Полный текст (12 961 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.
стр. 3641
وأيضاً فإن الوَعْد بالنَّفْع قد يقدر الإنْسَان على الوَفَاءِ به وقَدْ لا يَقْدِر، وأما الوَعْد بترْك الضَّرَر، فإنه يكون قَادِراً عليه لا مَحَالة، والسَّلام يدلُّ عليْهِ.
فصل
من الناس من قال: السلامُ واجبٌ؛ كقوله - تعالى -: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ [على أَنفُسِكُمْ﴾ ] [النور: ٦١] ، ولقوله ﵇:
«أفْشُوا السلام» والأمر للوُجُوب والمَشْهُور أنه سُنَّة. قال بعضهم: السلام سُنَّة على الكِفَايَة.
قوله: «فحيوا» أصل حيُّوا: حَييوا فاستثقلت الضَّمَّةُ على اليَاءِ، فحُذِفَت الضَّمةُ فالتقى ساكنان: الياءُ والواو، فحُذِفَتْ اليَاءُ، وضُمَّ ما قبل الوَاوَ.
وقوله: ﴿بِأَحْسَنَ مِنْهَآ﴾ أي: بتحيَّةٍ أحْسَن من تِلْك التَّحِيَّة الأوْلَى.
وقوله: ﴿أَوْ رُدُّوهَآ﴾ أي رُدُّوا مِثْلَها؛ لأن رَدَّ عينها مُحالٌ فَحذفَ المُضَافُ، نحو: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] .
فصل في كيفية السلام
مُنْتَهى الأمْر في السَّلام أن يُقَال: السَّلام عليْكُم ورَحْمَة الله وبركاته؛ بدليل أن هَذَا القَدْر هو الوَارِدُ في التَّشَهُّد.
قال العلماء: الأحْسَن أن المُسْلِم إذا قَال: السلام علَيك، رَدَّ في جوابه بالرَّحْمَة، وإذا ذكر السلام والرَّحْمة في الابْتِدَاءِ، زِيدَ في جَوابِه البَرَكَة وإذا ذكر الثلاثة في الابتداء، أعادها في الجَوَاب.
رُوي: «أن رَجُلاً قال للنَّبي ﷺ َ السلام عليك يا رسُول الله، فقال ﵊ ُ: وعَلَيك السلام ورحْمَة الله وبركاته، وجاء ثَالثٌ وقال: السَّلام عليك وَرحْمَة الله وبركَاتُه: فقال ﵊ ُ -:» وعَلَيْك السلام ورَحْمَة الله وبَرَكَاتُه «فقال الرَّجل: نقصتني فأين قول الله: ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ﴾ فقال: ﵊ ُ -:» ما تَرَكْتَ لِي فَضْلاً فَرَدَدْنَا عَلَيْكَ مَا ذَكَرْت «.
стр. 3642
وقيل: معنى قوله: ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ﴾ إذا كان الذي يُسَلِّم مُسْلِماً،» أو ردوها «رُدُّوا مثلها إذا كان غَيْر مُسْلِمٍ.
فصل
يقول المُبْتَدِئ: السلام عليكم، والمجيب يَقُول: وعليْكُم السلام، وإن شاء المُبْتَدِئُ قال: سلامٌ عَلَيْكم؛ لأن التَّعْرِيف والتَّنْكير ورد في ألفاظِ القْرآن كما تَقَدَّم، لكن التَّنْكِير أكْثَر والكل جَائِزٌ، وأما في التَّحْليل من الصَّلاة، فلا بُدَّ من الألف واللامِ بالاتِّفَاقِ.
فصل
قال ﵊ ُ -:» السُّنَّة أن يُسلِّم الرَّاكِب على المَاشي، وراكب الفَرَسِ على رَاكِب الحِمَارِ، والصَّغير على الكَبِير، والٌلُّ على الأكْثَر، والقَائِم على القَاعِد «والسُّنَّةُ الجَهْر بالسَّلام؛ لقوله ﵊ ُ -:» أفْشُوا السَّلام «قال أبو يوسف: من قال لأخَرٍ: أقْرئ فلاناً مِنِّي السلام وَجَب عليه أنْ يَفْعَل.
فصل
السُّنة: إذا اسْتَقْبلك رَجَلٌ واحد فقل: سلامٌ عليْكُم، واقْصِد الرَّجُل والملكَيْن؛ فإنهما يَرُدَّان السلام عليك، ومن سَلَّم عليه المَلَكُ فقد سَلِمَ من عَذَابِ الله - تعالى -، وإذا دَخَلت بَيْتاً خَالِياً، فَسَلَّم على من فيه من مُؤْمِني الجِنِّ، والسُّنَّة أن يَكون المُبْتَدِئ بالسَّلام على طَهَارَةٍ وكذلك المُجِيبُ.
روي أن رجلاً سلَّم على النَّبِيِّ ﷺ َ، وهو على قَضَاء الحَاجَةِ، فقام وتَيَمَّمَ ثم رَدَّ السلام، والسُّنَّةُ إذا الْتَقَى الرَّجُلَان المبادرة بالسَّلام.
فصل: المواضع التي لا يُسلَّم فيها
فأما المواضع التي لا يسَلَّم فيها ثمانيةٌ:
стр. 3643
الأوَّل: قال ﵊ ُ -:» لا تبدَءُوا اليَهُود بالسَّلام «، ورخَّصَ بَعْضَ العُلَمَاءِ في ذلك إذا دَعَت إليه حَاجَة، وأما إذا سَلَّمُوا علينا، فقال أكْثَر العُلَمَاءِ: ينبغي أن يُقَال: وعليْكَ؛ لأنَّهم كانوا يَقُولون عِنْد الدُّخُولِ على الرسول ﵊ ُ - السَّامُ عَلَيْك، فكان ﵇ يَقُول: وعَلَيْكُم، فجرت السُّنَّةُ بذلك، فإذا قُلْنَا: وعليْكُم السَّلام، فهل يجوز ذِكْر الرَّحْمَة؟ قال الحَسَن: يجُوز أن يُقال للكافِرِ: وعَلَيْكُم السلامَ، ولكن لا يُقَال: ورَحْمَة اللهِ؛ لأنها اسْتِغْفَارٌ.
وعن الشَّعبيّ؛ أنه قال لِنَصْرانيّ وعليْك السَّلام ورَحمة الله، فقيل له فيه، فقال: ألَيْس في رَحْمَة الله [يَعِيشُ] .
الثاني: إذا دَخَل الحَمَّام [فرأى] النَّاس متَّزرين يُسَلِّم عليهم، وإن لم يكُونُوا متَّزرين، لم يُسَلِّم عليهم.
الرابع: ترك السَّلام على القَارِئ؛ لأنه يقطع عليه التِّلاوة؛ وكذلك روايَة الحَدِيث.
الخَامِس: لا يُسَلَّم على المُشْتَغِل بالأذَان والإقَامَةِ.
السادس: لا يسَلَّم [على] لاعب النَّرْدِ، ولا المغَنِّي، ولا مُطَيِّر الحَمَامِ، ولا المستغل بِمَعْصِيَة اللهِ.
السَّابِع: لا يُسَلَّم على المُشْتَغِل بقضاء الحَاجَةِ؛ لما تقدَّم من الحَدِيث، وقال في آخِرِه: «لَولَا أنِّي خَشِيتُ أنْ يَقُول: سلَّمْت علَيْه فَلَمْ يَرُدَّ الجَوَاب، وإلا لَمَا أجِبْتُك، إذا رَأيْتَنِي على هذه الحَالَةِ، فلا تُسَلِّم، فإنك إن سلَّمْت لم أرُدَّ عَلَيْك» .
الثَّامن: إذا دخل الرَّجُل بَيْتَه فَيُسَلِّم على امْرأته، وإن حَضَرت أجْنَبِيَّة، [لم] يسلم عَلَيْهِمَا.
стр. 3644
قال القرطبي: ولا يُسَلِّم على النِّسَاء الشَّابات الأجَانِب؛ خوف الفِتْنَة من مُكَالَمَتِهِن بنزعة شَيْطَانٍ أو خائنة عَيْنٍ، وأما المَحَارِمُ والعجائز فَحَسَنٌ.
فصل
والرَّدُّ فرض كِفَايَة؛ إذا قام به البَعْض سَقَطَ عن البَاقِين، والأوْلى للكُلِّ أن يحيُّوا؛ إذ الرد وَاجِبٌ [على الفَوْر] فإن أخَّر حتى انْقَضى الوَقْت، وأجابه بعد فَوْت [الوقت] ، كان ابْتِداء سَلَامٍ ولا جَوَاباً، وإذا وَرَد السلام في كِتَاب، فجوابه وَاجِبٌ بالكِتَاب أيْضاً للآية، وإذا سَلَّمت المَرْأة الأجْنَبيَّة عَلَيْه، وكان في رد الجَوَابِ عليها تُهْمَةٌ أو فِتْنَةٌ، لم يجب الردّ، بل الأوْلَى إلا يفعل وحيث قُلْنَا: لا يُسَلِّم، فلو سَلَّم لم يجب الرَّدُّ؛ لأنه أتَى بِفِعْل منهِيٍّ عَنْه، فكان وجوده كَعَدَمِه.
قوله: ﴿إِنَّ الله كَانَ على كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾
قيل: الحِسيب بمعنى المُحَاسِبِ على العَمَل؛ كالأكيل والشَّرِيب والجَليسِ، بمعنى: المؤاكِل والمُشَارِب والمُجَالِس، أي: على كل شَيْءٍ من ردِّ السلام بِمِثلِه وبأحْسن مِنْهُ، «حسيباً» : أي: مُحَاسِباً ومُجَازِياً، وقيل: بمعنى الكَافِي من قَوْلهم: حَسْبي كَذَا، أي: كافياً، قاله أبُو عُبَيْدَة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿حَسْبِيَ الله﴾ [التوبة: ١٢٩] ، وقال مُجَاهِد: حَفِيظاً.
стр. 3645
وجه النَّظْمِ أنه - تعالى - يقول: من سَلَّم عليْكُم وحيَّاكم، فاقبلوا سَلامَهُ وأكْرِمُوه وعامِلُوه بناءً على الظَّاهِر، وأما البَوَاطِن فلا يعْلَمُها إلا اللهُ الذي لا إله إلا هُو، وإنما تَنْكَشِفُ بواطن الخَلْقِ في يَوْم القِيَامَة. قوله: «ليجمعنكم» جواب قَسَم مَحْذُوف.
[قال القُرْطُبِيُّ: اللامُ في قوله: «ليجمعنكم» ] لام قَسَم، نزلت في الَّذِين شَكُّوا في البَعْثِ، فأقْسَمَ الله - تعالى - بنفسه، وكلُّ لامٍ بعدها نُونٌ مشَدَّدَةٌ فهي لامُ القَسَم وفي جملةِ هذا القَسَمِ مع جوابه ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدُها: أنها قي مَحَل رفعٍ خَبَراً ثانياً لقوله: «الله» ، و «لا إله إلا هو» : جُمْلَةُ خَبَر أوّل.
والثاني: أنها خَبَر لقوله: «الله» أيضاً، و «لا إله إلا هو» : جملة اعتراضٍ بين المُبْتَدأ وخبره.
стр. 3646
والثالث: أنها مُسْتَأنَفةٍ لا محلَّ لها من الإعْرَاب، وقد تقدم إعْرَاب ﴿الله لَا إله إِلَاّ هُوَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] و ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] في البقرة.
قوله: ﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ فيه ثلاثةُ أوجه:
أحدُها: أنها على بابها من انتهَاءِ الغَايَة، قال أبو حيان: ويكونُ الجَمْع في القُبُور، أو تُضمِّن «ليجمعنكم» معنى «ليحشركم» فيُتَعَدَّى ب «إلى» ، يعني: أنه إذا ضُمِّن الجَمْعُ معنى الحَشْر لم يَحْتج إلى تقدير مَجْمُوع فيه.
وقال أبو البقاءِ - بعد أن جوَّز فيها أن تكون بمَعْنَى «في» -: «وقيل: هي على بابها، أي: ليجمعَنَّكم في القُبُور؛ فعلى هذا يَجُوز أن يكُون مَفْعُولاً به، ويجُوز أن يكون حَالاً، أي: ليجمَعَنَّكم مُفْضين إلى حِسَاب يوم القيامة» يريد بقوله «مفعولاً به» : أنه فَضْلَةٌ كَسَائِر الفضلات، نحو: «سرتُ إلى الكُوفَةِ» ولكن لا يَصِحُّ ذلك إلا بأنْ يُضَمَّنَ الجمعُ مَعْنَى الحَشْرِ كما تقدَّم، وأمَّا تقديره الحَالَ ب «مفضين» فغيرُ جَائزٍ؛ لأنَّه كونٌ مقيَّدٌ.
والثاني: أنَّها بمعنى «فِي» أي: في يوم القِيَامَةِ، ونظيره قولُ النَّابغة: [الطويل]
١٨٨٥ - فَلَا تَتْرُكَنِّي بِالوَعِيدِ كَأنَّنِي ... إلَى النَّاسِ مَطْلِيٌّ بِهِ القَارُ أجْرَبُ
أي: في النَّاسِ.
والثالث: أنها بِمَعْنَى «مَعَ» ، وهذا غيرُ وَاضِح المَعْنَى.
قال القُرْطِبي: وقيل: «إلى» وصلة في الكلام، والمَعْنَى: «ليجمعنكم» يوم القيامة والقيامة بمعنى القِيام كالطَّلابة والطِّلاب؛ قالوا: ودخلت التاءُ فيه للمُبَالَغَة، كعلَاّمة ونَسَّابَة؛ لِشِدَّةِ ما يَقَعُ فيه من الهَوْل، وسُمِّي بذلك لقيام الناس فيه للحساب؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبِّ العالمين﴾ [المطففين: ٦] .
وقال الزَّجَّاج: يجُوز أن يُقال: سمِّيت القِيَامَة قِيَامة؛ لقيام الناس من قبورهم؛ قال - تعالى -: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث﴾ [المعارج: ٤٣] .
والجُمْلَة من قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ فيها وجهان:
أحدهما: أنّضها في مَحَلِّ نَصْبٍ نعتاً لمصدرٍ مَحْذُوف دَلَّ عليه «ليجمعنكم» أي: جمعاً لا رَيْبَ فيه، والضميرُ يعود عليه والأولُ أظهرُ، «ومن أصدق» ، تقدَّم نظيرُ هذه الجُمْلَة، و «حديثاً» نصبٌ على التَّمييز.
وقرأ الحُمْهُور: «أصدق» بصاد خَالِصَة، وحمزة
стр. 3647
والكسائي: بإشمامها زاياً، وهكذا كلُّ صَادٍ ساكِنَةٍ بعدها دالٌ، نحو: «تصدقون» و «تصدية» ، وهذا كما فعل حَمْزَة في ﴿الصراط﴾ [الفاتحة: ٦] و ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] ، للمجانسة قصد الخِفَّةِ.
فصل
قوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً﴾ أي: قولاً ووَعْداً، وهذا اسْتِفْهَام على سبيل الإنْكَار، والنَقْصُود منه: وجُوب كَوْنه - تعالى - صادقاً، وأن الكَذِب والخُلْفَ في قوله مُحَالٌ.
قال ابن الخَطِيب: ظاهر الآيةِ يدُلُّ على أنَّه - تعالى - أثْبَت أن القِيَامة ستُوجَد لا مَحَالَة، وجعل الدَّلِيل على ذلك مُجَرَّد إخْبَار الله - تعالى - عنه، وهذا حَقٌّ؛ لأن المَسَائل الأصُولِيَّة على قِسْمَين: منها ما العلم بِصِحَّة النبُوَّة يَحْتَاج إلى العِلْم بِصِحَّتِه، ومنها ما لا يكُون كَذَلِك.
فالأوَّل: مثل عِلْمَنا بافتقار العَالِم إلى صَانِعِ عالم بالمَعْلُومَات قادرٍ على كل الممُكِنَات، فإنَّا ما لم نَعْلَم ذلك، لا يمكننا العِلْمُ بصدقِ الأنْبِيَاء، فكل مَسْألة، هذا شَأنُها، فإنه يَمْتَنِعُ إثباتُها بالقُرْآن وإخْبار الأنْبِيَاءِ - عليهم الصلاة والسلام - وإلا وقع الدَّوْر.
وأما القسم الثَّاني: وهو جملة المَسَائِل التي لا يَتَوَقَّف العِلْم بِصَحَّة النُّبُوَّة على العِلْم بصحَّتِها، فكل ذلك مِمَّا يمكن إثْبَاتُه بالقُرْآنِ وبكلام الله - تعالى -، فثبت أن الاستدلالَ على قِيَامِ القِيَامَةِ بإخْبَار الله - تعالى - عنه اسْتِدلال صَحِيحٌ. انتهى.
فصل
استدلت المُعْتَزِلَة بهذه الآية على أنَّ كلام الله - تعالى - مُحْدَثٌ، قالوا: لأنَّهُ تعالى وَصَفَهُ بكونه حَدِيثاً في هذه الآيَةِ وفي قَوْله - تعالى -: ﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كِتَاباً﴾ [الزمر: ٢٣] ، والحديث: هو الحَادِثُ والمُحْدِث.
والجواب: أنكم تَحْكُمُون بحدُوثِ الكلام الذي هو الحَرْف والصَّوْت، ونحن لا نُنَازعُ في حُدُوثِهِ، إنما [الَّذِي] نَدَّعِي قدمه شَيْء آخَر غير هذه الحُرُوف والأصْوَات،
стр. 3648
والآيَةُ لا تدل على حُدُوث ذلك الشَّيْء ألْبَتَّةَ بالاتِّفَاقِ منَّا ومنْكُم؛ أمَّا مِنَّا: فظاهِر، وأما منكم: فإنَّكُم تَنْكِرُون وُجُود كلامٍ سوى هذه الحُرُوف والأصْوات، فكَيْف يُمْكِنكُم أن تَقُولوا بدلالة هذه الآية على حُدُوثه.
стр. 3649
قوله - تعالى -: «فما لكم» : مبتدأ وخَبَر، و «في المنافقين» فيه ثلاثة أوجُه:
أحدها: انه متعلِّقٌ بما تعلَّق الخَبَرُ، وهو «لكم» ، أي: أيُّ شَيْءٍ كائنٌ لكم - أو مُسْتَقِرٌّ لكم - في أمْر المُنَافِقِين.
والثاني: أنه مُتَعَلِّق بمعنى فئتين، فإنَّه في قُوَّة «مال كم تفترقون في أمور المنافقين» فحُذِف المُضافُ، وأُقيم المُضَافُ إليه مقامه.
والثالث: أنه مُتَعَلِّقٌ بمَحْذُوفٍ على أنه حالٌ من «فئتين» ؛ لأنه في الأصْل صفةٌ لها، تقديرُه: فئتين مُفْترِقَتَيْن في المُنَافِقِين، وصفةُ النكرة إذا قُدِّمت عليها، انتصبَتْ حَالاً.
وفي «فئتين» وجْهَان:
أحدُهما: أنها حالٌ من الكافِ والميم في «لَكُم» ، والعَامِلُ فيها الاستقرارُ الذي تعلَّق به «لَكُم» ؛ ومثله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] وقد تقدَّم أنَّ هذه الحَالُ لازمةٌ؛ لأن الكلامَ لا يَتِمُّ دونَها، وهذا مذهبُ البَصْرِيَِّين في كل ما جَاءَ من هذا التَّرْكِيب.
والثاني - وهو مذهب الكوفيين -: أنه نَصْبٌ على خَبَر «كان» مُضْمَرةً، والتقدير: ما لَكُم في المُنَافِقِين كنتم فئتين، وأجَازوا: «ما لك الشاتم» أي: ما لك كُنْتَ الشَّاتِمَ، والبَصْرِيُّون لا يُجِيزُون ذلك؛ لأنه حالٌ والحالُ لا تتعرَّف، ويدلُّ على كَوْنِهِ حالاً التزامُ مَجِيئه في هذا التَّركِيب نَكِرةً، وهذا كما قالُوا في «ضَرْبِي زَيْداً قَائِماً» : إنَّ «قائماً» لا يجُوز نصبُه على خَبَر «كان» المُقَدَّرةِ، بل على الحَالِ؛ لالتزامِ تَنْكيره. وقد تقدَّم اشتِقَاقُ «الفِئَة» في البقرة.
стр. 3650
فصل
قال قوم: نَزَلت في الذين تخَلَّفُوا يَوْمَ أحُد من المُنَافِقِين، وقالوا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاّتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] . فاختلف أصْحَاب الرَّسُول ﵊ ُ -: فقالَتْ مَنْهُم فرقة: كَفَرُوا، وآخَرُون قالوا: لَمْ يَكْفُرُوا، فنزلت الآية؛ وهو قول زَيْد بْنِ ثَابِت وطُعِن في هذا الوَجْهِ: بأن في نَسَقِ الآية ما يَقْدَحُ فيه وأنَّهم من أهْل مكَّة؛ وهو قوله: ﴿فَلَا تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حتى يُهَاجِرُواْ﴾ .
وقال مُجَاهِد: هم قَوْم خَرَجُوا إلى المَدِينَة، وأسْلَمُوا ثم ارْتَدُّوا، واسْتَأذَنُوا رسُول الله ﷺ َ إلى مَكَّة؛ ليأتوا بِبِضَائِع لَهُم يتَّجِرُون فيها، فَخَرَجُوا وأقَامُوا بمكَّة، فاختلف المسلمون فيهم: فقائل يَقُول: هم مُنَافِقُون، وقائل يَقُول: هُمْ مُؤْمِنُون.
وقيل: نزلت في نَاسٍ من قُرَيْش قَدِمُوا المَدِينَةَ، وأسْلَمُوا ثم نَدِمُوا على ذلك، فَخَرَجُوا كهيئة المُتَنَزِّهِين حتى بَعُدوا عن المدينة، فكتَبُوا إلى رسُول الله ﷺ َ: إنَّا عَلَى الَّذِي وافقْنَاك عليه من الإيمَانِ، ولَكِنَّا اجتوينا المدينة واشْتَقْنَا إلى أرْضِنا، ثم إنَّهُم خرجوا في تجارةٍ لَهُم نحو الشَّامِ فَبَلَغَ ذَلِك المُسْلِمِين، فقال بَعْضُهم: نخرج إليْهم فنقتلهم ونأخذ ما مَعَهُم؛ لأنَّهم رَغِبُوا عن دِيننَا، وقالت طَائِفة: كيف تَقْتُلون قوماً على دينكُم إن لَمْ يَذَرُوا دِيَارَهم، وكان هَذَا بِعَيْن النَّبِيِّ ﷺ َ، وهو سَاكِتٌ لا يَنْهَى واحداً من الفَرِيقَيْن؛ فنزلت الآية.
وقيل: هم العرنيون: وقال ابْن زَيْد: نزلت في أهل الإفكِ، وقال ابن عبَّاسٍ وقتادة: هم قَوْمٌ أسْلَمُوا بمكَّة ثم لم يُهَاجِرُوا وكانُوا يُظَاهِرُون المُشْرِكين، فاختلف المُسْلِمُون فيهم وتشاجروا، فنزلت: «فما بالكم» يا معشر المؤمنين ﴿فِي المنافقين فِئَتَيْنِ﴾ أي: صرتم فيهم فئتين، ﴿والله أَرْكَسَهُمْ﴾ أي: نكَّسَهُم ورَدَّهم إلى الكُفْرِ وأحْكَامه من الذُّلِّ والصِّغَار والسَّبْي والقَتْل.
стр. 3651
قال الحسن: وإنما سَمَّاهم مُنَافِقِين وإن أظْهَرُوا الكُفْر؛ لأنهم وُصِفُوا بالصِّفَةِ التي كَانُوا عَلَيْهَا من قَبْل.
قوله: ﴿والله أَرْكَسَهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، وفيها وجهان:
أظهرهما: أنها حالٌ، إمَّا من المُنَافِقِين - وهو الظَّاهِرُ -، وإمَّا من المُخَاطبين، والرابطُ الواوُ، كأنه أنكرَ عليهم اختلافهم في هؤلاء، والحالُ أنَّ الله قد ردَّهم إلى الكُفْر.
والثاني: أنها مُسْتَأنفةٌ أخبر - تعالى - عنهم بذلك. و «بما كسبوا» مُتَعَلِّقٌ ب «أركسهم» والبَاءُ سَبَبِيَّة، أي: بسبب كَسْبِهِم، و «ما» مصدريَّةٌ أو بمعنى الَّذِي، والعائدُ مَحْذُوفٌ على الثَّانِي، لا على الأوَّلِ على الصَّحِيح.
والإركاس: الردُّ والرَّجْعُ، ومنه الرِّكْس، قال ﵇ في الرَّوْثة لمَّا أُتِيَ بها: «إنها ركس» . وقال أمَيَّة بن أبِي الصَّلت: [البسيط]
١٨٥٦ - فَأرْكِسُوا في جَحِيمِ النَّارِ إنَّهُمُ ... كَانُوا عُصَاةً وَقَالُوا الإفْكَ وَالزَّورَا
أي: رُدُّوا، وقال الرَّاغِب: «الرِّكْس والنِّكْس: الرَّذْلُ، إلا أنَّ الرِّكْس أبلغُ؛ لأن النِّكْسَ: ما جُعِل أعلاه أسْفَله، والرِّكْسَ: ما صَارَ رَجِيعاً بعد أن كَانَ طعاماً» .
وقال النَّضْر بن شميل والكَسَائي: الرَّكْس والنِّكْس: قلب الشَّيْء على رَأسِه، أو رَدِّ أوَّلِهِ على آخِره، والمَرْكُوس والمنكُوسُ وَاحِدٌ.
وقيل: أرْكسه أوْبقَه، قال: [المتقارب]
١٨٥٧ - بِشُؤْمِكَ أرْكَسْتَنِي فِي الخَنَا ... وأرْمَيْتَنِي بِضُرُوبٍ الْعَنَا
وقيل: الإركاس: الإضلال، ومنه: [المتقارب]
١٨٥٨ - وأرْكَسْتَنِي عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى ... وصَيَّرتَنِي مَثَلاً لِلْعِدَى
وقيل: هو التنكيسُ، ومنه: [الرمل]
١٨٥٩ - رُكِّسُوا في فِتْنَةٍ مُظْلِمَةٍ ... كَسَوَادِ اللَّيْلِ يَتْلُوهَا فِتَنْ
وارتكَس فُلانٌ في أمْر كَانَ، أي: نَجَا مِنْهُ والرُّوكُوسِيَّةُ: قوْمٌ بين النَّصَارى والصَّابِئِين، والرَّاكِس: الثَّور وسْط البَيْدَر والثيران حوالَيه وقت الدياس.
стр. 3652
ويقال: أرْكس ورَكَّس بالتَّشْدِيد ورَكَّس بالتَّخْفِيف: ثلاث لُغَات بمعنى واحد، وارتكَس هو، أي: رجع.
وقرأ عبد الله: «ركسهم» ثلاثياً، وقرئ «ركَّسهم - ركَّسوا» بالتشديد فيهما.
وقال أبو البقاء: «وفيه لُغَةٌ أخرى:» ركسه الله «من غير همز ولا تشديد، ولا أعلم أحَداً قرأ به» .
قلت: قد تقدَّم أن عبد الله قَرَأ «والله ركسهم» من غير همز ولا تشديد [ونقل ابن الخطيب أنَّها قراءة أبيِّ أيْضاً] وكلام أبي البَقَاءِ مُخْلِّصٌ؛ فإنه إنما ادَّعى عَدَمَ العلمِ بأنَّها قِرَاءةٌ، لا عدمَ القراءة بها.
قال الرَّاغب:: إلا أن «أركسه» أبلغُ من «ركسه» ؛ كما أنَّ أسْفَلَه أبلغُ من سُفْلَه «وفيه نظر.
فصل
قوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ قالت المُعْتزِلة: المُرَاد من قوله:» أضل الله «ليس أنَّه هو خلق الضَّلال فيه للوُجُوه المَشْهُورة؛ لأنه قال قبل هذه الآية: ﴿والله أَرْكَسَهُمْ بِمَا كسبوا﴾ فبيَّن - تعالى -[أنه] إنَّمَا رَدَّهُم وطَرَدَهُم بسبب كَسْبِهِم وفِعْلِهِم، وذلك يَنْفِي القَوْل بأنَّ ضلالَهُم حصل بِخَلْق الله، وعند هذا حَمَلُوا قوله:» ومن أضل [الله] «على وُجُوه:
أحدُها: المُرَاد أنَّ الله حَكَم بضلالهم وكُفْرِهم؛ كما يُقَال: فلان يكفر فُلاناً ويضَلِّلُه، بمعنى: أنه حَكَم به وأخبر عنه.
وثانيها: أن المَعْنَى: أتُريدون أن تَهْدُوا إلى الجَنَّةِ من أضَلَّه الله عن طريق الجَنَّةِ؛ وذلك لأنَّه - تعالى - يُضِلُّ الكُفَّار يوم القيامَة عن الاهْتِدَاء إلى طريق الجَنَّةِ.
وثالثها: أن يُفَسَّر الإضْلال بمعنى الألْطَاف، وقد تقدَّم ضَعْفُ هذه الوُجُوه، ثُمَّ نقول: هَبْ أنَّها صحيحة، ولكِنَّه - تعالى - أخْبَر عن كُفْرِهِم وضلالِهِم، وأنَّهم لا يَدْخُلون الجَنَّة، فقد تَوَجَّه الإشْكَال؛ لأن انْقِلاب علم الله - تعالى - جهلا مُحَالٌ، والمُفْضِي إلى المُحَالِ مُحَالٌ، ويدل على أنَّ المُرَاد أنه - تعالى - أضَلَّهُم عن الدِّين - قوله - تعالى -: ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ والمَعْنى: أنه - تعالى - لمَّا أضلَّهُم عن الإيمَانِ امتنع أن يجد المَخْلُوق سَبِيلاً إلى إدْخَالِه في الإيمَانِ.
стр. 3653
قوله - تعالى -: ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ﴾ الآية.
يجوز في» لو «وجهان:
أحدهما: أن تكون مصدريَّة.
والثاني: أنها على بابها من كونها حرفاً لما كان سيقع لوُقُوعِ غيره.
فعلى الأوَّل: تتقدَّر مع ما بعدها بمصدر، وذلك المصدرُ في محل المفعول ل» ودوا «وحينئذٍ فلا جَوَابَ لها، والتقدير: وَدُّوا كُفْرَكُم.
وعلى الثاني: يكون مَفْعُولُ» وَدَّ «مَحْذُوفاً، وجوابُ» لو «أيْضاً محذوف؛ لدلالة المَعْنَى عليهما، والتقدير: وَدُّوا كُفْرَكم، لو تَكْفُرون كما كَفَرُوا لسُرُّوا بذلك.
و» كما كفروا «: نعتٌ لمَصْدِر محذوف، تقديره: كُفراً مثل كُفْرِهم، أو حالٌ من ضَمِير ذلك المَصْدر كما هو مَذْهَب سيبويْه.
و» فتكونوا «: عطف على» تكفرون «والتقدير: وَدُّوا كفرَكُم، وكونكم مُسْتَوين معهم في شَرْعِهم؛ كقوله: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ، أي: ودُّوا لو تُدْهنون، والفَاءُ عَاطِفَة.
قال الزَّمَخشَريّ:» ولو نُصِب على جَوَاب التَّمَنِّي؛ لجاز «قال أبو حيَّان: فيه نظر: من حَيْث إن النَّصْبَ في جواب التَّمَنِّي إذا كان التَّمَنِّي بلفظ الفِعْل، يحتاج إلى سَمَاع من العَرَب، بل لو جَاءَ، لم تتحقَّقَ فيه الجَوابِيةُ، لأنَّ» ودَّ «التي بِمَعْنَى التمني، متعلِّقُها لا الذَّوَات، فإذا نُصِب الفِعْل بعد الفَاءِ، لم يَتَعَيَّنْ أن تكون فَاءَ جواب؛ لاحتمال أن يَكُون من بَابِ عَطْف المَصْدر المقدَّر على المَصْدَر المَلْفُوظ به، فيكون من بَابِ: [الوافر]
١٨٦٠ - لَلًبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
يعني: كَأنَّ المَصْدَر المَفْعُولَ ب «يود» ملْفُوظٌ به، والمصدرُ المقدَّرُ ب «أن» والفِعْلِ، وإلَاّ فالمصْدرُ المَحْذُوفُ ليس مَلْفوظاً به، إلا بِهَذَا التَّأويلِ المذكُورِ، بل المَنْقُولُ أنَّ الفِعلَ ينْتَصِبُ على جَوَابِ التَّمنِّي، إذا كان بالحَرْفِ، نحو: «ليت» ، و «لو» و «ألا» إذا أشْرِبتا مَعْنَى التَّمنِّي.
وفيما قاله أبُو حَيَّان نظر؛ لأن الزَّمَخْشَرِيَّ لم يَعْنِ ب «التمني» المفهوم من فِعْل الودادة، بل المَفْهُومَ من لفظ «لو» المُشعرةِ بالتمني، وقد جاء النَّصْب في جوابها؛ كقوله: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ﴾ [الشعراء: ١٠٢] ، وقد قدَّمْتُ تَحْقِيقَ هذه المَسْألَةِ، فظهر قول
стр. 3654
الزَّمَخْشَرِي من غير توقُّفٍ، و «سواء» : خبر «تكونون» وهو في الأصْل مَصْدرٌ واقعٌ مَوْقعَ اسْمِ الفَاعِلِ، بمعنى مُستوبن؛ ولذلِك وُحّد، نحو: «رجال عدل» .
لمَّا اسْتَعْظَم قولهم: ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله﴾ على سَبِيل الإنْكَارِ عَقب ذِكْر الاسْتبعاد، بأن قال: إنَّهم بلغُوا في الكُفْر إلى أنَّهم يَتَمنُّون أن تَصِيرُوا أيُّها المُسْلِمُون كُفَّاراً، فلما بَلَغُوا في تعصُّبهم في الكُفْر إلى هذا الحَدّ، فكيف تَطْمَعُون في إيمانِهِم.
ثم قال: ﴿فَلَا تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حتى يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾ مَعَكُم.
قال عكرمة: هي هِجْرة أخرى والهِجْرة على ثَلاثَة أوْجُه:
هجرة المُؤمنين في أوَّلِ الإسْلام، وهي قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] وقوله: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى الله وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠] ونحوهما.
وهجرة المؤمنين وهي الخُرُوجُ في سَبِيلِ اللهِ مع رسُول الله صَابِراً محتَسِباً، كما حكى هَهُنَا، مَنَعَ من مُوالاتهم حَتَّى يُهَاجِرُوا في سَبِيل الله.
وهجرة سَائر المُؤمنين: وهي ما قَالَ النَّبِيُّ ﷺ َ: «المُهَاجِر من هجر مَا نَهَى الله عَنْه» .
قال أبو بكر الرَّازِي: التقدير: حتى يُسْلِمُوا ويُهَاجِرُوا؛ لأن الهِجْرَة في سَبِيل الله لا تكون إلا بَعْد الإسْلَام، فدلَّت الآيَةُ على إيجَاب الهِجْرة بعد الإسْلام، وأنَّهم وإن أسلَمُوا لَمْ يكُن بينَنَا وبَيْنَهم موالاةٌ إلا بَعْد الهِجْرَة؛ لقوله -[تعالى]-: ﴿مَا لَكُمْ مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: ٧٢] وقال رسول الله ﷺ َ: «أنَا بَرِيءٌ من كل مُسْلِم أقَامَ بَيْن أظْهُر المُشْرِكِين» وهذا التَّكْلِيفُ إنَّما كان لازِماً حَيْث كانَت الهِجْرة وَاجِبَةٌ مَفْروضة، فلمَّا فتحت مَكَّة، نُسِخ ذلك، قال رسُول الله صلى الله يوم فتح مكة: «لا هِجْرَة [وَاجِبَة مَفْرُوضة] بعد الفَتْح، ولَكِنْ جِهَادٌ ونِيَّةٌ» .
ورُوي عن الحَسَن: أن حُكْم الآيَة ثَابِتٌ [في كُلِّ] من أقَام في دَارِ الحَرْب.
стр. 3655
قال ابن الخَطِيب: الهِجْرَة تحصل تارةً بالانْتِقَالِ من جَارِ الكُفْرِ إلى دَارِ الإسْلام، وأخْرَى تَحْصُل بالانْتِقَال عن أعْمَال الكُفَّار إلى أعْمَال المُسْلِمين، قال ﵊ ُ -:
«المُهَاجِر مَنْ هجر ما نَهَى اللهُ عَنْهُ» وقال المُحَقِّقُون: الهِجْرة في سَبِيل الله عِبَارة عن الهِجْرة عن تَرْك منهيَّاته وفِعْل مأموراته، والآية عامَّة في الكُلِّ، وقَيَّدَ الهجرة بِكَوْنِها في سَبِيلِ الله؛ لأنه رُبَّمَا كَانَت الهِجْرَة لِغَرض من أغْرَاض الدُّنْيا فلا تكُونُ مُعْتَبَرة.
قال القُرْطُبِي: والهِجْرة أنْوَاع: منها الهِجْرة إلى المَدِينَة؛ لنُصرة النَّبي ﷺ َ في الغَزَوات، وكانت هذه وَاجِبَة أوَّل الإسْلام، حتى قال: «لا هِجْرَة بعد الفَتْح» وكذلك هِجْرَة المُنَافِقِين مع النبي ﷺ َ [وهجرة مَنْ أسْلم في دَارِ الحرب فإنها وَاجِبَة، وهجرة المسلم ما حَرَّم الله عَلَيْه] كما قال ﵇: «والمُهَاجِرُ مَنْ هَجَر مَا حَرَّم الله عليه» وهاتان الهِجْرَتان ثابتَتَان الآن، وهجرة أهل المَعَاصِي؛ ليرجعوا عمَّا هُم عليه تأدِيباً لهم، فلا يُكَلَّمُون ولا يُخَاطَبُون ولا يُخَالَطون حتى يَتُوبُوا؛ كما فعل النَّبِيُّ ﷺ َ مع كَعْب وصاحِبَيْه.
قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ أي: فإن أعْرَضُوا عن التَّوْحيد والهجْرَة «فخذوهم» إذا قَدَرْتُم عليهم أسَارَى، ومنه يُقَال للأسِير: أخيذٌُ، ﴿واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ في الحِلِّ والحَرَم ﴿وَلَا تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ﴾ في هذه الحَالِ «ولياً» يتولى شَيْئاً من مُهماتكم «ولا نصيراً» لينصركم على أعْدَائِكُم، ثم استَثْنَى منهم وهو قوله: ﴿إِلَاّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُونَكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَآءَ الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعتزلوكم فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ .
قوله: ﴿إِلَاّ الذين يَصِلُونَ﴾ : في هذه الاستثناء قولان:
أظهرهما: أنه استثناء مُتَّصِلٌ، والمستثنى منه قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ واقتلوهم﴾ في الأخذ والقتل لا في المُوالاة؛ لأن موالاة الكُفَّار والمنافقين لا يجوز بحال.
والمُسْتَثْنَوْنَ على هذا قَوْمٌ كُفارٌ، ومَعْنَى الوَصْلَةِ هنا الوَصْلَةُ بالمُعَاهَدَةِ والمُهَادَنَةِ. وقال أبُو عبيد: «هو اتِّصَالُ النَّسَب» ، وغلَّطه النَّحَّاس بأن النَّسَب كان ثابتاً بين النَّبِيِّ ﷺ َ والصَّحابة، وبين المُشْرِكين، ومع ذلك لم يمنعهم ذلك من قتالهم.
وقال ابن عبَّاس: يريد: ويلْجَئُون إلى قوم ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾ أي: عهد، وهم الأسْلَميُّون، وذلك أنَّ رسُول الله ﷺ َ وادَعَ هِلال بن عُوَيْمر الأسْلَمِيّ عند خُرُوجه إلى مَكَّة، على ألَاّ يُعينَهُ ولا يُعين عليْه، ومن وَصَل إلى هِلالٍ من قَوْمهِ وغيرهم ولجأ إليه، فلهم من الجواز مثل ما لِهِلالٍ.
وقال الضَّحَّاك عن ابن عبَّاسٍ: أراد بالقَوْم الَّذين بالقَوْم الَّذِين بَيْنكم وبَينهم ميثَاقٌ: بني بَكْرٍ بن
стр. 3656
زَيْد بن مَنَاة، وكانوا في الصُّلْح والهُدْنَة، وقال مُقَاتِل: هم خُزَاعَة.
والقَوْل الثاني: أنه منقطعٌ - وهو قول أبِي مُسْلم الأصْفَهَانِيِّ، واختيار الرَّاغب -.
قال أبو مُسْلم: «لَمَّا أوجبَ اللهُ الهِجْرَةَ على كُلِّ مَنْ أسلم، استثنى مَنْ له عُذْرٌ فقال: ﴿إِلَاّ الذين يَصِلُونَ﴾ وهم قوم قَصَدُوا الهِجْرَة إلى الرَّسُول ﵊ ُ - ونصرته، وكان [بينهم وبَيْنَه في الطَّريق كُفَّار يخافونهم، فَعَهِدُوا إلى كُفَّارٍ كان] بينهم وبين المُسْلمين عَهْدٌ، فأقاموا عَنْدَهُم إلى أنْ يُمْكِنهُمُ الخلاصُ، واستثنى بعد ذلك مَنْ صَار إلى الرَّسُول وأصْحَابه؛ لأنه يخافُ اللهَ فيه، ولا يقاتِلُ الكُفَّار أيضاً لأنهم أقاربُه؛ أو لأنه يَخَافُ على أولاده الذين هُمْ في أيديهم» ، فعلى هذا القَوْلِ يكون استثناءً مُنْقَطِعاً؛ لأن هؤلاء المُسْتَثنين لم يَدْخُلوا تحت قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ﴾ والمُسْتَثنوْن على هَذَا مُؤمِنُون.
قوله: ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾ يجوز أن يكونَ جملةً من مُبْتَدَأ وخَبر في مَحَلِّ جرِّ صفة ل «قوم» ، ويجوز أن يكُونَ «بينكم» وحْدَه صفةً ل «قوم» ، فيكون في محلِّ جَرٍّ ويتعلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، و «ميثاق» على هذا رفعٌ بالفَاعِليَّة؛ لأنَّ الظَّرف اعتمد على مَوْصُوفٍ، وهذا الوَجْهُ أقربُ؛ لأنَّ الوَصْفَ بالمُفْرَدِ أصْلٌ للوصف بالجُمْلَة.
قوله: «أو جاءوكم» فيه وجهان:
أظهرهما: أنه عطف على الصِّلَة؛ كأنه قيل: أو إلا الذين جَاءُوكُم حَصِرَتْ صُدُورُهُم، فيكون التقدير: «إلا الذين يصلون بالمعاهدين، أو الذين حصرت صدورهم فليقاتلوكم» فيكون المُسْتَثْنَى صِنْفَيْن من النَّاس: أحدهما: واصلٌ إلى قومٍ مُعاهدين، والآخر مَنْ جَاءَ غَيْرَ مقاتِلٍ للمسلمين ولا لِقَوْمه.
والثاني: أنه عضطْفٌ على صِفَةِ «قوم» وهي قوله: ﴿فَإِنِ اعتزلوكم فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ بعد قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ واقتلوهم﴾ فقرَّر أنَّ كفَّهُم عن القِتَال أحدُ سَبَبَي اسْتِحقَاقِهم لنفي التعرُّض لهُم، وتَرْكِ الإيقاع بهم، فإن قُلْت: كلُّ واحد من الاتِّصالين له تأثيرٌ في صحة الاستِثْنَاء، واستحقاقِ تَرْكِ التَّعرضِ للاتصال بالمُعَاهدين والاتصال بالْكَافِّين، فهلا جَوَّزْت أن يَكُونَ العَطْفُ على صفةِ «قوم» ، ويكون قوله: «فإن اعتزلوكم» تقريراً لحكم اتِّصالهم بالكافِّين واختلاطهم بهم، وجَرْيهم على سُنَنِهم؟ قلت: هو جَائِزٌ، ولكن الأوَّلَ أظهرُ وأجْرى على أٍلوب الكلام «. انتهى.
وإنما كان أظهر لوجهين:
стр. 3657
أحدهما: من جِهَة الصِّنَاعة، والثاني: من جهة المَعْنَى.
أمَّا الأوَّلُ: فلأنَّ عطفَه على الصِّلة لكون النِّسْبَة فيه إسْنَادِيةً، وذلك أن المُسْتَثْنَى مُحَدَّثٌ عنه مَحْكُومٌ له، بخلاف حُكْم المُسْتَثْنَى منه، فإذا قدَّرْتَ العَطْفَ على الصَِّلَة، كان مُحَدَّثاً عنه بما عَطَفْتَه، بِخِلَاف ما إذا عَطَفْتَه على الصِّفَة، فإنه يكونُ تَقْيِيداً في» قوم «الذين هم قيدٌ في الصِّلَةِ المُحَدَّثِ عن صَاحِبها، ومتى دار الأمْر بين أن تكُون النِّسْبَة إسْنَاديّة وبين أن تكون تقييدية، كان جَعْلها إسناديةً أوْلى لاسْتِقلالها.
والثاني من جهة المَعْنَى: وذلك أنَّ العَطْفَ على الصِّلَةَ يؤدِّي أن سَبَبَ تَرْكِ التَّعرُّض لهم تَرْكُهُم القتالَ ونَهْيُهُم عنه، وهذا سَبَبٌ قريب، والعَطْفُ على الصِّفَة يؤدي إلى أنَّ سَبَبَ تركِ التعرُّضِ لهم، وصُولُهم إلى قَوْم كافِّين عن القِتَال، وهذا سببٌ بعيدٌ، وإذا دَارَ الأمرُ بين سَبَبٍ قريب وآخر بعيدٍ، فاعْتِبَارُ القرِيبِ أوْلَى.
والجمهورُ على إثبات «أو» ، وفي مُصْحَفِ أبَيٍّ: «جاءوكم» من غير «أوْ» ، وخَرَّجها الزَّمَخْشَرِيُّ على أحَدِ أرْبَعة أوْجُه: إمَّا البيان ل «يصلون» ، أو البَدَلِ منه، أو الصِّفة لقَوْم بعد صِفَة، أو الاستئنافِ.
قال أبو حيان: «وهي وجوهٌ مُحْتَمَلَةٌ وفي بعضها ضعفٌ، وهو البيانُ والبدلُ؛ لأن البيانَ لا يَكُون في الأفْعَالِ؛ ولأن البدل لا يتأتَّى لكونه ليس إيَّاه، ولا بعضه، ولا مُشْتَمِلاً عليه» . انتهى، ويحتاج الجَوَابُ عنه [إلى] تأمُّلٍ ونظرٍ.
قوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ فيه سبعة أوجُه:
أحدها: أنه لا مَحَلَّ لهذه الجُمْلَة، بل جِيءَ بها للدُّعاء عليهم بضيق صُدُورهم عن القَتَالِ، وهذا مَنْقثولٌ عن المُبَرِّد، إلَاّ أنَّ الفَارسِيَّ رضدَّ عيله بأنا مَأمُورون بأنْ نَدْعُوَ على الكُفَّارِ بإلقاءِ العَدَاوَة بينهم، فَنَقُولُ: «اللَّهُم أوْقِعِ العَدَاوَةَ بين الكُفَّار» لكن يكُونُ قوله: ﴿أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ﴾ نفياً لما اقْتَضَاهُ دعاءُ المُسْلِمين عليهم.
وقد أجَابَ عن هذا الردِّ بعضُ النَّاس؛ فقال بن عضطِيَّة: «يُخَرَّجُ قولُ المُبَرِّد على أن الدُّعَاء عليهم بألَاّ يقاتلوا المُسْلِمِين تعجيزٌ لَهُم، والدعاءُ عَلَيْهم بألَاّ يقاتلوا قومهم تَحْقيرٌ لَهُمْ، أي: هُمْ أقلُّ وأحْقَرُ ومُسْتَغْنى عَنْهُم، كما تقول إذا أردت هذا المَعْنَى:» لا جعل الله فُلاناً عليَّ ولا مَعِي «بمعنى: أسْتَغْنِي عنه وأستَقِلُّ دونَه» .
وأجاب غيرُه بأنَّه يجُوزَ أن يكونَ سُؤالاً لقومهم، على أنَّ قوله: «قومهم» قد يُحْتمل أن يُعَبَّر به عَمَّنْ لَيْسُوا منهم، [بل عن مُعاديهم «.
الثاني: أنَّ» حصرت «حالٌ من فاعل» جاءوكم «وإذا وَقَعت الحَالُ فعلاً مَاضِياً
стр. 3658
ففيها] خلافٌ: هل يَحْتاج إلى اقْتِرانه ب» قَدْ «والراجِحُ عدمُ الاحْتِياج؛ لكثرة ما جاء منه، فَعَلى هذا لا تُضْمَرُ» قد «قَبْلَ» حصرت «، ومَنِ اشْتَرَط ذلك، قَدَّرها هنا.
والثالث: أنَّ» حصرت «صفةٌ لحَالٍ محذوفةٍ، تقديرُه: أو جاءُوكم قوماً حَصِرَتْ صُدُورُهُم رجالاً حصرت صُدُورهم، فنصب لأنَّه صفة مَوْصُوف مَنْصُوب على الحال، إلَاّ أنه حذف المَوْصُوف المنْتَصب على الحَالِ، وأقيمت صِفته مَقَامَه وسَمَّاها أبو البقاء حالاً مُوَطِّئَة، وهَذَا الوجُه يُعْزَى للمُبرِّد أيضاً.
الرابع: أن يَكُون في مَحَلِّ جَرِّ صفةً لِقَوْم بعد صِفَة، و» أو جاءوكم «مُعْتَرِضٌ.
قال أبُو البَقَاءِ: يَدُلُّ عليه قِرَاءةُ مَنْ أسْقَط» أو «وهو أبَيٌّ، كذا نَقَلَهُ عنه أبو حيَّان والذي في إعْرَابِه إسقاطُ» أو جاءُوكم «جميعه، وهذا نَصُّه قال:» أحَدُهُما: هو جَرٌّ صِفَةً لقومِ، وما بَيْنَهُمَا صفة أيضاً، و «جاءوكم» هذا نَصُّه، وهو أوفق لهذا الوَجْهِ.
الخامس: أن يكون بدلاً من «جاءوكم» بدلَ اشْتِمَال؛ لأن المَجِيء مشتمِلٌ على الحَصْر وغيره، نَقَلَه أبو حيان عن أبي البقاء أيضاً.
السادس: أنه حبرٌ بعد خَبَر، وهذه عِبَارة الزَّجَّاج، يعني: أنها جملة مُسْتَأنفَة، أخْبر بها عن ضِيق صُدُورِ هَؤلَاء عن القِتَال بعد الإخْبَار عَنْهُم بما تَقَدَّم.
قال انب عطية بعد حِكَاية قولِ الزَّجَّاج: «يُفَرَّق بين الحَالِ وبين خَبَرٍ مستأنفٍ في قولك:» جاء زَيْد رَكِبَ الفَرَسَ «أنك إذا أرَدْتَ الحَالَ بقولك:» ركب الفَرَس «قدَّرْتَ» قد «، وإن أرَدْت خَبَراً بعد خَبَر، لم تَحْتَجْ إلى تقدِيرها» .
السَّابع: أنه جَوَاب شَرْطِ مُقَدَّر، تقديره: إن جاءُوكُن حصرت [صدورهم] ، وهو رأي الجُرجَانِيِّ، وفيه ضَعْفٌ؛ لعدم لدَّلَالة على ذَلِك.
وقرأ الجُمْهُور: «حصرت» فعلاً ماضياً، وقرأ الحَسَن، وقتادة، ويعقوب: «حصرة» نَصْباً على الحَالِ بوزن «نبقة» ، وهي تؤيِّد كونَ «حصرت» حالاً، ونقلها المَهْدَوِي عن
стр. 3659
عَاصِمٍ في رواية حَفْص، ورُوي عن الحَسَن أيضاً: «حصرات» و «حاصرات» .
وهاتان القراءتان تَحْتَمِلان أن تكُونَ «حصرات» و «حاصرات» نَصْباً على الحال، أو جَرّاً على الصِّفَة ل «قوم» ؛ لأنَّ جَمْع المُؤنَّث السَّالمِ يستوي جَرُّه ونَصْبُه، إلا أنَّ فيهما ضَعْفاً؛ من حيث إنَّ الوَصْفَ الرَّافع لظاهرٍ الفَصيحُ فيه أن يُوَحد كالفِعْلِ، أو يُجمَعَ جَمْعَ تَكْسِير ويَقِلُّ جمعُه تَصْحِيحاً، تقول: مررت بِقومٍ ذاهب جَوَاريهم، أو قيام جواريهم، ويَقِلُّ: «قائِمَاتٍ جَوَاريهم» .
وقرئ: «حصرةٌ» بالرفع على أنه خَبَر مُقَدَّم، و «صدورهم» مبتدأ، والجُمءلَة حال أيضاً. وقال أبو البقاء: «وإن كان قد قُرِئ:» حصرة «بالرَّفْع، فعلى أنَّه خَبَر، و» صدورهم «، مُبْتَدأ، والجُمْلَةٌُ حال» .
قوله: «أن يقاتلوكم» أصلُه: عن أنْ: فلمَّا حُذِف حَرْف الجَرِّ، جرى الخِلاف المَشْهُور، أهي في مَحَلِّ جَرٍّ أو نَصْب؟ والحَصْرُ: الضِّيق، وأصلُه في المكان، ثم تُوُسِّع فيه [فأطْلِق على حَصْر القَوْل: وهو الضيق في الكلام على المُتَكلِّم والحصر: المكتوم] قال: [الكامل]
١٨٦١ - وَلَقَدْ تَسَقَّطَنِي الْوُشَاةُ فَصَادَفُوا ... حَصِراً بِسِرَِّكِ يَا أمَيْمُ ضَنينا
فصل
اخْتَلَفُوا في الَّذِين اسْتَثْنَاهُم الله - تعالى -:
فقال الجُمْهُور [هم] من الكُفَّار والمَعْنَى: أنه - تعالى - أوجَبَ قتل الكَافِر، إلَاّ إذا كان مُعَاهِداً أوْ تَارِكاً للقِتَال، فإنَّه لا يَجُوز قَتْلَهم، وعلى هذا التَّقْدِير فالقول بالنَّسْخ لازم؛ لأنَّ الكافر وإن تَرَكَ القِتَال؛ فإنه يَجُوز قَتْله.
وقال أبُو مُسْلم الأصْفَهَاني: هم قوم من المُؤمِنين، وذكر ما تقدَّم عنه في كَوْن الاستِثْنَاءِ مُنْقَطِعاً.
стр. 3660
قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ التَّسْليط في اللغة مأخوذ من السَّلاطة؛ وهي الحدَّة، والمقصود: أنَّ الله تعالى منَّ على المُسْلِمين بِكَفِّ بَأسِ المُعَاهِدِين.
قال [بعض] المفسِّرين: معنى الآية: أن القَوْم الَّذين جَاءوكُم بنو مُدْلج، كانوا عَاهَدُوا ألَاّ يُقَاتِلُوا المُسْلِمين، وعاهَدُوا قُرَيْشاً ألَاّ يقاتِلُوهم وحصرَت: ضاقَتَ صُدُورُهُم، ﴿أَن يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ أي: عن قتالِكُم للعَهْد الذي بَيْنَكُم، ﴿أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ﴾ يعني: مَنْ أمِنَ منهُم، ويجُوز أن يكُون مَعْنَاه: أنَّهم لا يُقَاتِلُونَكُم مع قَوْمِهِم، يعني: قُرَيشاً قد ضاقَتَ صُدُورُهم لِذَلِك.
وقال بَعْضُهم: «أو» الوَاوِ؛ كأنه قال: إلى قَومٍ بَيْنَكُم وبَيْنَهُم مِيثَاقٌ، جاءُوكُم حصرت صُدورُهم عن قَتَالِكُم والقشتَال مَعَكُم وهم - قَومُ هلالٍ - الأسْلميُّون وبنو بكر، نهى الله - سُبْحَانَهُ - عن قتل هؤلاء المُرْتَدِّين إذا اتَّصَلُوا بأهل عَهْدٍ للمُؤمِنين؛ لأن من انْضَمَّ إلى قَوْمٍ ذَوي عَهْد فله حُكْمهم في حَقْن الدَّمِ.
فصل
المَعْنَى: أن ضيق صدورهم عن قِتَالِكُم؛ إنَّما هو لأن الله - تعالى - قَذَفَ الرُّعْب في قُلُوبِهِم، ولو أنه - تعالى - قَوَّى قُلُوبَهُم على قِتَال المُسْلِمِين، لتَسَلَّطُوا عليهم، وهذا يدُلُّ على أنَّه لا يَصِحُّ من الله تَسْلِيط الكَافِر على المُؤمِن وتَقْويته [عَلَيْه] .
وأجاب المُعْتَزِلَةُ بوجهين:
الأول: قال الجُبَّائِي: قد بينَّا أنَّ الَّذِين اسْتَثْنَاهُم الله - تعالى - قومٌ مؤمِنُون لا كَافِرُون، وعلى هذا فَمَعْنَى الآيَة: ولو شَاءَ الله لَسَلَّطهم عليكم بِتَقْوية [قُلُوبِهِم] ليدْفَعُوا عن أنْفُسِهِم، إن أقدمتم على مُقَاتَلتِهِم على سَبيل الظُّلْمِ.
الثَّاني: قال الكَلْبِي: إنه - تعالى - أخبر أنَّه لو شاء لَفَعَل، وهذا لا يُفِيدُ إلَاّ أنه - تعالى - قَادِرٌ على الظُّلْم، وهذا مَذْهَبُنَا، إلا أنَّا نقول: إنه - تعالى - لا يَفْعَلُ الظُّلْمَ.
قوله: «فلقاتلوكم» اللام جَوَاب «لو» على التَّكْرِيرِ أو البَدَلِيَّة، تقديره: ولَوْ شَاءَ الله لِسَلَّطَهُم عليكم، ولو شَاءَ الله لَقَاتَلُوكُم.
وقال ابن عطيّة: هي لامُ المُحَاذَاة والازْدِوَاجِ بِمَثَابَة الأولَى، لو لم تَكن الأولى كنت تقول: «لقاتلوكم» . وهي تَسْمِيةٌ غريبة، وقد سَبَقَهُ إليها مَكِّي، والجُمْهُور على: «
стр. 3661
فلقاتلوكم» من المُفاعَلة. ومُجَاهِد، وجماعة: «فلقتَّلوكم» ثُلاثياً، والحَسَن والجَحْدَري: «فلقتَّلوكم» بالتَّشديد.
قوله: «فإن اعتزلوكم» أي: فإن لم يتعرضوا لكم لقتالكم، وألْقُوا إليْكُم السَّلَم، أي: الانقياد والاستسلام وقرأ الجَحْدَرِي: «السَّلْمَ» بفتح السِّين وسُكُون اللام، وقرأ الحسن بِكَسْر السِّين وسكون اللام ﴿فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ أي: طريقاً بالقَتْل والقِتَالِ.
[قوله: ﴿لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ «لكم» متعلِّق ب «جعل» ، و «سبيلاً» مَفْعُولُ «جعل» ، و «عليهم» حالٌ من «سبيلا» ؛ لأنه في الأصل صفةُ نكرةٍ قُدِّم عليها، ويجُوز أن تكونَ «جعل» بمعنى «صير» ، فيكون «سبيلا» مَفْعُولاً أوّلَ، و «عليهم» مَفْعُولٌ ثانٍ قُدِّم] .
قال بعضهم: هذه الآية منْسُوخة بآية السَّيْف، وهي قوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] ، وقال آخرون: إنَّها غير مَنْسُوخة، أمَّا الَّذِين حملوا الاسْتِثْنَاء على المُسْلِمين، فهو ظاهِرٌ على قولهم، وأمَّا الذين حَمَلُوه على الكَافِرِين؛ فقال الأصَمُّ: إذا حَمَلْنَا الآية على المُعَاهدين، فَكَيْفَ يمكن أن يُقَال إنها مَنْسُوخَةٌ.
стр. 3662
السِّين في «ستجدون» للاسْتِقْبَال على أصلها، قالوا: ولَيْسَت هنا للاسْتِقْبَال، بل للدَّلالة على الاسْتِمْرَار، وليس بِظَاهِرٍ.
قال الكَلْبِي عن أبي صَالٍِ، عن ابن عبَّاس: هم أسَد وغطَفَان كانوا حَاشِرِي المَدِينَة، تَكَلَّموا بالاسْلام رياءً، وهم غير مُسْلِمِين، فكان الرَّجُل مِنْهُم يقول له قَوْمُه: بماذا أسْلمت؟ فيقول: آمَنْتُ بربِّ القِرْدِ، وبرب العَقْرب والخُنْفُسَاء، وإذا لقوا أصحاب النبيِّ ﷺ َ قالوا: إنَّا على دينِكُم، يريدون بذلك الأمْن في الفَرِيقَيْن، وقال الضَّحَّاك عن ابن عبَّاس: هم بَنُو عَبْد الدَّار، كانوا بهذه الصِّفَةِ.
﴿يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ﴾ فلا تتعرَّضُوا لَهُم، ﴿وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ﴾ فلا يَتَعرَّضُوا لَهُم، ﴿كُلَّ مَا
стр. 3663
ردوا إِلَى الفتنة﴾ دعوا إلى الشِّرْك، ﴿أُرْكِسُواْ فِيِهَا﴾ أي: رَجَعُوا وعادوا إلى الشِّرْك.
وقرأ عبد الله: «ركسوا فيها» ثلاثيَّا مُخَفَّفاً، ونقل ابْنُ جنيٍّ عنه: «ركَّسوا» بالتَّشْديد. وقرأ ابن وثابِ والأعْمِشُ: «رِدوا» بِكَسْر الرَّاء؛ لأن الأصْل: «رددوا» فأدْغِم، وقلبت الكَسْرة على الرَّاء. وقوله: «إلى الفتنة» إلى الكُفْر ﴿أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ أي: فإن لَمْ يكفُّوا عن قِتَالِكُم حَتَّى تسيروا إلى مَكَّة: ﴿ويلقوا إِلَيْكُمُ السلم﴾ أي: المفاداة والصُّلْح، «ويكفوا أيديهم» ولم يقبضوا أيديهُم من قتالكم، «فخذوهم» ، أسرى ﴿واقتلوهم حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: وجدتموهم، «وأولئكم» أي: أهل هذه الصِّفة ﴿جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾ أي: حُجَّة بيِّنة ظاهرة بالقَتلِْ والقِتَال، وهذه الآيَة تَدُلُّ على أنَّهُم إذا اعْتزلوا قِتَالَنا وطَلَبُوا الصُّلحِ مَنَّا، وكفوا أيْديهُم عن إيذائِنا، لم يَجُزْ لنا قِتَالهم، ونَظِيرُه قوله تعالى: ﴿لَاّ يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الذين لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨] ، وقوله: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] .
стр. 3664
كما رَغَّب في مُقَاتَلة الكُفَّار، ذكر بَعْدَهَا ما يتعلَّق بالمُحَارَبَة، ولا شَكَّ أنَّه قد يَتَّفِقُ أن يرمي الرَّجُلُ رجُلاً يَظُنُّه كافراً حَرْبِيَّا فيقْتُلهُ، ثم يتبين أنَّه مُسْلِمٌ، فذكر الله - تعالى - حكْم هَذِهِ الوَاقِعَة.
قوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن﴾ .
قد تقدَّم الكلام في نَظِير هذا التَّركيب عند قوله - تعالى -: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَاّ خَآئِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤] .
وقوله: ﴿إِلَاّ خَطَئاً﴾ فيه أرْبَعة أوجُه:
أحدُها: أنه اسْتثنَاء منقَطِع - وهو قولُ الجُمْهُور - إنْ أُريد بالنَّفِي معناه، ولا يجُوزُ أن يكُون مُتَّصِلاً، إذ يصير المَعْنَى: إلا خَطَأ فله قَتْلُه.
والثاني: أنه مُتصلٌ إنْ أُريد بالنَّفْي التحريمُ، ويَصِير المَعْنَى: إلا خطأ بأن عَرَفَه أنَّه كَافر فَقَتَله، ثم كَشَف الغيبُ أنه كان مؤمناً.
стр. 3665
الثالث: أنه استِثْنَاء مُفَرَّغ، ثم في نَصْبِه ثلاثة احْتِمَالاتٍ:
الأوَّل: أنه مَفْعُول له، أي: ما يَنْبَغِي له أن يَقْتُلَه [لعلَّه من الأحْوَالِ، إلا في حَالِ الخَطَأَ.
الثالث: أنه نَعْتُ مَصْدَرٍ محذُوف، أي: إلا قَتْلاً خَطَأ، ذكر هذه الاحْتِمَالات الزَّمَخْشَرِيُّ.
الرابع: من الأوْجه: أن تكون «إلا» بمعنى «ولا» والتقدير: وما كان لمُؤمِنٍ أن يَقْتُلَ مُؤمِنَاً عَمْداً ولا خَطَا، ذكره بعضُ أهْلِ العِلمُ، حكى أبُو عُبَيْدة عن يُونُس قال: سألتُ رُؤبة بن العَجَّاج عن هَذِهِ الآيَةِ، فقال: «ليس أنْ يَقْتُلَهُ عَمْداً ولا خَطَا» فأقام «إلَاّ» مقامَ الوَاوِ؛ وهو كقول الشَّاعِر: [الوافر]
١٨٦٢ - وَكُلُّ أخٍ مُفَارِقُهُ أخُوهُ ... لَعَمْرُ أبِيكَ إلَاّ الْفَرْقَدَانِ
إلا أن الفَرَّاء ردَّ هَذا القَوْلَ؛ بأن مثل ذلك لا يجوزُ، إلا إذا تقدَّمه استِثْنَاءٌ آخر، فيكونُ الثَّانِي عطفاً عليه: كقوله: [البسيط]
١٨٦٣ - مَا بِالمَدِينَةِ دَارٌ غَيْرُ وَاحِدَةٍ ... دَارُ الْخَلِيفَةِ إلَاّ دَارُ مَرْوَانَا
وهذا رأي الفراء، وأمَّا غَيْرُه، فيزعم أنَّ «إلا» تكون عَاطِفَة بمعنى الوَاو من غَيْر شَرْطِ، وقد تقدَّم تَحْقِيقُ هذا في قوله: ﴿لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَاّ الذين ظَلَمُواْ﴾ [البقرة: ١٥٠] .
وقرأ الجُمْهُور: «خطأ» مهموزاً بوزْنِ «نبأ» ، والزهري: «خَطَا» بوزن «عَصَا» ، وفيها تخريجان:
أحدُهُمَا: أنه حَذَفَ لام الكَلِمَة تَخْفِيفاً بإبدالها ألفاً، فالتقت مع التَّنْوين؛ فَحُذِفَت لالتِقَاء السَّاكِنَيْن، كما يُفْعَل ذلك بِسَائِر المَقْصُور، والحسن قرأ: «خَطَاءً» بوزن «سَمَاء» .
فصل
ذكر المُفسِّرون في سَبَبِ النَّزُول وُجُوهاً:
أحدها: روى عُرْوَة بن الزُّبَيْر: أن حُذِيْفَة بن اليَمَان قَاتَل مع النَّبِيِّ ﷺ َ يَوْمَ أُحُد فأخْطَأ المُسْلِمَون، وظَنُّوا أن أبَاهُ اليَمَان وَاحداً من الكُفَّار، فضَرَبُوه بأسْيَافِهم، وحُذَيْفَة
стр. 3666
يَقُول: إنَّه أبي، فلم يَفْهَمُوا قولَه إلا بعد أنْ قَتَلُوه، فقال حُذَيْفة: يَغْفِر الله لكم وهو أرحم الرَّاحمين، فلما سَمِعَ النَّبِي ﷺ َ ذلك، أزْدَاد وَقْع حُذَيْفَة عِنْدَه، فَنَزَلَت هَذِه الآية.
وثانيها: أن أبا الدَّرْدَاءِ كان في سَرِيَّة، فَعدل إلى شَعْبٍ لحاجة [فوجد] رجُلاً في غَنَم لَهُ، فحمل [عليه] بالسَّيْف، فقال الرَّجُل لا إله إلا الله، فقتلَه وسَاقَ غَنَمَهُ، ثم وَجَد في نَفْسِه شَيْئاَ فذكر الوَاقِعة للرَّسُول ﵊ فقال النَّبِيُّ ﵊ ُ -: «هَلَاّ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِه» وندم أبُو الدَّرْدَاءِ، فنزلت الآية.
ثالثها: عيَّاش بن أبي رَبِيعَة المَخْزُومِيَّ، وكان أخَاً أبِي جَهْل من أمّه: أتى رسول الله ﷺ َ بمكة قبل الهجرة فأسلم ثم خاف أن يُظهر إسلامَه لأهله فخرج هارباً إلى المدينة، وتحصّن في أطم من آطامِها، فجزعت أمه لذلك جزعاً شديداً وقالت لابنها الحارث وأبي جهل بن هشام وهما أخواه لأمه: والله لا يظلني سقف ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى تأتوني به، فخرجا في طلبه وخرج معهما الحارث بن زيد بن أبي أنيسة حتى أتوا المدينة، فأتوا عياشاَ وهو في الأطم، قالا له: إنزل فإنّ أمك لم يُؤوها سقف بيت بعدك، وقد حلفت ألاّ تأكل طعاماً ولا تشرب شراباً حتى ترجع إليها ولك عهد الله علينا أن لا نكرهك على شيء ولا نحول بينك وبين دينك، فلما ذكروا له جزع أمه وأوثقوا له بالله نزل إليهم فأخرجوه من المدينة ثم أوثقوه بنسعةٍ فجلده كل منهم مائة جلدة، ثم قدموا به إلى أمّه فلما أتاها قالت: والله لا أُحِلّكَ من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به، ثم تركوه موثقاً مطروحاً في الشمس ما شاء الله فأعطاهم الذي أرادوا فأتاه الحارث بن زيد فقال: يا عياش أهذا الذي كنت عليه فوالله لئن كان هُدى لقد تركت الهدى، ولئن كان ضلالة لقد كنت عليها، فغضب عياش من مقالته، وقال: والله لا ألقاك خالياً أبداً إلا قتلتك، ثم إن عياشاً ألم بعد ذلك وهاجر ثم أسلم الحارث بن زيد بعده وهاجر إلى رسول الله ﷺ َ وقال: يا رسول الله قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت، وإني لم أشعر بإسلامه حتى قتلته فنزلت الآية.
فصل تفسير قوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾
قوله: ﴿وَمَا كَانَ [لِمُؤْمِنٍ﴾ ] قيل: معناه: ما كانَ لَهُ فيما أتاه من رَبَّه وعهد
стр. 3667
إلَيْه، وقيل: ما كَانَ لَهُ في شَيْءٍ من الأزمِنة ذلك، والمَقْصُود: بَيَان أنّ حُرْمَة القَتْل كانت ثَابِتَة من أوَّل زمان التَّكْلِيف.
وقوله: «إلا خطأ» فعلى القَوْل بأنَّهُ مُتَّصِلٌ؛ ذكروا وُجُوهاً:
أحدها: أن هذا الاستِثْنَاء مَعْنَاه: أن الإنْسَان يُؤاخذ عن القَتْل، إلا إذا كان القَتْل قتْل خَطَأ، فإنَّه لا يُؤاخَذُ به.
وثانيها: أنه استْثْنَاء صَحِيحٌ على ظاهر اللِّفْظِ، والمعنى: ليس لِمُؤمِنٍ أن يَقْتُل مُؤمِناً ألْبَتَّةَ إلا عند الخَطَأ، وهو ما إذا رأى عليه شِعَار الكُفَّار، أو وَجَدهُ في عَسْكَرِهِم فظنه مُشْرِكاً.
فَحيِنئذٍ يَجُوز قَتلُه.
ثالثها: أن في الكَلَام تَقْدِيماً وتأخِيراً، والتقدير: ومَا كَانَ لِمُؤمِن أن يَقْتُل مُؤمِناً إلا خَطَأ؛ كقوله - تعالى -: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] أي: وما كان الله ليتَّخِذَ من وَلَدٍ؛ لأنَّه - تعالى - لا يُحَرِّم عليه شَيْءٌ، إنَّما يُنْفَى عنه ما لا يَلِيقُ بِهِ.
قال القُرْطُبِي: قوله: ﴿وَمَا كَانَ﴾ لَيْس على النَّفِي، وإنَّما هو على التَّحْرِيم والنَّهِي؛ كقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله﴾ [الأحزاب: ٥٣] ولو كانت على النَّفِي، لما وُجِد مُؤمِنٌ قَتل مُؤمِناً [قط] ؛ لأن ما نفاه الله لا يجُوز وُجُودهُ؛ كقوله ﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠] ، معناه: ما كُنْتُم لِتُنْبِتُوا؛ لأنه - تعالى - لم يُحرَّم عليهْم أنْ يُنْبِتُوا الشجر، إنما نَفَى عَنْهُمْ أن يمكنهم إنْبَاتُهَا، فإنه - تعالى - هو القَادشرُ على إنْبَاتِ الشَّجَرِ.
ورابعها: أن وجْه الإشْكَال في اتِّصَال هذا الاستِثْنَاء أن يُقَال: الاستثناء من النَّفْي إثْبات، وهذا يَقْتَضِي الإطْلاق في قَتْل المُؤمِن في بَعْضِ الأحْوالِ، وذلك محَالٌ؛ لأن ذلِكَ الإشْكَال إنَّما يَلْزَمُ إذا سَلَّمْنا أنَّ الاستثناء من النَّفْيِ إثْبَات، وذلك مُخْتَلف فيه بين الأصُوليِّين، والصَّحيحُ أنَّهُ لا يَقْتَضِيه؛ لأن الاستِثْنَاء يَقْتَضِي نَفْيَ الحُكْمِ عن المُسْتَثْنَى، لا صَرْف المحكوم عليه، لا بالنَّفْيِ ولا بإثْبَات، وحينئذ يَنْدَفِع الإشْكَال، وممَّا يَدُلُّ على أنَّ الاستثناء في المَنْفِيِّ ليس بإثْبَاتٍ، قوله ﵊ ُ -: «لا صَلَاةَ إلَاّ بطَهُورٍ ولا نِكَاحَ إلَاّ بولِيِّ» ويقال: لا مُلْكَ إلا بالرِّجَالِ، ولا رِجَال إلَاّ بالمَالِ، والاستثناء في هذه الصور لا يُفيد أن يكون الحُكْم المُسْتَثْنَى من النَّفْي إثْبَاتاً.
стр. 3668
وخامسها: قال أبُو هَاشِم: وتقدير الآيَة: وما كان لِمُؤمِنٍ أنْ يَقْتُل مُؤمِناً [إلَاّ] أن يَكُون خَطَأ، فإنَّه لا يُخْرِجُه عن كَوْنِه مُؤمناً، وهذا بِنَاء على أصْلِهِم، وهو أنَّ الفَاسِق عند المُعْتَزِلةِ لَيْسَ بمُؤمِن، وهو أصْلٌ [فاسدٌ] وباطل.
وإن قُلنا: إنه استِثْنَاء مُنْقطعٌ، فهو لمعنى لكن، ونظائره كثيرة، قال - تعالى -: ﴿لَا تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل إِلَاّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً﴾ [النساء: ٢٩] . وقال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثم والفواحش إِلَاّ اللمم﴾ [النجم: ٣٢] وقال: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً إِلَاّ قِيلاً سَلَاماً سَلَاماً﴾ [الواقعة: ٢٥، ٢٦] .
فصل
قال القُرْطُبِي: ذهب دَاوُد إلى وُجُوب القِصَاصَ بين الحُرِّ والعِبْد، في النَّفْس وفي الأعْضَاءِ، لقوله - تعالى -: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥] إلى قوله: ﴿والجروح قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] ولقوله ﵊ ُ -: «المُؤمِنُون تتكَافَأ دِمَاؤُهُم» ولم يفرق بَيْنَ حُرٍّ وعَبْدِ.
قال أبُو حنِيفَة [وأصْحَابُه] : لا قِصَاص بين الأحْرَار والعَبِيد إلا [في] النَّفْسِ، فيُقتل الحُرُّ بالعَبْدِ كما يقتل العَبْدُ بالْحُرِّ، ولا قِصَاص بينهما في الجِرَاح والأعْضَاء، وأجمع العُلَمَاءُ على أنَّ قوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَاّ خَطَئاً﴾ لأنَّه لم يَدْخُل فيه العَبِيدُ، وإنما أريد به: الأحْرار؛ فكذلك قوله ﵇: -
«المُؤمِنُون تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُم» أريد به الأحْرَار خَاصَّة، والجُمْهُور على ذلك، وإذا لم يَكُن قِصَاصٌ بين العَبيد والأحْرار فيما دُونَ النَّفْسِ، فالنفس أحْرَى بذلك، وقد مَضَى هذا في البَقَرَةِ.
قوله: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ «خطأ» إما مَنْصُوب على المَصْدَر، أي: قتلاً خطأ، وإما على [أنَّه] مصدرٌ في مَوْضِع [الحال] أي ذا خَطَأٍ أو خاطئاً والفَاء في قوله: «فتحرير» جوابُ الشَّرْطِ، أو زائِدَةٌ في الخَبَر إن كَانَت «من» بمعنى الَّذِي، وارتِفَاعُ «تحرير» : إمَّا على الفَاعِليَّةِ، أي: فيجبُ عليْه تَحْرِير، وإمَّا على الابتدائِيَّة، والخبر مَحْذُوف أي: فعليه تحرير أو بالعكس، أي: فالوَاجِبُ تَحْرِيرُ، والتحرير عبارةٌ عن جَعْلِهِ حُرَّا والحُرُّ هو الخَالِصُ، ولما كان الإنْسَان في أصْلِ الخلقة خُلِقَ لِيَكُون مالكاً
стр. 3669
للأشْيَاءِ، لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً﴾ [البقرة: ٢٩] فكونه مَمْلُوكاً صفة تُكَدَّر مقتضى الإنْسَانِيَّة، فسميت إزالة المُلْكِ تَحْرِيراً، أي: تخليصاً لذلك الإنْسَان عما يُكَدِّر إنْسَانيَّتَهُ، والرَّقبة عبارَةٌ عن النَّسَمَة في قولهم: «فُلان يَمْلِك كَذَا رَأساً من الرَّقِيق» .
والدِّيَةُ في الأصْلِ مَصْدر، ثم أطلَقَ على المالِ المَأخُوذ في القتل، ولذلك قال: ﴿مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ﴾ ، والفعلُ لا يُسَلَّمُ بل الأعٍيَان، تقول: وَدَى يَدِي دِيَةً ووَدْياً، كوشَى يَشِي شِيَةٌ، فحذفت فَاءُ الكَلِمَة، ونَظِيرُه في الصَّحيح اللام: «زِنة» و «عِدة» ، و «إلى أهله» متعلَّق ب «مسلمة» تقول: سَلَّمت إليه كَذَا، ويجُوز أن يكون صِفَةً ل «مسلمة» وفيه ضَعْفٌ.
فصل الخلاف في القصاص للقتل العمد
معنى [الآية] فِعلية رقبة مُؤمِنَة كَفَّارة وَدِية كَامِلَة ﴿مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ﴾ أي: إلأى أهْل القتيل الذين يَرِثُونه، «إلا أن [يصدقوا» . أي:] يتصدَّقُوا بالدِّيَة فيَعفوا ويَتْرُكُوا الدِّيَة، واختلفوا في قتل العمد:
فقال أبو حنيفة: لا يُوجِب الكَفَّارة؛ لهذه الآيَة فقال: «ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير [» رقبة «] شرط لوجوب الكَفَّارةِ كونه خطأ، وعند انتفاء الشَّرْط لا يَحْصل المَشْرُوط.
وقال الشَّافِعِيُّ: تجب الكفَّارة؛ لما رَوَى واثِلة بن الأسْقَع، قال: أتَيا رسُول الله ﷺ َ في صَاحِب لَنَا أوجب النَّار بالقَتْلِ، فقال: أعْتِقُوا عنه يَعْتِقُ الله بِكُلِّ عُضْوٍ منه عَضْواً منه [من النَّار] ولأن الكَفَّارة في قَتْل الصَّيْد في الحَرَمِ والإحْرَام، يستوي فيه العَامِدُ والخَاطِئُ [إلا] في الإثْمِ فَكَذَا في قَتْل المُؤمِنِ.
فصل
قال ابن عبَّاس، والحَسَن، والشَّعْبي، والنَّخْعِي: لا تجزئ الدِّيَة إلا إذا صًام وصَلَّى، لأنه وَصَفَها بالإيمَانِ، والإيمانً: إمَّا التَّصْديقُ، وإمَّا العَمَلُ، وإمَّا المجْمُوع والكل فائِت عن الصَّبي.
стр. 3670
وقال الشَّافِعِي ومالك والأوزاعِي وأبُو حنيفة: يُجْزئ الصَّبِي إذا كَانَ أحَد أبويه مُسْلِماً، لأنَّ قوله: «ومن قتل مؤمناً [خطأ] » يَدْخُل فِيه الصَّغير فَكَذَا قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ يدخل فيه الصَّغيرُ.
فصل
قال أبو بَكْر الأصم: وجمهور الخَوَارج: الدِّيَة واجبةٌ على القَاتِلِ لوجُوهٍ:
الأوَّل: لأنَّ قوله: «فتحرير رقبة» والمراد: إيجَابُها على القَاتِل لا عَلَى غَيْره بالإجْمَاعٍ فكذا الدِّيَّة؛ لأن اللَّفْظَ في الموضعَيْن وَاحِدٌ.
الثاني: أن الجِنَايَة إنَّما صَدَرت مِنْهُ، والضَّمَان لا يَجِبُ إلَاّ على المُتْلِفِ، أقصى ما في البَاب أنَّ هذا الفِعْل صَدَر عنه على سَبيل الخَطَأ، والفِعْل الخَطَأ في قِيم المُتْلَفَاتِ وأروش الجنايَاتِ، قائم مقام العَمْد، وتلك لا تَجِب إلا على المُتْلِف فكذا هَهُنَا.
الثالث: أن العَاقِلَة لم يصْدر عَنْهم خيانة، فلا يَجبُ عليْهم شَيْء؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَاّ عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] وقال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت﴾ [البقرة: ٢٨٦] «ورُوِيَ أنَّ أبا رَمْثه دَخَل على النَّبِيِّ ﷺ َ ومَعَهُ ابْنُه، فقال ﵊ ُ - من هذا؟ فقال ابْني، فقال:» إنَّه لا يَجِنِي عَلَيْك ولا تَجْنِي عليه «ومَعْلُوم أنَّه ليس المَقْصُود الإخْبَار عن نَفْسِ الجِنَايَة، إنَّما المَقْصُود: بيان [أن] أثر جَنَايتكَ [لا] يَتَعَدَّى إلى وَلَدِكَ وبالعكس.
الرابع: إن النُّصُوص تدلُّ على أن مالَ الإنْسَان مَعْصُوم [وأنه] لا سبيل لأحَدٍ أن يأخُذَه منه، قال - تعال -: ﴿لَا تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل إِلَاّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] .
وقال ﵊ ُ:» كُلُّ امْرِئ أحَقُّ بِكَسْبِه «وقال:» حرمة مال المسلم كحرمة دمه «وقال:» لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس «تركنا هذه النُّصُوص في الأشْيَاءِ الَّتِي عرفنا بنصّ القُرْآن كَوْنَها مُوجِبَة لجوازِ الأخذ كالذَّكَوَات، وأخذ الضَّمَانات، وأمّا الدِّيَة على العَاقِلَة، فالمُعْتَمَد فيه عَلَى خَبَرِ الواحِدِ، وتَخْصِيصُ عُمُوم
стр. 3671
القُرْآنِ بخير الوَاحِدِ لا يجُوزُ؛ لأن القُرآن مَعْلُوم وخبر الوَاحِدِ مَظْنَون، ولا يَجُوزُ تقديم المَظْنُونِ على المَعْلُومِ؛ ولأن هذا خَبَر وأحِدٍ وَرَدَ فيما تَعُمُّ به البَلْوَى؛ ولأنَّه خبر وَاحِدٍ ورد على مُخَالَفَةِ أصُولِ الشَّرِعةِ فوجب رَدُّه، واحتجَّ الفُقَهَاءِ بما» رُوِيَ [عن] المُغيرةِ أنَّ امْرَأة ضَرَبَتْ بَطْنَ امْرَأةٍ، فالقَت جَنباً ميّتاً، فَقَضَ رسُول الله ﷺ َ على عَاقِلَة الضَّارِبَة بالغِرَّة، فقام حَمْل بن مَالِك فقال: كَيْفَ نَدِي من لا شَرِبَ ولا أكَل، ولا صَاحَ ولا اسْتَهَلَّ، ومثل ذَلِكَ يُطِل، فقال ﵊ ُ -: هذا من سَجْع الجاهلية «.
وعن عمر ﵁ فقُضِيَ عَلَى عَليَّ ﵁ بأن يعقل عن مَوْلَى صَفية بنت عَبْد المُطَّلِب حين جَنَى موْلَاهَا، وعَلِيٌّ كان ابْن أخِي صَفِيَّة وقضى للزُّبَيْر بمِيِيراثِهَا، وهذا يَدلُلُّ على أنَّ الدِّيَة إنَّما تِجِبُ عَلَى العَاقِلَة.
فصل
مذهب الفُقَهَاء أنَّ دِيَة المرأة نِصْف دِيَة الرَّجُل، وقال الأصَمُّ وابن عَطِيّة: ديتُها مِثْلُ دِيَةِ الرَّجُل، واحْتَجَّ الفقهاء بأن عَليَّا، وعُمَر، وابن مَسْعُود قَضَوْا بذلك؛ ولأن المرأة في المِيراث والشَّهَادَةِ على النِّصْفِ من الرَّجُلِ، فكذلك في الدِّيَة، واستدل الأصَمُّ بهذه الآيَة قوله - تعالى -: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ﴾ وأجْمَعُوا على أنَّ هذه الآية دَخَلَ فيها حُكْم الرَّجُل والمرأة فوجب أن يكون الحُكْم ثَابِتاً فِيَها بالسويّة.
قوله: ﴿إِلَاّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أنه اسْتِثْنَاء مُنْقَطِع.
والثاني: أنه متصلٌ.
قال الزمخشري: «فإن قُلْتَ: بِمَ تَعَلَّق» أن تصدقوا «وما مَحَلُّه؟ قلت: تَعَلَّق ب» عليه «أو ب» مسلمة «كأنه قِيلَ: وتَجِبُ عليه الديَّة أو يًسَلِّمُهَا إلا حِين يتصدَّقُون عليه، ومَحَلُّها النَّصْب على الظَّرْف، بتقدير حذف الزَّمَانِ، كقولهم:» اجلس ما دام زَيْدٌ جالِساً «، ويجُوز أن يكُون حَالاً من» أهله «بِمَعْنَى إلا مُتصدِّقين» . وخطَّأه أبو حيَّان في هذين التَّخْرِيجين.
стр. 3672
أما الأوّل: فلأنَّ النَّحْويَّين نَصُّوا على مَنْع قِيَام «أنْ» وما بعدها مقامَ الظَّرْف، وأنَّ ذلك ما تَخْتَصُّ به «ما» المَصْدَرِيّةُ، لو قلت: «آتيك أن يَصِيحَ الدِّيكُ» أي: وقت صِيَاحه، لم يَجُز.
وأما الثَّانِي: فنصَّ سِيبوَيْه على مَنْعِه أيضاً، قال في قَوْلِ العرب: «أنْت الرَّجُل أن تُنَازِلُ، أو أنْ تُخَاصِم» أي: أنْتَ الرَّجُل نزالاً ومُخَاصَمَة: «إنَّ انْتِصَابِ هذا انْتِصَابُ المَفْعُول من أجْلِه، لأنَّ المُسْتَقْبَل لا يَكُون حالاً» فكونُه مُنْقَطعاً هو الصَّوابُ.
وقال أبو البَقَاءِ: «وقيل: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنَى: فعليه دِيَةٌ في كُلِّ حَالٍ، إلا في حال التَّصَدُّق عَلَيْه بِهَا» .
والجُمْهُور على «يصدقوا» بتشديد الصَّاد، والأصل: يتصدَّقوا، فأدْغمت التَّاء في الصَّاد، ونُقِل عن أبيِّ هذا الأصل قِرَاءةٌ، وقرأ أبو عمرو في رِوَاية عَبْد الوَارِثِ - وتُعْزى للحَسَن وأبي عَبْد الرَّحْمَن: - «تصدقوا» بِتَاءِ الخِطَاب، والأصل: تتصَدَّقُوا بتَاءَيْن، فأدغمت الثَّانِية، وقُرئ: «تَصْدُقوا» بتاء الخِطَاب وتَخْفِيف الصَّاد، وهي كالَّتِي قَبْلَها، إلا أنَّ تَخْفِيفَ هذه بِحَذْفِ إحْدَى التَّاءَيْن: الأولَى أو الثَّانِية على خِلاف في ذلك، وتَخْفيف الأولَى بالإدْغَام.
قوله [- تعالى -] : ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ لما ذكر أوَّلاً أنَّ قتل المُؤمِن خَطَأ [فيه] تحرِيرُ رَقَبَة، وتَسْلِيم الديَّة، ذكر هُنَا أنَّ من قَتَل خَطَأ من قَوْم عَدُوٍّ لنا فَعَلَيْه تَحْرِير الرقبة، وسَكَت عن الدِّيَة، ثم ذَكَر بعده إنْ كان من قَوْمٍ بَيْنَكُم وبَيْنَهُم ميثَاقٌ، وجَبت الدِّيَةُ، فالسُّكُوت عن إيجَاب الدِّيَة، ثم ذَكَر بعده إنْ كان من قًوْمٍ بَيْنَكُم وبَيْنَهُم ميثاقٌ، وجَبت الدِّبَةُ، فالسُّكُوت عن إيجَاب الدِّيَة هنا وإيجَابُها فِيمَا [قبل هذه الآية] وفيما بعد يدُلُّ على أنَّ الدِّيَة غير وَاجِبَة في هَذِه
стр. 3673
الصُّورَة، وإذا ثبت هذا، فَنَقُولُ: قوله - تعالى -: ﴿مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ﴾ إمَّا أن يَكُون المُرادُ مِنْهُ كَوْن هذا المَقْتُول من سُكَّان دَارِ الحَرْب، أو كَوْنه ذا نَسَبٍ منْهُم.
والثاني بَاطِلٌ؛ لانعقاد الإجْمَاع على أن المُسْلِمَ السَّاكن في دَارِ الإسْلام، وجَميع أقارِبِه كُفَّار، فإذا قُتِلَ خَطَأ، وجبت الدِّيَة في قَتْلِه، فتعيَّن الأوَّل، وهو كَوْن المَقْتُولِ خَطأ من سُكَّان دَارِ الحَرْبِ وَهُو مُؤمِنٌ، فتجب [فيه] كَفَّارة بلا دِيَة.
قال الشَّافِعِي: كما دَلَّت هذه الآيَةُ على هَذَا المَعْنَى، فالقياس يُقَوِّيه فأمَّا أنَّه لا تَجِبُ الدِّية، فلأنَّا لو أوْجَبْنا الدِّيَة في قَتْل المُسْلِم السَّاكِن في دَارِ الحَرْب، لاحْتَاج مَنْ يريدُ غَزْوَ دَارِ الحَرْب، إلى أنْ يَبْحَث عَنْ كُلِّ أحدٍ أنه هَلْ هُوَ من المُسْلِمِيِن أمْ لا، وذَلِكَ مما يَصْعب وَيشقُّ، فيفضي إلى اْحترازِ النَّاسِ عن الغَزْوِ، فالأوْلَى سُقُوط الدِّيَة عن قاتِله؛ لأنَّه الذي أهْدَرَ دَمَ نَفْسِه باخْتِيَار السُّكْنَى في دَارِ الحَرْب، وأمَّا الكَفَّارة فإنَّها حَقُّ الله - تعالى -؛ لأنَّه قَتَل إنْسَاناً مُؤمِناً مُواظِبَاً على عِبَادة الله - تعالى -، وقيل: المُرادُ منه: إذا كان المَقْتُولُ مُسْلِماً في دَارِ الإسلامِ، وهو من نَسَبِ قوم كفارٍ، [وأقاربه] في دار الحرب - حرب المسلمين - ففيه الكَفَّارةُ بِلا دِيَة [لأهله] ، وكان الحَارِثُ بن زَيْد من قوم كُفَّار حربٍ للمسلمين، وكان فيه تَحْرِير رَقَبة، ولم يَكُن فيه دِيّة؛ لأنَّه لم يَكُن بين قَوْمِه وبَيْن المُسْلِمِين عَهْد.
قوله: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن المُرادَ مِنْه: المُسْلِم؛ لأنَّه - تعالى - ذكر أوّلاً حال المُسْلِم القَاتِل خَطَأ، ثم ذكر حال المُسْلِم المَقْتُول خَطَأ إذا كان بَيْنَ أهْل الحَرْب، ثم ذكر حال المُسْلِم [المَقْتُول خَطَأ] إذا كان بين أهْلِ العهد وأهْل الذِّمَّة، ويؤكَّدُه قوله: «وإن كان» فلا بُدَّ من إسْنادِه إلى شَيْء تقدَّم ذِكْرُه وهو المُؤمِنُ المَنْقُول خَطَأ.
الثاني: أن المُرَاد منه: الذمي أو المُعاهد، وهؤلاء طَعَنُوا في القَوْل الأوَّل من وُجُوه:
أحدها: أن المُسْلِم المَقْتُول خَطَأ سواءٌ كَانَ من أهْل الحَرْب أو من أهل الذِّمَّة، فهو دَاخِلٌ تحت قوله: «ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة [مؤمنة] ودية مسلمة إلى أهله» فلو كان المُراد من هذه الآية هو المُؤمِن المَقْتُول من سُكَّان دَارِ الحَرْبِ، فإنه - تعالى - إنما
стр. 3674
أعَادَهُ لبَيَانِ أنَّه لا تَجِبُ الدِّيَة في قَتْلِه، فأمَّا هَهُنَا فَقَدْ أوْجَبَ الدِّيَة والكَفَّارة، فلو كان المُرادُ هو المُؤمِن، لكان تِكْرَاراً من غير فَائِدَةٍ، وأنه لا يجُوزُ.
ثانيها: لو كان المُرادُ ما ذكَرْتُم لما كانَت الدِّيَة مُسَلَّمَة إلى أهله؛ لأنَّ أهْلَه كُفَّار لا يَرِثُونَهُ.
ثالثها: أن قوله: [ «وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق» ] يقتضي أن يكُونوُا مِنْ ذلك القَوْم في الوَصْفِ الذي وقع التَّنْصيص عليه، وهو حُصُول المِيثاقِ بَيْنَهُمَا، فإن كَوْنَه منهم مُجْمَل، لا يَدْرِي أنَّه مِنْهُم في أيَّ الأمُور، وإذا حَمَلنَاه على كَوْنِهِ مُعَاهداً، [وجب أن يكون مُعَاهداً أو ذمِّيّاً] مثلهم، ويمكن أن يُجَابَ عن هَذِه الأوجه:
أمَّا الأوَّل: فلأن الله - تعالى - ذكر حُكْم المُؤمِن المَقْتُول خَطَأ السَّاكِن في دَارِ الحَرْبِ، وبيَّن أنَّ أهْلَ الذِّمَّة، وبيَّن وُجُوب الدِّيَة، وذكر القِسْم الثَّانِي، وهو المُؤمِنُ المَقْتُول خَطَأ السَّاكن بين أهْلِ الذِّمَّة، وبيَّن وُجُوب الدِّيَة، والكَفَّارة في قَتْلِه، والغَرَضُ منه: إظْهَار الفرق بَيْنَهُ وبين القِسْم الذي قَبْلَه.
والجَوَابُ عن الثَّاني: أن أهْلَه هم المُسْلِمُون الَّذِين تُصْرف الدية إليهم.
وأما الثالث: فإن كَلِمَة «من» صَارَت مُفَسرة في الآيَة السَّابِقة؛ بمعنى «في» ، يعن: في قوم عَدُوٍّ لكم، فكذا هَهُنَا، وفائِدَة هذا البَحْث تَظْهَر في مَسْألة شرعِيّة، وهي أنَّ أبَا حَنِيفَة يرى أنَّ دِيَة الذِّمِّي مثل ديَة المُسْلِم.
وقال الشافعي: دية اليَهُودِيّ والنَّصْرَاني ثُلْث دِيَة المجوسي، وقال غيره: نِصْف دِيَة المُسْلِم.
واحتج أبُو حَنيفَة بقوله: «وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق» والمرادُ به: الذِّمِّي، ثم قال: «فدية» فأوْجَبَ فيهم تمام الدِّيَة.
وجَوَابُه: أن نَقُول: هذه الآية نَزَلَت في المُؤمِنِين كما بَيَّنَّا فَسَقط استدلَالُه، وبتقدير أن تَكُونَ نَزَلَت في أهْل الذِّمَّة، فإنما وَجَبَ [فيها] مسمَّى دِيَة، ولكن لم يُبَيِّن مِقْدَارَها، فلم قُلْتُم بأنَّ الدِّية التي أوجَبَها في حَقِّ المُسْلِمِ، بل لِكُلِّ دَيةٍ مقدارٌ مُعَيَّن، فإن الدِّية هي المالُ المأخوذ الَّذي يؤدِّى في مقابَلَةِ النَّفْسِ.
стр. 3675
فإن قيل: لِمَ قدَّم تَحْرِير الرَّقَبَة على الدِّيَة في الأولى، وهَهُنا عَكَسَ؟
الجواب: أن الوَاوَ لا تُفِيد الترْكيب، فتصيرُ كَقَوْله: ﴿وادخلوا الباب سُجَّداً [وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ ] [البقرة: ٥٨] ، وفي آية أخرى، ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ وادخلوا الباب سُجَّداً﴾ [الأعراف: ١٦١] .
فصل
والكفَّارة تكُون بإعْتَاق رَقَبَةٍ مؤمِنةٍ سواء كان المَقْتُول مُسْلِماً أو مُعاهِداً، رجلاً أو امْرأةً، حرًّا كان أو عَبْداً، وتكُون في مَالِ القاتِل.
قوله - تعالى -: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ الله وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً﴾ .
قوله: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ مفعولُه مَحْذُوفٌ: أي: فَمَنْ لم يَجِدْ رَقَبة، وهي بِمَعْنَى وجدان الضَّالِّ، فلذلك تَعَدَّتْ لِوَاحِدٍ، وقوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ ارتفاعه على أحَدِ الأوْجه المذكُورة في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وقد مَرَّ، أي: فعليه صِيَامُ، أو: فيجبُ عليه صِيَامُ، أو فواجبه صِيَام.
قال أبُو البَقَاءِ، ويجُوزُ في غَيْر القُرْآنِ النَّصْبُ على «فليصم صوم شهرين» . وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الاسْتِعمَال المعروفَ في ذَلِكَ أنْ يُقَالَ: «صمت شهرين ويومين» ، ولا يَقولون: صُمْتُ صومَ - ولا صِيَامَ - شَهْرَين.
فصل
إذا كان وَاجِداً للرقبة، أو قادراً على تَحْصِلَها بِثَمَنِها، فاضِلاً عن نَفَقَتِه ونَفَقَة عِيَاله وحاجته من مَسْكَنٍ ونحوه، فعليه الإعْتَاق، ولا يَجُوز له الصَّوْم، أو نَوَى صَوْماً أخَر، وجب عليه الاستِئْنَاف، فإن أفْطَرَ بعُذْرٍ مُرَخَّصٍ، أو سَفَرٍ، أو حيض: فقال النَّخْعِيُّ، والشافعي في أظهر قَوْليه: يَنْقَطِع التَّتابُع، وعليه الاستِئْنَاف.
وقال سعيد بن المسيَّب، والحَسَن، والشَّعْبِي: لا يَنْقَطِع، ولو حَاضَت المَرْأة، لم ينقطع التَّتَابُع، لأنَّه لا يُمْكِنُ الاحتِرَازُ عنه؛ قال مَسْروقُ: فإن الصَّوْم بدلٌ من مَجْمُوع الكَفَّارَةِ والدِّيَة.
فصل: فيما إذا عجز عن الصوم هل يطعم؟
إذا عَجَز عن الصَّوْم هل يُطْعِم ستِّين مِسْكِيناً فيه قولان:
стр. 3676
أحدهما: يطعم كالظِّهَار.
والثاني: لا؛ لأن المُشَرِّع لم يذكر له بَدَلاً.
أحدها: أنه مَفْعُول من أجْلِه، تقديره: شَرَعَ ذلك توبةً منه.
قال أبو البَقَاءِ: ولا يجُوز أن يَكُون العَامِل: «صوم» إلا على حَذْف مُضَافٍ، أي: لوقوعِ تَوْبَة [من الله] أو لحُصُول توبة [من الله] . يعني: أنه إنما احْتَاج إلى تَقْدِير ذلك المُضَافِ، ولم يقل إن العَامِل هو الصِّيَام؛ لأنه اختلَّ شَرْطٌ من شروطِ نَصْبه؛ لأنَّ فاعلَ الصِّيَام غيرُ فاعل التَّوبَة.
الثاني: أنها مَنْصُوبةٌ على المَصْدَر أي: رجُوعاً منه إلى التَّسْهِيل، حيث نَقَلكم من الأثْقَلِ إلى الأخَفِّ، أو توبة مِنْه، أي: قَبُولاً منه، مِنْ تاب عَلَيْه، إذا قبل تَوْبَته، فالتقدير: تابَ عليكم تَوْبَةً [مِنْه] .
الثالث: أنها مَنْصُوبةٌ على الحَالِ، ولكن على حَذْفِ مُضَافٍ، تقديره: فَعَليه كذا حالَ كَوْنِهِ صَاحِبَ توبةٍ، ولا يجُوز ذلك من غَيْر تَقْدِير هذا المضاف؛ لأنك لو قُلْتَ: «فعليه صِيَامُ شهريْنِ تَائِباً من الله» لم يَجُزْ، و «من الله» في مَحَلِّ نَصْب؛ لأنه صِفَةٌ ل «توبة» فيتعلَّقُ بمحْذُوف.
فإن قيل: الخَطَأ لا يَكُون مَعْصِية، فما مَعْنَى قوله: ﴿تَوْبَةً مِّنَ الله﴾ .
فالجواب من وجوه:
الأول: أنَّ فيه نَوْعاً من التَّقْصِير، فإنَّ الظَّاهِر أنَّه لو بَالَغ في الاحْتِيَاطِ والاسْتِكْشَافِ لما تعذر عليه الفعل، ألا تَرَى أن من قَتَل مُسْلِماً يظنه حَرْبيَّا، فلو بالغ في الاستكشافِ، فالظَّاهر أنَّه لَمْ يقَعْ فيه، ومن رمى صَيْداً فأصَاب إنْسَاناً، فلو احتاطَ ولم يَرْمِ إلَاّ في مَوْضع يَقْطَع بأنه ليس هُناك إنْسَان، فإنَّه لا يقع في تلك الواقعة؛ فقوله: ﴿تَوْبَةً مِّنَ الله﴾ تنبيه على أنه كَانَ مُقَصِّراً في ترك الاحْتِيَاطِ.
وثانيها: أن قوله: ﴿تَوْبَةً مِّنَ الله﴾ راجعٌ إلى أنَّه - تعالى - أذِن لهُ في إقَامة الصَّوم مقامَ الإعْتَاقِ عند العَجْزِ عنه؛ لأن الله - تعالى - إذا تَابَ على المُذْنِبِ، فقد خَفَّفَ عَنْه، فلما كان التَّخْفِيف من لَوَازِم التَّوْبَة، أطلف لَفْظَ «التوبة» لإرادة التَّخْفِيف؛ إطلاقاً لاسْمِ المَلْزُوم على اللَاّزِم.
стр. 3677
وثالثها: أن المُؤمِن إذا اتَّفق له مِثْل هذا الخَطِأ، فإنه يَنْدَم ويتمنَّى ألَاّ يكون ذلك ممَّا وقَع، فسمَّى الله ذلك النَّدم والتَّمنِّي تَوْبَة.
ثم قال - تعالى -: ﴿وَكَانَ الله عَلِيماً﴾ بأنَّه لن يقْصِد «خطأ» لما حَكَم بِهِ عَلَيْه، ولم يؤاخِذُهُ بذلك الفَعْل الخَطَأ، فإن الحَكْمَة تقتضي ألاّ يُؤاخذ الإنْسَان إلا بما يَتَعَمَّد.
قال أهل السُّنَّة: أفعال الله - تعالى - غير معلَّلَةٍ برعاية المَصَالِحِ، ومعنى كونه «حكيماً» : كونه عَالِماً بعواقِبِ الأمُور.
قال المعتزلة: هذا باطِلٌ؛ لأنه - تعالى - عطف الحَكيم على العَلِيم، فَلَو كان الحَكِيم هو العَليم، لكان عَطْفَاً للشَّيْء على نَفْسِه، وهو مُحَالٌ.
الجواب: أن كل موضع في القُرْآن [ورد فيه] الحكِيم معْطُوفاً على العَلِيم - كان المُراد من الحَكِيم: كونه مُحْكَماً في الفِعْل، فالإتقان، والإحْكَام، عائدٌ إلى كيفيَّة الفعلِ.
стр. 3678
لما ذكر القتْل الخَطَأ، ذكر بعده بيان حُكم قتل العَمْدِ، وله أحكام مِثْل وُجُوب القِصَاص والديَّة، وقد ذُكر في سُورة البَقَرة عند قوله -[تعالى]- ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى﴾ [البقرة: ١٧٨] لا جرم اقْتَصَر هَهُنَا على بَيَان الإثْمِ والوَعِيد.
وقوله: «معتمداً» : حالٌ من فَاعِل «يقتل» ، وروي عن الكَسَائِيّ سكون التَّاء؛ كأنه فَرَّ من تَوالِي الحَرَكات، و «خالداً نصْبٌ على الحَالِ من محْذُوف، وفيه تقديران:
أحدهما:» يجزاها خالداً فيها «فإنْ شِئْتَ جَعَلْتَه حالاً من الضَّمِير المَنْصُوب أو المَرْفُوع.
والثاني:» جازاه «، بدليل ﴿وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ فعطفَ المَاضِي عليه، فعلى هذا هي حَالٌ من الضَّمِير المنصوب لا غيرُ، ولا يجُوزُ أن تكون حالاً من الهَاءِ في» جزاؤه «لوجهين:
أحدهما: أنه مُضَافٌ إليه، [ومَجِيْ الحَالِ من المُضَاف إليه] ضعِيفٌ أو مُمْتَنع.
والثاني: أنه يُؤدِّي إلى الفَصْلِ بين الحَالِ وصاحبها بأجْنَبِيٍّ، وهو خبرُ المبتدأ الذي هو» جهنم «.
стр. 3679
فصل: سبب نزول الآية
نَزَلَت [هذه الآية] في مقيس بن ضبابة الكِنْدِي، وكان قد أسْلَم هو وأخُوه هِشَامٌ، فوجد أخَاه هِشَاماً قَتِيلاً في بَنِي فهر إلى بَنِي النَّجَّار، فأتى رَسُول الله ﷺ َ فذكر له [ذلك] ، فأرسل رسُول الله ﷺ َ معه رَجُلاً من بَنِي النَّجَّار؛ أن رسول الله ﷺ َ يأمُرُكم إن عَلِمْتُم قاتل هِشَام بن ضبابة [أن تدفَعُوه] إلى مقيس فيقتصَّ منه، وإن لم تَعْلَمُوه أن تَدْفَعُوا إليْه ديته، فأبلغهم الفِهري ذلك: فَقَالوا: سمعاً وطاعَةً لله ولرسُولِه، ما نَعْلَم له قَاتِلاً ولكنَّا نُؤدِّي ديته، فأعطوه مِائة من الإبل، ثم انْصَرَفَا راجِعَيْن إلى المّدِينَة، فأتَى الشَّيْطَان مقيساً فوسْوَس إليه، فقال: تقبل دِيَّة أخيك فَتَكُون عليك مَسَبَّة، اقْتُل الذي ركب بَعِيراً منها وسَاقَ بقيَّتِها راجعاً إلى مَكَّة [كَافِراً] فنزل فيه:» ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها «بكفره وارتداده، وهو الَّذِي استثْنَاه النَّبِيُّ ﷺ َ يوم فَتْح مَكَّة عَمَّنْ أمَّنَهُ، فَقُتِل وهو مُتَعَلِّق بأستار الكَعْبَة، ﴿وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [أي: طَرَدَهُ عن الرَّحْمَة] ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ .
فصل: اختلاف العلماء في شبه العمد
قال القرطبي: ذكر الله في كتابه العَمْد والخطأ، ولم يذكر شِبْهَ العَمْد، وقد اختلف العُلَمَاءِ في القَوْل به:
فقال ابن المُنْذِر: وأنكر ذَلِكَ مَالِك؛ وقال: ليس في كِتاِ الله إلا العِمْدَ والخَطَأ وذكره الخَطَّابي أيضاً عن مَالِك، وزاد: أما شبه العَمْد فلا نَعْرِفُه.
قال أبو عمرو: أنكر مَالِك واللَّيْث بن سَعْد شبه العَمْد، فمن قُتِلَ عِنْدَهُمَا بما لا يَقْتُل مثلُه غَالِباً؛ كالعضَّة واللَّطْمة، وضرب السَّوْط ونحوه؛ فإنه عَمْد وفيه القَوَد، قال: وهو قول جَمَاعَةٍ من الصَّحَابة والتَّابعين، وذهب جُمْهُور فقهاءِ الأمْصَار إلى أن هذا كُلّه شبع العًمْد.
قال ابن المُنْذِر: شبْه العمد يُعْمَل به عِنْدَنا، وممن أثبت شِبْه العَمْ الشَّعْبيُّ، والحَكَم، وحمَّاد، والنَّخعِيُّ، وقتادَةُ، وسُفْيَان الثَّوْريُّ، وأهل العِرَاقِ والشافعي
стр. 3680
وأحمد، وذُكِرَ عن مالكٍ، ورُوِيَ عن عُمَر بن الخَطَّاب، وعن عَلِيّ بن أبي طَالِبٍ ﵃ أجمعين -.
فصل فيمن تلزمه دية شبه العمد
أجَمعُوا على أن دِيَة العَمْد في مالِ الجَانِي، ودية الخَطَأ على عاقِلَتِه، واختلفُوا في دية شبه العَمْد:
فقال الحَارِث العُكْلِي، وابن أبي لَيْلَى، وابن شُبْرُمة، وقتادة، وأبو ثَوْر [هي] في مال الجَانِي.
وقال الشَّعْبي، والنَّخْعِيّ، والحَكَم، والشَّافِعِيّ، والثَّوْرِيّ، ومحمد، وأحْمَد، وإسْحق، وأصحاب الرَّأي: [هي] على العاقلة.
قال ابن المُنْذِر: وهو الصَّحِيحُ: لأن النبي ﷺ َ جعل الجَنِين على عاقِلة الضَّارِبَة.
فصل
اخْتَلَفُوا في حُكْم هذه الآية:
[فَرُوِي] عن ابن عبَّاس أن قاتِل المرمن عَمْداً لا توبةَ لَهُ، فقيل له: أليْس قد قال الله - تعالى - في سورة الفُرْقَان: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلَاّ بالحق﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قوله ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العذاب يَوْمَ القيامة وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَاّ مَن تَابَ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠] فقال: كانت هذه الآيةُ في الجاهِليَّة وذلك أن أناساً من أهْل الشِّرْك [كانوا] قد قَتَلُوا وزَنوا، فأتَوا رسُول الله ﷺ َ، فقالوا: إن الذي تدعُو إليه لَحَسنٌ، لو تخبرنا أنَّ لما عَلِمْنَا كَفَّارَة، فنزلت: ﴿والذين لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] ، إلى قوله ﴿إِلَاّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾ [الفرقان: ٧٠] فهذه لأولَئِك، وأما الَّتي في النِّسَاء؛ فالرَّجل الذي إذا عرف الإسْلام وشرائِعَه، ثم قتل مُسْلماً متعمداً فجزاَؤُه جَهَنَّم.
وقال زيْد بن ثابت: لما نزلت الآيةُ التي في الفُرْقَان ﴿والذين لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] ، عجبنا من لينها، فلبثْنَا سبْعَة أشْهر ثم نزلت الغَلِيظَة بعد اللَّيِّنَة، [
следующие страницы →