← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

سنة، وَنَشَأت [النَّواشئ] من ذراريهم ساروا إلا حرب الجبَّارِين، واخْتَلَفُوا فيمن تولَّى الحرب وعلى يدي من كان الفتح فقيل: إنَّما فَتَح أريحاء موسى، وكان يُوشع على مقدمته، فسار موسى ﵇ إليهم فيمن بقي من بني إسرائيل فدخلها يوشع، فقالت الجَبَابِرَة ثم دَخَلَها موسى، وأقام فيها ما شاء الله، ثم قَبَضَهُ اللَّه إليه، ولا يعلم قبره أحد، وهذا أصَحُّ الأقوال. وقيل: إنما قاتل الجبَّارين يُوشع، ولم يَسِر إليهم إلا بعد موت موسى ﵇، وقالوا: مات مُوسى وهارون جميعاً في التِّيه. قال القُرْطُبِيُّ: روى مُسْلِمٌ عن أبِي هُرَيْرَة قال: «أرْسَلَ اللَّهُ ملك المَوْتِ إلى مُوسَى ﵊ ُ -، فلما جاءَهُ، صَكَّهُ وفَقَأ عَيْنَه، فرجع إلى رَبِّه فقال:» أرْسَلْتَنِي إلى عَبْدٍ لا يُريد الموْتَ «، قال: فَرَدَّ الله إلَيْه عَيْنَهُ، وقال: ارجع إلَيْه وقل له: يضع يده على مَتْن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سَنَة. قال:» أي رب ثم مَهْ «، قال:» ثم الموت «قال:» فالآن «؛ فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدّسة رمية بحجر؛ فقال رسول الله ﷺ َ:» فلو كنتُ ثَمَّ لأريتُكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثِيب الأحمر «فهذا نبينا ﷺ َ قد علم قبره ووصف موضعه، ورآه فيه قائماً يصلي كما في حديث الإسراء، إلا أنه يحتمل أن يكون أخفاه الله عن الخلق سواه ولم يجعله مشهوراً عندهم؛ ولعل ذلك لئلا يُعبد، والله أعلم. ويعني بالطريق طريق بيت المقدس. ووقع في بعض الروايات إلى جانب الطُّور مكان الطريق. واختلف العلماء في تأويل لَطْم موسى عين مَلك الموت وفَقْئها على أقوال؛ منها: أنها كانت عيناً متخيلة لا حقيقة، وهذا باطل، لأنه يؤدّي إلى أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة له. ومنها: أنها كانت عيناً معنوية وإنما فقأها بالحجة، وهذا مجاز لا حقيقة. ومنها: أنه ﵇ لم يعرف ملك الموت، وأنه رأى رجلاً دخل منزله بغير إذنه يريد نفسه فدافع عن نفسه فلطم عينه ففقأها؛ وتجب المدافعة في هذا بكل ممكن. وهذا وجه حسن؛ لأنه حقيقة في العين والصّك؛ قاله الإمام أبو بكر بن خزيمة، غير أنه اعترض عليه بما في الحديث؛ وهو أن ملك الموت لما رجع إلى الله تعالى قال: «يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت» فلو لم يعرفه موسى لما صدق القول من ملك الموت؛ وأيضاً قوله في الرواية الأخرى: «أجب ربك» يدلّ على تعريفه بنفسه. والله أعلم. ومنها: أن موسى ﵊ ُ كان سريع الغضب، إذا غضب طلع الدّخان من قَلَنْسُوته ورفع شعرُ بدنه جبّته؛ وسرعة غضبه كانت سبباً لصَكِّه مَلَك الموت. قال ابن العربي: وهذا كما ترى، فإن الأنبياء معصومون أن يقع منهم ابتداء مثل هذا في الرضا والغضب. ومنها وهو الصحيح من هذه الأقوال: أن موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة

стр. 4062

وَالسَّلَام ُ عرف ملك الموت، وأنه جاء ليقبض روحه لكنه جاء مجيء الجازم بأنه قد أُمِر بقبض روحه من غير تخيير، وعند موسى ما قد نص عليه نبينا محمد ﷺ َ من «أن الله لا يقبض روح نبي حتى يخيِّره» فلما جاءه على غير الوجه الذي أُعلم بادر بشهامته وقوة نفسه إلى أدبه، فلطمه ففقأ عينه امتحاناً لملك الموت؛ إذ لم يصرح له بالتخيير. ومما يدل على صحة هذا، أنه لما رجع إليه ملك الموت فخيره بين الحياة والموت اختار الموت واستسلم، والله بغيبه أحكم وأعلم. هذا أصح ما قيل في وفاة موسى ﵇. وقد ذكر المفسرون في ذلك قصصاً وأخباراً الله أعلم بصحتها؛ وفي الصحيح غُنْيَة عنها. انتهى. فصل وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة، فيروى أن يوشع رآه بعد موته في المنام فقال له: كيف وجدت الموت؟ فقال: «كشاة تسلخ وهي حية» . وقوله: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين﴾ أي لا تحزن. [والأسى: الحُزْن، يقال: أسِي - بكسر العين - يَأسَى، بفتحها، ولامُ الكلمة تحتمل أن تكونَ من واوٍ، وهو الظاهرُ لقولهم: «رجل أسْوان» بزنة سكران، أي: كثير الحزن، وقالوا في تثنية الأسى: أسوان، وإنما قُلبت الواوُ في «أسِيَ» يَاءً لانكسار ما قبلَها، ويُحْتمل أن تكون ياءً فقد حُكي «رجل أسْيان» أي كثيرُ الحزن، فتثنيتُه على هذا «أسَيان» . والله أعلم بغيبه] .

стр. 4063

واتل عليهم نبأ ابني آدم الآية. في تعَلُّقِ هذه الآية بما قبلها وُجُوهٌ:

стр. 4064

أحدها: أنه تعالى قال فيما تَقدَّمَ: ﴿يَا أَيُّهَآ الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ [المائدة: ١١] فذكر أنَّ الأعْدَاءَ يُرِيدُونَ إيْقَاعَ الْبَلَاء بِهِمْ، لَكِنَّهُ تعالى يَحْفَظُهُمْ [بِفَضْلِهِ] ويمنع أعداءهم من إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِمْ، ثم ذكر قِصَصاً تَدُلُّ في أنَّ كُلَّ مَنْ خَصَّهُ اللَّهُ به - تعالى - من النِّعَمِ العظيمة في الدِّينِ والدُّنْيَا فإنَّ الناس يتنازعونه حسداً، فَذَكَرَ قِصةَ النُّقَبَاءِ الاثْنَيْ عَشَرَ، وأخذ الميثاق منهم، ثم إنَّ اليهود نقضوا ذلك الميثاق حتى وقعوا في اللَّعْنِ والقساوة، وذكر بعد شِدَّة إصْرَارِ النصارى على الكفر، وقولهم ب «التَّثْلِيث» بعد ظهور الدَّلَائِل الواضحة القاطعة على فساد اعْتِقَادِهِمْ، وما ذلك إلا حسداً لمحمد ﷺ َ فيما آتاه الله من الدِّينِ الْحَقِّ ثم ذكر قصَّة ابْنَيْ آدم، وأنَّ أحدهما قتل الآخر حسداً على قَبُولِ قُرْبَانِهِ، وكل هذه الْقَصَصِ دالَّةٌ على أنَّ كل ذي نِعْمَة محسود، فلما كانت نِعَمُ الله على محمَّد ﷺ َ أعْظَمَ النعم لم يبعد اتِّفَاق الأعداء على كَيْدِهِ، فكان ذكر هذه القصص تسلية له فيما هدّده به اليَهُود من المكر والكَيد. ثانيها: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بقوله: ﴿يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٥] . وهذه القصص مَذْكورة في التَّوْراة. وثالثها: أنَّها متعلِّقَة بقصة [محاربة] الجبَّارين، أي: ذكِّروا اليَهُود بحديث ابْنَيْ آدم؛ ليعلموا أن سَبِيل أسْلَافهم في النَّدامة والحسرة الحاصلة بسبب إقدامهم على المعاصي، مثل سَبِيل ابْنَيْ آدم في نَدَامة أحَدهما على قَتْلِ الآخَر. رابعها: أنه مُتَّصِل بحكاية قول اليَهُود والنَّصَارَى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] أي: لا ينفعهم كَوْنُهُم أولاد الأنْبِيَاء مع كُفْرِهِم، كما لم يَنْتَفِع ولد آدم بقَتْلِ أخيه بكون أبيه نَبِيّاً معظماً عند الله - تعالى -. وخامسها: لما كَفَرَ أهل الكِتَاب بمحمَّد ﵊ ُ - حَسَداً أخْبَرَهُم الله - تعالى - بخبر ابْنَيْ آدم، وأنَّ الحسد أوْقَعَهُ في سُوءِ الخَاتِمة، والمقصود منه التَّحْذِير عن الحَسَدِ.

стр. 4065

الضَّمِير في «عَلَيْهِم» فيه قولان:

стр. 4066

أحدهما: واتل على النَّاس. والثاني: واتْلُ على أهل الكِتَاب. وفي «ابْنَيْ آدَمَ» قولان: أحدهما: أنها ابْنَا آدم لِصُلْبِهِ، وهما: قَابِيل، وهَابِيل، وفي سبب [وقوع] المُنَازَعة بينهما قولان: أحدهما: أنَّ هَابِيلَ كان صاحب غَنَمٍ، وقابيلَ صاحب زَرْع فقرَّب كل واحد منهما قُرْبَاناً، فطلب هابيل أحْسَنَ شاة كانت في غنمه وجعلها قرباناً، وطلب قابيل شَرَّ حِنْطة كانت عنده وجعلها قُرْبَاناً، فنزلت نارٌ مِنَ السَّمَاءٍ فَاحْتَمَلَتْ قُرْبَانَ هَابيلَ ولم تَحْتَمِل قُرْبان قابيل، فعلم قابيل أنَّ الله تعالى قبل قُرْبَان أخِيهِ ولم يقبل قُرْبَانه، فحَسَده وقصد قَتْلَهُ. قال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ولم يُحْتَمَلْ قربان قَابيل، فَعَلِمَ قَابِيلُ أنَّ الله قَبِلَ قربان أخيه ولم يقبل قربانه؛ لأنَّه كان كافراً فقال قابيل لأخيه هابيل - وكان مُؤمِناً -: أتَمْشِي على الأرض يراك النَّاس أفْضَلَ مِنِّي به، فَحَسَدَه وَقَصَدَ قَتْلَهُ. وثانيهما: رُوِيَ أنَّ آدم ﵇ كان يُولَدُ له [في كل بطن] غلام وجارية وكان يزوِّج [تلك] البِنْت من البَطْن بالغلام من بَطْن آخر، فولد له قَابِيل [وتوأمته،] قال الْكَلْبيُّ: وكان اسْمُهَا «إقْلِيمِياء» -، وبعدهما هَابِيل وتَوْأمَته وكانت تَوْأمَةُ قابيل أحْسَنَ النَّاسِ وجهاً، فأراد آدَم ﵇ أن يُزَوِّجَهَا من هَابِيل، فأبى قَابِيل وقال: أنا أحَقُّ بِهَا وهو أحق بأخته وليس هذا من اللَّه وَإنَّمَا هو رَأيُكَ، فقال آدمُ ﵇ لهما: قَرِّبَا قرباناً فأيُّكُمَا قبل قُرْبانه زَوَّجْتُها منه، فَقَرَّبَا قُرْبَانَيْن، فَقَبِلَ اللَّهُ قُرْبَانَ هَابِيلَ بأن أنْزل على قُرْبَانه ناراً فازداد قابيل حَسَداً له. قال القُرْطُبِيُّ: وَرُوِيَ عن جَعْفَرٍ الصَّادِقِ ﵁ «أنَّ آدم ﵇ -

стр. 4067

لم يكن يُزَوِّجُ ابنته من ابنه، ولو فعل ذلك ما رَغِبَ عنه النَّبي ﷺ َ، ولا كان دين آدم ﵇ إلَاّ دين النبي ﷺ َ ... » ، وذكر قَصَّته. قال القُرْطُبِيُّ: وهذه القِصَّة عن جَعْفَرٍ ما أظُنُّهَا تَصِحُّ، وأنه يزوِّجُ غلام هذا البَطْنِ إلى البَطْن الآخر، بدليل قوله تعالى: ﴿ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً﴾ [النساء: ١] ، وهذا كالنصِّ ثم نسخ ذلك على ما تقدم بيانه في «سورة البقرة» وكان جميع ما ولدته حَوَّاءُ أربعين ولداً ذكراً، وأنثى: عِشْرين بطناً أوَّلُهُم قابيل، وتوأمته إقليمياء وآخرهم عَبْدُ المُغِيثِ، ثم بارك الله في نسل آدم ﵊ ُ -. وعن ابن عبَّاسٍ ﵄: لم يمت آدم ﵇ حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألْفاً. والقول الثاني: وهو قول الْحَسَنِ والضَّحَّاك: أنَّ ابْنَيْ آدَمَ اللذين قَرَّبا القربان ما كانا ابْنَيْ آدم لِصُلْبِهِ، وإنما كانا رَجُلَيْن من بني إسرائيل [كانت بينهما خُصُومة، ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل] ؛ لقوله تعالى في آخر القصَّة: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بني إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً﴾ [المائدة: ٣٢] . وصدور الذنب من ابني آدم، لا يصلح أن يكون سَبَباً لإيجاب القِصَاص عليهم زَجْراً لهم عن المُعَاودَة إلى مثل هذا الذَّنب، ويَدُلُّ عليه أيضاً أنَّ المقصود من هذه القِصَّة: بيان أنَّ اليَهُود من قديم الدَّهر مُصِرُّونَ على التَّمَرُّدِ والحسد حتى بلغ بهم هذا الحَسَد إلى أن أحدهما لما قَبِلَ اللَّهُ قربانه حَسَدَه الآخر وقتله، ولا شكَّ أن هذا ذَنْبٌ عَظِيمٌ. فإنَّ قَبُولَ الْقُرْبَانِ ممَّا يدل [عليه أن صَاحِبَه] حسن الاعتقاد [وأنه] مقبول عند اللَّه - تعالى - فَتَجِبُ المُبَالَغَةُ في تَعْظِيمه، فلما أقدم على قَتْلِهِ [وَقَتَلَهُ] مع هذه الحالة دَلَّ ذلك على أنَّهُ قد بَلَغَ في الحَسَد أقصى الغايات، وإذا كان المرادُ أنَّ الحسَد داءٌ قديمٌ في بَنِي إسْرَائِيلَ، وجب أن يقال: [هذان الرَّجلان] كانا من بَنِي إسْرَائيلَ، والصَّحيح الأول؛ لأنَّ القاتل جهل ما يَصْنَع بالمقَتُول، حتى تعلَّم ذلك من عَمَل الغراب ولو كان من بَنِي إسرائيلَ لما خَفِي عليه هذا الأمْر - والله سبحانه أعلم -. فصل قوله تعالى: «بالحقِّ» فيه ثلاثةُ أوجهٍ:

стр. 4068

أحدُها: أنه حَالٌ من فاعل «اتْلُ» أي: اتلُ ذلك حال كونك مُلْتَبساً بالحقِّ أي: بالصِّدق، وموافقاً لما في التَّوْراة والإنْجِيل. والثاني: أنه حال من مَفْعُوله وهي «نَبَأ» ، أي: اتلُ نبأهُمَا مُلْتَبساً بالصِّدْقِ مُوافِقاً لما في كُتُب الأوَّلين لتثبت عليهم الحُجَّةُ برسالتك. الثالث: أنه صِفَةٌ لمصدر «اتْلُ» ، أي: اتْلُ ذلك تلاوةً مُلْتَبِسة بالحقِّ والصِّدٌ كافَّة. وَالزَّمَخْشَرِيُّ به بدأ، وعلى الأوْجُهِ الثلاثة ف «البَاءُ» للمُصَاحبة وهي متعلِّقَة بمحذُوف. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بتسكين الميم من «آدَم» قبل بَاءِ «بالْحَقِّ» ، وكذا كل مِيمٍ قبلها مُتَحرك، وبعدها بَاء، ومعنى الكلام: واتْلُ عليهم نبأ ابْنَيْ آدم بالغَرض [الصحيح] ، وهو تَقْبِيح الحسد، والبَغْي وقيل: لِيَعْتَبِرُو به لا لِيَحمِلُوهُ على اللَّعِبِ، كالأقاصيص التي لا فائدة فيها، وهذا يَدُلُّ على أنَّ المقصود من ذكر القصص العبرةُ لا مجرَّد الحكاية، لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألباب﴾ [يوسف: ١١١] . قوله تعالى: ﴿إِذْ قَرَّبَا [قُرْبَاناً] ﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: وبه بدأ الزَّمخشريُّ، وأبو البقاء: أن يكون متعلِّقاً بنفس النَّبأ، أي: قصّتُهما، وحديثهما في ذلك الوَقْت، وهذا وَاضِح. والثاني: أنه بَدلٌ من «نبأ» على حَذْف مضافٍ، تقديره: «واتْلُ» عَلَيْهِم النَّبأ ذلك الوقت، كذا قدَّره الزَّمَخْشَرِيُّ. قال أبُو حَيَّان: «ولا يجُوز ما ذكر؛ لأن» إذْ «لا يُضَاف إليها إلا الزَّمانُ و» نبأ «ليس بزمان. الثالث: ذكره أبُو البَقَاءِ [أنه حال من» نبأ « [وعلى هذا فيتعلق بِمَحذُوف، لكنَّ هذا الوجه غَيْر وَاضِح. قال أبو البَقَاء:] ولا يجوز أن يكون ظرفاً ل» اتْلُ «؛ قلت: لأنَّ الفعل مستقبل، و» إذ «وقت ماضٍ، فكيف يَتلاقَيَان؟ و» الْقُرْبَانُ «فيه احْتِمَالان:

стр. 4069

أحدهما: وبه قال الزَّمَخْشَرِيُّ:» أنه اسم لما يُتَقَرَّبُ به، كما أنَّ الْحُلْوَانَ اسم ما يُحَلَّى أو يُعْطى «. يقال: «قَرَّبَ صَدَقةً وتقرَّب بها» ؛ لأن «تقرَّب» مطواع «قرَّب» . قال الأصْمَعِيُّ: [تقربوا] «قِرْفَ القَمع» فيعدَّى بالباء حتى يكون بمعنى: قَرَّبَ، أي: فيكون قوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً﴾ يَطْلُبُ مُطَاوِعاً له، والتَّقْدِير إذْ قَرَّبَاهُ، فتقرَّبا بِهِ وفيه بُعْدٌ. قال أبُو حَيَّان: «وليس تقرَّب بصدقة مطاوع» قَرَّب صدقة «لاتحاد فاعل الفعلين، والمُطاوَعَةُ يَخْتَلِفُ فيها الفاعل يكونُ من أحدهما فعل، ومن الآخَرِ انفعال، نحو: كَسَرْتُه فانكسر، وفَلَقْتُه فانْفَلَق، فليس قَرَّبَ صَدَقَةً، وتقرَّبَ بها، من هذا البَابِ، فهو غلط فَاحِشٌ» . قال شهاب الدِّين: وفيما قاله الشَّيْخ نظر؛ لأنَّا نُسَلِّم هذه القاعدة. والاحتمال الثاني: أن يكون في الأصْل مَصْدراً، ثم أطلق على الشيء المُتقرّب به، كقولهم «نَسْج اليَمَن» ، و «ضَرْب الأمير» . ويُؤيِّد ذلك أنه لم يُثَنِّ، والموضعُ موضعُ تَثْنِية؛ لأنَّ كلاً من قَابيل وهَابيل له قُرْبان يَخُصُّه، فالأصل: إذ قَرَّبا قُرْبَانين ولأنه لم يُثَنِّ [لأنه مصدر في الأصل، وللقائل بأنه اسم ما يتقرّب به لا مصدر أن يقول: إنما لم يُثَنِّ] ؛ لأن المعنى - كما قاله أبو عَلِيّ الفَارسيّ -: إذ قَرَّبَ كلُّ واحدٍ منهما قُرْبَاناً، كقوله تعالى: ﴿فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] أي: كل واحد منهم. قال ابن الخطيب: جَمَعَها في الفِعْل، وأفرد الاسْم ليستدل بِفِعْلهما على أنَّ لكلِّ واحدٍ منهما قُرْباناً. وقيل: إنَّ القُرْبَان اسم جنس فهو يَصْلُح للوَاحِد والعَدَد. وقوله تعالى: ﴿فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخر﴾ . قال أكثر المُفَسِّرِين: كان علامَةُ القبول أن تأكله النَّار، وقال مُجَاهد: علامة الردِّ أن تأكله النَّار.

стр. 4070

وقيل: لم يكن في ذلك الوَقْتِ فقير يُدفَع إليه ما يتقرَّب به إلى الله - تعالى -، فكانت تَنْزِلُ من السَّمَاء نار تأكلُهُ. وإنما صار أحد القُرْبَانَيْن مقبولاً والآخر مردوداً؛ لأنَّ [حصول] التَّقوى شرط في قُبُول الأعْمَال لقوله تعالى هاهنا حِكَاية عن المُحِقِّ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين﴾ ، وقوله تعالى فيما أمَرنا به من القُرْبان بالبدن: ﴿لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] فأخبر أنَّ الذي يصل إليه لَيْس إلَاّ التَّقوى، والتَّقْوى من صفات القُلُوبِ؛ لقوله ﵇: «التَّقْوى هَاهُنَا» وأشار إلى القَلْب. وحقيقة التَّقْوى: أن يكون على خَوْف ووَجَل من تقصير نَفْسه في تلك الطَّاعَة. وأن يكون في غَايَةِ الاحْتِرَاز من أن يَأتِي بتلك الطَّاعَة لغرض سوى مَرْضَاة الله تعالى. وألَاّ يكون فيه شركة لِغَيْر الله تعالى. قيل: إن قابيل جعل قُرْبَانه أرْدَأ ما كان عِنْده، وأضْمَر في نفسه ألَاّ يُبَالي قُبِلَ أو لم يُقْبَلْ، وأنه لا يزوِّج أخْتَه من أخِيه أبَداً. وقيل: كان قابيل لَيْس من أهل التَّقْوى والطَّاعة فلذلك لم يَقْبَل اللَّهُ قُرْبانه. قوله تعالى: «قال لأقْتُلَنَّك» ، أي: قال الذي لم يتقبل منه للمَقْبُول منه. وقرأ الجمهور «لأقْتُلَنَّك» ، أي: قال الذي لم يتقبل منه للمَقْبُول منه. وقرأ الجمهور «لأقتلنَّك» بالنون الشديدة، وهذا جوابُ قسم مَحْذُوف وقرأه زيدٌ بالخفيفة. قال أبُو حَيَّان: [إنما يتقبل الله مَفْعُوله مَحْذُوف] ، لدلالة المعنى عليه، أي: قرابينهم وأعمالهم ويجُوزُ ألَاّ يراد له مَفْعُول، كقوله تعالى ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى﴾ [الليل: ٥] ، هذه الجُمْلَة قال ابن عطيَّة: «قبلها كلام محذوف، تقديرُه: لِمَ تَقْتُلني وأنا لم أجْنِ شيئاً، ولا ذَنْبَ لي في تَقَبُّلِ الله قرباني بدون قربانك» ؛ وذكر كلاماً كثيراً. وقال غيرُه: «فيه حذفٌ يَطُول» وذكر نحوه: ولا حَاجَة إلى تقدير ذلك كلّه؛ إذ المعاني مفهومَةٌ من فَحْوَى الكلام إذا قُدِّرَتْ قَصِيرةً كان أحْسَن، والمعنى هنا: لأقْتُلَنَّك حَسَداً على تَقَبُّل قُرْبَانك، فَعَرَّضَ له بأن سَبَبَ التَّقَبُّل التَّقْوى.

стр. 4071

وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: «فإن قلت: كيف [كان] قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين﴾ جوباً لقوله:» لأقْتُلَنَّكَ «؟ . قلت: لمَّا كان الحَسَدُ لأخيه على تَقَبُّل قربانه هو الذي حَمَلَهُ على توعُّده بالقَتْل، قال: إنَّما أتَيْت من قبل نفسك لانْسِلَاخها من لِبَاسِ التَّقْوَى» انتهى. وهذا ونَحْوه من تَفسِير المَعْنَى لا الإعْرَاب. وقيل: إن هذه الجملة اعْتِرَاض بَيْن كلام القَاتِل وكلام المَقْتُول والضَّمِير [في «قال» ] إنَّما يعود إلى الله تعالى، أي: قال الله ذلك لِرَسُوله، فَيَكُون قد اعْتَرض بقوله ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله﴾ بين كلام قابيل وهو: «قال لأقْتُلَنَّكَ» ، وبين كلام هَابِيل وهو: «لَئِنْ بَسَطْتَ» إلى آخره، وهو في غاية البُعْد لِتَنافُر النَّظْم. و «اللَاّم» في قوله: «لَئِنْ بَسَطْتَ» هي المُوَطِّئة. وقوله: ﴿مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ﴾ جوابُ القسم المَحْذُوف، وهذا على القاعِدَة المُقَرَّرةِ من أنَّه إذا اجْتَمَع شَرْطٌ وقسمٌ أجِيبَ سابقُهما إلا في صُورة تَقدّم التَّنْبِيه عليها. وقال الزَّمَخْشَرِي: «فإن قلت: لِم جاء الشَّرْط بلفظ الفِعْل، والجزاء بلفظ اسم الفاعل، وو قوله» لَئِنْ بَسَطْتَ «، ﴿مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ﴾ ؛ قلت: ليفيد أنه لا يفعلُ هذا الوَصْفَ الشَّنِيع، ولذلك أكَّدَهُ ب» الباء «المفيدة لِتَأكِيد النَّفْي» . وناقَشَهُ أبُو حيَّان في قوله: [إنَّ] ﴿مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ﴾ جزاء للشَّرْط. قال: لأنَّ هذا الجواب لِلقَسَم لا للشَّرط قال: «لأنه لو كان جواباً للشَّرط للزمته الفاء لِكَوْنه منفيًّا ب» ما «والأداة جَازِمة، وللزِمَهُ أيضاً تلك القَاعِدة، وهو كَوْنه لم يجب الأسْبَق منهما» وهذا ليس بشيء؛ لأن الزَّمَخْشَرِيَّ سماه جزاء للشَّرط لما كان دالاًّ على جزاء الشَّرْط، ولا نَكِيرَ في ذلك [ولكنه مُغْرى بأن يقال: قد اعترض على الزَّمَخْشَرِي] . وقال أيضاً: وقد خالف الزمخشريّ كلامه هنا بما ذكره في «البَقَرة» في قوله تعالى ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الذين﴾ [البقرة: ١٤٥] ، من كونه جعله جواباً للقسم سادًّا مسدّ جوابِ الشَّرْط، وقد تقدَّم بحثه مَعَهُ هناك.

стр. 4072

فصل في معنى الآية ومعنى قوله «بَسَطْتَ» أي: مَددْتَ إليَّ يدكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنَا بباسطٍ يدي إليْكَ لأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ الله ربَّ العالمِين «قال عبدُ الله بن عمرو ﵄: وايمُ الله إن كان المَقْتُول أشدَّ الرَّجُلَين، ولكن مَنَعَهُ التَّحَرُّج أن يَبْسُطَ إلى أخيه يده، وهذا في الشَّرْعِ جَائِز لمن أُريد قَتْلُهُ أن يَنْقَاد ويَسْتَسْلِم طلباً للأجْر، كما فعل عُثْمان - رضي الله تعالى عنه - وقال النبي ﷺ َ لمحمَّد بن مسلمة ﵁» ألق كمك على وجهك وكن عبد الله المَقْتُول ولا تكن عبد الله القاتِل «. وقال مجاهد:» كتب عليهم في ذلك الوَقْتِ إذا أراد رَجُلٌ قَتْلَ رجل أنَّه لا يَمْتَنِع ويصْبر «. قوله تعالى: ﴿إني أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾ ، فيه ثلاثة تأوِيلات: أحدها: على حَذْفِ همزة الاستفهام تقديره: أإنِّي أريد؛ وهو استفهام إنكَار؛ لأن إرادة المَعْصِيَة قبيحَةٌ، ومن الأنْبِيَاء أقبح؛ فهم معْصُومُون عن ذلك، ويؤيِّد هذا التَّأويل قراءة من قرأ» أنَّى أريد «بفتح النون، وهي» أنَّى «التي بمعنى» كَيْفَ «، أي: كيف أريد ذلك. والثاني: أنَّ» لا «محذوفةٌ تقديره: إني أريدُ أن لا تَبُوء، كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦] ، وقوله تعالى: ﴿رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] ، أي ألاّ تضلّوا وألا تميد وهو مستَفِيضٌ وهذا أيضاً فرار من إثْبَات الإرَادَة له، وضعَّفَ بعضهم هذا التَّأويل بقوله ﵊ ُ -:» لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْماً إلَاّ كانَ على ابْنِ آدمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِها؛ لأنَّهُ أوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ «. فثبت بهذا أن الإثْمَ حاصلٌ، وهذا الَّذي ضعَّفه به غير لَازِم؛ لأن قائِل هذه المقالة يقول: لا يلزم من عَدَمِ إرادَته الإثْم لأخيه عَدَم الإثم، بل قد يريد عدمه ويَقَع.

стр. 4073

الثالث: أن الإرادة على حَالها، وهي: إمَّا إرادة مَجَازية، أو حقيقيَّة على حَسَبِ اختلاف المُفسِّرين في ذلك، وجَاءَت إرادة ذلك به لمعانٍ ذكرُها، من جملتها: أنَّه ظهرت له قَرائِن تدلُّ على قرب أجلهِ، وأنَّ أخاه كافر، وإرادة العُقُوبَة بالكافر حَسَنة. وقوله:» بِإثْمِي «في مَحَلِّ نصبٍ على الحال من فاعل» تبُوء «أي: ترجعُ حاملاً له ومُلْتبساً به، وقد تقدم نَظِيرُه في قوله ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠] وقالوا: لا بُدَّ من مُضافٍ، فقدَّره الزَّمَخْشَرِيُّ» بمثلَ إثمي «قال:» على الاتِّسَاع في الكلام، كما تقول: قرأت قراءة فلان، وكتبت كِتَابَته «. وقدَّره بعضهم «بإثْمِ قَتْلِي، وإثم معصِيَتك التي لم يُقبل لأجلها قُرْبَانك، وإثْم حسدك» . وقيل: معناه إنِّي أريد أن تَبُوءَ بعقاب قَتْلي فتكون إرادة صَحِيحَة؛ لأنَّها موافقة لِحُكم الله ، ولا يكون هذا إرادة للقَتْل، بل لموجِبِ القتل من الإثْم والعِقَاب رُوِي أن الظَّالم إذا لم يَجِد يوم القِيَامة ما يرضي خَصْمَه، أُخِذَ من سيِّئَات المَظْلُوم وحمل على الظَّالم، فعلى هذا يَجُوز أن يُقَال: إنِّي أُريد أن تَبُوء بإثْمي في قَتْلِك، وهذا يَصْلُح جواباً. قوله «فَطَوَّعَتْ» الجمهورُ على «طَوَّعَتْ» بتشديد الواو من غير ألف بمعنى «سَهلت وبعثت» أي: جَعَلْته سهلاً، تقديره: بعثت له نفسه أنَّ قتل أخيه طَوْعاً سهل عليه. قال الزَّمَخْشَرِي: «وسَّعَتْه ويسَّرَتْه من طاعَ له المرْتَعُ إذ اتَّسع» انتهى. وقال مجاهد: شجّعْتُه. وقال قتادة: زيَّنْتُ له نفسه، والتَّضْعيف فيه للتَّعْدِية؛ لأنَّ الأصل: طَاعَ له قَتْلُ أخيه، أي: انْقَادَ من الطَّواعِية، فعُدّي بالتَّضعيف، فصار الفاعلُ مَفْعُولاً كحاله مع الهَمْزَة.

стр. 4074

وقرأ الحسن، وزَيْد بن علي وجماعة كثيرة «فَطَاوعتْ» ، وأبدى الزَّمَخْشَرِيُّ فيها احتِمَالَيْن: أحدهما: أن يكُون ممَّا جاء فيه «فَاعَلَ» لغير مُشاركة بين شَيْئيْن، بل بمعنى «فَعَّل» نحو: ضَاعَفْتُه وضَعَّفْته، وناعَمْتُهُ ونَعَّمْتُه، وهذان المثالان من أمثلة سِيبويه. قال: «فجاءوا به على مثال عاقَبْتُه» . قال: وقد تجيء: «فاعَلْتُ» لا تريدُ بها عمل اثْنَيْن، ولكنَّهم بَنَوْا عليه الفِعْل كما بَنَوْه على «أفْعَلْتُ» ، وذكر أمْثِلَة منها: «عَافَاهُ اللَّه» ، وقَلَّ مَنْ ذكر أن «فَاعَل» يجيءُ بمعنى «فعّلْتُ» . والاحتمال الثاني: أن تكون على بَابِهَا من المُشَاركة، وهو أنَّ قَتْل أخيه كأنه دَعَا نَفْسَه إلى الإقْدَام عليه فَطَاوعته انتهى. وإيضاحُ العبارة في ذلك أنْ يُقَال: جعَل القَتْل يدعو إلى نفسه لأجل الحسد الذي لَحِقَ قَابِيل، وجعلت النَّفسُ تَأبى ذلك وتَشْمَئِزُّ منه، فكُلٌّ منهما - أعني القَتْلَ والنَّفْسَ - كأنه يريد من صاحِبِه أن يُطِيعَه إلى أن غَلَبَ القَتْلُ النَّفسَ فطاوعته، و «له» مُتعلِّق ب «طوَّعت» على القِرَاءتَيْن. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: و «له» لزيادة الرَّبْط، كقولك: حَفِظْتُ لزيْد ماله. يعني أنَّ الكلام تامٌّ بِنَفْسه. ولو قيل: فَطَوَّعَتْ نفسُه قَتْل أخيه، كما كان كَذَلك في قولك «حَفِظْتُ مالَ زَيْد» فأتى بهذه «اللَاّم» لقوة رَبْط الكلام. قال أبو البقاء: وقال قوم: طاوَعَتْ تتعدَّى بغير «لَام» ، وهذا خَطَأٌ؛ لأنَّ التي تتعدى بغير اللَاّم تتعدى لِمَفْعُول واحد، وقد عَدَّاهُ إلى قَتْلِ أخِيه. وقيل: التَّقْدِير: طاوَعَتْه نفسه قَتْل أخيه، فزاد «اللَاّم» وحذف «عَلَى» ، أي: زاد اللَاّم في المفعول به وهو «الهَاء» ، وحذف [ «على» الجارَّة ل «قَتْل أخِيه» ] . قالت المُعْتَزِلَةُ: لو كان خالق الكلِّ هو الله لكان ذلك التَّزيين والتَّطْويع مُضافاً إلى الله - تعالى - لا إلى النَّفْس. والجواب: أنَّ الأفعال لما استَنَدَت إلى الدَّوَاعي، وكان فاعل تِلْك الدواعي هو الله

стр. 4075

فكان فاعل الأفْعَال كلها هو الله - تعالى - ثم قال تعالى «فَقَتَلَهُ» ، قيل: لم يَدْر قابيل كيف يَقْتُل هَابِيل. قال ابن جُرَيْج: فتمثَّل له إبليس، فأخذ طَائِراً ووضَع رأسَه على حَجَرٍ، ثم شَدَخَ له حجرًا آخر، وقَابيل يَنْظُر إلَيْه فعلَّمه القتل، فرضَخَ قابيل رَأسَ هَابِيل بين حَجَرَيْن، قيل: قتله وهو مُسْتَسْلِمٌ، وقيل: اغْتَالَه وهو نَائِمٌ. وكان لهابيل يوم قُتل عشرون سنة، واخْتَلَفُوا في موضع قَتْله قال ابن عبَّاس ﵄ على جبل ثَوْر، وقيل: عند عقبة حراء، وقيل: بالبَصْرَة عند موضع المَسْجد الأعْظَم، فلمَّا قتله تركه بالعَرَاء ولم يدر ما يصنع به؛ لأنَّه كان أول ميِّت على وَجْهِ الأرْض من بَنِي آدم، وقصده السِّباع فَحَمَلَه في جراب على ظَهْرِه أرْبَعِين يَوْماً. وقال ابن عبَّاس ﵄: سَنَة حتى أروح، وعَكَفَت عليه الطَّيْر والسِّبَاع تَنْظُر متى يرمي به فَتَأكله ثم قال: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين﴾ : الحائرين. قال ابن عبَّاسٍ ﵄ خسر دُنْيَاه وآخِرته أما الدُّنْيَا: فإنه أسْخَطَ والديه، وَبقِي مذمُوماً إلى يوم القِيَامة، وأما الآخِرة: فهي العِقَابُ الدَّائِم العَظِيم. قيل: إنَّ قابيل لما قتل أخاه [هابيل] ، هرب إلى عدن من أرْضِ اليمن، فأتاه إبْليس فقال له: إنَّما أكلت النَّارُ قُرْبَان هَابِيل؛ لأنَّه كان يَخْدُم النَّار ويعبُدُها، فإن عَبدت أنت أيضاً النَّار حصل مَقْصُودك، فبنى بيت نَارٍ وهو أوَّل من عبد النَّار، ورُوِي أنَّه لما قَتَلَهُ اسْوَدَّ جَسَدُهُ وكان أبْيَض، فَسَألَهُ آدم عن أخِيه، فقال: ما كُنْت عليه وَكِيلاً، فقال: بل قَتَلْته، ولذلك اسوَدَّ جَسَدُك، ومكث آدَمُ بَعْدَه مائة سنة لم يضَحْكَ قطّ. قال الزمخشري: روي أنَّه رَثَاهُ بِشِعْر، وهو كَذِب بحت والأنبياء معْصُومون عن

стр. 4076

الشِّعر روى أنس ﵁ قال: «سئل النبي ﷺ َ عن يوم الثلاثاء فقال:» يوم الدَّم فيه حاضَت حَوَّاء، وفيه قتل ابنُ آدم أخَاه «.

стр. 4077

قوله تعالى ﴿فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي [سَوْءَةَ أَخِيهِ] ﴾ . هذه «اللامُ» يجوز فيها وجهان: أحدهما: أنَّها متعلِّقة ب «يبحث» ، أي: يَنْبُشُ ويُثِيرُ التُّراب للإراءة. الثاني: أنها متعلِّقة ب «بَعَثَ» ، والمعنى: لِيُريَه الله، أو ليريه الغراب، و «كَيْفَ» معمُولة ل «يُوارِي» ، وجملة الاستفهام معلقة للرُّؤْية البَصَرية، فهي في محلِّ المَفْعُول الثَّانِي سادةٌ مسدَّه؛ لأن «رأى» البصرية قبل تعدِّيها بالهَمْزة مُتَعَدِّية لواحد، فاكتسبت بالهمزة آخر، وتقدَّم نَظِيرُها في قوله تعالى: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] ومعنى: «يَبْحَثُ» أي: يُفَتِّش في التُّرَاب بمنقارِه ويثيره، ومنه سُمِّيت سورة «بَراءَة» البحوث؛ لأنها فَتَّشَت على المُنَافقين، والسَّوْءَةُ المراد بها: ما لا يجُوز أن يَنْكَشِفَ من جَسَده، وهي الفضيحة أيضاً، قال: [الخفيف] ١٩٥١ - ... ... ... ... ... ... ... ... ..... يَا لَقَوْمِي لِلسَّوْءَة السَّوآءِ ويجوز تخفيفها بإلقاء حَرَكَة الهَمْزة على الواو، وهي قراءة الزُّهري، وحينئذٍ لا يجوزُ قَلْبُ هذه الواو ألِفاً، وإن صدق عليها أنَّها حرْف علّةٍ متحرك مُنْفَتِحٌ ما قبله؛ لأنَّ حركتها عَارِضة، ومثلُها «جَيَل» و «توم» مُخَفَّفَيْ «جَيْألَ» و «تَوْءَم» ، ويجوزُ أيضاً قلبُ هذه الهمزة واواً، وإدغامُ ما قبلها فيها تَشبيهاً للأصلي بالزَّائِد [وهي لُغة] يَقُولون في «شَيْء» و «ضَوْء» : شَيّ وضوّ، قال الشَّاعر: [البسيط]

стр. 4078

١٩٥٢ - وإنْ يَرَوْا سَيَّةً طَارُوا بِهَا فَرَحاً ... مِنِّي ومَا سَمِعُوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا وبهذا قرأ أبُو جعفر. قوله تعالى: «يَا ويْلَتَا» قلب يَاء المُتَكلم ألِفاً، وهي لغة فاشيةٌ في المُنَادى المضاف إليها، وهي إحدى اللُّغات السِّت، وقد تقدم ذكرُها. وقُرِئ كذلك على الأصْلِ وهي قِرَاءة الحسن البَصْرِيِّ. والنِّدَاء وإن كان أصلُه لِمَنْ يتأتَّى منه الإقْبَالُ وهم العقلاءُ، إلا أنَّ العرب تتجوَّز فتُنَادِي ما لا يَعْقِلُ. وهذه كلمة تُسْتَعمل عند وُقُوعِ الدَّاهِيَة العظيمة ولفظُهَا لفظ النِّداء، كأن الوَيْل غير حَاضِر عِنْده، والمعنى يا وَيْلَتَى احضُري، فهذا أوانُ حُضُورك، ومثله: ﴿ياحسرة عَلَى العباد﴾ [يس: ٣٠] ، ﴿ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ﴾ [الزمر: ٥٦] ، وأمال حمزة، والكسائي، وأبُو عمرو في رواية الدَّوْري ألف «حَسْرَتَا» ، والجمهور قرأ «أعَجَزْتَ» بفتح الجيم، وهي اللُّغة الفَصِيحَة، يقال: «عََجَزْت» بالفتح في الماضي، «أعْجِزُ» بِكَسْرها في المُضَارع. وقرأ الحسن، وابن عبَّاس، وابنُ مسعُود، وطلحة بكسرها وهي لغة شاذَّة، وإنَّما المشهور أن يُقَال: «عَجِزت المرأة» بالكَسْر أي كَبُرت عَجِيزتُهَا، و «أن أكون» على إسْقَاط الخَافِض، أي: عَنْ أنْ أكونَ، فلما حُذِف جَرَى فيها الخلاف المَشْهُور. قوله تعالى: «فَأوَارِيَ» . قرأ الجمهورُ بنصب الياء، وفيها تَخْرِيجان: أصحهما: أنه عطف على «أكون» المنصوبة ب «أنْ» منتظماً في سِلْكِهِ، أي: أعجَزْت عن كوني مُشْبِهاً للغُرَاب فَمُوَارياً. والثاني: قاله الزمخْشَريُّ، ولم يذكر غيره أنَّه منْصوب على جواب الاستفهام في قوله: «أعجَزْتُ» ، يعني: فَيَكونُ من باب قوله: ﴿فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ﴾ [الأعراف: ٥٣] .

стр. 4079

ورده أبو البقاء بعد أن حَكَاهُ عن قَوْمٍ، قال: وذكر بعضهم: أنه يجُوزُ أن يَنتصب على جواب الاستفهام؛ وليس بِشَيء، إذ ليس المَعْنى: أيكون منِّي عجز فَمُواراة، ألا ترى أن قولك: «أين بَيْتُكَ فأزُوركَ» معناه: لو عَرَفْتُ لزرتُ ليس المَعْنَى هنا «لو عَجَزت لوَاريت» . قال شهاب الدين: وهذا الرَّدُ على ظاهره صَحِيحٌ. وبَسْطُ عبارة أبي البَقَاء: أنَّ النُّحاة يَشْتَرِطون في جواز نَصْب الفعْلِ بإضمار «أنْ» بعد الأشياء الثمانية - غير النَّفْي - أن يَنحلَّ الكلامُ إلى شرطٍ وجَزَاء فإن انعقد منه شَرْط وجزاء صَحَّ النَّصْبُ، وإلَاّ امتنعَ، ومنه «أيْن بيتُك فأزُورَك [أي] إن عَرّفتني بَيْتَك أزُورَك» . وفي هذا المقام لو حَلَّ منه شرط وجَزَاء لفسد المعنى؛ إذ يصير التَّقْدِيرُ: إنْ عَجَزْت وارَيْت، وهذا ليس بِصَحِيح؛ لأنه إذاعَجز كيف يُوَارِي. وردَّ أبو حيَّان على الزَّمخشريِّ بما تقدَّم، وجعله غَلَطاً فاحِشاً وهو مَسْبُوقٌ إليه كما رأيت، فأساءَ عليه الأدبَ بشيء نَقَلَهُ عن غيره الله أعلمُ بصحَّتِهِ. وقد قرأ الفَيَّاض بن غَزْوَان، وطلحة بن مصرف «بسكون الياء» ، وخرَّجها الزمخشري على أحد وجهين: إمَّا القَطْع، أي: فأنا أوَاري، وإمَّا على التَّسْكِين في موضع النصب تخفيفاً. وقال ابنُ عطيَّة: «هي لغة لتوالي الحركات» . قال أبو حيَّان: «ولا يصلح أن تعلَّلَ القِرَاءة بهذا ما وُجِد عنه مندُوحَةٌ؛ إذ التَّسْكينُ في الفَتْحَة لا يجُوز إلَاّ ضرورة، وأيضاً فلم تتوالَ حركات» . وقوله «فَأَصْبَحَ» بمعنى «صَارَ» . قال ابن عطيَّة: قوله: «أصْبَح» عبارة عن جميع أوْقَاتِه قيم بَعْض الزَّمان مكان كله، وخُصَّ الصَّباحُ بذلك [لأنه] بَدْءُ النهار، والانبعاث إلى الأمُور، ومَظَنَّةُ النَّشَاط، ومنه قولُ الرَّبِيع: [المنسرح] ١٩٥٣ - أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .

стр. 4080

وقول سعد بن أبي وقَّاص: ثم أصَبْحَت بنو [أسد تعزرني على] الإسلام إلى غير ذلك. قال أبو حيَّان: وهذا التَّعْليل الذي ذكره؛ لكون «أصْبَح» عبارة عن جميع أوْقاته، وإنما خصَّ الصَّبَاح لكونه بَدْءُ النَّهَار ليس بِجَيّد؛ لأن العرب اسْتَعْمَلَت «أضْحَى» و «بَاتَ» و «أمْسَى» بمعنى «صَار» ، وليس شيء منها بَدْء النَّهَار. قال شهاب الدين: وكيف يُحْسِن أن يردَّ على أبي محمد بِمِثْل هذا، وهُوَ لم يَقُل: إنها لمَّا أُقِيمَت مقام أوْقَاته للعلَّةِ الَّتي ذكرها تكونُ بمعنى «صَار» ، حتَّى يلزمَ بأخواتها نَاقِصة عليه، وسيأتي الكلام على ذلك في «الحُجُرَات» عند قوله تعالى ﴿فَتُصْبِحُواْ على مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الآية: ٦]- إن شاء الله تعالى -. فصل فإن قيل: فِعْل الغُرَابِ صار سنَّة في دفن الخَلْقِ فَرْضاً على جميع النَّاس على الكِفَاية. فالجواب: قال بعض المُفَسِّرين: لمَّا قتله ولم يدر ما يَصْنَع به بَعَثَ اللَّه غرابين فاقْتَتَلا، فقتل أحدُهما الآخر فحفَر له بِمِنْقَاره ورجليه، ثمَّ ألقاه في الحُفْرَة فتعلَّم قابيل ذلك، وعَلِمَ أن الغُرَاب أكثر عِلْماً منه، وعلم أنَّه إنما أقدم على قَتْل أخيه [بسبب] جهله وقلَّة معرفته فَنَدِم وتلهف. وقال الأصمُّ: لما قتله وتركه فَبَعَث اللَّه غُرَاباً يحثو التَّراب على المقْتُول، فلما رأى القَاتِل أنَّ المقتول كيف يُكرمُهُ اللَّه بعد موته نَدِم وقال: يا وَيْلَتا، وقال أبو مُسْلم: عادة الغُرَاب دفن الأشْيَاء فجاء غرابٌ ودفن شيئاً؛ فتعلَّم ذلك منه. وقيل: إنَّه كان عالماً بكيْفِيَّة الدَّفن، وأنه يبعد في الإنْسَان العَاقِل ألَاّ يُهْدَى إلى هذا القدر من العمل، إلَاّ أنه لما قَتَلَهُ تركه بالعَرَاء، فلما رَأى الغُرابَ يدفن الغُرابَ رقَّ قلبه، وقال: إن هذا الغُراب لما قتل ذلك الآخر فبعد أن قَتَلَهُ أخْفَاه تحت الأرْض، أفأكون أقلَّ شَفَقَة من هذا الغُراب؟! فجاء وحَثَى التُّراب على المَقْتُول، فلما رأى أنَّ الله تعالى أكرمه حال حياته بقبول قُرْبَانه، وأكرمه بعد مماته بأن بعث الغُراب ليدفنه تَحْتَ الأرْض، علم أنَّه عظيم الدَّرجة عند الله تعالى؛ فتلهَّف على فِعْله، وعَلِمَ أن لا قدرة له على التَّقَرُّب إلى أخيه إلَاّ بأن يَدْفِنَه في الأرض فلا جرم قال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا

стр. 4081

الْغُرَابِ﴾ . فإن قيل: لفظ النَّدَم وضع للزُوم، ومنه سُمِّي النَّدِيم نَدِيماً لأنه يُلازِمُ المَجْلس. فالجواب أنَّه ﵊ ُ - قال: ﴿النَّدم تَوْبَة﴾ وأجابوا عنه بوجوه: أحدها: أنه لما تعلَّم الدَّفن من الغُرَاب صار من [النَّادِمين على كونه حَمَلَهُ على ظهره سنة. وثانيها: أنه صار من النَّادمين] ؛ لأنَّه لم ينتفع بقتله، وسخطَ عليه بسببه أبواه وإخوته، وكان نَدمُه لهذه الأسْباب لا لِكَونِهِ مَعْصِية. وثالثها: أنَّ ندمه كان لأجْل تركه بالعَرَاء استِخْفافاً به بعد قَتْله، لأنَّ الغُرَاب لما قتل الغُرَاب ودفنه، نَدِم على قساوة قَلْبه، وقال: هذا أخِي وشقيقي ومَنْ لحمه مختلط بِدَمي، فإذا ظهرت الشَّفَقَة من الغُرَاب ولم تظهر منِّي على أخِي، كنت دون الغراب في الرَّحْمَة والشَّفَقة والأخْلاق الحميدة، فكان نَدَمُه لهذه الأسْبَاب، لا للخوف من الله - تعالى -، فلذلك لَمْ يَنْفَعه النَّدم. قال المُطَّلِب بن عَبْد اللَّه بن حِنْطَب: لمَّا قتل ابن آدَم أخَاهُ، وجفَّت الأرض سَبْعَة أيَّام بما عليها، ثمَّ شَرِبت الأرْضُ دَمَهُ كما تشرب الماء، فنادَاه [آدم] : أين أخُوكَ هَابِيلُ؟ قال: ما أدري ما كنت عليه رَقِيباً. فقال آدم: إن دم أخيك ليُنَادِيني من الأرْضِ. فلم قَتَلْتَ أخاكَ؟ قال: فأيْنَ دَمُه إن كنت قتلته؟ فحرّم اللَّه على الأرْض أن تَشْرَب بعده [دماً] أبداً، وقيل لقابيل: اذْهَب طَرِيداً شريداً فزعاً مَرْعُوباً لا تأمَن من تراه، فأخَذَ بيد أخته «إقْلِيما» وهَرَب بها إلى اليَمَن، فأتاه إبليس فقال له: إنَّما أكَلَت النَّار قربان أخيك هَابيل؛ لأنَّه كان يعبُد النَّار فانْصِبْ أنت أيضاً ناراً، وهو أوَّل من عَبَد النَّار قال مُجَاهد: فعلقت إحدى رِجْلَيْ قَابِيل إلى فخذهَا وسَاقِهَا، وعلقت من يَوْمئذٍ إلى يومِ القِيَامة، ووجهه إلى الشمس حيث ما دارت عليه، في الصَّيْف حَظِيرةٌ من نار، وفي الشِّتَاء حظيرةٌ من ثَلْج، واتَّخَذَ أولاد قَابِيل آلات اللَّهْو، وانهمكوا في اللَّهْو وشُرْبِ الخَمْر وعِبَادة النار والزِّنا والفَواحِش، حتَّى غرقهم اللَّه بالطُّوفان أيَّام نوح ﵇ وبقي نَسْلُ شِيث.

стр. 4082

قوله: [ ﴿مِنْ أَجْلِ ذلك﴾ ] فيه وجهان: أظهرهما: أنه متعلِّق ب «كَتَبْنَا» وذلك إشارةٌ إلى القَتْل، و «الأجْل» في الأصْل هو: الجناية، يقال: «أجَل الأمْر يأجل [إجْلاً] وأجْلاً وإجْلَاء، وأجْلَاء» بفتح الهمزة وكسْرِها إذا جَنَاهُ وحْدَه، مثل: أخَذَ يَأخُذُ أخْذاً. ومنه قول زُهَيْرٍ: [الطويل] ١٩٥٤ - وَأهْلِ خِبَاءٍ صالحٍ ذَاتُ بَيْنهمْ ... قَدِ احْتَرَبُوا فِي عَاجِلٍ أنَا آجِلُهْ أي: جَانِيه. ومعنى قول النَّاس «فَعَلْتُه من أجْلِك ولأجلك» أي: بِسببك، يعني: مِنْ أنْ جَنَيْتَ فِعْلَه وَأوْجَبْته، وكذلك قولهم: «فَعَلْتُه مِنْ جَرَّائك» ، أصْلُهُ من أن جَرَرْتَهُ، ثم صار يستعمل بمعنى السَّبَب. ومنه الحديث «مِن جَرَّاي» أي: من أجْلِي. و «من» لابتداء الغاية، أي: نَشَأ الكَتْبُ، وابتدى من جناية القَتْلِ. ويجُوزُ حَذْفُ «مِنْ» واللَاّم وانتصاب «أجْل» على المَفْعُول له إذا استكمل الشُّروط له. قال: [الرمل] ١٩٥٥ - أجْلَ أنَّ اللَّهَ قَدْ فَضَّلَكُمْ..... ... ... ... ... ... . والثاني: أجَازَ بعض النَّاس أن يكون مُتعلِّقاً بقوله: «من النَّادمين» أي: ندم من أجْلِ ذلك، أي: قَتْلِهِ أخاه قال أبو البقاء: ولا تتعلَّقُ ب «النَّادمين» ؛ لأنَّه لا يحسن الابتداء ب «

стр. 4083

كَتَبْنَا» هنا، وهذا الردُّ غير وَاضِح، وأين عَدَمُ الحُسْنِ [بالابتداء] بِذَلك؛ ابتدأ الله - تعالى - إخْبَاراً بأنَّه كتب ذلك، والإخْبَار مُتعلِّق بقصة ابْنَيْ آدم إلا أنَّ الظَّاهر خلافه كما تقدَّم. [والجمهور على فتح همزة «أجل» ، وقرأ أبو جعفر بكسرها، وهي لغة كما تقدم] ورُوي عنه حذفُ الهمزة، وإلقاءُ حركتها وهي الكسرة على نون «مِنْ» ، كما يَنْقِل وَرْش فتحتها إليها، والهاء في «أنَّه» ضمير الأمْر والشَّأن، و «منْ» شرطيَّة مبتدأة، وهِيَ وخَبَرُها في مَحَلِّ رفعٍ خبراً ل «أن» ، فإن قيل: قوله ﴿مِنْ أَجْلِ ذلك﴾ أي: من أجْل ما مَرَّ من قصَّة قَابِيل وهَابِيل كَتَبْنَا على بَنِي إسْرَائيل القصاص وذلك مُشْكِلٌ، لأنه لا مُنَاسَبَة بين واقِعَة قَابِيل وهَابِيل، وبين وُجُوب القِصَاص على بَنِي إسْرائيل. فالجواب من وجهين: أحدهما: ما تقدَّم نَقْلُهُ عن الحسن، والضَّحَّاك: أنَّ هذا القَتْل إنما وقع في بَنِي إسْرَائيل، لا بَيْنَ ولديْ آدم لصُلْبِه. الثاني: أن «مِنْ» في قوله ﴿مِنْ أَجْلِ ذلك﴾ ليس إشارة إلى قصَّة قَابِيل وهَابِيل بَلْ هُو إشَارَةٌ إلى ما ذكر في القِصَّة من أنْوَاع المَفَاسِدِ الحاصلة بِسَبَب القتل المحرَّم، كقوله «فأصْبَح من الخَاسِرين» ، و «أصْبَح من النَّادِمين» ، فقوله «أصبح من الخَاسِرِين» إشارةٌ إلى أنه حَصَل في قلبه أنْوَاع النَّدم والحسرة والحُزْن، مع أنَّه لا دَافِع لذلك ألْبَتَّة. فإن قيل: حُكْم القِصَاص ثَابتٌ في جميع الأمَم فما فَائِدَة تخْصِيصِه بِبني إسْرائيل؟ . فالجواب: أنَّ وجوب القِصَاص وإن كان عاماً في جميع الأمَمِ، إلا أنَّ التَّشْديد المَذْكور في حقِّ بَنِي إسْرائيل غير ثَابتٍ في جميع الأدْيَان؛ لأنَّه - تعالى - حكم هاهُنَا بأن قَتْل النفس جار مُجْرى قَتْل جَمِيع النَّاس، فالمقصود منه: المُبَالَغَة [في عقاب القتل العَمْد العدوان، والمقصود من هذه المُبَالَغَة: أنَّ اليهُود مع عِلْمهم بهذه المُبَالغة العَظِيمة] أقدَموا على قتل الأنبياء والرُّسل، وذلك يدُلُّ على غاية قَسَاوَة قُلُوبهم ونِهَاية بُعْدهم عن طَاعَة الله، ولما كان الغرض من ذكر هذه القصص، تَسْلية الرَّسول في الواقعة التي ذكرْنا، من أنَّهُم عزموا على الفتك برسُول اللَّه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وبأكابر الصَّحابة، [فكان تَخْصِيص] بَنِي إسرائيل في هذه القِصَّة بهذه المُبَالغَة مُنَاسِباً للكَلَام. فصل استدلَّ القَائِلُون بالقياس بهذه الآية على أنَّ أحْكَام الله تعالى قد تكون مُعَلَّلة؛ لأنَّه

стр. 4084

قال: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا﴾ وهذا تَصْرِيح بأن كتبه تلك الأحْكَام معلَّلٌ بتلك المَعَانِي المُشَار إليها بقوله ﴿مِنْ أَجْلِ ذلك﴾ . وقالت المُعتزلةُ: دَلَّت هذه الآيةُ على أنَّ أحْكَام اللَّه معلّلة بمصالح العِبَاد، وإذا ثَبَتَ ذلك امْتَنَع كونه خَالِقاً للكُفْر والقَبَائح، مُريداً وقوعها مِنْهم؛ لأنَّ خلق القَبَائح وإراداتها يمنع من كونه تعالى مُرَاعياً للمصالح، وذلك يُبْطِل التَّعْلِيل المَذْكُور في هذه الآية. وأجاب القَائِلُون بأنَّ تعلِيلَ أحْكَام اللَّه مُحَالٌ بوجوه: أحدها: أن العِلَّة إذا كانت قَدِيمة لزم قدم المَعْلُول، وإن كانت مُحْدَثة وجب تَعْلِيلُها بعلَّة أخرى ولزم التَّسَلْسُل. وثانيها: لو كان مُعَلَّلاً بِعِلَّة، فوجود تلك [العِلَّة] وعدمها بالنِّسْبَة إلى اللَّه تعالى إن كان على السَّوِيَّة امتنع كونه عِلَّة، وإن لم يَكُن فأحدهما به أوْلى، وذلك يَقْتَضِي كونه مُسْتَفِيداً تلك الأوْلويَّة من ذلك الفِعْلِ [فيكون ناقِصاً لذاته مُسْتَكْملاً بغيره وهو مُحَال. وثالثها: ثبت توقف الفعل] على الدَّوَاعي، ويمتنع وقوع التَّسَلْسُل في الدَّواعي، بل يجب انْتِهَاؤُها إلى الدَّاعية الأولَى التي حَدَثَت في العَبْد، لا مِن العَبْد بل من الله تعالى، وثبت أنَّ عند حُدُوث الدَّاعِية يجب الفعل. وعلى هذا التقدير: فالكُلّ من الله تعالى، وهذا يَمْتَنِع من تَعْلِيل أفْعَال اللَّه وأحكامه برعاية المصالح، وإذا ثبت امْتِنَاع تَعْليل أفعال اللَّه وأحكامه ثَبَتَ خلوّ ظاهر هذه الآية من المُتَشَابِهَات، ويؤكِّده قوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المسيح ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً﴾ [المائدة: ١٧] ، وذلك نصٌّ صَرِيحٌ في أنَّه يحسن من اللَّه كُلُّ شيء، ولا يَتَوَقَّف خلقه وحُكْمُه على رعاية المَصْلَحة ألبتة. قوله تعالى «بِغَيْر نَفْسٍ» فيه وجهان: أحدهما: أنه مُتَعَلِّقٌ بالقتل قَبْلها. والثاني: أنَّه في مَحَلِّ حالٍ من ضمير الفاعل في «قتل» ، أي: قَتلها ظالماً، ذكره أبو البقاء. وقوله تعالى «أوْ فسادٍ» الجمهور على جَرِّهِ عَطْفاً على «نَفْس» المجرور بإضافة [ «غَيْر» إليها] ، وقرأ الحسن بنصبه، وفيه وجهان:

стр. 4085

أظهرهُمَا: أنَّه منصوبٌ على المَفْعُول بعامل مضمر يَلِيقُ بالمَحَلِّ، أي: أو أتى أو عَمِل فََسَاداً. والثاني: أنه مصدرٌ، والتقدير: أو أفْسَد فَسَاداً بمعنى إفساد فهو اسْمُ مَصْدَر، كقوله: [الوافر] ١٩٥٦ - وَبَعْدَ عَطَائِكَ المائَةَ الرِّتَاعَا ... ذكره أبو البَقَاء. و «في الأرض» متعلِّق بنفس «فَسَاد» ؛ لأنَّك تقول: «أفْسَد في الأرْض» إلَاّ في قراءة الحسن بنَصْبِه، وخرَّجناه على النَّصْب على المَصْدرية، كما ذكره أبُو البقاء، فإنه لا يتعلَّق به؛ لأنه مصدر مُؤكِّد، وقد نَصُّوا على أنَّ المؤكد لا يعمل، فيكُون «في الأرضِ» متعلِّقاً بمحذُوف على أنه صِفَة ل «فساداً» والفاءُ في «فَكَأنَّمَا» في الموضعين جواب الشَّرْط واجِبَة الدُّخول، و «ما» كافة لحرف التَّشْبيه، والأحْسَن أن تسمى هُنَا مهيِّئة لوقوع الفِعْل بَعْدَهَا، و «جَمِيعاً» : إمَّا حال أو تَوْكِيدٌ. فصل قال الزَّجَّاج: التقدير: من قتل نَفَساً بغير نَفْس أو فَسَاد في الأرْض، وإنَّما قال تعالى ذلك؛ [لأنَّ] القَتْل يحل لأسْبَاب كالقصاص، والكفر، والزِّنا بعد الإحْصَان، وقطع الطَّرِيق ونحوه، فجمع تعالى هذه الوُجُوه كُلَّها في قوله تعالى ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض﴾ ثم قال: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً﴾ . فإن قيل: كيف يكُون قتل النَّفْس الوَاحِدة مساوِياً للكُلِّ؟ فذكر المُفَسِّرُون له وُجُوهاً، وهي مَبْنِيَّة على مُقَدِّمة، وهي أنَّ تَشْبيه أحَد الشَّيْئَيْن بالآخَر، لا يَقْتَضِي الحُكْم بمُشَابَهَتِهما من كلِّ الوُجُوه، وإذا صحَّت المُقدِّمة، فنقُول: الجواب من وجوه: أحدها: [المقصُود من تَشْبيه] قَتْل النَّفْس الواحِدَة بقَتْل النُّفُوس: المُبَالغَة في تَعْظيم أمر القَتْل العَمْدِ العُدوان وتَفْخِيم شَأنه، يعني: كما أنَّ قَتْل كلِّ الخَلْق أمر مستَعْظمٌ عند كلِّ أحَدِ، فكَذَلِك يجب أن يكون قتل الإنْسَان الواحِد مستَعْظَماً منهياً، فالمَقْصُود بيان مُشاركتهمَا في الاستِعْظَام، لا بيان مُشاركتِهمَا في مقدار الاسْتِعْظام، وكيف لا يكُون مُسْتعْظَماً وقد قال - تعالى -: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء: ٩٣] . وثانيها: أنَّ جميع النَّاس لو عَلِمُوا من إنْسَان واحد أنَّه يقصد قَتْلَهم بأجْمَعِهِم، فلا

стр. 4086

شكَّ أنهم يَدْفَعُونه دفعاً لا يُمْكِن تَحْصِيل مَقْصُوده، فكذلِكَ إذا عَلِموا منه أنَّه يقصد قَتْلَ إنْسَان واحد [مُعيَّن يجب أن] يَجِدُّوا في دَفْعِه، ويَجْتَهِدوا كاجْتِهَادهم في الصُّورة الأولى. وثالثها: أنه لمَّا أقدم على القَتْلِ العَمْدِ العُدْوان فقد رجَّح داعِية الشَّهْوة والغضب على دَاعِيَة الطَّاعة، ومتى كان الأمر [كَذَلِكَ] كانَ التَّرْجِيح حَاصِلاً بالنِّسبة إلى كلِّ واحد، فكان في قلبه أنَّ كلَّ أحد نازعه في شيءٍ من مَطَالبه؛ فإنَّه لو قدر عليه لقتَلَهُ، ونيَّة المؤمن في الخَيْرَات خَيْر من عَمَلِهِ، فكذلك [نِيَّة المؤمن في الشُّرور شرٌّ من عمله، فيصير المَعْنَى: من يَقْتُل إنساناً قَتْلاً عمداً عُدْوَاناً فكأنَّمَا قَتَل جَمِيع النَّاس] . ورابعها: قال ابْنُ عبَّاس ﵄ في رواية عِكْرِمة «مَنْ قتل نَبيّاً أو إمامَ عَدْلٍ، فكأنَّما قتل النَّاسَ جَمِيعاً ومن أحْيَاها: من سَلِمَ من قتلها، فكان كمن سَلِمَ من قَتْلِ النَّاس جَمِيعاً» . وخامسها: قال مُجَاهِد: من قتل نَفْساً محرَّمة يَصْلَى النَّار بقتلها، كما يصلاها لو قتل النَّاس جميعاً، ومَنْ أحْيَاها: من سلم من قتلها، فكان كمن سلم من قتْلِ النَّاس جَمِيعاً. وسادسها: قال قتادة: أعْظَم اللَّه أجرَهَا وعظَّم وزرَها، معناه: من استَحَلَّ قتل مُسْلِم بغير حَقِّه، فكأنَّما قتل النَّاس جميعاً في الإثْم لا يَسْلَمُون منه، ومن أحْيَاها وتورَّع عن قَتْلِها، فكأنَّما أحْيَا النَّاس جَمِيعاً في الثَّواب لسلامتِهم منه. وسابعها: قال الحسن: فكأنَّما قتل النَّاس جَمِيعاً، يعني: أنَّه يَجِبُ عليه من القِصَاص بِقَتْلِها، مثل الذي يجب عليه لو قتل النَّاسَ جَمِيعاً، ومن أحْيَاها، أي: عَفَا عَمَّنْ وَجَبَ عليه القِصَاص له، فَلَمْ يَقْتُلْه فكأنَّما أحيا النَّاس جَمِيعاً، قال سُليمان بن عَلِي: قلت للحَسَن: يا أبَا سَعِيد: أهِيَ لَنَا كما كانت لِبَني إسْرائيل؟ قال: والذي لا إله غيره ما كان دَمُ بَنِي إسرائيل أكرم على الله من دَمائِنا.

стр. 4087

وإحْيَاء النَّفْس: هو تَخْلِيصُها من المُهْلِكَات كالحَرق، والغَرَقِ، والجُوعِ المُفْرط، والبرد والحرِّ المُفْرطيْن. ثم قال: ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بالبينات ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذلك﴾ ، أي: بعد مَجِيء الرُّسل وبعدما كَتَبْنَا عليهم تَحْريم القَتْل، «لمُسْرِفُون» الذي هو خَبَر «إن» ولا تَمْنَعُ من ذلك لام الابتداء فاصِلَة بين العامل ومعمُوله المتقدِّم عليه؛ لأنَّ دخولها على الخَبَر على خِلاف الأصْل؛ إذ الأصْل دُخولُها على المُبْتَدأ، [وإنَّما منع منه دخول «إنَّ» و «ذلِكَ» إشارة إلى مجيء الرُّسُل بالبيِّنات] .

стр. 4088

لما ذكر تَغْلِيظ الإثْم في قَتْل النَّفس بغير حقٍّ ولا فساد في الأرض أتبعه بِبَيَان الفَسَاد في الأرْض. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَآءُ الذين﴾ : مُبْتَدأ وخبره «أنْ يُقَتَّلُوا» وما عطف عليه، أي: إنَّما جَزاؤُهُمُ التَّقْتِيلُ، أو التَّصلِيب، أو النَّفْي. وقوله: «يُحارِبُون اللَّه» ، أي: يُحَارِبون أولِيَاءه كذا قدَّرَه الجُمْهُور. وقال الزَّمَخْشَريُّ: «يُحَارِبُون رسُول الله، ومحاربة المُسْلِمِين في حكم مُحَارَبَتِه» . يعني: أنَّ المقصود أنَّهم يُحَارِبون رَسُول اللَّه ﷺ َ، وإنما ذكر اسْم الله ﵎ تَعْظِيماً وتَفْخِيماً لمن يُحَارَبُ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾ [الفتح: ١٠] ، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك عند قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ الله والذين آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩] . فإن قيل: المُحَارَبة مع اللَّه غيْر مُمْكنة، فيجب حَمْلُه على المحاربة مع أولياء اللَّه، والمحاربةُ مع رسُولِ الله ﷺ َ ممكِنَةٌ فلفظ ﴿يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ يَلْزَم أن يكون مَحْمُولاً على المجاز والحقيقة معاً فلفظ المحاربة بما نُسِبَت إلى الرَّسُول فلفظ المحاربة إذا نُسِبَت إلى اللَّه تعالى كان مَجَازاً، لأن المُراد منه مُحَاربة أوْلِيَاء اللَّه، وإذا نُسِبَتْ إلى الرَّسُول كانت حَقِيقَة، وذلك مُمْتَنِعٌ. فالجواب: إنَّما تحمل المُحاربة على مُخالفةِ الأمْرِ والتَّكْلِيفِ. والتقدير: إنَّما جزاء الذين يُخالِفُون أحْكامَ اللَّه تعالى وأحكام رسُولِه، ويَسْعَوْن في

стр. 4089

الأرْض فَسَاداً كذا وكذا، ومن يجز ذلك لم يَحْتَجْ إلى شيء من هذه التَّأوِيلات بل يقول تُحْمَلُ محاربتهم للَّه - تعالى - على مَعْنًى يَلِيق بها، وهي المُخالفةُ مَجازاً، ومحاربَتُهم لِرسُوله على المُقاتلةِ حَقِيقة. قوله: «فساداً» في نصبه ثلاثة أوجُه: أحدها: أنه مَفْعُول من أجله، أي يُحَاربُون ويسْعَون لأجل الفساد، وشروط النَّصْبِ موجُودة. الثاني: أنَّه مصدر وَاقع موقع الحَالِ: ويسْعَوْن في الأرْض مفسدين، أو ذوي فساد، أو جُعِلُوا نفس الفساد مُبالغةً، ثلاثة مذاهب [مشهورة] تقدَّم تَحْرِيرها. الثالث: أنه منْصُوب على المصدر، أي: إنَّه نَوْع من العامل قبله، فإنَّ معنى «يَسْعَوْن» هنا: يُفْسدُون وفي الحَقِيقة، ف «فسادٌ» قائم مقام الإفساد [والتقدير:] ، ويفسدون في الأرْض بسعيهم إفْساداً. و «فِي الأرْضِ» الظّاهر: أنه متعلِّق بالفِعْل قَبْلَه، كقوله: ﴿سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] . وقد أجيز أن يكون في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحَالِ؛ لأنَّه يجُوز أن لو تأخَّر عنه أن يكون صِفَةً له. وأجيز أن يتعلَّق أيضاً بنَفْس «فساداً» ، وهذا إنَّما يَتمشّى إذا جعلْنَا «فَسَاداً» حالاً. أمَّا إذا جَعَلْنَاهُ مصدراً امتنع ذلك لِتَقَدُّمِهِ عليه، ولأنَّ المؤكد لا يَعْمَل. وقرأ الجمهور «أنْ يُقَتَّلُوا» وما بعده من الفِعْلَين بالتثقيل، ومعناه: التَّكْثير بالنِّسْبَة إلى من تقعُ به هذه الأفْعَال. وقرأ الحسن وابنُ مُحَيْصِن بِتَخْفِيفِهَا. قوله تعالى «مِن خِلافٍ» في محلِّ نَصْبٍ على الحَالِ من «أيْدِيهِمْ» و «أرْجُلِهِمْ» أي: [تقطع مختلف] بمعنى: أن يقْطَع يَدَهُ اليُمْنَى، ورجله اليُسرى. والنَّفي: الطَّرْد. و «الأرض» المراد بها هاهُنَا «ما يُريدُون الإقامَة بها، أو يُراد من أرْضِهِمْ. و» ألْ «عوض من المضاف إليه عِنْد من يَرَاهُ.

стр. 4090

فصل قال الضَّحَّاك: نزلت في قوم مِنْ أهْل الكتاب، كان بَيْنهم وبين رسُول الله ﷺ َ عَهْدٌ، فَنَقَضُوا العَهْد وقطعُوا السَّبِيل وأفْسَدوا. وقال الكَلْبِي: نزلت في قَوْم هِلال بن عُوَيْمر، وذلك أنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ واعد هلال بن عُوَيْمِر وهو أبو بُرْدَة الأسْلَمي، على ألا يُعِينَهُ ولا يُعِين عليه، ومن مرَّ بهلال بن عويمر إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - فهو آمِنٌ لا يُهَاجُ، فمرَّ قوم من بَنِي كِنَانَة يريدون الإسلام، بِنَاس من أسْلَم من قَوْم هلال بن عويمر، ولم يكن هلال شَاهِداً، فَشَدُّوا عليهم فَقَتَلُوهم وأخَذُوا أمْوالهم، فنزل جبريل بالقِصَّة. وقال سعيد بن جبير: نزلت في نَاسٍ من عُرَيْنَة وعكل أتَوا النَّبِيَّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - وبايعوه على الإسلام وهم كَذَبة، فَبَعَثَهُم النَّبِيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - إلى إبل الصَّدقةِ فارْتَدُّوا، وقتلوا الرَّاعِي واسْتَاقُوا الإبِل، فبعث النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - من رَدَّهم وأمر بِقَطْع أيديهم وأرجُلهم، وسَمْل أعْيُنِهم بمَسَامِير وكحلهم بها، وطَرحهم في الحَرِّ يَسْتَسْقُون فلا يُسْقَون حتى ماتُوا.

стр. 4091

قال أبو قِلابَة: هؤلاء قَتَلُوا وسَرَقُوا، وحاربُوا الله ورسُولَهُ وَسَعَوْا في الأرْضِ فساداً، فنزلت هذه نَسْخاً لِفْعِل النَّبِيِّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - فصارت السُّنَّة مَنْسُوخة بهذا القُرْآن العظيم، ومن قال إنَّ السُّنَّة لا تُنْسَخُ بالقُرْآن قال: إنما كان النَّاسِخ لتلك السُّنَّة سُنَّة أخْرى: ونزل هذا القُرْآن العَظِيم مُطَابِقاً للسُّنَّة النَّاسخة. وقال بعضهم: حُكُمُهم ثَابِت إلا السَّمل والمُثْلَة، وروى قتادةُ عن ابن سيرين أنَّ ذلك قَبْل أن تَنْزِل الحُدُود. قال أبو الزَّنَاد: ولما فعل رسول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - ذلك بهم أنْزل اللَّه الحُدُود، ونَهَاهُ عن المُثْلة فلم يَعُد، وعن قتادةُ قال: بَلَغَنَا أنَّ النبي ﷺ َ [بعد

стр. 4092

ذلك كان يحثّ على الصَّدَقة ويَنْهَى عن المُثْلة، وقال سليمان التَّيْمِي عن أنس: إنَّما سَمَل النبي - صلَّى الله] عليه وعلى آله وسلَّم - أعْيُن هؤلاء؛ لأنَّهم سَمَلُوا أعْيُنَ الرُّعَاة. وقال الليث بن سَعْد: نزلَت هذه الآيَةُ مُعَاتِبَةً لِرسُول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - وتَعْلِيماً له عُقُوبَتهم وقال: إنَّما جَزَاؤهم لا المُثْلَة، ولذلك ما قَامَ النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - خَطِيباً إلا نَهَى عن المُثْلَة. وقيل: نزلت هذه الآية في الَّذِين حُكي عنهم من بَنِي إسرائيل - أنَّهُم بعد أنْ غلظ عليهم عِقَابُ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوان، فهم مُسْرِفون في القَتْلِ ويُفْسِدون في الأرْض، فمن أتى منهم بالقَتْلِ والفَسَادِ في الأرْضِ فَجَزَاؤهُم كذا وكذا. وقيل: نزلت هذه الآية في قطَّاعِ الطَّرِيق من المُسْلِمين [وهذا قول] أكثر الفقهاء قالوا: والذي يدل على أنَّهُ لا يَجُوز حَمْلُ الآية على المُرْتَدِّين من وجوه: أحدها: أنَّ قطع المرتدِّ لا يقف على المُحَاربة، ولا على إظهار الفَسَاد في دار الإسلام، والآية تَقْتَضِي ذلك. وثانيها: لا يجوز الاقتصَار في المرتدِّ على قَطْعِ اليَدِ، ولا على النَّفْي، والآية تقتضي ذلك. وثالثها: أن الآية تَقْتَضِي سقوط الحد بالتَّوْبة قبل القُدْرة؛ لقوله تعالى ﴿إِلَاّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ﴾ . والمرتَدُّ يسقط حَدُّه بالتَّوبة قبل القُدْرة وبعدها، فدلَّ على أن الآية لا تعلُّقَ لها بالمُرْتَدِّين. ورابعها: أن الصَّلْب غير مشْرُوع في حق المُرْتَدِّ، وهو مشروع هاهنا فوجَب ألا تكون الآية مُخْتَصَّة بالمرتدِّين. وخامسها: أنَّ قوله تعالى: ﴿الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً﴾ يتناول كل من يُوصَف بهذه سواءً كان مُسْلِماً أو كافراً، ولا يُقالَ: الآية نزلت في الكُفَّار؛ لأن

стр. 4093

العبرة بعُمُوم اللَّفْظ لا خُصوص السَّبَب، فإن قيل: المُحَارِبُون هم الذين يَجْتَمِعُون ولهم مَنَعَةٌ، ويَقْصدون المُسْلِمين في أرواحهم ودِمَائهم، واتَّفَقُوا على أنَّ هذه الصِّفَة إذا حصلت في الصَّحَراء كانوا قُطَّاع الطَّريق، وأما إن حصلت في الأمْصار، فقال الأوْزَاعيُّ ومالِكٌ واللَّيْث بن سَعْد والشَّافِعِيّ: هم أيضاً قُطَّاع الطَّريق، هذا الحدُّ عليهم، قالوا: وإنَّهم في المُدُن يكونون أعْظَم ذَنْباً فلا أقَلَّ من المُسَاوَاة، واحتَجُّوا بالآية وعُمُومها، ولأنَّ هذا حدّ فلا يَخْتَلِفُ كَسَائِر الحدود [وقال أبو حنيفة ومُحَمَّد: إذا حصل ذلك في المِصر لا يُقام عَلَيْه الحُدُود] لأنه لا يلحقه الغَوْثُ في الغالِبِ فلا يتمكَّن من المغالبة، فصار في حكم السَّارِق. فصل قوله تعالى في الآية ﴿أَن يقتلوا أَوْ يصلبوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض﴾ . اختلف العلماء في لفظة «أوْ» : فقال ابن عبَّاس في رواية الحسن، وسعيد بن المسيب، ومُجاهد، والنَّخْعِي: إنَّها للتَّخْيير، والمعنى: أنَّ الإمام مخيَّر في المُحَاربين، إن شاء قَتَلَ، وإن شَاء صَلَب، وإن شاء قَطَعَ الأيْدِي والأرجل، وإن شاء نَفَى، وقال ابن عبَّاس ﵄ في رواية عطاء: «أوْ» هاهنا [لَيْسَت] للتَّخيير، بل لبيانِ الأحْكَام وتَرْتِيبهَا. قال ابن عبَّاس - رضي الله تعالى عنهما - في قُطَّاع الطريق إذا قتلوا وأخَذُوا المال: قُتِلُوا وصُلِبُوا، وإذا قَتَلُوا ولم يأخُذُوا المال، قُتِلُوا ولم يُصْلَبُوا، وإذا أخَذُوا المال ولم يَقْتُلُوا؛ قُطِعَتْ أيْدِيهم وأرْجُلُهم، وإذَا قَتَلُوا ولم يَأخذُوا المالَ قُتِلُوا وَلَمْ يُصْلَبُوا، وإذا أخَذُوا المال ولم يَقْتُلُوا؛ قُطِعَتْ أيديهم وأرْجُلُهم من خلافٍ، وإذا أخافُوا السَّبيل، ولم يأخُذُوا مالاً؛ نُفُوا من الأرض، وهذا قول قتادة [والشَّافعي، والأوْزَاعِيِّ] ، وأصحاب الرَّأي. واختَلَفُوا في كَيْفِيَّة القَتْلِ والصَّلْب، فظاهر مَذْهَبِ الشَّافعيّ: أنه يُقْتَل ثم يُصْلَب، وقيل: يُصْلب حيّاً ثم يُطْعَن حتى يموت مصْلُوباً، وهو قول اللَّيْث بن سَعْد، وقيل: يُصْلَب ثلاثة أيَّام، ثم ينزل ثم يُقْتَل، وإذا قَتَلَ يُقْتَلُ حتماً، لا يسقط بعَفْو وَلِيّ الدَّم. واختُلِفَ في النَّفْي: فقال سعيد بن جُبَيْر، وعُمَرُ بن عَبْد العزِيز: أنَّ الإمام يطلبه

стр. 4094

ففي كُلِّ بلد يُوجَد ينفى عنه، وقيل: يُطْلَبُون ليُقَام عليهم الحُدُود، وهو قول ابن عبَّاس، واللَّيث بن سَعْد، وبه قال الشَّافعي، وإسْحَاق. وقال أبو حنيفة: النَّفْي هو: الحبس، وهو اخْتِيَار أهْل اللُّغَة. قالوا: لأن قوله ﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض﴾ : إمَّا أن يكُون المُرَادُ به النَّفي من جميع الأرْضِ، وذلك غير مُمْكِن مع بَقَاءِ الحياة، [وإمَّا] أن يكون المُرَاد إخراجه من تلك البلدة إلى بَلْدَةٍ أخرى وهو غَيْر جَائِزٍ، لأنَّه إمَّا أن يُنْفَى من بِلاد الإسْلام فَيُؤذيهم، أو إلى بِلاد الكُفْر فيكون تَعْرِيضاً له بالرِّدَّة، وذلك غَيْرُ جَائِزٍ، فلم يَبْقَ إلَاّ أنْ يكُون المُراد من النَّفْي نَفْيهُ عن جميعِ الأرْض إلى مكانِ الحَبْس قالوا: والمَحْبُوس: قد يُسَمَّى منفياً من الأرض لأنه لا يَنْتَفِع بشيء من طَيِّبَات الدُّنيا ولذَّاتها، ولا يرى أحَداً من أحبابه، فصار منفياً عن اللَّذات والشَّهَوات والطَّيِّبات فكان كالمَنْفِي في الحقيقةِ، ولما حَبَسُوا صالح بن عبد القُدُّوس على تُهْمَة الزَّندقة في حبس ضيقٍ وطال لَبْثه هُنَاك ذكر شِعْر منه: [الطويل] ١٩٥٧ - خَرَجْنَا مِنَ الدُّنْيَا وَنَحْنُ مِنَ اهْلِهَا ... فَلَسْنَا مِنَ الأمْوَاتِ فِيهَا ولا الأحْيَا وقال - سامَحه اللَّه وعفا عنه وعنَّا - قوله: [الطويل] ١٩٥٨ - إذا [جَاءنَا] السَّجَّانُ يَوْماً لِحَاجَةٍ ... عَجِبْنَا وَقُلْنَا: جَاءَ هَذَا مِنَ الدُّنْيَا قوله تعالى: ﴿ذلك لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدنيا﴾ . «ذلك» إشارةٌ إلى الجزاء المُتقدِّم، وهو مُبْتَدأ. وقوله: «لَهُمْ خِزْيٌ» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكُون «لهم» خبراً مُتقدِّماً، و «خِزْي» مُبْتَدأ مُؤخَّر، و «فِي الدُّنْيا»

стр. 4095

صِفَةٌ له، فيتعلق بمحذُوف، أو يتعلَّق بنفس «خِزْي» على أنَّه ظَرْفيَّة، والجُمْلَة في محلِّ رفع خبر ل «ذَلِكَ» . الثاني: أن يكون «خِزْي» خبراً ل «ذلك» ، و «لهم» مُتعلِّق بمحذُوف على أنَّه حال من «خِزْي» ؛ لأنَّه في الأصْل صِفَةٌ له، فلمَّا قُدِّم انْتَصَب حالاً. وأمَّا «في الدُّنْيَا» فيَجُوز فيه الوجهان المتقدِّمان من كونهِ صِفَةً ل «خزي» أو مُتعلِّقاً به، ويجُوزُ فيه أن يكون مُتعلِّقاً بالاسْتِقْرَار الذي تعلَّق به «لَهُم» . الثالث: أن يكون [ «لَهُمْ» ] خبراً ل «ذلك» و «خِزْي» فاعل، ورفع الجار هنا الفاعل لمَّا اعْتَمَد على المُبْتدأ، و «فِي الدُّنْيَا» على هذا فيه الأوْجُه الثلاثة. فصل في شبهة للمعتزلة وردها المراد بالخِزْي في الدُّنْيَا: الفَضِيحة والهَوَان والعَذَاب، ولَهُمْ في الآخرة عَذَابٌ عَظِيم. قالت المُعْتَزِلَةُ: دلَّت الآية [على القَطْعِ بوَعِيد] الفُسَّاق من أهْل الصَّلاة وعلى أنَّ عِقَابَهم قد أحْبَطَ ثوابهم؛ لأنَّه تعالى حَكَم بأنَّ ذلك لَهُمْ خِزْيٌ في الدُّنْيا وذلك يدل على أن اسْتِحْقَاقهم للذمِّ في الحَالِ، وإذا اسْتَحَقُّوا الذَّم في الحالِ امْتَنَع اسْتِحْقَاقهم للمَدْح والتَّعْظيم؛ لأنَّ ذلك جَمْعٌ بين الضِّدِّيْن، وإذا كان كذلِك ثَبَتَ القَطْع بوعيد الفُسَّاق، وثَبَتَ القول بالإحْبَاط. والجوابُ: لا نِزَاع بيننا وبَيْنَكم أنَّ هذا إنَّما يكون وَاقِعاً على جِهَة الخِزْي والاسْتِحْقَاقِ، إذَا لَمْ يَتقدَّمه تَوْبة، وإذا جازَ لكم [أن تَشْتَرِطُوا هذا الحُكْم بِعَدَم التَّوْبة] لِدَليل دَلَّ على اعْتِبَار هذا الشَّرْط، فنحن أيضاً نشترط لهذا الحُكْم عدم العَفْو، وحينئذٍ لا يَبْقَى الكلام إلاّ في أنَّهُ هل دَلَّ [على أنَّه - تعالى -] يَعْفُو عن الفُسَّاق أم لا؟ وقد تقدَّمت هذه المسْألة في سُورة البقرة عند قوله تعالى ﴿بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته﴾ [البقرة: ٨١] . قوله تعالى: ﴿إِلَاّ الذين تَابُواْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنَّه مَنْصُوب على الاسْتِثْنَاء من المحاربين، وللعُلَماء خلافٌ في التَّائِب من قُطَّاع الطَّريق، هل تَسْقط عنه العُقُوبات كُلُّها، أو عقوبة قَطْع الطَّريق فقط؟ . وأما ما يتعَلَّق بالأمْوَال وقتل الأنْفُس، فلا تسقط، بل حُكْمُه إلى صاحِبِ المال، وَوَلِيّ الدَّم، والظَّاهر الأوّل.

стр. 4096

الثاني: أنَّه مرفوع بالابْتِدَاء، والخبر قوله: «فإنَّ الله غَفُورٌ رحيم» والعَائِد مَحْذُوف، أي: غفور له؛ ذكر هذا الثَّاني أبُو البقاء. وحينئذٍ يكون استثناءً مُنْقَطِعاً بمعنى: لكن التَّائِب يُغْفَر لَهُ. فصل من ذَهَب إلى أنَّ الآية نَزَلَت في الكُفار قال: ﴿إِلَاّ الذين تَابُواْ﴾ : من شركهم: وأسْلَموا قبل أن تَقْدِروا عليهم فَلَا سَبِيل عليهم بِشَيْءٍ من الحدُود ولا تَبِعَة عليهم فيما أصَابُوا في حال الكُفْر من دَمٍ أوْ مَال. أما المُسْلِمُون المحاربون: فمن تاب منهم قبل القُدْرَة عَلَيْه، وهو قبل أنْ يَظْفَر بِهِمُ الإمَام تَسْقُط عَنْهُ كل عُقُوبة وجبت حقاً لله تعالى، ولا يَسْقُط ما كان من حُقُوق العِبَاد، فإذا كان قد قَتَل في قَطْعِ الطَّريق يسقُطُ عنه بالتَّوْبة [قبل القُدْرَة عليه] تحتُّم القَتْل، ويبقى عليه القِصَاصُ لولي القَتِيل إن شَاءَ عفا عنه، وإن شَاءَ اسْتَوْفَاه، وإن كان قد أخَذَ المال يَسْقُط عنه القَطْع، وإن كان جمع بَيْنَهُما يسقط عنه تحتُّم القَتْل والصَّلْب، ويجب ضَمَان المال. وقال بعضهُم: إذا جاء تَائباً قبل القُدْرَة [عليه لا يكون لأحد عليه تبعة في دم ولا مال إلاّ أن يوجد معه مال بعينه فيردّه إلى صاحبه. روي عن علي ﵁ في حارثة بن زيد كان خرج محارباً فسفك الدماء، وأخذ الأموال ثم جاء تائباً قبل أن يقدر عليه فلم يجعل له عليه تبعة. أما من تاب بعد القدرة] فلا يَسْقُط عنه شيء منها. وقيل: كُلُّ عقُوبة تجب حقاً لِلَّه - تعالى - من عُقُوبَات قَطْع الطَّريق، وقطع السَّرقة، وحدِّ الزنا، والشُّرب تَسْقُط بالتَّوْبة بكل حال كما تقدَّم والأكْثَرُون على أنَّها لا تَسْقُط.

стр. 4097

في كيفيَّة النَّظْمِ وجهان: أحدهما: أنَّه لما أخبر رسُولَه ﷺ َ أن قوماً من اليَهُود هَمُّوا أن يَبْسُطُوا أيديهم إلى الرَّسُول وإلى أصحابه بالغدر والمكر، ومَنَعَهُم الله تعالى من مُرَادهم، وشرح للرَّسُول شدَّة تَعَصُّبِهم على الأنْبِيَاء وإصْرَارهم على إيذَائهم، وامتدَّ الكلامُ إلى هذا الموضع، فعند هذا

стр. 4098

رَجَع إلى المَقْصُود الأوَّل وقال ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اتقوا الله وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة [وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ] ﴾ ، كأنه قيل: قد عَرَفْتُمْ كمال جَسَارَةِ اليَهُودِ على المَعَاصِي والذُّنُوب، وبُعْدهم عن الطَّاعَات الَّتِي هي الوَسَائِلُ للعبد إلى الرَّبِّ، فكُونُوا يا أيُّها المُؤمِنُون بالضَّدِّ من ذلك فاتَّقوا معَاصِي اللَّه، وتوسَّلُوا إليه بالطَّاعات. والثاني: أنهم لما قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] . أي: أبْنَاء أنبياء الله فكان افتخارهم بأعْمَال آبَائِهِم كأنَّه تعالى قال: «يا أيها الذين آمنوا [اتّقوا الله] ولتكن مفاخرتكم بأعمالكم لا بشرف آبائكم وأسلافكم، فاتّقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة» . في قوله تعالى: «إليه» ثلاثةُ أوجُه: أحدها: أنه مُتعلِّق بالفِعْل قبله. الثاني: أنه متعلِّق بنفس «الوَسيلَة» . قال أبو البقاء: لأنَّها بمعنى المتوسَّل به، فلذلك عَمِلَت فيما قبلها. يعني: أنَّها ليست بِمَصْدَر، حتى يمتَنِع أن يتقدَّم مَعْمُولها عليها. الثالث: أنه مُتعلِّق بِمَحْذُوف على أنَّه حال من «الوَسِيلَة» ، وليس بالقَوِي. و «الوسيلة» أي: القُرْبة، فَعِيلَة مِنْ توسَّل إليه فلانٍ بكذا إذا تقرَّب إليه، وجمعها: وَسَائِل. قال لبيد: [الطويل] ١٩٥٩ - أرى النَّاسَ لا يَدْرُونَ ما قَدْرُ أمْرِهِمْ ... ألَا كُلُّ ذِي لُبٍّ إلى الله وَاسلُ أي: متوسّل، فالوسِيلة هي التي يتوسَّلُ بها إلى المَقْصُودِ. فصل قال ابن الخطيب: التَّكْلِيفُ نوعان: ترك المَنْهِيَّات: وهو قوله تعالى «اتَّقُوا الله» ، وفعل الطَّاعات: وهو قوله ﴿وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة﴾ ، والتَّرك مُقَدَّم على الفِعْل بالذَّات؛ لأنه بَقَاء على العَدَم [الأصلي] ، والفعل إيجاد وتَحْصِيل، والعَدَمُ سابق، ولذلك قُدِّمَت التَّقْوى فإن قيل: لِمَ اختصّت الوسِيلَة بالفعل، مع أنَّ ترك المَعَاصي قد يكون وَسِيلة؟

стр. 4099

فالجوابُ: أن التَّرك بقاء على العدم، وذلك لا يُمْكِن التَّوَسُّل به، بل من دَعَتْهُ الشهْوة [إلى فعل القَبِيح] ، فتركه مرضاة اللَّه حصل التَّوسُّل إلى اللَّه بذلك الامْتِنَاع، لكنَّه من باب الأفْعَال، ولذلك قال المُحَقِّقُون: تَرْك [الشَّيء] عبارة عن فعل ضِدِّه. ثم قال - تعالى -: ﴿وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ، لمّا أمر بِتَرْك ما لا يَنْبَغِي بقوله: «اتَّقُوا اللَّه» وفعل ما يَنْبَغِي بقوله ﴿وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة﴾ وكل واحد منهما شاقٌّ ثَقِيل على النَّفْس فإن النَّفْس تَدْعُو إلى اللَّذَّات المَحْسُوسَة، والعَقْل يدعو إلى خِدْمَة اللَّه وطاعتهِ والإعْرَاض عن المَحسُوسَات؛ فكان بَيْن الحَالَتيْن تضَادٌّ وتناف، وإذا كان الأمْر كذلك فالانْقِيَادُ لقوله تعالى ﴿وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة﴾ من أشقِّ الأشْيَاء على النَّفْس وأشدها ثقلا على الطَّبع، فلهذا أرْدَف ذلك التَّكْليف بقوله ﴿وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ، ولمّا أرشد المُؤمِنِين في هذه الآية إلى معاقدِ الخَيْرَات ومَفَاتِح السَّعاداتِ، أتْبَعَهُ بشرح حَالِ الكُفَّار.

стр. 4100

قد تقدم الكلام على «أنَّ» الواقعة بعد «لو» على أنَّ فيها مَذْهَبيْن. و «لَهُمْ» خبر ل «أنَّ» ، و ﴿مَّا فِي الأرض﴾ اسمها، و «جميعاً» توكيد لهُ، أو حال منه و «مِثلَه» في نَصْبِه وجهان: أحدهما: عطف على اسم «أن» وهو «مَا» الموصولة. والثاني: أنه منصُوب على المَعِيَّة، وهو رأي الزَّمخْشَرِي، وسيأتي ما يرد على ذلك والجوابُ عنه. و «معهُ» ظرف واقع موقع الحال. [ «واللام» ] متعلِّقة بالاستِقْرَار الذي تعلَّق به الخبر، وهو «لَهُمْ» . و «به» و «مِنْ عذاب» متعلِّقان بالافْتِدَاء، والضَّمير في «بِهِ» عائدٌ على «مَا» الموصولة، وجيء بالضَّمِير مُفْرَداً وإن تقدَّمه شَيْئَان وهما ﴿مَّا فِي الأرض﴾ و «مِثْلَهُ» ، إما لتلازُمهمَا فهما في حُكْم شيء واحد؛ وإما لأنَّه حذف من الثَّانِي لدلالة ما في الأوَّل عليه، كقوله رحمة الله عليه: [الطويل] ١٩٦٠ - ... ... ... ... ... ... ... . ...
следующие страницы →