← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

النّدب، ندب من قام إلى الصلاة أن يجدِّدَ الطَّهَارَة وإن كان على طهرٍ لما روى عبد الله بن حنظلة بن عامر أنَّ رسُولَ الله - صلّى الله عليه وعلى آله وسلم - أمر بالوضوء عند كلِّ صلاة طاهراً، أو غير طاهر، فلما شقّ ذلك عليه أمر بالسّواك عند كل صلاة، وقال قوم: هو إعْلام من الله تعالى ورسوله أن لا وضوء عليه إلا إذا قام إلى الصَّلاة دون غيرها من الأعمال، فأذن له أن يفعل بعد الحدث ما بدا لَهُ من الأفعال غير الصلاة، كما روى ابن عبّاسِ «قال: كنا عند النّبيِّ ﷺ َ فرجع من الغائط، فأتي بطعام فقيل:» ألا تتوضأ، فقال: لَم أصَلِّ فأتَوضَّأ «. قوله سبحانه: ﴿فاغسلوا وُجُوهَكُمْ﴾ . وحدُّ الوجه من [منابت الشَّعر] إلى منتهى الذقنِ طولاً، وما بين الأذنين عرضاً يجب غسل جميعه في الوُضوء، ويجب إيصال الماء إلى ما تحت الحاجبين، وأهداب العينين، والشّارب، والعذارِ، والعَنْفَقَةِ وإن كان كثيفه. وأما العَارِضُ واللِّحية وإن كانت كثيفة لا ترى البَشْرَة من تحتها لا يجب غسل باطنها في الوُضُوءِ، بل يجبُ غسل ظاهرها، وهل يجبُ إمرار الماء لما على ظاهر ما استرسل من اللحية عن الذَّقْنِ؟ . فقال أبُو حنيفة: لا يجب؛ لأنَّ الشَّعر النازل عن حدِّ الرَّأس لا يكون حكمه حكم الرأس في جواز المَسْحِ؛ كذلك النازِل عن حدِّ الوجه لا يكون حكمه حكم الوجه في وجوب غسله، وقال غيره: يجب إمرار الماء على ظاهره؛ لأنَّ الله تعالى أمَرَ بغسل الوَجْهِ، والوجهُ ما يقع به المواجهة، قال ابنُ عباسٍ: يجبُ غسل داخل العينين؛ لأنَّهُ من الوجه، وقال غيره: لا يجبُ للحرج. والمضمضة والاستنشاق يجبان في الوضوء. والغسلُ عند أحمد وإسحاق وعند الشَّافِعِيِّ لا يجبان بناء على أنهما من الباطِنِ، ولو نبت للمرأة لحية؟ وجب إيصال الماء إلى جلدَةِ الوجه، وإن كانت كثيفة. قوله [سبحانه] : ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق﴾ .

стр. 3992

في «إلى» هذه وجهان: أحدهما: أنَّها على بابها من انتهاء [الغاية] ، وفيها حينئذٍ خلاف. فقائل: إن ما بعدها لا يدخُلُ فيما قبلها. وقائل بعكس ذلك. وقائلٌ: لا تعرض لها في دخول ولا عدمه، وإنَّما [يدور] الدخول والخروج مع الدَّليل وعدمه. وقائل: إن كان ما بعدها من جنس ما قبلها [دخل] في الحكم، وإلَاّ فلا، ويُعْزَى لأبي العبَّاس. وقائل: إن كان ما بعدها من غير جنس ما قبلها لم يدخل، وإن كان من جنسه، فيحتمل الدخول وعدمه. وأوَّلُ هذه الأقوال هو الأصَحُّ عند النُّحاة. قال بعضهم: وذلك أنَّا حيث وجدنا قرينة مع «إلى» ، فإن تلك القرينة تقتضي الإخراج مما قبلها، فإذا ورد كلام مجرد عن القرائن، فينبغي أن يحمل على الأمر الفاشي الكثير، وهو الإخراج، وفرق هذا القائل بين «إلى» و «حتّى» فجعل «حتى» تقتضي الإدخال، و «إلى» تقتضي الإخراج بما تقدَّم من الدَّليل. [وهذه الأقوال دلائلها في غير هذا الكتاب، وقد أوضحتها في كتابي «شرح التسهيل» ] . والوجه الثاني: أنَّهَا بمعنى «مع» أي: مع المرافِقِ، وقد تقدَّمَ الكلامُ في ذلك عند قوله: «إلى أمْوالِكُمْ» . و «المرافِق» جمع «مَرْفِق» بفتح الميم وكسر الفاء على الفصيح من اللغة، وهو مِفْصَلٌ بين العَضُدِ والمِعْصَمِ. فصل ذهب أكثرُ العلماء إلى وجوب غسلِ اليديْنِ مع المرفقين والرجلين مع الكعبين. وقال مالكٌ والشعبيُّ ومُحمَّد بنُ جرير وزفَرُ: لا يجب غسلُ المرفقين والكعبين في اليد والرجّل؛ لأن حرف «إلى» للغاية، والحدّ لا يدخل في المحدود، وما يكون غاية للحكم يكون خارجاً عنه كقوله: ﴿أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] . والجوابُ: أنَّ حدَّ الشيء قد يكون منفصلاً عن المحدود بمقطع محسوس، فها هنا

стр. 3993

يكون الحد خارجاً عن المحدود كقوله: ﴿أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] فإنَّ النَّهار مُنفَصِلٌ عن الليل انفصالاً محسوساً، وقد لا يكون منفصلاً كقولك: «بعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف» ، فإن طرف الثوب غير منفصل عن الثوب بمقطع محسوس فإذا كان كذلك فامتياز المرفق عن السَّاعد ليس له مفصل معين؛ فوجب غسله. وثانياً: سلّمنا أنّ المرفق لا يجب غسله، إلَاّ أنَّ المرفقَ اسم لما جاوز طرف العظم؛ لأنَّهُ هو الذي يرتفق به أي يتَّكِئ عليه، ولا نِزَاع أنَّ ما وراء طرف العظم لا يجب غسله، قاله الزجاج. فصل في غسل ما أمكن مما هو دون المرفق فإن قطع ما دون المرفق؛ وجب غسل ما بقي؛ لأنَّ محل التكليف باقٍ وإن كان قطع مما فوق المرفق لم يجب؛ لأنَّ محلّ التّكليف زال، وإن كان قطع من المرفق؛ فقال الشافعي: يجب إمساسُ [الماء عند ملتقى العظمين؛ وجب مساس] لطرف العظم؛ لأنَّ غسل المرفق كان واجباً، وهو عبارة عن ملتقى العَظْميْنِ، فوجب إمساسُ الماء عند ملتقى العَظْمَيْنِ، وجب إمْسَاس لطرف العظم الباقي لا محالة. قوله عزَّ وعلا: ﴿وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ . في هذه «الباء» ثلاثةُ أوْجُه: أحدها: أنَّها للإلصاق، أي: ألصقوا المسح برؤوسكم. قال الزمخشريُّ: المرادُ إلصاق المَسْحِ بالرَّأسِ، وما مسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما مُلْصق المسح برأسه. قال أبو حيَّان: وليس كما ذكر، يعني أنَّهُ لا يطلق على [الماسح] بعض رأسه، أنَّهُ ملصق المسح برأسه، وهذا مُشَاحَّةٌ لا طَائِلَ تحتها. والثاني: أنها زائدة كقوله: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] . وقوله: [البسيط] ١٩٣٢ - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... لا يَقْرَأنَ بالسُّوَرِ وهو ظاهرُ كلام سيبويْهِ، فإنَّهُ حكى: خشَّنت صدره وبصدره، ومسحت رأسه وبرأسه، والمعنى واحد.

стр. 3994

وقال الفرَّاءُ: تقول العربُ: خذ الخِطَامَ، و [خذ] بالخطام. وَهزَّ به، وخذ برأسه ورأسه. والثالث: أنَّها للتبعيضِ، كقوله: [الطويل] ١٩٣٣ - شَرِبْنَ بِمَاءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ..... ... ... ... ... ... . وهذا قول ضعيفٌ، وتقدَّم الكلامُ في ذلك في أول البسملة. فصل في ذكر الخلاف في القدر الواجب من مسح الرأس اختلف العلماء في قدر الواجب من مَسح الرَّأسِ، فقال مالكٌ وأحْمَدُ: يجب مسح جميع [الرأس كما يجب مسح جميع] الوجه في التيمم وقال أبو حنيفة: يجب مسح ربع الرَّأس. وقال الشافعيُّ: قدر ما يطلق عليه اسم المسح، واحتج الشافعيُّ بأنَّهُ لو قال مسحت بالمنديلِ، فهذا لا يصدق إلا عند مسحه بكلِّه، ولو قال: مسحتُ يدي بالمنديلِ، فهذا يكفي في صدقه مسح اليَدِ بجزء من أجْزَاءِ ذلك المنديل. فقوله [سبحانه] : ﴿وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ يكفي في العملِ به مَسْحُ اليد بجزء من أجْزَاء الرَّأسِ وذلك الجزء غير مقدّر في الآية، فإن قدَّرْناهُ بمقدار معين لم يتعين ذلك المقدار إلا بدليل غير الآية، فيلْزَمُ صيرورة الآية مجملة، وهو خلاف الأصل، وعلى ما قلناه تكونُ الآية مبينةٌ مفيدة، فهو أولى، ويؤيِّده ما روي عن المغيرة بن شُعْبَةَ «أنَّ النبي ﷺ َ توضأ فمسح بناصيته وعلى عمامته وخُفَّيْه» . وأجاز أحمد المسح على العمامَةِ، ووافقه الأوزاعيُّ [والنوويُّ] والثوريُّ، ومنعه غيره. وحمل الحديث على أنَّ فرض المسح سقط عنه بِمَسْحِ النَّاصية. فصل قال القرطُبِيُّ: لو غسل المتوضِّئ رَأسَهُ بدل المسح، قال ابن العربيِّ: لا نعلم

стр. 3995

خلافاً في أن ذلك يجزئه إلا ما نُقِلَ عن بعضهم أنَّ ذلك لا يجزئ. وهذا مَذهَبُ أهل الظَّاهر. فإن قيل: هذه زيادة خرجت عن اللَّفظ المتعبَّد به. قلنا: ولم يخرج عن معناه في إيصال الفعل إلى المحلّ، وكذلك لو مسح رأسه ثم حلقه لم يكن عليه إعادة المسح. قوله : ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ . قرأ نافعٌ، وابن عامرٍ، والكسائيُّ، وحفص عن عاصم «أرْجُلَكُمْ» نَصْباً، وباقي السبعة «وَأرْجُلِكُمْ» جَرًّا. والحسن بن أبي الحسن «وَأرْجُلُكُمْ» رفعاً. فأمَّا قراءة النَّصْبِ ففيها تخريجان: أحدهما: أنها معطوفة على «أيْدِيكُم» ، فإن حكمها الغُسْل كالأوجه والأيدي. كأنه قيل: واغسلوا أرجلكم، إلا أن هذا التَّخريج أفسده بعضهم؛ بأنَّهُ يلزم منه الفصل بين المتعاطفين بجملة [غير] اعتراضية؛ لأنها منشئة حكماً جديداً، فليس [فيها] تأكيد للأول. وقال ابنُ عُصْفُورٍ - وقد ذكر الفصل بين المتعاطفين -: وأقبح ما يكون ذلك بالجمل، فدل [قوله] على أنه لا يجوز تخريج الآية على ذلك. وقال أبو البقاء عكس هذا، فقال: هو مَعْطُوفٌ على الوجوه، ثم قال: وذلك جائز في العربيّة بلا خلاف. وجعل السنّة الواردة بغسل الرِّجلين مقوية لهذا التخريج، فليس بشيء. فإنَّ لقائلٍ أن يقول: يجوز أن يكون النَّصب على محل المجرور [وكان حكمها المسح، ولكنه نسخ ذلك بالسُّنَّة، وهو قول مشهور العلماء. والثاني: أنه منصوب عطفاً على قبله] كما تقدم تقريره قبل ذلك. وأمَّا قراءة الجرِّ ففيها أربعة تخاريج:

стр. 3996

أحدها: أنها منصوب في المعنى عطفاً على الأيدي المغسولة، وإنَّمَا خفض على الجوار، كقولهم: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خربٍ، بجر «خَربٍ» ، وكان حقه الرفع؛ لأنَّهُ صفة في المعنى ل «الجحر» لِصحة اتصافه به، والضَّب لا يوصف به، وإنما جره على الجوارِ. وهذه المسألة عند النَّحويين لها شرط، وهو أن يُؤمَنَ اللَّبْسُ كما تقدم تمثيله، بخلاف: قام غلامُ زَيْدٍ العاقِلُ، إذا جعلت العاقل نعتاً للغلام، امتنع جره على الجوارِ لأجل اللَّبْسِ. وأنشدوا - أيضاً - قول الشاعر: [البسيط] ١٩٣٤ - كأنَّمَا ضَرَبَتْ قُدَّامَ أعْيُنِهَا ... قُطْناً بِمُسْتَحْصِدِ الأوْتَارِ مَحْلُوج وقول الآخر: [الوافر] ١٩٣٥ - فإيَّاكُمْ وَحَيَّةَ بطنِ وَادٍ ... هَمُوزِ النَّابِ لَيْسَ لَكُمْ بِسِيِّ وقول الآخر: [الطويل] ١٩٣٦ - كَأنَّ ثَبِيراً فِي عَرَانِينِ وَبْلِهِ ... كَبِيرُ أنَاسٍ في بِجَادٍ مُزَمَّلِ وقول الآخر: [الرجز] ١٩٣٧ - كَأنَّ نَسْجَ العُنْكَبُوتِ المُرْمَلِ ... بجر «مَحْلُوج» وهو صفة ل «قطناً» المنصوب وبجر «هموز» ، وهو صفة ل «حية» المنصوب، وبجر «المُزَمِّل» وهو صفة «كبير» ؛ لأنَّه بمعنى المُلْتَف، وبجر «المُرْمَل» وهو صفة «نسج» ، وإنما جرت هذه لأجل المُجَاورة. وقرأ الأعمش: ﴿إِنَّ الله هُوَ الرزاق ذُو القوة المتين﴾ [الذاريات: ٥٨] بجر «المتين» مجاورة ل «

стр. 3997

القوة» وهو صفة ل «الرزاق» ، وهذا وإن كان وارداً إلا أن التخريج عليه ضعيفٌ لضعف الجوار من حيثُ الجملة. وأيضاً فإن الخفض على الجوار إنَّما وَرَدَ في النعت لا في العطف، وقد ورد في التوكيد قليلاً في ضرورة الشِّعْر. قال: [البسيط] ١٩٣٨ - يَا صَاحِ بَلِّغْ ذَوِي الزَّوْجَاتِ كلِّهم ... أنْ لَيْسَ وَصْلٌ إذَا انْحَلَّتْ عُرَى الذَّنَب بجر «كلهم» وهو توكيدٌ ل «ذوي» المنصوب، وإذا لم يردا إلَاّ في النَّعت، وما شذَّ من غيره، فلا ينبغي أن يُخَرَّج عليه كتاب الله [تعالى، وهذا المسألة قد أوضحتها وذكرت شواهدها في «شرح التسهيل» ] ، وممن نص على ضعف تخريج الآية على الجوار مكي ابن أبي طالب وغيره. قال مكي، وقال الأخفشُ، وأبو عُبيدةَ: الخفضُ فيه على الجوارِ، والمعنى للغُسْلِ، وهو بعيد لا يُحْمَلُ القرآن عليه. وقال أبُو البقَاءِ: وهو الإعراب الذي يقال: هو على الجوار، وليس بممتنع أنْ يقع في القرآن لكثرته، فقد جاء في القرآن والشعر. فمن القرآن قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] على قراءة من جَرَّ وهو معطوف على قوله: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨] وهو مختلف المعنى؛ إذ ليس المعنى يطوف عليهم ولدان مُخَلَّدون بحور عين. وقال النَّابِغَةُ: [البسيط] ١٩٣٩ - لَمْ يَبْقَ إلَاّ أسيرٌ غَيْرُ مُنْفَلِتٍ ... أوْ مُوثقٍ في حِبَالِ الْقَوْم مَجْنُوبِ والقوافي مجرورة، والجِوَارُ مشهور عندهم في الإعراب [ثم ذكر أشياء كثيرة زعم أنها مقوية لمدّعاه منها قلب الإعراب] في الصفات كقوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾ [

стр. 3998

هود: ٨٤] ، واليوم ليس بمحيطٍ، وإنَّما المحيط هو العذابُ. ومثله قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] ، وعاصف ليس من صفة اليوم بل من صفة الريح. ومنها قلب بعض الحُرُوفِ إلى بعض كقوله ﵇: «ارْجعْنَ مأزُورَاتٍ غَيْرَ مأجُورَاتٍ» ، والأصل: مَوْزُورات، ولكن أريد التَّوَاخي. وكذلك قولهم: [إنَّهُ] ليأتينا بالغدايا والعَشَايا، يعني أن الأصل بالغَدَاوى؛ لأنَّها من الغُدْوَة، ولكن لأجل ياء العشايا جاءت بالياء دون الواو. ومنها تأنِيثُ المذكَّرِ كقوله تعالى: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ، فحذف التاء من «عشر» ، وهي مضافة إلى «الأمْثَالِ» ، وهي مذكرة، ولكن لما جاورت الأمثال ضمير المؤنَّثِ أجري عليها حكمه، وكذلك قوله: [الكامل] ١٩٤٠ - لمَّا أتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تواضَعت ... سُورُ المدينَةِ والْجِبَالُ الْخُشَّعُ وقولهم: ذهبت بَعْضُ أصابعه يعني أن «سور» مذكرة، «وبعض» - أيضاً - كذلك، ولكن لما جَاوَرَوا المؤنث أعْطِيَا حكمه. ومنها: قامت هندُ لما لم يفصلوا، أتَوْا بالتَّاءِ، ولمَّا فصلوا لم يأتوا بها، ولا فَرْقَ إلا المجاورة وعدمها. [ومنها:] استحسانهم النَّصْبَ في الاشتغال بعد جملة فعليَّةٍ، في قولهم: قام زيد وعمراً كلمته لمجاورة الفعل. ومنها: قلبهم الواو المجاورة للظّرف همزة نحو: أوائل بخلاف طواويس لبعدها من مجاورة الظرف. قال: وهذا مَوضِعٌ يحتمل أن يكتب فيه أوراق من الشواهد، قد بوّب له النحويون له [باباً] ورتَّبُوا عليه مسائل، وأصَّلُوه بقولهم: هذا جُحْر ضبٍّ خَرِبٍ. [حتى] اختلفوا في جواز جرِّ التثنية والجمع، فأجاز الإتباع فيهما جماعة من حُذَّاقهم قياساً على المُفْرد المَسْمُوعِ، ولو كان لا وجه له بحال لاقتصروا فيه على

стр. 3999

المسموع فقطْ، ويتأيَّدُ ما ذكرناه أن الجرَّ في الآية قد أجيز غيره وهو الرّفع والنّصب، والرّفع والنّصب غير قاطعين ولا ظاهرين، على أن حكم الرِّجْلين المسح، فكذلك الجرّ يجب أن يكون كالنَّصْبِ والرفع في الحكم دون الإعراب. انتهى. قال شهاب الدين: أمَّا قوله: إنّ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] من هذا الباب فليس بشيء؛ لأنَّهُ إمَّا أنْ يُقَدَّرَ عطفهما على ما [تقدَّم بتأويل] ذكره الناس كما سيأتي، أو بغير تأويل. وإما ألَاّ يعطفهما، [فإن عطفهما على ما تقدم، وجب الجر، وإن لم يعطفهما لم يجب الجر، وأمّا جرهما على ما ذكره الناس فقيل: لعطفهما] على المجرور بالياء قبلهما على تضمين الفعل المتقدم «يتلذّذون وينعمون بأكواب وكذا وكذا» . أو لا يُضَمَّن الفعل شيئاً، ويكون لطواف الولدان بالحور العين على أهل الجنَّةِ لَذَاذَةٌ لهم بذلك، والجوَارُ إنَّمَا يكون حيث يستحقُّ الاسم غير الجر، فيجر لمجاورة ما قبله، وهذا كما ترى قد صَرَّح هو أنَّهُ معطوف على «بأكواب» . غاية ما في الباب أنَّه جعله مختلف المعنى، يعني أن عنده لا يجوز عطفهما على «بأكْوَابٍ» إلا بمعنى آخر، وهو تضمين الفعل، وهذا لا يقدحُ في العطفية. وأمَّا البيتُ فجَرُّ «موثّق» ليس لجواره ل «منفلت» وإنَّما هو مراعاة للمجرور ب «غير» ؛ لأنَّهم نصوا على أنَّك إذا جئت بعد «غير» ومخفوضها يتابع جاز أن يتبع لفظ «غير» ، وأن يتبع المضاف إليه، وأنشدوا البيت، ويروى: [البسيط] ١٩٤١ - لَمْ يَبْقَ [فيها طَرِيدٌ] غَيْرُ مُنْفَلِتٍ ... أوْ موثقٍ في حِبَالِ الْقَوْمِ مَجْنُوبِ وأما باقي الأمثلة التي أوردها فليس من المجاورة التي تؤثر في التغيير، أي تغيير الإعراب، وقد تقدَّم أنَّ النَّحويين خصَّصوا ذلك بالنَّعت، وأنَّهُ قد جاء في التوكيد ضرورة. والتَّخْرِيج الثاني: أنَّهُ معطوف على «بِرءُوسِكُم» لفظاً ومعنى، ثم نسخ ذلك بوجوب الغسل، وهو حكم باقٍ، وبه قال جماعة، أو يحمل مسح الأرْجُلِ على بعض الأحوال، وهو لُبْسُ الخُفِّ، ويُعْزَى للشافعيِّ. التخريج الثالث: أنَّها جُرَّتْ مَنْبَهَةً على عدم الإسراف باستعمال الماء؛ لأنَّها مظنَّةٌ لصبِّ الماء [كثيراً] ، فعطفت على الممسوح، والمرادُ غسلها كما تقدّم.

стр. 4000

وإليه ذهب الزمخشريُّ، قال: «وقيل: إِلَى الكعبين» فجيء بالغاية إمَاطَةً لظن ظَانٍّ يحسبهما مَمْسُوحَةً؛ لأنَّ المسح لم تُضْرَبْ له غاية في الشريعة. وكأنَّهُ لم يَرْتَض هذا القول الدافع لهذا الوَهْمِ، وهو كما قال. التخريج الرابع: أنها مجرورة بحرف جر مقدر، دَلَّ عليه المعنى، ويتعلّق هذا الحرف بفعل محذوفٍ أيضاً يليق بالمحلّ، فيُدَّعى حذف جملةٍ فعليةٍ وحَذْفُ حرف جر، قالوا: وتقديره: «وافعلوا بأرْجُلِكُم غَسْلاً» . قال أبُو البَقَاء: وحَذْفُ حرف الجَرِّ، وإبقاء الجرّ جائزٌ؛ كقوله: [الطويل] ١٩٤٢ - مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحينَ عَشِيرَةً ... وَلَا نَاعِبٍ إلَاّ بِبَيْنٍ غُرَابُهَا وقال الآخر: [الطويل] ١٩٤٣ - بَدَا لِيَ أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ مَا مَضَى ... ولا سَابِقٍ شَيْئاً إذَا كَانَ جَائِيَا فجر بتقدير الباء، وليس بموضع ضرورة. قوله: وإبقاء [الجرّ] ليس على إطلاقه، وإنَّما يطردُ منه مواضع نصَّ عليها أهل اللِّسَانِ ليس هذا منها. وأمَّا البيتان فالجرُّ فيهما عند النُّحَاةِ يسمَّى العطف على التوهُّم يعني كأنَّهُ توهم وجود الباء زائدة في خبر «لَيْسَ» ، لأنها يكثر زيادتها، ونظَّروا ذلك بقوله تعالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصالحين﴾ [المنافقون: ١٠] بجزْمِ «أكن» عَطْفاً على «فأصَّدقَ» على توهُّم سقوط الفاء من «فأصَدَّق» نص عليه سيبويه وغيره، فظهر فسادُ هذا التخريج. وأما قراءة الرَّفْع فعلى الابتداء، والخبرُ محذوفٌ، أي: وأرْجُلكم مغسولة، أو ممسوحة على ما تقدَّم في حكمها [والكلام] في قوله «إلى الكَعْبَيْنِ» كالكلام في «إلى المرفقين» . «والكَعْبَان» فيهما قولان [مشهوران] . أشهرهما: أنَّهُما العظمان الناتئان عند مفصل السَّاق والقَدمِ في كل رجل كعبان.

стр. 4001

والثاني: أنَّهُ العظم النّاتئ في وجه القَدَمِ، حيث يجتمع شراك النَّعْلِ، ومراد الآية هو الأوَّل. والكَعْبَةُ، كُلُّ بيت مُرَبَّع، وسيأتي [بيانه] في موضعه إن شاء الله - تعالى -. فصل قد تقدَّم كلام النُّحاة في الآية. وقال المُفَسِّرون: من قرأ بالنصْب على تقدير: «فاغْسِلُوا وجوهكم، وأيديكم، واغسلوا أرجلكم» ومن قرأ بالجرِّ فذهب بعضهم إلى أنَّه يمسح على الرجلين. روي عن ابن عباس أنَّه قال: «الوُضُوء غَسْلتَانِ وَمَسْحَتَانِ» ، ويروى ذلك عن عكرمة وقتادةَ. قال الشَّعبيُّ: نزل جبريل بالمسحِ، وقال: ألا ترى التيمُّمَ ما كان غسلاً، ويلقى ما كان مسحاً. وقال مُحَمَّدُ بْنُ جرير: يتخيرُ المتوضئ بين المسح على الخفين وبين غسل الرجلين، وذهب جماعةُ من أهل العلم من الصحابَةِ والتابعين وغيرهم إلى وجوب غسل الرجلين، وقالوا: خفض اللام في الأرجل على مجاورة اللفظ لا على موافقة الحكم كقوله: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٦] ، فالأليم صفة العذاب، ولكنَّه جرّ للمجاورة كقولهم: «جُحْرُ ضَبٍّ خَرِب» . ويدلُّ على وجوب غسل الرِّجلين ما روى عبد الله بن عمرو، قال: «تخلفَ عنا رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في سفر سافرناهُ، فأدركناه وقد راهقتنا صلاة العصر ونحن نتوضّأ، فجعلنا نمسحُ على أرْجُلِنَا، فَنَادَانَا بأعلى صوته:» وَيْلٌ للأعْقَابِ مِنَ النَّار «. والأحاديثُ الواردة في صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كثيرة، وكلهم وصفوا غسل الرجلين.

стр. 4002

وقال بعضهم: أراد بقوله «وأرْجلكُم» : المسح على الخفين، كما رُوي أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - «كَانَ إذا رَكَع وضَعَ يَدَهُ على رُكْبَتَيْهِ» ، وليس المرادُ منه أنَّهُ لم يكن بينهما حائل، ويقالُ: قبَّلَ فلان رأس الأمير ويده، وإنْ كانت العمامة على رأسِهِ ويده في كمه فالواجب في غسل أعضاء الوضوء هذه الأربعة. فصل: حكم النيّة في الوضوء اختلفوا في وجوب النية فذهب أكثر العلماء إلى وجوبها لأن الوضوء عبادة فيفتقر إلى النية كسائر العباداتِ، ولقوله ﵇: «إنَّما الأعْمَالُ بالنيَّات» وذهب النووي وأصحاب الرّأي إلى عدم وجوبها. فصل [حكم الترتيب] واختلَفُوا في وجوب الترتيب وهو أن يغسل أعضاءه على التَّرْتيب المذكور في الآية فذهب مالكٌ والشافعيُّ، وأحمد وإسحاق إلى وجوبه، ويروى ذلك عن أبي هريرة، واحتجُّوا بقول الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ﴾ فاقتضى وجوب الابتداء بغسل الوجه؛ لأنَّ الفاء للتّعقيب، وإذا أوجب الترتيب في هذا العضو؛ وجب في غيره، إذ لا قائل بالفرق. [قالوا: فاء التعقيب إنما دخلت] في جملة هذه الأعمال، فجرى [الكلام] مجرى قوله: إذا قُمتمْ إلى الصلاةِ، فأتوا بمجموع هذه الأفعال. قلنا: فاء التّعقيب إنّما دخلت على الوجه لالتصاقها بذكر الوجه، وبواسطة دخولها على الوجْهِ، دخلت على سائر الأفعالِ، فكان دخولها على الوجه أصل، ودخولها على المجموع تبع لدخولها على غسل الوجه، فنحنُ اعتبرنا دلالة الفاء في الأصْلِ، واعتبرتموها في التبع، فكان قولنا أولى. وأيضاً فقوله ﵊ ُ -: «ابْدَءوا بما بَدَأ اللَّهُ بِه» يقتضي العموم، وأيضاً فإهمال الترتيب في الكلام مستقبح فيجب تنزيه كلام الله تعالى عنه، وكونه تعالى أدرجَ ممسوحاً بين مغسولَيْن، وقطع النّظير عن النظير، يدلُّ على أنَّ التَّرتيب مراد. وأيضاً فإن وجوبَ الوضُوءِ غير معقول المعنى؛ لأنَّ الحدث يخرج من موضع

стр. 4003

والغسل يجب في موضع آخر، وأعضاء المحدث طَاهِرَةٌ، لأنَّ الميت لا ينجس حيّاً ولا ميتاً، وتطهير الطَّاهر محالٌ. وأقيم التيمم مقام الوضوء وهو ضدّ النظافة والوضاءة، وأقيم المَسْح على الخفين مقام الغسل، وذلك لا يفيدُ في نفس العُضْوِ نظافة ألْبَتَّةَ. والماء [العَفِن] الكَدِرُ يفيد الطَّهارة، وماء الورد لا يفيدها، وإذا كان غير معقول المعنى وجب الاعتماد فيه على مورد النَّصِّ لاحتمال أن يكون الترتيب المذكور إما لمحض التعبد، أو لحكمة خفية لا نعرفها، ولهذا السّبب أوجبنا الترتيب في أركان الصلاة، وذهب جماعة منهم أبو حنيفة إلى أن الترتيب ليس بواجب، قالوا: لأنَّ ذلك زيادة على النَّصِّ فلا يجوز؛ لأنَّه نَسخٌ. والواوات المذكورة [في الآية للجمع] لا للترتيب كالواوات في قوله: ﴿إِنَّمَا الصدقات﴾ الآية [التوبة: ٦٠] . واتفقوا على أنه لا يجب الترتيب في صَرْفِ الصَّدقاتِ، فكذلك هنا. وأجيبوا بأن قولهم: الزيادة على النّص نسخٌ، ممنوع على قيد في علم الأصول. وأمَّا الصَّدقات: فلم يرو عن النبيِّ ﷺ َ أنَّهُ راعى التّرتيب فيها. وفي الوُضُوءِ لم ينقل أنَّهُ توضَّأ إلا مرتباً، وبيان الكتاب يؤخذ من السُّنَّةِ، قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وقال [الله] تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: ٧٧] ، ولم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أنه قدم السُّجود على الرُّكوع، بل راعى الترتيب، فكذلك هاهنا. فصل حكم المولاة الموالاة أوجبها مالكٌ وأحْمَدُ، وقال أبو حنيفة والشَّافِعيُّ [في الجديد] ليست شرطاً لصحة الوُضُوء. فصل لو كان على وجهه أو بدنه نجاسة فغسلها أو نوى الطَّهارة عن الحدث بذلك الغُسْلِ، فقال بعض العلماء: يكفي لأنَّه أمر بالغسل، وقد أتى به، فيخرج عن العهدة، لقوله ﵊ ُ: «لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» فيجب أن يحصل له المنوي.

стр. 4004

فصل لو وَقَفَ تحت ميزاب حتى سال عليه الماء، ونَوَى رفْع الحدثِ، فقيل: لا يَصِحُّ؛ لأنه أمر بالغسلِ، والغَسْلُ عملٌ وهو لم يَأتِ بالعَملِ، وقيل: يَصِحُّ؛ لأنَّ الغَسْلَ عِبارَةٌ عن الفِعْلِ المُفْضِي [إلى الانغسال] وُوُقُوفُهُ تَحْتَ الميزَابِ فعلٌ مُفْضٍ إلى الاغتسال، فكان غُسْلاً. فصل إذا غَسَلَ هذه الأعْضَاء ثم بعد ذلك تَقَشَّرَت الجلْدَة عنها، فَمَا ظَهَر من تحت الجلْدَة غير مَغْسُولٍ، فالأظْهَرُ وجُوب غَسْلِهِ؛ لأنَّه تعالى أمَرَ بِغَسْلِ هذه الأعْضَاءِ، وذلك الموْضِعُ غير مَغْسُول، إنَّما المغْسُول هو الجِلْدَة التي زَالَت. فصل لو أخَذَ الثَّلْج وأمَرَّه على هذه الأعْضَاءِ، فإن كان الهَوَاءُ حَارًّا يُذيبُ الثَّلْجَ ويُسِيلُهُ جاز وإلا فلا، خِلافاً للأوْزَاعِي. لنا: أنَّ هذَا لا يُسَمَّى غُسْلاً، فأُمِرَ بالغسْلِ. فصل في التسمية في الغسل التَّسْمِيَةُ في أوَّل الغسل والوُضُوءِ: قال أحْمَد وإسْحَاق: واجِبَةٌ. وقال غَيْرُهُما: هي سُنَّةٌ؛ لأنَّهَا لَيْسَت مَذْكُورة في الآيَةِ، واسْتَدلُّوا عليه بقوله ﵊ ُ -: «لا صَلَاة إلَاّ بِوُضُوءٍ، ولا وُضُوءَ لِمَن لم يَذْكُرِ اسْمَ الله عليْه» . قوله - سبحانه -: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا﴾ . قال الزَّجَّاج: مَعْنَاهُ تَطَهَّرُوا؛ لأن «التَّاء» تُدْغَمُ في «الطَّاءِ» ؛ لأنَّهُمَا من مَكَانٍ

стр. 4005

واحِدٍ، فإذا أدْغِمت «التَّاء» في «الطَّاء» سُكِّنَ أوَّلُ الكَلِمَة فَزيدَ ألِفُ وصْلٍ ليُبْتَدَأ بها، فَقِيل: «اطَّهَّرُوا» . ولمَّا ذَكَر تعالى كَيْفِيَّة الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى، ذكر بعدَهَا الطَّهارة الكُبْرَى، وهي الغُسْلُ من الجَنَابَةِ. ولمَّا كانت الطَّهَارَةُ الصُّغْرى مَخْصُوصَة ببعض الأعْضَاءِ، لا جَرَم ذكر تِلْكَ الأعْضَاء على التَّعْيين، ولما كانت الطَّهَارَةُ الكُبْرَى في كُلِّ البَدَنِ أُمِرَ بها على الإطْلَاقِ. رَوتْ عَائِشَةُ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كان إذا اغْتَسَل من الجَنَابَةِ بَدَأ فَغَسَل يَدَيْهِ، ثم تَوَضَّأ كما يتوَضَّأ للصَّلاة، ثم يُدْخِلُ أصَابِعَهُ في الماءِ فَيُخَلِّل بها أصُولَ شَعْرِهِ، ثم يَصُبُّ المَاءَ على رَأسِهِ ثلاثَ غَرْفَاتٍ بيدهِ، ثم يَفيضُ الماءَ عَلى جِلْدِهِ كُلِّهِ. فصل قال القُرْطُبِي: قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا﴾ أمر بالاغْتِسَالِ بالمَاءِ، وكذلك رأى عُمَرُ وابْنُ مَسْعُودٍ: أنَّ الجُنُبَ لا يَتَيَّممُ ألْبَتَّةَ، بل يَدَعُ الصَّلاة حتى يَجِد المَاءَ، وهذا يَرُدُّهُ قوله ﵊ ُ -: «وجُعِلَ لِيَ الأرْضُ مَسْجِداً وتُرَابُها طهُوراً» وقوله: «التُّرَابُ طهُورُ المُسْلِمِ، ما لم يَجِدِ المَاءَ عَشْرَ سِنين» ، وحديثُ عُبَادة، وحديثُ عمرَان بن الحصين أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - رأى رَجُلاً معهُ ماء لم يصلّ في القومِ الحديث. فصل ولِحُصُولِ الجَنَابَةِ سَبَبَانِ: الأوَّلُ: نُزُول المَنِيِّ، قال ﵊ ُ -: «إنَّما الماءُ من المَاءِ» . والثاني: في التِقَاءِ الختانَيْنِ، وقال زَيْدُ بن ثابتٍ، ومُعاذ [وأبو سعيد الخُدْرِي:] لا يَجِبُ الغُسْلُ إلَاّ عِنْد نُزُولِ المَاءِ. لنا: قوله ﵊ ُ -: «إذا الْتَقَى الخِتَانَان وجَبَ الغُسْلُ وإنْ لَمْ يُنْزِلْ» ، وختانُ الرَّجُلِ: هو المَوْضِعُ الذي يقطع منه جِلْدَة القلفَةِ، وأما خِتَانُ المرْأةِ

стр. 4006

فَشَفْرَان مُحِيطَانِ بِثَلاثَةِ أشْيَاء: ثُقْبَةٌ في أسْفَلِ الفَرْجِ وهو مَدْخَلُ الذَّكَرِ ومَخْرَجُ الحَيْضِ والولدِ، وثُقْبَةُ [أخْرَى] فَوْقَ [هذه] مثل إحْلِيلِ الذَّكَرِ وهي مَخْرجُ البَوْلِ لا غير، [وفوق] ثُقْبَة البَوْل مَوْضِعُ خِتَانِهَا، وهُنَاكَ جِلْدَةٌ رَقيقَةٌ قَائِمَةٌ مِثْل عُرْف الدِّيك، وقَطْعُ هذه الجِلْدةِ هُو خِتَانُها، فإذا غَابَتِ الحَشْفَةُ حتى حَاذَى خِتَانُهُ خِتَانها، فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ. فصل في حكم الدلك الدَّلْكُ غير واجبٍ؛ لأنَّه لم يُذْكَر في الآيةِ، وقال ﵊ ُ - لما سُئِلَ عن الاغْتِسَالِ من الجنابَةِ - قال: «أمَّا أنَا فأحْثِي على رَأسِي ثلاثَ حَثَيَاتٍ فأنَا قد طَهُرْت» ولم يَذْكُر الدَّلْك. قال مالكٌ: هُوَ وَاجِبٌ. فصل والمَضْمَضَةُ والاسْتِنْشَاقُ واجبانِ في الغُسْلِ عِنْد أبِي حَنِيفَة وأحْمد، وقال الشَّافِعِيُّ: لا يَجِبَانِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ َ قال: «أمَّا أنَا فأحْثِي على رَأسِي ثلاثَ حَثَيَاتٍ» ولمْ يَذْكُرْهُمَا، واحتَجَّ الأوَّلُون بقوله: «فاطَّهَّرُوا» فأمر بِتَطهِير جَمِيع الأجْزَاءِ وترك العَمَل به في الأجْزَاء البَاطِنَة لتعذُّرِ تَطْهِيرها، وداخِلِ الأنْفِ والفَمِ يُمْكِنُ تَطْهِيرُها فدخَلا تَحْتَ النَّصِّ، وبِقَوْلِهِ ﵊ ُ -: «بلُّوا الشَّعْرَ وانْتِفُوا البَشَرة، فإنَّ تَحْتَ كلِّ شَعْرةٍ جَنَابَة» ، فيدخل الأنْفُ؛ لأنَّ في داخِلِهِ شَعْرٌ، وقوله: «وانتفِوا البَشَرة» يَدْخُلُ فيه جِلْدَة داخل الفَمِ؛ لأنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الظَّاهِرِ بحيث لَوْ وُضِعَ في فَمهِ لم يفطر، ولوْ وضع فيه خَمْراً لم يُحَدَّ. والأكثَرُون على عَدَمِ وُجُوبِ التَّرْتيبِ في الغُسْلِ، وقال إسحاق: يَجِبُ البَدَاءَةُ على البَدَنِ.

стр. 4007

قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الغائط أَوْ لَامَسْتُمُ النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً﴾ . قال مَكِّي: من جعل الصَّعيد: الأرْضَ، أو وَجهَ الأرْضِ نصب «صعيداً» على الظَّرْف، ومنْ جَعَل الصَّعيد: التُّرَاب نَصَبَ على أنَّهُ مَفْعُولٌ به، حذف مِنْهُ حرف الجَرِّ: بِصَعِيدٍ، و «طَيِّباً» نَعْتُهُ، أي: نَظِيف. وقيل: طيِّباً مَعْنَاهُ: حَلالاً، فَيَكُون نَصْبُهُ على المَصْدَرِ، أو على الحَالِ. فصل وهذا يَدُلُّ على جَوَازِ التَّيَمُّم للمَرِيضِ، ولا يُقَال: إنَّه شَرَط فيه عَدَمَ المَاءِ؛ لأنَّ عدم المَاءِ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ بِغَيْرِ مَرَضٍ، وإنَّما يَرْجِع قوله: ﴿فَلَمْ [تَجِدُواْ] مَآءً فَتَيَمَّمُواْ﴾ إلى المُسَافِر. والمَرضُ ثلاثةُ أقْسَامٍ: أحدها: أن يَخَافَ الضَّرَر والتَّلَفَ باسْتِعْمَال الماءِ، فهذا يجُوزُ له التَّيَمُّم بالاتِّفَاقِ. والثاني: ألَاّ يخافَ الضَّرَرَ [ولا] التَّلَفَ، فقال الشَّافِعِيُّ: لا يجُوزُ له التَّيَمُّمُ، وقال مالِكٌ وأبُو حَنِيفَة: يجُوزُ لِقَوْلِهِ: ﴿وَإِن كُنتُم مرضى﴾ . الثَّالِثُ: أنْ يَخَافَ الزِّيَادَةَ في العِلَّةِ، وبُطْءَ البرءِ، فيجوزُ لَهُ التَّيَمُمُ عند أحْمد، وفي أصَحِّ القَوْلَيْن للشَّافِعِيِّ، وبه قال مالكٌ وأبو حنيفة، فإن خَافَ بقاء شين في العُضْوِ، فقال بَعْضُهُم: لا يَتَيممُ، وقال آخَرُون: يتَيممُ وهو الصَّحِيحُ. فصل يجوز التيمم في السَّفَرِ القَصِيرِ، للآيَة، وقال بَعْضُهُم: لا يجوزُ؛ إذا كان مَعَهُ مَاءٌ وحيوانٌ مُشْرِفٌ على الهَلاك جَازَ له التَّيَمُّمُ، ووَجَب صَرْفُ المَاء إلى [ذَلِكَ] الحَيَوان. فصل فإن لَمْ يكنْ مَعَهُ ماءٌ، وكان مع غيره، ولا يُمْكِنه أن يشْتَرِيَهُ إلَاّ بالغَبْنِ الفَاحِشِ جَازَ لَهُ التَيمُّم، لقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ، فإن وَهَبَ منه ذلك الماء، فقيل: لا يَجِبُ قُبُولُه لِمَا فِيهِ مِن المنَّة، فإن أُعِير [منه] الدَّلْو والرشاء، فقال الأكْثَرُون: لا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ لِقِلَّةِ المِنَّة في هَذِه العَادَةِ.

стр. 4008

فصل إذا جَاءَ من الغَائِط وَجَب عَلَيْه الاستنْجَاءُ، إمَّا بالحَجَارَةِ، لقوله ﵊ ُ - «فليَسْتَنْجِ بِثَلاثَةِ أحْجَارٍ» . وقال أبُو حَنِيفَة: لا يَجِبُ؛ لأنَّهُ تعالى أوْجَبَ عِندَ المَجِيءِ مِن الغَائِطِ الوُضُوءَ والتَّيَمُّمَ؛ ولم يُوجِبْ غُسْلَ مَوْضِعِ الحَدَثِ. [فصل انتقاض وضوء اللامس والملموس ظاهِرُ قوله ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النسآء﴾ يَدلُّ على انتقاضِ وضوء اللَاّمس، وأمَّا انتقاض وضوء الملمُوس فَغَيْرُ مَأخُوذٍ من الآيَة، وإنَّما أُخِذَ من الخَبَرِ أو مِن القياسِ الجَليِّ] . فصل يَجُوزُ الوُضُوءُ بِمَاء البَحْرِ، وقال عَبْدُ الله بن عَمْرو بن العاصِ: «لا يَجُوزُ بل يَتَيممُ» . ولنَا: أنَّ التَيَمُّمَ شَرْطُهُ عدم المَاءِ، ومن وَجَدَ مَاءَ البَحْرِ فإنَّهُ واجِدٌ لِلمَاءِ. فصل قال أكثرُ العُلَمَاء: لا بُدَّ في التَّيَمُّمِ من النِّيَّةِ؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ عِبَارَةٌ عن القَصْدِ، وقال زفر: لا تَجِبُ. فصل في الخلاف في حد تيمم المرفقين قال الشَّافِعِيُّ وأبو حنيفة: [التيمُّمُ] في اليَدَيْن إلى المِرْفَقَيْنِ، وعن عَلِيٍّ وابن عبَّاسٍ ﵃ إلى الرُّسْغَيْنِ، وعن مَالِكٍ وغيرِهِ إلى الكُوعَيْن، [وعن] الزُّهرِي إلى الآبَاطِ. فصل في وجوب استيعاب العضو بالتراب يجب اسْتِيعَابُ العُضْوين في التَّيَمُّمِ، ونَقَل الحسنُ بنُ زِيادٍ عن أبِي حنيفة: إذا

стр. 4009

يَمَّمَ الأكْثَر جَازَ؛ لأن «البَاء» في قوله: «بِرُؤوسِكُمْ» يَقْتَضِي مَسْحَ البَعْضِ، فكذا هَاهُنَا. فصل في صفة التراب إذا لَمْ يَكُن لِلتُّرابِ غُبَارٌ يَعْلَقُ بالْيَدِ لم يَجُزِ التَّيَممُ به وهو قَوْل الشَّافِعِيِّ وأبي يُوسُف، وقال أبُو حَنيفَة ومالِكٌ: [يجزئه، وقال الشافعي: لا يجُوزُ التِّيَمُّمُ إلا بالتُّرَابِ الخَالِصِ، وقال أبو حنيفَة] : يَجُوزُ بالتُّرَاب وبالرَّمْلِ وبالخَزَفِ المَدْقُوقِ والجَصِّ والمدر والزَّرنِيخ. لنا: ما روى ابْنُ عبَّاسٍ أنه قال: «الصَّعِيدُ هُو التُّرَابُ» . فصل لو وَقَفَ في مَهَبِّ الرِّيَاحِ، فَسَفَتْ عليه التُّرابَ وأمَرَّ يَدَهُ [عليه] أوْ لَمْ يُمِرَّهَا، فظَاهِرُ مَذْهَب الشَّافِعِيّ أنَّهُ لا يَكْفي. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقين: إنَّهُ لا يَكْفِي؛ لأنَّهُ قَصَدَ اسْتِعْمال الصَّعيدِ في أعْضَائِهِ. فصل قال الشَّافِعِيُّ وأحمَد: لا يجُوز التَيَمُّمُ إلا بَعْدَ دُخُول الوَقْتِ، لقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة﴾ [والقِيَامُ إلى الصلاة] لا يكُونُ إلَاّ بَعْدَ دُخُولِ وقتها. فصل إذَا ضَرَب ثَوْباً فارْتَفَع مِنْهُ غُبَارٌ، فقال أبُو حنيفة: يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ، وقال أبُو يُوسف: لا يَجُوزُ. فصل لا يُجُوزُ التَّيَمُّمُ بتُرَابٍ نَجِسٍ، لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً﴾ والنَّجِسُ لا يكُونُ طيِّباً. وفُرُوع [التَّيَمُّم] كثيرة مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. قوله - سبحانه - «مِنْهُ» في مَحَلِّ نَصْبٍ مُتَعَلِّقاً ب «امْسَحُوا» ، و «مِنْ» فيها وجهان: أظْهَرُهُمَا: أنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ.

стр. 4010

والثاني: أنَّها لابْتِدَاء الغَايَةِ، ولهذا لا يُشْتَرَطُ عند هؤلاءِ أنْ يتعلَّقَ [باليَدِ] غُبَارٌ. وقوله تعالى: «لِيَجْعَلَ» : الكلام في هذه «اللَاّم» كالكلام عَلَيْهَا في قوله ﴿يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] ، إلا أنَّ مَنْ جَعَل مَفْعُولَ الإرَادَةِ مَحْذوفاً، وعلَّق به «اللَاّم» من «لِيَجْعَلَ» زاد «من» في الإيجَابِ في قوله: «مِنْ حَرَجٍ» ، وسَاغَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ في حَيِّزِ النَّفْي، وإنْ لَمْ يَكُنِ النَّفْي واقعاً على فِعل الحَرَجِ، و «مِنْ حَرَجٍ» مَفْعُولٌ «لِيَجْعَلَ» . و «الجَعْلُ» : يحتمل أنَّهُ بمعنى الإيجَادِ والخَلْقِ، فَيَتَعَدَّى لواحد وهو «مِنْ حَرَجٍ» و «من» مزيدة فيه كما تقدَّم، ويتعَلّق «عَلَيْكُم» حينئذٍ بالجَعْلِ، ويجُوزُ أن يتعلَّق ب «حَرَجٍ» . فإن قِيلَ: هُو مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ لا يَتَقَدَّم معمولُه عليه، قيل: ذلك في المَصَدرِ المُؤوَّلِ بحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ وفعل، لأنه بِمَعْنَى المَوْصُول، وهذا لَيْسَ مُؤوَّلاً بِحَرْف مَصْدَرِيٍّ، [ويجُوز أن يكون الجَعْلُ بِمَعْنَى التَّصْيير] ، فَيَكُون «عَلَيْكُم» هُوَ المَفْعُول الثَّانِي. فصل في معنى الآية المَعْنَى ﴿مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم﴾ : بما فَرَضَ من الوُضُوء والغُسْلِ والتَّيَمُّمِ، «من حَرَجٍ» : من ضِيق، «ولكن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ» : من الأحْدَاثِ والجَنَابَات والذُّنُوبِ. فصل قالت المعتزِلَةُ: دلَّت هذه الآيَةُ على أنَّ الأصْلَ في المضارِّ ألَاّ تكون مَشْرُوعَةً، فإنَّه تعالى ما جعل عَلَيْنَا في الدِّين مِنْ حَرَجٍ، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العسر﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وقال ﵊ ُ -: «لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ في الإسلام» وأيْضاً فَدَفْع الضَّررِ مُسْتَحْسَنٌ في العُقُول، فوجَبَ أن يَكُونَ كَذَلِكَ في الشَّرع. قوله - سبحانه -: ﴿ولكن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ . اخْتَلَفُوا في تَفْسِير هذا التَّطْهِير، قال جُمْهُور الحَنفيَّةِ: إنَّ عند خُرُوجِ الحَدَثِ تنجس الأعْضَاءُ نَجاسَةً حُكْمِيَّةً، والمَقْصُود من هذا التَّطْهِير إزَالَةُ [تلك] النجاسَةِ الحُكْمِيَّةِ، وهذا بَعِيدٌ لِوُجُوه: إحداها: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] ، وكَلِمَةُ «إنَّما» للِحَصْر، وهذا يَدُلُّ على أنَّ المُؤمن لا تَنْجُسُ أعْضَاؤُه.

стр. 4011

وثانيها: قوله ﵊ ُ -: «المُؤمِنُ لا تَنْجُسُ أعْضَاؤُه لا حَيَّا ولا مَيِّتاً» . وثالثها: أجمَعَتِ الأمَّةُ على أنَّ بَدَن المُحْدِثِ لو كَانَ رَطْباً، فأصَابَهُ ثَوْبٌ لَمْ يَنْجس الثَّوْب، ولَوْ حَمَلَهُ إنْسَانٌ وصَلَّى به لم تفسد صلاتُه. ورابعها: لو كان الحدثُ يُوجِبُ نجاسَةُ الأعْضَاءِ، ثم كَانَ تَطْهِيرُ الأعْضَاءِ الأرْبَعَة يُوجِبُ طَهَارة كُل الأعْضَاء، لوَجَبَ ألَاّ يَخْتَلِفَ ذَلِكَ باخْتِلَاف الشَّرَائِعِ، والأمْرُ لَيْس كذلِكَ. وخامسها: أنَّ خُروج النَّجَاسَةِ من مَوْضِع، كيف يُوجِبُ تَنَجُّسَ مَوضِعٍ آخَر؟ . وسادسها: أنَّ المَسْح على الخُفَّيْنِ قَائِمٌ مقَامَ غَسْلِ الرِّجْلَيْن، ومَعْلُومٌ أنَّ هذا لا يُزِيلُ شَيْئاً ألْبَتَّةَ عن الرِّجْلَين. وسابعها: أنَّ الذي يُرَاد زوالُهُ إنْ كانَ جِسْماً، فالحسّ يَشْهَدُ ببُطْلَان ذلك، وإنْ كان عَرَضاً فَهُوَ مُحَالٌ، لأنَّ انتِقَالَ الأعْرَاضِ مُحَالٌ. القولُ الثاني: أنَّ المُرَادَ به التَّطْهِير من المَعَاصِي والذُّنُوب، وهو المُرَادُ بقوله ﵊ ُ -: «إذَا تَوَضَّأ العَبْدُ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ من وَجْهِهِ وكذا يَدَيْهِ ورَأسِهِ ورِجْلَيْه» . وقوله تعالى: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ . قال مُحَمَّد بن كَعْبٍ: إتمَامُ النِّعْمةِ تَكْفِيرُ الخَطَايَا بالوُضُوءِ، وهَذَا الكَلَامُ مُتَعَلِّق بما ذَكَرَهُ أوَّل السّورةِ من إبَاحَةِ الطَّيِّبَاتِ من المَطَاعِم والمَنَاكِح، ثُمَّ بَيَّن بَعْدَه كَيْفِيَّة فَرْضِ الوُضُوءِ، كأنَّهُ قال: إنَّما ذَكَرْت ذلِكَ لتتمَّ النَّعْمَة المَذْكُورَةُ أوَّلاً، وهِيَ نِعْمَةُ الدُّنْيَا، وهذه النِّعْمَةُ المَذْكُورة الثَّانِيَةُ وهي نِعْمَة الدِّين. وقيل: المُرادُ ﴿لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالرخص بالتِّيَمُم، والتَّخْفِيفِ في حالِ المَرَضِ والسَّفَر، فاسْتَدَلُّوا بذلك على أنَّه تعالى يُخَفِّفْ عَنْكُمْ يَوْمَ القيامةِ، بأنْ يَعْفُوَ عَنْ ذُنُوبِكُمْ. ويَتَجَاوَز عَن سَيِّئَاتِكُمْ. قوله - جلا وعلا -: «عَلَيْكُم» فيه ثلاثةُ أوْجُهٍ: أظهرُهَا: أنَّهُ مُتَعلِّقٌ ب «يُتِمّ» . والثاني: أنَّهُ مُتعلِّق ب «نِعْمَتِهِ» .

стр. 4012

والثالث: أنَّهُ مُتَعلِّقٌ بمحذُوفٍ على أنَّهُ حالٌ من «نِعْمَتِهِ» . ذكر هَذَيْن الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْن أبُو البَقَاءِ، وهَذِه الآيَةُ بِخِلاف التي قَبْلَها [في قوله] : ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] ، حَيْثُ امْتَنَعَ تَعَلُّقُ الجَارِّ بالنِّعْمَةِ؛ لتَقَدُّم مَعْمُول المصْدَر [عليه] كما تَقَدَّم بَيَانُهُ. قال الزَّمَخشَرِيُّ: وقُرِئَ «فأطْهِرُوا» أي: أطْهِرُوا [أبْدَانَكُمْ] ، وكَذِلِكَ «لِيُطْهِرَكُمْ» ، يعني: أنَّهُ قُرِئَ «أطْهِرُوا» أمْرٌ من «أطْهِرْ» رُبَاعِيّاً ك «أكْرِمْ» ، ونسب النَّاسُ القِرَاءَةَ الثَّانِية، أعني قوله: «لِيُطْهِرَكُم» لسَعِيدِ بن المُسَيِّب. ثم قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ، والكَلَامُ في لَعَلَّ مَذْكُور في البقرة عند قوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] .

стр. 4013

قوله - سبحانه -: ﴿واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ﴾ الآية. لما ذَكَر التَّكَالِيفُ أرْدَفَهُ بما يُوجِبُ عَلَيْهِمْ القبُول والانْقِيَاد، وذلك مِن وَجْهَيْن: الأوَّلُ: كَثْرَةُ نِعَم اللَّهِ عَلَيْهِم؛ لأنَّ كَثْرَة النِّعَمِ تُوجِبُ على المُنْعِمِ عَلَيْه الاشْتِغَالَ بِخِدْمَةِ المُنْعمِ، والانْقِيَاد لأوَامِرِه ونَوَاهِيه. وقال: «نِعْمَةَ اللَّه» ولمْ يَقُلْ «نِعَم اللَّهِ» ؛ لأنَّ هذا الجِنْسَ لا يَقْدِرُ عَلَيْه غير اللَّه؛ لأنَّ نِعْمَة الحَيَاةِ، والصِّحَّة، والعَقْل، والهِدَايَةِ، والصَّوْن من الآفَاتِ، وإيصَال الخَيْرَاتِ في الدُّنْيَا والآخِرَة شيء لا يَعْلَمُهُ إلَاّ الله تعالى، وإنَّما المُرادُ [التَّأمُّل] في هذا النَّوْع مِن حَيْثُ إنَّهُ مُمْتَازٌ عن نِعْمَةِ غَيْرِهِ. والوجه الثاني في السببِ المُوجبِ للانْقِيَادِ للتَّكَالِيفِ: هُوَ المِيثَاقُ الذي واثَقَكُمْ بِهِ. فإن قِيلَ: [قوله] ﴿واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ﴾ مشعِرٌ بسَبْقِ النِّسْيَان: وكَيْفَ يُمْكِن نِسْيَانُها [مع أنها] مُتَوَاتِرَةٌ متَوالِيَةٌ [علينا] في جَميعِ السَّاعَاتِ والأوْقَاتِ؟ فالجَوابُ: أنَّها لِكَثْرتها وتعاقُبها صارتْ كالأمْرِ المُعْتَاد، فصارت غَلَبَةُ ظُهُورِهَا وكَثْرتها سَبباً لِوُقوعِهَا مَحَلَّ النِّسْيَان.

стр. 4014

فصل في تفسير الميثاق اختَلَفُوا في تَفْسِير هذا الميثاقِ، فقال أكْثَرُ المُفَسِّرين: هو العَهْدُ الذي عَاهَدَ اللَّه عَلَيْه المُؤمنين حين بَايَعُوا رَسُول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرَّف وكرم - تَحْتَ الشَّجَرَةِ وغَيْرها على أن يكُونُوا على السَّمْعِ والطاعَةِ في [المَحْبُوبُ والمكروه] ؛ وأضَافَ الميثاقَ الصَّادِر عن الرَّسُول إلى نَفْسِهِ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾ [الفتح: ١٠] ، وأكَّدَ ذَلِكَ بأنَّهم التزمُوا وقالُوا: «سَمِعْنَا وأطَعْنَا» ، ثم حذَّرَهم عن نَقْضِ تِلْك العُهُود فلا تَعْزِمُوا بقلوبكم على نَقْضِهَا، فاللَّهُ يَعْلَم ذلك، وكَفَى به مُجَازِياً. وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: هو المِيثاقُ الذي أخذه اللَّه على بَنِي إسْرائِيل حين قالُوا: آمَنَّا بالتَّوْرَاة وبكُلِّ ما فيها، وكان من جُمْلة ما في التَّوْرَاةِ البِشَارَةُ بمقدم مُحَمَّد ﵊ ُ -. وقال مُجَاهِدٌ والكَلْبِي ومقاتلٌ: هو المِيثَاقُ الذي أخَذَهُ منهم حِين أخْرَجَهم من ظَهْر آدَم، وأشْهَدَهُمْ على أنْفسِهم ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ، قَالُوا: ْ بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] . وقال السّديّ: المُرَاد بالمِيثاقِ: الدَّلائل العَقْلِيَّة والشَّرْعِية التي نَصَبَها اللَّهُ على التَّوْحِيدِ والشَّرائعِ. قوله تعالى: ﴿إِذْ قُلْتُمْ [سَمِعْنَا] ﴾ ، في «إذْ» ثلاثةُ أوْجُه: أظهرها: أنَّهُ مَنْصوب ب «وَاثَقَكُمْ» . الثاني: أنَّهُ مَنْصَوبٌ على الحَالِ من الهَاءِ في «بِهِ» . الثالث: أنَّهُ حال من [ «ميثاقِهِ» ] ، وعلى هذَيْن الوَجْهَيْن الأخيريْن يتعلَّقُ بمحذُوفٍ على القاعِدَة المُقَرَّرَةِ. و «قُلْتُم» في محلّ خَفْضٍ بالظَّرْف، و «سَمِعْنَا» في محلِّ نَصْبٍ بالقَوْلِ.

стр. 4015

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَآ الذين آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بالقسط﴾ الآية. لما حثَّهُم على الانْقِيَاد للتَّكَالِيف، وهي مع كثرتها مَحْصُورَةٌ في نَوْعين: التَّعْظِيم لأمر اللَّه، والشَّفقة على خَلْقِ اللَّه. قوله: ﴿كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ﴾ إشارةٌ على التَّعْظيم لأمر اللَّه، ومعنى القيام للَّه: هو أن يَقُومَ للَّه بالحقِّ في كلِّ ما يَلْزَمه، وقوله: «شُهَدَاء بالقسطِ» إشارةٌ إلى الشَّفقة على خَلْقِ اللَّه، فيه قولان: الأوَّل: قال عطاءُ: لا تُحاب من شهادتِكَ أهْل وُدِّك وقَرابتِك، ولا تمنع شهادتك أعداءَك وأضْدَادَك. الثاني: أمرهم بالصِّدْق في أفْعالهم وأقوالهم، وتقدَّم نَظِيرُها في «النِّسَاء» ، إلَاّ أنَّ هناك قدَّم لَفْظَة «القِسْط» وهنا أخِّرَت، وكأنَّ الغَرَضَ في ذلك - والله أعلم - أنَّ آية «النِّسَاء» جِيء بها في مَعْرِض الإقْرَارِ على نَفْسِهِ ووالِدَيْه وأقَارِبِه، فَبُدِئ فيها بالقِسْطِ الذي هو العَدْلُ من غير مُحَابَاة نَفْسٍ، ولا والِدٍ، ولا قَرَابَةٍ، والَّتِي هنا جِيءَ بها في [مَعْرِض] ترك العداوة، فبُدِئ فيها [بالأمْر] بالقِيام لِلَّه، لأنَّهُ أرْدَعُ لِلْمُؤمنين، ثم ثُنِّي بالشَّهادة بالعَدْلِ، فَجِيءَ في كُلِّ مَعْرضٍ بما يُنَاسِبُه. وقوله: «وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ» تقدَّم مثله، وكذلك «شَنَآنُ قَوْمٍ» . قوله تعالى: ﴿على أَلَاّ تَعْدِلُواْ﴾ . أي لا يحملَنَّكُم بُغْضُ قومٍ على أن لا تَعْدلُوا، وأراد: لا تَعْدِلوا فيهم فَحُذِفَ لِلْعِلْم به، وظُهُور حرف الجرِّ هنا يرجحُ تَقْدِيرهُ. قيل: والمعنى: ولا يَحْمِلَنَّكُم [بُغْضُ] قوم على أن تجُورُوا عَلَيْهم، وتتَجاوزُوا الحدَّ، بل اعْدِلُوا فيهم، وإن أسَاءُوا إلَيْكم، وهذا خِطَابٌ عامٌّ، وقيل: إنَّها مُخْتَصَّةٌ بالكُفَّار، فإنَّها نزلت في قُرَيْشٍ لما صَدُّوا المُسْلِمين عن المَسْجِد الحَرَام. قوله: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ . نهاهم أوَّلاً عن أن يَحْمِلَهُم البَغْضَاءُ على ترك العدلِ، ثم اسْتَأنَفَ فصرَّح لهم بالأمْر

стр. 4016

بالعدْل تأكِيداً، ثم ذكر عِلَّة الأمْر بالعَدْل وهو قوله: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ، والمَعْنَى: أقْرَبُ إلى الاتِّقَاء من مَعَاصِي اللَّه، وقيل: أقْرَبُ إلى الاتِّقَاء من عَذَابِ اللَّه. و «هُوَ» ضمير المَصْدرِ المَفْهُوم من الفِعْلِ أي: العدل، وفيه تَنْبِيهٌ على أنَّ وجوب العَدْلِ إذا كان مع الكُفَّار الذين هُمْ أعداءُ اللَّه بهَذِه الصِّفَة من القُوَّة، فَكَيْفَ بوجُوبِهِ مع المُؤمنين الذين هم أوْلِيَاؤُه وأحِبَّاؤُه، ثم ذكر كلاماً كالوعد للمُطِعين والوعيد للمُذْنِبِين، وهو قوله: ﴿اواتقوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ، يعني: [أنَّه] عالم بجميع المَعْلُومَات، لا يَخْفَى عليه شَيْءٌ من أحْوَالِكُمْ. ثم ذَكَرَ وعْدَ المُؤمنين فقال: «وَعْدَ اللَّه. .» الآية. واعلم أن «وَعْد» يتعدَّى لاثْنَيْن: أوَّلهما: الموْصُولُ. والثاني: [مَحْذُوف] أي الجنَّة. وقد صرَّح بهذا المَفْعُول في غير هذا المَوْضِع، وعلى هذا فالجُمْلَةُ من قوله: «لَهُم مَغْفِرَةٌ» لا مَحَلَّ لها؛ لأنَّها مُفَسِّرة لذلك المَحْذُوف تَفْسِير السَّبَب للمُسَبّبِ، فإن الجَنَّة مسببة عن المَغْفِرَة، وحُصُول الأجْرِ العَظِيم، والكلام قبلها تَامٌّ بِنَفْسه. وذكرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الآيَة احْتِمالاتٌ [أخَر] . أحدها: أنَّ الجملة من قوله «لَهُم مَّغْفِرَةٌ» [بيان للوعد] ، كأنَّه قال: قدم لهم وَعْداً، فَقِيلَ: أيُّ شيء وَعَدَهُ؟ فقال: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ، وعلى هذا فلا مَحَلَّ لها أيضاً، وهذا أوْلَى من الأوَّل؛ لأنَّ تفسير المَلْفُوظِ به أوْلَى من ادِّعاء تَفْسِير شَيْءٍ مَحْذُوف. الثاني: أنَّ الجملة مَنْصُوبةٌ بقول محذوف، كأنَّه قيل: وعدهُم، وقال لهم: «مَغْفِرَة» . الثالث: إجراء الوَعْدِ مجرى القَوْل؛ لأنَّه ضَرْبٌ منه، ويَجْعَل «وَعَدَ» واقعاً على الجُمْلَةِ الَّتِي هي قوله: «لَهُمْ مَغْفِرَةٌ» ، كما وقع «تَرَكْنَا» على قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ على نُوحٍ﴾ [الصافات: ٧٩] كأنه قيل: وعدهَمُ هذا القَوْل، وإذا وَعَدَهُمْ من لا يَخْلِفُ المِيعاد فَقَدْ وعدهم مَضْمُونَهُ من المَغْفِرَة والأجْرِ العَظِيم، أي: وعدهُم بهذَا المَجْمُوع، وإجراء الوَعْدِ مَجْرى القَوْل مذهب كُوفِيٌّ. ثم ذكر وَعِيدَ الكُفَّار فقال: ﴿والذين كَفَرُواْ﴾ الآية.

стр. 4017

«الذين كفروا» مبتدأ، و «أولَئِكَ» مُبْتَدأ ثانٍ، و «أصْحَابُ» خبره، والجُمْلَة خَبَرُ الأوَّل، وهذه الجُمْلَة مُسْتَأنَفَةٌ، آُتِي بها اسمية دلالة على الثُّبُوتِ والاسْتِقْرَارِ، ولم يُؤتَ بِها في سِيَاقِ الوعيد، كما أتى بالجُمْلَةِ قَبْلَها في سِيَاقِ الوَعْدِ حَسْماً لرَجَائهم، وأجاز بَعْضُهُمْ أن تكون هذه الجُمْلَة داخِلَةً في حَيِّز الوَعْد على ما تقدم تقريره في الجُمْلَةِ قبلها. قال: لأنَّ الوعيدَ اللَاّحِقَ بأعْدائِهم ممَّا يَشْفِي صُدورهُمْ، ويُذْهِب ما كانوا يَجِدُونَهُ من أذَاهُمْ، ولا شَكَّ أن الأذى اللَاّحقِ للعَدُوِّ، مما يَسُرُّ، ويفرح ما عند عَدُوِّهِ، وفيه نظر، فإن الاسْتِئنَاف وافٍ بهذا المَعْنَى، فإن الإنْسَان إذا سَمِعَ خبراً يَسُوء عَدُوَّهُ سُرَّ بذلك، وإن لم يُوعد به، وقد يتقوى [صاحب] هذا القول المُتقدِّم بأن الزَّمَخْشَرِيَّ قد نحَا إلى هذا المَعْنَى في سورة ﴿سُبْحَانَ﴾ [الإسراء: ٩، ١٠] . قال: فإن قُلْتَ، علام عَطَف ﴿وأَنَّ الذين لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإسراء: ١٠] . قلت: على ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ [الإسراء: ٩] على أنه بُشرى للمؤمنين ببشارتيْن بثوابِهِم، وبعقَابِ أعْدَائهم، فجعل عِقاب أعدائِهِم داخِلاً في حَيِّز البشارَة فالبشارة هناك كالوَعْدِ هُنَا. وهذه الآية تَدُلُّ على أنَّ الخُلود في النَّار لَيْس إلا للكُفَّار؛ لأنَّ قوله: ﴿أولئك أَصْحَابُ الجحيم﴾ يفيدُ الحَصْر، والمُصَاحَبَةُ تَقْتَضِي المُلازَمَةَ، كما يقال: أصْحَاب الصَّحراء، أي: المُلازِمُون لها.

стр. 4018

قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَآ الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ﴾ الآية. قتال قتادة: نزلت هذه الآية ورسول الله ﷺ َ ببطن نخل فأراد بنو ثعلبة وبنو محارب أن يفتكوا به وبأصحابه إذا اشتغلوا بالصلاة فأطلع الله ﵎ نبيه على ذلك، وأنزل الله صلاة الخوف، وقال الحسن: كان النبي ﷺ َ محاصراً غطفان بنخل، فقال رجل من المشركين: هل لكم في أن أقتل محمداً؟ قالوا: وكيف تقتله؟ قال: أفتك به، قالوا: وددنا أنك قد فعلت ذلك، فأتى النبيَّ ﷺ َ والنبيُّ ﷺ َ متقلد سيفه، فقال: يا محمد أرني سيفك فأعطاه إيّاه فجعل الرجل يهزّ السيف وينظر مرة إلى السيف ومرة إلى النبي ﷺ َ،

стр. 4019

وقال: من يمنعك مني يا محمد؟ قال: الله فتهدده أصحاب رسول الله ﷺ َ فشام السيف ومضى، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال مجاهد وعكرمة والكلبي وابن يسار عن رجاله: «بعث رسول الله ﷺ َ المنذر بن عمرو الساعدي وهو أحد النقباء ليلة العقبة في ثلاثين راكباً من المهاجرين والأنصار إلى بني عامر بن صعصعة فخرجوا فلقوا عامر بن الطفيل على بئر معونة وهي من مياه بني عامر واقتتلوا فقتل المنذر بن عمرو وأصحابه إلا ثلاثة نفر كانوا في طلب ضالة لهم أحدهم عمرو بن أمية الضمري فلم يرعهم إلا الطير يحوم في السماء يسقط من بين خراطيمها علق الدم فقال أحد النفر: قتل أصحابنا ثم تولى يشتد حتى لقي رجلاً فاختلفا ضربتين فلما خالطته الضربة رفع رأسه إلى السماء وفتح عينيه وقال الله أكبر الجنة وربِّ العالمين، فرجع صاحباه فلقيا رجلين من بني سليم وكان بين النبي ﷺ َ وبين قومهما موادعة، فانتسبا لهما إلى بني عامر فقتلاهما وقدما قومهما إلى النبي ﷺ َ يطلبون الدية فخرج ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف ﵃، حتى دخلوا على كعب بن الأشرف وبني النضير يستعينهم في عقلهما، وكانوا قد عاهدوا النبي ﷺ َ على ترك القتال وعلى أن يعينوه في الديات، قالوا: نعم يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة اجلسْ حتى نعطمك ونعطيك الذي سألته، فجلس رسول الله ﷺ َ وأصحابه، فخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوا محمداً أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟ فقال عمر بن جحاش: أنا، فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله تعالى يده وجاء جبريل وأخبره، فخرج النبي ﷺ َ راجعاً إلى المدينة ثم دعا علياً فقال: لا تبرح مكانك فمن خرج عليك من أصحابي فسألك عني فقل: توجه إلى المدينة، ففعل ذلك علي ﵁ حتى تناهوا إليه ثم تبعوه» ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال: ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ واتقوا الله وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ [المائدة: ١١] . قوله تعالى: «عَلَيْكُم» يجُوزُ أن يَتعَلَّقَ ب «نِعْمَة» ، وأن يتعلَّق بمَحْذُوفٍ على أنَّه حَالٌ مِنْها. و «إذْ [هَمَّ] » ظرف ناصبه «النِّعْمة» أيضاً، أي: اذْكُروا نِعمتَهُ عليْكم في وقت هَمِّهم [عليكم] . ويجُوزُ أن يتعلَّق هذا الظَّرف بما يتعلَّق به «عَلَيْكُم» ، إذا جَعَلته حالاً من «نِعْمَة» ، ولا يجُوز أن يكُون مَنْصُوباً ب «اذْكُرُوا» لتَّنافي زَمَنيهما، فإن «إذْ» للمُضيّ، و «اذْكُرُوا» مُستقبل، و «أن يَبْسُطُوا» على إسْقَاطِ البَاءِ أي هَمُّوا بأنْ يَبْسطوا، ففي موضع «أنْ» الخلاف المشهور.

стр. 4020

ومعنى بسط اليَد مدَّها إلى المَبْطُوش به كقولِهِم: فلان بَسِيطُ البَاعِ، ومديدُ البَاعِ بمعنًى واحد، يُقال: بَسَط إليه لِسَانه إذا شَتَمَهُ، وبَسَطَ إليه يَدَهُ إذا بَطَشَ به، ﴿فكف أيديهم عنكم﴾ أي: مَنعَها أن تَصِل إليْكم. ثم قال: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ أي: كُونُوا مواظبين على طاعة الله، ولا تخافوا أحداً في إقامة طاعَةِ اللَّه.

стр. 4021

قوله جلا وعلا: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بني إِسْرَآئِيلَ﴾ الآية في اتِّصال هذه الآية بما قَبْلَها وجُوه: أحدُهَا: أنه لما ذكر في الآية الأولى، وهو قوله: ﴿واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الذي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: ٧] ، ذكر بَعْدَهُ أخذ الميثاق من بَنِي إسرائيل لكنَّهُم نَقَضُوه، وتَركُوا الوَفَاء به، أي فلا تكُونُوا مثل أولَئِك من اليَهُود في هذا الخُلُق الذَّمِيم، فَتَصِيروا مِثْلَهُم فيما نزل بهم. وثانيها: لما قال تعالى: ﴿اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة: ١١] ، وقد تقدَّم في بعض رواياتِ أسْبَاب النُّزُول أنَّها نزلت في اليَهُود، وأنَّهم أرادوا إيقاع الشَّرِّ برسُول الله ﵌ فلما ذكر اللَّه تعالى [ذلك] أتْبَعَهُ بِذِكْرِ فَضَائِحِهمْ، وبيان أنَّهُم [أبداً] كانوا مُواظبِين على نَقْضِ الموَاثيق. ثالثها: أنَّ الغَرض من الآيات المُتقدِّمة ترغِيبُ المكلَّفِين في قُبُول التكاليف وترك العصيان، فذكر تعالى أنَّه كلَّفَ من كان قَبْلَكُم كما كلَّفكم؛ لِتَعْلَموا أنَّ عادة الله في عِبَادِه أن يُكَلِّفَهُم، فليس التَّكْليف مَخْصوصاً بكم أيُّهَا المُؤمِنُون، بل هي عَادَةٌ جَارِيَةٌ له مع جَمِيع عِبَادِه. قوله سبحانه: ﴿وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثني عَشَرَ نَقِيباً﴾ . [ «منهم» ] يجُوزُ أن يتعلَّق ب «بَعَثْنَا» ، ويجُوزُ أن يتعلَّق بِمَحْذُوف على أنَّهُ حال من «

стр. 4022

اثْنَيْ عَشَرَ» ، لأنه في الأصْلِ صفةٌ لَهُ فلما [قُدِّم نصب] حالاً، وقد تقدَّم الكلامُ في تركيبِ «اثني عَشَرَ» وبنائه، وحَذْفِ نُونهِ في «البَقَرة» [البقرة ٦٠] . [ «وميثاقٌ» يجُوز أن يكُونَ مُضافاً إلى المَفْعُول - وهو ظاهر - أي: إنَّ الله - تعالى - واثَقَهُم، وأن يكونَ مُضَافاً إلى فاعله، أي: إنِّهم واثَقُوه تعالى. والمُفَاعَلَة: يجوز نِسْبَة الفَعْل فيها إلى كلٍّ من المَذْكَورين] . «والنَّقِيب» فعيلٌ، قيل: بمعْنَى فاعل مُشْتَقّاً من النَّقْب وهو التَّفْتِيش، ومنه: ﴿فَنَقَّبُواْ فِي البلاد﴾ [ق: ٣٦] ، وسُمِّي بذلك؛ لأنَّهُ يُفَتِّشُ عن أحْوَال القَوْمِ وأسْرارِهِم. قال الزَّجَّاج: أصْلُهُ النَّقبُ، وهو الثُّقْبُ الواسِعُ، ومنه المَناقِبُ، وهي الفضَائِل؛ لأنَّها لا تظهر إلا بالتَّنْقِيب عنها، ونَقَبْتُ الحَائِطَ أي: بلغت في النَّقب إلى آخره، ومنه: النَّقْبَةُ من الجرب؛ لأنه داءٌ شديد الدُّخُول؛ لأن البَعِير يطلى بالهناء فهو حَدُّ طعم القطران في لَحْمِه، والنَّقبَة في السَّراويل بغير رِجْلَيْن؛ لأنَّه قد يُولَع في فتحها، ونقبها ويقال: كَلْبٌ نَقِيبٌ، وهو كَلْبٌ ينقب حنجرته لِئلَاّ يرتفع صوت نُبَاحه، يفعله البُخَلاءُ من العرب لِئلَاّ يظفر بهم ضيْفٌ. وقيل: هو بمعنى مَفْعُول، كأنَّ القَوْمَ اختاروه على عِلْمٍ منهم، وتَفْتِيشٍ على أحْواله. وقيل: هو للمبالغة كَعَليم وخبير. وقال الأصَمّ: هو المَنْظُور إليه المُسْنَدُ إليه أمُور القوم وتَدْبير مَصَالِحهم. فصل قال المُفَسِّرون: إن بَنِي إسرائيل كانوا اثْنَيْ عشر سِبْطاً، واختار الله من كل سِبْط رجلاً يكون نَقِيباً لهم وحَاكِماً فيهم. وقال مجاهد: إن النقبَاء بعثوا إلى مدينة الجَبَّارين الذين أمر مُوسى بالقتال مَعَهُمْ ليقفُوا على أحْوَالِهِمْ، ويرجعوا بذلك إلى نَبيّهم. قال القُرْطُبِي: ذكر مُحمَّدُ بن حَبيبٍ في «المحبر» أسماء نُقَبَاءِ بني إسرائيل،

стр. 4023

فقال: من سبط روبيل: شموع بن رَكُوب، ومن سِبْط شَمْعون: شوقوط بن حوري، ومن سِبْط يَهُوذا: كالب بن يوقنا، ومن سِبْط السَّاحر: يُوغول بن يُوسُف، ومن سِبْط أفرائيم ابن يوسف: يوشَع بن النون، ومن سِبْط بِنيَامِين: يلظى بن روقو، ومن سِبْطِ ربالون: كرابيل بن سودا، ومن سِبْط منشا بن يوسف كدى بن سوشا، ومن سِبْط دَان: عمائيل بن كسل، ومن سِبْط كاذ كوال بن موخى، ومن سِبْط نَفْتَال: يُوحنَّا بن قوشا، ومن سِبْط شير ستور بن ميخائيل، فلَّما ذهبُوا إليهم رأوا أجراماً عظيمة وقوَّة وشَوْكةً فَهَابُوهم ورجعوا، وحدَّثُوا قومهم وقد نَهَاهُم موسى ﵇ أن يحدِّثُوهم، فنكثوا الميثاقِ إلا كَالب ابن يوقنا من سِبْطِ يَهُوذا، ويوشَع بن نون من سبط أفرائيم بن يوسف، وهما اللذان قال الله تعالى فيهما: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الذين يَخَافُونَ﴾ [المائدة: ٢٣] . فصل قال القُرْطُبِي: دلَّت هذه الآيةُ على قُبُول خبَرِ الواحِدِ فيما يَفْتَقِرُ إليه المَرْءُ، ويحتاج إلى اطِّلاعه من حاجاته الدينِيَّة والدُّنْيَويَّة، فترتب عليه الأحْكَام، ويربط به الحلال والحرام، وفيها - أيضاً - دليلٌ على اتِّخاذ الجَاسُوس، وقد بَعَثَ رسُول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بَسْبَسَة عيناً، أخرجه مسلم. وسيأتي حُكْمُ معاني الجَاسُوس في المُمْتَحنة إن شاء الله تعالى. قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ الله إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة﴾ في الكلام حذف، والتقدير: وقال الله لهم إنِّي مَعَكُم؛ إلَاّ أنَّه [حذف] ذلك لاتِّصال [الكلام] بِذكْرِهِم

стр. 4024

وقوله: «إنِّي مَعَكُمْ» قيل: هذا خِطَابٌ للنُّقَبَاء، وقيل: [خطاب] لكلِّ بَنِي إسْرائيل، والأوَّل أوْلَى؛ لأنَّه أقْرَبُ إلى الضمير. قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة﴾ هذه هي اللَاّم الموطِّئة للقَسَم، والقسم معها مَحْذُوف، وقد تقدَّم أنَّه إذا اجْتَمَع قَسمٌ وشرط أجيب سابقُهمَا، إلا أن يتقدَّم ذُو خبر، فيُجَابُ الشَّرْط مُطْلقاً. واعلم أنَّ الكلام قد تَمَّ عند قوله: ﴿وَقَالَ الله إِنِّي مَعَكُمْ﴾ أي: بالعلم والقُدْرة، فأسمع كلَامَكم، وأرى أفْعَالَكم، وأعْلَمُ ضَمَائِرَكم، وهذه مقدِّمة مُعْتَبرة في التَّرْغيب والتَّرهيب، ثم ابْتَدأ بعدها جُمْلَة شَرْطية، والشَّرْط مركَّبٌ من خمسة أمور، وهي قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وَآتَيْتُمْ الزكاة وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ . قوله عز وعلا: «لأكَفِّرَنَّ» هذه «اللَاّم» هي جوابُ القسم لسبقه، وجواب الشَّرْط محذوفٌ لدلالةِ جواب [القسم] عليه، وهذا معنى قول الزَّمَخْشَرِيِّ: أن [معنى] قوله: «لأكَفِّرَنَّ» سادٌّ مَسَدّ جوابَي القَسَم والشَّرط، لا كَما فَهِمَهُ بَعْضُهم وردّ عليه ذلك. ويجُوزُ أن يكون «لأكَفِّرَنَّ» جواباً لقوله تعالى قبل ذلك: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بني إِسْرَآئِيلَ﴾ لما تضمَّنه الميثاق [من] معنى القَسَمِ، وعلى هذا فتكُون الجُمْلتان، أعني قوله: «وَبعثْنَا» «وقال اللَّهُ» فيهما وجهان: أحدهما: أنَّها في محلِّ نَصْب على الحال. الثاني: أن تكونا جملتي اعتراضٍ، والظَّاهر أنَّ قوله: «لَئِن أقَمْتُم» جوابه «لأكَفِّرَنَّ» كما تقدَّم، وجملة هذا القسم المَشْروط وجوابه مُفسرة لذلِكَ المِيثَاق المتقدم. والتَّعْزِيرُ التَّعْظيم. قال: [الوافر] ١٩٤٤ - وَكَمْ مِنْ ماجِدٍ لَهُمُ كَرِيمٍ ... وَمِنْ لَيْثٍ يُعزَّرُ في النَّدِيِّ وقيل: هو الثَّناء بخير قاله يونس، وهو قريب من الأوَّل. وقال الفرَّاء: هو الردَّ عن الظُّلْم. وقال الزَّجَّاج: هو الرَّدْعُ والمَنْعُ، فعلى القَوْلَين الأوَّليْن يكون المعنى:

стр. 4025

وعظَّمْتُموهم [وأثنيت] عليهم خيراً، وعلى الثَّالث والرابع يكون المعنى: وَرَدَدْتُمْ وَرَدعْتُمْ عنهم سُفَاءَهُم. قال الزَّجَّاج: عَزَّرْت فُلاناً فعلتُ به ما يردعه عن القَبِيح [مثل نكلت] ، فعلى هذا يكون «عزَّرْتُمُوهُمْ» رددتم عنهم أعْدَاءَهُم. وقرأ الحَسَنُ البَصْرِي «بِرُسْلِي» بسُكُونِ السِّين حيث وَقَع. وقرأ الجَحْدَرِيُّ: «وَعَزَرْتُمُوهم» خفيفَةَ الزَّاي، وهي لغة. وقرأ في [الفتح: ٩] [ «وَتَعْزُرُوه» ] بفتح عين المضارعةِ، وسكون العين، وضم الزَّاي، وهي موافقة لقراءته هنا، وتقدَّم الكلام في نَصْب «قَرْضاً» في [البقرة: ٢٤٥] . فإن قيل: لم أخَّر الإيمان بالرُّسُل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزَّكاة، مع أنه مُقدَّم عليهما؟ . فالجواب: أنَّ اليهود كانوا مُقرِّين بأنَّه لا بد في حُصُول النَّجاة من إقَامَةِ الصلاةِ، وإيتاء الزَّكاة، إلَاّ أنَّهم كانوا مُصرِّين على تكذيب بعض الرُّسلِ، فذكر بعد إقامة الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة أنَّه لا بد من الإيمان بجميع الرُّسل حتى يحصُلَ المَقْصُود، وإلَاّ لم يكن لإقامة الصلاة وإيتاء الزَّكاة تأثير في حُصول النَّجاة بدون الإيمان بجميع الرُّسُل. فإن قيل: قوله: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ دخل تحت إيتاء الزَّكاة، فما فائدة الإعَادة؟ . فالجواب: أنَّ المراد بالزَّكاة الواجبة، وبالقرض الصَّدقة المندوبة، وخصَّها بالذِّكر تنبيهاً على شَرَفها. قال الفرَّاء: ولو قال: وأقرضتم الله إقراضاً حسناً، لكان صَوَاباً، إلا أنَّه قد يقام الاسْمُ مقام المَصْدَر، ومثله ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] ، ولم يقل: يتَقَبَّل، وقوله: ﴿وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً﴾ [آل عمران: ٣٧] ولم يقل إنباتاً. قوله سبحانه: ﴿فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل﴾ . أي: أخطأ الطَّرِيق المسْتَقِيم الذي هو الدِّين المَشْرُوع لهم، وقد تقدَّم الكلامُ على سَوَاءِ السَّبِيل.

стр. 4026

فإن قيل: من كفر قبل ذلك أيضاً فقد ضَلَّ سواء السَّبيل؟ فالجوابُ: نعم، ولكن الضَّلال بعده أظْهر وأعْظَم؛ لأنَّ الكُفْرَ إنما عَظُم قُبْحُه لعظم النِّعْمَة المَكْفُورة، فإذا زادت النِّعْمة زاد قُبْحُ الكُفْرِ.

стр. 4027

قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾ الآية. قد تقدَّم الكلامُ على نَظِيره. قال القُرْطُبِي: والمعنى: فبنقضهم ميثاقهم، و «مَا» زائدة للتَّوْكيد. قال قتادةُ وغيرُه: وذلك أنَّها تؤكِّد الكلام بمعنى تمكنه في النَّفْس من جهة حسن النَّظْم، ومن جهة تَكْثِيرِه [للتَّوْكِيد] ، كقوله [الوافر] ١٩٤٥ - ... ... ... ... ... ..... لِشَيْءٍ مَّا يُسَوَّدُ مَنْ يَسُودُ وقيل: نَقْضُ الميثاق تكْذيبُ الرُّسل، وقيل: الأنْبِيَاء عليهم الصلاة والسلام، وقيل: كِتْمَانهم صفة مُحَمَّد ﷺ َ، وقيل: المَجْمُوع. وقال عطاء: «لَعَنَّاهم» أبعدناهم من رحمتنا، وقال الحسن ومُقاتل: مسَخْنَاهم قِرَدة وخنازير. وقال ابن عبَّاس: ضربنا الجِزْية عَلَيْهِم. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ . قرأ الجمهور «قَاسِيَة» اسم فاعل من قَسَا يَقْسُو. وقرأ الأخوان وهي قراءة عَبْد الله «قَسِيَّة» بفتح القاف وكَسْرِ السِّين وتشديد اليَاء، واختلف الناس في هذه القراءة. فقال الفَارِسي: لَيْسَت من ألْفَاظِ العرب [في الأصل] ، وإنَّما هي كَلِمَةٌ أعْجَمِيَّةٌ معرَّبة، يعني أنها مأخوذَةٌ من قولهم: درهم قَسِيّ، أي: مَغْشُوش، شبَّه قلوبهم في كونها غير صَافِية من الكَدَرِ بالدَّراهم المَغْشوشة غير الخَالِصَة، وأنْشَدُوا قول أبي زُبَيْد: [البسيط]

стр. 4028

١٩٤٦ - لها صَوَاهِلُ فِي صُمِّ السِّلامِ كَمَا ... صَاحَ القَسِيَّاتُ في أيْدِي الصَّيَارِيفِ وقول الآخر: [الطويل] ١٩٤٧ - وَمَا زَوَّدُونِي غَيْرَ سَحْقِ عمَامَةٍ ... وَخَمْسِ مِىءٍ مِنْهَا قَسِيٌّ وَزَائِفُ وقال الزَّمَخْشَرِي، وقرأ عبد الله «قسيَّة» ، أي: رديئة مغشوشة من قولهم: «درهم قَسيّ» ، وهو من القَسْوة؛ لأن الذَّهَبَ والفضَّةَ الخالِصَيْن فيهما لين، والمغشوش فيه صلابةٌ ويُبْسٌ والقَاسِي والقاسِح بالحاء المهملة أخوان في الدَّلالة على اليُبْس. وهذا القول سبقه إليه «المُبَرِّد» ، فإنه قال: «يسمى الدِّرْهم المَغْشُوش قَسِيًّا لصلابته وشدَّتهِ للغِشِّ الذي فيه» ، وهو يرجعُ للمعنى الأوَّل، والقاسِي والقَاسِح بمعنى واحد. وعلى هذين القَولَيْن تكون اللَّفظة عَرَبيَّةً. وقيل: بل هذه القِرَاءَةُ توافق قِراءَة الجَمَاعَة في المعنى والاشْتِقَاق؛ لأنَّه «فَعِيل» للمُبَالغة ك «شاهد» ، و «شهيد» ، فكذلك قاسٍ وقَسِيّ، وإنما أنِّث على معنى الجماعةِ في المعنى والاشْتِقَاق. وقرأ الهَيْصَم بن شداخ: «قُسِيَّة» بضم القَافِ وتشديد اليَاء. وقرئ «قِسِيَّة» بكسر القاف إتْبَاعاً، وأصْلُ القراءَتَيْن: «قاسِوَة» ، و «قَسِيوة» لأن الاشْتِقَاق من القَسْوة. فصل والمعنى أنَّ قلوبهم ليست بخالصة الإيمان، بل إيمانُهُم مشوبٌ بالكُفْرِ والنِّفَاق، وقيل: نائيةٌ عن قُبُول الحقِّ، مُنْصَرِفة عن الانقيادِ للدَّلائل. وقالت المُعْتَزِلَة: أخْبِرْنا عنها بأنَّها صارت قَاسِيَة، كما يُقَال: فلانٌ جعل فُلاناً قاسِياً وعدْلاً. ثم إنَّه تعالى ذكر بَعْضَ نتائج تلك القَسْوَة، فقال: ﴿يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ وهذا التَّحْرِيفُ هو تَبْدِيلُهم نعت النَّبيِّ ﵌، وقيل: التَّأويل البَاطل. والجملة من قوله: «يُحَرِّفُونَ» فيها أرْبَعَةُ أوْجُه:

стр. 4029

أحدها: أنَّها مستأنَفَةٌ بيان لِقَسْوة قُلُوبهم؛ لأنَّه لا قَسْوَةَ أعظم من الافتراء على اللَّه تعالى. والثاني: أنَّها حَالٌ من مَفْعُول «لَعَنَّاهُمْ» أي: لَعَنَّاهم حال اتِّصافهم بالتَّحْريف. والثالث: قال أبو البقاء: أنَّها حال من الضَّمِير المسْتَتِر في «قَاسِيَة» . وقال: ولا يجُوزُ أن يكون حَالاً من «القُلُوب» ؛ لأنَّ الضَّمير في «يُحَرِّفُون» لا يرجع إلى «القُلُوب» ، وفي هذا نَظَرٌ من حيث جواز أن يكون حَالاً من الضَّمِير في «قَاسِيَة» ، يَلزَمُهُ أن يُجوِّزَ أن يكون حَالاً من «القُلُوبِ» ، لأنَّ الضَّمير المستتر في «قَاسِيَة» يعود على «القُلُوبِ» ، فكما يمتَنِعُ أن يكون حالاً من ظاهره [يمتنع أن يكون حالاً من ضميره] ، وكأنَّ المانع الذي توهمه كون الضَّمير وهو الواو في «يُحَرِّفُون» إنَّما يعُود على اليَهُودِ بِجُمْلَتِهِم لا على قُلُوبهم خاصَّةً، فإن القُلُوب لا تحرَّف، إنما يُحرَّف أصْحَابُ القُلوب، وهذا لازِمٌ له في تجويزه الحالِيَّة من الضَّمِير في «قَاسِيَة» . ولقائِل أن يَقُول: المراد ب «القُلُوب» نفس الأشْخَاص، وإنما عبَّر عنهم بالقُلُوب؛ لأن هذه الأعضاء هي محلُّ التَّحْريف، أي: إنَّه صَادِرٌ عَنْها بتَفَكُّرِها فيه، فيجُوزُعلى هذا أن يكُون حَالاً من «القُلُوب» . والرابع: أن يكون حالاً من «هم» في «قُلُوبِهم» . قال أبو البَقَاء: وهو ضعيف يعني: لأنَّ الحال من المُضَاف إليه لا تَجُوزُ، وغيره يجوِّزُ ذلك في مثل هذا الموضع؛ لأن المُضافَ بَعْضُ المُضَافِ إليه. وقرأ الجمهور بفتح الكاف وكَسْرِ اللَاّم، وهو جمع «كَلِمَة» . وقرأ أبو رجاء «الكِلْم» بكَسْرِ الكَافِ وسُكُون اللَاّم، وهو تَخْفيفُ قِرَاءة الجَمَاعَة، وأصْلُها أنَّه كَسَرَ الكاف إتْبَاعاً، ثم سكن العَيْنَ تَخْفِيفاً. وقرأ السُّلمي والنَّخْعي: «الكَلَام» بالألف، و «عَنْ مَوَاضِعهِ» وتقدَّم مثله في «النِّسَاء» [النساء: ٤٦] . قوله تعالى: ﴿وَنَسُواْ حَظَّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ . قال ابن عباسٍ: تركوا نَصِيباً ممَّا أمِرُوا بِهِ من الإيمَان بِمُحَمَّد ﵊ ُ -.

стр. 4030

قوله - سبحانه -: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾ . في «خَائِنَةٍ» [ثَلاثةُ أوْجُه] : أحدها: أنَّها اسم فاعل، والهاء لِلْمُبَالغة ك «راوية وعلَاّمة [ونسَّابة] » ، أي: على شخص خائن. قال الشَّاعر: [الكامل] ١٩٤٨ - حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِالْوَفَاءِ وَلَمْ تَكُنْ ... لِلْغَدْرِ خَائِنَةً مُغِلَّ الإصْبَعِ الثاني: أن التَّاء للتَّأنيث، وأنِّث على معنى: طائفة أو فرقة أو نفس أو فَعْلة خائنة. قال ابن عبَّاسٍ: «على خَائِنَةٍ» ، أي: على مَعْصِية، وكانت خِيَانَتُهُم نقض العَهْدِ، ومظاهرتُهمْ المُشْرِكين على حَرْبِ رسُول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - وهَمّهم بِقَتْلِهِ وسمه ونحوها من الخِيَانَاتِ الَّتي ظَهَرَتْ منهم. الثالث: أنها بمعنى المَصْدَرِ ك «العافِيَة والعَاقِبَة والكاذِبَة واللاغية والواقِيَة» ، قال تعالى: ﴿فَأُهْلِكُواْ بالطاغية﴾ [الحاقة: ٥] أي: بالطُّغيان، وقال: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] أي كذب، وقال: ﴿لَاّ تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] أي: لغواً. وتقول العرب: سمعت رَاغِيَة الإبل، وثاغية الشاء، يعنون رُغَاءَها وثُغَاءَها. قال الزَّجَّاج: [ويقال] عافاه اللَّهُ عافِيَةً، ويؤيِّد هذا الوجْهُ قراءة الأعمش «على خِيَانَة» وأصل «خَائِنة» خاوِنَة وخِيَانة وخوانة [لقولهم: تَخوَّنَ، وخَوَّان] وهو [أخْوَن، وإنما أُعِلَاّ إعلال «قائمة» ، و «قيام» ] . و «مِنْهُم» صفة ل «خَائِنة» إن أُرِيد بها الصِّفَة، وإن أُرِيد بها المَصْدر قُدِّر مضَاف، أي: من بَعْض خيَانَاتِهِم. قوله تعالى: «إلَاّ قَلِيلاً» منصُوب على الاسْتِثْنَاء، وفي المُسْتَثْنَى منه أربَعَةُ أقْوال: أظهرُهَا، أنَّه لفظ «خَائِنة» ، وهُمَ الأشخاص المَذْكورُون في الجُمْلَةِ قَبْلَه، أي: لا تَزالُ تطَّلِع على مَنْ يَخُون منهم إلَاّ القليل، فإنَّه لا يَخُون فلا تَطلعْ عليه، وهم الذين أسْلَمُوا من أهْلِ الكِتَاب كعَبْدِ الله بن سلام وأصْحَابه.
следующие страницы →