Полный текст (12 961 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.
стр. 3886
مذاهبَ العَرَبِ وما لهم في النصْبِ على الاختصاص من الافتنانِ، وغَبِيَ عليه أنَّ السابقين الأولين الذين مَثَلهُم في التوراة ومثلُهم في الإنجيل، كانوا أبعدَ همةً في الغَيْرَةِ عن الإسلام وذَبِّ المَطَاعِن عنه من أن يقولوا ثُلْمَةً في كتاب الله؛ ليسُدَّها من بَعْدَهم، وخَرْقاً يَرْفُوهُ مَنْ يلحَقُ بهم» . وأمَّا قراءةُ الرفْعِ، فواضحةٌ.
قوله تعالى: ﴿والمؤتون﴾ فيه سبعةُ أوجهٍ أيضاً:
أظهرها:
стр. 3887
أنه على إضمار مبتدأ، ويكون من باب المدحِ المذكورِ في النصب وهذا أوَّل الأوجه.
الثاني: أنه معطوفٌ على «الرَّاسِخُون» ، وفي هذا ضَعْفٌ؛ لأنه إذا قُطِعَ التابعُ عن متبوعه، لم يَجُزْ أن يعود ما بعده إلى إعراب المتبوعِ، فلا يُقالُ: «مَرَرْتُ بِزَيْدٍ العَاقِلَ الفَاضلِ» بنصب «العَاقِل» ، وجر «الفاضل» ، فكذلك هذا.
الثالث: أنه عطفٌ على الضمير المستكنِّ في «الرَّاسِخُونَ» ، وجاز ذلك للفصل.
الرابع: أنه معطوفٌ على الضمير في «المُؤمِنُونَ» .
الخامس: أنه معطوفٌ على الضمير في «يُؤمِنُون» .
стр. 3888
السادس: أنه معطوفٌ على «المُؤمِنُونَ» .
السابع: أنه مبتدأ وخبره «أولئك سَنُؤتيهمْ» ، فيكون «أولئك» مبتدأ، و «سُنؤتِيهِمْ» خبره، والجملةُ خبرُ الأوَّلِ، ويجوزُ في «أولَئِكَ» أن ينتصِبَ بفعلٍ محذوفٍ يفسِّرهُ ما بعده، فيكون من باب الاشتغال، إلا أنَّ هذا الوجه مرجوحٌ من جهةِ أنَّ «زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ» بالرفع أجودُ من نصبه؛ لأنه لا يُحْوِجُ إلى إضمار؛ ولأنَّ لنا خلافاً في تقديم معمول الفعل المقترن بحرف التنْفِيسِ في نحو «سأضْرِبُ زَيْداً» منع بعضهم «زَيْداً سَأضْرِبُ» ، وشرطُ الاشتغالِ جوازُ تسلُّط العامل على ما قبله، فالأولى أن نَحْمِلَهُ على ما لا خلاف فيه، وقرأ حمزة: «سَيُؤتيهِمْ» بالياء؛ مراعاةً للظاهر في قوله: «والمُؤمِنُونَ بالله» ، والباقون بالنون على الالتفات تعظيماً، ولمناسبةِ قوله: «وأعْتَدْنَا» ،
فصل
والعُلَمَاءُ على ثلاثةِ أقسام:
[الأوَّل] : علماءٌ بأحْكَام اللَّهِ فقط.
[الثاني] : عُلماءٌ بِذاتِ اللَّه وصفاته فقط.
[الثالث] : عُلَمَاء بأحْكام اللَّه، وبِذاتِ اللَّهِ.
стр. 3889
والله [- تعالى -] وصف العُلَمَاءَ أوَّلاً: بِكَوْنِهِم رَاسخين في العِلْمِ، ثم شَرَح ذلك مُبيِّناً:
أولاً: كَوْنهم عالِمِين بأحْكَامِ الله، وعَامِلِين بِهَا.
أما عِلْمُهُم بأحْكَامِ الله، فهو قوله [- تعالى -] : ﴿والمؤمنون يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ .
وأما عَمَلُهُم بِهَا، فهو قوله: ﴿والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة﴾ وخصَّهُمَا بالذِّكْر؛ لِكونهما أشْرَف الطَّاعَاتِ البَدَنِيَّة والماليَّة.
ولمَّا شرح كَوْنَهُم عالِمِينَ بالأحْكَامِ وعَامِلِين بها، شَرَح بَعْدَهُ كونَهُم عالمين بالله.
وأشرف المعارف العلم بالمبدأ، والمعاد؛ فالعلم بالمَبْدَأ قوله - تعالى -: ﴿والمؤمنون بالله﴾ ، والعلم بالمعاد قوله: ﴿واليوم الآخر﴾ .
стр. 3890
لما حَكَى أن اليَهُود يَسْألُون الرَّسُول ﷺ َ أنْ يُنَزِّل عَلَيْهِم كِتَاباً من السَّمَاءِ؛ وذكر - تعالى - بَعْدَهُ أنَّهُم لا يَطْلُبُون ذَلِك اسْتِرشاداً، ولكن عِناداً، وحَكَى أنْواع فَضَائِحِهم وقَبَائِحِهم، فلما وصل إلى هذا المَقَامِ، شرع الآن في الجواب عن تلك الشُّبْهَة؛ فقال: ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إلى نُوحٍ والنبيين مِن بَعْدِهِ﴾ . والمَعْنَى: أنّا تَوافَقْنَا على نُبُوَّة نُوحٍ وإبراهيمَ وإسماعيل وجميع المَذْكُورين، على أنَّ الله - تعالى - أوحَى إليهم، ولا طَريقَ إلى العِلْم بكَوْنِهِم أنْبِيَاء الله وَرُسُلِهِ إلا المُعْجِزَاتِ، ولكُلِّ واحدٍ مِنْهُم نوْعٌ من المُعْجِزَة مُعَيَّنَة، وأما أنْزلَ الله على كُلِّ وَاحِدٍ من هؤلاء المذكورين [كِتَاباً بتَمَامِهِ؛ مثل ما أنْزَلَ على مُوسَى، فلما لم يَكُن عَدَمُ إنْزَالِ الكِتَابِ على هؤلاء] دفْعَةً واحِدَةً قَادِحاً في نُبُوَّتِهِم، بل كفى في ظُهُور نُبُوَّتِهم نَوْعٌ واحدٌ من أنْوَاعِ المُعْجِزَاتِ، عَلِمْنَا أن هذه الشُّبْهَة زَائِلَة، وأن إصْرَار اليَهُود على طَلَبِ المُعْجِزَةِ باطِلٌ؛ لأن إثْبات المدْلُولِ يَتَوَقَّفُ على إثبَاتِ الدَّلِيل، فإذا حَصَل الدَّليلُ وتَمَّ، فالمُطَالَبَةُ بِدَلِيل آخر يَكُون تَعَنُّتاً ولَجَاجاً.
стр. 3891
قوله سبحانه: ﴿كَمَآ أَوْحَيْنَآ﴾ : الكافُ نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: إيحاءً مثْلَ إيحَائِنَا، أو على أنه حالٌ من ذلك المصدر المحذوف المقدَّرِ معرَّفاً، أي: أوحينَاهُ، أي: الإيحاءَ حال كونه مُشْبِهاً لإيحَائِنَا إلى مَنْ ذكر، وهذا مذهبُ سيبويه، وقد تقدَّم تحقيقه، وفي «ما» وجهان: أن تكون مصدريةً؛ فلا تفتقر إلى عائدٍ على الصحيح، وأن تكون بمعنى «الذي» ، فيكون العائدُ محذوفاً، أي: كالذي أوحيناهُ إلى نوح، و «مِنْ بعْدِهِ» متعلقٌ ب «أوْحَيْنَا» ، ولا يجوز أن تكون «مِنْ» للتبيين؛ لأنَّ الحالَ خبرٌ في المعنى، ولا يُخْبَرُ بظرفِ الزمانِ عن الجثَّة إلا بتأويلٍ، وأجاز أبو البقاء أن يتعلَّق بنفس «النَّبيِّينَ» ، يعني أنه في معنى الفعل؛ كأنه قيل: «وَالَّذِينَ تَنَبَّئُوا من بَعْدِهِ» وهو معنى حَسَنٌ.
فصل لماذا ذكر نوح ﵇ أولاً
قالوا: إنَّما بَدَأ - تعالى - بذِكْرِ نُوحٍ؛ لأنه كان أبا البَشَرِ مِثْل آدم ﵇، قال: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقين﴾ [الصافات: ٧٧] ؛ ولأنَّه أول نَبِيٍّ شرحَ الله على لِسَانِه الأحْكَام، وأوَّل نَذِيرٍ على الشِّرْك، وأوَّل من عُذِّبَتْ أمَّته لردِّهم دَعْوَتَه، وأهْلِك أهْلُ الأرْضِ بدُعَائِهِ، وكان أطْوَل الأنْبِيَاءِ عُمُراً، وجُعِلَت مُعْجِزَتُه في نَفْسِهِ، لأنَّه عمر ألْفَ سَنَةٍ، فلم تَنْقُص له سِنٌّ، ولم تَشِبْ له شَعْرَةٌ، ولم تَنْتقصْ له قُوَّة، ولم يَصْبِر أحَدٌ على أذَى قَوْمِهِ مِثْل ما صَبَر هُو على طُولِ عُمُرِه.
فصل
قوله [- تعالى -] ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إلى نُوحٍ والنبيين مِن بَعْدِهِ﴾ ثم خصَّ بعض النَّبِييِّن بالذِّكْرِ؛ لكونهم أفْضَلَ من غَيْرهم؛ كقوله:
﴿وملاائكته
وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] .
واعْلَم أنَّه ذكر في هذه الآية اثْنَا عشرة نَبِيًّا، ولَمْ يذكُر مُوسَى مَعَهُم؛ لأن اليَهُود قالُوا: إنْ كُنْتَ يا مُحَمَّد نَبِيًّا [حَقًّا] ، فأتِنَا بكتابٍ من السَّماءِ دَفْعَةً واحِدَةً؛ كما أتى موسى ﵊ ُ - بالتَّوْرَاةِ دفعةً واحدةً؛ فأجَابَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَة بأنَّ هؤلاء الأنْبِيَاءِ الاثْنَي عشر، كانوا أنْبِيَاءَ وَرسُلاً، مع أنَّ واحداً منهم لم يأتِ بكتاب مثل التَّوْراةِ دفْعَةً واحِدَةً.
стр. 3892
وإذَا كَانَ المَقْصُود من تعديده هؤلاءِ الأنْبِيَاء هذا المَعْنَى، لم يجز ذِكْر مُوسَى مَعَهُم.
وفي «يُونُس» ستُّ لغاتٍ؛ أفصحُها: واوٌ خالصةٌ، ونون مضمومة، وهي لغةُ الحجاز، وحُكِيَ كسرُ النونِ بعد الواو، وبها قرأ نافع في رواية حبَّان، وحُكِي أيضاً فتحها منقولَتَيْنِ من الفعل المبنيِّ للفاعل أو للمفعول، جعل هذا الاسم مشتقاً من الأنْسِ، وإنما أبُدلَتِ الهمزةُ واواً؛ لسكونها وانضمام ما قبلها؛ ويدلُّ على ذلك مجيئه بالهمزةِ على الأصل في بعض اللغات؛ كما سيأتي، وفيه نظرٌ، لأن هذا الاسم أعجميٌّ، وحُكِي تثليث النون مع همز الواو؛ كأنهم قلبوا الواوَ همزةً؛ لانضمام ما قبلها؛ نحو: [الوافر]
١٩٠٣ - أحَبُّ المُؤْقِدِينَ إليَّ مُؤْسَى..... ... ... ... ... ... ... .
قال شهاب الدين: وقد تقدَّم تقريرُه، وحُكِيَ أنَّ ضمَّ النون مع الهمز لغةُ بعض بني أسدٍ، إلا أني لا أعْلَمُ أنه قُرِئَ بشيء من لغات الهمز، هذا إذا قلنا: إن هذا الاسمَ ليْسَ منقولاً من فِعْل مبنيٍّ للفاعل أو للمفعول حالةَ كَسْر النون أو فتحها، أمَّا إذا قلنا بذلك، فالهمزةُ أصليةٌ غيرُ منقلبةٍ من واو؛ لأنه مشتق من الأنس، وأمَّا مع ضمِّ النونِ، فينبغي أن يُقال بأن الهمزة بدلٌ من الواو؛ لانتفاء الفعلية مع ضم النون.
قوله تعالى: ﴿زَبُوراً﴾ قرأ الجمهورُ بفتح الزاي، وحمزة بضَمِّها، وفيه ثلاثةُ أوجه:
أحدها: أنه جمعُ «زَبْرٍ» قال الزمخشريُّ: جمع «زَبْرٍ» ، وهو الكتابُ، ولم يَذْكر غيره، يعني أنه في الأصْل مصدرٌ على فعلٍ، ثم جُمِعَ على فُعُولٍ، نحو: فَلْسٍ وفُلُوسٍ، وقَلْسٍ وقُلُوسٍ، وهذا القول سبقه إليه أبو علي الفارسيُّ في أحد التخريجَيْنِ عنه، قال أبو عَلِيٍّ: «ويحتمل أن يكون جمع زَبْرٍ وقع على المَزْبُور، كما قالوا: ضَرْبُ الأميرِ، ونَسْجُ اليَمَنِ فصار اسماً، ثم جُمِعَ على زُبُور كشُهُود وشهد؛ كما سُمِّي المكتوبُ كِتَاباً» ، يعني أبو عليٍّ؛ أنه مصدرٌ واقعٌ موقع المفعول به؛ كما مثَّله.
والثاني: أنه جمع «زَبُورٍ» في قراءة العامة، ولكنه على حَذْفِ الزوائد، يعني حُذِفت الواوُ منه، فصار اللفظ: زَبُر، وهذا التخريجُ الثاني لأبي عليٍّ، قال أبو عليٍّ: «كما قالوا:
стр. 3893
ظَرِيفٌ وظُرُوفٌ، وكَرَوَان وكِرْوان، وَوَرَشَان ووِرْشَان على تقدير حذف الياء والألف» ، وهذا لا بأس به؛ فإنَّ التكسير والتصغير يَجْريان غالباً مجرى واحداً، وقد رأيناهُمْ يُصَغِّرونَ بحذفِ الزوائد نحو: «زُهَيْرٍ وحُمَيْدٍ» في أزْهَرَ ومَحْمُودٍ، ويسميه النحويون «تصْغير التَّرخيم» ، فكذلك التكسيرُ.
الثالث: أنه اسمٌ مفردٌ، وهو مصدرٌ جاء على فُعُول؛ كالدُّخُول، والقُعُود، والجُلُوس، قاله أبو البقاء وغيره، وفيه نظرٌ؛ من حيث إن الفُعُولَ يكون مصدراً للازم، ولا يكون للمتعدِّي إلا في ألفاظ محفوظةٍ، نحو: اللُّزُومِ والنُّهُوكِ، وزَبَرَ - كما ترى - متعدٍّ، فيضعفُ جَعْلُ الفُعُولِ مصدراً له.
قال أهل اللُّغَة: الزَّبُور الكِتَاب، وكُلُّ كِتَاب زَبُور، وهُو «فَعُولٌ» بمعنى «مَفْعُول» ؛ كالرَّسُولِ والرَّكُوبِ والحَلُوب، وأصْلُه من زَبَرْتُ بمعنى كَتَبْتُ، وقد تقدَّم مَعْنَى هذه المادّة في آل عمران [آية ١٨٤] .
فصل في معنى الآية
معنى ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً﴾ أي: صُحُفاً وكُتُباً مَزْبُورَة، أي: مَكْتُوبَة، وكان فيها التَّحْمِيدُ والتَّمْجِيدُ والثَّناءُ على اللَّهِ تعالى.
قال القُرْطُبيُّ ﵀: الزَّبُورُ كِتَابُ داود ﵇ مائة وخمسين سُورة، لَيْسَ فيها حُكْمٌ، ولا حَلالٌ، ولا حَرَامٌ، وإنَّما هي حِكمٌ وموَاعِظٌ، والأصل في الزَّبْرِ التَّوْثِيقُ؛ فَيُقَال: بِئْرٌ مَزْبُورَة، أي: مَطْوِيَّةٌ بالحِجَارَةِ، والكِتَاب يُسَمَّى زَبُوراً؛ لقوَّة الوثِيقَةِ بِه.
وكان داوُد ﵊ ُ - حَسَن الصَّوْتِ؛ وإذا أخَذَ في قِرَاءةِ الزَّبُورِ، اجتمع عليه الإنْسُ والجنُّ والطَّيْر والوحشُ؛ لحُسْنِ صوتِهِ، وكان مُتَواضِعاً يأكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ في الخوصِ، فكان يَصْنَعُ الدُّرُوعَ، فكان أزْرَقَ العَيْنَيْن، وجَاءَ في الحديث: «الزُّرْقَةُ في العَيْن يُمْنٌ» .
قوله : ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ ﴿عَلَيْكَ﴾ ] الجمهور على نَصْب «رُسُلاً» ، وفيه ثلاثةُ أوجُه:
أحدها: أنَّه مَنْصُوب على الاشْتِغَالِ؛ لوجود شُرُوطِهِ، أيْ: وقَصَصْنا رُسُلاً.
قال القُرْطُبيُّ: ومثلهُ مما أنْشد سِيبَويْهِ: [المنسرح]
стр. 3894
١٩٠٤ - أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا ... أمْلِكُ رَأسَ البَعيرِ إنْ نَفَرَا
والذِّئْبَ أخْشَاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ ... وَحْدِي وَأخْشَى الرِّيَاحَ والمَطَرَا
أي: وأخْشَى الذِّئْبَ، والمعنى على حَذْف مضاف، أي: قصصنَا أخبارَهُمْ، فيكون «قَدْ قَصَصْنَاهُمْ» لا محلَّ له؛ لأنه مفسِّرٌ لذلك العاملِ المضمَرِ، ويُقَوِّي هذا الوجه قراءةُ أبَيٍّ: «وَرُسُلٌ» بالرفع في الموضعين، والنصبُ هنا أرجحُ من الرفع؛ لأن العطف على جملة فعلية، وهي: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً﴾ .
الثاني: أنه منصوب عطفاً على معنى ﴿أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إلى نُوحٍ﴾ ، أي: أرْسَلْنَا ونَبَّأنَا نُوحاً وَرُسُلاً، وعلى هذا فيكون «قَدْ قَصَصْنَاهُمْ» في محلَّ نصب؛ لأنه صفةٌ ل «رُسُلاً» .
الثالث: أنه منصوب بإضمار فعلٍ، أي: وأرسلنا رُسُلاً؛ وذلك أنَّ الآية نزلَتْ رادَّة على اليهود في إنكارهم إرسال الرسل، وإنزالَ الوحْيٍ، كما حكى اللَّهُ عنهم في قوله: ﴿مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾
[الأنعام: ٩١] والجملةٌ أيضَاً في محل الصفة.
وقيل: نصب على حذف حر الجرِّ، والتقدير: كما أوحَيْنَا إلى نُوحٍ، وإلى رُسُل.
وقرأ أبيُّ: «وَرُسُلٌ» بالرفع في الموضعين، وفيه تخريجان:
أظهرهما: أنه مبتدأ وما بعده خبرُه، وجاز الابتداءُ هنا بالنكرةِ؛ لأحدِ شيئين: إمَّا العطفِ؛ كقوله: [البسيط]
١٩٠٥ - عِنْدِي اصْطِبَارٌ وشَكْوَى عِنْدَ قَاتِلَتِي ... فَهَلْ بأعْجَبَ مِنْ هَذَا امرُؤٌ سَمِعَا
وإما التفصيل؛ كقوله: [المتقارب]
١٩٠٦ - فَأقْبَلْتُ زَحْفاً على الرُّكْبَتَيْنِ ... فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وَثَوْبٌ أجُرْ
стр. 3895
وكقوله: [الطويل]
١٩٠٧ - إذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ ... بِشِقٍّ وَشِقٌّ عِنْدَنَا لَمْ يُحَوَّلِ
والثاني - وإليه ذهب ابن عطيَّة -: أنه ارتفع على خبر ابتداء مضمر، أي: وهم رُسُلٌ، وهذا غير واضح، والجملة بعد «رسُل» على هذا الوجه تكونُ في محلِّ رفع؛ لوقوعها صفةً للنكرة قبلها.
قوله: ﴿وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ﴾ كالأول. وقوله: ﴿وَكَلَّمَ الله موسى﴾ الجمهور على رفع الجلالة، وهي واضحةٌ. و «تَكْلِيماً» مصدرٌ مؤكد رافعٌ للمجاز.
قال الفرَّاء: العَرَبُ [تُسَمِّي] ما يُوصَلُ إلى الإنْسَانِ كلاماً بأيِّ طَرِيقٍ وَصَلَ ولكِنْ لا تُحَقِّقُه بالمصْدَرِ، فإذا حُقِّق بالمصْدَرِ، لم يَكُنْ إلَاّ حَقِيقَةَ الكلامِ؛ كالإرادَةِ، يُقال: أراد فُلانٌ إرادَةً، يريد: حَقيقةَ الإرَادَة.
قال القُرْطُبِي: «تَكْلِيماً» يقدر مَعْنَاه بالتَّأكِيدِ، وهذا يَدُلُّ على بُطْلانِ قول من يقُولُ: خَلَق [اللَّه] لِنَفْسه كَلَاماً في شَجَرةٍ، فَسَمِعَهُ مُوسَى -[﵇]-، بل هو الكلامُ الحقيقيُّ الذي يكُون به المُتَكَلِّم مُتَكَلِّماً.
قال النَّحَّاس: وأجمع النَّحوِيُّون على أنَّك إذا أكَّدْت الفِعْلَ بالمصْدَر، لم يَكُنْ مجازاً، وأنَّه لا يجُوزُ في قول الشاعر: [الرجز]
١٩٠٨ - امْتَلأ الْحَوْضُ وقال قَطْنِي ...
стр. 3896
أن يقول: قال قولاً فكذا لمَّا قال: «تَكْلِيماً» وجَبَ أن يكُون كلاماً على الحَقِيقَةِ.
ومعنى الآية: أنَّ الله - تعالى - ذكر هَؤلاء الأنْبِيَاء والرُّسُل [وخص مُوسَى] بالتكْلِيم مَعَهُ ولم يَلْزَم مِنْ تَخْصِيصِ مُوسَى ﵇ بهَذَا التَّشْرِيف، الطَّعْن في نُبُوة الأنْبِيَاء ﵈، فكَذَلِك لا يلزم من إنْزَالُ التَّوْرَاة دفْعَةً واحِدَةً الطَّعْن فيمن أُنْزِل عليه الكِتَاب مُفَصَّلاً.
وقرأ إبْراهيم ويَحْيَى بن وَثَّاب: بنَصْبِ الجلالة.
وقال بعضُهُم: ﴿وَكَلَّمَ الله [موسى تَكْلِيماً] ﴾ معناه: وجَرَحَ اللَّهُ مُوسَى بأظْفَار المحن ومَخَالِب الفَتن، وهذا تَفْسِيرٌ بَاطِلٌ.
وقد جاء التأكيد بالمصدر في ترشيح المجاز؛ كقول هند بنت النعمانِ بن بشير في زوْجِها رَوْحِ بْنِ زِنْبَاعٍ وزيرِ عبد الملِكِ بْنِ مَرْوَانَ: [الطويل]
١٩٠٩ - بَكَى الْخَزُّ مِنْ رَوْحٍ وأنْكَرَ جِلْدَهُ ... وَعَجَّتْ عَجِيجاً مِنْ جُذَامَ المَطَارِفُ
تقول: إنَّ زوْجَها رَوْحاً قد بكَى ثيابُ الخَزِّ مِنْ لُبْسِهِ؛ لأنه ليس من أهل الخَزِّ، وكذلك صرخَتْ صُرَاخاً من جُذَام - وهي قبيلة رَوحٍ - ثيابُ المطارِفِ، تعني: أنهم ليسوا من أهل تلك الثياب، فقولها: «عَجَّتِ المَطَارِفُ» مجازٌ؛ لأن الثياب لا تعجُّ، ثم رَشحَتْهُ بقوله عَجِيجاً، وقال ثَعْلَبٌ: لولا التأكيد بالمصدر، لجاز أن يكونَ كما تقول: «كَلَّمْتُ لك فُلاناً» ، أي: أرسلْتُ إليه، أو كتبتُ له رُقْعةً.
قوله تعالى: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ﴾ : فيه أربعة أوجه:
أحدها: أنه بدل من «رُسُلاً» الأول في قراءة الجمهور، وعبَّر الزمخشريُّ عن هذا بنصبه على التكْريرِ، كذا فهم عنه أبو حيان.
الثاني: أنه منصوبٌ على الحال الموطِّئة؛ كقولك: «مَرَرْتُ بِزَيْدٍ رَجُلاً صَالِحاً» ، ومعنى الموطِّئة، أي: أنَّها ليست مقصودةً، إنما المقصودُ صفتُها؛ ألا ترى أن الرجوليَّة مفهومة من قولك «بِزَيْدٍ» ، وإنما المقصودُ وصفه بالصلاحية.
الثالث: أنه نُصِبَ بإضمار فعل، أي: أرْسَلْنا رُسُلاً.
стр. 3897
الرابع: أنه منصوبٌ على المَدْح، قدَّره أبو البقاء ب «أعني» ، وكان ينبغي أن يقدِّره فعلاً دالاًّ على المدْح، نحو: «أمْدَح» ، وقد رجَّح الزمخشريُّ هذا الأخير، فقال: «والأوجَهُ أن ينتصِبَ» رُسُلاً «على المدح» .
قوله: «لِئَلَاّ» هذه لام كَيْ، وتتعلَّقُ ب «مُنْذِرِينَ» على المختار عند البصريِّين، وب «مُبَشِّرِينَ» على المختار عند الكوفيِّين؛ فإن المسألةَ من التنازُع، ولو كان من إعمالِ الأول، لأضمرَ في الثاني من غير حذفٍ، فكان يُقال: مُبَشِّرينَ ومُنْذِرينَ [له] لئلا، ولم يَقُل كذلك، فدلَّ على مذهب البصريِّين، وله في القرآن نظائرُ تقدَّم منها جملة صالحة، وقيل: اللامُ تتعلَّقُ بمحذوف، أي: أرسلْنَاهُم لذلك، و «حُجَّةٌ» اسمُ «كانَ» ، وفي الخبر وجهان:
أحدهما: هو «عَلَى الله» و «لِلنَّاسِ» حال.
والثاني: أن الخبر «للنَّاسِ» و «عَلَى الله» حال، ويجوز أن يتعلَّق كُلٌّ من الجارِّ والمجرور بما تعلَّق به الآخرُ، إذا جعلناه خبراً، ولا يجوزُ أن يتعلَّقَ على الله ب «حُجَّة» ، وإن كان المعنى عليه؛ لأنَّ معمول المصدر لا يتقدم عليه، و «بَعْدَ الرُّسُلِ» متعلقٌ ب «حُجَّة» ، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوف على أنه صفةٌ ل «حُجَّة» ؛ لأنَّ ظروف الزمان تُوصفُ بها الأحداثُ؛ كما يخْبر بها عنها؛ نحو: «القِتَالُ يَوْمُ الجُمُعَةِ» .
فصل في جواب الآية عن شبهة اليهود
هذه الآيةُ جوابٌ عن شُبْهَة اليهُودِ، وتقريرُه: أن المقْصُود من بَعْثَةِ الرُّسُلِ أن يُبَشِّرُوا ويُنْذِرُوا، وهذا المَقْصُود حَاصِلٌ سواءٌ كان الكِتَاب نَازِلاً دَفْعَةً واحدةً أو مُنَجَّماً، ولا يَخْتَلِفُ هذا الغرضُ بِنزُول الكِتَابِ مُنَجَّماً أو دفعةً واحدةً.
بل لو قِيلَ: إن إنْزَال الكِتَاب مُنَجَّماً مُفَرَّقاً أقْرَبُ إلى المصْلَحَة، لكان أوْلَى؛ لأن الكِتَاب إذا نَزَل دَفْعَةً واحِدَة، كثُرت التَّكَالِيفُ على المكَلَّفِ، فيَثْقُل فِعْلُهَا؛ ولهذا السَّبَب أخَذ قومُ مُوسَى ﵇ على التمرُّدِ، ولم يَقْبَلُوا تلك التَّكَالِيف.
أمَّا إذا نَزَل الكتابُ مُنَجَّماً مُفَرَّقاً، سَهُل قُبُولُه للتَّدرِيجِ، فحينئذٍ يَحْصُل الانْقِيَادُ والطَّاعةُ من القَوْمِ، فكان اقْتِرَاحُ اليَهُودِ إنْزَالَ الكِتَابِ دفعَةً واحِدَة اقْتِراحاً فاسِداً
ثم قال: ﴿وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً﴾ يعني: هذا الذي تَطْلُبُونَه من الرسول أمْر هَيِّنٌ في القُدْرَةِ، وإنما طَلَبْتُمُوه على سَبِيلِ اللِّجَاجِ، وهو - تعالى - عَزِيزٌ، وعِزَّتُهُ تَقْتَضِي ألا يُجَابَ المُتَعَنِّتُ إلى مَطْلُوبِه، وكذَلِك حِكْمَتُه تَقْتَضِي هذا الامْتِنَاع؛ لِعلْمِهِ - تعالى - بأنَّهُ لو فَعلَ ذلك لبَقَوْا مُصرِّين على اللِّجَاج؛ لأنه - تعالى - أعْطَى مُوسى -[﵊ ُ]-
стр. 3898
هذا التَّشْرِيف، ومع ذلك أصَرُّوا على المُكَابَرة واللِّجَاج.
فصل
احْتَجُّوا بهذه الآيةِ على أنّ معرِفَة اللَّهِ - تعالى - لا تثبت إلا بالسَّمْع؛ لأن قوله: ﴿لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل﴾ يدلُّ على أنَّ قَبْل البَعْثَةِ يكُونُ للنَّاسِ حُجَّة في تَرْك الطَّاعَاتِ، ويؤيِّدُه قوله - تعالى -: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] ، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لولاا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى﴾ [طه: ١٣٤] .
فصل شبهة للمعتزلة وردها
قالت المعتزلة: دلَّت هذه الآيةُ على أن العَبْد قد يَحتَجُّ على الربِّ وأنَّ الذي يَقُولُه أهْل السُّنَّةِ من أنَّهُ تعالى لا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ، وأنَّه يَفْعَلُ ما يَشَاءُ كما شَاءَ لَيْس بِشَيْءٍ؛ لأن قوله: ﴿لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل﴾ يَقْتَضِي أنَّ لَهُم حُجَّة على الله قَبْلَ الرُّسُل، وذلك يُبْطِل قول أهْلِ السُّنَّة.
والجواب: أن المُرادَ ﴿لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله﴾ أي: فيما يُشْبِهُ الحُجَّة فِيمَا بَيْنَكُم.
فصل شبهة للمعتزلة وردها
قالت المُعْتَزِلَةُ: دلَّت الآيةُ على أنَّ تكْلِيفَ ما لا يُطَاق غَيْر جَائِزٍ؛ لأن عدم إرْسَالِ الرُّسُلِ إذا كان يَصْلُح عُذْراً، فبأن يَكُون عدمُ المُكْنَةِ والقُدْرَة صَالِحاً لأنْ يكُونَ عُذْراً أولى.
والجواب: بالمُعَارَضَةِ بالعِلْمِ.
قوله
تعالى
: ﴿لكن
الله يَشْهَدُ﴾ هذه الجملة الاستدراكية لا يبتدأ بها، فلا بدَّ من جملة محذوفة، وتكون هذه الجملةُ مستدركةً عنها، والجملة المحذوفةُ هي ما رُويَ في سبب النزول؛ أنه لَمَّا نَزَلَت: ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ [الآية: ١٦٣ النساء] ، قالوا: ما نشهد لك بهذا أبداً، فنزلت: ﴿لكن الله يَشْهَدُ﴾ ، وقد أحسن الزمخشريُّ هنا في تقدير جملةٍ غيرِ ما ذكرتُ، وهو: «فإنْ قلْتَ: الاستدراكُ لا بُدَّ له من مُسْتدركٍ، فأيْنَ هو في قوله: ﴿لكن الله يَشْهَدُ﴾ ؟ قلتُ: لمَّا سأل أهلُ الكتاب إنزال الكتاب من السماء، وتعنَّتوا بذلك، واحتجَّ
стр. 3899
عليهم بقوله: ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ قال: ﴿لكن الله يَشْهَدُ﴾ بمعنى أنهم لا يشهدون، لكن اللَّهُ يَشْهَدُ» ، ثم ذكر الوجه الأول.
وقرأ الجمهور بتخفيفِ «لَكِن» ورفعِ الجلالة، والسُّلَمِيُّ والجرَّاح الحكمي بتشديدها ونَصْب الجلالة، وهما كالقراءتين في ﴿ولكن الشياطين﴾ [البقرة: ١٠٢] وقد تقدَّم، والجمهورُ على «أنْزَلَهُ» مبيناً للفاعل، وهو الله تعالى، والحسن قرأه «أُنْزِلَ» مبنيًّا للمفعول، وقرأ السلميُّ «نَزَّلَهُ بِعِلْمِهِ» مشدَّداً، والباء في «بعلْمِهِ» للمصاحبة، أي: ملتبساً بعلمه، فالجارُّ والمجرور في محلِّ نصب على الحال، وفي صاحبها وجهان:
أحدهما: الهاءُ في «أنْزَلَهُ» .
والثاني: الفاعل في «أنْزَلَهُ» أي: أنزله عالماً به، و «والمَلائِكةُ يَشْهَدُونَ» مبتدأ وخبر، يجوز أن تكون حالاً أيضاً من المفعول في «أنْزَلَهُ» ، أي: والملائكة يَشْهَدُونَ بصدْقه، ويجوزُ ألَاّ يكونَ لها محلٌّ، وحكمه حينئذٍ كحُكْم الجملة الاستدراكيّة قبله، وقد تقدَّم الكلامُ على مِثْلِ قوله: ﴿وكفى بالله شَهِيداً﴾ [النساء: ١٦٦] .
فصل
قال ابن عبَّاسٍ ﵄: إن رُؤسَاء مكَّةَ أتوا رسُول الله ﷺ َ وشَرَّف وكَرَّم ومَجَّد وعَظَّم وقالوا: يا مُحمَّد، إنا سَألْنَا عنْكَ اليَهُودَ، عن صفتِك في كِتَابِهِم، فَزَعَمُوا أنَّهُم لا يَعْرِفُونَك ودخل عليه جَمَاعَةٌ من اليَهُودِ، فقال لَهُم: «والله إنَّكُمْ لتَعَلمُن أنِّي رَسُولُ اللَّهِ» فقالوا: ما نَعْلَمُ ذلك واللَّهِ، فأنزلَ الله - تعالى -: ﴿لكن الله يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ [أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ] إن جحدوك وكَذَّبُوك، وشهادَةُ الله عُرِفَتْ بإنْزَالِ هذا القُرآنِ البَالِغ في الفَصَاحَةِ إلى حَيْثُ عَجَز الأوَّلُون والآخِرُون عن مُعَارَضَتِهِ، فكان ذَلِكَ مُعْجِزاً، وإظْهَارُ المُعْجِزَة شهادَةٌ بكَوْن المُدَّعِي صَادِقاً، ولما كانت شهادتُهُ إنما عُرِفَتْ بإنْزَالِهِ بواسِطَة القُرْآنِ، قال: ﴿لكن الله يَشْهَدُ﴾ لك بالنُّبُوَّةِ، بواسِطَة إنْزَالِ هذا القُرْآنِ عليك، ثم بيَّن صفَة هذا الإنْزَال، وهو أنَّه - تعالى - أنْزَلَهُ بِعِلْمٍ تَامٍّ، وحِكْمَةٍ بَالِغَة. فقولُهُ بغايَةِ الحُسْن ونهاية الكَمَالِ؛ كما يُقالُ في الرَّجُل المَشْهُور بكَمَالِ الفَضْل والعِلْم، إذا صَنَّف كتاباً واسْتَقْصَى في تحْريره: إنَّه إنما صنَّفَ هذا بكَمَالِ عِلْمِه وفَضْلِه، يعني: أنه اتَّخَذَ جُمْلَة عُلُومه وسِيلَةً إلى تَصْنِيفِ هذا الكِتَابِ، فيدُلُّ ذَلِك عَلَى وَصْفِ ذلك التَّصْنِيف
стр. 3900
بِغَايَةِ الجَوْدَةِ والحُسْنِ، فكذا هَهُنَا دلَّت هذه الآيَةُ على أنَّ لله - تعالى - عِلْماً؛ لأنَّها أثْبَتتِ العلم للَّه - تعالى - ولو كان عِلْمُهُ نَفْس ذَاتِهِ، لزم إضافَةُ الشَّيْء إلى نَفْسِهِ، وهُوَ مُحَال.
وقوله
- تعالى
-: ﴿والملاائكة
يَشْهَدُونَ﴾ إنَّما تُعْرَفُ شَهَادَةُ المَلَائِكَة له بذلك؛ لأن إظهار المُعْجزة على يَدِهِ، لمَّا دلَّ على أنَّ اللَّه - تعالى - شَهِد بذلك، فالمَلَائِكَة [أيضاً] يشهدُون لا مَحَالَة، لأنَّهُم لا يَسْبِقُونَهُ بالقَوْلِ، فكأنَّهُ قيل: يا محمد إن كَذَّبَكَ هؤلاء [اليَهُود] ، فلا تُبَالِ بِهِم، فإنَّ إله العَالمِينَ يُصَدِّقُك، وملائِكَةُ السَّمَوات يُصَدِّقُونَك في ذلك، ومن صَدَّقَهُ ربُّ العَالَمِين، وملائكةُ العَرْشِ والكُرْسِيّ، والسَّمواتُ السَّبْع أجْمَعِين، لم يَلْتَفِتْ إلى تكْذِيب أخَسِّ النَّاسِ.
ثُمَّ قال: ﴿وكفى بالله شَهِيداً﴾ [وقد تقدَّم الكلامُ فيه] .
стр. 3901
قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾ الآية والجمهورُ على «وَصَدُّوا» مبنيًّا للفاعل، وقرأ عكرمة وابن هُرْمُزٍ: «وَصُدُّوا» مبنيًّا للمفعول، وهما واضحتانِ، وقد قرئ بهما في المتواترِ في قوله: ﴿وَصُدُّواْ﴾ [الرعد: ٣٣] في الرعْد، و ﴿وَصُدَّ عَنِ السبيل﴾ [غافر: ٣٧] في غافر.
والمراد كَفَرُوا بقوْلِهِم: لو كان رَسُولاً، لأتى بِكِتَابٍ دَفْعَةً واحِدَةً من السَّماءِ؛ كما أنْزِلَت التوراة على مُوسَى؛ وقولهم: إنَّ الله - تعالى - ذكر في التَّوْرَاةِ؛ أنَّ شَريعَة موسى لا تُبَدَّلُ ولا تُنْسَخُ إلى يَوْمِ القيامَةِ، وقولهم: إنَّ الأنبْيِاءَ لا يَكُونُون إلَاّ مِنْ وَلَد هَارُونَ وَدَاوُد، وصَدِّهم عن سَبيلِ اللَّهِ: بِكِتْمَان نَعْت مُحَمَّد ﷺ َ.
﴿قَدْ ضَلُّواْ ضَلَالَا بَعِيداً﴾ ، إلا أنَّ أشدَّ النَّاس ضلالاً من كَان يَعْتَقِدُ في نَفْسِهِ أنَّه مُحِقٌّ، ثم يَتَوَسَّلُ بذلك الضَّلال إلى اكْتِسَابِ المالِ والجَاهِ، ثم يَبْذُلَ جَهْدَهُ في إلْقَاءِ غيره في مِثْلِ ذلِك الضَّلالِ، فهذا قَدْ بَلَغَ في الضَّلَالِ إلى أقْصَى الغَايَاتِ.
ولمَّا وصف الله ضلالهُم، ذكر وعيدَهُم؛ فقال: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ﴾ بِكِتْمَان نَعْتِ مُحمَّد [ ﷺ َ] ، وظلموا أتْبَاعَهُم بإلْقَاءِ الشُّبُهَاتِ ﴿لَمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ، وقد تقدَّم الكلامُ على قوله «لِيَغْفِر لَهُم» وأن الفِعْلَ مع هَذِهِ اللَاّم أبْلَغُ مِنْهُ دُونَهَا.
стр. 3902
واعلم أنَّا إن حَمَلْنَا قوله: «إِنَّ الذينَ» على المَعْهُود السَّابِقِ لم يَحْتَجْ إلى إضْمَارِ شَرْطٍ في هذا الوَعِيد على أقْوَامٍ علِمَ اللَّهُ منْهُمْ أنَّهُم يمُوتُون على الكُفْرِ.
وإنْ حَمَلْنَاهُ على الاسْتِغْرَاقِ، أضَمَرْنَا فيه شَرْطَ عَدَم التَّوْبَةِ.
قوله سبحانه: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَاّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ في هذا الاسْتِثْنَاء قولان:
أحدهما: أنه اسْتِثْنَاء مُتَّصِلٌ، لأن [المُرَادَ] بالطَّرِيق الأوَّلِ: العُمُوم، فالثَّانِي من جِنْسِهِ.
والثاني: انه مُنْقَطِعٌ إن أُريد بالطَّرِيق شَيْءٌ مَخْصُوصٌ؛ وهو العمل الصَّالِحُ الذي يَتَوَصَّلُون به إلى الجَنَّة، وانْتَصَب «خَالِدِين» على الحَالِ، والعَامِلُ فيه مَعْنَى «لا يهديهم اللَّه» ؛ لأنه بِمَنْزِلَةِ: يُعَاقِبهُم خَالِدِين، وانْتَصَب «أبَداً» على الظَّرْفِ، ﴿وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً﴾ أي: لا يتعذَّر عليْه شيءٌ.
قوله
стр. 3903
- تعالى
-: ﴿ياأيها
الناس قَدْ جَآءَكُمُ الرسول بالحق مِن رَّبِّكُمْ﴾ الآية لما أجَابَ عن شُبْهَة اليَهُودِ، [و] بين فَسَادَ طِرِيقهِم، ذَكَر خِطَاباً عَامّاً يَعُمُّهُم ويَعُمّ غَيْرُهم في الدَّعْوةِ إلى الإسلامِ.
قوله سبحانه: ﴿بالحق﴾ : فيه وجهان:
أحدهما: أنه متعلِّق بمحذوفٍ، والباءُ للحال، أي: جاءكُمُ الرسولُ ملتبساً بالحقِّ، أو متكلِّماً به.
والثاني: أنه متعلقٌ بنفس «جَاءَكُمْ» ، أي: جاءكم بسبب إقامةِ الحقِّ، والمراد بهذا الحق القرآنُ، وقيل: الدعوة إلى عبادة الله، والإعراض عن غيره، و «مِنْ ربِّكُمْ» فيه وجهان:
أحدهما: أنه متعلقٌ بمحذوف؛ على أنه حال أيضاً من «الحَقِّ» .
والثاني: أنه متعلقٌ ب «جاء» ، أي: جاء من عند الله، أي: أنه مبعوثٌ لا متقوَّلٌ.
قوله تعالى: ﴿فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ﴾ في نصبه أربعة أوجه:
أحدها - وهو مذهب الخليل وسيبويه -: أنه منصوب بفعلٍ محذوفٍ واجب الإضمار، تقديره: وأتُوا خيراً لكم؛ لأنه لمَّا أمرهم بالإيمان فهو يريدُ إخراجهم من أمرٍ، وإدخالهم فيما هو خيرٌ منه، ولم يذكر الزمخشريُّ غيره؛ قال: «وذلك أنه لمَّا بعثَهم على
стр. 3904
الإيمان وعلى الانتهاءِ عن التثْلِيثِ، علم أنه يَحْمِلُهم على أمر، فقال: خيراً لكُمْ، أي: اقصِدوا وأتُوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكُفْر والتثليث» .
الثاني - وهو مذهب الفراء -: أنه نعت لمصْدر محذوف، أي: فآمنوا إيماناً خيراً لكم، وفيه نظر؛ من حيث أنه يُفْهِمُ أنَّ الإيمان منقسم إلى خير وغيره، وإلَاّ لم يكنْ لتقييده بالصفةِ فائدةٌ، وقد يُقالُ: إنه قد يكون لا يقولُ بمفهوم الصفة؛ وأيضاً: فإن الصفة قد تأتي للتأكيد وغير ذلك.
الثالث - وهو مذهب الكسائي وأبي عبيد -: أنه منصوب على خبر «كَانَ» المضمرة، تقديرُه: يكنِ الإيمانُ خيراً، وقد ردَّ بعضُهم هذا المذهب؛ بأنَّ «كَانَ» لا تُحْذَف مع اسمها دون خبرها، إلا فيما لا بدّ له منه، ويزيد ذلك ضعفاً أنَّ «يَكُن» المقدرة جوابُ شرطٍ محذوف، فيصيرُ المحذوفَ الشرطُ وجوابُه، وهو «يَكُن الإيمَانُ» وأبقيتَ معمولَ الجواب، وهو «خَيْراً» ، وقد يقال: إنه لا يحتاج إلى إضمار شرطٍ صناعيٍّ، وإن كان المعنى عليه؛ لأنَّا ندَّعِي أن الجزْم الذي في «يَكُنِ» المقدرةِ، إنما هو بنفس جملة الأمر التي قبله، وهو قوله: «فآمِنُوا» من غير تقدير حرفِ شرطِ، ولا فعلٍ له، وهو الصحيحُ في الأجوبة الواقعة لأحد الأشياء السبعة، تقول: «قُمْ أكْرِمْكَ» ، ف «أكْرِمْكَ» جواب مجزومٌ بنفس «قُمْ» ؛ لتضمُّن هذا الطلب معنى الشرط من غير تقدير شرط صناعيٍّ.
الرابع - والظاهرُ فساده -: أنه منصوبٌ على الحال، نقله مكي عن بعض الكوفيِّين، قال: «وهُوَ بعيدٌ» ، ونقله أبو البقاء أيضاً، ولم يَعْزُه.
«وإنْ تَكْفُرُوا» فإنَّ الله غَنِيٌّ عن إيمَانِكُم؛ لأنه مَالِك السَّمَاوات والأرضِ وخَالِقُهَا، ومن كان كذلِك، لم يكن مُحْتَاجاً إلى شَيْءٍ، ويكون التَّقْدِير فإنَّ للَّه ما فِي السَّماوات ومَا فِي الأرْضِ، ومن كان كَذَلِك، قَادِراَ على إنْزَالِ العَذَابِ عَلَيْكُم لو كَفَرْتُم، أو يكون المرادُ: إن كَفَرْتُم، فلَهُ مُلْكُ السَّمَاواتِ والأرْضِ، ومن كان كذلِك فله عَبيدٌ يَعْبُدُونَهُ ويَنْقَادُون لأمْرِهِ، فيُجَازِي كُلاًّ بِفِعْلِه.
стр. 3905
لمَّا أجابَ عن شُبَهَاتِ اليَهُودِ، تكلَّم بعد ذَلِك مع النَّّصَارَى، والتَّقْدِير: يا أهل
стр. 3906
الكتابِ من النَّصَارَى لا [تغلُوا في دينكم] ، اي: تُفْرطوا في تَعْظِيم المَسيحِ، والغُلُوُّ: تجاوُز الحدِّ، ومنه: غلْوَة السَّهْم، وغَلَاء السِّعْرِ.
واعلم أنه - تعالى - حَكَى عن اليَهُودِ مُبَالَغَتَهُم في الطَّعْنِ في المَسِيحِ، وهنا حَكَى عن النَّصَارَى مُبَالَغَتَهُم في تعظِيمِه، وهم أصْنَاف اليَعْقُوبِيَّة، والملْكَانِيَّةَ، والنَّسْطُورِيَّة والمُرْقُسِيَّة.
فقالت اليَعْقُوبيَّة: عِيسَى هو اللَّه، وكَذَلِك الملْكَانِيَّة.
وقالت النَّسْطُوريَّة: عيسى ابْنُ اللَّهِ.
وقالت المرقسيّة: ثَالِثُ ثلاثةٍ، فأنْزَل الله هذه الآية.
ويُقالُ: إن المْلكانِيَّة تقُولُ: عيسَى هُو اللَّهُ، واليَعْقُوبِيَّة يقُولُون: ابْنُ الله، والنَّسْطُوريَّة يقُولُون: [ثَالِث] ثلاثة عليهم رَجُلٌ من اليَهُود يُقَال لَهُ: بُولُص، وسيأتِي في سُورةِ التَّوْبَةِ - إن شاء الله تعالى -.
وقال الحسن: يَجُوزُ أن تكُون نزلت في اليَهُود والنَّصَارَى؛ فإنهم جَمِيعاً غَلَواْ في أمْرِ عيسى ﵇ فاليَهُود بالتَّقْصِير، والنَّصَارى بمُجَاوَزَةِ الحدّ، وهو في الدِّين حَرَامٌ.
﴿وَلَا تَقُولُواْ عَلَى الله إِلَاّ الحق﴾ وتَصِفُوا اللَّهَ بالحُلُولِ والاتَّحَادِ في بدَنِ الإنْسَانِ أوْ رُوحِهِ.
وقيل: لا تَقُولُوا إنَّ لَهُ شَرِيكاً أوْ وَلْداً، ونزِّهُوهُ عن هَذِه الأحْوَالِ.
قوله: «إلَاّ الحَقَّ» هذا استثناء مُفَرَّغٌ، وفي نصبه وجهان:
أحدهما: أنه مفعول به؛ لأنه تضمَّن معنى القول؛ نحو: «قُلْتُ خُطْبَةً» .
والثاني: أنه نعتُ مصدر محذوف، أي: إلا القولَ الحَقَّ، وهو قريب في المعنى من الأوَّل.
قوله [- سبحانه -] : ﴿إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ الله﴾ .
قرأ جعفر بن محمَّد: «المِسِّيح» بوزن «السِّكِّيت» ؛ كأنه جعله مثال مبالغة؛ نحو: «شِرِّيب العَسَل» ، و «المسيح» مبتدأ بعد «إنَّ» المكفوفة، و «عِيسَى» بدلٌ منه، أو عطف بيان، و «ابنُ مَرْيَمَ» صفته و «رَسُولُ الله» خبر المبتدأ، و «كَلِمَتُهُ» عطف عليه.
و «ألْقَاها» جملةٌ ماضية في موضع الحال، و «قَدْ» معها مقدرةٌ، وفي عاملِ الحال ثلاثةُ أوجه نَقَلها أبو البقاء:
стр. 3907
أحدها: أنه معنى «كَلِمة» ؛ لأنَّ معنى وصْفِ عيسى بالكلمة: المُكَوَّنُ بالكلمة من غير أبٍ، فكأنه قال: وَمَنْشَؤُهُ ومُبْتَدَعُهُ.
والثاني: أن يكون التقدير: إذ كان ألقاها، ف «إذْ» ظرفُ زمانٍ مستقبل، و «كان» تامَّة، وفاعلها ضمير الله تعالى، و «ألقاها» حالٌ من ذلك الفاعل، وهو كقولهم: «ضَرْبِي زَيْداً قَائِماً» .
والثالث: أن يكون حالاً من الهاء المجرورة، والعاملُ فيها معنى الإضافة، تقديره: وكلمةُ اللَّهِ مُلْقياً إيَّاهاَ. انتهى. أمَّا جعله العامل معنى «كلمة» فصحيحٌ، لكنه لم يبين في هذا الوجه من هو صاحبُ الحال؟ وصاحبُ الحال الضميرُ المستتر في كَلِمَتُهُ «العائدُ على عيسى؛ لما تضمَّنَتْهُ من معنى المشتقِّ؛ نحو:» مُنْشَأ ومُبْتَدَع «، وأمَّا جعلُهُ العاملَ معنى الإضافة، فشيءٌ ضعيفٌ، ذهب إليه بعض النحويِّين، وأمَّا تقديرُه الآية بمثل» ضَرْبِي زَيْداً قَائِماً «، ففاسدٌ من حيث المعنى، والله أعلم.
فصل في تفسير الكلمة
قد تقدَّم في تَفْسِير «الكَلِمَةِ» في قوله: ﴿يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ا﴾ [آل عمران: ٤٥] ، والمعْنَى: أنَّهُ وُجِدَ بكَلِمَةِ اللَّهِ وأمْرِه، من غَيْرَ وَاسِطَة [أب] ولا نُطْفَة؛ لقوله [تعالى] : ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن [فَيَكُونُ] ﴾ [آل عمران: ٥٩] .
قوله تعالى ﴿وَرُوحٌ﴾ عطفٌ على «كَلِمَة» ، و «مِنْهُ» صفة ل «رُوح» ، و «مِنْ» لابتداء الغاية مجازاً، وليست تبعيضيَّةً، ومن غريب ما يحكى أن بعض النصارى ناظَرَ عليَّ بْنَ الحُسَيْنِ بن واقدٍ المَرْوزِيَّ، وقال: «في كتاب الله ما يَشهدُ أنَّ عيسى جُزْءٌ مِنَ الله» ، وتلا: «وَرُوحٌ مِنْهُ» ، فعارضه ابنُ واقدٍ بقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] ، وقال: «يلزمُ أنْ تكونَ تلك الأشياءُ جزءاً من الله تعالى، وهو محالٌ بالاتفاقِ» ، فانقطع النصرانيُّ وأسْلم.
فصل
قيل: معنى «رُوحٌ مِنْهُ» [هي] رُوحٌ كسَائِرِ الأرْواحِ، وإنَّما أضَافَها الله - تعالى - إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفاً.
وقيل: الرُّوحُ هو النَّفْخُ الذي نَفَخَهُ جِبْريل في دِرْعِ مَرْيم -[﵍]-
стр. 3908
فَحَمَلَتْ بإذْنِ اللَّه، سُمِّي النَّفْخُ «رُوحاً» ؛ لأنَّه ريحٌ يخْرُجُ من الرُّوح، وأضافَهُ إلى نَفْسِهِ؛ لأنه كان بأمْرِهِ.
والرُّوح والرِّيحُ مُتَقَارِبَانِ، فالرُّوحُ: عِبَارَةٌ عن نَفْخِ جِبْرِيلٍ ﵇، وقوله: «مِنْهُ» يعني: أنَّ ذلِك النَّفْخَ من جِبْرِيل كان بأمْر الله وإذْنه، فَهُو مِنْهُ؛ وهكذا قولُه: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢] .
وقيل: «رُوحٌ مِنْهُ» أي: رَحْمَةً مِنْهُ، فكان ﵇ رحْمَة لمن تبعَهُ، وآمَن بِهِ، من قوله -[تعالى]-: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] . أي: برحْمَةٍ مِنْهُ وقال ﵊ ُ -: «إنَّما أنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ» .
وقيل: الرُّوحُ الوَحِي، أوْحَى إلى مَرْيَمَ بالبشَارَة، وإلى جِبْرِيلَ بالنَّفْخِ، وإلى عيسى أن كُنْ فكان؛ كقوله -[تعالى]-: ﴿يُنَزِّلُ الملاائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: ٢] . يعني: بالوَحْي؛ وقال - تعالى - في صِفَةِ القُرْآنِ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] .
وقيل: أراد بالرُّوح: جِبْريل، مَعْنَاهُ: كَلِمتهُ ألْقَاهَا إلى مَرْيَمَ، وألْقَاها - أيضاً - رُوحٌ مِنْهُ بأمْرِهِ، وهو جِبْرِيلُ [﵇] ؛ كقوله: ﴿تَنَزَّلُ الملائكة [والروح فِيهَا] ﴾
[القدر: ٤] يعني: جِبْرِيل فيها، وقال: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾ [مريم: ١٧] يعني: جِبْرِيل.
وقيل: لما جَرْت عادَةُ النَّاسِ أنَّهُم إذا وَصَفُوا شيئاً بِغَايَة الطَّهارَة والنَّظَافة، قالوا: إنَّه روحٌ، فلما كان عيسَى لَمْ يتكوَّن مِنْ نُطْفَةٍ، وإنما من نَفْخَة جِبْرِيل ﵇ لا جَرَم وُصِفَ بأنَّهُ روحٌ، والمراد من قوله: «مِنْهُ» التَّشْرِيف والتَّفْضِيل؛ كما يقال: هذه نِعْمَةٌ من الله، أي: تلك النِّعْمَة الكَامِلَة الشَّريفَة.
وقيل: إنه كان سَبَباً لحياة الخَلْقِ في أدْيَانهم، [فوُصِفَ أنَّه رُوحٌ؛ كما وُصِف القُرْآن في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] ، سمَّاه رُوحاً؛ لمَّا كان سَبَباً لحياةِ الخَلْق في أدْيَانِهِم] .
وقيل: لما أدْخَل التَّنْكِير في لفظِ «رُوحٌ» أفاد التَّعْظِيم، فكان المَعْنَى: رُوحٌ من الأرْوَاح الشَّريفَة القُدسِيَّة العَالِيَة.
стр. 3909
وقوله: «مِنْهُ» أضاف ذلك الرُّوح إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفاً، ثم قال: ﴿فآمنوا بالله ورسله﴾ أي: أنَّ عيسَى من رسُلِ اللَّهِ، فآمِنُوا به كإيمَانِكُم بسَائِر الرُّسُل، ولا تَجْعَلُوه إلهاً.
قوله - تعالى -: ﴿وَلَا تَقُولُواْ ثَلَاثَةٌ﴾ ، أي: لا تَقُولُوا آلهتُنَا ثلاثة، ف «ثَلَاثةٌ» خبر مبتدأ مضمرٍ، والجملةُ من هذا المبتدأ والخبر في محلِّ نصب بالقول، أي: ولا تقولوا: «آلهتنا ثلاثةٌ» قال الزَّجاج: ويدلُّ عليه قوله بعد ذلك: ﴿إِنَّمَا الله إله وَاحِدٌ﴾ ، وقيل: تقديره: الأقَانِيمُ ثلاثةٌ، أو المعبودُ ثلاثةٌ، وقال الفارسيُّ: تقديره: الله ثالثُ ثلاثةٍ، ثم حُذف المضافُ، وأقيمَ المضافُ إليه مقامَهُ، يريدُ بذلك موافقةَ قوله: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] .
قال الفرَّاء: تقديره: ولا تقُولُوا هم ثلاثة؛ كقوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ [الكهف: ٢٢] وكانت النَّصارى [يقُولُون:] أبٌ، وابنٌ، ورُوحُ القُدس.
فصل في بيان تفسير النصارى للتثليث
قال القُرْطُبي: فرقُ النَّصارى مجتمعُون على التَّثْلِيثِ، ويقولون: إن الله جوهرٌ واحدٌ، وله ثلاثةٌ أقَانِيمَ، فَيَجْعِلُون كُلَّ أقْنُوم إلهاً، ويَعْنون بالأقانِيم: الوُجُود والحياة والعِلْم، وربما يُعَبِّرون [عن] الأقانِيمِ بالأبِ، والابْنِ، وروح القُدُسِ، فَيَعْنُونَ بالأبِ الوُجُود، وبالرُّوح الحياة، وبالابْن المسيح، في كلامٍ لهم فيه تَخْبِيطٌ.
ومحصول كلامهم يَئُولُ إلى التَّمَسُّكِ بأنَّ عيسَى إلهٌ؛ بما كان يُجْرِي اللَّه على يَديه من خَوَارِق العَادَاتِ على حَسَبِ دواعِيه وإرادَتِهِ.
قالوا: قد عَلِمْنَا خروجَ هذه الأمُورِ من مَقْدُور البَشَرِ، فينْبَغِي أن يكون المُقْتَدِر عليها مَوْصُوفٌ بالإلهيّة.
فيقال لَهُم: لو كان ذَلِك من مَقْدُوراتِهِ وكان مسْتَقِلاًّ به، كان تَخْليصُ نفسه من أعْدَائِه، ودفع شرِّهم عَنْهُ من مقدُورَاتِهِ، وليس كذلك؛ فإن اعْتَرَفُوا بذل سَقَطَ اسْتِدْلالهم وقولهم: إنه كان يَفْعَلُهَا، وإن لَمْ يُسَلِّموا فلا حُجَّة لهم - أيضاً -؛ لأنَّهم معَارضُون بمُوسى ﵇، وما كان يُجْري الله - تعالى - على يديه من الأمور العِظَامِ؛ كفلق البَحْر، وقَلْبِ العَصَا ثُعْباناً، واليد البَيْضَاء، وضَرْب الحَجَر فانْفَجَرَت مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَة عَيْناً، وإنْزال المنِّ والسَّلْوَى وغير ذَلِك، وكَذَلِك ما جَرَى على أيْدِي الأنْبِياء - عليهم الصلاة والسلام -، فإن أنْكَرُوا ذَلِك، فيُنكَر ما يدَّعُونَهُ في ظُهُورِه على يَدٍ عيسى ﵇، ولا يُمْكِنُهم إثْبَات شَيْءٍ من ذلك [لعيسى؛ فإن إثْبَاتَهُ عندنا بِنَصِّ القُرآنِ، وهم يُنْكِرُون القُرْآن ويكذِّبُون من أتى به] ، ولا يُمْكِنُهم إثْبَاتُ ذلك بأخْبَارِ التَّواتُر.
стр. 3910
[و] قوله : ﴿انتهوا خَيْراً لَّكُمْ﴾ نصب «خيْراً» لِنَصْبه فيما تقدَّم في جَمِيع وُجُوهِهِ، ونِسْبته إلى قَائِلِيه، ثم أكَّدَ التَّوْحِيد بقوله: ﴿إِنَّمَا الله إله وَاحِدٌ﴾ ثم نزَّه نَفْسَه عن الولد بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ وتقدِيرُه: من أنْ يكُونَ، أو: عن أنْ يكُون؛ لأنَّ مَعْنى: «سُبْحَان» : التَّنْزِيه: فكأنَّهُ قيل: نَزِّهُوه عن أن يكُون، أو مِنْ أنْ يكُونَ لَهُ ولد، فيجيء في مَحَلِّ «أنْ» الوجهان المَشْهُورَانِ، وقد تقدَّمَتْ دَلَائِل تَنْزيه اللَّه عن الوَلَدِ في سُورَة «آل عمران» و «واحدٌ» نعت على سبيل التوكيد، وظاهر كلام مكي أنه نعتٌ لا على سبيل التوكيد، فإنه قال: و «الله» مبتدأ، و «إلهٌ» خبره، و «واحدٌ» نعت، تقديره: «إنَّمَا الله مُنْفَرِد في إلهيَّتِهِ» ، وقيل: «وَاحِدٌ» تأكيدٌ بمنزلة ﴿لَا تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين﴾ [النحل: ٥١] ، ويجوز أن يكون «إله» بدلاً من «الله» ، و «وَاحِدٌ» خبره، تقديره: إنَّما المعبُودُ وَاحِدٌ، وقوله: ﴿أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ تقديم نظيره [في الآية ٤٧ آل عمران] . وقرأ الحسن: «أَن يَكُونَ» بكسر الهمزة ورفع «يكُونُ» على أنَّ «إنْ» نافية، أي: ما يكونُ له ولدٌ، فعلى قراءته يكونُ هذا الكلامُ جملتَيْنِ، وعلى قراءةِ العامة يكون جملة واحدة.
ثم قال - تعالى -: ﴿لَّهُ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ .
واعلم أنَّه - تعالى - في كل مَوْضِعٍ نَزَّه نَفْسَه عن الولد ذكر كَوْنَه مَلِكَاً ومالِكاً لما في السموات وما في الأرضِ؛ فقال في «مَرْيَم» : ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض إِلَاّ آتِي الرحمن عَبْداً﴾ [مريم: ٩٣] ، والمعنى: أن من كان مَالِكاً لما في السَّموات وفي الأرْضِ، ولكُلِّ ما فيها، كان مَالِكاً لعِيسَى ولمَرْيم؛ لأنهما كانا في السَّموات وفي الأرْضِ، ولما هُو أعْظَم مِنْهُمَا في الذَّاتِ والصِّفَات، وإذا كان مَالِكاً لما هُوَ أعْظَم مِنْهُمَا، فبأنْ يكُون هُو أعْظَم مِنْهُمَا في الذَّاتِ والصِّفَاتِ، وإذا كان مَالِكاً لما هُوَ أعْظَم مِنْهُمَا، فبأنْ يكُون مَالِكاً لهُمَا أوْلَى، وإذا كَانَا مَمْلُوكَيْنِ لَهُ، فكَيْفَ يَعْقِلُ مع هذا تَوَهُّم كَونهما وَلَداً وزَوْجَةً.
ثم قال - تعالى -: ﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾ أي: إن الله - تعالى - كَافٍ في تَدْبِير المَخْلُوقَاتِ، وفي حِفْظِ المحْدَثَاتِ، فلا حَاجَة مَعَهُ إلى القَوْلِ بإثْبَاتِ آله آخرَ، وهو إشارَةٌ إلى ما يَذْكُرُه المتَكَلِّمُون؛ من أنَّهُ لمَّا كَانَ [- تعالى -] عالماً بِجَميع المَعْلُومَاتِ قَادِراً على كل المَقْدُورَاتِ، كان كَافِياً في الإلهِيَّة، فلو فَرَضْنَا آلهاً آخَر، كان مُعَطَّلاً لا فَائِدَة فيه، وذلك نَقْصٌ، والنَّاقِص لا يَكُون إلهاً.
стр. 3911
قوله: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلَا الملاائكة المقربون﴾ الآية لمَّا أقام الحُجَّة القَاطِعَة على أنَّ عيسى عَبْدُ الله، لا يَجُوز أن يكُون ابْناً لَهُ، أشَارَ بَعْدَه إلى حِكَايَةِ شُبْهَتِهِم، وأجَابَ عَنْهَا؛ لأنَّ الشُّبْهَة التي عَوَّلُوا عَلَيْها في إثْبَاتِ أنَّهُ ابن اللَّهِ؛ هو [أنَّه] كان يُخْبِرُ عن الغيبيّات، ويأتي بِخَوارقِ العاداتِ من الإبْرَاء والإحْيَاء، فكأنَّهُ - تعالى - قال: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح﴾ بسبب القَدْرِ من العِلْم والقُدْرَة عن عِبَادةِ الله -[سبحانه] وتعالى -، فإن الملائِكَة المقَرَّبينَ أعْلَى حَالاً مِنْهُ في اَلقُدْرَة؛ لأن ثَمَانِيةً منهم حَمَلةُ العَرْشِ على عَظَمَتِهِ، ثم [إنّ] الملائكة مع كمالهم في العُلُوم، لمْ يَسْتَنْكِفُوا عن عُبُودِيَّة الله، فكيف يَسْتَنْكِفُ المَسِيحُ عن عُبُوديَّته بسبب هذا القَدْرِ القَلِيلِ الذي كان مَعَهُ من العِلْمِ والقُدْرَة.
والاسْتنْكَافُ: استفعالٌ من النَّكْفِ، والنَّكْفُ: أن يُقال [له] سوء، ومنه: «وما عليه في هذا الأمْرِ نَكْفٌ ولا وَكْفٌ» ، قال أبو العباس: «واسْتَفْعَلَ هنا بمعنى دفع النَّكْفَ عَنْه» ، وقال غيره: «هو الأنَفَةُ والتَّرفُّع» ، ومنه: «نَكَفْتُ الدَّمْعَ بإصْبَعِي» ، إذا منعته من الجَرْي على خَدِّك، قال: [الطويل]
١٩١٠ - فبَانُوا فُلُولاً ما تَذَكَّرُ مِنْهُمُ ... مِنَ الحِلْفِ لَمْ يُنْكَفْ لِعَيْنَيْكَ مَدْمَعُ
فصل
رُوِيَ أن وَفْدَ نَجْرَان قالُوا: يا مُحَمَّد، إنك تَعِيبُ صَاحِبَنَا، فتقول: إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، فقال النبيُّ ﷺ َ: «ليْسَ بعارٍ لعيسى ﵇ أنْ يكُونَ عَبْداً لِلَّهِ» فنزلَت هذه الآية.
وقرأ عَلِيٌّ: «عُبَيْداً» على التَّصْغِير، وهو مُنَاسِبٌ للمَقَام، وقرأ الجمهورُ «أن يكُون عَبْداً لِلَّهِ» بفتح همزة «أنْ» ، [فهوُ في موضعِ نَصْبٍ، وقرأ الحسن: «إنْ» بكَسْر الهمزة على أنَّها نَفيٌ بمعنى] : ما يكون له ولدٌ، فينبغي رفع «يكونُ» ، ولم يذكره الرواة؛ نقله القرطبيّ.
стр. 3912
وقوله تعالى: ﴿وَلَا الملاائكة﴾ عطف على «المَسِيح» ، أي: ولَنْ يَسْتَنْكِفَ الملائكةُ أن يكُونُوا عَبيداً لله، وقال أبو حيان ما نصُّه: «وفي الكلام حَذْفٌ، التقدير: ولا الملائكةُ المقرَّبون أن يكونُوا عبيداً لله، فإن ضُمِّن» عَبْداً «معنى» مِلْكاً لله «، لم يَحْتَجْ إلى هذا التقدير، ويكونُ إذ ذاك ﴿وَلَا الملاائكة﴾ من باب عطف المفردات، بخلاف ما إذا لُحِظَ في» عَبْد «معنى الوَحْدَة، فإن قوله: ﴿وَلَا الملاائكة﴾ يكون [من] عطف الجملِ؛ لاختلاف الخبر، وإنْ لُحِظَ في قوله: ﴿وَلَا الملاائكة﴾ معنى:» ولا كلُّ واحدٍ مِنَ الملائِكَةِ «كان من باب عطف المفردات» ، وقال الزمخشريُّ: «فإن قلتَ: علام عُطِفَ» والمَلَائِكَةُ «؟ قلت: إمَّا أن يُعْطَفَ على» المَسِيحُ «، أو اسم» يَكُونُ «، أو على المستتر في» عَبْداً «لما فيه من معنى الوصْف؛ لدلالته على العبادة، وقولك:» مَرَرْتُ بِرَجُلٍ عَبْدٍ أبُوهُ «فالعطفُ على المسيحِ هو الظاهرُ؛ لأداء غيره إلى ما فيه بعضُ انحرافٍ عن الغرضِ، وهو أن المسيحَ لا يأنَفُ أن يكون هو ولا من فَوقَهُ موصوفين بالعبودية، أو أن يعبُدَ الله هو ومن فوقه» ، قال أبو حيان: «والانحراف عن الغرضِ الذي أشارَ إليه كونُ الاستنكَافِ يكون مختصًّا بالمسيحِ، والمعْنَى التامُّ إشراكُ الملائكة مع المسيح في انتفاء الاستنكَافِ عن العبوديَّة، ويظهرُ أيضاً مرجوحيَّةُ الوجهين من وجه دخُول» لَا «؛ إذ لو أُريدَ العطفُ على الضمير في» يكُون «أو في» عَبْداً «لم تَدْخُل» لا «، بل كان يكون التركيبُ بدونها، تقول:» ما يريدُ زيدٌ أن يكُونَ هُو وأبُوهُ قَائِمَيْن «و» ما يُريدُ زيدٌ أنْ يَصْطَلِحَ هُوَ وعَمْرٌو «، فهذان التركيبان لَيْسَا من مَظَنَّةِ دخولِ لا، وإن وُجد منه شيءٌ، أوِّل» .
انتهى، فتحصَّل في رفع «المَلَائِكَةُ» ثلاثة أوجه، أوجَهُهَا الأوَّل.
فصل
اسْتَدَلَّ الجُمهور بهذه الآية: على أنَّ الملكَ أفْضَلُ من البَشَر، وقد تقدَّم الكلام عَلَيْه، في البقرة [آية ٣٤] .
وقال ابن الخطيب: والذي نقُولُه هَهُنَا: إنَّا نُسَلِّم أنَّ اطِّلاع الملائِكَة على المُغَيِّبَاتِ أكْثَرُ من اطلاع البَشَرِ عليهما، ونُسَلِّم أن قُدْرَة الملائِكَة على التَّصرُّفِ في هذا العَالم أشَدُّ من قُدْرة البَشَر، إنما النِّزاعُ في أنَّ ثوابَ طاعَاتِ الملائِكَة أكْثَرُ، أمْ ثوابُ طاعَاتِ البَشَرِ وهذه الآيَةُ لا تَدُلُّ على ذلك؛ وذلك أن النَّصَارَى إنَّما أثْبَتُوا إلهيَّة عِيسَى؛ لأنه أخْبَر عن الغَيْب، وأتى بخَوَارِقِ العَادَاتِ، فإيرادُ الملائِكَة لأجْلِ إبْطَال هذه الشُّبْهَة، إنما يَسْتَقِيم إذا كانت الملائِكَةُ أقْوَى حالاً في هذا العَالَمِ، وفي هذه القُدْرَة من البَشَرِ، ونحن نَقُول بمُوجبهِ.
стр. 3913
فأما أن يُقَالَ: المُرادُ من الآية تَفْضِيل الملائِكَة على المَسيحِ في كَثْرَةِ الثَّوَابِ على الطَّاعَاتِ، فذلك ممَّا لا يُنَاسِب هذا الموضعَ، ولا يَليقُ به.
فظهر أنَّ هذا الاستدْلَال إنَّما قَوِي في الأوْهَام؛ لأن النَّاسَ ما لخّصوا مَحَلَّ النِّزَاع.
وأجاب البغوي عن استدلالهم بهذه الآية؛ فقال: ولا حُجَّة لهم فِيهِ؛ لأنه لم يَقُلْ ذَلِك رَفْعاً لمقامِهِم على مَقَامِ البَشَرِ، بل رَدّاً على الذين يَقُولُون: الملَائِكَة آلِهَةٌ، لما ردَّ على النَّصَارَى قولهم: المَسِيحُ ابْنُ اللَّه، وقال ردّاً على النَّصارَى بزَعْمِهِم؛ فإنَّهُم يقُولُون بتَفْضِيل الملائِكَة، وهذه الآيَةُ تدُلُّ على أنَّ طبقات المَلَائكة مُخْتَلِفةٌ؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَلَا الملاائكة المقربون﴾ .
قوله تعالى ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ الفاءُ يجوز أن تكون جواباً للشَّرْط في قوله: ﴿وَمَن يَسْتَنْكِفْ﴾ ، فإن قيل: جوابُ «إن» الشرطية وأخواتها غير «إذا» لا بدَّ أن يكون محتملاً للوقُوعِ وعدمه، وحشرُهُمْ إليه جميعاً لا بُدَّ منه، فكيف وقعَ جَواباً لها؟ فقيل في جوابه وجهان:
أصحهما: أن هذا الكلام تضمَّن الوعد والوعيد؛ لأنَّ حَشْرَهُمْ يقتضي جزاءَهم بالثوابِ أو العقاب، ويَدُلُّ عليه التفصيلُ الذي بعده في قوله: «فَأَمَّا الذِينَ» إلى آخره، فيكونُ التقديرُ: ومن يَسْتَنْكِفْ عن عبادته ويَسْتَكْبِرْ، فيعذبُهُ عند حَشْرِهِ إليه، ومن لم يستنكفْ ولم يستكبر، فيثيبه.
والثاني: أنَّ الجوابَ محذوف، أي: فيجازيه، ثم أخبر بقوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً﴾ ، وليس بالبيِّن، وهذا الموضوعُ محتملٌ أن يكون مِمَّا حُمِلَ على لفظةِ «من» تارة في قوله: «يَسْتَنْكِف» [و «يَسْتَكْبِر» ] فذلك أفرد الضمير، وعلى معناها أخرى في قوله: «فَسَيحْشُرُهُم» ولذلك جمعهُ، ويحتمل أنه أعاد الضمير في «فَسَيحْشُرُهُم» على «مَنْ» وغيرها، فيندرجُ المستنكفُ في ذلك، ويكون الرابطُ لهذه الجملةِ باسم الشرط العمومَ المشارَ إليه، وقيل: بل حَذَفَ معطوفاً لفَهْم المعنى، والتقديرُ: فسيحشُرُهُمْ، أي: المُسْتنكفينَ وغيرَهُمْ، كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: ٨١] ، أي: والبَرْدَ.
و «جَميعاً» حالٌ، أو تأكيد عند مَنْ جعلها ك «كُلّ» وهو الصحيح، وقرأ الحسن: «فَسَنحْشُرهُمْ» بنونِ العظمة، وتخفيف باء «فَيُعَذِبُهُمْ» ، وقرئ «فَسَيَحْشِرُهُمْ» بكسر الشين، وهي لغةٌ في مضارع «حَشَرَ» .
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الذين﴾ : قد تقدَّم الكلامُ على نظيرتها، ولكن هنا سؤالٌ حسنٌ
стр. 3914
قاله الزمخشريُّ وهو: «فإن قلت: التفصيل غير مطابقٍ للمفصَّلِ؛ لأنه اشتمل على الفريقين، والمفصَّلُ على فريق واحد، قلتُ: هو مثلُ قولك:» جَمَعَ الإمَامُ الخوارجَ: فمن لم يخرجْ عليه، كساه حُلَّةً، ومن خَرَجَ عليه، نَكَّلَ به «وصحةُ ذلك؛ لوجهين:
أحدهما: أن يحذف ذكرُ أحد الفريقين؛ لدلالةِ التفصيل عليه؛ ولأنَّ ذكرَ أحدهما يدلُّ على ذكر الثاني؛ كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله عَقِيبَ هذا: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ بالله واعتصموا بِهِ﴾ [النساء: ١٧٥] .
والثاني: وهو أن الإحسانَ إلى غيرهم مما يَغُمُّهُم؛ فكان داخلاً في جملة التنكيلِ بهم، فكأنه قيل: ومن يَسْتَنْكِف عن عبادته ويَسْتكبرْ فسيعذبُهُم بالحَسْرة، إذا رأوْا أجُورَ العاملين، وبما يصيبُهُم من عذاب الله» . انتهى، يعني بالتفصيل قوله: «فأمَّا» و «أمَّا» ، وقد اشتمل على فريقين، أي: المثابين والمعاقبين، وبالمفصَّل قوله قبل ذلك: «وَمَن يَسْتَنْكِفْ» ، ولم يشتمل إلا على فريقٍ واحدٍ هم المعاقَبُون.
فصل
بيَّن ثواب الَّذِين آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَات أنه يُوَفِّيهم أجُورَهم، ويزيدهُم من فَضْلِه من التَّضعِيف ما لا عيْنٌ رأتْ، ولا أذنٌ سَمِعَت، ولا خطر على قَلْب بَشَر.
قوله: ﴿وَأَمَّا الذين استنكفوا واستكبروا﴾ عن عبادته ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً﴾ .
وقدم ثواب المُؤمنين على عقاب المسْتَنْكِفِ لأنَّهم إذا رَأوْا ثواب المُطيعين، ثم شَاهَدُوا بعده عقاب أنفسهم، كان ذلك أعْظَم في الحسرة.
стр. 3915
لما أوْرَد الحُجَّة على جميع الفرق من المُنَافِقِين والكُفَّار واليَهُودِ والنَّصَارَى، وأجَابَ عن شُبُهَاتِهِم عمم الخطاب، ودعا جميع النَّاس إلى الاعْتِرَافِ بِرِسَالةِ مُحَمَّد ﷺ َ ن والمراد بالبُرْهَان: محمد ﵊ ُ -، وسُمِّي بُرْهَاناً؛ لأن حِرْفَتَهُ إقامَة البُرْهَان على تحْقِيق الحقِّ، وإبْطَال البَاطِل، والنُّور المُبينُ هو القُرآن؛ لأنه سَبَبٌ لوُقُوع نُور الإيمانِ في القَلْبِ.
قوله تعالى: ﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ فيه وجهان:
стр. 3916
أظهرهما: أنه مُتَعَلِّق بمَحْذُوفٍ، لأنه صِفَةٌ ل «بُرْهَان» أي: بُرْهَانٌ كائِنٌ من ربكم، و «مِنْ» يجُوز أن تكُون لابتداء الغَايَةِ مَجَازاً أو تَبْعِيضيَّة، أي: من بَرَاهِينِ رَبِّكُم.
والثاني: أنه مُتَعَلِّقٌ بنفس «جَاءَ» ، لابتداء الغَايَةِ كما تقدَّم.
стр. 3917
فالمُراد: أنهم امتنعُوا به من زَيْغِ الشَّيْطَانِ، ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ﴾ .
فصل
قال ابن عبَّاسٍ ﵄: المراد بالرَّحْمَةِ الجَنَّة، وبالفَضْلِ: ما يَتَفَضَّل به عليْهِم بمَا لا عَين رَأتْ، ولا أذُن سَمِعَتْ، [ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشر] .
﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ .
قوله : ﴿صِرَاطاً﴾ : مفعولٌ ثان ل «يَهْدِي» ؛ لأنه يتعدَّى لاثنين؛ كما تقدم تحريره، وقال جماعةٌ منهم مَكِّيٌّ: إنه مفعولٌ بفعْلٍ محذوف دلَّ عليه «يَهْدِيهم» ، والتقدير: «يُعَرِّفُهُمْ» . وقال أبو البقاء قريباً من هذا إلا أنه لم يُضْمِرْ فعلاً، بل جعله منصوباً ب «يَهْدِي» على المعنى؛ لأنَّ المعنى يُعرِّفُهُم، قال مكيٌّ في الوجه الثاني: «ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً ل» يَهْدِي «، أي: يَهْدِيهِم صِرَاطاً مستقيماً إلى ثوابه وجزائه» قال شهاب الدين: ولم أدْرِ لِمَ خَصَّصُوا هذا الموضِعَ دُونَ الذي في الفاتِحَةِ [الآية: ٣] ، واحتاجوا إلى تقدير فعل، أو تضمينه معنى «يُعَرِّفُهُمْ» ؟ وأجاز أبو عليٍّ أن يكون منصوباً على الحال من محذوف؛ فإنه قال: «الهاءُ في» إليه «راجعةٌ إلى ما تقدَّم من اسم الله، والمعنى: ويَهْديهم إلى صراطه، فإذا جعلنا» صِرَاطاً مُسْتَقِيماً «نصباً على الحالُ، كانت الحالُ من هذا المحْذُوفِ» . انتهى، فتحصَّل في نصبه أربعةُ أوجه:
أحدها: أنه مفعول ب «يَهْدِي» من غير تضمين معنى فعل آخر.
الثاني: أنه على تضمين معنى «يُعَرِّفُهُمْ» .
الثالث: أنه منصوبٌ بمحذوفٍ.
الرابع: أنه نصبٌ على الحال، وعلى هذا التقدير الذي قدَّره الفارسيُّ تقْرُبُ من الحالِ المؤكِّدة، وليس كقولك: «تَبَسَّمَ ضَاحِكاً» ؛ لمخالفتِها لصاحبها بزيادة الصفةِ، وإن وافقته لفظاً، والهاءُ في «إلَيْهِ» : إمَّا عائدةٌ على «الله» بتقدير حذفِ مضافٍ؛ كما تقدَّم من
стр. 3918
نحو: «ثواب» أو «صِرَاطه» ، وإمَّا على الفضلِ والرحمة؛ لأنهما في معنى شيء واحد، وإما عائدةٌ على الفضل؛ لأنه يُراد به طريقُ الجنان.
قوله تعالى: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم﴾
стр. 3919
قوله - جل وعلا -: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة﴾ إلى آخر السورة لما تكَلَّم [في] أوَّل السُّورَة [في] أحْكَام الأمْوَالِ، خَتَمَها بذلِك الآخِرِ مشاكلاً للأوَّل، ووسَطُ السُّورةِ مُشْتَمِلٌ على المُنَاظَرَة مع الفرقِ المُخَالِفِين في الدِّينِ.
قال المفسرون: نزلت في جابر بن عبد الله، قال: عَادَني رسُول الله ﷺ َ [وشرف وكرم وعظم] ، وأنا مَرِيضٌ لا أعْقِل، فَتَوَضَّأ وصبَّ من وُضوئه عليَّ، فعَقَلْتُ، فَقُلْت: يا رسُول الله، لِمن المِيرَاثُ، إنَّهُما يَرِثُنَي كلالة، فنزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة﴾ . ومعنى: يَسْتفتُونَك: يَسْتَخْبِرُونَك، قال البَرَاء بن عَازِب: هذه آخر آية نَزَلَتْ من القُرْآن.
قال القرطبي: كذا قال في مُسْلم، وقيل أنزلَتْ في النَّبِيّ ﷺ َ.
قوله : ﴿فِي الكلالة﴾ : متعلق ب «يُفْتيكُم» ؛ على إعمال الثاني، وهو اختيار البصريّين، ولو أعْمَلَ الأولَ، لأضمرَ في الثاني، وله نظائرُ في القرآن: ﴿هَآؤُمُ اقرؤا كِتَابيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] . ﴿آتوني أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ [الكهف: ٩٦] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله﴾ [المنافقون: ٥] ﴿والذين كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ﴾ [البقرة: ٣٩] ، وقد تقدَّم الكلامُ فيه في البقرة، وتقدَّم الكلام في اشتقاق الكلالة في أوَّل هذه السُّورة [النساء: ١٢] ، وقوله: ﴿إِن امرؤ﴾ كقوله: ﴿وَإِنِ امرأة﴾ [النساء: ١٢٨] . و «هَلَكَ» جملةٌ فعليةٌ في محلِّ رفع صفة ل «امْرُؤٌ» .
و ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ جملةٌ في محلِّ رفعِ أيضاً صفةً ثانية، وأجاز أبو البقاء أن تكون هذه الجملةُ حالاً من الضمير في «هَلَكَ» ، ولم يذكر غيره، ومنع الزمخشريُّ أن تكون حالاً، ولم يبيِّن العلةَ في ذلك، ولا بيَّن صاحب الحال أيضاً، هل هو «امْرُؤٌ» أو الضميرُ
стр. 3920
في «هَلَكَ» ؟ قال أبو حيان: «ومنع الزمخشريُّ أن يكون قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ جملةً حالية من الضمير في» هَلَكَ «، فقال: ومحلُّ ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ الرفع على الصفةِ، لا النصبُ على الحال» . انتهى، قال شهاب الدين: والزمخشريُّ لم يَقُلْ كذلك، أي: لم يمنعْ كونها حالاً من الضمير في «هَلَكَ» ، بل منع حاليتها على العموم، كما هو ظاهر قوله، ويحتملُ أنه أراد منع حاليتها من «امْرُؤٌ» ؛ لأنه نكرةٌ، لكنَّ النَكرة هنا قد تخصَّصَتْ بالوصف، وبالجملةِ فالحالُ من النكرَةِ أقلُّ منه من المعرفة، والذي ينبغي امتناعُ حاليتها مطلقاً؛ كما هو ظاهر عبارته؛ وذلك أنَّ هذه الجملة المفسِّرة للفعل المحذوف لا موضعَ لها من الإعراب؛ فأشبهت الجمل المؤكِّدة، وأنت إذا أتبعت أو أخبرت، فإنما تريدُ ذلك الاسم المتقدِّم في الجملة المؤكِّدة السابقة، لا ذلك الاسم المُكَرَّرَ في الجملة الثانية التي جاءت تأكيداً؛ لأن الجملة الأولى هي المقصودة بالحديث، فإذا قلت: «ضَرَبْتُ زَيْداً، ضربْتُ زَيْداً الفَاضِل» ، ف «الفَاضِل» صفةُ «زَيْداً» الأوَّلِ؛ لأنه في الجملة المؤكدة المقصودُ بالإخبار، ولا يضُرُّ الفصلُ بين النعتِ والمنعوت بجملة التأكيد، فهذا المعنى يَنْفِي كونها حالاً من الضمير في «هَلَكَ» ، وأما ما ينفي كونها حالاً من «امْرؤٌ» فلما ذكرته لك من قلَّةِ مجيء الحال من النكرةِ في الجملة، وفي هذه الآية على ما اختارُوهُ من كون «لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ» صفة - دليلٌ على الفصْلِ بين النعت والمنعوت بالجملة المفسرة للمحذوف في باب الاشتغال، ونظيرُه: «إنْ رَجُلٌ قام عَاقِلٌ فأكْرِمْهُ» ف «عَاقِلٌ» صفةٌ ل «رَجُلٌ» فُصِل بينهما ب «قَامَ» المفسِّر ل «قام» المفسَّر.
فصل
قال القُرطبيُّ: معنى قوله - تعالى -: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: ليس لَهُ ولدٌ ولا وَالِدٌ، فاكْتَفَى بِذْكِرِ أحدهما.
قال الجُرْجَانِيُّ: لفظ الولد يَنْطَلِقُ على الوالدِ والموْلُود، فالوالدُ يُسَمَّى والداً؛ لأنه وَلد، والمَوْلُود يسَمَّى ولداً؛ لأنه [وُلد] ؛ كالذُّرِّيَّة [فإنَّهَا من ذَرَأ] ثم تُطْلَقُ على الولد، وعلى الوَالِدِ؛ قال - تعالى -: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفلك المشحون﴾ [يس: ٤١] وقوله - سبحانه -: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ ؛ كقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ، والفاء في «فَلَهَا» جوابُ «إنْ» .
فصل في تقييدات ثلاثة ذكرها الرازي في الآية
قال ابن الخطيب: ظَاهِرُ هذه الآية فِيهِ تَقْيِيداتٌ ثلاثة:
стр. 3921
الأول: أن ظاهرهَا يَقْتَضِي أن الأخْتَ إنَّما تأخُذ النِّصْفَ عند عدم الولد فأما عند وجود الولد، فإنها لا تأخذ النصف، وليس الأمر كذلك بل شرط كون الأخت تأخذ النصف ألَاّ يكون للميت ولد ابن، وهذا لا يرد على ظاهر الآية؛ لأن المقصُودَ من الآيَةِ بيانُ أصْحَاب الفُرُوضِ ومُسْتَحقِّيها، وفي هذه الصُّورَة إنما تأخذ النِّصْف بالتعصيب لا بكونه مَفْروضاً أصالة، بل لِكَوْنه ما بَقِي بدليل أنه لو كان معها بنتان، فإن لها الثلث الباقي بعد فرض البنتين.
الثاني: ظاهر الآية يَقْتَضِي أنَّه إذا لم يَكُن للميت ولد ولا والِدٌ؛ لأن الأخْت لا ترثُ مع الوالِدِ بالإجْمَاعِ، وهذا لا يرد - أيضاً - على ظاهرِ الآية في الكلالةِ، وشَرطُها عدم الولدِ والوَالِد.
الثالث: أن قوله: «وله أخت» المراد منه الأخت من الأبَوَيْن، ومن الأبِ؛ لأن الأخْتَ من الأم، والأخَ من الأمِّ قد بَيَّن الله حُكْمَه في أوَّل السُّورَة.
وقوله : ﴿وَهُوَ يَرِثُهَآ﴾ لا محلَّ لهذه الجملة من الإعراب؛ لاستئنافها، وهي دالةٌ على جواب الشرط، وليست جواباً؛ خلافاً للكوفيِّين وأبي زيد، وقال أبو البقاء: «وقد سدَّتْ هذه الجملةُ مَسَدَّ جواب الشرط» ، يريد أنها دالةٌ كما تقدَّم، وهذا كما يقول النحاة: إذا اجتمع شرطٌ وقسم، أُجِيبَ سابقهما، وجعل ذلك الجوابُ سادّاً مسدَّ جواب الآخر، والضَّميران من قوله: «وهو يَرِثُهَا» عائدان على لفظ امرئ وأخت دون معناهما، فهو من باب قوله: [الطويل]
١٩١١ - وَكُلُّ أُنَاسٍ قَارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ... وَنَحْنُ خَلَعْنَا قَيْدَهُ فَهْوَ سَارِبُ
وقولهم: «عنْدي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ» ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ [فاطر: ١١] ، وإنما احتيج إلى ذلك؛ لأنَّ الحيةَ لا تُورثُ، والهالكَ لا يرثُ، فالمعنى: وامْرَأ آخَرَ غيرَ الهَالِكِ يَرِثُ أختاً له أخْرَى.
فصل
المعنى: إن الأخَ يَسْتغْرِق ميراث الأخْتِ، إن لم يكُن للأخْتِ ولدٌ، فإن كان لها ابْنٌ، فلا شيء للأخ، وإن كان ولدُهَا أنْثَى، فللأخِ ما فضُل عن فَرْضِ البَنَاتِ، وهذا في الأخ للأبَوَيْنِ أو [الأخِ] للأب، فأما الأخ للأمِّ؛ فإنه [لا يَسْتَغْرِقُ الميراثَ، ويَسْقُط بالوَلَدِ] .
قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَتَا اثنتين﴾ الألف في «كَانَتَا» فيها أقوال:
стр. 3922
أحدهما: أنها تعود على الأختين يدلُّ على ذلك قوله: «ولَهُ أختٌ» ، أي: فإن كانت الأختان اثنتين، وقد جَرَتْ عادةُ النحويّين أن يسألوا هنا سؤالاً، وهو أنَّ الخبر لا بُدَّ أن يفيد ما لا يفيدُهُ المبتدأ، وإلَاّ لم يكنْ كلاماً، ولذلك منعُوا: «سيِّدُ الجَارِيَةِ مالِكُهَا» ؛ لأن الخبر لم يَزِدْ على ما أفاده المبتدأ، والخبرُ هنا دَلَّ على عدد ذلك العدد مستفادٌ من الألف في «كَانَتَا» ، وقد أجابوا عن ذلك بأجْوبَةٍ منها: ما ذكره أبو الحسن الأخْفشُ وهو أنَّ قوله «اثْنَتَيْن» يدلُّ على مجرَّد الاثْنَيْنيَّة من غير تقييدٍ بصغير أو كبير أو غير ذلك من الأوصاف، يعني أن الثُّلثين يستحقَّان بمجرَّد هذا العدد من غير اعتبار قيدٍ آخر؛ فصار الكلام بذلك مُفِيداً، وهذا غيرُ واضحٍ؛ لأنَّ الألفَ في «كَانَتَا» تدلُّ أيضاً على مجرَّد الاثْنينيَّة من غير قيد بصغير أو كبير أو غيرهما من الأوصاف، فقد رجع الأمرُ إلى أنَّ الخبر لم يُفِدْ غير ما أفادَهُ المبتدأ، ومنها: ما ذكرَهُ مكي عن الأخْفَشِ أيضاً، وتبعه الزمخشريُّ وغيره؛ وهو الحَمْلُ على معنى «مَنْ» ، وتقريرُه ما ذكره الزمخشريُّ؛ قال ﵀: «فإن قلت: إلى مَنْ يرجعُ ضميرُ التثنية والجمع في قوله:» فإنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ، وإنْ كَانُوا إخْوة «؟ قلتُ: أصلُه: فإن كان مَنْ يَرِثُ بالأخوَّة اثْنتين، وإن كان من يرثُ بالأخوَّة ذكوراً وإناثاً، وإنما قيل:» فإنْ كَانَتَا، وإن كَانُوا «كما قيل:» مَنْ كَانَتْ أمَّكَ «، فكما أنَّث ضمير» مَنْ «لمكان تأنيث الخبر كذلك ثَنَّى وجمع ضميرَ مَنْ يرث في» كَانَتَا «و» كَانُوا «؛ لمكانِ تثنية الخبر وجمعه» ، وهو جوابٌ حسن.
إلا أن أبا حيان اعترضَهُ، فقال: «هذا تخريجٌ لا يَصِحُّ، وليس نظيرَ» مَنْ كانَتْ أمَّكَ «؛ لأنه قد صَرَّح ب» مَنْ «، ولها لفظٌ ومعنًى، فمن أنَّث، راعى المعنى؛ لأن التقدير: أيةُ أمٍّ كانَتْ أمكَ» ومدلولُ الخبر في هذا مخالفٌ لمدلولِ الاسمِ؛ بخلافِ الآية؛ فإن المدلولَيْنِ واحد، ولم يؤنِّث في «مَنْ كَانَتْ أمكَ» ؛ لتأنيث الخبر، إنما أنَّث لمعنى «مَنْ» ؛ إذ أراد بها مؤنَّثاً؛ ألا ترى أنك تقول: «مَنْ قَامَتْ» ، فتؤنث مراعاة للمعنَى؛ إذ أردْتَ السؤال عن مؤنَّث، ولا خبر هنا؛ فيؤنَّثَ «قَامَتْ» لأجله «. انتهى. قال شهاب الدين: وهذا تحاملٌ منه على عادته، والزمخشريُّ وغيره لم يُنْكِرُوا أنه لم يُصَرِّحُ في الآية بلفظ» مَنْ «؛ حتَّى يُفَرِّقَ لهم بهذا الفرقِ الغامِضِ، وهذا التخريجُ المذكورُ هو القولُ الثاني في الألف.
والظاهرُ أنَّ الضمير في» كَانَتَا «عائدٌ على الوَارِثَتَيْنِ، و» اثْنَتَيْنِ «خبرُه، و» لَهُ «صفةٌ محذوفة بها حصلتِ المغايرةُ بين الاسْم والخبر، والتقديرُ: فإن كانت الوارثَتَانِ اثنتَيْن من الأخَوَاتِ، وهذا جوابٌ حسنٌ، وحذفُ الصفةِ لفهمِ المعنى غيرُ مُنْكَرٍ، وإن كان أقلَّ من
стр. 3923
عكْسه، ويجوز أن يكون خبرُ» كَانَ «محذوفاً، والألفُ تعودُ على الأختين المدْلُولِ عليهما بقوله:» وَلَهُ أُخْتٌ «؛ كما تقدَّم ذكره عن الأخفش وغيره؛ وحينئذٍ يكونُ قوله:» اثْنَتَيْن «حالاً مؤكِّدة، والتقديرُ: وإنْ كانت الأختانِ له، فحذفَ» لَهُ «، لدلالةِ قوله:» وَلَهُ أُخْتٌ «عليه. فهذه أربعةُ أقوال.
فصل
أرادَ اثْنَتَيْن فَصَاعِداً، وهو أنَّ من مَاتَ له أخواتٌ فَلَهُنَّ الثُلُثَانِ.
قوله تعالى: ﴿وَإِن كانوا﴾ في هذا الضمير ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه عائد على معنى» مَنْ «المقدرة، تقديرُه:» فإنْ كَانَ مَنْ يَرِثُ إخْوَة «؛ كما تقدَّم تقريره عن الزمخشريِّ وغيره.
الثاني: أنه يعود على الإخْوَة، ويكون قد أفاد الخبر بالتفصيل؛ فإنَّ الإخوة يشمل الذُّكُورَ والإنَاث، وإن كان ظاهراً في الذكور خاصَّة، فقد أفاد الخبر ما لم يُفِدْه الاسم، وإن عاد على الوارث، فقد أفاد ما لم يُفِدْه الاسم إفادةً واضحةً، وهذا هو الوجهُ الثالثُ، وقوله:» فَلِلذَّكَرِ «، أي: منهم، فحُذِفَ لدلالةِ المعنَى عليه.
فصل
هذه الآيةُ دَالَّةٌ على أنّ الأخْتَ المَذْكُورة لَيْسَت هي الأخْت للأمِّ.
رُوِي أن الصِّديق ﵁ قال في خُطْبَتهِ: ألا إنّ الآية الَّتِي أنْزَلَهَا الله - تعالى - في سُورة النِّسَاء في الفَرَائِض؛ فأولها: في الوَلَدِ والوَالِدِ، وثانيها: في الزَّوْج والزَّوْجَة والإخْوَة من الأمِّ، والآية التي ختم بها السُّورة في الإخْوَة والأخَوَاتِ، والآيَةُ التي خَتَم بها في سُورة الأنْفَالِ أنْزَلَها في أولي الأرْحَامِ.
قوله - تعالى -: ﴿يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ:
أظهرها: أن مفعول البيان محذوفٌ، و «أن تَضِلُّوا» مفعولٌ من أجله؛ على حذفِ مضاف، تقديره: يُبَيِّنُ اللَّهُ أمْرَ الكلالةِ كراهة أنْ تَضِلُّوا فيها، أي: في حُكْمِهَا، وهذا تقديرُ المبرِّد.
والثاني - قول الكسائي والفراء وغيرهما من الكوفيين -: أنَّ «لا» محذوفةٌ بعد «أنْ» ، والتقدير: لئلَاّ تَضِلُّوا، قالوا: وحذفُ «لا» شائعٌ ذائعٌ؛ كقوله: [الوافر]
١٩١٢ - رَأيْنَا مَا رَأى البُصَراءُ فِيهَا ... فَآلَيْنَا عَلَيْهَا أنْ تُبَاعَا
стр. 3924
أي: ألَاّ تُبَاعَ، وقال أبو إسحاق الزَّجاج: «هو مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١] أي: لئلا تَزُولا، وقال أبو عبيد:» رَوَيْتُ للكسائيِّ حديث ابن عُمَر وهو: «لا يَدْعُونَّ أحدُكُمْ على وَلَدِهِ أن وَافَقَ مِنَ الله إجَابَة» فاستحسنه، أي: لئلَاّ يوافق.
قال النَّحَّاس: المعنى عند أبي عُبَيْد: لئلا يُوافِق من اللَّه إجابة، وهذا القَوْلُ عند البصريِّين خطأ؛ لأنهم لا يُجِيزُون إضْمَار «لا» ، والمعنى عندهُم: يبيِّن الله لَكُم كرَاهَة أنْ تَضِلُّوا، ثم حذف؛ كما قال: ﴿ [واسأل القرية] ﴾ [يوسف: ٨٢] ، وكذا معنى الحديث، أي كَراهَة أن يُوافِقَ من اللَّه إجَابَة.
ورجَّح الفارسيُّ قول المبرِّد؛ بأنَّ حذفَ المضاف أشيعُ من حذف «لا» النافية.
الثالث: أنه مفعول «يُبَيِّنُ» ، والمعنى: يبيِّن الله لكُمُ الضلالة، فتجتنبونَها؛ لأنه إذا بيَّن الشر اجتُنِبَ، وإذا بيَّن الخيرَ ارتُكِب.
فصل
اعلم أن في هذه السُّورَة [الشَّرِيفَة] لَطِيفَة عَجِيبة، وهي أن أوَّلَها مشتمل على بيان كمال قُدْرَة الله - تعالى -؛ لقوله: ﴿ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] وهذا دَالٌّ على سِعَة القُدْرَة، وآخِرَهَا مُشْتَمِلٌ على بيان كَمَالِ العِلْمِ، وهو قوله تعالى: ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وهذا الوَصْفَان؛ أعني: العِلْم والقُدْرَة بهما تثبت الرُّبُوبِيَّة والإلهِيَّة والجلال والعِزَّة، وبهما يَجب على العَبْد أن يكُون مُطِيعاً للأوامر والنَّواهِي، مُنقَاداً للتَّكَالِيف.
رُوِي عن البَرَاء [بن عَازِب] قال: آخِرُ سُورَة [نَزَلت] كَامِلَة ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ الله﴾ [التوبة: ١] وآخر آية نزلت، آخر سُورة النِّسَاءِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة﴾ .
وروي [عن] ابن عباس؛ [أنَّ] آخِر آية نزلت آية الرِّبَا، وآخر سُورة نزلت: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ [النصر: ١] .
ورُوي بعدمَا نَزَلَتْ سُورة «النصْر» عاشَ رسُول الله ﷺ َ بَعْدَهَا سِتَّة أشْهُر، ثم نَزَلَتْ
стр. 3925
في طَرِيق حجَّة الوداع: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة﴾ فسمِّيت آية الصَّيْف، لأنها نَزَلَتْ في الصَّيْف، ثم نَزَلَتْ وهو وَاقِفٌ بعَرَفَات: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسلام دِيناً] ﴾ [المائدة: ٣] ، فعاش بَعْدَها إحْدَى وعِشْرِين يوماً.
عن أبيٍّ قال: قال رسُول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرَأ النِّساء فَكَأنَّمَا تَصَدَّقَ على كلِّ مَنْ وَرِثَ مِيرَاثاً، وأعْطِي مِنَ الأجْرِ كَمَنِ اشْتَرى مُحرّراً، وبَرِئ مِنَ الشِّرْك، وَكَانَ في مَشِيئةَ اللَّهِ - تعالى - مِنَ الَّذِين يَتَجَاوَزُ عَنْهُمْ» .
следующие страницы →