، حتى أجْرِيَا مُجْرَى صار» . قال أبو حيان: أما إجراء قَعَدَ مُجْرَى صار، فقال بعض أصحابنا: إنما جاء ذلك في لفظة واحدة شاذة في المثل قولهم: شَحَذَ شَفْرَتَه حتَّى قَعَدَتْ كأنَّهَا حَرْبَةٌ، ولذلك نُقِد على الزمخشري تخريجُه قوله تعالى: ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً﴾ [الإسراء: ٢٢] بمعنى تصير؛ لأنه لا يَطَّرِد إجراء قَعَدَ مُجْرَى صار. قال شهابُ الدين: «وهذا - الذي ذكره الزمخشري - صحيح، من كون قَعَد بمعنى: صار في غير ما أشار إليه هذا القائل؛ حكى أبو عمر الزاهد - عن ابن الأعرابي - أن العرب تقول: قعد فلان أميراً بعد أن كان مأموراً، أي: صار» . ثم قال أبو حيان: وأما إجراء قام مُجْرَى صار، فلا أعلم أحداً عدَّها في أخَوَاتِ «كان» ، ولا جعلها بمعنى «صار» إلا ابن هشام الخَضْراوي، فإنه ذكر - في قول الشاعر: [الوافر]

стр. 2883

١٦٠٨ - عَلَى مَا قَامَ يَشْتِمُنِي لَئِيمٌ ... كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي رَمَادِ أنها من أفعال المقاربة. قال شهابُ الدين: «وغيرُه من النحويين من يجعلها زائدةً، وهو شاذٌّ، أيضاً» . وقرأ العامة: «تبوّئ» بعدَّوْه بالتضعيف، وقرأ عبد الله: «تُبْوِئ» ، بسكون الباء فعدَّاه بالهمزة، فهو مضارع أبْوَأ - كأكرم. وقرأ يحيى بن وثَّاب «تُبْوِي» كقراءة عبد الله، إلا أنه سَهَّل بإبدالها ياءً، فصار لفظه كلفظ: يُحيي. وقرأ عبد الله: للمؤمنين - بلام الجر - كقوله: «وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت» وقد تقدم أن في هذه اللام قولين، والظاهر أنها معدية؛ لأنه قبل التضعيف، والهمزة غيرُ متعدٍّ بنفسه. ويحتمل أن يكون قد ضمَّنه - هنا - تهيِّئ، وترتِّب. وقرأ الأشهب «مقاعد القتال» - بإضافتها للقتال - واللام في «لِلْقِتَالِ» - في قراءة الجمهور - فيها وجهان: أوّلهما: - وهو أظهر -: أنها متعلقة ب «تبوئ» على أنها لام العلة. والثاني: أنها متعلقة بمحذوف؛ لأنها صفة لِ «مَقَاعِدَ» أي: مقاعد كائنة، ومُهَيَّأة للقتال، ولا يجوز تعلقها ب «مقاعد» ، وإن كانت مشتقة؛ لأنها مكان، والأمكنة لا تعمل. فصل كيفية النظم أنه - تعالى - لما قال: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران: ١٢٠] أتبعه ببيان أن الصبر يؤدي إلى النُّصْرة، والمعونة، ودَفْع ضرر العدو، وأن عدم الصبر يؤدي إلى خلاف ذلك، فقال: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ يعني: يوم أُحُد، كانوا كثيرين، مستعدِّين للقتال، فلما خالفوا أمر الرسول ﷺ َ انهزموا، ويوم بدر كانوا قليلين، غير مستعدين للقتال، فلما أطاعوا أمر الرسول ﷺ َ غَلَبُوا. وفيه وجه آخر، وهو أنه لما نهى عن اتخاذ المنافقين بطانة، بيَّن - هنا - العلة في ذلك، وهي أن انكسارَكم يوم أحُد، إنما حصل بسبب تخلُّف عبد الله بن أبَيِّ ابْن سَلُول، المنافق.

стр. 2884

فصل اختلفوا في هذا اليوم. فقال ابن عباس، والسُّدِّيّ، وابنُ إسْحَاقَ، والرَّبِيعُ، والأصم، وأبو مسلم، وأكثر المفسرين: إنه يوم أُحُد. وقال الحسنُ: هو يوم بدر. وقال مجاهد ومقاتل: هو يوم الأحزاب، واحتج الأولون بوجوه: الأول: أن أكثر العلماء بالمغازي ذكروا أن هذه الآية نزلت في واقعة أحُد. والثاني: أنه - تعالى - قال بعد هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣] ، والظاهر أنه معطوف على ما تقدم، وحقُّ المعطوف أن يغاير المعطوفَ عليه، وأما يوم الأحزاب فالقوم إنما خالفوا أمر الرسول ﷺ َ يوم أحُد، لا يوم الأحزاب، فكانت قصة أحُد ألْيَقَ بهذا الكلام، لأن المقصود من ذكر هذه القصة تقرير قوله: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٠] . الثالث: أن الانكسار كان في يوم أُحُد أكثر منه في يوم الأحزاب، لأن في يوم أُحُد قَتَلُا جَمْعاً كثيراً من أكابر الصحابة، ولم يتفق ذلك في يوم الأحزاب، فكان حمل الآية على يوم أحُد أوْلَى. الرابع: أن ما بعده إلى قريب من آخر السورة متعلق بحرب أحد. فصل قال مُجَاهِدٌ، والكَلْبِيُّ، والوَاقِدِي: غَدَا رسول الله ﷺ َ من منزل عائشة، فمشى على رجليه إلى أحد، يَصُفُّ أصحابَه للقتال، كما يقوم القداح، وروي أن المشركين نزلوا بأحُد يوم الأربعاء، فلما سمع رسول الله ﷺ َ بنزولهم، استشار أصحابه، ودعا عبدَ الله

стр. 2885

ابْن أبيّ ابْنَ سلول - ولم يدعه قط قبلها -، فاستشاره، فقال عبد الله بن أبَيّ، وأكثر الأنصار: يا رسول الله أقم بالمدينة، لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا عنها إلى عدو قط إلا أصاب منا، ولا دخل عدو علينا إلا أصبْنَا منه، فدعهم، فإن أقاموا أقاموا بِشَرِّ موضع، وإن دخلوا قاتلهم الرجالُ في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين، فأعْجَبَ رسول الله ﷺ َ هذا الرأيُ. وقال آخرون: اخرج بنا إلى هؤلاء الأكْلُب؛ لئلا يظنّوا أنا قد خفناهم وضعفنا، فقال ﷺ َ: «إنِّي رَأيْتُ فِي مَنَامِي بَقَرَةً تُذْبَحُ حَوْلِي، فأوَّلْتُها خَيْراً، وَرَأيْتُ فِي ذُبَابَةِ سَيْفِي ثَلْماً، فَأوَّلْتُه هَزِيمَةً ورايت كأنِّي أدْخَلْتُ يَدِي فِي دِرْع حَصِينَة، فأوَّلْتُها المَدِينَةَ، فَإنْ رَأيْتُمْ أن تُقِيمُوا بِالْمَدِينَةِ، وتدعوهُمْ - وَكَانَ يُعْجِبُهُ أنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ الْمَدِينَةَ، فِيُقَاتَلُوا في الأزقَّة - فَقَالَ رِجالٌ مِنَ المُسْلمين فَاتَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وأكْرَمَهُمُ اللهُ بِالشَّهَادَةِ يَوْمَ أحُدٍ: اخْرُجْ بِنَا إلَى أعْدائِنَا، فَلَمْ يَزَالُوا برسول اللهِ ﷺ َ حَتَّى دَخَلَ، فَلَبَس لأمَتهُ، فَلَمَّا رَأوْهُ قَدْ لَبِسَ السِّلَاحَ نَدِمُوا، وَقَالُوا: بِئْسَ ما صنعنا، نُشِيرُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ َ والوَحْيُ يَأتِيهِ!!! فَقُامُوا، واعْتَذَرُوا إلَيْهِ، وَقَالُوا: اصْنَعْ ما رأيت، فَقَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ َ لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَلْبَسَ لأمَتَهُ، فَيَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ - وَكَانَ قَدْ أقَامَ المُشرِكُون بأحُدٍ يَوْمَ الأرْبِعَاءِ، وَيَوْمَ الخَمِيسِ - فَرَاحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ َ يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَمَا صَلى بِأصْحَابِهِ الجمعة، وقد مَاتَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ َ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِمْ، فَأصْبَحَ بالشِّعْب من أحُد يوم السَّبْتِ للنصف من شَوَّال سنة ثلاثٍ من الهجرة، فَمَشَى عَلَى رجْلَيْهِ، وَجَعَلَ يصُفُّ أصحابَه لِلْقِتَالِ كَمَا تُقَوَّمُ القِدَاحُ، إنْ رَأى صدْراً بَارِزاً تأخَّر، وكان نزوله في جانب الوادي، وجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وأمَّرَ عبد الله بن جبير على الرُّماة، وقال: ادفعوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من ورائنا، وقال ﷺ َ لأصحابه: اثْبُتُوا فِي هَذَا المَقَامِ، فَإذَا عاينوكم وَلَّوْكم الأدبار، فلا تطلبوا المدبرين، ولا تخرجوا من هذا المقام» . ثم إن رسول الله ﷺ َ لما خالف رأي عبد الله بن أبي شق ذلك عليه، وقال: أطاع الولدان وعصاني، ثم قال لأصحابه: إن محمداً إنما يظفر بعدوه بكم، وقد واعد أصحابه أن أعداءهم إذا عاينوهم انهزموا، فإذا رأيتم أعداءه فانهزموا، فيتبعوكم، فيصير الأمر على خلاف ما قاله محمد ﷺ َ، فلما التقى الفريقان انهزم عدو الله بالمنافقين، وكان جملة عسكر المسلمين ألفاً، فانهزم عبد الله بن أبي بثلاثمائة، وبقيت سبعمائة، فذلك قوله تعالى: «إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا» [آل عمران: ١٢٢] . أي: أن تضعفا، وتجبُنا، وتتخلفا. والطائفتان: بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي العسكر، وكان ﵇ قد خرج في ألف رجل، فانخزل عبد الله بن أبي بثلث الجيش، وقال: نقتل أنفسنا وأولادنا! فتبعهم أبو جابر السُّلمِي، وقال: أنشدكم الله في نبيكم، وفي

стр. 2886

أنفسكم، فقال عبد الله بن أبَيّ: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاّتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] ، وهمت بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف مع عبد الله بن أبيّ، فعصمهم الله، فلم ينصرفوا، فذكرهم الله عظيم نعمته. فقال ﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا والله وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران: ١٢٢] ناصرهما، وحافظهما، ثم قواهم الله، حتى هزموا المشركين، فلما رأى المؤمنون انهزام القوم، طلبوا المدبرين، فأراد الله أن يعظهم عن هذا الفعل؛ لئلا يقدموا على مخالفة أمر الرسول ﷺ َ، وليعلموا أن نصرهم غنما حصل ببركة طاعتهم لله ولرسوله، ومتى تركهم الله مع عدوهم لم يقوموا لهم، فنزع الله الرُّعب من قلوب المشركين، فكَرَّ عليهم المشركون، وتفرق العسكر ن رسول الله ﷺ َ كما قال تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ على أحَدٍ والرسول يَدْعُوكُمْ في أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣] ، وشُجَّ وَجْه الرسول ﷺ َ، وكُس~رَت رَبَاعِيَتهُ، وشَلَّتْ يد طلحة دونه، ولم يَبْقَ معه إلا أبو بكر، وعليّ، والعباسُ، وطلحة وسعد، ووقعت الصيحة في العسكر بأن محمداً ﷺ َ قد قُتِل، ثم نودي على الأنصار بأن هذا رسول الله، فرجع إليه المهاجرون والأنصار، وكان قد قُتِل منهم سبعون، وأكْثر فيهم الجراح، فقال ﷺ َ: «رحم الله رجلاً ذَبَّ عن إخوانه، وشدَّ على المشركين بمن معه حتى كشفهم عن القتلى والجرحى» ، وكان الكفار ثلاثة آلاف، والمسلمون ألفاً - أو أقل - رجع عبد الله بن أبي في ثلاثمائة، وبقي مع الرسول ﷺ َ سبعمائة، وأعانهم الله حتى هزموا الكفارَ، ثم لمَّا خالفوا أمرَ الرسول ﷺ َ، واشتغلوا بطلب الغنائم انقلب الأمر عليهم، وانهزموا. قوله: ﴿والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع لأقوالكم، «عليم» بضمائركم؛ لأنه ﷺ َ لما شاور أصحابه في تلك الحرب، فقال بعضهم: أقم بالمدينة، وقال آخرون: اخرج إليهم، فكان لكل أحد غرض في نفسه، فمن موافق ومن منافق، فقال تعالى: ﴿أنا سميع لما تقولون عليم بما تسرون﴾ .

стр. 2887

قوله: ﴿إِذْ هَمَّتْ﴾ في هذا الظرف أوجه: أحدها: أنه ظَرْف ل ﴿غَدَوْتَ﴾ . الثاني: أنه بدل من ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ ، فالعامل، فيه هو العامل في المُبْدَل منه. الثالث: أنه ظرف ل ﴿تُبَوِّىءُ﴾ . وهذه الأوجه تحتاج إلى نقل تاريخي في اتحاد الزمانين.

стр. 2888

الرابع: أن الناصب له «عَليمٌ» وحده - ذكره أبو البقاء. الخامس: أن العامل فيه إما «سَمِيعٌ» ، وإما «عَلِيمٌ» على سبيل التنازع، وتكون المسألة - حينئذ - من إعمال الثاني، إذ لو أعمل الأول، لأضمر في الثاني. قال الزمخشري: أو عمل فيه معنى: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . قال أبو حيان: «وهذا غير محرَّر؛ لأن العامل لا يكون مركباً من وصفين، فتحريره أن يقال: عمل فيه معنى سميع، أو عليم، وتكون المسألة من التنازع» . قال شهاب الدين: «لم يرد الزمخشري بذلك إلا ما ذكرناه من إرادة التنازع، ويصدق أن يقول: عمل فيه هذا وهذا بالمعنى المذكور؛ لا أنهما عملا فيه معاً، على أنه لو قيل به لم يكن مبتدعاً قولاً؛ إذ الفراء يرى ذلك، ويقول - في نحو: ضربتُ وأكرمتُ زيداً: إن زيداً منصوب بهما، وإنهما سُلِّطَا عليه معاً» . فإن قيل: إذا كان الهمُّ العزم فظاهر الآية يدل على أن الطائفتين عزمتا على الفشل، والترك - وذلك معصية - فكيف يليق أن يقال: ﴿والله وَلِيُّهُمَا﴾ ؟ فالجواب: أن الهَمَّ قد يُرادُ به الكفر، وقد يراد به: حديث النفس، وقد يراد به: ما يظهر من القول الدالِّ على قوة العدو وكثرة عدده، وأيُّ شيء ظهر من هذا الجنس صح أن يوصف صاحبه بأنه هَمَّ أن يفشل، من حيث ظهر منه ما يوجب ضَعْف القلب، وإذا كان كذلك، فلا يدل على أن المعصية وقعت منهما، وبتقدير أن يقال ذلك، فيكون من باب الصغائر؛ لقوله: ﴿والله وَلِيُّهُمَا﴾ . وقيل: الهَمّ دون العزّم، وذلك أن أول ما يمر بقلب الإنسان يُسَمَّى: خاطراً، فإذا قويَ سُمِّيَ: حديث نفسٍ، فإذا قَوِيَ سُمِّيَ: هَمًّا، فإذا قَوِيَ سُمِّيَ: عزماً، ثم بعده إما قول، أو فعل. وبعضهم يُعَبِّر بالهَم عن الإرادة، تقول العرب: هممت بكذا، أهُمَ به - بضم الهاء - ويقال: همت - بميم واحدة - حذفوا إحدى الميمين تخفيفاً، كما قالوا: مِسْت وظلت، وحست - في مَسِسْتُ وظَلِلْتُ وحَسِنْتُ - وهو غير مقيس. والهم - أيضاً -: الحُزْن الذي يُذِيب صاحبه، وهو مأخوذ من قولهم: همت الشحم - أي: أذبته، والهم الذي في النفس قريب منه، لأنه قد يؤثر في نفس الإنسان، كما يؤثر الحُزْن. ولذلك قال الشاعر: [الطويل] ١٦٠٩ - وَهَمُّكَ مَا لَمْ تُمْضِهِ لَكَ مُنْصِبٌ ...

стр. 2889

أي: إنك إذا هممت بشيء، ولم تفعله، وجال في نفسك، فأنت في تعب منه حتى تقضيَه. قوله: ﴿أن تَفْشَلَا﴾ متعلق ب «هَمَّتْ» ؛ لأنه يتعدى بالباء، والأصل: بأن تفشلا، فيجري في محل «أن» الوجهان المشهوران. والفشل: الجبن والخَوَر. وقال بعضهم: الفشل في الرأي: العجز، وفي البدن: الإعياء، وعدم النهوض، وفي الحرب الجُبْن والخَوَر، والفعل منه فَشِل - بكسر العين - وتفاشل الماء - إذا سال -. وقرأ عبد الله: والله وليهم، كقوله: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: ٩] . قوله: ﴿وَعَلى الله﴾ متعلق بقوله: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ ، قدم للاختصاص، ولتناسب رؤوس الآي. وتقدم القول في نحو هذه الفاء. قال أبو البقاء: «دخلت الفاء فمعنى الشرط، والمعنى: إن فشلوا فتوكلوا أنتم، أو إنْ صعب الأمر فتوكلوا» . قال جابر: نزلت هذه الآية - ﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا﴾ - فينا - بني سلمة، وبني حارثة وما أحب أنها لم تنزل، والله يقول: ﴿والله وَلِيُّهُمَا﴾ . قال ابنُ الخَطِيبِ: «ومعنى ذلك فرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله تعالى، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية، وأن تلك الهمَّة، ما أخرجتهم عن ولاية الله تعالى» . والتوكُّل: تفعُّل، إمَّا من الوكالة - وهي: تفويض الأمر إلى من يوثق بحُسْن

стр. 2890

تدبيره، ومعرفته في التصرُّف - وإمَّا من وكل أمره إلى فلان، إذا عجز عنه. قال ابنُ فارس: «هو إظهار العَجْز، والاعتماد على غيرك» ، يقال: فلان وكله يَكِلُه، أي: عاجز يكلُ أمره إلى غيره، والتاء في تُكَلَة بدل من الواو، كتخمة وتجاه وتراث. فصل اختلف العلماء في حقيقة التوكل، فسئل عنه سَهْل بن عبد الله، فقال: قالت فرقة: هو الرضا بالضمان وقطع الطمع من المخلوقين. وقال قوم: التَّوكُّل: ترك الأسباب، والركون إلى مُسَبِّب الأسباب، فإذا شغله السبب عن المسبب، زال عنه اسم التوكُّل. قال سهل: من قال: التوكل يكون بتَرك السبب، فقد طعن في سنة رسول الله ﷺ َ؛ لأن الله يقول: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالاً طَيِّبا﴾ [الأنفال: ٦٩] ، والغنيمة اكتساب، وقال ﷺ َ: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ الْمُحْتَرِفَ» .

стр. 2891

في كيفية النظم وجهان: أحدهما: أنه - تعالى - لمَّا ذكر قصةَ أحُد أتبعها بقصة بدر؛ لأن المشركين كانوا في غاية القوة، ثم سلط المسلمين عليهم، فصار ذلك دليلاً على أن العاقل يجب أن لا يتوسل إلى غرضه إلا بالتوكل على الله، ويكون ذلك تأكيداً لقوله: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئا﴾ [

стр. 2892

آل عمران: ١٢٠] ، وقوله: ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ [آل عمران: ١٢٢] . الثاني: أنه - تعالى - حكى عن الطائفتين أنهما همتا بالفشل، ثم قال: ﴿والله وَلِيُّهُمَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ [آل عمران: ١٢٢] . ثعني: من كان الله ناصراً له ومعيناً له فكيف يليق به الفشل؟ ثم أكَّد ذلك بقصة بدر؛ فإن المسلمين كانوا في غاية الضعف، ولكن لمَّا كان الله تعالى ناصراً لهم، فازوا بمطلوبهم، وقهروا خصومهم، فهذا وجه النظم. والنصر: العون، نصرهم الله يوم بدر، وقتل فيه صناديد المشركين، وعلى ذلك اليوم ابتني الإسلام، وكان أول قتال قاتله النبي ﷺ َ. قوله: ﴿بِبَدْرٍ﴾ متعلق ب ﴿نَصَرَكُمُ﴾ ، وفي الباء - حينئذ - قولان: أحدهما: - وهو الأظهر -: أنها ظرفية، أي: في بدر، كقولك: زيد بمكة، أي: في مكة. الثاني: أن تتعلق بمحذوف على أنها باء المصاحبة، فمحلُّها النصب على الحال، أي: مصاحبين لبدر، و «بدر» : اسم لماء بين مكة والميدنة، سُمِّي بذلك لصفائه كالبدر. وقيل: لاستدارته وقيل: اسم بئر لرجل يقال له: بدر، وهو بدر بن كلدة، قاله الشعبي، وأنكر عليه بذكر الله - تعالى - مِنَّتَه عليهم بالنُّصْرَةِ يوم بدر وقيل: إنه اسم للبئر كما يسمى البلد باسم من غير أن ينقل إليه اسم صاحبه. قاله الواقدي وشيوخه. وقيل: اسم وادٍن وكان يوم بدر السابع عشر من رمضان وكان يوم الجمعة، لثمانية وعشرين شهراً من الهجرة. قوله: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ في محل نصب على الحال من مفعول: ﴿نَصَرَكُمُ﴾ و ﴿أَذِلَّةٌ﴾ جمع ذليل وهو جمع قلة؛ إشعاراً بقلتهم مع هذه الصفة، و «فعيل» الوصف - قياس جمعه على فعلاء، كظريف وظرفاء، وشريف وشرفاء، غلا أنه تُرِك في المضعَّف؛ تخفيفاً ألا ترى إلى ما يؤدي إليه جمع ذليل وخليل على ذُللاء وخُللاء من الثقل؟ فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِين﴾ [المنافقون: ٨] فما معنى قوله: ﴿وَأنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ ؟ فالجواب من وجوه: الأول: أنه بمعنى: القلة وضعف الحال، وقلة السلاح والمال، وعدم القدرة على مقاومة العدو، وأن نقيضه العِز، وهو القوة والغلبة. رُوِيَ أن المسلمين كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، ولم يكن فيهم إلا فرس واحد، وأكثرهم رَجَّالة، وربما كان الجمع منهم يركبون جَمَلاً واحداً، والكفار كانوا قريبين من ألف مقاتل، ومعهم مائة فرس، مع الأسلحة الكثيرة، والعُدَّة الكاملة. قال القرطبيُّ: واسم الذل في هذا الموضع مستعار، ولم يكونوا في أنفسهم إلا

стр. 2893

أعزَّة، لكن نسبتهم إلى عدوهم، وإلى جميع الكفار في أقطار الأرض، تقتضي عند التأمل ذِلّتَهُمْ، وأنهم يغلبون. الثاني: لعل المراد: أنهم كانوا أذلة في زَعْم المشركين، واعتقادهم؛ لأجل قلة عددهم، وسلاحهم وهو مثل ما حكى الله - تعالى - عن الكفار قولهم: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل﴾ [المنافقون: ٨] . الثالث: أن الصحابة كانوا قد شاهدوا الكفار بمكة في قوتهم، وثروتهم، وثروتهم، إلى ذلك الوقت، ولم يَبْقَ للصحابة عليهم استيلاء، فكانت هيبتهم باقية في قلوبهم، فلهذا السبب كانوا يهابونهم ويخافونهم. ثم قال: ﴿فاتقوا الله﴾ أي: في الثَّباتِ مع رسوله. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ بتقواكم ما أنعم الله به عليكم ممن نصرته، أو لعل الله ينعم عليكم نعمة أخرى تشكرونها، فوضع الشكر موضع الإنعام؛ لأنه سبب له. قوله: ﴿إذْ تَقُولُ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منصوب بإضمار اذكر. الثاني: إن قلنا: إن هذا الوعد حصل يوم بَدْر، فالعامل في «إذْ» قوله: ﴿نَصَرَكُمُ الله﴾ والتقدير: إذ نصركم الله ببدر، وأنتم أذلة إذ تقول للمؤمنين. وإن قلنا: إن هذا الوعد حصل يوم أُحُد، فيكون بَدَلاً من قوله: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ﴾ [آل عمران: ١٢٢] ، فهذه ثلاثة أوجه. فصل رُوِي عن ابن عبَّاسٍ والكَلْبِيِّ والواقِدِيِّ ومُقَاتِلٍ ومُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ: أنه يوم أُحُد، لوجوه: أحدها: أن يوم بدر إنما أمِدَّ الرسولُ ﷺ َ بألف من الملائكة لقوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الملاائكة﴾ [الأنفال: ٩] ، فكيف يليق به ما ذكر فيه ثلاثة آلاف، وخمسة آلاف؟ وثانيها: أن الكفارَ كانوا يوم بدر ألفاً، وما يقرب منه، والمسلمون كانوا على الثلث منهم؛ لأنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، فأنزل الله تعالى يوم بدر ألفاً من الملائكة، فصار عدد الكُفَّار مقابلاً بعدد الملائكة مع زيادة عدد المسلمين، فلا جرم، وقعة الهزيمة على الكفار، فكذلك يوم اُحُد، كان عدد المسلمين ألفاً، وعدد الكفار ثلاثة آلاف، فكان عدد المسلمين على الثلث من عدد الكفار في هذا اليوم، فوعدهم الله في هذا اليوم أن ينزل ثلاثة

стр. 2894

آلاف من الملائكة؛ ليصير عدد الكفار مقابلاً لعدد الملائكةِ، مع زيادة عدد المسلمين، فيصير ذلك دليلاً على أن المسلمين يهزمونهم، كما هزموهم يوم بدر، ثم جعل الثلاثة آلاف خمسة آلاف لتزداد قوة المسلمين في هذا اليوم ويزول الخوف عن قلوبهم. وثالثها: أنه قال في هذه الآية: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلااف مِّنَ الملاائكة مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] . والمراد: ويأتيكم أعداؤكم من فورهم، ويوم أحُد هذا اليوم الذي كان يأتيهم الأعداء، فأما يوم بدر، فإنهم لم يأتوهم، بل هم ذهبوا إلى الأعداء. فإن قيل: إنه ﷺ َ وعدهم بخمسة آلاف يوم أُحُد، فحصول الإمداد بثلاثة آلاف يلزم منه الخلف في الوعد؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن إنزال الآلاف الخمسة، كان مشروطاً بأن يصبروا، ويتَّقوا في المغانم، فَخَالَفُوا أمر الرسول ﷺ َ فلما فات الشرط، فات المشروط، وأمَّا إنزال الآلاف الثلاثة، فقد وَعَدَ المؤمنين بها حين بوَّأهُم مقاعدَ القتال. الثاني: أنا لا نسلم أنَّ الملائكة ما نزلت. روى الواقدي عن مجاهد قال: حضرت الملائكة يومَ أُحُد، ولكنهم لم يقاتلوا، ورُوِيَ أن الرسول ﷺ َ أعطى اللواءَ مُصْعَبَ بن عُمَيْر، فقُتِل مُصْعَبٌ، فأخذه ملك في صورة مُصْعَب، فقال رسول الله ﷺ َ: «تقدم يا مصعب» ، فقال الملك: لستُ بمُصعَب، فعرف الرسول ﷺ َ أنه مَلَك أمِدَّ به. وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال: كنت أرمي السهمَ يومئذٍ، فيرد علي رجل أبيض، حسن الوجه، وما كنت أعرفه، وظننت أنه مَلَك. فعلى هذا القول يكون قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ﴾ مُعْتَرِضاً بين الكلامين. وقال قتادة: أمدَّهم الله يوم بدر بألفٍ من الملائكة، على ما قال: ﴿فاستجاب لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الملاائكة﴾ [الأنفال: ٩] ، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسةَ آلاف، كما قال هاهنا: ﴿بلى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلااف﴾ [آل عمران: ١٢٥] ، فصبروا يوم بدر واتقوا، فأمدم الله بخمسة آلاف كما وعد، ويدل على ذلك أنَّ قلة العَدَد والعُدَد كانت يومَ بدر أكثر، فكان الاحتياج إلى المَدَد يقوي القلب -

стр. 2895

في ذلك اليوم - أكثرَ، فصَرْف الكلام إليه أوْلَى؛ ولأن الوعدَ بإنزال ثلاثة آلاف من الملائكة كان مطلقاً، غير مشورط بشرطٍ، فوجب أن يحصل، وإنَّما حصل يوم بدر، لا يوم أُحُد، وليس لأحد أن يقول: إنهم نزلوا، لكن ما قاتلوا؛ لأنهم وُعِدوا بالإمداد، وبمجرد الإنزال لا يحصل الإمداد، بل لا بدّ من الإعانة، والإعانة حصلت يوم بدر، لا يوم أُحُد. وأما الجواب عن أدلة الأولين، فأما قولهم - في الحُجَّة الأولى - إنَّ النبي ﷺ َ، إنما أمِدَّ يَوْمَ بدر بألف، فالجواب من وجهين: الأول: أنه - تعالى - أمد أصحاب الرسول ﷺ َ بألف، ثم زاد فيهم ألفين، فصاروا ثلاثةَ آلاف، ثم زاد ألفين آخرين، فصاروا خمسةَ آلاف فكأنه ﷺ َ قال لهم: «ألن يكفيكم أن يُمِدَّكُم رَبُّكم بثلاثة آلاف؟ فقالوا: بلى فقال لهم: إن تصبروا وتتقوا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بخمسة آلافٍ» . الثاني: أن أهل بدر إنَّما أمِدُّوا بألْف - على ما ذكر في سورة اطلأنفال ثم بلغهم أن بعض المشركين يريد إمداد قُرَيْش بعدد كثير، فخافوا، وشَقَّ عليهم ذلك، لقِلَّة عددهم، فوعدهم الله بأن الكفار إن جاءَهم مدد، فأنا أمِدُّكم بخمسة آلاف من الملائكة، ثم إنه لم يأتِ قريشاً ذلك المدد بل انصرفوا حين بلغهم هزيمة قُرَيشٍ، فاصتغنى إمداد المسلمين عن الزيادة على الألف. وأما قولهم: إن الكفارَ كانوا - يوم بَدْرٍ - ألْفاً، فأنزل الله تعالى ألفاً من الملائكة، ويوم أُحُد كانوا ثلاثة آلاف فأنزل الله ثلاثةَ آلاف، فهذا لا يوجب أن يكون الأمر كذلك، بل يفعل الله ما يشاء من زيادةٍ ونَقْصٍ بحسب ما يريد، وأما التمسك بقوله: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ﴾ فالجواب: أن المشركين لمّا سمعوا أن الرسول ﵊ ُ وأصحابه قد تعرَّضوا للعير ثار الغضب في قلوبهم، واجتمعوا، وقصدوا النبيَّ ﷺ َ، ثم إن الصحابةَ لما سمعوا ذلك، خافوا فأخبر الله تعالى أنهم إن يأتوكم من فَوْرِهم يُمْدِدكم بخمسةِ آلاف من الملائكة. فصل قال القرطبيُّ: «نزول الملائكة سبب من أسباب النصر، لا يحتاج إليه الرَّبُّ تعالى، وإنما يحتاج إليه المخلوق، فلْيَعْلَق القلبُ بالله، ولْيَثِقْ به، فهو الناصر بسبب وبغير سبب ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُون﴾ [يس: ٨٢] ، لكن أخبر بذلك ليمتثل الخَلْقُ ما أمرهم به من الأسباب التي قد خلت من قبل ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٢] ، ولا يقدح ذلك في التوكُّل، وهو رَدٌّ على مَنْ قال: إن الأسبابَ إنما سُنَّتْ في حَقِّ الضعفاء، لا الأقوياء؛ فإنَّ النبي ﷺ َ وأصحابه كانوا أقوياءَ، وغيرهم هم الضعفاء، وهذا واضح» .

стр. 2896

فصل في اختلافهم في عدد الملائكة اختلفوا في عدد الملائكة، فمن الناس مَنْ ضَمَّ العدد الناقص إلى العدد الزائد؛ فقالوا: الوعد بإمداد الثلاثة لا شرط فيه، والوعد بإمداد الخمسة مشروط بالصبر والتَّقْوَى، ومجيء الكفار من فورهم، فلا بد من التغاير، وهذا القول ضعيف، لأنه لا يلزم من كون الخمسة مشروطة، أن تكون الثلاثة التي هي جزؤها مشروطة بذلك الشرط. ومنهم من أدخل العدد الناقص في العدد الزائد. فعلى القول الأول إن حَمَلْنا الآية على قصة بدر، كان عدد الملائكة تسعة آلاف؛ لأنه تعالى ذكر الألف وذكر ثلاثة آلاف، وذكر خمسة آلاف، فالمجموع تسعة آلاف. وإن حملناها على قِصَّة أُحُدٍ، فإنما فيها ذكر الثلاثة والخمسة، فيكون المجموع ثمانية آلاف. وعلى القول الثاني: وهو إدخال الناقص في الزائد، فإن حملنا الآية على قصة بدر، فقالوا: عدد الملائكة: خمسة آلاف؛ لأنهم وُعِدوا بالألف، ثم ضُمَّ إليه الألفان، فصاروا ثلاثةً، ثم ضُمَّ إليه ألفان، فلا جرم، وعدوا بخمسة آلاف. وقد رُوِيَ أن أهْلَ بَدْر أمِدُّوا بألْف، فقيل: إن كُرْز بن جابر المحاربيّ يريد ان يُمِدَّ المشركين، فشَقَّ ذلك على المسلمين، فقال النبي ﷺ َ لهم: «ألَنْ يَكْفِيَكُمْ» يعني بتقدير أن يجيء المشركين مَدَدٌ، فالله - تعالى - يمدكم - أيضاً - بثلاثة آلاف وخمسة آلاف، ثم إن المشركين ما جاءهم المَدَدُ «. وإن حملناها على قصة أُحُد، فيكون عدد الملائكة ثلاثة آلاف؛ لأن الخمسةَ، وعدوا بها بشرط أن يَصْبروا ويتقوا، ويأتوهم من الفور. فصل أجمع المفسرون وأهلُ السِّير على أن الله - تعالى - أنزل الملائكةَ يوم بدر، وأنهم قاتلوا الكفارَ. قال ابن عباس ومجاهد: لم تقاتل الملائكة في المعركة إلا يوم بدرٍ، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال، ولا يقاتلون، إنما يكونون عدداً ومدداً وهذا قول الأكثرين. وقال الحسن: هؤلاء الخمسة آلافٍ ردء المؤمنين إلى يوم القيامة في المعركة. وأنكر ابو بكر الأصم ذلك أشد الإنكار، واحْتَجَّ عليه بوجوه: الأول: أن الملك الواحد يكفي في إهلاك أهل الأرض؛ فإنَّ المشهور أنَّ جبريل ﵇ أدخل جناحه تحت المدائن السبع لقوم لوط، وبلغ جناحُه إلى الأرض السابعة، ثم رفعها إلى السماء، فجعل عاليها سافلَها، فإذا حضر هو يوم بدر، فأيُّ حاجة

стр. 2897

إلى مقاتلةِ الناسِ مع الكفار؟ ثم بتقدير حضوره، فأي فائدة في إرسال سائر الملائكة؟ الثاني: أن أكابر الكفار كانوا مشهورين، وكل واحد منهم مقابله من الصحابة معلوم، وإذا كان كذلك امتنع إسناد قتله إلى الملائكة. الثالث: أن الملائكة لو قاتلوا لكانوا إما أن يصيروا بحيث يراهم الناس، أوْ لا، فإن رآهم الناس، فإما أن يروهم في صورة الناس، أو في صورة غيرهم، فإنْ رَأوْهُمْ في صورة الناس، صار المشاهَد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف أو أكثر، ولم يَقُلْ بذلك أحدٌ؛ لأنه مخالف لقوله تعالى: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ في أَعْيُنِهِم﴾ [الأنفال: ٤٤] وإن شاهدوهم في صور غير صور الناس، لزم وقوع الرُّعْب الشديد في قلوب الخلق؛ لأن من شاهد الجن، لا شك أنه يشتد فَزَعُه - ولم ينقل ذلك ألبتة - وإن لم يَرَوْهُم، فعلى هذا التقدير إذا حاربوا، وحزوا الرؤوس، وشقُّوا البطون، وأسقطوا الكفار عن الأفراس، فحينئذ إذا شاهد الكفار هذه الأفعال مع أنهم لم يشاهدوا أحَداً من الفاعلين، وهذا يكون من أعظم المعجزات، فيجب أن لا يبقى منهم كافر ولا متمرد، ولما لم يوجد شيء من ذلك عُرفَ فسادُه. الرابع: أن الملائكة الذين نزلوا، إما أن يكونوا أجساماً لطيفةً أو كثيفة، فإن كانت كثيفةً وجب أن يراهم الكل كرؤية غيرهم، ومعلوم أن الأمر ما ان كذلك، وإن كانت لطيفةً مثل الهواء - لم يكن فيهم صلابة وقوة، ويمتنع كونهم راكبين على الخيول. والجواب: أن نص القرآن ناطق بِها، وقد وردت في الأخبار قريب من التواتر قال عبد الله بن عُمَيْر لما رجعت قريش من أحد، جعلوا يتحدثون في أنْدِيَتِهم بما ظفروا، ويقولون: لم نَرَ الخيل البُلْق، ولا الرجالَ البيضَ الذين كُنَّا نراهم يومَ بدر. وقال سعدُ بن أبي وقاص: رأيتُ عن يمين رسول الله ﷺ َ وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بِيضٌ، ما رأيتهما قبل، ولا بعد. قال سعدُ بن إبراهيمَ: يعني: جبريل وميكائيل. وهذه الشبهة إنما تليق بمن يُنكر القرآن والنبوة، فأما من يُقِرُّ بهما، فلا يليق به شيءٌ من هذا، وهذه الشبهة إذا قابلناها بكمال قدرة الله - تعالى - زالت؛ فإنه - تعالى - يفعل ما يشاء؛ لأنه قادر على جميع الممكنات. فصل اختلفوا في كيفية نُصْرة الملائكة.

стр. 2898

فقال بعضهم: بالقتال مع المؤمنين. وقال بعضهم: بل بتقوية نفوسهم، وإشعارهم بأن النُّصْرة لهم، وإلقاء الرعب في قلوب الكفار. وقال أكثر المفسرين: إنهم لم يقاتلوا في غير بدر. قوله: ﴿أَلَنْ يَكْفِيكُمْ﴾ معنى الكفاية: هو سَدُّ الخلة، والقيام بالأمر. يقال: كَفَاهُ أمر كذا، أي: سَدَّ خلته. والإمداد: إعانة الجيش بالجيش، وهو في الأصل إعطا ءالشيء حالاً بعد حال. قال المفضَّل: ما كان على جهة القوة والإعانة، قيل فيه: أمَدَّه يُمِدُّه، وما كان على جهة الزيادة، قيل فيه: مَدَّه يَمُدُّه مَدًّا ومنه: ﴿والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر﴾ [لقمان: ٢٧] . وقيل: المَدُّ في الشر، والإمداد في الخير؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] وقوله: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً﴾ [مريم: ٧٩] وقال في الخير: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْف﴾ [الأنفال: ٩] وقال: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِين﴾ [الإسراء: ٦] . قوله: ﴿أَن يُمِدَّكُمْ﴾ فاعل، ﴿أَلَنْ يَكْفِيكُمْ﴾ أي: ألن يكفيكم إمدادُ ربكم، والهمزة لما دخلت على النفي قررته على سبيل الإنكار، وجيء ب «لن» دون «لا» ؛ لأنها أبلغ في النفي، وفي مصحف أبيّ «الا» بدون «لن» وكأنه قصد تفسير المعنى. و «بثلاثة» متعلق ب ﴿يُمِدَّكُمْ﴾ . وقرأ الحسن البصريّ «ثلاثة آلافٍ» - بهاء - ساكنة في الوصل - وكذلك «بخمسة آلافٍ» كأنه أجْرَى الوصل مُجْرَى الوقف، وهي ضعيفة؛ لأنها في متضايفين تقتضيان الاتصال. قال ابن عطية: ووجْه هذه القراءة ضعيف؛ لأن المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد يقتضيان الاتصال إذْ هما كالاسم الواحد، وإنما الثاني كمال الأول، والهاء إنما هي أمارة وقف، فيتعلق الوقف في موضع إنما هو للاتصال، لكن قد جاء نحو هذا للعرب في مواضعَ، من ذلك ما حكاه الفرَّاء من قولهم: أكلت لحما شاةٍ - يريدون لحم شاة - فَمَطلُوا الفتحةَ، حتى نشأت عنها ألِفٌ، كما قالوا في الوقف قالا - يريدون قال - ثم مَطَلُوا الفتحة في القوافي، ونحوها من مواضع الرؤية والتثبيت. ومن ذلك في الشعر قوله: [الكامل] ١٦١٠ - يَنْبَاعُ مِنْ ذِفْرَى غَضُوبٍ جَسْرَةٍ ... زَيَّافَةٍ مِثْلِ الْفَنِيقِ المُكْدَمِ

стр. 2899

يريد: «ينبع» ، فمطل ومثله قول الآخر: [الرجز] ١٦١١ - أقُولُ إذْ خَرَّتْ عَلَى الْكَلْكَالِ ... يَا نَاقَتَا مَا جُلْتُ مِنْ مَجَالِ يريد: «الكلكل» ، فمطل ومثله قول الشاعر: [الوافر] ١٦١٢ - فَأنْتَ مِنَ الْغَوَائِلِ حِينَ تُرْمَى ... وَمَنْ ذَمِّ الرِّجَالِ بِمُنْتَزَاحِ يريد: بمنتزح. قال أبو الفتح: «فإذا جاز أن يعترض هذا [الفتور] والتمادي بين أثناء الكلمة الواحدة، جاز التمادي بين المضاف والمضاف إليه، إذ هما اثنان» . قال أبو حيان - بعد نقل كلام ابن عطية -: «وهو تكثير وتنظير بغير ما يناسب، والذي يناسب توجيه هذه القراءة الشاذة أنها من إجراء الوَصْل مُجْرَى الوَقْف، وإجراء الوَقْف مُجْرَى الوصل والوصل مجرى الوقف موجود في كلامهم وأما قوله: لكن قد جاء نحو هذا للعرب في مواضع، وجميع ما ذكر إنما هو من باب إشباع الحركة، وإشباع الحركة ليس نحو إبدال التاء هاء في الوَصْل، وإنما نظير هذا قولهم: ثلاثة اربعة، أبدل التاء هاء، ثم نقل حركة همزة أربعة إليها، وحذف الهمزة، فأجْرَى الوصل مُجْرَى الوقف في الإبدال، ولأجل الوصل نقل فأجرى الوصل مُجْرى الوقف؛ إذْ لا يكون هذا النقل إلا في الوَصْل» . وقرئ شاذًّا - أيضاً -: بثلاثةْ آلاف - بتاء ساكنة، وهي أيضاً من إجراء الوصل مجرى الوقف من حيث السكون واختلفوا في هذه التاء الموقوف عليها الآن، أهي تاء التأنيث التي كانت، فسكنت فقط، أو هي بدل من هاء التأنيث المبدلة من التاء؟ ولا طائل تحته. قوله: ﴿مِّنَ الملاائكة﴾ يجوز أن تكون «مِنْ» للبيان، وأن تكون «مِنْ» ومجرورها في

стр. 2900

موضع الجر صفة ل «لَثَلاثَةِ» أو لِ «آلافٍ» . قوله: ﴿مُنْزَلِينَ﴾ صفة ل «ثلاثة آلاف» ، ويجوز أن يكون حالاً من «الْمَلَائِكَةِ» والأول أظهر. وقرأ ابن عامر «مُنزَّلين» - بالتضعيف - وكذلك شدد قوله في سورة العنكبوت: ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ على أَهْلِ هذه القرية رِجْزاً مِّنَ السمآء﴾ [العنكبوت: ٣٤] إلا أنه هنا - اسم مفعول، وهناك اسم فاعل. والباقون خفَّفوها وقرأها ابن أبي عَبْلَة - هنا - مُنَزَّلين - بالتشديد مكسور الزاي، مبنياً للفاعل. وبعضهم قرأه كذلك، إلا أنه خفف الزاي، جعله من أنزل - كأكرم - والتضعيف والهمزة كلاهما للتعدية، ففعَّل وأفْعل بمعنًى، وقد تقدم أن الزمخشري جعل التشديد دالاًّ على التنجيم وتقدم البحث معه في ذلك وفي القراءتنين الأخيرتين يون المفعول محذوفاً، أي: منزلين النصر على المؤمنين، والعذاب على الكافرين. قوله: ﴿بلى﴾ حرف جواب، وهو إيجاب للنفي في قوله: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ وقد تقدم الكلام عليه وجواب الشرط قوله: ﴿يُمْدِدْكُمْ﴾ . والفوز: العجلة والسرعة، ومنه: فارت القِدْرُ، إذا اشتد غلبانها وسارع ما فيها إلى الخروج، والفوز مصدر، يقال: فَار يفُورُ فَوْراً، قال تعالى: ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التنور﴾ [هود: ٤٠] ، ثم جعلوا هذه اللفظة استعارة في السرعة، يقال: جاء فلان من فوره وفيه قول الأصوليين الأمر للفور ويعبّر به عن الغضب والحِدة؛ لأن الغضبان يسارع إلى البطش بمن يغضب عليه، فالفَوْز - في الأصل -: مصدر، ثم يُعَبَّر به عن الحالة التي لا ريث فيها ولا تعريج على شيء سواها وقال ابن عباس والحسن وقتادة وأكثر المفسرين: معنى «مِنْ فَورِهم هَذَا» : من وجههم هذا. وقال مجاهد والضَّحَّاكُ: من غضبهم هذا؛ لأنهم إنَّما رجعوا للحرب يوم أُحُد من غَضَبِهم ليوم بدر. قوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ كقوله: ﴿مُنزَلِينَ﴾ ، وقرأ ابْنُ كَثيرٍ وأبُو عَمْروٍ وعَاصِمٌ بكسر الواو، على اسم الفاعل، والباقون بفتحها على اسم المفعول، فأما القراءة الأولى، فيحتمل أن تكون من السوم - وهو ترك الماشية ترعى - والمعنى: أنهم سَوَّموا خَيْلَهم، أي أعطوها سَوْمَها من الجَرْي والجَوَلان، وتركوها كذلك، كما يفعل من يسيم ماشيته في المرعى.

стр. 2901

ويحتمل أن تكون من السومة - وهي العلامة - على معنى أنهم سوموا أنفسهم، أو خيلهم. روي أنهم كانوا على خَيْلٍ بُلْقٍ، قال عروة بن الزبير: كانت الملائكة على خَيْل بُلْقٍ، عليهم عمائمُ بِيضٌ، قد أرسلوها بين أكتافهم. وقال هشام بن عروة: عمائم صفر. وروي أنهم كانوا بعمائم بيضٍ، إلا جبريل فبعمامة صفراء، على مثال الزبير بن العوام. قال قتادةُ والضَّحَّاكُ: كانوا قد علموا بالعهن في نواصي الخيل وأذنابها. ورُوِيَ أنَّ النَّبي ﷺ َ قال لأصحابه يوم بدر: «تسوموا، فإنَّ الملائكة قد تسومت بالصوف الأبيض في قلانسهم ومغافرهم» وأما القراءة الثانية، فواضحة بالمعنيين المذكورين، فمعنى السوم فيها: أن الله أرسلهم، إذ الملائكة كانوا مرسلين من عند الله لنُصْرة نبيه والمؤمنين. قال أبو زيد: سوم الرجل خَيْلَه، أي أرسلها. وحكى بعضهم: سومت غلامي، أي: أرسلته، ولهذا قال الأخفش: معنى «مُسَوَّمِينَ» مُرْسَلِين. ومعنى السومة فيها: أن الله - تعالى - سومهم، أي جعل عليهم علامة، وهي العمائم، أو أن الملائكة جعلوا خيلهم نوعاً خاصاً - وهي البلق - فقد سوموا خيلهم. فصل قال القُرْطُبِيُّ: «وفي الآية دلالة على اتخاذ الشارة، والعلامة للقبائل، والكتائب، يجعلها السلطان لهم؛ لتتميز كل قبيلة وكتيبة من غيرها عند الحرب، وعلى فضل الخيل البُلْق؛ لنزول الملائكة عليها» .

стр. 2902

قال القرطبي: «ولعلها نزلت على البلق موافقة لفرس المقداد؛ فإنه كان أبلق، ولم يكن له فرس غيره، فنزلت الملائكة على الخيل البُلْق، إكراماً للمقداد، كما نزل جبريل معتماً بعمامة صفراء على مثال الزبير» . قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ الله إِلَاّ بشرى﴾ الكناية في «جَعَلَهُ» عائدة على المصدر، أي: ما جعل الإمداد إلا بشرى لكم بأنكم تُنصرون، وهذا الاستثناء فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مفعول من أجله، وهو استثناء مفرغ؛ إذ التقدير: وما جعله لشيء من الأشياء إلا للبُشْرَى، وشروط نصبه موجودة، وهي اتحاد الفاعل، والزمان، وكونه مصدراً سبق للعلة. والثاني: أنه مفعول ثانٍ لِ «جَعَل» على أنها تصييرية. والثالث: أنه بدل من الهاء في «جَعَلَهُ» قاله الحوفيّ وجعل الهاء عائدةً على الوعد بالمدد. والبشرى: مصدر على «فُعْلَى» كالرُّجْعَى. وقيل: اسم من الإبشار، وتقدَّم الكلام في معنى البُشْرَى في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ [البقرة: ٢٥] . قوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنًّه معطوف على «بُشْرَى» هذا إذا جعلناها مفعولاً من أجله، وإنما جُرَّ باللام؛ لاختلال شرط من شروط النصب - وهو عدم اتحاد الفاعل - فإن فاعل الجَعْل هو الله - تعالى - وفاعل الاطمئنان القلوب، فلذلك نصب المعطوف عليه لاستكمال الشروط، وجر المعطوف باللام لاختلال شرطه، وقد تقدم، والتقدير: وما جعله إلا للبشرى وللطمأنينة. والثاني: أنها متعلقة بمحذوف، أي: ولتطمئن قلوبكم، فعلى ذلك، أو كان كيت وكيت. وقال أبو حيان: و «تطمئن» منصوب بإضمار «أن» بعد لام «كي» ، فهو من عطف الاسم على توهم موضع اسم آخر. ثم نقل عن ابن عطية أنه قال: «اللام في ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ متعلقة بفعل مضمر يدل عليه» جَعَلَهُ «ومعنى الآية: وما كان هذا الإمداد إلا لتستبشروا به، ولتطمئن به قلوبكم. قال أبو حيان:» وكأنه رأى أنه لا يمكن - عنده - أن يُعطف ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ على ﴿بشرى﴾ ، على الموضع؛ لأن من شرط العطف على الموضع - عند أصحابنا - أن يكون ثَمَّ مُحْرِز للموضع، ولا محرز هنا؛ لأن عامل الجَرِّ مفقود، ومَنْ لم يشترط المحرز، فيجوز ذلك على مذهبه وسيكون من باب العطف على التوهُّم «.

стр. 2903

قال شهاب الدين:» وقد جعل بعضهم الواو في ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ زائدة، وهو لائق بمذهب الأخفش، وعلى هذا فتتعلق اللام بالبشرى، أي: أن البشرى عِلَّة للجَعْل، والطمأنينة علة للبُشْرَى، فهي علة العلة «. قال ابْنُ الخَطِيبِ: في ذكر الإمداد مطلوبان وأحدهما أقوى في المطلوبية من الآخر: فأحدهما: إدخال السرور في قلوبهم، وهو المراد بقوله: إلاًَّ بشرى﴾ . الثاني: حصول الطمأنينة بالنصر، فلا يجنبون، وهذا هو المقصود الأصلي، ففرق بين هاتين العبارتين تنبيهاً على حصول التفاوت بين الأمرين في المطلوبية، فعطف الفعل على الاسم، ولما كان الأقوى حصول الطمأنينة، أدخل حرف التعليل على فعل الطمأنينة، فقال: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ ونظيره قوله: ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] لما كان المقصود الأصلي هو الركوب، أدخَل عليه حرف التعليل، فكذا هاهنا. قال أبو حيان:» ويناقش في قوله: عطف الفعل على الاسم؛ إذْ ليس من عطف الفعل على الاسم وفي قوله: أدخل حرف التعليل، وليس ذلك كما ذكره «. انتهى. قال شهَابُ الدِّينِ: «إن عنى الشيخ أنه لم يدخل حرف التعليل ألبتة، فهذا لا يمكن إنكاره ألبتة، وإن عنى أنه لم يدخله بالمعنى الذي قصده الإمام فسَهْل» . وقال الجُرْجَانِيُّ في نظمه: «هذا على تأويل: وما جعله الله إلا ليبشركم ولتطمئن، ومن أجاز إقحام الواو - وهو مذهب الكوفيين - جعلها مقحمة في ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ فيكون التقدير: وما جعله الله إلا بشرى لكم؛ لتطمئنَّ قلوبكم به» . والضميران في قوله ﴿وَمَا جَعَلَهُ﴾ ، و «بِهِ» يعودان على الإمداد المفهومِ من الفعل المتقدم، وهو قوله: «يمددكم» . وقيل: يعودان على النصر. وقيل: على التسويم. وقيل: على التنزيل. وقيل: على المدد. وقيل: على الوعد. فصل قال في هذه الآية: «لَكُمْ» وتركها في سورة الأنفال؛ لأن تيك مختصر هذه، فكان الإطناب - هنا - أوْلَى؛ لأن القصة مكملة هنا، فناسب إيناسهم بالخطاب المواجه، وأخر - هنا - «به» وقدمه في سورة الأنفال؛ لأن الخطاب - هنا - موجود في «لَكُمْ» فأتبع الخطاب الخطاب، وهنا جاء بالصفتين تابعتين في قوله: ﴿العزيز الحكيم﴾ وجاء بهما في

стр. 2904

جملة مستأنفة في سورة الأنفال، في قوله: ﴿إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٠] ؛ لأنه لما خاطبهم - هنا - حسن تعجيل بشارتهم بأنه عزيز حكيم، أي: لا يغالب، وأن أفعاله كلها متقنة حكمة وصواب، فالنصر من عند÷ فاستعينوا به، وتوكلوا عليه؛ لأن العز والحُكْم له. قوله: ﴿لِيَقْطَعَ﴾ في متعلق هذه اللام سبعة أوجه: أحدها: أنها متعلقة بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله﴾ قاله الحوفيّ، وفيه بُعْدٌ؛ لطول الفَصْل. الثاني: أنها متعلقة بالنصر في قوله: ﴿وَمَا النصر إِلَاّ مِنْ عِندِ الله﴾ والمعنى: أن المقصود من نصركم، هو أن تقطعوا طرفاً من الذين كفروا، أي: تملكوا طائفة منهم، وتقتلوا قطعة منهم، وفي هذا نظر من حيث إنه قد فصل بين المصدر ومتعلقه بأجنبيّ، وهو الخبر. الثالث: أنها متعلقة بما تعلَّق به الخبر، وهو قوله: ﴿مِنْ عِندِ الله﴾ ، والتقدير: وما النصر إلا كائن، أو إلا مستقر من عند الله ليقطع. والرابع: أنها متعلقة بمحذوف، تقديره: أمَدَّكُم، أو نَصَرَكُم، ليقطَعَ. الخامس: أنها معطوفة على قوله: «ولتطمئن» حذف حرف لعطف لفهم المعنى؛ لأنه إذا كان البعض قريباً من البعض جاز حذف العاطف، كقوله: ﴿ثلاثة رابعهم كلبهم﴾ وقول السيد لعبده: أكرمتك لتخدمني، لتعينني، لتقوم بخدمتي، فحذف العاطف لقُرْب البعض من البعض، فكذا هنا وعلى هذا فتكون الجملة في قوله: ﴿وما النصر إلا من عند الله﴾ اعتراضية بين المعطوف والمعطوف عليه، وهو ساقط الاعتبار. السادس: أنها متعلقة بالجَعْل قاله ابن عطية. السابع: أنها متعلقة بقوله: ﴿يُمْدِدْكُمْ﴾ وفيه بُعْدٌ؛ للفواصل بينهما. والطرف: المراد به: جماعة، وطائفة، وإنما حَسَُ ذِكْر الطرف - هنا - ولم يحسن ذكر الوسط؛ لأنه لا وصول إلى الوَسَطِ إلا بعد الأخذ من الطرف، وهذا يوافق قوله تعالى: ﴿قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٣] وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١] . قوله: ﴿مِّنَ الذين﴾ يجوز أن يكون متعلِّقاً بالقَطْع، فتكون «مِنْ» لابتداء الغاية، ويجوز أن يتعلق بمحذوف، على أنه صفة ل «طَرَفاً» وتكون «مِنْ» للتبعيض. قوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ عطف على «لِيَقْطَعَ» . و «أو» ؛ قيل: على بابها من التفصيل، أي: ليقطع طرفاً من البعض، ويكبت بعضاً آخرين.

стр. 2905

وقيل: بل هي بمعنى الواو، أي: يجمع عليهم الشيئين. والكبت: الإصابة بمكروه. وقيل: هو الصَّرع للوجْه واليدين، وعلى هذين فالتاء أصلية، ليست بدلاً من شيء، بل هي مادة مستقلة. وقيل: أصله من كبده، إذا أصابه بمكروه أثر في كبده وَجَعاً، كقولك: رأسته، أي: أصبت رأسه، ويدل على ذلك قراءة لاحق بن حُمَيد: أو يكبدَهم - بالدال - والعرب تُبْدِل التاء من الدال، قالوا: هَرَتَ الثوبَ، وهردَه، وسَبَتَ رأسَه، وسَبَدَه - إذا حَلَقَه -. وقد قيل: إنّ قراءة لاحق أصلها التاء، وإنما أُبدِلت دالاً، كقولهم: سبد رأسه، وهرد الثوب، والأصل فيهما التاء. فصل معنى قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ أي: ليُهْلِكَ طائفة. وقال السُّدِّيُّ: لِيَهْدِمَ رُكْناً من أركان الشرك بالقتل والأسر، فقُتِل من قادتهم وسادتهم يوم بدر - سبعون، وأُسِر سبعون، ومَنْ حَمَل الآيةَ على أحُد، فقد قُتِل منهم يومئذ ستة عشر، وكانت النُّصرة للمسلمين، حتى خالفوا أمر رسول الله ﷺ َ فانقلبت عليهم. ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ . قال الكلبي: يهزمهم. وقال السُّدي: يلعنهم. وقال أبو عبيدة: يُهْلِكهم ويصرعهم على وجوههم. وقيل: يُخْزِيهم والمكبوت الحزين. وقيل: يَغِيظهم. وقيل: يُذلهم. قوله: ﴿فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ﴾ لن ينالوا خيراً مما كانوا يرجون من الظفر بكم.

стр. 2906

والخيبة لا تكون إلا بعد التوقُّع، وأما اليأس فإنه يكون بعد التوقُّع وقبلَه، فنقيض اليأس الرجاء، ونقيض الخيبة: الظفر يقال: خَابَ يَخِيبُ خَيْبَةً. و ﴿خَآئِبِينَ﴾ نُصِبَ على الحال.

стр. 2907

اختلفوا في سبب النزول. فقيل: نزلت في قصة أُحُد، وهؤلاء اختلفوا على ثلاثة أقوالٍ: أحدها: أنه ﷺ َ أراد أن يدعُوَ على الكفار، فنزلت هذه الآيةُ، وهؤلاء ذكروا أقوالاً: أحدها: أن عُتْبَةَ بن أبي وقاص شجَّه، وكسر رَبَاعِيَتَهُ، فجعل يمسحُ الدمَ عن وجهه، وسالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدم، وهو يقول: كيف يُفْلِح قومٌ خضَّبوا وَجْه نبيهم بالدم، وهو يدعوهم إلى ربهم؟ ثم أراد أن يدعُوَ عليهم، فنزلت هذه الآية. وروى سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ َ لَعَنَ أقوماً، فقال: «اللهم العن أبا سفيان، الهم العن الحارثَ بن هشام، اللهم العن صفوانَ بن أمَيَّة» ، فنزلت هذه الآية. ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ فتابَ على هؤلاءِ، وحَسُنَ إسلامهم. وقيل: نزلت في حَمْزَةَ بن عبد المطلب لما رأى النبيُّ ﷺ َ ما فعلوا به من المُثْلَة، قال: لأمَثِّلَنَّ بهم كما مثّلوا به. فنزلت هذه الآية. ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ فتابَ على هؤلاءِ، وحَسُنَ إسلامِهم. وقيل: نزلت في حَمْزَةَ بن عبد المطلب لما رأى النبيُّ ﷺ َ ما فعلوا به من المُثْلَة، قال: لأمَثِّلَنَّ بهم كما مثّلوا به. فنزلت هذه الآية. قال القفال: وكل هذه الأشياء حصلت يومُ أُحُد، فنزلت الآيةُ عند الكل، فلا يمنع حملها على الكل.

стр. 2908

الثاني: أنها نزلت بسبب أنه ﷺ َ أراد أن يلعنَ المسلمين الذين خالفوا أمره والذين انهزموا، فمنعه الله من ذلك قاله ابنُ عباس. الثالث: أنه ﷺ َ أراد أنْ يستغفرَ للمسلمين الذين انهزموا، وخالفوا أمره، ويدعوَ لهم، فنزلت الآية. القول الثاني: أنها نزلت في واقعةٍ أخرى، وهي أنه ﷺ َ بعث جَمْعاً من خيار أصْحَابه - وهم سبعون رجلاً من القُرَّاء إلى بِئْر معونة، في صفر سنة أربع من الهجرة، على رأس أربعة أشهر من أحد، ليُعَلِّموا الناسَ القرآن والعلم، أميرهم المنذر بن عمرو، فذهب إليهم عامر بن الطفيل مع عسكره فقتلهم، فوَجِدَ رسولُ الله ﷺ َ من ذلك وَجْداً شديداً، وقَنَتَ شهراً في الصلوات كلِّها يدعو على جماعة من تلك القبائلِ باللعن والسنين، فنزلت الآية، قاله مقاتل وأكثر العلماء متفقون على أنها في قصة أحد. فإن قيل: ظاهر هذه الآية يدل على أنها وردت للمنع من أمرٍ كان ﷺ َ يريد أن يفعلَه، وذلك الفعل إن كان بأمر الله، فكيف يمنعه منه؟ وإن كان بغير أمر الله، فكيف يصح هذا مع قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى﴾ [النجم: ٣] ؟ وأيضاً فالآية دالة على عصمة الأنبياء، فالأمر الممنوع منه في هذه الآية، إن كان حَسَناً فلِمَ منعه اللهُ؟ وإن كان قبيحاً، فكيف يكون فاعله معصوماً؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن المنعَ من الفعل لا يدل على أن الممنوع كان مُشْتَغَلاً به؛ فإنه تعالى - قال للنبي ﷺ َ ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ، وإنه ﷺ َ لم يُشْرِك قط، وقال: «يا أيها النبي اتق الله» وهذا لا يدل على أنه ما كان يتقي الله، ثم قال: ﴿وَلَا تُطِعِ الكافرين﴾ [الأحزاب: ١] ، وهذا لا يدل على أنه أطاعهم، والفائدة في هذا المنع أنه لما حصل ما يوجب الغَمَّ الشديد، والغضب العظيم، وهو قَتْل عمه حمزةَ، وقتل المسلمين. والظاهر أن هذا الغضب يَحْمِل الإنسان على ما لا ينبغي من القول والفعل، فنصَّ الله على المنع؛ تقويةً لِعصْمَته، وتأكيداً لطهارته. والثاني: لعله ﷺ َ همَّ أن يفعلَ، لكنه كان ذلك من باب تَرْك الأفضل، والأوْلَى، فلا جرم، أرشده الله تعالى إلى اختيار الأوْلَى، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلَاّ بالله﴾ [النحل: ١٢٦ - ١٢٧] فكأنه - تعالى - قال: إن كان لا بد أن تعاقب ذلك الظالمَ فاكتفِ بالمثل، ثم قال ثانياً: وإن تركته كان ذلك أوْلَى، ثم أمره أمراً جازِماً بتَرْكِه، فقال: ﴿واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلَاّ بالله﴾ [النحل: ١٢٧] . ووجه ثالث: وهو أنه ﷺ َ لما مال قلبه إلى اللعنة عليهم، استأذن ربه فيه، فنزلت الآية بالنص على المنع. وعلى هذا التقدير، فلا يدل هذا النهي على القدح في العِصْمة.

стр. 2909

فصل في معنى الآية قولان: الأول: ليس لك من مصالح عبادي شيء إلا ما أُوحِي إليك. وثانيها: ليس لك في أن يتوبَ الله عليهم، ولا في أن يعذبَهم شيء غلا إذا كان على وفق أمري، وهو كقوله: ﴿أَلَا لَهُ الحكم﴾ [الأنعام: ٦٢] ، واختلفوا في هذا المنع من اللعن، لأي معنًى كان؟ فقيل: الحكمة فيه أنه - تعالى - ربما علم من حال بعض الكفار أنه يتوب، وأنه سيولد له وَلَدٌ، يكون مسلماً، بَرًّا، تقيًّا، فإذا حصل دعاء الرسول ﷺ َ عليهم بالهلاك، فإن قُبلت دعوتُه فات هذا المقصود، وإنْ لم تُقْبَلْ دعوتُه كان ذلك كالاستخفاف بالرسول ﷺ َ، فلأجل هذا المعنى منعه الله تعالى - من اللَّعْن، وأمره بأن يُفَوِّضَ الكل إلى علم الله . وقيل المقصود منه إظهار عجز العبودية وألا يخوض العبد في أسرار الله تعالى. قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ في نصبه أوجهٌ: أحدها: أنه معطوف على الأفعال المنصوبة قبلَه، تقديره: لِيقطَعَ، أو يتوبَ عليهم، أو يكبتهم، أو يعذبهم. وعلى هذا فيكون قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ﴾ جملة معترضة بين المتعاطِفَيْن، والمعنى: إن الله تعالى هو المالك لأمرهم، فإن شاء قطع طرفاً منهم، أو هزمهم، أو يتوب عليهم إن أسلموا ورجعوا، أو يعذبهم إن تمادَوْا على كُفْرهم، وإلى هذا التخريج ذهب جماعة من النحاة كالفراء، والزجاج. الثاني: أن «أو» هنا بمعنى «إلا أن» كقولهم: لألزمنك أو تقضين حقي أي: إلا أن تقتضينه. الثالث: «أوْ» بمعنى: «حتى» ، أي: ليس لك من الأمر شيء حتى يتوب وعلى هذين القولين فالكلام متصل بقوله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ ، والمعنى: ليس لك من الأمر شيء إلا أن يتوب عليهم بالإسلام، فيحصل لك سرور بهدايتهم إليه، أو يعذبهم بقتل، أو نار في الآخرة، فتشقى بهم، وممن ذهب إلى ذلك الفراء، وأبو بكر بن الأنباري، قال الفراء: ومثل هذا من الكلام: لألزمنك أو تعطيني، على معنى إلا أن تُعطيني وحتى تعطيني وأنشدوا في ذلك قول امرئ القيس: [الطويل] ١٦١٣ - فَقُلْتُ لَهُ: لَا تَبْكِ عَيْنُكَ إنَّمَا ... تُحَاوِلُ مُلْكاً، أوْ تَمُوتَ، فَُعْذَرَا أراد: حتى تموت، أو: إلا أن تموت.

стр. 2910

قال شهاب الدين: «وفي تقدير بيت امرئ القيس ب» حتى «نظر؛ إذ ليس المعنى عليه؛ لأنه لم يفعل ذلك لأجل هذه الغاية، والنحويون لم يقدروه إلا بمعنى: إلا أنْ» . الثالث: منصوب بإضمار: «أنْ» عطفاً على قوله: «الأمر» ، كأنه قيل: ليس لك من الأمر أو من توبته عليهم، أو تعذيبهم شيء، فلما كان في تأويل الاسم عُطِفَ على الاسم قبلَه، فهو من باب قوله: [الطويل] ١٦١٤ - فَلَوْلَا رِجَالٌ مِنْ رِزَامٍ أعِزَّةٌ ... وَآلُ سُبَيْعٍ، أوْ أسُوءَكَ عَلْقَمَا وقوله: [الوافر] ١٦١٥ - لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ، وَتَقَرَّ عَيْنِي ... أحَبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ الرابع: أنه معطوف - بالتأويل المذكور - على «شَيءٌ» ، والتقدير: ليس لك من الأمر شيء، أو توبة الله عليهم، أو تعذيبهم، أي: ليس لك - أيضاً - توبتهم ولا تعذيبهم، إنما ذلك راجع إلى الله . وقرأ أبَيّ: أو يتوبُ، أو يعذبهم، برفعهما على الاستئناف في جملة اسمية، أضْمِر مبتدؤُها، أي: هو يتوبُ، ويعذبُهم. فصل يحتمل أن يكون المراد من هذا العذاب: هو عذاب الدنيا - بالقَتْل والأسْر - وأن يكون عذابَ الآخرة، وعلى التقديرين فعِلْمُ ذلك مُفَوَّضٌ إلى الله تعالى. قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ جملة مستقلة، والمقصود من ذكرها: تعليل حسن والتعذيب، والمعنى: إن يعذبهم فبظلمهم. واعلم أنه إذا كان الغرض من الآية منعه من الدعاء على الكفار صَحَّ ذلك، وسمَّاهم ظالمين؛ لأن الشرك ظلم، بل هو أعظم الظلم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] . وإن كان الغرضُ منها منعه من الدعاء على المسلمين الذين خالفوا أمره، صح الكلام - أيضاً -؛ لأن من عصى الله، فقد ظلم نفسه.
следующие страницы →