← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

اعلم أنَّ الكُفَّار لمَّا سألوا اليهود والنَّصَارى عن صَفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ َ، فأنكروا دلالة التَّوْرَاةِ والإنجيل على نُبُوًّتِهِ بَيَّنَ اللَّهُ - تعالى - في الآية الأولى أنَّ شهادةَ اللَّه على صِحًّةِ نُبُوَّتِهِ كافيةٌ في ثبوتها، ثُمَّ بَيّن في هذه الآية أنهم كذبوا في قولهم: لا نعرف محمداً، لأنهم يعرفونه بالنُّبُوًّةِ والرسالة، كما يعرفون أبناءهم. روي أنه لما قدم رسوله الله ﷺ َ «المدينة» قال عمر لعبد الله بن سلام: أنزل اللَّهُ على نبيِّه هذه الآية، فكيف هذه المعرفة؟ فقال: يا عمرُ لقد عرفته فيكم حين رَأيْتُهُ، كما أعرف ابني، ولأنا أشَدُّ معرفةٌ بمحمد منِّي بابني؛ لأني لا أدري ما صنعَ النساء وأشهدُ أنه حَقّ من الله تعالى. قوله: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾ الموصول مبتدأن و «يَعْرِفُونه» خبره، والضميرُ المَنْصُوبُ يجوز عَوْدُهُ على الرسول صلى اله ﵊، وعلى القرآن لتقدُّمهِ قوله: «وأوحِيَ إليَّ هذا القُرآنُ لأنذركُمْ بِهِ» أو على التوحيد لدلالة قوله: ﴿إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ [الأنعام: ١٩] أو على كتابهم، أو على جميع ذلك، وأفرد الضمير باعتبار المَعْنَى، كأنَّهُ قيل: يعرفون ما ذكرنا وقَصَصْنَا. وقد تقدَّم إعْرَابُ هذه الجملة في «البقرة» . قوله: «الَّذينَ خَسِرُوا» في مَحَلّه أربعة أوجه:

стр. 4552

أظهرها: أنه مبتدأ، وخبره الجملة من قوله: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ، ودخلت «الفاء» لما تقدَّم من شهب الموْصُولِ بالشرط. الثاني: أنه نَعْت للذين آتياناهم الكتاب. قاله الزَّجَّاج. الثالث: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين خسروا. الرابع: أنه منصوبٌ على الذَّمِّ، وهذان الوجهان فَرْعَانِ على النعت؛ لأنهما مقطوعان عنه، وعلى الأقوال الثلاثة الأخيرة يكون ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ من باب عطف جملة اسمية على مَثْلَهَا، ويجوز أن يكون عَطْفاً على «خَسِرُواط وفيه نَظَرٌ من حيث إنه يؤدِّي إلى ترتُّب عدم الإيمان على خسرانهم، والظاهر أنَّ الخُسْرَانَ هو المترتب على عدم الإيمان وعلى الوجه الأول يكون» الذين خسروا «أعمُّ من أهل الكتاب الجاحدين والمشركين، وعلى غيره يكون خَاصّاً بأهل الكتاب، والتقدير: الذين خسروا أنفسهم منهم، أي: من أهْلِ الكتاب. واسْتُشْكِلَ على كونه نَعْتاً الاستشهادُ بهم على كُفَّار قريش وغيرهم من العرب، يعني كيف يُسْتَشْهَدُ بهم، ويُذَمُّون في آيةٍ واحدة؟ فقيل: إنَّ هذا سيق للذَّم لا للاستشهاد. وقيل: بل سِيقَ للاستشهاد، وإن كان في بعض الكلام ذَمٌّ لهم، لأنَّ ذلك بوجهين واعتبارين. قال ابن عطية: فصَحَّ ذلك لاختلاف ما استشهد بهم فيه، وما ذُمُوا فيه، وأنَّ الذَّمَّ والاستشهاد ليسا من جِهِةٍ واحدةٍ. فصل في بيان المراد من ظاهر الآية ظَاهِرُ هذه الآية الكريمة يقتضي أن يكون علمهم بنُبُوَّةِ مُحَمَّد ﷺ َ علمهم بأبنائهم، وهنا سُؤالٌ - وهو أن يُقَالَ: المكتوب في التَّوْرَاةِ والإنجيل مُجَرَّدُ أنه سيخرج نَبِيٌّ في آخر الزمان يدعو الخَلْقَ إلى الحَقِّ، أو المكتوب فيه ذه االمعنى مع تعيين الزَّمَانِ والمكان والنَّسَبِ والصِّفَةٍ والحِلْيَةِ والشَّكْلِ، فإن كان الأول، فذلك القدر لا يَدُلُّ على أنَّ ذلك الشَّخْصَ هو مُحَمَّدٌ ﷺ َ فكيف يَصِحُّ أن يقال: علمهم بنوبته مثل علمهم ببنوَّةِ أبنائهم وإن كان الثاني وجب أن يكون [جميع] اليَهُودِ والنَّصَارَى عالمين بالضرورة بأنَّ محمداً ﷺ َ نَبِيُّ من عِنْدِ الله، والكَذِبٌ على الجَمْعِ العظيم لا يجوز، ولأنَّا نَعْلَمُ بالضرورة أن التوراة والإنجيل ما كانا مُشْتَمِلَيْنِ على هذه التفاصيل التَّامَّةِ الكاملة؛ لأن هذا التفصيل إمَّا

стр. 4553

أن يُقَالَ: إنه كان بَاقِياً في التَّوْرَاةِ والإنجيل، أو كان مَعْدُماً في وَقْتِ طهوره، لأجل أن التَّحْريف قد تَطَرَّقَ إليهما قبل ذلك، والأول باطلٌ؛ لأنَّ إخْفاءَ مِثْلِ هذه التفاصيل التامة في كتاب وصل إلى أهل الشرق والغرب مُمْتَنِعٌ. والثاني: أيضاً باطل؛ لأن على هذا التقدير لم يكن يَهُودُ أهل ذلك الزمان، ونصارى ذلك الزَّمان عالمين بنبُوِّة مُحَمِّد ﷺ َ علهمهم بنبوِّةِ أنبيائهم، وحينئدٍ يَسْقُطُ هذا الكلام. والجوابُ ان يقالك المراد ب «الذين آتيناهم الكتاب» اليهود والنَّصارىن وهم كانوا أهْلاً للنَّظَرِ والاستدلال، وكانوا قد شاهدوا ظهور المعجزات على الرسول ﵊، فعرفوا بوساطة تلك المعجزات كونه رسولاً من عند اللَّهِ تعالى، والمقصود بمعرفتهم هي المعرفةُ من طريق النَّظرِ، والاستدلال من طري النَّقْلِ. فصل في المراد بالخسران قال المفسرون: معنى هذا الخُسْران أنَّ الله ﵎ جعل لكلِّ آدمي مَنْزِلاً في الجنِّةِ ومَنْزِلاً في النَّار، فإذا كان يوم القيامة جعل اللَّه ﵎ للمؤمنين مَنَازِلَ أهل النار في الجنة ولأهل النار منازل أهل الجنَّة في النَّار وذلك هو الخسران.

стр. 4554

لمَّا بَيَّنَ خُسْرَانَ المنكرين في الآية الأولى بَيَّنَ في هذه الآية الكريمة سَبَبَ ذلك الخسران وهو أمران. أحدهما: الافتراء على اللَّه كذباً، وهذا الافتراءُ يحتمل وجوهاً: أحدهما: أن كُفَّار «مكة» المشرفة كانوا يقولون: هذه الأصنام شركاء الله، اللَّهُ أمرهم بعبادتها، وكانوا يقولون: الملائكة بَنَاتُ اللَّهِ. وثانيها: أنَّ اليهود والنَّصارى كانوا يقولونك حصل في التَّوْراة والإنجيل أن هاتيْنِ الشريعيتين لا يَتَطَرَّقُ إليهما النَّسْخُ والتغييرُ. وثالثها: ما حكاه تعالى عنهم بقوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا والله أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨] . ورابعها: قوله اليهود: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُه﴾ [المائدة: ١٨] وقولهم: ﴿لَن تَمَسَّنَا

стр. 4555

النَّارُ إِلَاّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] وقول جُهَّالِهِمْ: ﴿إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآء﴾ [آل عمران: ١٨١] ونحوه. الأمرُ الثاني من أسباب خسارتهم؛ تكذيبهم بآيات الله تعالى: وقدحُهُمْ في معجزات محمد ﵊ ُ - وإنكارهم كون القرآن العظيم معجزةً قاهرةً منه، ثم إنَّه لمَّا حكى عنهم سبب هذين الأمرين قال: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظالمون﴾ ، أي: الكافرون - أي لا يَظْفَرُونَ بِمطَالِبهمْ في الدنيا ولا في الآخرة.

стр. 4556

قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ فيه خمسة أوجه: أحدهما: أنه منصوبٌ بفعل مُضْمَرٍ بعده، وهو على ظرفيَّتِهِ، أي: يوم نحشرهم كان كيت وكيت، وحُذِف ليكون أبْلَغَ في التَّخْويفِ. والثاني: أنه معطوفق على ظرفٍ محذُوفٍ، ذلك الظرف معمول لقوله: ﴿لَا يُفْلِحُ الظالمون﴾ [الأنعام: ٢١] والتقدير: أنه لا يفلح الظَّالمونَ اليوم في الدنيا، ويوم نحشرهم، قاله محمد ابن جَريرٍ. الثالث: أنه منصوبٌ بقوله: ﴿انظر كَيْفَ كَذَبُواْ﴾ [الأنعام: ٢٤] وفيه بُعْدٌ لِبُعْدِهِ من عامله بكثرة الفواصِلِ. الرابع: أنه مفعولٌ به ب «اذكر» مقدَّراً. الخامس: أنه مفعولٌ به أيضاً، ونَاصِبُهُ: احذروا أو اتَّقُوا يوم نحشرهم، كقوله: ﴿واخشوا يَوْماً﴾ [لقمان: ٣٣] وهو كالذي قبله فلا يُعَدُّ خامساً. وقرأ الجمهور «نَحْشرهم» بنون العظمة، وكذا «ثم نقول» ، وقرآ حميد، ويعقوب بياء الغَيْبَةِ فيهما، وهو أنه ﵎. والجمهورعلى ضم الشين من «نَحْشُرهم» ، وأبو هريرة بكسرها، وهما لغتان في المُضَارع. والضمير المنصوب في «نحشرهم» يعود على المفترين الكَذِبَ.

стр. 4557

وقيل: على النَّاس كلهم، فيندرج هؤلاء فيهم، والتَّوْبيخُ مختصُّ بهم. وقيل: يعود على المشركين وأصنَامِهِمْ، ويدلُّ عليه قوله: ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] . و «جَمِيعاً» حالٌ نم مفعول «نحشُرهم» ن ويجوز أن يكون توكيداً عند من أثْبَتَهُ من النحويين ك «أجمعين» . وعطف هنا ب «ثُمَّ» للتراخي الحاصل بين الحَشْر والقَوْلِ. ومفعولا «تزعمون» محذوفان للعلم بهما، أي: تزعمونهم شركاء، أو تزعمون أنهما شُفَعَاؤكم. وقوله: «ثُمَّ نَقُولُ للَّذينَ» إن جعلنا الضمير في «نَحْشُرهم» عائداً على المفترين الكذبَ، كان ذلك من باب إقامةِ الظَّاهرِ مقامَ المُضْمَرَ، إذ الأصل: ثم نقول لهم، وإنما أظْهِرَ تنبيهاً على قُبْحِ الشرك. وقوله: ﴿أيْنَ شُرَكاؤكُمْ﴾ ؟ سؤالُ تَقْريع وتوبيخ وتَبْكيتٍ. قال ابن عبَّاس ﵄: «كُلُّ زَعْمِ في كتاب الله فالمُرادُ به الكذبُ» .

стр. 4558

قرأ حمزة والكسائي: «يَكُنْ» بالياء من تحت، «فتنتهم» نَصْباً. وابن كثير، وابن عامر، وحفص عن عاصم: «تَكُنْ» بالتاء من فوق، «فَتْنَتُهُمْ» رفعاً. والباقون بالتاء من فوق أيضاً، «فِتنتَهم» نصباً. فأمَّا قراءة الأخويْنِ فهي أفْصَحُ هذه القراءات لإجرائِهَا على القواعد من غير تأويل، وَوَجْهُهَا أنَّ «فتنتهم» خبر مقدَّمٌ، وإن قالوا بتاويل اسم مؤخر. والتقدير: «ثم لم تكن فِتْنَتهُمْ إلَاّ قولُهم» . وإنما كانت أفصحٍ؛ لأنه إذا اجتمع اسْمَانِ: أحدهما أعرفُ، فالأحْسْنُ جعله اسماً مُحَدَّثاً عنه، والآخر خَبَراً حديثاً عنه.

стр. 4559

و «أن قالوا» يشبه المضمر، والمضمر أعرف المعارف، وهذه القراءة جُعِلَ الأعرفُ فيها اسْماً ل «كان» وغير الأعرافِ خبرها، ولم يؤنّث الفعل لإسناده إلى مذكر. قال الواحدي: والاختبارُ قراءة من جعل «أن قالواط الاسم ذوي الخبر؛ لأنه إذا وصلت بالفعل لم تُوصَفْ، فأشبهت بامتناع وَصْفِهَا المُضْمَرِ، فكما أنَّ المُضْمَرَ، والمظهر إذا اجتمعا كان جَعْلُ المضمر اسماً أوْلَى من جعله خبراً، تقول: كنت القائم. وأما قراءة ابن كثير ومن معه ف» فتنتهم «اسْمُهَا، ولذلك أنِّثَ الفِعلُ لإسناده إلى مؤنُّ، و» إلَاّ أنْ قالوا «خَبَرُهَا، وفيه أنك جعلت غير الأعرف اسماًن والأعرف خبراً، فليست في قُوَّةِ الأولَى. وأمَّا قراءةُ الباقين ف» فتنتهم «خبر مقدمٌن و» إلَاّ أن قالوا «اسم مؤخَّرٌ، وهذه القراءةُ وإن كان فيها جَعْلُ الأعْرَفِ اسْماً - كالقراءة الأولى، إلا أنَّ فيها لِحَاقُ علامَةِ تأنيث في الفعل مع تذكير الفاعل، ولكنه بتأويل. فقيل: لأنه قوله:» إلَاّ أنْ قالوا «في قوة مقالتهم. وقيل: لأنه هو الفِتْنَةُ في المعنى، وإذا أخبر عن الشَّيءِ بمؤنَّثٍ اكتسب تأنيثاً، فعومل مُعامَلتهُ. وجعل أبو علي منه ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] لمَّا كانت الأمْثَالُ هي الحَسَنَاتُ في المعنى عُومِلَ مُعَامَلَة المُؤنَّثِ، فسقطت» التاء «من عَدَدِهِ، ومثلُ الآية قوله: [الطويل] ٢١٢٤ - ألَمْ يَكُ غَدْراً مَا فَعَلْتُمْ بسَمْعَلٍ ... وَقَدْ خَابَ مَنْ كَانَتْ سِرِيرتَه الغَدْرُ ف» كانت «مُسْند إلى» الغَدْرِ «وهو مذكَّر، لكن لما أخبر عنه بمؤنث أنَّث فِعلَه. ومثله قول لَبيدٍ: [الكامل] ٢١٢٥ - فَمَضَ وَقَدَّمِهَا وَكَانَتْ عَادَةً ... مِنْهُ إذَا هِيَ عَرَّدَتْ إقْدَامُهَا قال أبو عَلِيّ: فأنَّث الإقدام لما كان كالعادة في المعنى قال: وقد جاء في الكلام:» ما جاءَتْ حَاجَتُكَ «فأنّث ضمير» ما «حيث كانت كالحاجة في المَعْنَى، ولذلك نصب» حاجتك «. وقال الزمخشري:» وإنما أنَّث « [أن] قالوا» لوُقُوعِ الخبر مؤنّثاً كقولهم: من كانت أمَّك «.

стр. 4560

قال أبو حيَّان: وكلام الزَّمخشري ملفقٌ من كلام أبي عَلِيّ، وأمَّا» من كانت أمك «فإنه حَمَلَ اسمَ» كان «على معنى» مَنْ «ن فإنَّ لها لَفْظاً مُفرداً مذكّراً، ولها معنى بحسب ما تريد من إفراد وتَثنيٍة وجَمْعِ وتذكير وتأنيثٍ، وليس الحَمْلُ على المعنى لِمْرعَاةِ الخَبَرِ، ألا ترى أنه يجيء حيث لا خبر، كقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] . وقوله: [الطويل] ٢١٢٦ - ... - ... ... ... ... . . تكُنْ مَثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ ... قال شهاب الدين - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: ليت شِعْري، ولأي معنى خصَّ الزمخشري بهذا الاعتراض، فإنه وَارِدٌ على أبي عَلِيِّ أيضاً؟ إذ لقائل أن يقول: التأنيثُ في «جَاءَتْ» لحمل على معنى «ما» وإنْ لها هي أيضاً لفظاً ومعنى مَثْل «مَنْ» ن على أنه يقال: للتأنيث عِلَّتانِ، فذكر [إحداهما، ورجَّح] أبو عُبيدة قراءة الأخويْ ن بقراءة أبَيّ، وابن مسعود: «وما كان فتنتهم إلَاّ أن قالوا» فلم يُلْحِق الفعل علامة تأنيثٍ، ورجَّحها غيره بإجماعهم على نَصْبِ «حُجَّتهم» من قوله ﵎: ﴿كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَاّ أَن قَالُواْ﴾ [الجاثية: ٢٥] . وقرئ شاذاً «ثم لم يكن فتنتهم إلا أنه قالوا» بتذكير «يكنْ» ، ورفع «فتنتهم» . ووجه شُذُوذِهَا سقوط علامةِ التأنيث، والفاعل مؤنّث لَفْظاً، وإن كان غير حَقيقيِّ، وجَعْلُ غير الأعْرَفِ اسماً، والأعرف خبراً، فهي خبراً، فهي عَكْسُ القراءة الأولى، من الطَّرَفَيْنِ، و «أن قالوا» مما يجب تأخيره لِحصْرِهِ سواء أجُعِلَ اسماً أم خبراً. فصل في معنى الفتنة في الآية معنى قوله: «فتنتهم» ، أي: قولهم وجوابهم. وقال ابن عبَّاس، وقتادة: معذرتهم، والفِتْنَةُ التِّجْرِبةٌ، فلمَّا كان سؤالهم تَجْرِبَةً لإظهار ما في قلوبهم قيل: فَتْنَة. فصل في بيان لطيفة في الآية قال الزَّجَّاج ﵀ «لم تَكُنْ فتنتهم» معنى لَطِيفٌ، وذلك لأنَّ الله ﵎ بيَّن أنَّ المشركين مَفْتُونُونَ بِشِرْكِهِمْ متهالكين على حبّه، فأعلم

стр. 4561

في هذه الآية الكريمة أنه لم يَكُنْ افتتانهم بشركهم، وإقامتهم عليه إلَاّ أن تَبَرَّأوا عنه وتباعَدُوا، فَحَلفُوا أنهم ما كانوا مشركين، ومثاله أن ترى إنساناً ما يُحِبُّ طريقةً مذمومة، فإذا وقع في فِتْنَةٍ بسببه تَبَرَّأ منه، فيقال له: «ما كانت محبتك لفلان إلَاّ أن فَرَرْتَ منه» ، فالمُرَادُ بالفتنة هنا افْتَتَانُهُمْ بالأوْثَانِ، ويتأكد بما روى عَطَاءٌ عن ابن عباس أنه قال: «لم تكن فتنتهم» معناه: شركهم في الدنيا، وهذا القولُ راجعٌ إلى حذف المضاف؛ لأن المعنى ثُمَّ لم تكن عَاقِبَةُ أمرهم فتنتهم إلَاّ البَرَاءة. قوله: «واللَّهِ رَبَّنَا» قرأ الأخوان: «ربَّنا» نَصْباً، والباقون جراً. ونصبه: إمَّا على النِّداء، وإمَّا على النِّداء، وإمَّا على المَدْح، قاله ابن عطيَّة ﵀ وإمَّا على إضْمَار «أعني» ، قاله أبو البقاء، والتقدير: يا ربنا. وعلى كُلِّ تقدير فالجملة مُعْتَرضَةٌ بين القسم وجوابه، وهو قوله ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وخفضه من ثلاثة أوجه: النعت، والبدل، وعطف البَيان. وقرأ عكرمة، وسلام بن مسكين: «واللَّهُ رَبُّنا» برفعهما على المبتدأ والخبر. قال ابن عطية: «وهذا على تَقدِيمٍ وتأخيرٍ، كأنهم قالوا: واللَّهِ ما كُنَّا مشركين واللَّهُ ربُّنَا» يعني: أن ثَمَّ قَسَماً مُضْمَراً. فصل في الكلام على الآية ظاهرُ الآية الكريمة يقتضي أنهم حَلَفُوا في القيامة أنهم كانوا مشركين، وهذا يقتضي إقْدَامَهُمْ على الكذب يوم القيامة، وللناس فيه قولان: الأول: وهو قول أبي عباس على الجبائي والقاضي -: أنه أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب واحتج عليه بوجوه: الأول: أن أهل القيامة يعرفون الله بالاضطرار وأنهم لو عرفوه بالاستدلال لصار موقف القيامة دَاَرَ تكُليفٍ، وذلك باطلٌ، وإذا كانوا عارفين بالله على سبيل الاضطرار

стр. 4562

وجب أنْ يكونوا مُلْجئين على ألَاّ يفعلوا القبيح، وذلك يقتضي ألَاّ يقدم أحَدٌ من أهل القيامة على الكذبِ، فإن قيل: لم لا يجوز أن يُقالَ: إنهم أقدموا على فعل القَبيح؛ لأنهم لمَّا عَايَنُوا أهْوَال يوم القيامة اضطربت عُقُولُهُمْ، فقالوا هذا الكذب عند اخْتِلَالِ عقولهم، أو يقال: إنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا؟ فالجواب عن الأوَّل: أنه لا يجوزأن يحشرهم ويوبخهم بقوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُون﴾ [الأنعام: ٢٢] ثم يحكي اعتذارهم مع أنهم غي عُقلاء، هذا لا يليقُ بحمة اللِّه تعالى. وأيضاً فلا بُدَّ وأن يكونوا عقلاء يوم القيامة ليعلموا أنهم فيما يعاملهم اللَّهُ به غير مظلومين. والجوابُ على الثاني: أنَّ نِسْيَانَهُمْ لما كانوا عليه طُول عمرهم في دار الدنيا مع كمال العقل [بعيدٌ] ، وإنما يجوز أن ينسى اليسير من الأمور. الوجه الثاني: أنَّ هؤلاء الذين أقْدَمُوا على الكذب إمَّا أن يُقال: إنهم عُقَلاءُ أو غيرعقلاء، فالثاني باطلٌ، لأنه لا يليق بحكمةه الله تعالى أن يحكي كلام المجَانين في معرض تميهيد العُذْرِ وإن كانوا عقلاء يعلمون أنَّ كانوا عقلاء يعلمون أنَّ اللَّهَ عالمٌ أحْوَالَهُمْ مُطَّلِعٌ على افعالهم، ويعلمون أنَّ تجويز الكذب على اللَّهَ - تعالى - مُحَالٌ، وأنهم لا يستفيدون بذلك الكذب إلَاّ زيادة المَقْتِ والغَضَبِ، وإذا كان كذلك امتنع إقدامهم في مثل هذه الحالة على الكذب. الوجه الثالث: أنهم لو كذبوا في مَوْقِفِ القيامة، ثُمَّ حَلَفُوا على ذلك الكذب لكانوا قد أقْدَمُوا على نوعين من القَبيح، فإن قلنا: إنهم يستحُّون بذلك العقابَ، صارت الدار الآخرة دَارَ تكليف، وأجمعوا على أنَّ الأمْرَ ليس كذلك. وإن قلنا: إنَّهم لا يستحقُّون على ذلك الكذب، ولا على ذلك الحلف الكاذب عَقَاباً، فهذا يقتضي حُصُول الإذن من اللَّهِ - تعالى - في ارتكاب القَبَائِِحِ، وذلك باطلٌ فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إقدَامُ أهل القيامة على القبيح والكذبِ، وإذا ثبت هذا فَيُحْمَلُ قولهم: «واللَّهِ ربَّنَا ما كنا مشركين» في اعتقادنا وظُنُوننا؛ لأن القوم يعتقدون ذلك. فإن قيل: فعلى هذا التقدير يكنون صادقين في قولهم، فماذا قال ﵎ ﴿انظر كَيْفَ كَذَبُواْ﴾ فالجواب أنه ليس يجب من قوله: ﴿انظر كَيْفَ كَذَبُواْ﴾ انهم كذبوا فيها تقدَّم ذِكْرُهُ من قولهم: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِين﴾ ، بل يجوز أن يكون المراد ﴿انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ﴾ في دار الدُّنْيَا في أمور يخبرون عنها بأنَّ ما هم عليه لَيْسَ بشرْكٍ، وأنهم على صواب ونحوه، فالمقصود من قوله تعالى: ﴿انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ﴾ اخْتِلافُ الحالتين، وأنهم كانوا في دار الدنيا يكذبون، وأنهم في الآخرة يتحرَّزُون عن الكذب،

стр. 4563

ولكن حيث لا ينفعهم الصِّدْقُ، فلتعلّق أحد الأمرين بالآخر، أظهر الله - تعالى - للرسول ذلك. القول الثاني: قول جمهور المفسرين -: أن الكفار يكذبون في القيامة واسْتَدلُّوا بوجوه: أحدهما: ما حكى اللَّهُ - تعالى - عنهم أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُون﴾ [المؤمنون: ١٠٧] مع أنه - تعالى أخر عنهم بقول: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] . وثانيها: قوله ﵎: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ على شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الكاذبون﴾ [المجادلة: ١٨] بعد قوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكذب﴾ [المجادلة: ١٤] فَشَبَّهَ كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدينا. وثالثها: ما حَكَاهُ - تعالى - عنهم: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] . والجوابُ عما قاله الجُبَّائي بان يُحْمَلَ قولهم ما كانوا مشركين في ظُنُونهم، هذا مُخَالفٌ للظَّاهرِ، ثّمَّ قوله بعد ذلك: ﴿انظر كَيْفَ كَذَبُواْ﴾ بأنه مَحْمُولٌ على كذبهم في الدنيا يوجبُ تفكيك نَظْمِ الآية، وصَرْفََ أول الآية إلى أحوال القيامة، وصَرْفَ آخرها إلى أحوال الدنيا، وهو في غاية البُعْدِ. وقولهم: كذبوا في حال كَمَالِ العَقْلِ، وحال نُقْصَانِهِ، فنقول: لا يبعد أنهم حَالَ ما عَايَنُوا أهوال القيامة، وشاهدوا مُوجِبَاتِ الخوف الشديد أخْتَلَّتْ عقولهم، فذكروا هذا الكلام. قولهم: كيف يَلِيقُ بحكمة اللَّهِ - تعالى - أن يحكي عنهم ما ذكروه في حال اضْطَرَابِ العقول؟ فالجوابُ: هذا يوجب الخوف الشديد وذلك في دار الدنيا وأمَّا قولهم: إنَّ المكلفين لا بُدَّ وأن يكونوا عقلاء يوم القيامة فنقو: اخْتلالُ عقولهم سَاعةً واحدة حالة ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع من كمالِ عقولهم في سِائرِ الأوقات. قوله: ﴿انظر كَيْفَ كَذَبُواْ﴾ «كيف» مَنْصُوبٌ على حدِّ نصبها في قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله﴾ [البقرة: ٢٨] وقد تقدَّم. و «كيف» وما بعدها في محل نصب ب «انظر» ؛ لأنها معلقةٌ لها عن العملِ، و «كّذَبُوا»

стр. 4564

وإن كان معناه مُسْتَقْبلاً، لأنه في يوم القيامة، فهو لَتحَقُّقِهِ أبرزه في صورة الماضي. وقوله: «وضَلَّ» يجوز أن يكون نَسَقاً على «كذبوا» ، فيكون داخلاً في حيَّز النَّظَرِ، ويجوز أن يكون اسْتِئنْافَ إخبارٍ، فلا يندرج في حيَّز المنظور إليه. قوله: ما كانُوا «يجوز في» ما «أن تكون مصدريةً، أي: وضَلَّ عنهم افتراؤهم، وهو قول ابن عطية ويجوز أن تكون موصولة اسمية أي: وضل عنهم الذي كانوا يفترونه، فعلى الأول يحتاج إلى ضمير عائدٍ على» ما «عند الجمهور، وعلى الثاني لا بُدَّ من ضمير عند الجميع. ومعنى الآية: انظر كيف كذبُوا على أنفسهم باعْتِذَارهم بالباطل وتَبرِّيهمْ عن الشرك. و» ضلَّ عنهم «: زَالَ وذهب ما كانوا يفترون من الأصنام، وذلك أنهم كانوا يَرْجُونَ شَفَاعَتَهَا نُصْرَتَهَا، فبطل ذلك كله.

стр. 4565

قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْك﴾ راعى لفظ «مَنْ» فأفرد، ولو رَاعَى المعنى لجمع، كقوله في موضع آخر: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ﴾ [يونس: ٤٢] . وقوله: ﴿على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾ إلى آخره، حمل على معناها قوله: «وَجَعلْنَا» «جعل» هنا يحتمل أن يكون للتَّصْييرِ، فيتعدّى لاثنين، أوَّلُهُمَا: «أكنَّه» والثاني: الجار قبله، فيتعلّق بمحذوف، أي: صيَّرنا الأكِنَّة مستقرّة على قلوبهم، ويحتمل أن يكون بمعنى «خلق» ، فيتعدى لواحد، ويكنون الجار قبله حالاً فيتعلق بمحذوف؛ لأنه لو تأخر لوقع صفة ل «أكِنَّة» . ويحتمل أن يكون بمعنى «ألقى» فتتعلّق «على» بهان كقولك: «ألقيتُ على زيد كذا» ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ [طه: ٣٩] . وهذه الجملة تحتمل وجهين: أظهرهما: أنها مُسْتأنَفَةٌ سيقت للإخبار بما تضَّمنَتْهُ من الخَتْمِ على قلوبهم وسمعهم. حال كونه مَجْعُولاً على قلبه كنانٌ، وفي أذنه وقرٌ، فعلى الأول يكون قد عطف جملة فعلية على اسمية، وعلى الثاني: تكون الواو للحال، و «قد» مضمرة بعدها عند مَنْ يُقَدِّرَها قبل الماضي الواقع حالاً.

стр. 4566

والأكِنَّةُ: جمع «كِنَان» ، وهو الوعَاءُ الجامع. قال الشاعر: ٢١٢٧ - إذَا ما انْتَضَوْهَا فِي الوَغَى مِن أكِنَّةٍ ... حَسِبْتَ بُرُوقَ الغَيْثِ تَأتِي غُيُومُهَا وقال بعضهم: «الكِنُّ» - بالكَسْرِ - ما يُحْفَظُ فيه الشَّيء، وبالفتح المصدر. يقال: كَننْتهُ كِنّاً، أي: جعلته في كِنِّ، وجُمِعَ على «أكنان» قال ﵎: ﴿مِّنَ الجبال أَكْنَاناً﴾ [النحل: ٨١] . والكِنَانُ: الغِطَاءُ السَّاتِرُ، والفعل من هذه المادة يُسْتعمل ثلاثياً ورُبَاعيَّاً، يقال: كَنَنْتُ الشَّيء، وأكنَنْتُه كنَّا وإكناناً، إلَاّ أن الراغب فَرَّق بين «فَعَلَ» و «أفْعل» ، فقال: «وخُصَّ كننت بما يستُر من بيت، أو ثوب، أو غير ذلك من الأجسام» ، قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُون﴾ [الصفات: ٤٩] وأكننت بما يستر في النفس، قال تعالى: ﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ في أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥] . ويشهد لما قال قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨] وقوله تعالى: ﴿مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ [القصص: ٦٩] . و «كِنَان» يُجمع على «أكِنَّة» في القِلٌّةِ والكَثْرَةِ لتضعيفه، وذلك أن فَعالاً وفِعالاً بفتح الفاء وكسرها يُجْمَعُ في القِلَّةِ على «أفْعِلة» ك «أحمرة» و «أقْذِلَة» ، وفي الكَثْرَةِ على فُعُل ك «حُمُر» ، و «قُذُل» ، إلَاّ أن يكون مُضاعفاً ك «بَتَات» وكِنَان «، أو معتل اللام ك» خباء و «قباء» ، فيلتزم جمعه على «أفْعِلَة» ، ولا يجوز على «فُعل» إلَاّ في قليلٍ من الكلام كقولهم: «غُنُن» ، و «حُجُج» في جمع «عِنان» و «حجاج» . قال القرطبي: والأكِنَّةُ: الأغْطِية مثل: الأسنَّة والسَّنَان، والأعنَّة والعِنَان، كَنَنْتُ الشيء في كِنَّةٍ إذا صُنْتهُ فيه، وأكْنَنْت الشَّيء أخْفَيْتُهُ، والكِنَانَةُ معروفة، والكَنَّة - بفتح الكاف والنون - امرأة أبيك، ويقال: امرأة الابن أو الأخ لأنها في كنة. قوله: «أنْ يَفْقَهُوهُ» في مَحَلِّ نَصْبٍ على المفعول من أجْلِهِ، وفيه تأويلان سَبَقَا. أحدهما: كَرَاهَةَ أن يفقهوه، وهو رأيُ البصريين. والثاني: حَذْفُ «لا» ، أي: أن لا يَفْقَهُوهُ، وهو رأيُ الكوفيين. قوله: «وَقْراً» عطفٌ على «أكِنَّة» فَيَنْتَسِبُ انْتَصَابَهُ، أي: وجعلنا في آذانهم وقرأ و «في آذانهم» كقوله: «عَلَى قُلُوبِهِمْ» . وقد تقدَّمَ أنَّ «جَعَل» يحتمل معاني ثلاثة، فيكون هذا الجار مبنيَّاً عليها من كونه مفعولاً ثانياً قُدِّمَ، أو متعلّقاً بها نفسها أو حالاً.

стр. 4567

والجمهور على فتح الواو من «وَقراً» . وقرأ طَلحةُ بن مُصَرفٍ بكسرها، والفرق بين «الوَقْر» و «الوِقْر» أنَّ المفتوح هو الثِّقَلُ في الأذُنِ، يُقال منه: وَقَرتْ أذنه يفتح القاف وكسرها، والمُضارع تَقِرُ وتَوْقَر، بحسب الفعلين ك «تعد» و «تَوْجَل» . وحكى أبو زيد: أذُنٌ مَوْقُورة، وهو جَارٍ على القياس، ويكون فيه دليلٌ على أنَّ «وَقَرَ» الثلاثي يكون متعدياً، وسُمِع «أذنٌ مَوْقُورةٌط والفعل على هذا» أوْقَرْتُ «رباعياً ك» أكرم «. و» الوِقْر «- بالكسر - الحِمْلُ للحمار والبَغْلِ ونحوهما، كالوَسْق للبعير. قال تعالى: ﴿فالحاملات وِقْراً﴾ [الذاريات: ٢] فعلى هذا قراءة الجموهور واضحةٌ، أي: وجعلنا في آذانهم، ثِقَلاً، أي: صَمَاً. وأمَّا قراءة طَلْحَةَ، فكأنه جعل آذانهم وقَرَتْ من الصمم كما تُوقَرُ الدَّابَّةُ بالحِمْلِ، والحاصلُ أنَّ المادة تَدُلُّ على الثَّقَلِ والرَّرانة، ومنه الوَقَارُ للتُّؤدَةِ، والسَّكينة، وقوله تعالى: ﴿وفي آذَانِهِمْ وَقْراً﴾ فيه الفَصْلُ بين حَرْفِ العَطْفِ وما عطفه بالجار مع كون العاطف [على حرف واحد] وهي مسألة خلاف تقدَّم تَحْقِيقُهَا في قوله: ﴿أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] . والظاهِرُ: أن هذه الآية ونظرئرها مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] ليس مما فُصِلَ فيه بين العاطف ومعطوفه كما تقدَّم. فصل في بيان سبب نزول الآية قال الكَلْبِيُّ عن ابن عبَّاس ﵄: اجتمع أبو سفيان بن حَرْبٍ، وأبو جهل بن هِشَام، والوليدُ بن المُغيرَةِ، والنضر بن الحارث، وعُتْبَةُ وشَيْبةَ ابنا رَبِيعة، وأميَّة وأبَىُّ ابنا خلفّ والحرث بن عامرٍ يستمعون القرآن العظيم، فقالوا للنضر: يا أبا قتيلة: ما يقول محمد؟ قال ما أدري ما يقول إلَاّ أنه يُحَرِّكُ لِسَانُه وشَفَتَيْهِ وَيَتَكَلَّمُ بأسَاطِير الأوَّلين مثل ما كنت أحَدِّيَكُم عن القرون الماضية، وكان النَّضر كَثِرَ الحديث عن القُرونِ وأخبارها، فقال أبو سفيان: أبي لأرى بَعْضَ ما يقول حقاً. فقال أبو جَهْلِ: كَلاّ، لا تقرّ من هذا، وفي رواية: للموتُ أهونُ علينا من هذا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ أي: إلى كلامك، «وجَعَلْنَا علَى قُلُوبِهِمْ

стр. 4568

أكِنَّةً» أغْطِيَةً جمع «كِنَان» ، كالأعِنَّة جمع «عِنَان» «أنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانْهِمْ وَقْراً» أي: صَمَاً وثقلاً. فصل بيان الدلالة من الآية احتج أهْلُ السُّنةِ بهذه الآية الكريمة على أنه - تعالى - يَصْرِفُ عن الإيمان، ويَمْنَعُ منه؛ لأنه - تعالى - جعل القَلْبَ في الكِنَانِ الذي يمنعه عن الإيمان. قالت المعتزلة: لا يمكن إجْراءُ هذه الآية على ظَاهرِهَا لوجوهٍ. أحدهما: أنه ﵎ وإنَّما أنزل القرآن العظيم حُجَّةً للرُّسُلِ على الكُفَّارِ، لا ليكون حُجَّةً للكُفِّارِ على الرسول ﷺ َ ولو كان المرادُ من هذه الآية الكريمة أنه - تعالى - منع الكُفَّارَ عن الإيمان، لكان لهم أن يقولوا لرسول ﵊ لما حكم بأنه منعنا من الإيمان فلم يَذِمَّنَا على ترك الإيمان ولم يدعونا إلى فعل الإيمان. وثانيها: أنه ﵎ لو مَنَعَهُمْ من الإيمان، ثم دَعَاهُمْ إليه لكان ذلك تكليفاً لِلْعَاجِزِ، وهو مَنْفِيِّ بصريح العَقْلِ، وبقوله ﵎: ﴿لَا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وثالثها: أنه - تعالى - حكى ذلك الكلام عن الكُفَّارِ في معرض الذَّم، فقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] وقال في آية أخرى: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُون﴾ [البقرة: ٨٨] . وإذا كان قد حَكَى عنهم هذا المَذهَبَ في معرض الذَّم لهم امتنع أن يكون ذكره هنا في معرض التقريع والتوبيخ، وإلَاّ لَزِمَ التَّنَاقُضُ. ورابعها: أنه لا نَزَاعَ في أنَّ القَوْمَ كانوا يَفْقَهُوَن، ويَسْمَعُونَ، ويعقلون. وخامسها: أنَّ هذه الآية وَرَدَتْ في معرض الذَّمِّ على ترك الإيمان، وإذا كان هذا الصَّدُّ، والمَنْعُ من قِبَلِ الله - تعالى - لما كانوا مَذْمُمينَ، بل كانوا معْذُورينَ. وسادسها: أن قوله: ﴿حتى إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ يَدُلُّ على أنهم كانوا يفقهون، ويُمَيِّزُونَ الحَقَّ من الباطل، وعند هذا فلا بُدَّ من التأويل وهو من وُجُوه: الأول: قال الجُبَّائِيُّ: إنَّ القوْمَ كانوا يَسْتَمِعُونَ قِراءةَ الرسول ﵊ ُ، لِيَتَوَصَّلُوا بسمامع قراءته إلى مَعْرِفةِ مكانه باليل، فيقصدوا قَتْلَهُ وإيذَاءهُ، فكان اللَّهُ ﵎ يلقي في قلوبهم النوم وهو المراد من الأكنَّةِ ويثقل أسْماعَهُمْ عن استماع تلك القراءة بسبب ذلك النَّوْمِ، وهو المراد من قوله: ﴿وفي آذَانِهِمْ وَقْراً﴾ .

стр. 4569

الثاني: أن الإنسان الذي عَلِمَ الله - تعالى - منه أنه لا يؤمن، وأنه يموت على الكُفْرِ، فإنه ﵎ يَسِمُ قَلبهُ بعلامة مَخْصُوصَةٍ يستدلُ الملائكة برؤيتها على أنهم لا يُؤمِنُونَ، فلا يَبْعُدُ تلك العلامةِ بالكَنَانِ والغَطاءِ المانع، وتلك العلامَةُ في نفسها ليست مَانِعَةً عن الإيمان. الثالث: أنَّهم لمَّا أصًرُّوا على الكُفْرِ، وصَمَّمُوا عليه صار عدولهم عن الإيمان، والحالة هذه كالكِنَانِ المانِعِ عن الإيمان، فذكر الله ﵎ الكَنَانَ كِنَايَةٌ عن هذا المعنى. الرابع: إنه تعالى لما منعهم الألطاف التي يفعل بمَنْ اهتدى، فأخْلاهُمْ منها، وفوَّضَ أمورهم إلى أنفسهم لِسُوءِ صَنِيعِهِمْ، لم يبعد أن يضيف ذلك إلى نفسه بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ . الخامس: أن يكون الكلامُ وَرَدَ حِكَاية لما كانوا يذكرونه من قولهم: «قلوبنا غُلْفٌ» ، وقالوا: ﴿قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] . فالجواب: أن العَبْدَ الذي أتى بالكُفْرِ إن لم يقدِرْ على الإتيان بالإيمان فقد صَحَّ قولنا: بأنه ﵎ هو الذي حمله على الكُفْرِ [وصَدَّهُ عن الإيمان، وإن كان القادر على الكُفْر قَادراً على الإيمان فيمتنع صيرورة تلك القدجرة مَصْدراً للكُفْرِ] دون الإيمان إلَاّ عند انْضْمَام تلك الدَّاعية، وقد تقدَّم أنَّ مجموع القُدْرَةِ مع الدَّاعي يوجب الفِعْل، فيكون الكُفْرُ علَى هذا التقدير من اللَّهِ تعالى، وتكون الدَّاعية الجارة إلى الكُفر كِنَاناً للقلب عن الإيمان، ووقراً للسَّمع عن اسْتِمَاع دَلائِلَ الإيمان، فإذا ثبت في الدَّليلِ العَقْليِّ صِحَّةُ ما دَلَّ عليه ظَاهِرُ الآية الكريمة وجب حَمْلُهَا عليه عَمَلاً بالبرهان، وظاهر القرآن. قوله: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَة﴾ أي من المُعْجِزَاتِ والدَّلالاتِ ﴿لَاّ يُؤْمِنُواْ بِهَا﴾ وهذا يَدُلُّ على فَسَادِ تأويل الجُبَّائي؛ لأنه لو كان المراد بالأكِنَّةِ إلْقاء النوم على قلوب الكُفَّار لئلا يمكنهم التَّوصُّل بسمامع صوْتِهِ إلى وجدان مكانه، لما كان قوله: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَة لَاّ يُؤْمِنُواْ بِهَا﴾ لائقاً بذلك الكلام، ولوجب أن يُقالَ: وجعلنا على قلوبهم أكنَّةً أنْ يسمعوه؛ لأن المقصود الذي ذكره الجُبَّائي إنما يَحْصُلُ بالمَنْعِ من سماع الصَّوتِ، أمَّا المَنْعُ من الفِقْهِ لكلامه فلا تعلُقَ له بما ذكره الجبائي. قوله: «حَتَّى إذَا جَاءُوكَ» قد تقدَّم الكلامُ في «حتَّى» الداخلة على «إذا» في أول «النساء» .

стр. 4570

وقال: أبو البقاء - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: هنا «إذا» في موضع نَصْبٍ بجوابها، وهو «يقول» وليس ل «حتَّى» غايةٌ و «يجادلونك» حال، و «يقول» جواب «إذا» ، وهو العامل في «إذا» . وقال الزمخشري: [وهي] «حتى» التي تقع بعدها الجُمَلُ، والجملة قوله: «إذا جَاءُكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ» ، و «يُجَادِلُونَكَ» في موضع الحَالِ، ويجوزُ أن تكون الجارةَ، فيكون «إذا جاءوك» في مَحَلِّ الجر، بمعنى «حتَّى» وقت مجيئهم، و «يجادلونك» حالٌ،. وقوله: ﴿يَقُولُ الذين كَفَرُوا﴾ تفسيرٌ له، والمعنى أنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم يجادلونك ويُنَاكِرُونَكَ. وفسَّرَ مُجَادَلَتَهُمْ بأنهم يقولون: ﴿إِنْ هاذآ إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ قال أبو حيَّان: «وقد وُفَّقَ الحوفي، وأبو البقاء، وغيرهما للصواب في ذلك» ثمَّ ذكر عِبَارَةَ أبي البقاء والحوفي، وقال أيضاً: و «حتى» إذا وقع بعدهما «إذا» ، يُحْتمل أن تكون بمعنى «الفاء» ، ويحتمل أن تكون بمعنى «إلى أن» ، فيكون التقديرُ: فإذا جَاءُوك يُجَادِلُونَكَ يقول، أو يكون التقدير: وجعلنا على قلوبهم أكنَّة، وكذا إلى أن قالوا: إن هذا إلَاّ أساطير الأوَّلين، وقد تقدَّم أن «يُجَادِلُونك» حالٌ من فاعل «جَاءُوكَ» ، و «يقول» : إمَّا جواب: «إذا» وإمَّا مفسَّرةٌ للمجيء، كما تقدَّم تقريره. و «أساطير» فيه أقوال: أحدهما: أنه جمع لواحد مُقَدَّرٍ، واخْتُلِفَ في ذلك المُقَدَّرٍ، فقيل: أسْطُورة، وقيل: أسْطَارة، وقيل أسْطُور، وقيل: أسْطَار، وقيل إسْطِيرة وقال بعضهم: بل لُفِظَ بهذه المفردات. والثاني: أنه جَمْعٍ ف «أساطير» جمع «أسْطار» ، و «أسطار» جمع «سَطَر» بفتح الطاء، وأمَّا «سَطْر» بسكونها فَجَمْعُهُ في القِلَّةِ على «أسْطُر» ، وفي الكثرة على «سطور» ك «فَلْس» و «أفْلُس» و «فُلُوس» . والثالث: أنه جَمْعُ الجَمْعِ ف «أساطير» جمع «أسْطَار» ، و «أسطار» جمع «أسْطُر» ، و «سَطْر» جمع «سَطر» وهذا مرويُّ عن الزَّجَّاج، وليس بشيء فإنَّ «أسْطَار» ليس جمع «أسْطر» ، بل هما مِثَالاً جَمْع قلَّة. الرابع: أنه اسم جمع.

стр. 4571

قال: ابن عطية: «هو اسمُ جمع لا واحد له من لفظه» وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ النحويين قد نَصُّوا على أنه كان على صيغةٍ تَخُصُّ الجُمُوع لم يُسمُّوه اسم جمع، بل يقولون: هو جمع ك «عَبَاديد» و «شَمَاطِيط» ، فظاهر كلام الرَّاغب - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: أن «أساطير» جمع «سَطَر» بفتح الطاء، فإنه قال: وجمع «سَطَر» - يعين بالفتح - «أسطار» و «أساطير» . وقال المُبَرَّد - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: هي جمع «أسْطُورة» نحو: «أرْجُوحَة» و «أراجيح» و «أحْدُوثَة» و «أحاديث» . ومعنى «الأساطير» : الأحاديث الباطلة والُّرَّهَات ممَّا لا حَقيقَةَ له. وقال الواحدي - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: - أصلُ «الأسَاطير» من «السَّطْر» وهو أن يجعل شيئاً ممتداً مُؤلَّفاً، ومنه سَطْرُ الكتاب، وسطر من شجر مفروش. قال ابن السكيت: يقال سَطْرٌ وسِطْرٌ، فمن قال: «سَطْر» فجمعه في القليل «أسْطُر» ، والتكثير «سْطُور» ، ومن قال: «سِطْر» فجمعه «أسْطَار» ، و «الأساطير» جمع الجمع. وقال الجبائي - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: واحدُ الأساطير «أسْطُور» و «أسطورة» و «إسطيرة» . قال جمهور المفسرين: أساطير الأولين ما سَطَّرَهُ الأوَّلون. وقال ابن عباس: معناه أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها، أي: يَكْتُبُونَهَا.

стр. 4572

قوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ في الضميرين - أعني «هم» وهاء «عنه» - أوجه: أحدهما: أن المرفوع يعود لعى الكُفَّارِ، والمجرور يعود على القرآن الكريم، وهو أيضاً الذي عَادَ عليه الضَّميرُ المَنْصُوب من «يَفْقَهُوه» ، والمُشَارُ إليه بقولهم: «إنْ هَذَا» . والثاني: أنَّ «هم» يعود على من تَقدَّمَ ذكرهم من الكُفَّار، وفي «عنه» يعود على الرسول، وعلى هذا ففيه الْتَفَاتٌ من الخطاب إلى الغَيْبَةِ، فإن قوله: ﴿جَاءُوَكَ يُجَادلونك﴾ خطابٌ للرسول ﵊، فخرج من هذا الخطاب إلى الغَيْبَةَ. وقيل: يعود المرفوع على أبي طالب وأتْبَاعِهِ. وفي قوله: «يَنْهَوْنَ» و «يَنْأوْنَ» تَجْنِيسُ التصريف، وهو عِبَارةٌ عن انفراد كل كلمة

стр. 4573

عن الأخرى بحرف ف «ينهون» انفردت بالهاء، و «يَنْأوْن» بالهمزة، ومثله قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ﴾ [الكهف: ١٠٤] ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُون﴾ [غافر: ٧٥] . وقوله ﵊ ُ: «الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَوَاصِيْهَا الخَيْرُ» ، وبعضهم يسميه «تجنيس التَّحْريف» وهو الفرق بين كلمتين بحرف وأنشدوا في ذلك قول القائل: [الكامل] ٢١٢٨ - إنْ لَمْ أشُنَّ عَلَى ابْنِ حَرْبٍ غَارَةً ... لَمْ تَخْلُ يَوْماً مِنْ نِهابِ نُفُسِ وذكر غيره أن «تجنيس التحريف» هو أن يكون الشَّكْلُ، فرقاً بين كلمتين، وجعل منه «اللُّهِى تفتح اللَّهى» وقد تقدَّم تحقيقه. وقرأ الحسن و «يَنَوْن» بإلقاء حركة الهمزة على النونه وحذفها، وهو تخفيف قياسي. و «النَّأيُ» : البُعْدُ، قال: [الطويل] ٢١٢٩ - إذَا غَيَّرَ النَّأيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَزَل ... ْ رَسِيسُ الهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةً يبْرَحُ وقال الآخر في ذلك، فأجَادَ، [الطويل] ٢١٣٠ - ألَا حَبَّذا هِنْد وأرْضٌ بِهَا هِنْدُ ... وهِنْدٌ أتَى مِنْ دُونِهَا النَّايُ والبُعْدُ عطف الشيء على نفسه للمُغَايَرَةَ اللَّفْظيَّة يقال: نَأي زيد يَنْأى نَأياً، ويتعدَّى بالهمزة، فيقال: أنْأيْتُهُ، ولا يُعَدِّى بالتضعيف، وكذا كل ما كان عينه همزةً. ونقل الواحدي أنه يقال: نَأيْنُهُ بمعنى نَأيْتُ عنهُ. وأنشد المُبَرِّدُ: [الطويل] ٢١٣١ - أعَاذِلُ إنْ يُصْبِحْ صَدَاي بِقَفْرَةٍ ... بَعيداً نآنِي صَاحِبِي وَقَريبِى

стр. 4574

أي: نَأى عَنَّي. وحكى اللَّيْثُ: «نَأيْثُ الشيء» ، أي: أبْعَدْتُهُ، وأنشد: [الطويل] ٢١٣٢ - إذَا مَا الْتَقَينا سَالض مِنْ عَبَرَاتِنَا ... شَآبيبُ يُنْأى سِيْلُهَا بالأصَابِع فَبَنَاهُ للمفعول، أي: يُنَحِّى ويُبْعَدُ. والحاصلُ أنَّ هذه المادة تَدُلُّ على البُعْدِ، ومنه أتَنَأى أي: أفْعَلُ النَّأيَ. والمَنْأى: الموضع البعيدُ. قال النابغة: [الطويل] ٢١٣٣ - فَإنَّكَ كالمَوْتِ الَّذِي هُوَ مُدْرِكِي ... وَإنْ خِلْتُ أنَّ المُنْتَأى عَنْكَ وَاسِعُ و «تَنَاءَى» أي: تباعد، ومنه النُّؤيُ للحُفَيْرَةِ التي حول الخِبَاءِ لتبعد عنه الماء. وقُرِئ: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [فصلت: ٥١] وهو مَقْلُوبٌ من «نأى» ، ويَدُلُّ على ذلك أنَّ الأصل هو المَصْدَرُ وهو «النَّأيُ» بتقديم الهمزة على حرق العِلِّة. فصل في المراد بالآية وسبب نزولها معنى الآية الكريمة أنهم يَنْهَوْنَ النَّاسَ عن اتِّبَع مُحَمَّدِ ﷺ َ ويَنْأوْنَ عنه، أي: يبتاعدون عنه بأنفسهم نزلت هذه الآية في كُفَّار «مكة» المشرفة، قال محمد بن الحَنَفِيَّةِ والسُّدي والضَّحاك، وقال قتادةُ: يَنْهَوْنَ عن القرآن، وعن النَّبِيَّ ﷺ َ ويتباعدون عنه. واعلم أنَّ النهي عن النبي ﷺ َ مُحَلٌ فلا بد أن يكون النهي عن فعل يتعلَّقُ به، فذكروا فيه قولين: الأول: ينهون عن تَدَبُّرِ القُرْآنِ واستمامعه، وعن التَّصديقِ بنبوة مُحَمَّدٍ ﷺ َ والإقرار برسالته. الثاني: قال ابن عبَّاسِ ﵁ ومقاتل: نزلت في أبي طالب كان ينهى النَّاس عن أذَى النبي ﷺ َ ويمعنهم ويَنْأى عن الإيمان به أي: يَبْعَدُ، حتى روي أنه اجتمع

стр. 4575

إليه رؤوس المشركين، وقالوا: تَخَيَّرْ من أصْبَحِنَا وَجْهاً وادْفَعْ إلينا محمداً، فقال أبو طالب: ما أنْصَفْتُمُونِي أدْفَعُ إليكم ولدي لِتَقْتُلُوهُ وأرَبِّي وَلَدَكُمْ. وروي أنَّ النبي ﷺ َ دَعَاهُ إلى الإيمان فقال: لولا أن تُعِيِّرُني قُرَيْشٌ لأقرت بها عَينكَ، ولكن أذُبُّ عنك ما حييتُ، وقال فيه أبياتاً: [الكامل] ٢١٣٤ - واللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بجَمْعِهِم ... ْ حَتّى أوَسَّدَ فِي التُّرابِ دَفِينَا فَاصْدَعْ بأمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ ... وابْشِرْ وَقَرَّ بِذاكَ مِنْكَ عُيُونَا وَدَعَوْتَنِي وَعَرفْتُ أنَّكَ نَاصِحي ... وَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ ثَمَّ أمِينَا وَعرَضْتَ دِنيا قَدْ عَلِمْتُ بأنَّهُ ... مِنْ خَيْرِ أدْيَانِ البَرِيَّةِ دِينَا لَوْلَا الملامَةُ أو حذارُ مَسَبَّة ... ٍ لَوَجَدْتَنِي سَمْحاً بِذَاكَ مُبِينَا واعلم أنَّ القول الأوَّلَ أشبه لوجهين: د أحدهما: أنَّ جميع الآيات المتقدمة في ذَمِّ طريقتهم، فلذلك كان يبغي أن يكون قولهم: «وهم ينهون عنه» مَحْمُولاً على أمْرٍ مذموم، وإذا حملناه على أنَّ أبا طالبٍ كان ينهى عن إيذائه لما حصل هذا النَّظْمُ. وثانيهما: قوله ﵎ بعد ذلك: ﴿وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَاّ أَنفُسَهُم﴾ يعني به ما تقدم ذكره، ولا يَليقُ ذلك النهي عن أذِنَّيِهِن لأن ذلك حسن لا يوجب الهلاك. فإن قيل: إنَّ ﴿وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَاّ أَنفُسَهُم﴾ يرجع إلى قوله: ﴿يَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ لا قوله: «ينهون عنه» ؛ لأن المراد بذلك أنهم يبعدون عنه بمُفَارَقَةِ دينه وترك موافقته وذلك ذَمٌّ. فالجوابُ أن ظاهر قوله: ﴿وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَاّ أَنفُسَهُم﴾ يرجعُ إلى كل ما تقدَّمَ ذِكْرُهُ، كما يقال: «فلان يبعد عن الشيء الفلاني وينفر عنه، ولا يَضُرُّ بذلك إلَاّ نفسه» ، فلا يكون هذا الضرر متعلّقاً بأحد الأمرين دون الآخر.

стр. 4576

قوله: «وإن يهلكون» «إنْ» نافية كالتي في قوله: ﴿إِنْ هاذآ﴾ [الأنعام: ٢٥] و «أنفسهم» مفعولٌ، وهو استثناءُ مُفَرَّغٌ، ومفعول «يَشْعرون» محذوف: إمَّا اقتصاراً، وإمّا اختصاراً، أي: وما يشعرون أنهم يهلكون أنفسهم بتماديهم في الكُفْرِ وغُلُوِّهِمْ فيه، قاله ابن عباس.

стр. 4577

لمَّا بيَّن أنهم يهلكون أنْفُسَهُمْ شَرَحَ كَيْفِيَّة ذلك الهلاك فقال: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار﴾ ، وبجواب «لو» محذوف لفهم المعنى، والتقدير: «لرأيت شيئاً عظيماً وَهَوْلاً مُفْظَعْاً» . وحذف الجواب كثر في التَّنْزِيلِ، وفي النظم كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً﴾ [الرعد: ٣١] . وقول الآخر [في ذلك:] [الطويل] ٢١٣٥ - وَجَدِّكَ لَوْ شَيءٌ أتَانَا رَسُولُهُ ... سِوَاكَ ولَكِنْ لَمْ نَجَدْ لَكَ مَدْفَعاَ وقوله: [الطويل] ٢١٣٦ - ... - فَلَوْ أنَّهَا نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعَة َ ولَكنَّهَا نَفْسٌ تَسَاقَطُ أنْفُسَا ... وقله الآخر فأجاد: [الكامل] ٢١٣٧ - كَذَبَ العَوَاذِلُ لَوْ رَأيْنَ مُنَاخَا ... بِحَرْيزِ رَامَهض والمَطِيُّ سَوَامِي وحذفُ الجواب أبْلِغُ [قالوا:] لأن السَّامِعَ تذهب نَفْسُهُ كل مذهب، ولو صرَّح له بالجواب وطَّنَ نفسه عليه فلم يحسن منه كثيراً، ولذلك قال كثير في ذلك: [الطويل] ٢١٣٨ - فَقُلْتُ لَهَا يَا عَزُّ كُلُّ مُصِيبَةٍ ... إذَا وطِّنَتْ يَوْماً لَهَا النَّفْسُ ذَلَّتِ وقوله: «ترى» يجوز أن تكون بصريسةً، ومفعولها محذوف، أي: ولو ترى حالهم،

стр. 4578

ويجوز أن تكون القَلْبِيَّةَ، [والمعنى:] ولو صرفتع فكرك الصحيح لأنْ تَتَدَبَّرَ حَالَهُمْ لازْدَدْتَ يقيناً. وفي «لو» [هذه] وجهان: أظهرهما: أنها الامتناعية، فينصرف المُضَارعُ بعدها للمُضِيَّ، ف «إذا» باقيةٌ على أصلها من دلالتها على الزَّمِنِ الماضي، وهذا وإن كان لم يقع بعدُ؛ لأنه سيأتي يوم القيامة، إلَاّ أنه أبرز في صورة الماضي لتحقُّقِ الوَعْدِ. والثاني: أنها بمعنى «أنْ» الشَّرطيَّة، و «إنْ» هنا تكون بمعنى «إذا» ، والذي حمل [هذا] القائل على ذلك كَوْنُهُ لم يقع بعد وقد تقدَّمَ تأويله. وقرأ الجمهور ﵃: - «وُقِفُوا» مبنيَّا للمفعول من «وقف» ثلاثياً [و «على» يحتمل أن تكون على بابها وهو الظاهر أي: حبسوا عليها، أو عرضوا عليها، وقيل: يجوز] أن تكون بمعنى «في» ، أي في النَّار، كقوله: «» عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ «، اي: في ملك سليمان. وقرأ ابن السَّمَيْفَعِ، وزيد بن علي:» وَقَفُوا «مبيناً للفاعل. و» وَقَفَ «يتعدَّى ولا يتعدَّىن وفرَّقَتِ العَرَبُ بينهما بالمَصْدَرِ، فمصدر اللازم على» فُعُول «، ومصدر المُتعدِّي على» فَعْل «ولا يقال: أوْقَفْتُ. قال أبو عمرو بن العلاء:» لم أسْمَعْ شيئاً في كلام العرب: «أوقفت فُلاناً» ، إلَاّ أنِّي لو رأيت رَجُلاً وافقاً فقلت له: «ما أوقفك هاهنا» لكان عندي حَسَناً «وإنما قال كذلك؛ لأنَّ تعدِّي الفِعْل بالهمزة مقيسٌ نحو: ضحك زيدٌ وأضحكته أنا، ولكن سَمِعَ غيره في» وقف «المتعدي أوقفته. قال الراغب:» ومنه - يعني من لفظِ وقفتُ القوم - اسْتُعِيرَ وقفت الدَّابَّة إذا سَبلْتَهَا «فجعل الوقف حقيقةٌ في مَنْع المشي، وفي التَسْبِيلِ مَحَازاً على سبيل الاسْتِعَارَةِ، وذلك أن الشَّيْءَ المُسْبَلَ كأنه ممنوعٌ من الحركةن والوقف لفظٌ مشترك بين ما تقدَّمَ وبين سوارٍ من عاجٍ، ومنه: حمار مُوقَّفٌ بأرْسَاغِهِ مِثْلُ الوقْفِ من البَيَاضِ. فصل في معنى الوقوف على النار وقال الزجاج - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: ومعنى وقفوا على النَّار يحتمل ثلاثة أوجه:

стр. 4579

الأول: يجوز أن يكون قد وفقوا عندها وهم يُعَاينُوها فهم موقوفون على أن يدخلوا النار. الثاني: يجوز أن يكون وقفوا عليها وهي تحتهم بمعنى أنهم وقفوا فوق النَّار على الصِّراطِ، جِسْرٌ فوق جَهَنَّمَ «على النَّار» . [الثالث:] معناه: أنهم عرفوا حقيقتها تعريفاً من قولك: «وقَّفْتُ فلاناً على كلام فلان» أي: عَلَّمتُهُ معناه وعرَّفته، وفيه الوجه المتقدِّم، وهو أن يكون «على» بمعنى «» في «، والمعنى أنهم يكونون غَائِصينَ في النَّارِ، وإنَّما صحَّ على هذا التقدير أن يقول: وقفوا على النَّار، لأن النَّار دَرَكَاتٌ وطَبَقَاتٌ بعضها فوق بعض، فيصح هناك معنى الاسْتِعْلَاء. قوله:» يا لَيْتنا «قد تقدَّم الكلام في» يا «المُبَاشرة للحرف والفعل. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن كثير، والكسائي» ولا نثكَذِّبُ «و» نكون «برفعهما وبنَصْبهمَا حمزة، وحفصُ عن عاصم، وبرفع الأول ونصب الثاني ابن عامر، وأبو بكر. ونقل أبو حيَّان عن ابن عامرٍ أنَّهُ نصب الفعلين، ثم قال بعد كلام طويل: عن ابن عامر:» ولا نكذِّب «بالرفع، و» نكون «بالنصب، فأمَّا قراءة الرفع فيهما، ففيها ثلاثةُ أوجه: أحدهما: أن الرفع فيهما على العَطْفِ على الفِعْلِ قبلهما، وهو» نُرَدُّ «، ويكونون قد تَمَنَّوا ثلاثة أشياء: الرَّدّ إلى دار الدنيا، وعدم تكذيبهم بآيات ربهم، وكونهم من المؤمنين. والثاني: أن» الواو «واو الحال، والمضارع خبر مبتدأ مُضْمَرٍ، والجُمْلَةُ الاسمية في مَحَلِّ نصب على الحال من مرفوع» نُرَدُّ «. والتقدير: يا ليتنا نُرَدُّ غيرَ مكذَّبين وكائنين [من المؤمنين فيكون تمني الرد مقيداً

стр. 4580

بهاتين الحالين، فيكون الفعلان] أيضاً داخلين في التمنّي. وقد اسْتَشْكَلَ الناسُ هذهين الوجهين، بأن التَّمَنِّي إنشاءن والإنْشَاءُ لا يدخله الصِّدْقُ ولا الكذب، وإنما يدخلان في الأخبار، وهذا قد دَخَلَهُ الكَذِبُ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] وقد أجابوا عن ذلك بثلاثة أوجه: أحدهما: ذكره الزمخشري - قال: هذا تَمَنِّ تضمَّنَ معنى العِدَة، فجاز أن يدخله التَّكْذِيبُ كما يقول الرَّجُلُ:» ليت اللَّه يرزقني مالاً فأحْسِن إليك، وأكَافِئَكَ على صَنيعِكَ «فهذا مُتَمَنِّ في معنى الواعد، فلو رُزِقَ مالاً ولم يُحْسِنَ إلى صاحبه، ولم يكافئه كذب، وصَحَّ أن يقال له كاذب، كأنه قال: إن رزقني اللَّهُ مالاً أحسنتُ إليك. والثاني: أن قوله ﵎: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون﴾ [الأنعام: ٢٨] ليس متعلّقاً بالمتمني، بل هو مَحْضُ إخبار من الله ﵎، بأنهم دَيْدَنهم الكَذِبُ وهجيراهم ذلك، فلم يَدْخُلِ الكذبُ في التمنِّي، وهذان الجوابان واضحان، وثانيهما أوضح. والثالث: أنَّا لا نُسَلِّمُ أنَّ التمنِّي لا يدخله الصِّدْقُ ولا الكذب، بل يدخلانه، وعُزِيَ ذلك إلى عيسى بن عُمَرَ، واحتج على ذلك بقول الشاعر [حيث قال] : [الطويل] ٢١٣٩ - مُنَى إنْ تَكُنْ حَقَّا تَكُنْ أحْسنَ المُنَى ... وإلَاّ فَقَدْ عِشْنَا بِهَا زَمَنا رَغْدَا قال: «وإذا جاز أن تُوصَفَ المُنَى بكونها حَقّاً جاز أن تُوصَفَ بكونها باطلاً وكذباً» . وهذا الجواب سَاقِطٌ جداً، فإن الذي وُصِفَ بالحَقِّ إنما هو المُنَى، و «المنى» : جمع «مُنْيَة» و «المُنْيَةُ» تُوصَفُ بالصِّدقِ والكذب مجازاً، لأنها كأنها تَعِدُ النَّفْسَ بوقوعها، فيقال لما وقع منها: صَادِق، ولِمَا يَقَعْ منها: كاذب، فالصِّدْق والكذب إنما دَخَلا في المُنْيَةِ لا في التمني. والثالث من الأوجه المتقدمة: أن قوله: «ولا نُكَذِّبُ» خبر لمبتدأ محذوف، والجملة اسْتئنَافِيَّةٌ لا تعلُّقَ لها بما قبلها، وإنما عطفت هاتان الجملتان الفعليتان على الجلمة المُشْتملة على أدَاةِ التمني وما في حيِّزهَا، فليستْ داخلةً في التَّمَنِّي أصلاً، وإنما أخبرَ الله ﵎ عنهم أنهم أخْبَرُوا عن أنفسهم بأنهم لا يكذبون بآيات ربِّهم، وأنَّهُمْ يكونون من المُؤمنينَ، فتكون هذه الجملة وما عُطِفَ عليها في مَحَلِّ نصبٍ بالقول، كأنَّ التقدير: فقالوا: يَا لَيْتَناَ نُرَدُّ وقالُوا: نحن لا نُكَذِّب ونكُون من المؤمنين.

стр. 4581

واختار سيبويه هذا الوجه وشبَّهَهُ بقولهم: «دَعْنِي ولا أعُودُ» ، أي: وأنا لا أعود تَرَكْتَنِي أو لم تتركني، أي: لا أعود على كُلِّ حالٍ، كذلك معنى الآية: أخْبروا أنهم لا يُكَذِّبُون بآيات ربهم، وأنهم يَكُونُون من المؤمنين على كل حالٍ، رُدُّوا أوة لم يُرَدُّوا. وهذا الوجهُ وإن كان النَّاسُ قد ذكروه ورجَّحثوه، وأختار سيبويه ﵀ كما مَرَّ، فإن بعضهم اسْتَشْكَلَ عليه إشْكَالاً، وهو: أنَّ الكَذِبِ لا يَقَعُ في الآخرة، فكيف وُصِفُوا بأنهم كاذبون في الآخرة في قولهم «ولانُكَذِّب ونكون» ؟ وقد أجيب عنه بوجهين: أحدهما: أن قوله ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون﴾ [الأنعام: ٢٨] اسْتيثَاقٌ لذَمِّهِمْ بالكذب، وأن ذلك شأنهم كما تقدَّمَ ذلك آنفاً. والثاني: أنهم صَمَّوا في تلك الحَالِ على أنهم لو رُدُّوا لما عادوا إلى الكُفْرِ لما شَاهَدُوا من الأهْوالِ والعقوبات، فأخبر اللَّهُ - تعالى - أنَّ قولهم في تلك الحَالِ: «ولا نكذِّبُ» وإن كان عن اعتقاد وتصميم يتغير على تقدير الرَّدِّ، ووقوع العَوْدِ، فيصير قولهم: «ولا نكذّب» كذباً، كما يقول اللِّصُّ عند ألم العقوبة: «لا أعود» ويعتقد ذلك ويصمم عليه، فإذا خُلِّصَ وعاد كاذباً. وقد أجاب مَكّي أيضاً بجوابين: أحدهما [قريب] مما تقدَّم، والثاني لغيره، فقال - أي لكاذبون في الدُّنْيَا في تكذيبهم الرُّسُلَ، فإنكارهم البَعْثَ للحال [التي] كانوا عليها في الدُّنْيَا، وقد أجاز أبو عمرو وغيره وُقُوعَ التكذيب في الآخرة، لأنهم ادَّعَوْا أنهم لو رُدُّوا لم يُكَذَّبوا بآيات الله، فعلم الله ما لا يكون لو كان كيف يكون، وأنهم لو رُدُّوا لم يؤمنوا ولكدَّبوا بآيات اللِّهِ، فأكذبهم اللَّهُ في دَعْوَاهُمْ. وأمَّا نَصْبُهُمَا فبإضمار «أنْ» بعد الواو التي بمعنى «مع» ، كقولك: «ليت لي مالاً وأنْفِقَ منه» فالفعل منصوب بإضمار «أن» ، و «أنْ» مصدرية ينسبِكُ منها ومن الفعل بعدها مَصْدرٌ، و «الواو» حرف عَطْفٍ، فيستدعي معطوفاً عليه، وليس قبلها في الآية إلَاّ فعل، فكيف يُعْطَفُ اسْمٌ على فعل؟ فلا جَرَمَ أنْ نقدِّر مصدراً متوهّماً يُعْطَفُ هذا المصدر المُنْسَبكُ من «أنْ» وما بعدها عليه، والتقديرُ: يا ليتنا لنا رَدُّ، وانتفاء تكذيب بآيات ربنا وكَوْنُ من المؤمنين أي: ليتنا لنا ردٌّ مع هذين الشيئين، فيكون عدم التكذيب والكَوْنُ من

стр. 4582

المؤمنين مُتَمَنَّيْيْنَ أيضاً، فهذه ثلاثة أشياء أعني الرَّدَّ وعدم التكذيب، والكون من المؤمنين مُتَمَنَّاةٌ بقيد الاجماع، لا أنَّ كُلَّ واحدٍ مُتَمَنَّي وَحْدَهُ؛ لما تقدَّم من أنَّ هذه «الواو» شرط إضمار «أنْ» بعدها: أن تصلح «مع» في مكانها، فالنصبُ يُعِّنُ أحد مُحْتَمَلاتِهَا في قولك: «لا تأكل السَّمَكَ وتشرب اللبن» وشبهه، والإشكال المتقدِّم وهو إدخال التكذيب على التمين ورادٌ هنا، وقد تقدم جوابه إلَاّ أن بَعْضَهُ يُتَعذَّر هنا، وهو كون «لا نكذِّبُ، ونكونُ» مُسْتَانَفَيْنِ سِيْقا لمجرد الإخبار، فبقي: إمَّا لكون المتني دَخَلَهُ معنى الوَعْدِ، وإمَّا أن قوله ﵎: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون﴾ [الأنعام: ٢٨] ليس رَاجِعاً إلى تَمَنِّيهِمْ، وإمَّا لأنَّ التمِّني يدخله التكذيب، وقد تقدَّم فسادُهُ. وقال ابن الأنباري ﵀: «أكْذَبَهم في معننى التَّمَنِّي، لأن تَمَنِّيهم راجعٌ إلى معنى:» نحنث لا نكذِّب إذا رُدِدْنا «فَغَلَّب الكلام فَأكذَبَهُمْ، ولم يستعمل لفز التَّمنِّي» . وهذا الذي قاله ابن الأنباري - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى - تقدَّم معناه بأوضح من هذا. قال أبو حيَّان: وكثيراً ما يوجد في كتب النحو أن هذه «الواو» المنصوب بعدها هو على جواب التَّمَنِّي، كما قال الزمخشري: وقرئ: «ولا نكذِّبَ، ونكون» بالنصب بإضمار «أنْ» على جواب التمين، ومعناه إنْ رُدِدْنا لم نُكَذِّبْ، ونكن من المؤمنين. قال: وليس كما ذَكَرَ، فإن نَصْبَ الفعل بعد «الوارو» ليس على جهة الجواب؛ لأن «الواو» لا تقعُ جواب الشَّرْط، فلا يَنْعَقِدُ ممَّا قبلها، ولا ممَّا بعدها شَرْطٌ وجواب، وإنما هي واو «مع» يُعْطَفُ ما بعدها على المَصْدَر المُتَوَهِّم قبلها، وهي واو العطف يتعيَّنُ مع النَّصْبِ أحدُ مَحَامِلِهَا الثلاثة: وهي المعيَّةُ ويميِّزها من «الفاء» تقديرُ «مع» موضعها، كما أنَّ فاء الجواب إذا كان بعدها فِعْلٌ منصوبٌ ميَّزَهَا تقديرٌ شرْط قبلها أو حَالٌ مكانها وشُبْهَةُ من قال: إنها جواب أنها تنصب في المواضع التي تنصب فيها «الفاء» ، فتوهَّم أنها جواب. وقال سيبويه - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: والواو تنصب ما بعدها في غير الواجب من حيث انْتَصَبَ ما بعد «الفاء» ، والواو والفاء معناهما مختلفان، ألا ترى قوله: [الكامل] ٢١٤٠ - لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَاتِيَ مِثْلَهُ..... ... ... ... ... ... ... ... ...

стр. 4583

لو دخلت «الفاء» هنا لأفسدت المعنى، وإنما أراد: لا تجمع النَّهْيَ والإتيان وتقول: «لا تأكل السِّمَكَ وتشرب اللبن» لو أدخلت الفاء هنا لفسد المعنى. قال أبو حيَّان: ويوضِّح لك أنها ليست بجواب أنْفِرَادُ «الفاء» دونها، فإنها إذا حذفت انْجَرمَ الفعل بعدها بما قبلها لما تَضَمَّنَهُ من معنى الشَّرْطِ إلَاّ في النفي، فإن ذلك لا يجوز. قال شهاب الدين - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: قد سبق الزمخشري إلى هذه العبارة أبو إسحاق الزَّجَّاج، قال أبو إسحاق: نصب على الجواب بالواو في التَّمَنِّي كما تقول: «ليتك تَصِيرُ إليْنَا ونُكْرِمَكَ» . المعنى: ليت مصيرك يقع وإكرامنا، ويكون المعنى: «ليت رَدَّنا وقع وأن لا نكذِّب» . وأمَّا كون «الواو» ليست بمعنى «الفاء» فَصَحِيحٌ، على ذلك جُمْهُورُ النحاة، إلَاّ أنِّي رأيتُ أبا بكر بن الأنْبَارِيّ خَرَّجَ النَّصْبَ على وجهين: أحدهما: أنَّ «الواو» بمعنى «الفاء» ، والتقدير: يا يلتنا نُردُّ فلا نكذِّبَ ونكونَ، فتكون «الواو» هنا يمنزلة «الفاء» في قوله: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العذاب لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ المحسنين﴾ [الزمر: ٥٨] . يؤكد هذا قراءةُ ابن مسعود، وابن أبي اسحاق «يا ليتنا نُرَدُّ فلا نكذبَ» بالفاء [منصوباً] . والوجه الآخر: النَّصْبُ على الصرف، ومعناه الحال، أي: يا ليتنا نُردُّ غي مكذِّبين. أمَّا قراءة ابن عامر - برفع الأوَّل ونصب الثاني - فظاهرةٌ بما تقدَّم؛ لأن الأول يرتفع على حَدِّ ما تقدم من التأويلات، وكذلك نصب الثاني يتخرج على ما تقدم ويكون قد أدخل عدم التكذيب في التَّمَنِّي أو إسْتَأنَفَهُ، إلَاّ أنَّ المنصوبَ يحتمل أن يكون من تَمَام قوله: «نُرَدُّ» أي: تَمنَّوا الرَّدَّ مع كونهم من المؤمنين، وهذا ظَاهِرٌ إذا جعلنا: «ولا نكذب» مَعْطُوفاً على «نُرَدّ» أو حالاً منه. وأمَّا إذا جعلنا «ولا نكِّب» مستأنفاً، فيجوز ذلك أيضاً، ولكن على سبيل الاعتراضِ، ويحتمل أن يكون من تمامِ «ولا نكذٍّب» أي: لا يكونُ منّا تكذيب مع كوننا

стр. 4584

من المؤمنين في التمني، أو أستأنفه ويكون قوله: «ولا نكذب» حينئذٍ على حَالِهِ، أعني من احتماله العَطْفَ على «نُرَدُّ» أو الحاليّة، أو الاستئناف، ولا يخفى حينئذٍ دخول كونهم مع المؤمنين في التَّمَنِّي وخروجه منه بما تقدَّم تقريره. وقُرئ شاذّاً عكس قراءة ابن عامرٍ، بِنَصْبِ «نكذبَ» ، ورفع «نكون» ، وتخريجها على ما تقدَّمَ إلاّ أنها يضعف فيها جَعْلُ «ونكونُ من المؤمنين» حالاً لكونه مُضَارعاً مثبتاً إلا بتأويل بَعيِيدٍ، كقوله: [المتقارب] ٢١٤١ - ... ... ... ... ... ... ... نَجَوْتُ وَأرْهَنُهُمْ مَالِكَا أي: وأنا أرْهَنُهُمْ، وقولهم: «قمت وأصكُّ عَيْنَهُ» ، ويدلُّ على حذف هذا المبتدأ قراءةُ أبيِّ: «ونحن نكونُ من المؤمنين» . فصل في تحرير معنى الرد معنى الآية الكريمة: أنهم تَمَنَّوا الرَّدَّ إلى حالة التكليف، لأن لَفْظَ «الرَّدَّ» إذا استعمل في المُسْتَقْبَلِ في حالٍ إلى حالٍ، فالمعهود منه الرَّدُّ إلى الحالة الأولى، فإن الظَّاهِرَ مَنْ صدر عنه تَقْصِيرٌن ثمَّ عاين الشَّدائد والأهْوَال من ذلك التقصير أنه يتمنى الرَّدَّ إلى الحالة الأولى؛ ليسعى في إزالة جميع وجوه التقصِيرَاتِ، وذلك التدارك لا يحصل بالعَوْدِ إلى الدنيا فقط ولا بترك التكذيب فقط، ولا بعمل الإيمان، بل إنَّما يَحْصُلُ التدارُكُ بمجموع هذه الأمور الثلاثة، فوجب إدخال هذه الثلاثة تحت التمني. فإن قيل: كيف يحسنُ تمني الرد مع أنهم يعلمون أنَّ الرَّدَّ لا يحصل ألْبَتَّةَ؟ والجوابُ من وجهين: أحدهما: لعلهم [لم] يعلموا أن الردَّ لا يحصل [ألبتة] ؟ والثاني: أنهم وإن علموا أن ذّلِكَ لا يَحْصُلُ إلَاّ أن هذا العلم لا يمنع من حصول إراة الرَّدِّ، كقوله ﵎: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧] وقوله تعالى: ﴿أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ المآء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله﴾ [الأعراف: ٥٠] فلمّا صَحَّ أن يريدوا هذه الأشياء مع العِلْمِ بأنها لا تحصل، فبأن يتمنونه أقْرَبُن لأن باب التمني أوْسَعُ.

стр. 4585

«بل» هنا للانْتِقَال من قِصَّةٍ إلى أخرى، وليست للإبطال، وعبارةُ بعضهم تُوهمُ أنَّ فيها إبْطالاً لكلام الكَفَرةِ، فإنه قال: «بل» رَدٌّ لِما تمنَّوْهُ أي: ليس الأمْرُ على ما قالوه؛ لأنهم لم يقولوا ذلك رَغْبَةً منهم في الإيمان، بل قالوه إشْفَاقاً من العذابِ وطَمَعاً في الرَّحْمَةِ. قال أبو حيَّان: «ولا أدْرِي ما هذا الكلام» . قال شهاب الدِّين: ولا أدري ما وَجْهُ عدم الدِّرَايَةِ منه؟ وهو كلامٌ صحيح ف نفسهن فإنهم لمَّا قالوا: ياليتنا كأنهم قالوا تَمَنَّيْنَا، ولكن هذا التمني ليس بصحيحٍ، لأنهم إنما قالوه تَقِيَّةً، فق يتمنى الإنسانُ شَيْئاً بلسانه، وقَلْبُهُ فَارغٌ منه. وقال الزجاج - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: «بل» هنا استداركٌ وإيجابُ نَفْيِ، كقولهم: «ما قام زيد بل قام عمرو» . وقال أبُو حيَّان: «ولا أدري ما النَّفْيُ الذي سَبَقَ حتى توجبه بل» ؟ قال شهابُ الدين - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: الظَّاهِرُ أن النفي الذي أراده الزَّجَّاج هو الذي في قوله: «ولا نكذِّبُ بآيات ربنا» إذا جعلناه مُسْتَأنفاً على تقدير: ونحنُ لا نُكَذِّبُ، والمعنى: بل إنهم مُكَدِّبُون. وفاعلُ «بَدَا» قوله: «ما كانوا» ، و «ما» يجوز أ، تكون مَوْصُلةً اسميةً وهو الظَّاهرُ، أي: ظهر لهم الذي كانوا يُخْفُونَهُن والعائدُ محذوف، ويجوز أن تكون مصْدريَّةً، أي: ظهر لهم إخْفَاؤهُمْ، أي: عاقبته، أو أطْلِق المَصْدَرُ على اسم المفعول، وهو بَعِيدٌ، والظَّاهرُ أن الضميرين: أعني المجرور والمرفوع في قوله: ﴿بَدَا لَهُمْ ما كَانُوا يُخْفُونَ﴾ عائدان على شيء واحدٍن وهم الكُفَّار أو اليهود والنصارى خاصة. وقيل: المجرور للأتْبَاعِ والمرفوعُ للرُّؤسَاءِ، أي: بل بدا للأتْبَاعِ ما كان الوُجَهَاءُ المتبوعون يُخْفُونَهُ. فصل في معنى " يخفون " واختلفوا في ذلك الذي أخفوه، فقال أبو روق: إن المشركين في بعض مواقف القيامة يجحدون الشرك، فيقولون: " والله ربنا ما كنا مشركين " فينطق الله جوارحهم،

стр. 4586

فتشهد عليهم بالكُفْرِ، فذلك حين بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل. قال الواحديّ: وعلى هذا القول أهل التفسير. وقال المُبَرِّدُ: بَدَا لَهُمْ وبَالُ عقائدهم وأعمالهم وسُوءُ عاقبتها. وقال الزجاج: بَدَا للأتْبَاعِ ما أخْفَاهُ الرؤساء عنهم من أمْرِ البعث والنشور، قال: ويدلُّ [على ذلك] أنه - تبارك وتعالى٠ ذكر عَقِيبَهُ: وقالوا ﴿إِنْ هِيَ إِلَاّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] وهذا قول الحَسَنِ. وقال بعضهم: هذا في المُنَافِقِينَ كانوا يُسِرُّون الكُفْرَ، ويظهرون الإسلام، وبدا لهم يوم القيامة، وهو ما كانوا يخفون من قبل. وقيل: بَدَا لَهُمْ ما كان علماؤهم يخفون من جَحْد نبوة الرسول ﵊ ُ ونعته والبِشَارِةِ به، وما كانوا يُحَرِّفُونَ من التوراة. قوله: «ولو رُدُّوا» قرأ الجمهور بضم الراء خالصاً. وقرأ الأعمش، ويحيى بن وثاب، وإبراهيم: «رِدُّوا» بكسرها خالصاً. وقد مَرَّ أن الفَعْلَ المُضَاعَفَ العين واللام يحوز في فائه إذا بُنِيَ للمفعول ثلاثة الأوجه المذكورة في «فاء» الثلاثي المُعْتَلِّ العين إذا بُنِيَ للمفعول، نحو: قِيلَ وبيعَ، وقد تقدَّم [ذلك] . وقال الشاعرُ: [الطويل] ٢١٤٢ - وَمَا حِلَّ جَهْلٍ حُبَا حُلَمَائِنَا ... وَلَا قَائِلُ المَعْرُوفِ فِينَا يُعَنَّفُ بكسر الحاء. قوله: «وإنهم لكاذبون» تقدمَّ الكلامُ على هذه الجملة: هل هي مُسْتَأنَفَةٌ أو راجعة إلى قوله: «يا ليتنا نُرَدُّ» ؟ . فصل والمعنى أنه ﵎ لو رَدَّهُمْ لم يحصل منهم تَرْكُ التكذيب وفَعْلُ الإيمان، بل كانوا يَسْتَمِرُّون على طريقتهم الأولى. فإن قيل: إن أهْل القيامة قد عرفوا الله بالضرورة [وشاهدو أنواع] العقاب، فمع

стр. 4587

هذه الأهوال كيف [يمكن] أن يقال: إنهم يَعُودُونَ إلى الكُفْرش والمعصية. فالجواب: قال القاضي: تقديره: ولو رُدُّوا إلى حَالةِ التكليف، وإنَّما يَحْصُلُ الردُّ [إلى] هذه الحالة، إذا لم يحصل في القيامةِ مَعْرِفَةُ االلِّهِ بالضرورة، ولم يحصل هناك مُشَاهَدَةُ الأهوال وعذابُ جَهَنَّم، فهذا الشرط يكون مضمراً لا مَحَالَة. وهذا الجوابُ ضعيفٌ، لأن المقصود من الآية الكريمة بَيَانُ غُلُوهِمْ في الإصرار على الكُفْرِ، وعدم رغبتهم في الإيمان، فلو قَدَّرْنَا عدمَ معرفة الله في القيامة وعدمَ مشاهدة الأهوال لم يكون إصْرَارُهُمْ على كفرهم الأول مزيد تَعجُّبٍ، وإذاً لم يكن اعتبار هذا الشَّرطِ الذي ذكره القاضي. وقال الواحدي - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: هذه الآية الكريمة من أظْهَرِ الدلائل على فساد قول المُعتزلةِ؛ لأن الله ﵎ بيَّن أنهم لو شاهدوا النَّار والعذابَ، ثم سألوا الرَّجْعَةَ ورُدُّوا إلى الدنيا لَعَادُوا إلى الشرك، وذلك للقضاء السَّابق فيهم، وإلَاّ فالعَاقِلُ لا يَرْتَابُ فيما شاهد. قال القرطبي: وقد عَايَنَ إبليس ما عاينَ من آيات الله ﵎ ثم عَانَدَ. قوله : ﴿وقالوا

стр. 4588

﴾ هل هذه الجملة مَعْطُوفة على جواب «لو» والتقدير ولو رُدُّوا لعادوا [ولقالوا] ، أو هي مُسْتأنَفَةٌ ليس دَاخِلَةٌ في خبر، أو هي معطوفة على قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون﴾ [الأنعام: ٢٨] ثلاثة أوجه: ذكر الزمخشري الوجهين الأوَّل والأخير، فإنه قال: «وقالوا» عطف على «لعادوا» ، أي لو رُدُّوا لكفروا، ولقالوا: إن هي إلَاّ حياتنا الدنيا، كما كانوا يقولون قبل مُعايَنةِ القيامة، ويجوز أن يُعْطَفَ على قوله: «وإنهم لكاذبون» [على معنى: وإنهم لَقَوْمٌ كاذبون] في كل شيء. والوجه الأول منقول عن ابن زيد، إلَاّ أن ابن عَطِيَّة ردَّهُ فقال: وتوقِيفُ الله - تعالى - لهم في الآية بَعدها فيه دلالةٌ على البَعْثِ والإشارة إليه بقوله: «أليس هذا بالحقِّ» يردُّ على هذا التأويل، وقد يُجَابُ عن هذا باختلاف حالين: فإنَّ إقرارهم بالبعث حقيقة، إنما هو في الآخرة، وإنكارهم ذلك إنما هو في الدنيا بتقدير عَوْدهمْ إلى الدنيا، فاعرافهم به في الدار الأخرة غَيْرُ مُنَافٍ لإنكارهم إيَّاهُ في الدينا.

стр. 4589

قوله: ﴿إنْ هيَ إلا حَيَاتُنَا﴾ «إن» نافية، و «هي» مبتدأ و «حَيَاتُنَا» خبرها، ولم يكتفوا بمجرد الإخبار بذلك حتى أبرزوها محصورةً في نفي وإثباتٍ، و «هي» ضمير مُبْهَمٌ يفسِّره خبره، أي: ولا نعلم ما يُرَادُ به إلَاّ بذكر خبره، وهو من الضمائر التي يفسِّرها ما بعدها لفظاً ورتبة وقد تقدم ذلك عند قوله: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] وكون هذا مما يفسره ما بعده لفظاً ورتبةً فيه نظر، إذ لقائل أن يقول: «هي» تعود على شيء دلَّ على سياقِ الكلام، كأنهم قالوا: إنَّ العادة المستمرة، أو إن حَالَتَنَا وما عَهِدْنَا إلاِّ حياتنا الدنيا، واستند هذا القائل إلى قول الزَّمخشري: «هذا ضميرٌ لا يُعْلمَمُ ما يُرَادُ به إلَاّ بذكر ما بعده» . ومثَّل الزمخشري بقول العرب «هِيَ النَّفْسُ تَتَحَمَّلُ ما حُمَّلَتْ» و «هي العرب تقول ما شاءت» . وليس فيما قاله الزمخشري دَلِيلٌ على أن الخبر مُفَسِّرٌ للضمير. ويجوز أن يكون المعنى: إن الحَيَاة إلا حياتنا الدُّنْيَا، فقوله «إلا حياتنا الدنيا» دالٌّ على ما يُفَسِّرُ الضمير، وهو الحَيَاةُ مُطْلقاً، فصدق عليه أنه لا يعلم ما يُرَادُ ما يعود عليه الضمير إلَاّ بذكر ما بعده من هذه الحَيْثِيَة لا من حيثيَّة التفسير، ويَدُلُّ على ما قلنا قول أبي البقاء - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: هي كِنَايَةٌ عن الحياة، ويجوز أن يكون ضمير القِصَّة. قال شهاب الدين - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: أمَّا أوَّل كلامه فصحيح، وأمَّا آخره وهو قوله: «إن هي ضمير القصّة» فليس بشيء؛ لأن ضمير القصِّة لا يفسَّرُ إلَاّ بجملةٍ مُصَرَّحٍِ بجزْأيْهَا. فإن قيل: الكوفي يجوزُ تفسيره بالمفرد، فيكون نَحَا نَحْوهُمْ؟ فالجواب أنَّ الكوفيَّ إنما يُجَوِّزهُ بمفرد عامل عمل الفعل، نحو: «إنه قائم زيد» و «ظَنَنْتُهُ قائماً زيدٌ» لأنه في صورة الجملة إذ في الكلام مُسْنَدٌ ومُسْنَدٌ إليه. أما نحو «هو زيد» فلا يجيزه أحدٌ، على أن يكون «هو» ضمير شأن لا قصّة، والدنيا صفة الحياة، وليست صِفَةً مزيلةً اشتراكاً عارضاً، يعني: أن ثَمَّ حياةً غير دنيا يُقرُّون بها؛ لأنها لا يعرفون إلَاّ هذه، فيه صَفَةٌ لمجرد التوكيد، كذا قيل، ويعنون بذلك أنها لا مَفْهُومَ لها، وإلَاّ قحقيقةُ التوكيد غَيْرُ ظاهرةٍ بخلاف ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣] . و «الباء» في قوله: «بمبعوثين» زائدةٌ لتأكيد الخبر المفني، ويحتمل مجرورها أن يكون مَنْصُوبَ المَحَلِّ على أنَّ «ما» هاهنا حجازيةٌ، أو مرفوعةٌ على أنها تميمية.

стр. 4590

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ﴾ الآية الكريمة [الأية: ٣٠] تَمَسَّكَ بعضُ المُشَبِّهَةِ بهذه الآية، فقال ظاهرها يَدُلُّ على أن أهل القيامة يَقِقُون عند الله ﵎ بالقُرْبِ منه، وذلك يَدُلُّ على أنَّهُ ﵎ [بحيث يحضر في مكان تارة، ويغيب عنه أخرى، وهذا خطاب؛ لأن ظاهر الآية يدل على أن الله تعالى] يوقفُ عليه، كما يقف أحدنا على الأرْضِ، وذلك كونه مُسْتَعْلياً على ذات الله تعالى، وأنه بَاطِلٌ بالاتِّفاق، فوجب تأويله، وهو من وجهين: الأول: أنه من باب الحَذْفِ، تقديره: على سؤال رَبَّهِمْ أو ملك ربهم، أو جزاء ربهم، أو على ما أخبرهم به من أمر الآخرة. الثاني: أنه من باب المَجَازِ؛ لأنه كنايةٌ عن الحَبْسِ للتوبيخ، كما يوقفُ العَبْدُ بين يَدَيْ سَيَّدِهِ ليُعَاتِبَهُ، ذكر ذلك الزمخشري، أو يكون المراد بالوقوف المَعْرِفَةَ، كما يقول الرجل لغيره: «وَقَفْتُ على كلامك» أي: عرفته، ورجَّح الزمخشري المَجَازَ على الحَذْفِ؛ لأنه بدأ بالمجاز، ثم قال: وقيل وقفوا على على حزاء ربهم وللناس خلافٌ في ترجيح أحدهما على الآخر وفيه ثلاثة مذاهب: أشهرها: ترجيح المجاز على الإضمار. والثاني: عكسه. والثالث: هاهنا سواء. قوله: «قال: ألَيْسَ» في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها اسْتِفْهَاميةٌ أي: جواب سؤال مُقّدَّر، قال الزمخشري: «قال» مَرْدُودٌ على قولِ قائلٍ. قال: ماذا قال لهم ربُّهُمْ إذْ أوقفُوا عليه؟ فقيل: قال لهم: أليس هذا بالحقِّ. والثاني: أن تكون الجملة حَالِيَّةً، وصاحب الحال «ربُّهم» كأنه قيل: وُقِفوا عليه قَائِلاً: أليس هذا بالحقٌ؟ والمُشَارُ إليه قيل: هو ما كانوا يكذبون به من البَعْثِ. وقيل: هو العَذَابُ يَدُلُّ عليه «فذوقوا العذاب» . وقوله: «بما كنتم» يجوز أن تكون «ما» مَوْصُولةً أسميةً، والتقدير: تَكْفُرُونَهُ، والأصل: تكفرون به، فاتَّصَلَ الضمير بالفعل بعد حذف الواسطة، ولا جائز أن يُحذف،
следующие страницы →