← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

إذا أحدَّ النَّظَرَ [لأمر يريد تحقيقه] ، والرقيب هو المراقب الذي يحفظ جميع أفعالك، واستعماله في صفات الله تعالى بمعنى الحفيظ قال: [مجزوء الكامل] ١٧٣٠ - كَمَقَاعِدِ الرُّقَبَاءِ للضْ ... ضُرَبَاءِ أيْدِيهمْ نَوَاهِدْ وقال: [الكامل] ١٧٣١ - وَمَعَ الحَبيبِ بِهَا لَقَدْ نِلْتَ المُنَى ... لِي عَقْلَهُ الْحُسَّادُ وَالرُّقَباءُ والْمَرْقَبُ: المكان العالي المشرف يقف عليه الرقيب، والرقيب أيضاً [ضرب] من الحيات، والرقيب السهم الثالث من سهام الميسر، وقد تقدمت من البقرة، والارتقاب: الانتظار. فصل دَلَّتْ الآيةُ على تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعه. قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض وتقطعوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] . وقال تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠] قيل: إنَّ الإلّ القرابة، قال: ﴿وقضى رَبُّكَ أَلَاّ تعبدوا إِلَاّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ [الإسراء: ٢٣] وقال ﵇: قال الله تعالى: «أنا الرحمن وهي الرحم اشتققتُ لها اسماً من اسمي، من وَصَلَها وَصَلْتُه، ومن قطعها قطعته» . فصل قال القرطبيُّ: الرحم: اسم لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره. وأبو حنيفةَ يعتبر الرَّحم المحرم في منع الرجوعِ في الهِبَةِ، ويجوز الرجوع في حق بني الأعمام، مع أنَّ القطيعة موجودة، والقرابة حاصلة ولذلك تعلّق بها الإرث، والولاية، وغيرهما من الأحكام، فاعتبار المحرم زيادة على نصِّ القرآن من غير دليل، وهم يرون ذلك [نسخاً] ، سيما وفيه إشارة بالتعليل إلى القطيعة قد جوَّزها في حق بني الأعمام، وبني الأخوال والخالات. فصل أجمعت الأمةُ على أنَّ صلة الرَّحم واجبة، وأن قطيعتها محرَّمة، وقد صحَّ أن

стр. 3187

رسول الله ﷺ َ قال لأسْمَاءَ وقد سألته: أأصِلُ أمِّي؟ «صِلِي أمَّكِ» فأمرها بصلتها وهي كافرة فلتأكيدها دخل الفضل في صلة الكافرة حتى انتهى لحل بأبي حنيفة وأصحابه ومن وافقهم إلى توارث ذوي الأرحام، إذا لم يكن عصبة، ولا ذو فرض ويعتقون على من اشتراهم من ذوي رحمهم لحرمة الرّحم، ويؤيده قوله ﵊ ُ «مَنْ مَلَكَ ذَا رحمٍ محرمٍ فَهُوَ حُرٌّ» وهذا قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ﵄ ولا يعرف لهما من الصحابة مخالف. فصل واختلفوا في ذَوِي المَحَارمِ من الرِّضَاعةِ، فقال أكْثَرُ أهلِ العلمِ: لا يدخلون في مقتضى الحديث. وقال شريك القاضي: يُعْتَقُونَ. وذهب أهل الظاهر وبعض المتكلمين إلى أن الأب [لا] يعتق على الابن إذا ملكه.

стр. 3188

لما وَصَّى في الآية السابقة بالأرحام وصَّى في هذه الآية بالأيتام؛ لأنهم قد صاروا بحيثُ لا كافِلَ لهم ولا مُشْفِقَ فيهم - أسوأ حلاً ممن له رحم، فإنه عطفه عليه، وهذا خطاب الأولياء والأوصياء. قالوا: إن اليتيم من لا أب له ولا جد، والإيتاء: الإعطاء قال أبو زيد: أتَوْتُ الرجلَ آتُوه إتاوَةٌ، وهي الرّشوة. وقال الزمخشري: الأيتام الذين مات آباؤهم، وَالايُتْمُ: الانفراد، ومنه الرملة اليتيمة، والدُّرة اليتيمة. وقيل: [اليتيم] في الأناسي من قبل الآباء وفي البهائم من قبل الأمهات. قال: وحق هذا الاسم أن يقع على الضعفاء والكبار لمن يبقى معنى الانفراد عن الآباء، إلا أنَّ في العرف اختصّ هذا الاسم بمن لم يبلغ، فإذا صار مستعينً بنفسه في تحصيل مصالحه عن كافله، زال عنه هذا الاسم؛ وكانت قريش تقول لرسول اللهِ ﷺ َ: يَتِيم أبي طَالِبٍ، إمَّا على القياس، وإما حكاية للحال التي كان عليها حين صغره ناشئاً في حجر عمه توضيعاً له. وأما على قوله ﵇: «لَا يتم بَعْدَ بُلُوغ» فهو تعليم للشريعة لا تعليم للغة. وروى أبو بكر الرازي في أحكام القرآن أن جده كتب إلى ابن عباس يسأله عن اليتيم متى ينقطع يتمه؟ فكتب إليه: إذا أونِسَ منه الرشد انقطع يتمه.

стр. 3189

وفي بعض الروايات: إن الرجل ليقبض على لحيته ولم ينقطع عنه يتمه بعدُ [فأخبر ابن عباس] أن اسم اليتيم يلزمه بعد البلوغ، إذا لم يؤنس منه الرُّشْدُ، ثم قال أبو بكر: «واسم اليتم قد يقع على المرأة المفردة عن زوجها» . قال ﵇: «تستأمر اليتيمة في نفسها» وهي لا تستمر إلَاّ وهي بالغة. قال الشاعر: [الرجز] ١٧٣٢ - إنَّ الْقُبٌورَ تَنْكِحُ الأيَامى ... النِّسْوَةَ ولأرَمِلَ الْيَتَامَى فالحاصل أنّ اسم اليتيم بحسب اللُّغة يتناول الصغير والكبير. فإن قيل: كيف جُمِعَ اليتيمُ على يتامى؟ واليتيم فعيل: فيجمع على فعلى، كمريض ومرضى وقتيل وقتلى، وجريح وجرحى؟ فقال الزَّمَخْشَرِيُّ: فيه وجهان. أحدهما: أن يقال: إن جمع اليتيم، يَتْامَى، ثمّ يجمع فعلى على فَعَالَى كأسير وأسَارِى. والثاني: أن نقول: جمع اليتيم يتائم؛ لأن اليتيم جار مجرى الاسم نحو «صاحب» و «فارس» ثم تنقلب «اليتائم» «يتامى» . قال القفّال: «ويجوز يتيم ويتامى كنديم وندامى، ويجوز أيضاً يتيم وأيتام كشريف وأشراف» . فإن قيل: إن اسم اليتيم مختص بالصغير فما دام يتيماً، فكيف قال: ﴿وَآتُواْ اليتامى أَمْوَالَهُمْ﴾ . فالجوابُ من وجهين: الأول: أن يقال: المراد من اليتامى الذين بلغوا وكبروا، وسمَّاهم لله - تعلى - يتامى، إما على أصل اللغة، وإما لقرب عهدهم باليُتْم، وإن كان قد زال من هذا الوقت

стр. 3190

كقوله تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السحرة سَاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٠] . أي: الذين كانوا سحرة قبل السُّجود، وأيضاً سمَّى اللهُ تعالى مقاربة انقضاء العدة بلوغ الأجل في قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢] والمعنى مقاربة الأجل، ويدل على أن المراد من اليتامى في هذه الآية البالغون قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] والإشهاد عليهم لا يصح قبل البلوغ. الوجه الثاني: أن يقال: المراد باليتامى الصِّغار، وعلى هذا ففي الآية وجهان: أحدهما: أن قوله «وَآتَوَا» أمر، والأمر يتناول المستقبل فيكون المعنى: أن هؤلاء الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتم عنهم أموالهم. فتزول المناقضة. والثاني: أنَّ المُرَاد: وآتوا اليتامى حال كونهم يَتَامَى ما يحتاجونه مِنْ نفقتهم وكسوتهم، والفائدة فيه: أنه كان يجوز أن يظنّ أنّه لا يجوز إنفاق ماله عليه حال صغره، فباح اللهُ - تعالى - ذلك، وفيه إشكال وهو: أنه لو كان المراد ذلك لقال: وآتوهم من أموالهم، والآية تَدُلُّ على إيتائهم كل مالهم. فصل نقل أبو بكر الرازيُّ في أحكام القرآن عن الحسن أنه قال: لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم، وعزلوا أموالهم عن أموال اليتامى، فَشَكَوا ذلك إلى النبي ﷺ َ فنزل اللهُ تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] . فخلطوا عند ذلك طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم. قال المفسرون: الصحيح أنها «نزلت في رجل من غطفان، كان معه كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه عمُّهُ فترافعا إلى النَّبيِّ صلى لله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، فلما علمها العَمُّ قال: أطَعْنَا لرَّسُولَ، نعوذ بالله من الحُوب الكبير، ودفع إليه ماله فقال النبي ﷺ َ» وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ وَيطعْ رَبَّهُ هكذا فإنَّهُ يَحِلُّ دَارَهُ «أي: جَنَّتهُ، فلما قبض الصَّبِيُّ ماله أنفقه في سبيل الله فقال النبي صلى لله عليه وسلم» ثَبَتَ الأجْرُ وَبَقِيَ الوِزْرُ «. قال القرطبيُّ: وإيتاء اليتامى أموالهم يكون من وجهين:

стр. 3191

أحدهما: إجراء الطَّعام والكسوة ما دامت الولاية، إذْ لا يمكن إلا ذلك لمن لا يستحق الأخذ الكلي كالصغير والسفيه الكبير. والثاني: الإيتاء بالتمكين وتسليم المال إليه، وذلك عند ابتلاء والإرشاد وتكون تسميته حينئذ يتيماً مجازاً بمعنى: الَّذي كان يتيماً استصحاباً للاسم، كقوله ﴿فَأُلْقِيَ السحرة سَاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٤٦] أي الذين كانوا سحرة، وكان يقال للنبي ﷺ َ» يتيم أبي طالب «فإذا تحقَّقَ الوليّ رشده حَرُمَ عليه إمساك ماله عنه. قال أبو حنيفة: إذا بلغ خمساً وعشرين سنة، أعطي ماله على كل حال؛ لأنَّه يصير جداً. قوله: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُواْ﴾ وقد تقدَّم في البقرة قوله: ﴿فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] أنَّ المجرور بالباء هو المتروك، والمنصوب هو الحاصل، وتفعل هنا بمعنى استفعل، وهو كثير، نحو تَعَجَّل وَتََأَخَّرَ بمعنى استعجل واستأخر ومن مجيء تبدَّلَ بمعنى اسْتَبْدَلَ قولُ ذي الرمة: [الطويل] ١٧٣٣ - فَيَا كَرَمَ السَّكْنِ الَّذِينَ تَحَمَّلُوا ... عَنِ الدَّارِ وَالمُسْتَخْلَفِ الْمَتِبَدِّلِ أي: المستبدل. قل الواحدي: «تبدل الشَّيء بالشيء إذا أخذ مكانه» . قوله: «بالطّيب» . هو المفعول الثاني ل «تتبدلوا» . وفي معنى هذا التبدُّل وجوه: الأول: قال الفرّاء والزَّجَّاج: لا تستبدلوا الحرام، وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم الذي لأبيح لكم. الثاني: قل سعيد بن المسيب والنخعي والزهْري والأسُّدِّيُّ: وكان ولياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتم ويجعل مكانها المهزولة، ويأخذ الدرهم الجيد، ويجعل مكانه الزيف، يقول: درهم بدرهم، فَنُهُوا عن ذلك. وطعن الزمخشريُّ: في هذا الوجه فقال: ليس هذا تَبَدُّلاً، إنما هو تبديل.

стр. 3192

الثالث: أن يكون صديقه فيأخذ منه نعجة عجفاء مكان سمينة من مال الصبي. الرابع: معناه لا تأكلوا مال اليتيم سلفاً مع التزام بَدَلِهِ بعد ذلك. فصل قل أبو العباس المقرئ: ورد لفظ «الطيِّب» في القرآن على أربعة أوجه: الأول: الحلال كهذه الآية. الثاني: بمعنى الظَّاهر كقوله تعالى: ﴿صَعِيداً طَيِّباً﴾ [النساء: ٤٣] أي: ظاهراً. الثالث: بمعنى الحَسَن قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] أي: الحسن، ومثله ﴿والطيبات لِلطَّيِّبِينَ﴾ [النور: ٢٦] أي: الكلام الحسن للمؤمنين. الرابع: الطيِّبَ: المؤمن قال تعالى: ﴿حتى يَمِيزَ الخبيث مِنَ الطيب﴾ [آل عمران: ١٧٩] يعني: الكافر من المؤمن. قوله: ﴿وَلَا تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ﴾ في قوله ثلاثة أوجه: أحدها: أن «إلى» بمعنى «مع» كقوله: ﴿إِلَى المرافق﴾ [المائدة: ٦] ، وهذا رأي الكوفيين. الثاني: أنها على بابها وهي ومجرورها متعلّقة بمحذوف على أنَّه حال، أي: مضمومة، أو مضافة إلى أموالكم. الثالث: أن يضمَّن «تأكلوا» بمعنى «تضموا» كأنه قيل: ولا تَضمُّوها إلى أموالكم آكلين. قال الزمخشري: «فإن قلت: قد حَرَّمَ عليهم أكل مال اليتامى، فدخل فيه أكله وحده ومع أموالهم، فَلِمَ ورد النهي عن أكلها معها؟ قلت:» لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله - تعالى - من الحلال، وهم من ذلك يَطْعمون منها، كان القبحُ أبلغ والذمُّ ألحق، ولأنهم كنوا يفعلون كذلك فنعى عليهم فعلهم، وَنَّعَ بهم ليكون زجر لهم «. واعلم أنه تعالى، وَإن ذكر الأكل، فالمرادُ به سائر التصرفات المملكة للمال، وإنما

стр. 3193

ذكر الأكل لأنه معظم ما يقع التصرف لأجله. قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوباً﴾ في الهاء ثلاثة أوجه: حده: أنها تعود على الأكل المفهوم، من» لا تأكلوا «. الثَّاني: على التبدُّلِ المفهوم من» لا تَتَبَدَّلُوا الخبيث «. الثالث: عليهما ذهاباً به مذهب اسم الإشارة نحو: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذلك ﴾ [البقرة: ٦٨] ومنه: [الرجز] ١٧١٤ - كأَنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ ... وقد تقدم ذلك في البقرة، والأول أولى لأنه أقرب مذكور. وقرأ الجمهور «حُوبً» بضم الحاءِ، ولحسن بفتحها، وبعضهم: «حَباً» بالألف، وهي لغت في المصدر، والفتح لغة تميم. ونظير الحوْب والحاب، والقول والقال، والطُّرد والطَّرْد - وهو لإثم - وقيل: المضموم اسم مصدر، [والمفتوح مصدر] وصله من حوب الأبل، وهو زجرها فسُمِّي به لإثم؛ لأنه يزجر به، ويطلق على الذَّنب أيضاً؛ لأنه يزجر عنه، ومنه قول ﵇: «إنَّ طَلاقَ أمِّ أيُّوبَ لَحُوبْ» أي: لذنب عظيم. وقل القرطبي: والحوبُ الوحشة، ومنه قوله ﵇ أبي أيوب «إن طلاق أم أيوب لحوب» . قال القفال: وكأن أصل لكلمةِ من لتَّحوُّبِ وهو التَّوجُّعُ، فالحوبُ هو ارتكاب ما يتوجَّعُ لمرتكبُ منه، يقال: حَابَ يَحُوب، حَوْباً، وحَاباً وحِيابة. قال المخبل السعدي: [الطويل] ١٧٣٥ - فلا يَدْخُلَنَّ الدَّهْرَ قَبْرَكَ حُوبُ ... فَإنَّكَ تَلْقَاهُ عَلَيْكَ حَسِيبُ

стр. 3194

وقال آخر [الوافر] ١٧٣٦ - وإنّ مُهَاجِرَيْنِ تَكَنَّفَاهُ ... غَدَاتَئِذٍ لَقَدْ خَطِئَا وَحَابَا والحَوْبةُ: المرة الواحدة، والحَوْبَةُ: الحاجة، ومنه في الدعاء «إليكَ أرفع حَوْبَتِي» ، وأوقْعَ اللهُ الْحَوْبَة، و «تحوَّب فلان» إذا خرج من الحَوْب كتحرَّج وتَأَثَّمَ، والتضعيف للسَّلْبِ، و «الحَوِأب» بهمزة بعد الواو المكان الواسع والحوب الحاجة، يقال: ألحق اللهُ به الحوبةَ، أي: [المسألة] والحاجة، والمسكنة ومنه قولهم باب بحيبة سوء، وأصل الياء الواو، وتحوَّب فلان أي: تعبد وألقى الحوب عن نفسه، والتحوُّب أيضاً التحزُّن، وهو أيضاً الصياحُ الشديد كالزَّجْرِ.

стр. 3195

قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ شرط، وفي جوابه وجهان: أحدهما: أنه قوله: ﴿فانكحوا﴾ وذلك أنهم كانوا يتزوجون الثمانَ، والعشر، ولا يقومون بحقوقهن، فلمَّا نزلت ﴿وَلَا تأكلوا أَمْوَالَهُمْ﴾ أخذوا يَتحرّجونَ من ولاية اليتامى، فقيل لهم: إن خفتم من الجورِ في حقوق اليتامى فخافوا أيضاً من الجور في حقوق النساء، فانكحوا ما طاب لكم من [النساء مثنى وثلاث ورباع من] الأجنبيات أي: اللاتي لسن تحت ولايتكم، فعلى هذا يحتاج إلى تقدير مضاف، أي: في نكاح يتامى النساء. فإن قيل: «فواحدة» جواب لقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً﴾ فكيف يكون جواباً للأول؛ فالجواب: أنَّهُ أَعَادَ الشرط الثاني لأنه كالأول في المعنى، لما طالَ الفصل بين الأول وجوابه وفيه نظر لا يخفى. والخوف هنا على بابه فالمراد به الحذر. وقال أبو عبيدة إنه بمعنى اليقين وأنشد الشاعر: [الطويل] ١٧ ٣ ٧ - فَقُلْتُ لهُمْ خَافُوا بأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهُمُ في الفَارِسِي الْمُسَرَّدِ

стр. 3196

أي: أيقِنُوا، وقد تَقَدَّمَ تَحْقِيْقُ ذلك والردُّ عليه عند قوله تعالى: ﴿إِلَاّ أَن يَخَافَآ أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ [البقرة: ٢٢٩] . قوله: ﴿أَلَاّ تُقْسِطُواْ﴾ إنْ قَدَّرَتْ أنها على حذف حرف الجر، أي: «مِنْ أن لا» ففيها الخلاف المشهور أي: في محل نصب [أو جر، وإنْ لم تقدّر ذلك بل وصل الفعل إليها بنفسه، كأنك قلت: «فَإنْ حَذَرْتم» فهي في محل نصب] فقط كما تَقَدَّمَ في البقرة. وقرا الجمهور: «تقسطوا» بضم التاء، من أقْسَط: إذا عدل، فتكون لا على هذه القراءة نافيةُ، والتقديرُ: وإنْ خِفْتُمْ عدم الإقساط أي: العدل. وقرأ إبراهيم النخعي: ويحيى بن وثَّاب بفتحها من «قسط» وفيها تأويلان: أحدهما: أن «قَسَطَ» بمعنى «جار» ، وهذا هو المشهور في اللغة، أعني أن الرباعي بمعنى عَدَلَ، والثلاثي بمعنى جار، وكأنَّ الهمزة فيه للسَّلْبِ بمعنى «أقسط» أي: أزال القسط وهو الجور، و «لا» على هذا القول زائدة ليس إلا، وإلا يفسد المعنى كهي في قوله: ﴿لِّئَلَاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب﴾ [الحديد: ٢٩] . والثاني: حكي الزجاج أن «قسط» الثلاثي يستعمل استعمال «أقسط» الرباعي، فعلى هذا تكون «لا» غير زائدة، كهي في القراءة الشهيرة؛ إلَاّ أنَّ التَّفْرِقَةَ هي المعروفةُ لغة. قالوا: قاسطته إذَا غَلَبْتَهُ على قِسْطِهِ، فبنوا «قسط» على بناء ظلم وجار وغلب. وقال الراغب: «القِسْط» أن يأخذ قِسْطَ غيره، وذلك جَوْرٌ، وأَقْسَطَ غيره، والإقسَاطِ أن يُعْطِيَ قِسْطَ غَيْرِهِ، وذلك إنصاف، ولذلك يقال: قَسَطَ الرَّجُلُ إذَا جَار، وأَقْسَطَ إذَا عدَلَ، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن: ١٥] . [وقال تعالى: ﴿وأقسطوا إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين﴾ [الحجرات: ٩] . وَحُكِيَ أنَّ الحَجَّاجَ لما أحضر سعيد بن جبير، قال له: ما تقول فيَّ؟ قال: «قَاسِطٌ عادِلٌ» فأعجب الحاضرون، فقال لهم الحجاج: ويلكم لم تفهموا عنه إنّه جعلني جائراً كافراً، ألم تسمعوا قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن: ١٥] . المادة من قوله: ﴿قَآئِمَاً بالقسط﴾ [آل عمران: ١٨] . قوله: ﴿مَا طَابَ﴾ في «ما» هذه أوجه: أحدها: أنها بمعنى الذي وذلك عند من يرى أن «ما» تكون للعاقل، وهي مسألة

стр. 3197

مشهورة، وذلك أن «ما» و «من» وهما يتعاقبان، قال تعالى: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] وقال: ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] وقال ﴿فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥] . وحكى أبو عمرو بن العلاء: سبحان من سبح الرعد بحمده. وقال بعضهم: نَزَّلَ الإناث منزلة غير العقلاء كقوله: ﴿إِلَاّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] . قال بعضهم: وَحَسن وقوعها هنا أنها واقعة على النساء، وهن ناقصات العقول. وبعضهم يقول: هي لصفات من يعقل. وبعضهم يقول: لنوع من يعقل كأنه قيل: النوع الطيب من النساء، وهي عبارات متقاربة. فلذلك لم نعدّها أوجهاً. الثاني: أنها نَكِرَةٌ موصوفة، أي: انكحوا جنساً طيباً أو عدداً طيِّباً. الثالث: أنها مصدرية، وذلك المصدر واقع موقع اسم الفاعل، تقديره: فانحكوا [الطَّيِّبَ. وقال أبو حيان: والمصدر مقدر هنا باسم الفاعل، والمعنى فانكحوا] النكاح الذي طاب لكم. والأول أظهر. الرابع: أنها ظرفية تستلزم المصدريَّة، والتقدير: فانحكوا ما طاب مدة يطيب فيها النكاح لكم. إذا تقرر هذا، فإن قلنا: إنها موصولة اسمية أو نكرة موصوفة، أو مصدرية، والمصدرُ واقع اسم الفاعل كانت «ما» مفعولاً ب «انكحوا» ويكون «من النساء» فيه وجهان: أحدهما: أنها لبيان الجنس المبهم في «ما» عند مَنْ يثبت لها ذلك.

стр. 3198

والثاني: أنها تبعيضية، أي: بعض النساء، وتتعلق بمحذوف على أنها حال من «ما طاب» وإن قلنا: إنها مصدرية ظرفية محضة، ولم يُوقع المصدر موقع اسم فاعل كما قال أبو حيان كان مفعول «فانكحوا» قوله «من النساء» نحو قولك: أكلت من الرغيفِ، وشربتُ من العسل أي: شيئاً من الرغيف وشيئاً من العسل. فإن قيل: لِمَ لا يجعل على هذا «مثنى» وما بعدها هو مفعول «فانكحوا» أي: فانكحوا هذا العدد؟ فالجواب أن هذه الألفاظ المعدولة لا تلي العوامل. وقرأ ابن أبي عبلة «مَنْ طَابَ» وهو يرجحُ كون «ما» بمعنى الذي للعاقل، وفي مصحف أبي بن كعب بالياء، وهذا ليس بمبني للمفعول؛ لأنه قاصر، وإنما كُتِبَ كذلك دلالة على الإمالة وهي قراءة حمزة. فصل اختلف المفسرون في كيفية تعلق هذا الجزاء بهذا الشرط فروى عروة قال: قلت لعائشة: ما معنى قول الله تعالى ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء﴾ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى﴾ . فقالت: يا ابن أخي هي اليتيمة تكون في حجر وليِّها فَيرغَبُ في مالها وجمالها، إلَاّ أنَّهُ يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها، ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة رديئة لعلمه بأنه ليس لها من يَذُبُّ عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها، فقال تعالى: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى﴾ فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء، قالت عائشة ﵂ ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ َ بعد هذه الآية فيهن، فانزل اللهُ تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النسآء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يَتَامَى النسآء [اللاتي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] فالمراد منه هذه الآية، وهن قوله ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾ . وقيل: لَمَّا نَزَلَتْ هذه الآية المتقدمة في اليتامى وأكل أموالهم خاف الأولياء من

стр. 3199

لحوق الحوبِ بتركِ الإقْسَاطِ في حقوق اليتامى فتحرجوا من أموالهم، وكان الرجل منهم ربما كان عنده العشرة من الأزواج أو اكثر، ولا يقوم بحقوقهنَّ في العدل. فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها، فكونوا خائفين من ترك العدل في النساء، فقللوا عدد المنكوحات؛ لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله، فكأنه لم يتحرّج، وهذا قول سعيد بن جبير، وقتادة والضحاك والسدي. وقيل: لما تحرّجوا من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم في حق اليتامى فكونوا خائفين من الزنا، فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات، قاله مجاهد. وقال عكرمة: هو الرجل عنده النسوة ويكون عند الأيتام، فإذا أنفق ماله على النسوة، وصار محتاجاً أخذ في إنفاق مال اليتامى عليهن، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى﴾ عند كثرة الزوجات فقد حرمت عليكم [نكاح] أكثر من أربع ليزول هذا الخوف، وهذه رواية لطاوس عن ابن عباس. فصل قال الواحدي والزمخشري: قوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ أي ما حلَّ لكم من النساء لأن منهن من يحرم نكاحها وهي الأنواع المذكورة في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] . قال ابن الخطيب: وهذا فيه نظر؛ لأن قوله: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ هو أمر إباحة، فلو كان المراد ما حل لكم لنزلت الآية منزلة قوله، أبَحْنَا لَكُمْ نِكَاحَ من يكون نكاحها مباحاً لكم، وذلك يخرج الآية من الفائدة، وأيضاً على التقدير الذي ذكره تصير الآية مجملة؛ لأنَّ أسباب الحِلِّ والإبَاحَةِ لمَّا لَمْ تُذْكَرْ في هذه الآية صارت مجملة لا محالة،

стр. 3200

وإذا حملنا الطيب على استطابة النفس وميل القلب كانت الآية عامة دخلها التخصيص، وقد ثبت في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين التخصيص والإجمال كان رفع الإجمال أولى؛ لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، والمجملُ لا يكون حجة أصلاً. قوله «مَثْنَى» منصوب على الحال من «طَابَ» وجعله أبو البَقاء حالاً من «النساء» فأجاز هو وابن عطية أن يكون بدلاً من «ما» وهذان الوجهان [ضعيفان] . أمَّا الأول: فلأنَّ الْمُحْدَّث عنه إنما هو الموصول وأتى بقوله ﴿النسآء﴾ كالتبيين. وأما الثاني: فلأنَّ البدل على نِيَّةِ تكرار العامل، وقد تقدم أن هذه الألفاظ لا تباشر العوامل. واعلم أن هذه الألفاظ المعدولة فيها خلاف، وهل يجوز فيها القياس أم يقتصر فيها على السماع؟ قولان: وقول الكوفيين وأبي إسحاق: جوازه. والمسموع [من ذلك] أحد عشر لفظاً: أُحاد، وَمَوْحَد، وثُنَاء، وَمَثْنَى، وَثُلَاثَ، وَمَثْلَث، ورُباع، وَمَرْبَع، ولم يسمع خُماس ومَخْمس، وعَشار ومَعْشَر. واختلفوا أيضاً في سبب منع الصرف فيها على أربعة مذاهب: أحدها: مذهب سيبويه، وهو أنها مُنِعَتْ من الصرف للعدلِ والوصفِ أمَّا الوصف فظاهر، وَأَمَّا العدل فلكونها معدولة من صيغة إلى صيغة وذلك أنها معدولة عن عدد مكرر. فإذا قلت: جاء القوم أحاد أو مَوْحَدَ أو ثُلاثَ أو مَثْلَثَ، كان بمنزلة قولك: جاءوا واحداً واحداً وثلاثةً ثَلاثَةً، ولا يُرادُ بالمعدولِ عنه التوكيد، إنما يُرادُ به تكرار العدد لقولهم: علمته الحساب باباً باباً. والثاني: مذهب الفراء، وهو العدل والتعريف بنية الألف واللام ولذلك يمتنع

стр. 3201

إضافتها عنده لتقدير الألف واللام، وامتنع ظهور الألف واللام عنده لأنها في نِيَّة الإضافة. الثالث: مذهب أبي إسحاق: وهو عدلها عن عدد مكرر وعدلها عن التأنيث. والرابع: نَقَلَهُ الأخفش عن بعضهم، أنه تكرار العدل، وذلك أنه عَدَلَ عن لفظ اثنين اثنين، وعن معناه؛ لأنه قد لا يستعمل في موضع تستعمل فيه الأعداد في المعدولة بقوله: جاءني اثنان وثلاثة، ولا تقول: «جاءني مَثْنَى وثلاث» حتى يتقدم قبله جمع؛ لأن هذا الباب جعل بياناً لترتيب الفعل، فإذا قلت: «جَاءَ الْقَوْمُ مَثْنَى» ، أَفَادَ أنَّ مجيئهم وقع من اثنين اثنين، بخلاف غير المعدولة، فَإنَّها تفيد الإخبار عن مقدارِ المعدودِ دُونَ غيره؛ فقد بان بما ذكرنا اختلافهما في المعنى فلذلك جاز أن تقوم العِلَّةُ مَقَامَ العلتين لإيجابهما حكمين مختلفين - انتهى. وقال الزمخشري: «إنَّمَا منعت الصرف لما فيها من العَدْلَيْن؛ عدلها من صيغتها، وعدلها عن تكررها، وهن نكرات يُعَرَّفْنَ بلام التعريف، يقال: فلان ينكح المثْنَى والثلاث» . قال أبو حيان: «ما ذهب إليه من امتناعها لذلك لا اعلم أحداً قاله، بل المذهب فيه أربعة» ذكرها كما تقدم، وقد يقال: إنَّ هذا هو المذهب الرابع وعبَّر عن العدل في المعنى بعدلها عن تكررها وناقشه [أبو حيان] أيضاً في مثاله بقوله: ينكح المثنى من وجهين: أحدهما: دخول «أل» عليها، قال: «وهذا لم يذهب إليه أحد بَلْ لَمْ تُسْتَعْمَلْ في لسان العرب إلَاّ نكرات» الثاني: أنه أولاها العوامل، ولا تلي العوامل بل يتقدمها شيء يلي العوامل، ولا تقع إلا أخباراً كقوله ﵇: «صلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» أو أحوالاً كهذه الآية الكريمة أو صفات نحو قوله تعالى: ﴿أولي أَجْنِحَةٍ مثنى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١] وقوله: [الطويل] ١٧٣٨ - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

стр. 3202

ذِئَابٌ تَبَغَّى النَّاسَ مَثْنَى وَمَوْحَدُ وقد وقعت إضافتها قليلاً كقوله: [الطويل] ١٧٣٩ - ... ... ... ... ... ... ... ... ... بِمَثْنَى الزُّقَاقِ المُتْرَعَاتِ وَبِالجُزُرْ وقد استدلَّ بعضهم على إيلائها العَوَامل على قِلَّةٍ بقوله: [الوافر] ١٧٤٠ - ضَرَبْتُ خُمَاسَ ضَرْبَةَ عَبْشَمِيٍّ ... أذارُ سُدَاس ألَاّ يَسْتَقِيمَا ويمكن تأويله على حذف المفعول لفهم المعنى تقديره: ضربتهم خماس. ومن أحكام هذه الألفاظ ألا تؤنث بالتاءِ، لا تقول: «مثناة» ولا «ثُلاثة» بل تَجْرِي على المذكر والمؤنث جَرَياناً واحداً. وقرأ النخعي وابن وثّاب «ورُبَعَ» من غير ألف، وزاد الزمخشري عن النخعي: «وثُلَثَ» أيضاً، وغيره عنه «ثُنَى» مقصوراً من «ثُناء» حَذَفوا الألف من ذلك كله تحقيقاً، كما حذفها الآخر في قوله: [الرجز] ١٧٤١ - ... ... ... ... ... ... ... ... يريد بارداً وَصلَّياناً بَرِدَا فصل معنى قوله: «مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ» أي اثنين وثلاثاً وأربعاً أربعاً، والواو بمعنى «أو» للتخيير كقوله تعالى: ﴿أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مثنى وفرادى﴾ [سبأ: ٤٦] وقوله: ﴿أولي

стр. 3203

أَجْنِحَةٍ مثنى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١] وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز لأحد أن يتزوج أكثر من أربع نسوة، وكانت الزيادة من خصائص النبي ﷺ َ. فصل ذهبَ أكْثرُ الفقهاء إلى أن قوله تعالى: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ لا يتناول العبد؛ لأن الخطاب إنما يتناول إنساناً متى طلب امرأة قَدِرَ على نكاحها، والعبد ليس كذلك؛ لأنه لا يتمكن من النكاح إلا بإذن مولاه لقوله تعالى: ﴿عَبْداً مَّمْلُوكاً لَاّ يَقْدِرُ على شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] ، فَيَنْفِي كونه مستقلاًّ بالنكاح. وقال ﵇: «أيُّما عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذنِ مَوْلَاهُ فَهُوَ عَاهِرٌ» . وقال مالك: يجوز للعبد أن يتزوج أربعاً لظاهر الآية. وأجيب بأن قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مختص بالأحرار؛ لأن العبد لا ملك له، وبقوله تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً﴾ [النساء: ٤] والعبد لا يأكل ما طابت عنه نفس امرأته من المهر، بل يكون لسيده. قال مالك: إذا ورد عمومان مستقلان فدخول التقييد في الآخر لا يوجب دخوله في السابق. وأجيب بأن هذه الخطابات وردت متوالية على نسق واحد، فلما ذكر في بعضها الأحرار علم أن الكل كذلك. فصل ذهبت طائفة فقالوا: يجوز التزويج بأيّ عدد شاء، واحتجوا بالقرآن والخبر، أمَّا القرآن فتمسكوا بهذه الآية من ثلاثة أوجه: الأول: أن قوله ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء﴾ إطلاق في جميع الأعداد، بدليل أنه لا عدد إلاّ ويصح استثناؤه منه.

стр. 3204

وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل. الثاني: أن قوله: «مثنى وثلاث ورباع» لا يصلح مخصصاً لذلك العموم؛ لأن تخصيص بعض الأعداد يدخل على رفع الحرج؛ والحجر مطلقاً، فإن الإنسانَ إذا قال لولده: افعل ما شئت، اذهب إلى السوق وإلى المدرسة، وإلى البستان، لم يكن تنصيصاً للإذن بتلك الأشْيَاء المذكورة فقط، بل يكون ذلك إذناً في المذكور، وغيره، هكذا هنا. الثالث: أن الواو للجمع المطلق، فقوله تعالى: ﴿مثنى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ لا يدخل هذا المجموع، وهو تسعة، بل يفيد ثمانية عشر؛ لأن قوله مثنى ليس عبارة عن اثنين فقط، بل عن اثنين اثنين، وكذا البقية. وأما الخبر فمن وجهين: الأول: أنه ثبت بالتواتر أنه ﵊ ُ مات عن تسع، وأمرنا الله باتباعه بقوله تعالى: ﴿فاتبعوه﴾ [الأنعام: ١٥٣] وأقل [مراتب] الأمر الإباحة. الثاني: أن التزويج بأكثر من أربع طريقة ﵊ ُ، فيكون سنةً له. وقال ﵊ ُ: «النِّكَاحُ سُنَّتِي وَسُنَّةُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» وهذا يقتضي الذم لمن ترك التزويج بأكثر من أربع، فلا أقل من أن يثبت أصل الجواز. أجاب القدماء بما رُوِيَ أن غَيْلَانَ أسلم وتحته عشر نسوة فقال له ﵊ ُ: «أمْسِكْ أربعاً وَفَارِقْ بَاقِيهنَّ» وهذا ضعيف من وجهين: الول: أن هذا نسخ للقرآن بخبر الواحد، وذلك لا يجوز. الثاني: أن هذه واقعة حال، فلعله ﵊ ُ إنَّما أمره بإرسال أربع ومفارقة البواقي؛ لأن الجمع بين الأربع وبين البواقي غير جائز، إمَّا لنسب أو رضاع، أو اختلاف دين محرم، وإذا قام الاحتمال فلا يمكن نسخ القرآن إلا بمثله. واستدلوا أيضاً بإجماع فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز الزيادة على الربع، وهذا أيضاً فيه نظر من وجهين: أحدهما: أن الإجْمَاعَ لا يُنْسَخُ به فكيف يقال: الإجماع نسخ هذه الآية؟ الثاني: أن هؤلاء الذين قالوا بجواز الزيادة على الأربع من جملة فقهاء الأمصار، والإجماع لا ينعقد مع مخالفة الواحد والاثنين.

стр. 3205

وأجيب عن الأول بأن الإجماع يكشف عن حصول الناسخ في زمن النبي ﷺ َ، وعن الثاني أن هذا المخالف من أهل البدعة، فلا عبرة بمخالفته. فإن قيل: إذا كان المر على ما قلتم فكان الأولى أن يقال: «مثنى او ثلاث أو رباع» فلم جاء بواو العطف [دون «أو» ] . فالجواب: أنه لو جاء بالعطف ب «أو» لكان يقتضي أنه يجوز ذلك إلا أحد هذه الأقسام، وألَاّ يجوز لهم أن يجمعوا بين هذه الأقسام، بمعنى أن بعضهم يأتي بالتثنية، وبعضهم بالتثليث، والفريق الثالث بالتربيع، فلما ذكره بحرف الواو أفاد ذلك أنه يجوز لكل طائفة أن يختاروا قسماً من هذه الأقسام، ونظيره أن يقال للجماعة: اقتسموا هذا المال وهو ألف، درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، ولطائفة ثالثة أن يأخذوا أربعة أربعة، فكذا ها هنا في ترك «أو» وذكر الواو. فصل قال مالك والشافعيُّ: - رحمهما الله تعالى - «إذا تزوج خامسة وعنده أربع عليه الحد إن كان عالماً» . وقال الزُّهْرِيُّ: «يرجم إذا كان عالماً، وإذا كان جاهلاً عليه أدنى الحدين، الذي هو الجلد وهو مهرها، ويفرِّق بينهما ولا يجتمعان أبداً» . وقال النُّعْمَانُ: «لا حدّ عيه في شيء من ذلك» . وقالت طائفة: «يحدُّ في ذات المحرم، ولا يحدّ في غير ذلك من النكاح، مثل أن يتزوج مجوسية، أو خمساً في عقد، أو تزوّج معتدة، أو بغير شهود، أو [تزوج] أمة بغير إذن مولاها» . قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ شرط، إذا أنتج من الآيتين هذه وقوله: ﴿وَلَن تستطيعوا﴾ [النساء: ١٢٩] ما أنتج [من] الدلالة اقتضى أنه لا يجوز أن يتزوّج غير واحدة، أو يتسرَّى بما ملكت يمينه، ويبقى الفصل بجملة الاعتراض لا فائدة له، بَلْ يكون لغواً على زعمه. والجمهور على نصب «فواحدة» بإضمار فعل أي: فانكحوا واحدة وطؤوا ما ملكت

стр. 3206

أيمانكم، وإنما قدّرنا ناصباً آخر لملك اليمين؛ لأن النكاح لا يقع في ملك اليمين، إلا أن يريد به الوطء في هذا، والتزويج في الأول، فيلزم استعمال المشترك في معنيين أو الجمع بين الحقيقة والمجاز، وكلاهما مقول به، وهذا قريب من قوله: [الرجز] ١٧٤٢ - عَلَفْتُهَا تِبْنَاً وَمَاءً بَارِدَاً..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . وبابه. وقرأ الحسن وأبو جعفر: «فواحدةٌ» بالرفع، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: الرفع بالابتداء، وسوَّغ الابتداء بالنكرة اعتمادها على فاء الجزاء، والخبر محذوف أي: فواحدة كافية. الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي فالمقنع واحدة. الثالث: أنه فاعل بفعل مقدّر أي: يكفي واحدة. و «أو» على بابها من كونها للإباحة أو التخيير. و «ما ملكت» كهي [في قوله] : «مَا طَابَ» [فإن قيل: المالك هو نفسه لا يمينه، فلِمَ] أضاف المِلْك لليمين [فالجواب] لأنها محل المحاسن، وبها تُتَلَقَّى رايات المجد. وروي عن أبي عمرو: «فما ملكت أيمانكم» ، والمعنى: إن لم يعدل في عِشْرَةِ واحدة فما ملكت يمينه. وقرأ ابن أبي عبلة «أو من ملكت أيمانكم» . ومعنى الآية: إن خفتم ألا تعدلوا بين هذه الأعداد كما خفتم ترك العدل فيما فوقها فاكتفوا بزوجة واحدة، أو بالمملوكة. قوله: «ذلك أدنى» مبتدأ وخبر، و «ذلك» إشارة إلى اختيار الواحدة أو التسرِّي. و «أدنى» أفعل تفضيل من دنا يدنو أي: قرُب إلى عدم العول. قال أبو العباس المقرئ: «ورد لفظ أدنى في القرآن على وجهين: الأول: بمعنى أحرى قال تعالى: ﴿ذلك أدنى أَلَاّ تَعُولُواْ﴾ . والثاني: بمعنى» دون «قال تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١] يعني الرديء بالجيد» .

стр. 3207

قوله تعالى: ﴿أَلَاّ تَعُولُواْ﴾ في محل نصب أو جرٍّ على الخلاف المشهور في «أن» بعد حذف حرف الجر، وفي ذلك الحرف المحذوف ثلاثة أوجه: أحدها: «إلى» أي: أدنى إلى ألا تعولوا. والثاني: «اللام» والتقدير: أدنى لئلا تعولوا. والثالث: وقدّره الزمخشريُّ من ألا تميلوا؛ لأن أفعل التفضيل يجري مجرى فعله، فما تعدى به فعله [تعدى] هو به، وأدنى من «دنا» و «دنا» يتعدى ب «إلى» و «اللام» ، و «من» تقول: دنوت إليه، وله، ومنه. وقرأ الجمهور: «تعولوا» من عال يعول إذا مال وجار، والمصدر العول والعيالة، وعال الحاكم أي: جار. حكي أن أعرابياً حكم عليه حاكم فقال له: أتعول عليَّ. وقال أبو طالب في النبي ﵇ [الطويل] ١٧٤٣ - ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... لَهُ حَاكِمٌ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرُ عَائِلِ وروي عن عائشة ﵂ مرفوعاً عن النبي ﷺ في قوله: ﴿ذلك أدنى أَلَاّ تَعُولُواْ﴾ [النساء: ٣] قال: «لَا تَجُورُوا» . وفي رواية أخرى «ألا تميلوا» . قال الواحدي ﵀: «كلا اللفظين مرويّ؛ وعال الرجل عيالَهُ يَعُولهم إذا مانَهُمْ من المؤونة ومنه أبْدَأ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بمَنْ تَعُول» .

стр. 3208

وحكى ابن العرابي: عال الرجل يعول: كثر عياله، وَعَالَ يِعِيلُ افتقر وصار له عائلة، والحاصل أن «عال» يكون لازماً ومتعدياً، فاللازم يكون بمعنى: مال وجار، والمتعدي ومنه «عال الميزان» . قال أبو طالب: [الطويل] ١٧٤٤ - بِمِيزانِ قِسْطٍ لا يَغِلُّ شَعِيرَةً ... وَوَزَّان صِدْقٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ وعالت الفريضة إذا زارت سهامها، ومعنى كثر عياله، وبمعنى تفاقم الأمر، والمضارع من هذا كله يَعُولُ، وعال الرجل افتقر، وعالَ في الأرض: ذهب فيها، والمضارع من هذين يَعِيل، والمتعدي يكون بمعنى أثقل، وبمعنى مانَ من المؤونة، وبمعنى غَلَبَ ومنه «عيل صبري» ، ومضارع هذا كله يَعُول، وبمعنى أعجز، تقول: أعجزني الأمرُ، ومضارع هذا يَعيل، والمصدر «عَيْل» و «مَعِيل» ، فقد تلخص من هذا أن «عال» اللازم يكون تارة من ذوات الواو، وتارة من ذوات الياء، باختلاف المعنى، وكذلك عال المتعدي أيضاً. ومنه: [الطويل] ١٧٤٥ - وَوَزَّانُ صِدْقٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ ... وفسَّر الشافعي ﵀ ﴿تَعُولُواْ﴾ بمعنى يكثر عيالُكُم. وردَّ هذا القول جماعة كأبي بكر بن داود الرازي والزجاج وصاحب النظم. قال الرازي: «هذا غلط من جهة المعنى واللفظ، أما المعنى فللإباحة السراري صح أنه مظنة كثرة العيال كالتزويج، وأما اللفظ؛ فلأن مادة عال بمعنى كثر عياله من ذوات الياء؛ لأنه من العَيْلَةِ، وأما عال بمعنى» جار «فمن ذوات الواو، واختلفت المادتان، وأيضاً فقد خالف المفسرين» . وقال صاحبُ النظم: قال أولاً «ألَاّ تعدلوا» فوجب أن يكون ضده الجور. وأجيب عن الأول وهو أنَّ التَّسْتَرِي أيضاً يكثر معه العيال، مع أنه مباح ممنوع؛ لأن الأمة ليست كالزوجة؛ لأنه يعزل عنها بغير إذنها، ويؤجرها ويأخذ أجرتها ينفقها عليه وعلى أولاده وعليها. قال الزمخشري: «وجههُ أن يُجْعَلَ من قولك: عَالَ الرجلُ عياله يعولهم كقولك:

стр. 3209

مانَهم يُمُونهم أي: أنْفَقَ عليهم؛ لأن من كثر عياله لَزِمَهُ أن يَعُولهم، وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة من كسب الحلال والأخذ من طيب الرزق» ثم أثنى على الشافعي ثناءً جميلاً، وقال: ولكن للعلماء طُرق وأساليبُ، فسلك في تفسير هذه الآية مسلك الكنايات، انتهى. وأما قولُهم: «خالف المفسرين» فليس بصحيح، بل قاله زيد بن أسلم وابن زيد. واما قولهم: «اختلفت المادتان» فليس بصحيح أيضاً؛ لأنه قد تقدَّم حكايةُ ابن الأعرابي عن العرب: عال الرجل يعول كثر عياله، وحكاها الْكِسَائِيُّ أيضاً قال: يقالُ: عالَ الرَّجل يَعُولُ، وأعال يعيل كثر عياله. قال أبو حاتم: كان الشَّافِعِيُّ أعْلَمَ بلسانِ العرب مشنَّا، ولعلّه لغة، ويقال: هي لغة «حمير» ونقلها أيضاً الدَّوْرِيُّ المقرِئُ لغةً عِنْ حِمْيَرَ وأنشد [الوافر] : ١٧٤٦ - وَإنَّ الْموتَ يأخُذُ كُلَّ حَيٍّ ... بِلَا شَكٍّ وَإنْ أمْشِي وَعَالا أمشى: كثرت ماشيته، وعَالَ كَثُرَ عياله، ولا حجَّةَ في هذا؛ لاحتمال أن يكون «عال» من ذَوَاتِ الياء، وهم لا يُنْكِرُونَ أنَّ «عال» يكون بمعنى كثر عياله، ورُوِيَ عنه أيضاً أنَّهُ فَسَّرَ تعولوا بمعنى تفتقروا، ولا يُريدُ به أنَّ «تعولوا» وتعيلوا بمعنى، بل قصد الكِنَايَة أيضاً؛ لأن كثرةَ العيالِ سَبَبٌ للفقر. وقرأ طلحة: «تَعيلوا» بفتح تاء المضارعة من عال يعيل افتقر قال: [الوافر] ١٧٤٧ - فَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِنَاهُ ... وَمَا يَدْرِي الْغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ وقرأ طاوس: «تُعيلوا» بضمها من أعَالَ: كثر عياله، وهي تُعَضَّدُ تفسير الشَّافعيِّ المتقدِّم من حيث المعنى. وقال الرَّاغبُ: عَالَهُ، وَغَالَهُ يتقاربان، لكن الغَوْلَ: فيما يُهلك والعَوْل فيما يُثْقِلُ.

стр. 3210

مفعول ثانٍ، وهي جمع «صَدُقة» بفتح الصَّاد وضمَّ الدَّال بزنة «سَمُرة» ، والمرادُ

стр. 3211

بها: المهر وهذه هي القراءة المشهُورَةُ، وهي لُغَةُ الحجاز. وقرأ قتادةُ: «صُدْقاتهن» بضمِّ الصَّادِ وإسكان الدَّال، جمعُ صُدْقَةٍ بزنة غُرْفَةٍ. وقرأ مجاهدٌ وابن أبي عبلة بضمهما وهي جمع صدقة بضم الصاد والدال، وهي تثقيل الساكنة الدَّال للاتباع. وقرأ ابن وثاب والنخعي «صُدُقَتَهُنَّ» بضمهما مع الإفراد. قال الزَّمخشريُّ وهي تثقيل صُدْقة كقولهم في «ظُلْمة» «ظُلُمة» ، وقد تقدم الخلاف، هل يجوز تثقيل الساكن المضموم الفاء؟ وقرئ: «صدقاتهن» بفتح الصَّادِ وإسْكَانِ الدَّالِ وهي تخفيف القراءة المشهورة، كقولهم في عَضُد: عَضْد. قال الوَاحِدِيُّ: «ولفظ الصَّاد والدَّال والقاف موضوع للكمال والصحة، يسمّى المهر صداقاً وصدقة وذلك لأنَّ عقد النكاح به يتم. وفي نصب» نحلة «أربعةُ أوجهٍ: أحدها: أنَّها منصوبةِ على المصدر، والعامل فيها الفعل قبلها؛ لأن» آتوهن «بمعنى انحلوهُنَّ، فهي مصدر على غير الصدر نحو:» قَعَدْت جلوساً «. الثاني: أنها مصدرٌ واقِعٌ موقع الحال، وفي صاحب الحال ثلاثة احتمالات: أحدها: أنَّهُ الفاعل من» فآتوهن «أي: فآتوهن ناحِلين. الثاني: أنَّهُ المفعول الأوَّل وهو: النِّسَاءُ. الثالث: أنه المفعول الثاني وهو» صدقاتهن «. أي: منحولات. الوجه الثَّالثُ: أنَّها مفعول من أجله، إذا فُسِّرَتْ بمعنى: شِرْعة. الوجه الرابع: انتصابها بإضمار فعل بمعنى: شَرَعَ أي: نحل الله ذلك نِحلة، أي: شَرَعَةُ شِرْعة وديناً. والنِّحْلَةُ العَطِيَّةُ عَنْ طِيبِ النَّفْسِ، والنَّحْلَة: الشِّرْعَة، ومنه: نِحْلة الإسلام خَير النحل، وفلان ينتحل بكذا: أي يَدِيِنُ به، والنَّحْلَةُ: الفَرِيضةُ.

стр. 3212

قال الراغب: والنِّحْلَة والنَّحْلَةُ: الْعَطِيَّةُ على سبيل التبرع، وهي أخصُّ من الهِبَةَ، إذ كُل هبة نحلة من غير عكس، واشتقاقهُ فيما أرَى من النَّحْلِ، نظراً منه إلى فعله، فكأن» نَحَلْتهُ «أعْطَيْتَهُ عَطِيةَ النحل، ثم قال: ويجوز أن تكون النِّحْلةُ أصلاً فَسُمَّى النَّحْلُ بذلك اعتباراً بفعله. وقال الزَّمخشريُّ: مِنْ نَحَلَه كذا أي: أعطاه إيَّاه ووهبه له عن طيب نفسه، نِحْلَةً وَنَحْلاً، ومنه حديث أبي بكر ﵁:» غنّي نَحَلْتُكَ جِدَادَ عِشْرِينَ وِسْقاً «. قال القَفَّالُ: وأصله إضافة الشيء إلى غير من هو له، يقال: هذا شعر منحول، أي: مضاف إلى غير قائله، وانتحلت كذا إذا ادَّعَْتَهُ وَأَضَفْتَهُ إلى نَفْسِكَ. فصل من المقصود بالخطاب في الآية في هذا الخطاب قولان: أحدهما: أنه» لأولياء « [النساء] ؛ لأنَّ العربَ كانت في الجاهليَّةِ لا تعطي النساء من مهورهن شيئاً، وكذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت: هنيئاً لك النافجة، ومعناه: أنَّك تأخذ مهرها إبلاً فَتَضُمَّهَا إلى إبلك فتنفج مالك اي: تعظمه، وقال ابن العرابي: النافجة ما يأخذه الرَّجلُ من الحلوانِ إذا زوج ابنته، فَنَهى الله عن ذلك، وامر بدفع الحقِّ إلى أهله، وهذا قول الكلبيِّ وأبي صالح واختيار الفرَّاء وابن قتيبةَ. وقال الحضرميّ: وكان أولياء النساء يُعطى هذا أُخْتَه على أن يعطيه الآخرُ أخته، ولا مهر بينهما، فَنُهوا عن ذلك، «ونهى رسول الله ﷺ َ عن الشِّغَار» ، وهو أن يزوج الرَّجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ولا صداق بَيْنَهُمَا. الثاني: أنَّ الخطاب للأزواج، أمِرُوا بإيفاء مهور النساء، وهذا قول علقمة، والنَخَعِيّ وقتادة، واختيار الزجَّاج، لأنه لا ذكر للأولياء ها هنا، والخطاب قبله للأزواج. قال قَتَادَةُ: نحلة فريضة.

стр. 3213

وقال ابن جريج: فريضة مسمَّاة. قال أبو عبيدة: لا تكون النِّحْلَةُ إلَاّ مُسَمَّاة ومعلومة. قال القَفَّال: يحتمل أن يكون المراد من الإيتاء المناولة، ويحتمل أن يكون المراد منه الالتزام كقوله تعالى: ﴿حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩] أي: يضمنوها ويلتزموها، فعلى الول المراد دفع المُسَمَّى، وعلى الثاني أن المراد بيان أن الفروج لا تُستباح إلا بعوض يلتزم سواء سمَّي أو لم يسمَّ، إلا ما خُصَّ به النبي ﷺ َ في الموهوبة. قوله: «فإن طبن لكم منه» «منه» في محل جر؛ لأنه صفة ل «شيء» فيتعلق بمحذوف أي: عن شيء كائن منه. و «مِنْ» فيها وجهان: أحدهما: أنها للتبغيض، ولذلك يجوز أن تَهَبَهُ كُلَّ الصَّداق. قال ابن عطيَّة: و «مِنْ» لبيان الجنس ها هنا ولذلك يجوز أن تهب المهر كله، ولو [وقعت] على التبغيض لما جَازَ ذلك انتهى. وقد تَقَدَّمَ أن الليث يمنع ذلك، ولا يشكل كونها للتَّبغيض، وفي هذا الضمير أقوال: أحدها: أنه يعود على الصَّداق المدلول عليه ب ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾ . الثاني: أنه يعود على «الصَّدُقات» لسدِّ الواحِدِ مَسَدَّها، لو قيل: صَداقَهُنَّ لم يختلَّ المعنى، وهو شبيهٌ بقولهم: هو أحسنُ الفتيان وأجْمَلُهُ؛ ولأنه لو قيل: «هو أحسنُ فتىً» لَصَحَّ المعنى. ومثله: [الرجز] ١٧٤٨ - وَطَابَ ألْبَانُ اللِّقَاحِ وَبَرَدْ ... في «برد» ضمير يعود على «ألبان» لسدِّ «لبن» مسدَّها. الثالث: أنه يعود على «الصَّدُقات» أيضاً، لكن ذهاباً بالضمير مذهب الإشارة فَإنَّ اسم الإشارة قد يُشارُ بِهِ مفرداً مذكراً إلى أشياء تقدمت، كقوله: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن

стр. 3214

ذلكم﴾ [آل عمران: ١٥] بعد ذكر أشياء قبله، وقد تقدم ما روي في البقرة ما حكي عن رؤية لما قيل له في قوله: [الرجز] ١٧٤٩ - فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادِ وَبَلَقْ ... كَأَنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ فقال: أردت ذلك فأجْرَى الضمير مجرى اسم الإشارة. الرابع: أنه يعود على المال، وإنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ؛ لأنَّ الصَّدُقاتِ تدُلُّ عليه. الخامس: أنه يعود على الإيتاء المدلول عليه ب «آتوا» ، قاله الرَّاغب وابن عطيَّة. السَّادس: قال الزمخشريُّ «ويجوز أن يُذَكَّر الضمير؛ لينصرف إلى الصَّداق الواحد، فيكون متناولاً بَعْضَهُ، ولو أَنّثَ لتناول ظاهرة هبةَ الصَّداق كُلِّه؛ لأنَّ بعض الصُّدقات واحد منها فصاعداً» . وقال أبو حَيَّان: وأقولُ حَسَّن تذكير الضمير أن معنى «فَإنْ طِبْنَ» فإن طابَتْ كُلُّ واحدةٍ فلذلك قال: «منه» أي: مِنْ صَداقِها، وهو نظير قوله: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً﴾ [يوسف: ٣١] ؛ أي لكلّ واحدة منهن، ولذلك أفرد «متكأ» . قوله: «نَفْسَاً» منصوب على التَّمييز، وهو هنا منقولٌ من الفاعل؛ إذ الأصل: فإنْ طابَتْ أنفسُهُنَّ، ومثله ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ [مريم: ٤] . وهذا منصوب عن تمام الكلام، وجِيء بالتمييز هنا مفرداً، وإن كان قبلَه جمعٌ لعدم اللَّبْسِ، إذْ من المعلوم أنَّ الكُلَّ لَسْنَ مشتركاتٍ في نفسٍ واحدةٍ، ومثله: قَرَّ الزيدون عيناً، كقوله: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْع﴾ [هود: ٧٧] وقيل: لَفْظثهَا واحد ومعناها جمع، ويجوز «انفساً» «وأعيناً» وَلَا بُدَّ مِنَ التعرُّض لقاعدةٍ يَعُمُّ نفعها، وهي أنَّه إذا وقع تمييز بعد جمع منتصبٍ عن تمام الكلام فلا يخلو: إمَّا أن يكون موافقاً لما قبله نحو: كَرُمَ الزيدون رجالاً، كما يطابقهُ خبراً وصفةً وحالاً. وإن كان الثاني: فإمَّا أن يكونَ مفرد المدلول أو مختلفة، فإن كان مفردَ المدلول وَجَبَ إفرادُ التمييز كقولك في أبناء رجل واحد: كَرُمَ بنو زيدٍ أباً أو أصلاً، أي: إنَّ لهم جميعهم أباً واحداً متصفاً بالكرمِ، ومثله «كَرم التقياء سَعْياً» ، إذا لم تَقصدْ بالمصدر اختلافَ الأنواع لاختلاف محالَّه، وإنْ كَانَ مختلفَ المدلول: فإما أن يُلبِسَ إفرادُ التمييز لو أُفرد أولاً، فإن ألْبَسَ وَجَبَت المطابقُ نحو: كَرُمَ الزيدون آباء، أي: أن لكل واحد أباً غير أب الآخر يتصفُ بالكرمِ، ولو أفردت هنا لَتُوُهِّم أنهم كلَّهم بنو أبٍ واحد، والغرضُ خلافه، وإنْ لم يُلبس جاز الأمران المطابقة والإفراد، وهو الأوْلى، ولذلك جاءت عليه

стр. 3215

الآية الكريمةُ، وحكمُ التثنية في ذلك كالجمع، وَحَسَّنَ الإفرادَ ها هنا أيضاً ما تقدَّم مِن مُحَسِّنِ تذكير الضمير وإفراده في «منه» ، وهو أنَّ المعنى: فإن طابت كُلُّ واحدة نفساً. وقال بعض البصريين: «إنَّما أفرد؛ لأن المراد بالنفس هنا الهوى، والهوى مصدر، والمصادر لا تُثَنَّى ولا تجمع» . وقال الزَّمخشريُّ: و «نَفْسَاً» تمييزٌ، وتوحيدثها؛ لأن الغرضَ بيانُ الجنس والواحد يدل عليه. ونحا أبو البَقاءِ نَحْوَهُ، وشَبَّهَهُ ب «درهماً» في قولك: عشرون درهماً. واختلف النحاةُ في جوازِ تقديمِ التمييزِ على عامله إذا كان متصرفاً فمنعه سيبويه، وأجازه المبرد وجماعة مستدلين بقوله: [الطويل] ١٧٥٠ - أتَهْجُرُ لَيْلَى بِالفُرَاقِ حَبيبَها ... وَمَا كَانَ نَفْساً بالفراقِ تَطِيبُ وقوله: [الطويل] ١٧٥١ - رَدَدْتُ بِمِثْلِ السَّيدِ نَهْدٍ مُقَلَّصٍ ... كَمِيشٍ إذَا عِطْفَاهُ مَاءً تَحَلَّبَا والأصل تطيبُ نفساً، وتحلَّبا ماء، وفي البيتين كلامٌ طويل ليس هذا محلَّه، وحجةُ سيبويه في منع ذلك انَّ التَّمييز فاعل في الأصْلِ، والفاعِلُ لا يَتضقَدَّم، فكذلك ما في قوته، واعترضَ على هذا بنحو: زيداً، من قولك أخرجْتُ زيداً، فإن زيداً في الأصل فاعل قبل النَّقْل، إذ الأصل: خرج زيدٌ والفرق لائح فالتمييز أقسام كثيرة مذكورة في كتب القوم. والجارّان في قوله ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما متضمناً معنى الاعراض، ولذلك عُدِّي ب «عن» كأنَّهُ قيل: فَإن أعْرَضْنَ لَكُمْ عِن شيء منه طيبات النفوس، والفاء في «فَكُلوه» جواب الشرط وهي واجبة، والفاء في «فُكلوه» عائدة على «شيء» . فإن قيل: لِمَ قال: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ﴾ ولم يقل: وَهَبْنَ لَكُمْ أوْ سَمضحْنَ لَكُمْ؟ فالجواب أنَّ المراعى وهو تجافي نفسها عن بالموهوب طيبة] . قوله: «فكلوه هنيئاً مريئاً» .

стр. 3216

في نصب «هَنِيئاً» أربعةُ أقوال: أحدها: أنَّهُ منصوبٌ على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره: أكْلاّ هنيّئاً. الثاني: أنه منصوب على الحال من الهاء في «فَكُلُوهُ» أي: مُهَنِّئاً، أي سهلاً. والثالث: أنه منصوب على الحال بفعل لا يجوز إظهاره ألبتة؛ لأنَّهُ قصد بهذه الحالِ النيابةُ عن فعلها نحو: «أقائماً وَقَدْ قَعَدَ النَّاسُ» ، كما ينوب المصدر عن فعله نحو «سَقْياً لَهُ وَرَعْياً» . الرابع: أنهما صفتان قامتا مقام المصدر المقصود به الدعاءُ النائب عن فعله. قال الزَّمَخشرِيُّ: «وقد يوقف على» فَكُلُوهُ «ويبتدأ ب» هنيئاً مريئاً «على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين؛ كأنه قيل:» هَنْئاً مًرْءاً «. قال أبو حيان: وهذا تحريف لكلام النُّحاة، وتحريفه هو جَعْلهما أُقِيما مُقام المصدر، فانتصابهما انتصباَ المصدرِ، ولذلك قال: كَأَنَّهُ قيل:» هَنْئاً مَرْءاً «، فصار كقولك» سٌقْياص لك «و» رَعْياً لك «، وَيَدُلُّ على تحريفه وَصِحَّةِ قول النحاة انَّ المصادرَ المقصودَ بها الدعاء لا ترفع الظاهر، لا تقول:» سقياً اللهَ لك «، ولا:» رعياً الله لك «، وإنْ كانَ ذلك جائزاً في أفعالها، و» هنيئاً مرئياً «، يرفعان الظاهر بدليل قوله: [الطويل] ١٧٥٢ - هَنِيئاً مَرِيئاً غَيْرَ دَاءٍ مُخامِرٍ ... لِعِزَّةَ مِنْ أعْرَاضِنَا مَا اسْتَحَلَّتِ ف» ما «مرفوع ب» هنيئاً «أو» مريئاً «على الإعمال، وجاز ذلك وَإنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْعَاملين رَبْطٌ بِعَطْفٍ ولا غيره؛ لأن» مريئاً «لا يستعملُ إلَاّ تابعاً ل» هنيئاً «فكأنَّهما عاملٌ واحد. ولو قلت: «قام قعد زيد» لم يكن من الإعمال إلَاّ على نِيَّة حرف العطف. انتهى. إلَاّ أن عبارة سيبويه فيها ما يُرْشِدُ لِما قاله الزَّمخشريُّ، فإنه قال: هنيئاً مَرِيئاً صِفَتَانِ نصبهما نصب المصادر المدعو بها بالفعل المذكور غير المستعمل إظهارُهُ المختزل لدلالة الكلام عليه، كأنهم قالوا: ثبت ذلك هنيئاً مريئاً، فَاَوَّلُ البعارة يُسَاعِدُ الزمخشري، وآخرها وهو تقديره بقوله: كأنهم قالوا: ثَبَتَ هنيئاً، يُعَكِّرُ عليه، فعلى القولين الوَّلين يكُون «هَنيئاً مَريئاً» متعلقين بالجملة قبلهما لفظاً ومعنى، وعلى الآخرين مقتطعين لفظاً؛ لأنَّ عاملهما مُقَدَّر من جُملةٍ أخرى كما تقدم تقريره. واختلف النحويون في قولك لمن قال: أصاب فلان خيراً هنيئاً مريئاً له ذلك. هل «ذلك» مرفوع بالفعل المقدر، وتقديره: ثبت له ذلك هنيئاً، فحذف «ثبت» وقام «

стр. 3217

هنيئاً» مقامه الذي هو حال أو مرفوع ب «هنيئاً» نفسه؛ لأنه لمَّا قَامً مقامَ الفعلِ رَفَعَ ما كان الفعل يرفعه، كما أن قولك: «زَيْدٌ في الدَّارِ» «في الدَّارِ» ضمير كان مستتراً في الاستقرار فلما حذف الاستقرار، وقام الجار مقامه رفع الضمير [المستتر] الذي كان فيه، وقد ذهب إلى الأول السيرافي وجعل في «هنيئاً» فارغاً من الضمير لرفعه الاسمَ الظاهر، وَإذا قُلْتَ: «هَنِيئاً» وَلَمْ تَقُلْ «ذلك» فعلى مذهب السيرافي يكون في «هَنِيئاً» ضمير عائدٌ على ذِي الْحَالِ، وهو ضمير الفاعل الذي استتر في «ثبت» المحذوفِ، وعلى مذهب الفارسي يكون في «هنيئاً» قد قام مقام الفعل المحذوف فارغاً من الضمير. وأما نصب «مريئاً» ففيه خمسة أوجه: أحدها: أنَّهُ صِفَةٌ ل «هنيئاً» وإليه ذَهَبَ الحوفي. والثاني: أنَّهُ انتصب انتصاب «هنيئاً» وقد تقدَّم ما فيه من الأوجه، ومنع الفارسي كونه صفة ل «هنيئاً» قال: لأنَّ هنيئاً قام مقام الفعل، والفعل لا يوصف، فكذا ما قام مَقَامَهُ، ويؤيد ما قاله الفارسيُّ انَّ اسم الفاعل واسم المفعول وأمثلة المالغة والمصادر إذا وُصِفَت لم تَعْمَل عمل الفعل، ولم تستعمل «مريئاً» إلا تابعاً ل «هنيئاً» ، ونقل بعضهم أنه قد يجيء [غير] تابع وهو مردود؛ لأن العرب لم تَستَعْمِله إلَاّ تابعاً، وهل «هَنِيئاً» في الأصل اسما فاعل على زنة المَبَالَغَة؟ أم هما مصدران جاءا على وزن فَعِيلٍ، كالصَّهيلِ والهدير؟ خلاف. نقل أبُو حَيَّان القول الثاني عن أبي البَقَاءِ قال: وأجاز أبو البقاء أن يكونا مصدرين جاءا على خلاف وزن «فعيل» ، كالصَّهيل والهدير، وليسا من باب ما يطرد فيه فعيل في المصدر. انتهى. وأبو البقاء في عبارته إشْكَالٌ، فلا بد من التعرض إليها ليُعرف ما فيها، قال: «هنيئاً» مصدر جاء على وزن «فَعِيل» ، وهو نعت لمصدر محذوفٍ، أي: أكْلاً هنيئاً، وقيل: هو مصدر في موضع الحال من الهاء والتقدير مُهَنَّأً، و «مريئاً» مثله، وتلمريء فعيل بمعنى مُفْعِل، لأنَّك تقول: «أمْرَأَنِي الشَّيْء» ، ووجه لمصدر محذوف؟ وكيف يفسر «مريئاً» المصدر بمعنى اسم الفاعل؟ ذهب الزمخشري إلى انَّهُمَا وصفان قال: «فإنَّ الهنيءَ والْمَريءَ صفتان من هَنُء

стр. 3218

الطعام ومَرُؤ إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه» . انتهى. وَهَنَا يضهْنَا بغير همز - لغة ثانية أيضاً - وقرأ أبو جعفر: «هنيّاً مريّاً» ، بتشديد الياء فيهما من غير همزة، كذلك «بري» و «بريون» و «بريَّا» ، ويقال: هَنَأَني الطعامُ ومرأني، وإن أفردت «مَرَأنِي» ، وهذا كما قالوا: أخَذَهُ ما قَدُمَ وَمَا حَدُثَ، بضم الدَّال من «حدث» مشاكلة ل «قَدُمَ» ، ولو أُفرد لم يستعمل إلَاّ مفتوح الدال، وله نظائر أخر، ويقال: هَنَأتُ الرجل أهْنِئُهُ بكسر العين في المضارع أي: أعطيته. واشتقاق الهنيء من الهِناء، وهو ما يُطْلَى به البَعير للجرب كالقطران قال: [الطويل] ١٧٥٣ - مُتَبَدِّلاً تَبْدُو مَحَاسِنُهُ ... يَضَعُ الْهَنَاءَ مَوَاضِعَ النُّقْبِ والمريءُ مَا سَاغَ وَسَهُلَ من الحق، ومنه قِيل لمجرى الطَّعَام من الحُلْقُوم إلى فم المعدة: مَرِيء. فصل في دلالة الآية على أمور دَلَّت الآية الكريمة على أمور: منها انَّ المهر لها ولا حق للولي فيه. ومنها جواز هبتها للمهر قبل القبضِ؛ لأن الله تعالى لم يفرق بين الحالين. فإن قيل: قوله: «فكلوه هنيئاً مريئاً» يتناول ما إذا كان المهر عيناً، أما إذا كان ديناً فالآية غير متناولة له لأنَّهُ لا يقال لما في الذمة كُلْهُ مريئاً. فالجواب أن المراد بقوله «هنيئاً مريئاً» ليس نفس الكل، بل المراد منه كل التصرفات، وإنما خَصَّ الأكل بالذكر، لأنَّهُ معظم المقصود من المال لقوله ﴿إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً﴾ بالنساء: ١٠] وقوله: ﴿لَا تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل﴾ [النساء: ٢٩] . فصل قال بعض العلماء: إن وهبت ثم طلبت بعد الهبة، علم أنها لم تطب عنه نفساً،

стр. 3219

وعن الشعبي: أن امرأة جاءت مع زوجها إلى شُريح في عَطِيَّة أعْطَتْهَا إيَّاهُ، وَهِيَ تطلب الرجوع، فقال شُرَيْح: رُدَّ عَلَيْهَا، فقال الرجل: أليس قد قال الله تعالى ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ﴾ ، فقال: لو طابت نفسها عنه ما رجعت فيه. وروي عنه أيضاً: أقيلها فيما وهبت ولا أقليه؛ لأنهن يخدعن. وَرُوِيَ أنَّ رجلاً من آل أبي معيطٍ أعطته امرأته ألف دينار صداقاً كان لها عليه، فلبثت شهراً ثم طلقها، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان، فقال الرَّجُلُ: أعْطَتْنِي طيبة به نفسها، فقال عبدُ الملك: فإن الآية التي بَعْدَهَا ﴿فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ [النساء: ٢٠] أردد عليها. وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى قُضاتِه: إن النساءَ يُعْطين رَغْبَةً ورهبة، وَأَيُّمَا امرأة أعطته ثم أرادت أن ترجع فذلك لها.

стр. 3220

أصل تُؤْتُوا تُؤتيوا: تُكْرِموا فاستثقلت الضمةُ على الياءِ وواو الضمير فحذفت الياء لئلا يلتقي ساكنان. والسُّفَهاء جمع: سفيه، وعن مجاهد: «المراد بالسُّفَهاءِ» النِّسَاءِ مَنْ كُنَّ أزواجاً، أو بنات، أو أمهات، وضَعَّفَهُ بَعْضُهُم بأنَّ فَعِيلة إنَّما تُجْمَع على فَعَائلِ أوْ فَعِيلات، قاله [أبو البقاء] وابن عطية، وقد نقل بعضهم أنَّ سَفَيهةَ تُجْمَعُ: على «سُفَهَاءَ» كالمُذكَّر، وعلى هذا لا يَضْعُفُ قول مُجَاهِدٍ. وجمعُ فَعِيلَةٍ ابن عطية جمع فَعِيلة بِفَعَائِلٍ، أوْ فَعِيلات ليس بظاهر، لأنَّهَا يَطَّرد فيها أيْضاً «فِعَال» نحو: كريمةٍ، وَكرامٍ، وظريفةً، وظِراف، وكذلك إطلاقهُ فَعِيلة، وَكَانَ مِنْ حَقِّه أنْ يقيِّدَها بألَاّ تكون بمعنى: مَفْعُولةٍ، تَحَرُّزاً من قتيلة فَإنَّها لا تُجْمَعُ على فَعَائِل. والجمهورُ قرؤوا (الَّتِي) بلفظِ الإفراد صفةً للأمْوالِ، وإنْ كانت جَمْعاً؛ لأنَّهُ تَقَدَّم أنَّ جمع ما لا يعقل من الكثرة، أو لم يكن له إلا جمعٌ واحدٌ، الأحسنُ فيه أنْ يُعَامَل مُعَاملةَ الوَاحِدَةِ المؤنَّثة، والأمْوالِ من هذا القبيل، لأنَّهَا جمعُ ما لا يُعْقل، ولم تُجْمَع إلَاّ على أفْعال، وإنْ كانت بلفظِ القِلَّةِ؛ لأن المرادَ بها الكثرة.

стр. 3221

وقرأ الحسن والنخعي «اللاتي» مطابقةٌ للفظ الجمع، وكان القياسُ ألَاّ يوصف ب «اللاتي» إلا ما يوصفُ مفرده ب «التي» والأموال لا يوصف مفردها وهو «مال» ب «التي» . وقال الفراء: العرب تقول في النِّساءِ «اللاتي» أو جمع «التي» نفسها. قوله: «قياماً» إن قلنا: أن «جَعَلَ» بمعنى صَيَّرَ ف «قياماً» مفعول ثانٍ، والأول محذوف، وهو عائد الموصول والتقدير: الَّتِي جعلها اللهُ، أي: صَيَّرَها لكم قياماً، وَإنْ قُلْنَا: إنها بمعنى «خلق» ف «قياماً» حال، من ذلك العائد على المحذوف، والتقدير: جعلها أي: خلقها وأوجدها في حال كونها قياماً. وقرأ نافع وابن عامر «قيماً» ، وباقي السبعة «قياماً» وابن عمر «قِواماً» بكسر القاف، والحسن وعيسى بن عمر «قَواماً» بفتحها وَيُرْوَى عَنْ أبي عمرو، وقرئ «قِوَماً» بزنة «عِنب» . فَأَمَّا قراءة نافع وابن عامر ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن «قِيماً» مصدر كالقيام وليس مقصوراً منه قال الكسائِيُّ والأخْفشُ والفراء. فهو مصدر بمعنى القيام الذي يُرادُ به الثباتُ والدَّوامُ، وقد رُدَّ هذا القولُ بأنه كان يَنْبَغِي أن تَصِحَّ الواو لتحضُنها بِتَوسُّطِها، كما صَحَّت واو «عِوَض» «وحِوَل» ، وقد أجيبَ عنه بأنه تَبعَ فعله من الإعلال وكما أُعِلَّ فعله أُعِلَّ هو، ولأنه بمعنى القِيام فَحُمِلَ عليه في الإعلال. وَحَكَى الأخفش: «قِيماً» و «قِوَماً» قال: والقياسُ تصحيحُ الواو، وإنما اعتلت على وجه الشُّذُوذِ كقولهم: «ثِيرَة» وقول بني ضبة «طِيال» في جمع طويل، وقول الجميع «جِياد» في جمع جواد، وإذا أعلّوا «دِيَماً» لإعلال «دِيْمة» ، فاعتلالُ المصدر

стр. 3222

لاعتلال فعلِه أوْلى، ألا تَرَى إلى صِحَّةِ الجمع مع اعتلالِ مُفْرده في معيشة، ومعايش، ومقامة، ومَقَاوِم، ولم يُصَححوا مَصْدراً أعلُّوا فِعْلهُ. الثاني: أنه جمع «قِيمة» ك «دِيَم» في جمع «دِيْمَة» ، والمعنى: أنَّ الأموال كالقيم للنفوس؛ لأنَّ بقاءها بها، وقد رَدَّ الفارسيُّ هذا الوجه، وإنْ كان هو قول البصريين غير الأخفشِ، بأنه قد قرئ قوله تعالى: ﴿دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ [الأنعام: ١٦١] وقوله: ﴿البيت الحرام قِيَاماً لِّلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] . ولا يصحُّ معنى القيمة فيهما، وقد رَدَّ عليه الناس بأنَّه لا يلزم من عدم صحَّة معناه في الآيتين المذكورتين ألا يصح هنا، إذ معناه لائق، وهناك معنى آخر يليق بالآيتين المذكورتين كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأما قراءة باقي السَّبعة فهو مصدرُ «قام» والأصلُ «قِوام» ، فأبدلت الواوُ ياءً للقاعدةِ المعروفة، والمعنى: التي جعلها اللهُ سبب قيام أبدانكم أي: بقائها. وقال الزَّمخشريُّ: «أي: تقومون بها وتنتعشون بها» . وأما قراءة عبد الله بن عمر ففيها وجهان: أحدهما: أنه مصدرُ قَاوَمَ ك «لاوَذَ، لِواذاَ» صحَّت الواوُ في المصدرِ كما صحَّت في الفعل. الثاني: أنه اسم لما يقوم به الشَّيء، وليس بمصدر كقولهم: «هذا ملاك الأمر» أي: ما يملك به الأمر. وَأمَّا قراءة الحَسَن ففيها وجهان: أحدهما: أنَّه اسم مصدر كالكلام، والدَّوام، والسَّلام. والثاني: أنَّهُ لغة من القوام المراد به القامة، والمعنى: التي جعلها الله سببُ بقاءِ قاماتكم، يقال: جارية حَسَنةُ القِوام، والقَوام، والقمة كله بمعنى واحد. وقال أبو حاتم قوام بالفتح خطأ، قال: لأنَّ القوام امتداد القامة، وقد تقدَّم تأويلُ ذلك على أنَّ الكسائيَّ قال: هو بمعنى القِوام أي بالكسر، يعني أنه مصدر، وَأمَّا «قِوَماً» فهو مصدر جاء على الأصلِ، أعني: الصَّحِيحَ العين كالعِوَض، والحِوَل. فصل لما أمر في الآية الأولى بإيتاء اليتامى أمْوَالَهم، وبدفع صدقات النساء إليهنَّ فَكَأنَّهُ

стр. 3223

قال: إنَّمَا أمرتكم بذلك إذا كانوا عاقلين بالغين، متمكنين من حفظ أموالهم، فأمَّا إذا كانوا غير بالغين، أو غير عقلاء، أو كانوا بالغين عقلاء؛ إلَاّ أنَّهم سُفهاء، فلا تدفعوا إليهم أموالهم، والمقصود منه الاحتياطُ في حفظ أموال الضُّعفاء العاجزين. واختلفوا في السُّفَهاء: فقال مجاهد والضَّحَّاك: هم النِّسَاءَ كما قَدَّمْنَا، وهذا مذهب ابن عمر ويدلُّ عليه ما روى أبو أمامة أن النبي ﷺ َ قال: «ألا إنَّما خُلِقَت النَّارُ للسُّفَهاء، يقولها [ثلاثاً] ألا وإن السُّفهاء النِّساء، [إلاّ امرأة أطاعت قيّمها» ] . وقال الزَّمخشريُّ وابن زيد: والسُّفهاء ههنا السفهاء عن من الأولاد، ويقول: لا تعط مالك [الذي هو قيامك] ولدك السَّفيه فيفسده. وقال ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد بن جبير: هم النِّساء [والصبيان] إذا علم الرجل أنَّ امرأته سفيهةٌ مُفْسِدةٌ، وَأنَّ ولده سفيه مفسد، فلا يسلط واحداً منهما على ماله. وقيل: المرادُ بالسُّفهاء كل من لم يحفظ المال للمصلحة من النِّسَاءِ والصبيان والأيتام، وكلُّ من اتَّصف بهذه الصفة؛ لأنَّ التَّخصيص بغير دليل لا يجوز، وقد تقدَّم في «البقرة» أنَّ السَّفه خفة العقل ولذلك سُمِّي الفاسق سفيهاً، لأنه لا وزن له عند أهل العلم والدين، ويسمى النَّاقص العقل سفيهاً لخفة عقله. فصل في دلالة الآية في الحجر على السفيه قال القرطبيُّ: دلت هذه على جواز الحجر على السَّفيه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السفهآء أَمْوَالَكُمُ﴾ ، وقوله: ﴿فَإن كَانَ الذي عَلَيْهِ الحق سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً﴾ [البقرة: ٢٨٢] فأثبت الولاية على السَّفيه كما أثبتها على الضَّعيف، والمراد بالضَّعيف في الآية الضَّعيف الْعَقْلِ لصغرِ أو مرض. فصل في حال السفيه قبل الحجر عليه [قال القرطبيُّ] : واختلفوا في حال السَّفيه قبل الْحَجْرِ عَلَيْهِ، فقال مالك وأكثر

стр. 3224

أصحابه: إنَّ فعل السَّفيه وأمره كُلّهُ جائز، حتى يحجر عليه الإمامُ، وهو مذهب الشَّافعيِّ وأبي يوسف. وقال ابن القَاسِم: أفعاله غير جائزة، وإن لم يضرب الإمام على يَدِهِ. فصل: في الحجر على الكبير واختلفوا في الحجر على الكبير، فقال مالك وجمهورُ الفقهاء: يحجر عليه. وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يحجر على من بلغ عاقلاً إلا ان يكون مُفسداً لماله، فإذا كان كذلك منع من تسلميهم المالَ حتى يبلغ [خمساً وعشرين سنة، فإذا بلغها] ، سُلِّمَ إليه المال بكل حالٍ، سواء كان مُفْسِداً، أو غير مفسد؛ لأنَّه يُحبَلُ منه لاثنتي عشرة سنة، ثم يُولد له لِستَّةِ أشهرٍ فيصير جَدَّاً وأباً، وأنا أستحي أن أحجر على مَنْ يصلح أن يكون جَدَّاً. فصل في الخطاب في الآية في هذا الخطاب قولان: الأوَّلُ: أنَّهُ خطاب الأولياء بأن يُؤتُوا السُّفهاء الذين تحت ولايتهم أموالهم لقوله تعالى: ﴿وارزقوهم فِيهَا واكسوهم﴾ [النساء: ٥] وبه يصلح نظمُ الآيةِ مع ما قَبلها. فإن قيلَ: فكان ينبغي على هذا ان يقال: ولا يؤتوا السُّفَهَاء أموالهم. فالجوابُ من وجهين: أحدهما: أنَّه تعالى أضاف المال إليهم، لا لأنَّهم ملكوه، لكن من حيث ملكوا التصرف فيه، ويكفي في الإضافة الملابسة بأدنى سبب. وثانيهما: إنَّما حَسًنَتِ هذه الإضافَةُ إجراءاً للوحدة بالنَّوع مجرى الوحدة بالشخص كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] ﴿فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ [النساء: ٢٥] ﴿فاقتلوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] ومعلوم أنَّ الرَّجل منهم ما كان يقتل نفسه، وإنَّمَا كان يقتل بعضهم بعضاً، وكان الكلُّ من نَوْع واحدٍ، فكا ها هنا لما كان المال ينتفع به نَوْع الإنسان، ويحتاج إليه، فلأجل هذه الوَحْدَة النَّوعيَّة حسنت إضافة أموال السُّفهاء إلى الأولياء.

стр. 3225

القول الثاني: أنَّه خطاب للآباء بألَاّ يدفعوا مالهم إلى أولادهم إذا كانوا لا يحفظون المال سفهاءُ، وعلى هذا فإضَافَةُ الأموال إليهم حقيقة، والقول الأوَّلُ أرجحُ؛ لأنَّ ظاهر النَّهي التحريم، وأجمعوا على انَّهُ لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصّغار، ومن النِّسوان ما شاء من ماله، وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى السُّفهاء أموالهم؛ لأنه قال في آخر الآية: ﴿وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ وهذه الوصيّة بالأيتام أشبه، لأنَّ المرء مشفق بطبعه على ولده، فلا يقولُ له إلا المعروفَ، وإنَّما يحتاج إلى هذه الوصيَّة مع الأيتام الأجانب. قال ابنُ الخطيب: «ولا يمتنع [أيضاً] حمل الآية على كلا الوجهين» . قال القاضي: هذا بعيد؛ لأنه يقتضي حمل قوله: «أمْوالُكم» على الحقيقة والمجاز جميعاً، ويمكن الجوابُ عنه بأن قوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ يفيدُ كون تلك الأموال مختصة بهم، اختصاصاً يمكنه التّصرف فيها، ثم إنَّ هذا الاختصاص حاصل في المال المملوك له وفي المال المملوك للصَّبي، إلَاّ أنَّه تحت تصرُّفه، فهذا التَّفاوت واقع في مفهوم خارج من المفهوم المستفاد من قوله ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ وإذا كَانَ كذلك لم يبعد حمل اللَّفظ عليهما من حيث إن اللفظ [أفاد] معنى واحداً مشتركاً بينهما. قوله: ﴿وارزقوهم فِيهَا واكسوهم﴾ . ومعنى الرزق: أن أنفقوا عليهم. وقوله «فيها» فيه وجهان: أحدهما: أنَّ «في» على بابها من الظرفية، أي اجعلوا رزقهم فيها. والثاني: أنها بمعنى «مِنْ» ، أي: بعضها والمراد: [من] أرباحها بالتجارة. قال ابن الخطيب: «وإنَّمَا قال» فيها «ولم يقل: مِنْهَا، لئلا يكون ذلك أمراً بأن يجعلوا بعض أموالهم رِزْقاً [لهم] ، بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكاناً لرزقهم، بأنْ يَتَجِرُوا فيها، فيجعلوا أرزاقهم من الأرْبَاحِ لا من أصول الأموال» . والأمر بالكِسْوَةِ ظاهر. فصل في تفسير القول المعروف قوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ . اختلف المفسِّرون في القول المعروف:
следующие страницы →