← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

٣٦٨ - فَلَمْ أَرَ مِثْلَ الحَيِّ حَيَّاً مُصَبِّحاً ... وَلَا مِثْلَنَا يَوْمَ الْتَقِيْنَا فَوَارِسَا أَكَرَّ وأَحْمَى لِلْحَقِيقَةِ مِنْهُمُ ... وَأَضَرَبَ مِنَّا بالسُّيُوف القَوَانِسَا ف «القَوَانِس» منصوب بفعل مقدر أي: ب «ضرب» لا ب «أضرب» ، وفي ادعاء مثل ذلك في الآية الكريمة بعد الحَذْفِ يتبيّن المفضل عليه، والناصب ل «ما» . فصل في بيان علام الجواب في الآية اختلف علماء التأويل في هذا الجواب وهو قوله: «إِنَّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ» فقيل: إنه جواب لتعجّبهم، كأنه قال: لا تتعجّبوا من أن فيهم من يفسد، ويقتل، فإني أعلم مع هذا أن فيهم صالحين، ومتّقين، وأنتم لا تعلمون. وقيل: إنه جواب لغمّهم كأنه قال: لا تغتمّوا بسبب وجود المفسدين، فإني أعلم أيضاً أن فيهم جمعاً من المتّقين، ومن لو أقسم على لأبرّه. وقيل: إنه طلب الحكمة كأنه قال: إن مصلحتكم أن تعر فرا وجه الحكمة فيه على الإجمال دون التفصيل. بل ربما كان ذلك التفصيل مفسدة لكم. وقال «ابن عباس» : كان «إبليس» - لعنة الله - قد أعجب ودخله الكِبَرُ لما جعله خازن السّماء، وشرفه، فاعتقد أن ذلك لمزيّةٍ له، فاستحب الكفر والمعصية في جانب آدم ﵊ ُ - وقالت الملائكة: «ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك» ، وهي لا تعلم أن في نفس إبليس خلاف ذلك، فقال الله لهم: «إني أعلم ما لا تَعْلَمُونَ» ، وقيل: المعنى عام، أي: أعلم ما لا تعلمون مما كان، وما يكون، وما هو كائن.

стр. 457

اعلم أن الملائكة لما سألوا عن وجه الحكمة، فأجابهم على سبيل الإجمال بقوله: «إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُون» . أراد الله تعالى أن يزيدهم بياناً، وأن يفصّل لهم ذاك المُجْمَل، فبين تعالى لهم من فضل آدم ﵊ ُ - ما لم يكن معلوماً لهم، وذلك بأن علم آدم الأسماء

стр. 458

كلها، ثم عرضهم عليهم ليظهر بذلك كَمَال فَضْلِه، وقُصُورهم عنه في العلم، فيتأكّد ذلك الجواب الإجمالي بهذا الجواب التفصيلي. فصل في إعراب الآية قوله: «وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسمَاء» هذه الجملة يجوز ألَاّ يكون لها مَحَلّ من الإعراب، لاستئنافها، وأن يكون محلها الجر، لعطفها على «قَالَ رَبُّكَ» . و «علم» متعدّية إلى اثنين، وكانت قبل التضعيف متعديةً لواحد؛ لأنها عرفانية، فتعدّت بالتضعيف لآخر، وفرقوا بين «علم» العِرْفَانية واليَقِينيّة في التعدية، فإن أرادوا أن يعدوا اليقينية عدوها بالهمزة ذكر ذلك «أبو علي الشّلوبين» . وفاعل «علم» يعود على الباري تَعَالى، و «آدم» مفعوله. وآدم ﵊ ُ - كُنيته أبو البَشَر، وقيل: أبو محمد ذكره السُّهيلي، وقيل: كنيته في الأرض أبو البشر، وكنيته في الجنة أبو محمد. وأصله بهمزتين، لأنه «أفعل» إلا أنهم لَيَّنُوا الثانية، فإذا احتجت إلى تحريكها جعلتها «واواً» فقلت: «أوادم» في الجمع؛ لأنه ليس لها أصل في الياء معروف، فجعلت الغالب عليها الواو، عن «الأخفش» . وفي «آدم» ستة أقوال: أرجحها أنه اسم أعجمي لا اشتقاق فيه، ووزنه «فَاعَلَ» كَنَظَائره نحو: «آزر» و «شالخ» ، وإنّما مُنعَ من الصَّرف للعلمية والعُجْمة الشخصية. والثاني: أنه مشتقٌّ من «الأُدْمَةِ» ، وهي حُمْرَةٌ تميل إلى السَّوَاد، واختلفوا في الأُدْمَةِ، فزعم «الضَّحاك» أنها السُّمرة، وزعم «النَّضْر» أنها البياض، وأن آدم ﵊ ُ - كان أبيض، مأخوذ من قولهم: ناقة أَدْمَاء، إذا كانت بيضاء، وعلى هذا الاشتقاق جمعه «أَدْمٌ» و «أَوَادِمُ» ك «حُمَرٍ: و» أَحَامِرَ «، ولا ينصرف بوجه. الثالث: أنه مشتقٌ من أديم الأرض، وهو وجهها. ومنع من الصَّرف على هَذَيْنِ القولين للوزن والعلميّة. الرابع: أنه مشتقٌ من أَدِيم أيضاً على هذا الوزن أعني وزن فاعل، وهذا خطأ، لأنه كان يبنغي أن ينصرف، لأن كونه مشتقٌّ من الأُدْمَة، وهو أديم الأرض جمعه» آدَمُون «فيلزم قاشلو هذه المقالة صرفه. الخامس: أنه عِبْرِيّ من الإدام، وهو التراب. السّادس: قال» الطبري «: إنه في الأصل فعل رباعي مثل:» أكرم «، وسمي به لغرض إظهار الشيء حتى تعرف جِهَته. والحاصل أن ادّعاء الاشتقاق فيه بعيد؛ لأن الأسماء الأعجمية لا يَدْخُلُهَا اشتقاق ولا تصريف.

стр. 459

و «آدم» وإن كان مفعولاً لفظاً فهو فاعل معنى، و «الأسماء» مفعول ثانٍ، والمسألة من باب «أعطى وكَسَا» ، وله أحكام تأتي إن شاء الله تعالى. وقرئ: «عُلَِمَ» مبنياً للمفعول و «آدمُ» رفع لقيامه مقام الفاعل. و «كُلَّهَا» تأكيد للأسماء تابع أبداً، وقد يلي العوامل كما تقدّم. وقوله: «الأَسْمَاءَ كُلَّهَا» الظاهر أنه لا يحتاج إلى ادِّعَاء حذف؛ لأن المعنى: وعلم آدم الأسماء، ولم يبين لنا أسماء مخصوصة، بل دلّ قوله: «كلها» على الشُّمول، والحكمة حاصلة بتعلُّم الأسماء، وإن لم يعلم مسمياتها، أو يكون أطلق الأسماء، وأراد المسميات، فَعَلَى هذين الوجهين لا حَذْفَ. وقيل: ى بُدّ من حذف، واختلفوا فيه، فقيل: تقديره: أسماء المسميات، فحذف المُضاف إليه للعلم. قال الزمخشري: وعوض منه «اللام» ، كقوله تعالى: ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ [مريم: ٤] ورجّح هذا القول بقوله: «أَنْبِئُونِي بأَسْمَاءِ هَؤلَاءِ» ، «فَلَمَا أَنْبَأَهَمْ بَأَسْمَائِهِمْ» ولم يقل: «أَنْبِئُونِي بِهَؤُلَاءِ» ، «فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِهِمْ» ولكن في قوله «وعوض منه اللام» نظر؛ لأن الألف واللام لا تقوم مَقَامَ الإضافة عند البصريين. وقيل: تقديره: مسميات الأسماء، فحذف المُضاف، وأقيم المُضَاف إليه مقامه، ورجح هذا القول بقوله: «ثُمَ عَرَضَهُمْ» لأن الأسماء لا تجمع كذلك، فدلّ عوده على المسميات، ونحو هذه الآية قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ﴾ [النور: ٤٠] . تقديره: أو كَذِي ظُلُمَاتٍ، فالهاء في «يغشاه» على «ذي» المحذوف. فصل في المراد بالأسماء في الآية اختلف أهل التأويل في معنى الأسماء التي علّمها لآدم ﵊ ُ - فقال ابن عباس، وعكرمه، وقتادة، ومجاهد، وابن جبير: علمه أسماء جميع الأشياء كلّها جليلها وحقيرها. وروى عاصم بن كليب عن سعد مولى الحَسَنِ بن علي قال: «كنت جالساً عند ابن عباس، فكروا اسْمَ الآنِيَةِ وَاسْمَ السّوط، قال ابن عباس: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا» . وروي عن ابن عبَّاس، ومجاهد، وقتادة: «علمه أسماء كلّ شيء حتى القصْعَة

стр. 460

والقصيعة وحتى الجَفنة والمِخْلب» وعن قتادة قال: علم آدم من الأسماء أسماء خلقه ما لم تعلم المَلائكة، وسمى كل شيء باسمه، وأنحى منفعة كل شيء إلى جنسه. قال النَّحَّاس: «وهذا أحسن ما روي» . وقال الطبري «علمه أسماء الملائكة وذريّته» واختار هذا، ورجّحه بقوله: «ثم عرضهم» . وقال القتيبي «أسماء ما خلق في الأرض» . وقيل: أسماء الأجناس والأنواع. وقال الربيع بن أنس: «أسماء الملائكة» . وقيل: أسماء ذريّته. وقيل: أسماء ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. وقيل: صنعة كلّ شيء. وقال أصحاب التأويل: إن الله علم آدم جميع اللُّغات، ثم تكلم كل واحد من أولاده بلغة فتفرقوا في البلاد، واختص كل فرقة منهم بِلُغةٍ. فصل في بيان أن اللغات توقيفية أو اصطلاحية؟ قال «الأشعري» و «الجبائي» و «الكعبي» : اللُّغات كلها توفيقيةٌ، بمعنى أن الله تعالى خلق علماً ضرورياً بتلك الألفاظ، وتلك المعاني، وبأن تلك الألفاظ موضوعةٌ

стр. 461

لتلك المعاني: لقوله تعالى: «وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا» .

стр. 462

وقال «أبو هاشم» : إنه لا بد من تقدم لغة اصطلاحية، وأن الوضع لا بد وأن يكون مسبوقاً على الاصطلاح، واحتج بأمور: أحدها: أنه لو حصل العلم الضروري بأنه - تعالى - وضع ذلك اللَّفظ لذلك المَعْنَى لصارت صفةُ الله معلومةً بالضرورة، مع أن ذاته معلومة بالاستدلال، وذلك مُحَال، ولا جائز أن يحصل لغير العاقل، لأنه يبعد في العقول أن يحصل العلم بهذه اللُّغَات مع ما فيها من الحكم العجيبة لغير العاقل، فالقول بالتوقيف فاسد. وثانيعا: أنه - تعالى - خاطب الملائكة، وذلك يوجب تقدُّم لغة على ذلك التكلم. وثالثها: أن قوله: «وَعَلَّم آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا» يقتضي إضافة التعليم إلى الأسماء، وذلك يقتضي في تلك الأسماء أنها كانت أسماء قبل ذلك التَّعليم، وإذا كان كذلك كانت اللُّغات حاصلةٌ قبل ذلك التعليم.

стр. 463

ورابعها: أن آدم ﵊ لما تَحَدَّى الملائكة بعلم الأسماء، فلا بد وأن تعلم الملائكة كونه صادقاً في تعيين تلك الأسماء لتلك المسميات على ذلك التعليم. فصل في بيان هل كان آدم نبياً قبل المعصية؟ قالت المعتزلة: إن علم آدم الأسماء معجزة دالّة على نبوّته ﵊ ُ - والأقرب أنه كان مبعوثاً إلى حَوّاء، ولا يبعد أيضاً أن يكون إلى من توجّه التحدي إليهم من الملائكة؛ لأن جميعهم وإن كانوا رسلاً فقد يجوز الإرْسَال إلى الرسول، كبعثة إبراهيم ﵊ ُ - إلى لُوطٍ ﵊ واحتجوا بأن حصول ذلك العلم له ناقصٌ للعادة، فوجب أن يكون معجزاً، وإذا ثبت كونه معجزاً ثبت كونه رسولاً في ذلك الوقت. ولقائل أن يقول: لا نسلم أن ذلك العلم ناقص للعادة؛ لأن حصول العلم باللُّغة لمن علمه الله، وعدم حصوله لمن لم يعلمه ليس بناقصٍ للعادة. وأيضاً فإما أن يقال: الملائكة علموا كون تلك الأسماء موضوعةً لتلك المسميات، فحينئذ تحصل المُعَارضة، ولا تظهر المزية، وإن لم يعلموا ذلك، فكيف عرفوا أن آدم أصاب فيما ذكر من كون كلّ واحد من تلك الألفاظ اسماً لكل واحد من تلك المعاني؟ واعلم أنه يمكن دفع هذا السُّؤال من وجهين: الأول: ربّما كان لكل صِنْفٍ من أصناف الملائكة لغة من هذه اللغات، وكان كل صنف جاهلاً بلغة الصنف الآخر، ثم إن جميع أصناف الملائكة حضروا وإن آدم ﵊ لما عَدّ عليهم جميع تلك اللُغات بأسرها عرف كل صنف إصابته في تلك اللُّغة خاصّة، فعرفوا بهذه الطريق صدقة إلَاّ انهم بأسرهم عجزوا عن معرفة تلك اللغات بأسرها، فكان ذلك معجزاً. الثَّاني: لا يمتنع أن يقال: إنه - تعالى - عرفهم قبل ذلك أنهم إذا سمعوا من آدم ﵊ أظهر فعلاً خارقاً للعادة، فَلِمَ لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات أو من باب الإرهاص؟ وهما عندنا جائزان. واحتج من قطع بأنه ﵊ ما كان نبياً في ذلك الوَقْتِ بوجوه: أحدها: أنه لو كان نبياً في ذلك الزمان لكان قد صدرت منه المعصية بعد النبوة، وذلك غير جائز. وثانيها: لو كان رسولاً في ذلك الوقت لكان إما أن يكون مبعوثاً إلى أحد، أو لا يكون مبعوثاً إلى أحد، وإما أن يكون مبعوثاً إلى الملائكة والإنس والجن، والأوَّل باطل، لأن الملائكة عند المعتزلة أفضل من البشر، ولا يجوز جعل الأدون رسولاً إلى الأشرف؛ لأن الرسول متبوع، والأمّة تبع، وجعل الأدون متبوع الأشرف خلاف الأصل، وأيضا

стр. 464

فالمرء إلى قبول القول ممن هو من جنسه أمكن، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً﴾ [الأنعام: ٩] ولا جائز أن يكون مبعوثاً إلى البشر، لأنه ما كان هناك أحد من البشر إلا حَوّاء، وحواء ما عرفت التكليف إلا بواسطة آدم لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هذه الشجرة﴾ [البقرة: ٣٥] شافههما بهذا التكليف، وما جعل آدم واسطة، ولا جائز أن يكون مبعوثاً إلى الجن؛ لأنه ما كان في السماء أحد من الجنّ، ولا جائز أيضاً أن يكون مبعوثاً إلى أحد، لأن المقصود من جعله رسولاً التبليغ، فحيث لا مبلغ لم يكن في جعله رسولاً فائدة. وثالثها: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ﴾ [طه: ١٢٢] دليل على أنه إنما اجتباه ربه بعد الزّلة، فوجب أن يكون قبل الزِّلة غير مجتبي، وإذا لم يكن ذلك الوقت مجتبي وجب ألا يكون رسولاً؛ لأن الاجتباء والرسالة مُتَلَازمان، لأن الاجتباء لا مَعْنَى له إلاّ التخصيص بأنواع التشريفات، وكل من جعله الله رسولاً، فقد خصّه بذلك لقوله تعالى: ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] . قوله: «ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلَائِكَةِ» . «ثم» : حرف للتَّرَاخي كما تقدّم، والضَّمير في «عَرَضَهُمْ» للمسميات المقدّرة، أو لإطلاق الأسماء وإرادة المسميات، كما تقدم. وقيل: يعود على الأسماء. ونقل عن ابن عباس، ويؤيده قراءة أُبيّ «عَرَضَهَا» ، وقراءة ابن مسعود: «عَرَضَهُنَّ» إلا أن في هذا القول جعل ضمير غير العقلاء كضمير العقلاء أو نقول: إنما قال ابن عباس ذلك بناء منه أنه أطلق الأسماء، وأراد المسميات كما تقدم وهو واضح. و «عَلَى المَلَائِكَةِ» متعلّق ب «عَرَضَهُمْ» . قال ابن مسعود وغيره: عرض الأشخاص، لقوله تعالى: «عَرَضَهُمْ» وقوله: «أَنْبِئُونِي لأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ» . وفي الحديث: «إنَّه عَرَضَهُمْ أَمْثَالَ الذَّرِّ» .

стр. 465

وقال ابن عباس وغيره: عرض الأسماء. فصل في بيان أول من تكلم بالعربية اختلف في أوَل من تكلم بالعربية. روى كعب الأحبار: أن أول من وضع الكتاب العربي والسّرياني والكتب كلها، وتكلم بالألسنة كلها آدم ﵊ ُ. فإن قيل: روى ثور بن يزيد عن خَالِدِ بن مَعْدَان عن كعب قال: أوّل من تكلّم بالعربية جبريل ﵊ ُ - وهو الذي أَلْقَاهَا على لسان نُوحٍ ﵊ ُ، وألقاها نوح على لسان ابنه سَام. وقال ﷺ َ: «وَعَلمً آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا حَتَّى القَصْعَة والقُصَيْعَة» وما ذكروه يحتمل أن يكون المراد به أول من تكلّم بالعربية من ولد إبراهيم ﵊ ُ - إسماعيل ﵊، وكذلك إن صَحّ ما سواه فإنه يكون محمولاً على أن المذكور أول من تكلّم من قبيلته بالعربية. وكذلك جبريل أول من تكلم بها من الملائكة، وألقاها على لسان بعد أن علمها الله آدم أو جبريل، على ما تقدم. قوله: «أَنْبِئُونِي بأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ» . «الإِنْبَاء» الإخبار، وأصل أنبأ أن يتعدّى لاثنين ثانيهما بحرف الجر كهذه الآية، وقد يحذف حرف الجر، قال تعالى: ﴿مَنْ أَنبَأَكَ هذا﴾ [التحريم: ٣] أي: بهذا، وقد يتضمّن معنى أعلم اليقينية، فيتعدّى تعديتها إلى ثلاثة مَفَاعيل، ومثل أنبأ: نبّأ وأخبر، وخبر وحدث. و «هؤلاء» في محل خفض بالإضافة، وهو اسم إشارة، ورتبته دُنْيَا، ويُمَدُّ وَيُقْصَرُ؛ كقوله: [الخفيف] ٣٦٩ - هَؤُلَى ثُمَّ كُلاًّ اعْطَيْ ... تَ نِعَالاً مَحْذُوَّةً بِمِثَالِ

стр. 466

والمشهورة بناؤه على الكَسْرِ، وقد يضم، وقد ينوِّن مكسوراً، وقد تبدل همزته هاء، فيقال: هؤُلَاه، وقد يقال: هَوْلاءِ؛ كقوله: [الوافر] ٣٧٠ - تَجَلَّدْ لَا يَقُلْ هَؤْلَاءِ: هَذَا ... بَكَى لَمَّا بَكَى أَسَفاً عَلَيِكَا ولامه عند الفارسي همزة فتكون فاؤه ولامه من مادّة واحدة، وعند المبرد أصلها ياء، وإنما قلبت همزةً لتطرفها بعد الألف الزَّائدة. قوله: «إنْ كُنْتُمْ صَادِقِيْنَ» تقدّم نظيره وجوابه محذوف أي: إنْ كُنتم صادقين، فأنبئوني. والكوفيين والمبرد يرون أن الجواب هو المتقدم، وهو مردود بقولهم: «أنت ظالم إن فعلت» لأنه لو كان جواباً لوجبت الفاء معه كما تجب معه متاخراً. وقال ابن عطية: إن كون الجواب مَحْذوفاً هو رأي المبرد، وكونه متقدماً هو رأي سيبويه، وهو وهم؛ لأن المنقول عن المبرد أن التقدير: إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في الأرض فأنبئوني. وهذه الآية دالة على فضيلة العلم.

стр. 467

«سبحان» : اسم مصدر، وهو التسبيح، وقيل: بل هو مصدر؛ أنه سمع له فعلٌ ثلاثيٌّ، وهو من الأسماء اللَاّزمة للإضافة، وقد بفرد، وإذا أفرد، منع الصَّرف للتعريف، وزيادة الألف والنون؛ كقوله: [السريع] ٣٧١ - أَقُولُ أَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ ... سُبحَانَ ... ... ... ... ... ... ... ... ... . وَقَدْ جَاءَ مُنَوَّناً كقوله: [البسيط] ٣٧٢ - سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَاناً نَعُوذُ بِهِ ... وَقَبْلَنَا سَبَّحَ الْجُودِيُّ وَالْجُمُدُ فقيل: صرف ضرورة. وقيل: هو بمنزلة «قَبْلُ» و «بعدُ» أن نوي تعريفه بقي على حاله، وإن نكر اعرب منصرفاً، وهذا البيت يساعد على كونه مصدراً لا اسم مصدر، لوروده منصرفاً.

стр. 468

ولقائل القول الأول أن يجيب عنه بأن هذا نكرة لا معرفة، وهو من الأسماء اللازم النصب على المصدرية، فلا ينصرف والناصب له فعل مقدر لا يجوز إظْهاره، وقد روي عن الكَسائِيّ أنه جعله مُنَادَى تقديره: يا سُبْحَانَك ومنعه جمهور النحويين وإضافته - هُنا - إلى المفعول؛ لأن المعنى: نسبحك نحن. وقيل: بل إضافته للفاعل، والمعنى تنزّهت وتباعدت من السُّوء. وسبحانك العامل فيه في مَحَلّ نصب بالقول. قوله: «لَا عِلْمَ لَنَا إِلَاّ مَا عَلَّمْتَنَا» كقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ و «إلاّ» حرف استثناء، و «ما» موصولة، و «علمتنا» صلتها، وعائدها محذوف، على أن يكون «علم» بمعنى «معلوم» ، ويجوز أن تكون مصدرية، وهي في محلّ نصب على الاستثناء، ولا يجوز أن تكون منصوبةً بالعلم الذي هو اسم «لا» ؛ لأنه إذا عمل كان معرباً. وقيل: في محلّ رفع على البَدَل من اسم «لا» على الموضع. وقال ابن عطية: هو بدلٌ من خبر التبرئة كقولهم: «لا إله إلا الله» ، وفيه نظر؛ لأن الاستثناء إنَّمَا هو من المحكوم عليه بقيد الحكم لا من المحكوم به. ونقل هو عن «الزَهراوي» أن «ما» منصوبةٌ ب «علمتنا» بعدها، وهذا غير معقول؛ لأنه كيف ينتصب الموصول بصلته وتعمل فيه؟ قال أبو حيان: إلاّ أن يتكلّف له وجه بعيد، وهو أن يكون استثناء منقطعاً بمعنى لكن، وتكون «ما» شرطية، و «علمتنا» ناصب لها، وهو في محل جزم بها، والجواب محذوف، والتقدير: «لكن ما علمتنا علمناه» . فصل الضمير يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون تأكيداً لاسم «إنَّ» فيكون منصوب المحل، وأن يكون مبتدأ، وخبره ما بعده، والجملة خبر «إنَّ» ، وأن يكون فصلاً، وفيه الخلاف المشهور. وهل له محل من الإعراب أم لا؟ وإذا قيل: إن له محلاًّ، فهل بإعراب ما قبله كما قال الفراء، فيكون في محل نصب، أو بإعراب ما بعده فيكون في محل رفع كقول الكسائي؟ قوله: «الحكيم» خير ثانٍ أو صفة «العليم» ، وهما «فعيل» بمعنى «فاعل» وفيهما من المُبالغة ما ليس فيه.

стр. 469

و «الحكيم» لغة: الإتقان، والمنع من الخروج عن الإرادة، ومنه حَكَمَةُ الدابة؛ وقال جَرِيرٌ «: [الكامل] ٣٧٣ - أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ ... إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ أَنْ أَغْضَبَا وقدم» العليم «على» الحكيم «؛ لأنه هو المتّصل به في قوله:» وعلم «، وقوله:» وعلم «، وقوله:» لا عِلْمَ لنا «فناسب اتصاله به؛ ولأن الحِكْمَةَ ناشئةٌ عن العلم وأثر له، وكثيراً ما تقدّم صفة العلم عليها. والحكيم صفةٌ ذاتٍ إن فسر بذي الحِكْمَةِ، وصفة فعل إن فسر بأنه المحكم لصنعته فكأن الملائكة قالت: أنت العالم بكل المعلومات، فأمكنك تعليم آدم، وأنت الحكيم في هذا الفعل المصيب فيه. وعن» ابن عباس «أن مراد الملائكة من» الحكيم «أنه هو الذي حكم بجعل آدم ﵊ ُ - خليفةً في الأرض. فصل احتج أهل الإسلام بهذه الآية على أنه لا سَبِيْلَ إلى معرفة المغيبات إلا بتعليم الله - تعالى - وأنه لا يمكن التوصُّل إليها بعلم النجوم والكهانة، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لَا يَعْلَمُهَآ إِلَاّ هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقوله: ﴿عَالِمُ الغيب فَلَا يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً﴾ [الجن: ٢٦] . قوله:» يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بأسْمَائِهِمْ «. آدم: مبني على الضم؛ لأنه مفرد معرفة، وكل ما كان كذلك بُني على ما كان يرفع به، وهو في محل نصب لوقوعه موقع المَفْعول به، فإن تقديره: ادعوا آدم، وبني لوقوعه موقع المُضْمَرِ، والأصل: يا إياك كقولهم:» يَا قَدْ كَفَيْتُكَ «، و» يا أَنْتَ «؛ كقوله [الرجز] ٣٧٤ - يَا أَبْجَرُ بْنُ أَبْجَرٍ يَا أَنْتَا ... أَنْتَ الَّذِي طَلَّقْتَ عَامَ جُعْتَا قَدْ أَحْسَنَ اللهُ وَقَدْ أَسَأْتَا ... و» يَا إِيَّاكَ «أقيس من» يا أنت «؛ لأن الموضع موضع نصب، ف» إياك «أليق به،

стр. 470

وتحرزت بالمفرد عن المضاف نحو: يا عبد الله، ومن الشبيه به، وهو عبارة عما كان الثَّانِي فيه من تمام معنى الأوّل نحو:» يا خيراً من زيد «و» يا ثلاثةً وثلاثين «، وبالمعرفة من النكرة المقصودة؛ نحو قوله: [الطويل] ٣٧٥ - فَيا إِمَّا رَاكِباً إِمَّا عَرَضْتَ فَبَلَغَنْ ... نَدَامَاي مِنْ نَجْرَانَ أَنْ لَا تَلَاقيَا فإن هذه الأنواع الثلاثة معربة نصباً. » أنبئهم «فعل أمر، وفاعل، ومفعول، والمشهور» أنبئهم «مهموز مضموماً، وقرئ بكسر الهاء. ويروى عن» ابن عامر «، كأنه أتبع الهاء لحركة» الباء «، ولم يعتد ب» الهمزة «، لأنها ساكنةٌ، فهي حاجز غير حَصِيْنٍ. وقرئ بحذف الهمزة، ورُويت عن «ابن كثير» ، قال «ابن جنّيّ» هذا على إبدال الهمزة ياء، كما تقول: أنبيت كأعطيت، قال: وهذا ضعيف في اللّغة؛ لأنه بدلٌ لا تخفيف، والبدل عندنا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر. وهذا من أبي الفَتْحِ غيرِ مرضٍ، لأن البدل جاء في سَعَة الكلام، حكى «الأخفش» في «الأوسط» أنهم يقولون في أَخْطَأَت: أَخْطَيْت، وفي توضأت: توضيت. قال: وربما حَرَّكوه إلى «الواو» ، وهذا قليل قالوا: «رَفَوْت» في «رَفَأْت» ، ولم أسمع «رَفَيْت» . إذا تقرر ذلك، فللنحويين في صرف العلّة المبدل من الهمزة نظر في أنه هل يجرى مجرى العلّة الأصلي أم ينظر إلى أصله؟ ورتبوا على ذلك أحكاماً، ومن جملتها: هل يحذف جزماً كالحرف غير المبدل أم لا نظراً إلى أصله؟ واستدل بعضهم على حذفه جزماً بقول زهير: [الطويل]

стр. 471

٣٧٦ - جَرِيءٍ مَتَى يُظْلَمُ ... يُعَاقِبْ سَرِيعاً وإلَاّ يُبْدَ بِالظُّلْمِ يَظْلِمِ لأن أصله: «يبدأ» بالهمزة، فكذلك هذه الآية أُبدلت الهمزة ياء، ثم حذفت حملاً للأمر على المجزوم. وقرئ: «أَنْبِهُمْ» بإثبات «الياء» نظراً إلى «الهمزة» وهل تضم «الهاء» نظراً للأصل أم تكسر نظراً للصورة؟ وجهان منقولان عن حمزة «عند الوقف عليه. و» بِأَسْمَائِهِمْ «: متعلّق ب» أَنْبِئْهُمْ «، وهو المفعول الثاني كما تَقَدَّم، وقد يتعدّى ب» عن «نحو:» أنبأته عن حاله «، وأما تعديته ب» من «في قوله: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ [التوبة: ٩٤] فسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. قوله:» فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمواتِ وَالأرْضِ «. والمراد من هذا الغيب أنه كان عالماًَ بأحوال آدم قبل نطقه، وهذا يدل على أنه سبحانه يعلم الأشياء قبل حدوثها، وذلك يدلّ على بطلان مذهب» هشام بن الحكم «في أنه لا يعلم الأشياء إلَاّ عند وقوعها، فإن قيل: قوله:» الَّذِيْنَ يُؤْمِنُونَ بالغَيْبِ «يدلّ على أنّ العبد قد يعلم الغيب؛ لأن الإيمان بالشَّيء فرع العلم به، وهذا الآية مشعرة بأن علم الغيب ليس إلا لله تعالى، وأن كل من سواه فهم خالُونَ عن علم الغيب. والجواب: ما تقدم في قوله: ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ [البقرة: ٣] . قوله:» قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ «» قال «جواب» فلما «، والهمزة للتقرير إذا دخلت على تفي تقرير قررته، فيصير إثباتاً كقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ [الشرح: ١] أي: قد شرحنا. و» لم «حرف جزم، و» أقل «: مجزوم بها حذفت عينه، وهي» الواو «لالتقاء الساكنين، و» لكم «متعلّق به، و» اللام «للتبليغ، والجُمْلَة من قوله:» إني أعلم «في محلّ نصب بالقول. وقد تقدم نظائر هذا التركيب. قوله: «وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ» كقوله «أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ» من كون «أعلم» فعلاً مضارعاً، و «أفعل» بمعنى «فاعل» أو «أفعل» تفضيل، وكون ما في محلّ نصب أو جر، وقد تقدم.

стр. 472

والظاهر: أن جملة قوله: «وأعلم» معطوفة على قوله: «إنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ» ، فتكون في محلّ نصب بالقول. وقال «أبو البقاء» : إنه مستأنف، وليس محكياً بالقول: ثم جوَّز فيه ذلك. و «تبدون» وزنه: «تفعون» ؛ لأن أصله: تبدوون مِثْل: تخرجون، فأعلّ بحذف «الواو» بعد سكونها، و «الإبداء» : الإظهار، و «الكَتْم» الإخفاء؛ يقال: بَدَا يَبْدُو بَدَاء؛ قال: [الطويل] ٣٧٧ - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... بَدَا فشي تِلْكَ القَلُوصِ بَدَاءُ وقوله: «وَمَا كُنْتُمْ تَكْتَمونَ» عطف على «ما» الأول بحسب ما تكون عليه من الإعراب. روي عن ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير: أن قوله: «ما تُبْدُون» أراد به قولهم: «أَتَجْعَلُ فِيْهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيْهَا» وبقوله: «وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُون» أراد به ما أسر «إبليس» في نفسه من الكبر وألَاّ يسجد. قال «ابن عطية» : وجاء «تكتمون» للجماعة، والكاتم واحدٌ في هذا القول على تجوّز العرب واتِّسَاعها، كما يقال لقوم قد جَنَى مهم واحد: أنتم فعلتم كذا، أي: منكم فاعله، وهذا مع قَصْد تعنيف، ومنه قوله: ﴿إَنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الحجرات﴾ [الحجرات: ٤] وإنما ناداه منهم عُيَيْنَةُ. وقيل: «إنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ» من الأمور الغائبة، والأسرار الخفية التي يظن في

стр. 473

الظاهر أنه لا مصلحة فيها، ولكن لعلمي بالأسرار المغيبة أعلم أنّ المصلحة في خلقها. وقيل إنه - تعالى - لما خلق آدم رأت الملائكة خلقاً عجيباً قالوا: ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أكرم عليه منه، فهذا الذي كَتَمُوا، ويجوز أن يكون هذا القول سرًّا أسروه بينهم، فأبداه بعضهم لبعض، وأسروه عن غيرهم، فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان. وقالت طائفة: الإبْدَاء والكَتْم المراد به العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم أجمع، وهذه الآية تدلّ على فضيلة العلم.

стр. 474

العامل في «إذ» محذوف دلّ عليه قوله: «فَسَجَدُوا» تقديره: أطاعوا وانقادوا، فسجدوا؛ لأن السجود ناشئ عن الانقياد. وقيل: العامل «اذكر» مقدراً. وقيل: زائدة وقد تقدّم ضعف هذين القولين. وقال «ابن عطية» : «وإذ قلنا» معطوف على «إذ» المتقدمة، ولا يصحّ هذا لاختلاف الوقتين. وقيل: «إذ» بدل من «إذ» الولى، ولا يصحّ لما تقدّم، ولتوسّط حرف العَطْف، وجملة «قلنا» في محل خَفْضٍ بالظرف، ومنه التفات من الغيبة إلى التكلُّم للعظمة، و «اللام» للتَّبليغ كنظائرها. والشمهور جَرّ تاء «الملائكة» بالحَرْف «، وقرأ» أبو جعفر «بالضم إتباعاً لضمة» الجيم «ولم يعتد بالسَّاكن، وغلّطه الزَّجاج وخطأه الفارسي، وشبهه بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ اخرج﴾ [يوسف: ٣١] بضم تاء التأنيث، وليس بصحيح، لأن تلك حركة التقاء الساكنين، وهذه حركة إعراب، فلا يتلاعب بها، والمقصود هناك يحصل بأي حركة كانت. وقال الزمخشري: لا يجوز استهلاك الحركة استهلاك الإعرابية إلاّ في لغة ضعيفة كقراءة ﴿الحمد للَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] يعني بكسر الدال.

стр. 475

قال الشيخ» شهاب الدين «: وهذا أكثر شذوذاً، وأضعف من ذاك مع ما في ذاك من الضَّعف المتقدم؛ لأن - هناك - فاصلاً، وإن كان ساكناً. وقال» أبو البقاء «: وهي قراءة ضعيفة جدًّا، وأحسن ما تحمل عليه أن يكون الرَّاوي لم يضبط عن [القارئ] أشار إلَى الضَّم تنبيهاً على أنّ الهمزة المحذوفة مضمومةٌ في الابتداء، فلم يدرك الراوي هذه الإشارة، وقيل: إنه نَوَى الوَقْفَ على» التَّاء «ساكنة، ثم حركها بالضم إتباعاً لحركة الجيم، وهذا من إجراء الوصل مجرى الوَقْفِ. ومثله ما روي عن امرأة رأت رجلاً مع نساء، فقالت:» أفي السَّوتَنْتُنَّهْ «- نوت الوقف على» سوءة «، فسكنت التاء، ثم ألقت عليها حركة همزة» أنتن «فعلى هذا تكون هذه حركة السَّاكنين، وحينئذ تكون كقوله:» قَالَتُ: أخْرُجْ «وبابه، وإنما أكثر الناس توجيه هذه القراءة لجلالة قارئها أبي جعفر يزيد بن القَعْقَاع شيخ نافع شيخ أهل» المدينة «وترجمتها مشهورة. و» اسجدوا «في محل نصب بالقول، و» اللام «في» لآدم «الظَّاهر أنها متعلّقة ب» اسجدوا «، ومعناها التعليل، أي: لأجله. وقيل: بمعنى» إلى «أي: إلى [جهته له] جعله قبلة لهم، والسجود لله. وقيل: بمعنى مع، لأنه كان إمامهم كذا نقل. وقيل: اللَاّم للبيان فتتعلّق بمحذوف، ولا حاجة إلى ذلك. و» فسجدوا «الفاء للتعقيب، والتقدير: فسجدوا له، فحذف الجار للعلم به، والسُّجود لغة: التذلَّل والخضوع، وغايته وضع الجَبْهَةِ على الأرض، وقال» ابن السكيت «:» هو الميل «، قال:» زيد الخيل «: [الطويل] ٣٧٨ - بِجَمْعٍ تَضِلُّ الْبُلْقُ فِي حَجَرَاتِهِ ... تَرَى الأُكْمَ فِيهَا سُجَّداً لِلْحَوَافِرِ يريد: أن الحوافر تطأ الأرض، فجعل بأثر الأُكْمِ للحوافر سجوداً؛ وقال آخر: [المتقارب] ٣٧٩ - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... سُجُودَ النَّصَارَى لأَحْبَارِهَا

стр. 476

وفرق بعضهم بين «سجد» ، و «أسجد» ف «سجد» : وضع جبهته، وأسجد: أَمَال رأسه وَطَأْطَأْ؛ قال الشاعر: [المتقارب] ٣٨٠ - فُضُولَ أَزِمَّتِهَا أَسَجَدَتْ ... سُجُودَ النَّصَارَى لأَحْبَارِها وقال آخر: [الطويل] ٣٨١ - وَقُلْنَ لَهُ أَسْجِدْ لِلَيْلَى فَأَسْجَدَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... يعني أن البعير طَأْطَأَ رأسَه لأجلها. ودَرَاهِمُ الأسجاد: دَرَاهِمُ عليها صُوَرٌ كانوا يسجدون لها، قال: [الكامل] ٣٨٢ - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... وَافَى بِهَا كَدَرَاهِمِ الأَسْجَادِ فصل في تعداد النعم العامة على بني آدم اعلم أن هذا هو النعمة الرّابعة من النعم العامة على جميع البشر، وهو أنه خصص آدم بالخلافة أولاً، ثم خصصه بالعلم ثانياً، ثم بلوغه في العلم إلَى أن صارت الملائكة عاجزين عن بلوغ درجته في العلم، ثم ذكر الآن كونه مسجوداً للملائكة. فإن قيل: الأمر بالسجود حصل قبل أن يسوي الله - تعالى - خلقه آدم بدليل قوله: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧١ - ٧٢] ، فظاهر هذه الآية يدلّ على أنه ﵊ ُ - لما صار حيًّا صار مسجود الملائكة؛ لأن «الفاء» في قوله: «فَقَعُوا» للتعقيب، وعلى هذا التقدير يكون تعليم الأسماء، ومناظرته مع الملائكة في ذلك الوَقْتِ حصل بعد أن صار مسجود الملائكة. فالجَوابُ: أجمع المسلمون على أن ذلك السُّجود ليس سُجُودَ عِبَادَةٍ، ثم اختلفوا على ثلاثة أقوال: الأول: أن ذلك السجود كان لله - تعالى - وآدم ﵇ كان كالقِبْلَةِ، وطعنوا في هذا القول من وجهين: الأول: أنه لا يقال: صلّيت للقبلة، بل يقال: صليت إلى القبلة، فلو كان ﵊ قبلة لقيل: اسْجُدوا إلى آدم.

стр. 477

الثاني: أن «إبليس» قال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هذا الذي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] أي: أن كونه مسجوداً يدلّ على أن أعظم حالاً من السّاجد، ولو كان قِبْلَةً لما حصلت هذه الدرجة بدليل أن محمداً ﵊ ُ - كان يصلِي إلى الكعبة، ولم تَكُنِ الكعبة أفضل من محمد ﵊ ُ. والجواب عن الأول: أنه كما يجوز أن يقال: صَلَّيْتُ إلَى القبلة، جاز أن يقال: صَلَّيْتُ للقبلة؛ قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس﴾ [الإسراء: ٧٨] والصّلاة لله لا للِدُّلُوكِ؛ وقال حسان: [البسيسط] ٣٨٣ - مَا كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ الأَمْرَ مُنْصَرِفٌ ... عَنْ هَاشِمٍ ثُمَّ مِنْهَا عَنْ أَبِي حَسَنِ أَلَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لِقِبْلَتِكُمْ وَأَعْرَفَ النَّاسِ بالقٌرْآنِ وَالسُّنَنِ والجواب عن الثاني: لا نسلم أن التكرُّم حصل بمجرد ذلك السُّجود، بل لعله حصل بذلك مع أمور أخر. والقول الثاني: أن السجدة كان لآدم تعظيماً له وتحيَّةً له كالسَّلام مهم عليه، وقد كانت الأمم السَّالفة تفعل ذلك. قال قتادة: قوله: ﴿وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَ﴾ [يوسف: ١٠٠] كانت تحيّة الناس يومئذ. الثَّالث: أنَّ السجود في أَصْلِ اللُّغة، هو الانقياد والخضوع، ومنه قوله تعالى: ﴿والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] . واعلم أن القول الأوّل ضعيف، لأن المقصود تعظيم آدم ﵊ ُ، وجعله مجرّد القِبْلَةِ لا يفيد تعظيم حاله. والقول الثالث: ضعيف أيضاً؛ لأن السجود في عرف الشرع عبارة عن وضع الجَبْهَةِ على الأرض فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك؛ لأن الأصل عدم التغيير. فإن قيل: السجود عِبَادَةٌ، والعبادة لغير الله لا تجوز. فالجواب: لا نسلم عِبَادَةٌ، والعبادة لغير الله لا تجوز. فالجواب: لا نسلم أنه عِبَادَةٌ؛ لأن الفعل قد يصير بالمُواضعة مفيداً كالقول، كقيام أحدنا للغير يُفِيدُ من الإعظام ما يفيده القول، وما ذاك إلا للعادة، وإذا ثبت ذلك لم يمتنع أن يكون في بعض الأوقات سقوط الإنسان على الأَرْضِ وإلصاقه الجَبينَ بها مفيداً ضرباً من العظيم، وإن لم يكن ذلك عِبَادَة، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يتعبّد الله النلائكة بذلك إظهاراً لرفعته وكرامته. فصل في بيان أن الأنبياء أفضل من الملائكة قال أكثر أهل السُّنة: الأنبياء أفضل من الملائكة.

стр. 478

وقالت المعتزلة: الملائكة أَفْضَلُ من الأنبياء، وهو اختيار القاضي أبي بكر الباقِلاني [وأبي عبد الله الحليميّ] . وحجّة المعتزلة أمور: أحدها: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩] والمراد من هذه العِنْدِيَّة القرب، والشرف، وهذا حاصل لهم لا لغيرهم. ولقائل أن يقول: إنه - تعالى - أثبت هذه الصّفة في الآخرة لآحاد المؤمنين في قوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ﴾ [القمر: ٥٥] . وأما في الدنيا فقال ﵊ يقول الله سبحانه: «أَنا مَعَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ لأَجْلِي» . وهذا أكثر إشعاراً بالتعظيم؛ لأن كون الله - تعالى - عند العبد أدخل في التعظيم من كون العبد عند الله. وثانيها: قالوا: عبادات الملائكة أشَقّ من عبادات البشر، فيكونون أكثر ثواباً من عبادات البشر، فإن الملائكة سُكّان السماوات، وهي جَنَّات، وهم آمنون من المَرضِ والفقر، ثم إنهم مع استكمال أسباب النّعم لهم خاشعون وجِلُونَ كأنهم مَسْجُونون لا يلتفتون إلى نعيم الجنات، بل يقبلون على الطَّاعة الشاقة، ولا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوماً واحداً فضلاً عن تلك الأعصار المُتَطَاولة، ويؤيّده قصّة آدم ﵊ فإنه أطلق له الأكل في جميع مواضع الجنة، ثم إنه منع من شجرة واحدة فلم يملك نفسه. وثالثها: أن انتقال المكلّف من نوع عِبَادَةٍ إلى نوع آخر كالانتقال من بُسْتَان إلى بستان، أما الإقامة على نَوْعٍ واحدٍ، فإنها تورث المَشَقّة والمَلَالَة، والملائكة كلّ واحد منهم مُوَاظب على عمل واحد لا يعدل عنه إلى غيره، فكانت عبادتهم أَشَقّ، فيكون أفضل لقوله ﵊ ُ: «أَفْضَلُ الأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا» أي: أَشَقُّهَا، وقوله لعائشة: «إنَّمَا أَجْرُكِ على قَدْرِ نَصْبِكِ» . ولقائل: أن يقول: في الوَجْه الأول لا نسلّم أن عبادة الملائكة أشقّ. أما قولهم: السماوات جنات.

стр. 479

قلنا: نسلم، ولم قلتم بأن العبادة في المَوَاضع الطّيبة أشقّ من العبادة في المواضع الرَّديئة؟ أكثر ما في الباب أنه تهيّأ لهم أسباب النعم، فامتناعه عنها مع تهيئتها له أشق، ولكنه معارض بما أن أسباب البلاء مجتمعةٌ على البشر، ومع هذا يرضون بقضاء الله، ولا تغيرهم تلك المِحَنُ عن المُوَاظبة على عبوديته، وهذا أعظم في العبودية. وأما قولهم: المُوَاظبة على نَوْعٍ واحدٍ من العبادة أشقّ. قلنا: لما اعتادوا نوعاً واحداً صاروا كالمَجْبُورين الذين لا يقدرون على خِلَافِهِ؛ لأنَّ العادة طبيعة خامسة، ولذلك قال ﷺ َ: «أَفْضَلُ الصَّوْمِ صَوْمَ دَاوُدَ كان يصوم يوماً ويُفْطر يوماً» . ورابعها: قالوا: عبادات المَلَائكة أَدْوَم؛ لأن أَعمارهم أطول، فكانت أفضل لقوله ﵊ ُ: «أَفْضَلُ العُبَّاد من طل عمره، وحَسُنَ عمله» . ولقائل أن يقول: إن نوحاً ولقمان والخَضِر - عليهم الصَّلاة والسلام - كانوا أطول عمراً من محمد ﵊ ُ - فوجب أن يكونوا أفضل منه، وذلك باطل بالاتفاق. وخامسها: أنهم أسبق في كل العِبَادِاتِ فيكونون أفضل لقوله تعالى: ﴿والسابقون السابقون أولئك المقربون﴾ [الواقعة: ١٠، ١١] ولقوله ﵊ ُ: «من سَنَّ سُنَّةٌ حَسَنَة فله أَجْرُهَا وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» .

стр. 480

ولقائل أن يقول: فهذا يقتضي أن يكون آدم ﵊ ُ - أفضل من محمد ﵊؛ لأنه أوّل من سَنّ عبادة الله من البشر وأسبق، وذلك باطل. وسادسها: أن الملائكة رُسُل إلى الأنبياء، والرسول أفضل من الأمة. فإن قيل: إن السلطان إذا أرسل واحداً إلى جمع عظيم ليكون حاكماً فيهم، فإنه يكون أشرف منهم، أمّا إذا أرسل واحداً إلى واحد، فقد لا يكون الرسول أشرف، كما إذا أرسل السلطان مَمْلُوكَهُ إلى وزيره في مُهِمَّة [فإنه لا يلزم أن يكون ذلك العبد أشرف من الوزير] . قلنا: لكن جبريل ﵇ مبعوث إلى كافة الأنبياء والرسل من البشر، فعلى هذا يكون جبريل أفضل منهم. وأيضاً أن الملك قد يكون رسولاً إلى ملك آخر أو إلى أحد من الأنبياء، وعلى التقديرين الملك رسول، وأمته رسل، والرسول الذي كل أمته رسل أفضل من الرسول الذي ليس كذلك، ولأن إبراهيم ﵊ كان رسولاً إلى لُوطٍ ﵇ فكان أفضل منه، وموسى كان رسولاً إلى الأنبياء الذين كانوا في عَصْرِهِ، فكان أفضل منهم. ولقائل أن يقول: الملك إذا أرسل رسولاً إلى بعض النواحي، فقد يكون ذلك الرسول حاكماً ومتولياً أمورهم، وقد يكون ليخبرهم عن بعض الأمور مع أنه لا يجعله حاكماً عليهم، فالقسم الأوّل هم الأنبياء المبعوثون إلى أممهم، فلا جرم كانوا أفضل من الأنبياء. وسابعها: قوله: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلَا الملاائكة المقربون﴾ [النساء: ١٧٢] فقوله: «ولا الملائكة» خرج مخرج التأكيد للأول، وهذا التأكيد إنما يكون بذكر الأفضل يقال: هذه الخَشَبة لا يقدر على حملها العَشْرة، ولا المائة، ولا يقال: لا يقدر على حملها العشرة ولا الواحد، ويقال: هذا العالم لا يَسْتَنْكِفُ عن خدمته الوزير ولا الملك، ولا يقال: ولا يستنكف عن خدمته الوزير ولا البواب. ولقائل أن يقول: هذه الآية إن دلّت، فإنما تدلّ على فضل الملائكة المقرّبين على المسيح، لكن لا يلزم منه فَضْلُ الملائكة المقربين على مَنْ هو أفضل من المسيح، وهو

стр. 481

محمد - عليه أفضل الصلاة والسلام - وموسى وإبراهيم - عليهما الصلاة والسلام - بإجماع المسلمين. ثم نقول قوله: «ولا المَلَائكَة» ليس فيه إلا «واو» العطف، و «الواو» للجمع المُطْلق، فيدلّ على أنّ المسيح لا يستنكف، والملائكة لا يستنكفون، فأما أن يدلّ على أن الملائكة أفضل من المسيح فلا. قال تعالى: ﴿لَا تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله وَلَا الشهر الحرام وَلَا الهدي وَلَا القلائد﴾ [المائدة: ٢] أو نقول: سلمنا أن عيسى دون مَجْمُوعِ الملائكة في الفَضْلِ، فإن قلتم: دون كل واحد من الملائكة في الفضل؟ فإن قيل: وصف الملائكة بكونهم مقربين يوجب ألَاّ يكون المسيح كذلك. قلنا: تخصيص الشّيء بالذكر لا يدلُّ على نفيه عما عداه. وثامنها: قوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلَاّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ [الأعراف: ٢٠] ولو لم يكن متقرراً عند آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - أن الملك أفضل من البَشَرِ لم يقدر «إبليس» على غرورهما بذلك. ولقائل أن يقول: هذا قول «إبليس» فلا يكون حُجّة، ولا يقال: إن آدم اعتقد صحة ذلك، واعتقاد آدم حُجّة، لأنا نقول: لعلّ آدم ﵊ ما كان نبياً في ذلك الوقت، فلم يلزم من فَضْلِ الملك عليه في ذلك الوَقْتِ فضل الملك عليه حال ما صار نبيًّا، ولأن الزَّلَّة جائزة على الأنبياء. وأيضاً فهب أن الآية تدلّ على أن الملك أفضل من البَشَرِ في بعض الأمور المرغوبة. فلم قلتم: إنها تدلّ على فضل الملك على البَشَرِ في باب القدرة والقوة، والحسن والجمال، والصفاء والنقاء عن الكُدُورات الحاصلة بسبب التركيبات؟ فإن الملائكة خلقوا من الأنوار وآدم خلق من التراب، فلعل آدم وإن كان أفضل منهم في كثرة الثواب إلاّ أنه رغب في أن يكون مساوياً لهم في تلك الأمور المعدودة. وتاسعها: قوله تعالى: ﴿قُل لَاّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله ولاا أَعْلَمُ الغيب ولاا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠] . ولقائل أن يقول: يحتمل أن يكون المراد: ولا أقول لكم إني مَلَكٌ في كثرة العلوم، وشدة القوة، ويؤيده أن الكفار طالبوه بأمور عظيمة نحو: صعود السَّماء، ونقل الجِبَالِ، وإحضار الأموال العظيمة، وأيضاً قوله: «قل: لا أقول لكم عِنْدِي خَزَائِنُ الله» يدلّ على

стр. 482

اعترافه بأنه لا يعلم كلّ المعلومات، فلذلك لا أدّعي قُدْرَةٌ مِثْلَ قُدْرَةِ الملك، ولا علماً مثل علمه. وعاشرها: قوله تعالى: ﴿مَا هذا بَشَراً إِنْ هاذآ إِلَاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] . فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد التشبيه في الجمال؟ قلنا: الأَوْلَى أن يكون هذا التشبيه في السِّيرة لا في الصّورة، لأن الملك إنما تكون سِيرَتُهُ المرضية لا بمجرد الصورة. ولقائل: أن يقول: قول المرأة: ﴿فذلكن الذي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢] كالصريح في أن مراد النِّسَاء بقولهن: ﴿إِنْ هاذآ إِلَاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] تعظيم لحسن يُوسف وجماله لا في السَِّيرة؛ لأن ظهور عُذْرِهَا في شدّة عشقها، إنما يحصل بسبب فرط يوسف في الجَمَال لا بسبب فرط زُهْده وورعه، فإن ذلك لا يُنَاسب شدّة عشقها. سلمنا أن المراد تشبيه يوسف ﵊ ُ - بالمَلَكِ في حسن السِّيرة، فلم قلتم: يجب أن يكون أقل ثواباً من الملائكة؟ الحادي عشر: قوله تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ على كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٠] ، ومخلوقات الله - تعالى - إما المكلفون، أو من عداهم، ولا شك أن المكلفين أفضلُ من غيره، فالمكلّفون أربعة أنواع: الملائكة، والإنس، والجنّ، والشياطين، ولا شَكّ أن الإنس أفضل من الجنّ والشياطين، فلو كان البشر أفضل من الملائكة لزم أن يكون البشر أفضل من كلّ المخلوقات، وحينئذ لا يبقى لقوله: «وفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى جَمِيْعِ مَنْ خَلَقْنَا» ، ولما لم يقل ذلك علمنا أن الملك أفضل من البشر. ولقائل أن يقول: هذا تمسُّك بدليل الخطاب؛ لأن التصريح بأنهم أفضل من كثيرٍ من المَخْلُوقات لا يدلّ على أنه ليس أَفْضل من الباقي ألا بواسطة دليل الخطاب. وأيضاً فهب أن جنس الملائكة أفضل من [جنس بني آدم، ولكن لا يلزم من كون أحد المجموعين أفضل من] المجموع الثاني [أن يكون كُلّ واحد من أفراد المجموع الأول أفضل من أفراد المجموع الثاني] ، فإنا إذا قدرنا عشرة من العَبيدِ كلّ واحد منهم يساوي مائة دينار، وعشرة أخرى حصل فيهم عبد يساوي مائتي دينار والتسعة الباقية كل واحد منهم ديناراً، فالمجموع الأول أفضل من آحاد المجموع الأول فكذا ها هنا.

стр. 483

الثاني عشر: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠، ١١] فيدخل فيه الأنبياء وغيرهم، وهذا يقتضي كونهم أفضل من البشر لوجهين: الأوّل: أنه - تعالى - جعلهم حَفَظَةً، والحافظ للمكلّف عن المعصية يكون أبعد عن الخطأ من المحفوظ، وذلك يقتضي أن يكون قولهم أولى بالقَبُولِ من قول البشر، ولو كان البشر أعظم حالاً منهم لكان الأمر بالعكس. ولقائل أن يقول: أما كون الحافظ أكرم من المحفوظ، فهذا بعيد، فإن المَلكَ قد يوكّل بعض عبيده على ولده. وأما الثاني فقد يكون الشاهد أدون حالاً من المشهود عليه. الثالث عشر: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً لَاّ يَتَكَلَّمُونَ إِلَاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن﴾ [النبأ: ٣٨] . والمقصود من ذكر أحوالهم المُبَالغة في شَرْحِ عظمة الله وجلاله، ولو كان في الخلق طائفة أخرى قيامهم وتضرعهم أقوى في الإنباء عن عَظَمةِ الله وجلاله وكبريائه من قيامهم لكان ذكرهم أولى. ولقائل أن يقول: ذلك يدلّ على أنهم أزيد حالاً من البَشَرِ في بعض الأمور، فلم لا يجوز أن تكون تلك الحالة هي قوتهم وشدّتهم وبطشهم؟ وهذا كما يقال: إن السُّلطان لما جلس وقف حَوْلَ سريره ملوك أطراف العالم خاضعين فإن عظمة السُّلطان إنما تشرح بذلك، ثم إنَّ هذا لا يدلُّ على أنهم أكرم عند السلطان من ولده، فكذا ها هنا. الرابع عشر: قوله: ﴿والمؤمنون كُلٌّ آمَنَ بالله وملاائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فبيّن تعالى أنه لا بدّ في صحّة الإيمان من الإيمان بهذه الأشياء، فبدأ بنفسه، وثَنَّى بالملائكة، وثلّث بالكتب، وربّع بالرسل، وكذا في قوله: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لَا إله إِلَاّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم﴾ [آل عمران: ١٨] ، وقال: ﴿إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي﴾ [الأحزاب: ٥٦] ، والتقديم في الذّكر يدلّ على التقديم في الدرجة؛ لأن تقديم الأدْوَنِ على الأشرف في الذكر قبيح عرفاً، فوجب أن يكون قبيحاً شرعاً. ولقائل أن يقول: هذه الحجّة ضعيفة؛ لأن الاعتماد إن كان على «الواو» ف «الواو» لا تفيد الترتيب، وإِنْ كان على التقديم في الذِّكْرِ ينتقض بتقديم سورة «تَبّت» على سورة ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] . الخامس عشر: قوله تعالى: «إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ» ، فجعل صلوات

стр. 484

الملائكة كالتشريف للنبي ﷺ َ - وذلك يدلّ على كون الملائكة أشرف من النبي. ولقائل أن يقول: هذا ينتقض بقوله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً» فأمر المؤمنين بالصلاة على النبي، ولم يلزم كون المؤمنين أفضل من النبي، فكذا في الملائكة. واحتجّ من قال بتفضيل الأَنبياء - عليهم الصَّلاة والسَّلام - على الملائكة بأمور: أحدها: أن الله - تعالى - أمر الملائكة بالسجود لآدم، وثبت أن آدم لم يكن كالقِبْلَةِ، فوجب أن يكون آدم أفضل منهم؛ لأن السجود نهايَةَ التواضُعِ، وتكليف الأشرف بنهاية التواضُعِ للأَدْوَنِ مُسْتَقْبَحٌ في العقول. وثانيها: أن آدم ﵊ ُ - خليفةٌ له، والمراد منه خلافة الولاية لقوله: ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض فاحكم بَيْنَ الناس بالحق﴾ [ص: ٢٦] . ومعلوم أن أعلى الناس منصباً عند الملك من كان قائماً مَقَامَهُ في الولاية والتصرف، فهذا يدل على أن آدم ﵊ ُ - كان أشرف الخلائق. فالدنيا خلقت متعةً لبقائه، والآخرة مملكة لجزائه، وصارت الشياطين ملعونين بسبب التكبُّر عليه، والجن رعيته، والملائكة في طاعته وسجوده، والتواضع له، ثم صار بعضهم حافظين له ولذريته، وبعضهم منزلين لرزقه وبعضهم مستغفرين لزلَاّته. وثالثها: أن آدم ﵊ ُ - كان أعلم، والأعلم أفضل، أما أنه أعلم فلأنه - تعالى - لما طلب منهم علم الأسماء ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَاّ مَا عَلَّمْتَنَآ﴾ [البقرة: ٣٢] فعند ذلك قال الله: ﴿يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] وذلك يدلّ على أن آدم ﵊ ُ - كان عالماً بما لم يكونوا عالمين به، والعالم أَفْضَلُ لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ والذين لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] . ورابعها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله اصطفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العالمين﴾ [آل عمران: ٣٣] والعَالَم عبارة عن كل ما سوى الله - تعالى - فمعناه أن الله - تعالى - اصطفاهم على المخلوقات. فإن قيل: يُشْكل بقوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذكروا نِعْمَتِي التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين﴾ [البقرة: ٤٧] . قلنا: الإشكال مدفوع؛ لأن قوله: «وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العَالَمينَ» خطاب مع الأنبياء الذين كانوا أسلاف اليهود، وحينما كانوا موجودين لم يكن محمد ﵊ موجوداً في ذلك الزمان، والمعدوم لا يكون من العالمين؛ لأن اشتقاق العالم من العَلَمِ فكل ما كان عَلَماً على الله ودليلاً عليه فهو عالم، وإذا كان كذلك لم يلزم اصْطِفاء الله إياهم على العالمين في ذلك الوقت أن يكونوا أفضل من محمد ﵊ ُ -

стр. 485

والملائكة كانوا موجودين، فيلزم أن يكون الله - تعالى - قد اصطفى هؤلاء على الملائكة، وأيضاً فهب أن تلك دَخَلَها التخصيص لقيام الدليل، وها هنا فلا دليل يوجب ترك الظاهر، فوجب إجراؤه على ظاهره في العموم. وخامسها: قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] والملائكة من جملة العالمين، فكان محمد ﵊ رحمة لهم، فوجب أن يكون أفضل منهم. وسادسها: أنَّ الآدمي له شهوةٌ تدعوهم إلى المعصية، وهي شهوة الرئاسة. قلنا: هَبْ أن الأمر كذلك، لكن البشر لهم أنواع كثيرة من الشهوات مثل شهوة البَطْنِ والفَرْجِ، وشهوة الرئاسة والملك ليس إلا شهوة واحدة، وهي شهوة الرئاسة، والمبتلى بأنواع كثيرة من الشهوات تكون الطاعة عليه أشقّ من المبتلى بشهوة واحدة. وأيضاً الملائكة لا يعملون إلَاّ بالنَّص لقوله: ﴿لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَاّ مَا عَلَّمْتَنَآ﴾ [البقرة: ٣٢] وقوله: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] والبشر لهم قوّة الاسْتنباط والقياس، والعمل بالاسْتِنْبَاط أشقَ من العمل النص، وأيضاً فإن الشبهات للبشر أكثر منها للملائكة؛ لأن من جملة الشبهات القوية كون الأفلاك والأنجم السَّيَّارة أسباباً لحوادث هذا العالم، فالبَشَرُ احتاجوا إلى دفع هذه الشُّبهة، والملائكة لا يحتاجون إليها، لأنهم ساكنون في عالم السَّمَاوات، فيشاهدون كيفية افتقارها إلَى المدبّر الصَّانع، وأيضاً فإن الشيطان لا سَبِيلَ له إلى وسوسة الملائكة، وهو مسلّط على البشر في الوَسْوَسَةِ، وذلك تفاوت عظيم. إذا ثبت أن طاعتهم أشقّ، فوجب أن يكونوا أكثر ثواباً للنص والقياس. فأما النص قوله ﵊ ُ: «أَفْضَلُ العِبَادَاتِ أَحْمَزُهَا» أي: أشقُّها، وأما القياس فإن الشيخ الذي ليس له مَيْلٌ إلى النِّسَاء إذا امتنع عن الزِّنَا ليست فضيلته كفضيلة من يمتنع عنه مع النَيْلِ الشّديد، والشَّوق العظيم. وسابعها: أن الله - تعالى - خلق للملائكة عقولاً بلا شهوة، وخلق للبهائم شهوةً بلا عَقْلٍ، وخلق الآدمي وجمع فيه الأمرين، فصار الأدمي بسبب العَقْل فوق البهيمة بدرجة، فوجب أن يصير بسبب الشهوة دون المَلَائكة، ثم وجدنا الآدمي هَوَاهُ عقله، فإنه بصير دون البَهِيْمَةِ على ما قال: «أولئك كَالأَنْعَام بَلْ هُمْ أَضَلُّ» فيجب أن يقال: إذا غلب عقله هواه أن يكون فوق الملائكة اعتباراً لأحد الطرفين بالآخر. وثامنها: أن الملائكة حَفَظَةٌ، وبنو آدم محفوظون، والمحفوظ أشرف من الحافظ، أجاب القائلون بتفضيل الملك عن الأول، فقالوا: قد سبق بيان أنّ من الناس من قال:

стр. 486

المراد من السُّجود التَّواضع لا وضْع الجَبْهَةِ على الأرض، وإن سلم أنه وضع الجبهة لكنه قال: السُّجود لله وآدم قبله، فزال الإِشْكَال، وإن سلم أن السجود كان لآدم، فلم قلتم: إن ذلك لا يجوز من الأشرف؟ وذلك لأن الحكمة قد تقتضي إظهار نهاية الانقياد، والطاعة، فإن للسلطان أن يجلس عَبْداً من عبيده، ويأمر الأكابر بخدمتهن ويكون غرضه إظهار كونهم مُطِيْعِين مُنْقَادين له في كلّيات الأمور، وأيضاً فإن الله - تعالى - يفعل ما يَشَاءُ، ويحكم ما يريد، فإن أفعاله غير معلّلة، ولذلك قلنا: إنه لا اعتراض عليه في خلق الكُفْرِ في الإنسان، ثم يعذبه عليه أبد الآباد، وإذا كان كذلك، فكيف يعترض عليه في ان أمر الأعلى بالسجود لمن هو دونه. وأما الحجّة الثانية فجوابها أن كون آدم خليفة في الأرض وهذا يقتضي أن يكون آدم ﵇ كان أَشْرَفَ من كل من في الأرض ولا يدلّ على كونه أشرف من ملائكة السماء. فإن قيل: فَلِمَ لم يجعل واحداً من ملائكة السماء خليفة له في الأرض؟ قلت: لوجوه: منها أن البشر لا يطيقون رُؤْيَةَ الملائكة، ومنها أن الجنس إلى الجنس أميل. وأما الحجّة الثالثة: فلا نسلّم أنّ آدم كان أعلم منهم، وأكثر ما في الباب أن آدم ﵊ كان عالماً بتلك الُّلغات، وهم ما علموها، لكنهم لعلهم كانوا عالمين بسائر الأشياء، مع أن آدم ﵇ ما كان عالماً بها ويحقق هذا أن محمداً - عليه أفضل الصلاة والسلام - أفضل من آدم ﵇ مع أن محمداً ما كان عالماً بهذه اللُّغات بأسرها، وأيضاً فإن «إبليس» كان عالماً بأن قرب الشجرة مما يوجب خروج آدم من الجَنّة، وأن آدم ﵇ ليس كذلك، والهُدْهُد قال لسليمان صلوات الله وسلامه عليه: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢] ولم يكن أفضل من سُلَيْمَانَ، سلمنا أنه كان أعلم منهم، ولكن لِمَ لَمْ يجز أن يقال: إن طاعنهم أكثر إخلاصاً من طاعة آدم ﵊ ُ؟ . وأما الحجة الرابعة: فهي قويّة. وأما الخامسة: فلا يلزم من كون محمّد ﵊ رحمة لهم أن يكون أفضل منهم كما في قوله تعالى: ﴿فانظر إلى آثَارِ رَحْمَةِ الله كَيْفَ يُحْيِيِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَآ﴾ [الروم: ٥٠] ولا يمتنع أن يكون ﵊ ُ - رحمةً لهم من وجه، وهم يكونون رحمة له من وجه آخر. وأما الحجّة السادسة: وهي أن عبادة البشر أشقّ فهذا ينتقض بما أنا نرى الواحد من الصُّوفية يتحمّل في طريق المُجّاهدة من المَشَاقّ والمتاعب ما يقطع بأنه ﵊ ُ - لم يتحمّل مثلها مع أنا نعلم أن محمداً ﵊ ُ أفضل من الكل.

стр. 487

أما الحُجّة السَّابعة: فهي جمع بين الطَّرفين من غير جامع. فإن قيل: فإذا لم يكن افضل منهم، فما الحكمة بالأمر بالسجود له؟ قيل له: إنَّ الملائكة لما استعظموا تَسْبِيْحَهُمْ، وتقديسهم أمرهم بالسجود لغيره ليريه استغناءه عنهم، وعن عبادتهم. وقال بعضهم: عيروا آدم واستصغروه ولم يعرفوا خصائص الصنع به، فأمروا بالسجود له تكريماً، ويحتمل أن يكون إنما أمرهم بالسجود له معاقبة لهم على قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] . فإن قيل: فقد استدلّ ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - على فضل البشر بأن الله - تعالى - أقسم بحياة مُحَمَّد ﵊ ُ فقال: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] وأمنه من العذاب لقوله: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] ، وقال للملائكة: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إني إله مِّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] . قيل له: إنما لم يقسم بحياة الملائكة كما لم يقسم بِحَيَاةِ نفسه سبحانه فلم يقل: «لَعَمْري» وأقسم بالسماء والأرض، ولم يدلّ على أنها أرفع قدراً من العرش، وأقسم ب «التِّين والزَّيْتُون» . وأما قوله سبحانه: «وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ» فهو نظير قوله لنبيه ﵊ ُ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ [الزمر: ٦٥] وهذا آخر الكلام في هذه المسألة. قوله: «إلَاّ إِبْلِيسَ» «إِلَاّ» حرف استثناء، و «إبليس» نصب على الاستثناء، وهل نصبه ب «إلا» وحدها أو بالفعل وحده أو به بوساطة «إلاّ» أو بفعل محذوف أو ب «أن» أقوال؟ وهل هو استثناء متّصل أو منقطع؟ خلاف مشهور. والأصح أنه متّصل - وأما قوله تعالى: ﴿إِلَاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن﴾ [الكهف: ٥٠] ، فلا يرد؛ لأن الملائكة قد يسمونه جنًّا لاجْتِنَابِهِمْ، قال الشاعر في سليمان: [الطويل] ٣٨٤ - وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الْمَلَائِكِ تِسْعَةً ... قِيَاماً لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلَا أَجْرِ وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً﴾ [الصافات: ١٥٨] يعني: الملائكة. واعلم أن المستثنى على أربعة أقسام: قسم واجب النّصْب، وقسم واجب الجَرّ، وقسم جائز فيه النصب والجر، وقسم جائز فيه النَّصْب والبَدَل مِمَّا قبله، والأرجح البدل.

стр. 488

الأول: المُسْتَثْنَى من الموجب والمقدّم، والمكرر والمنقطع عند «الحجاز» مطلقاً، والواقع بعد «لا يَكُون» و «لَيْسَ» و «ما خَلَا» و «ما عَدَا» عند غير الجَرْمِيّ؛ نحو: «قَامَ القَوْمُ إلَاّ زَيْداً» ، و «مَا قَامَ إلَاّ زَيْداً القَوْمُ» ، و «ما قَامَ أحدٌ إلاّ زَيْداً إلا عَمْراً» ، و «قاموا إلاّ حِمَاراً» و «قَامُوا لا يكونُ زيداً» و «مَا خضلَا ويداً» و «مَا عَدَا زيداً» . الثاني: المستثنى ب «غَيْر» و «سِوًى» و «سُوًى» و «سَوَاء» . الثالث: المستثنى ب «عَدَا» و «حَاشَا» و «خَلَا» . الرابع: المستثنى من غير الموجب؛ نحو: ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلَاّ قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٦٦] . و «إبليس» اختلف فيه، فقيل: إنه اسم أعجمي منح من الصّرف للعلمية والعُجْمة، وهذا هو الصّحيح، قاله «الزَّجاج» وغيره؛ وقيل: أنه مشتقٌّ من «الإبْلَاس» وهو اليأس من رحمة الله - تعالى - والبعدُ عنها؛ قال: [السريع أو الرجز] ٣٨٥ - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... وَفِي الْوُجُوهِ صُفْرَةٌ وَإِبْلَاسْ ووزنه عند هؤلاء: «إِفْعِيل» ؛ واعترض عليهم بأنه كان ينبغي أن يكون منصرفاً، وأجابوا بأنه أِبه الأسماء الأعجميّة لعدم نظيره في الأسماء العربية؛ ورد عليهم بأنه مثله في العربية كثير؛ نحو: «إزْمِيل» و «إكْلِيل» و «إغريض» و «إخْرِيط» . وقيل: لما لم يقسم به أحدٌ من العرب، صار كأنه دَخِيلٌ في لسانهم، فأشبه الأعجمية، وفيه بُعْدٌ. فصل في جنس إبليس اختلفوا في «إبليس» فقال أكثر المتكلمين والمعتزلة: إنه لم يكن من المَلَائكة، وهو مرويّ عن ابن عَبَاس، وابن زيد، والحسن، وقتادة ﵃ قالوا: «إبليس أبو الجِن كما أن آدم أبو البَشَرِ، ولم يكن ملكاً فأشبه الحرف» . وقال شهر بن حَوْشَبٍ، وبعض الأصوليين: «كان من الجن الذين كانوا في الأرض، وقاتلهم الملائكة فَسَبُوهُ وتعبّد مع الملائكة وخوطب» . وحكاه الطبري، وابن مسعود، وابن جريح، وابن المسيب، وقتادة وغيرهم، وهو

стр. 489

اختبار الشيخ أبي الحَسَنِ، ورجّحه الطبري، وهو ظاهر الآية أنه من الملائكة. قال ابن عباس: «وكان اسمه عزَازِيل، وكان من أشراف الملائكة، وكان من أُولِي الأَجْنِحَةِ الأَرْبَعَةِ ثم إبليس بعد» . وروى سليمان بن حَرْب عن عكرمة عن ابن عَبَّاس قال: كان إبْلِيسُ من الملائكة، فلما عَصَى الله غضب عليه فَلَعَنَهُ، فصار شيطاناً. وحكى المَاوَرْدِيّ عن قتادة: أنه كان من أَفْضَلِ صنف من الملائكة يقال لهم الجنّة. وقال سعيد بن جبير: إن الجنّ سِبْطٌ من الملائكة خُلقوا من نار، وإبليس منهم، وخلق معاشر الملائكة من نور. حجّة القول الأول، وهو أنه لم بكن من الملائكة وجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿إِلَاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن﴾ [الكهف: ٥٠] وإذا كان من الجنّ وجب أن ألاّ يكون من الملائكة لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١] ، وهذا صريح في الفرق بين الجنّ والمَلَكِ. فإن قيل: لا نسلّم أنه كان من الجنّ، لأن قوله: ﴿كَانَ مِنَ الجن﴾ [الكهف: ٥٠] يجوز أن يكون المراد كان من الجنّة على ما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه كان من الجنّ كان خازن الجنة. سلمنا ذلك، لكن لِمَ لَا يجوز أن يكون قوله: «من الجن» أي: صار من الجن كقوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الكافرين﴾ . سلّمنا ما ذكرتم، فَلِمَ قلتم: إن كونه من الجنّ ينافي كونه من الملائكة؛ لأن الجن مأخوذ من الاجتنان، وهو الستر، ولهذا سمي الجَنين جنيناً لاجتِنَانِه، ومنه الجُنّة لكونها سائرة، والجِنّة لكونها مستترة بالأَغْصَان، ومنه الجُنُون لاستتار العَقْل به، والملائكة مستترون عن الأعين، فوجب جواز إطلاق لفظ الجِنّ عليهم بحسب اللُّغة، يؤيد هذا التأويل قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً﴾ [الصافات: ١٥٨] ، وذلك لأن قريشاً قالت: الملائكة بنات الله، فهذه الآية تدلّ على أن الملائكة تسمى جنًّا. والجواب: لا يجوز أن يكون المُرَاد من قوله: «كان من الجن» أنه كان خازن الجنّة؛ لأن قوله: ﴿إِلَاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن﴾ [الكهف: ٥٠] يشعر بتعليل تركه السُّجود

стр. 490

بكونه جنياً، ولا يمكن تعليل ترك السجود بكونه خازن الجنّة، فبطل ذلك. ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً﴾ [الصافات: ١٥٨] قلنا: يحتمل أن بعض الكُفّار أثبت ذلك النسب في الجنّ، كما أثبته في الملائكة، وأيضاً أن الملك يسمى جنّاً بحسب أصل اللُّغة، لكن لفظ الجنّ بحسب العرف اختص بالغير، كما أن لفظ الدَّابة يتناول كل ما دَبّ بحسب اللُّغة الأصلية، كلغة بحسب العرف اختص ببعض ما يدبّ، فيحتمل أن تكون هذه الآية على اللغة الأصلية والآية التي ذكرناها على العرف الحادث. وثانيها: أن «إبليس» له ذريّة لقوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ﴾ [الكهف: ٥٠] والملائكة لا ذريّة لها؛ لأن الذريّة إنما تحصل من الذَّكَرِ والأُنْثَى، والملائكة لا أنثى فيها لقوله: ﴿وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] أنكر على من حكم عليهم بالأنوثة. وثالثها: أنّ الملائكة معصومون، و «إبليس» لم يكن كذلك فوجب ألا يكون من الملائكة. ورابعها: أن «إبليس» مخلوق من نار لقوله تعالى حكاية عن «إبليس» : ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ﴾ [الأعراف: ١٢] . قال: ﴿والجآن خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم﴾ [الحجر: ٢٧] والملائكة مخلوقون من النّور، لما روت عائشة عن النبي ﷺ َ قال: «خلقت المَلَائِكَةُ من نُورٍ وخُلِقَ اجَانّ من مَارِجٍ من نَارٍ» . حجّة القول الثاني، وهو أن «إبليس» كان من الملائكة أمران: الأول: أن الله - تعالى - استثناه من الملائكة، والاستثناء المنقطع مشهور في كلام العرب، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَاّ الذي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧] وقال: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً إِلَاّ قِيلاً سَلَاماً سَلَاماً﴾ [الواقعة: ٢٥، ٢٦] وقال: ﴿لَاّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَاّ سَلَاماً﴾ [مريم: ٦٢] ، وقال: ﴿لَا تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل إِلَاّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩] ، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَاّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً﴾ [النساء: ٩٢] وأيضاً فلأنه كان جنيًّا واحداً بين اللوف من الملائكة، فغلبوا عليه في قوله: فسجدوا، ثم استثني هو منهم استثناء واحد منهم؛ لأنا

стр. 491

نقول: كل واحد من هَذَيْنِ الوجهين على خلاف الأصل، وذلك إنما يُصَار إليه عند الضرورة، والدلائل الذي ذكرتموها في نفي كونه من المَلَائكة ليس فيها إلاّ الاعتماد على العُمُومَاتِ، فلو جعلنا من الملائكة لزم تَخْصِيصُ ما عَوَّلْتُمْ عليه من العُمُومَاتِ. ولو قلنا: إنه ليس من الملائكة لزمنا جعل الاستثناء منقطعاً، فكان قولنا أولى، وأيضاً فالاستثناء إنما يتحقّق من الشيء والصرف، ومعنى الصرف إنما يتحقّق حَيْثُ لولا الصّرف لدخل، والشيء لا يدخل في غير جنسه، فيمتنع تحقق معنى الاستثناء منه. وأما قوله: إنه جني واحد من الملائكة لما كان قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسجدوا﴾ متناولاً، ولا استحال أن يكون تركه السجود إباءً واستكباراً ومعصية، ولما استحقّ الذم والعقاب، ولما حصلت هذه الأمور، علمنا أن ذلك الخطاب يتناوله، ولن يتناوله ذلك الخطاب إلاّ إذا كان من الملائكة. لا يقال: إنه وإن لم يكن من الملائكة إلا أنه لمّا نشأ منهم، وطالت خُلْطته بهم والتصق بهم علا ولكن الله تعالى أمر بالسجود بلفظ آخر ما حكاه في القرآن بدليل قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] لأنا نقول: أما الأول فجوابه: أن المُخَالطة لا توجب ما ذكرتموه ولهذا قيل في أصول الفقه: خطاب الذكور لا يتناول الإناث وبالعكس مع شدّة المخالطة بين الصنفين، وأيضاً فشدّة المُخَالطة بين الملائكة، وبين «إبليس» لما لم يمنع اقتصار اللَّعن على إبليس، فكيف يمنع اقتصار ذلك التَّكليف على المَلَائِكَةِ، لونا كونه أمر بأمر آخر غير محكي في القرآن، فإن ترتيب الحكم على الوَصْفِ يشعر بالغَلَبَةِ، فلما ذكر قوله: «أَبَى واسْتَكْبَرَ» عقيب قوله: «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ: اسْجُدُوا لآدَمَ» ، أشعر هذا التعقيب بأن هذا الإباء إنما حصل بسبب مُخَالفة هذا الأمر، لا بسبب مُخَالطة أمر آخر، وطريق الجمع بين الدليلين ما ذكرنا عن ابن عباس أن «إبليس» كان من الملائكة، فلما عَصَى الله غضب عليه، فَصَار شيطاناً. وقول سعيد بن جبير إن الجن سبط من الملائكة خلقوا من نَارٍ، وإبليس منهم وليس في خلقه من نَارٍ، ولا في تركيب الشَّهْوَةِ حيث غضب عليه ما يدفع أنه من المَلَائِكَةِ، وحكى الثعلبي عن ابن عباس: «أنّ إبْلِيسَ كان من حَيّ من أحياء الملائكة يقال لهم: الجِنّ خلقوا من نارِ السَّمُوم، وخلقت الملائكة من نُورٍ، وكان اسمه بالسّريانية عَزَازيل، وبالعربية الحَارِث، وكان من خزّان الجنّة، وكان رئيس ملائكة السماء الدنيا، وكان من سُلْطَانها، وسلطان الأرض، وكان من أشدّ الملائكة اجتهاداً، وأكثرهم علماً، وكان يَسُوسُ ما بين السَّماء والأرض، فرأى لنفسه بذلك شرفاً وعظمةً، فذلك الذي دعاه إلى الكُفْرِ، فعصى الله، فمسخه شيطاناً رجيماً» .

стр. 492

قوله تعالى: «أَبَى واسْتَكْبَرَ» . الظاهر أن هاتين الجملتين استئنافيتان لمن قال: فما فعل؟ والوقف على قوله: «إلَاّ إِبْلِيسَ» تام. وقال أبو البقاء: «في موضع نصب على الحال من» إبليس «تقديره: ترك السجود كارهاً له ومستكبراً عنه» . فالوقف عنده على «واستكبر» ، وجوز في قوله: «وَكَانَ مِنَ الكَافِرينَ» أن يكون مستأنفاً، وأن يكون حالاً أيضاً، و «الإباء» : الامتناع؛ قال الشاعر: [الوافر] ٣٨٦ - وَإِمَّا أنْ يَقُولُوا قَدْ أَبَيْنَا ... وَشَرُّ مَوَاطِنِ الحَسَبِ الإبَاءُ وهو من الأفعال المفيدة للنفي، ولذلك وقع بعده الاستثناء المفرّغ قال تعالى: ﴿ويأبى الله إِلَاّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] . والمشهور «أَبِيَ - يَأْبَى» بكسرها في الماضي، وفتحها في المضارعن وهذا قياس، فيحتمل أن يكون من قال: «أَبَى - يَأْبَى» بالفتح فيهما استغنى بمُضَارع من قال «أَبِيَ» بالكسر ويكون من التداخل نحو: «رَكَنَ - يَرْكَنُ» وبابه. واستكبر بمعنى: تَكَبَّرَ، وإنما قدم الإباء عليه، وإن كان متأخراً عنه في الترتيب؛ لأنه من الأفعال الظَّاهرة؛ بخلاف الاستكبار؛ فإنه من أفعال القلوب. قوله: «وَكَانَ» بل: هي هنا بمعنى «صَارَ» ؛ كقوله: [الطويل] ٣٨٧ - بِتَيْهَاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأَنَّهَا ... قَطَا الحَزْنِ قَدْ كَانَتْ فِرَاخاً بُيُوضُهَا أي: قد صارت. ورد هذا ابن فورك وقال: «تردّه الأصول، والأظهر أنها على بابها والمعنى: كان من القوم الكافرين الَّذين كانوا في الأَرْضِ قبل خَلْقِ آدم على ما روي، وكان في علم الله» . فصل في بيان بطلان قول أهل الجبر قال القاضي: هذه الاية تدلُّ على بطلان قول أهل الجبر من وجوه: أحدها: أنهم يزعمون أنه لما لم يسجد لم يقدر على السُّجود؛ لأن عندهم القُدْرَة

стр. 493

على الفعل شرط، فإن من لا يقدر على الشيء لا يقال: إنه أباه. وثانيها: أن من لا يَقْدِرُ على الفعل لا يقال: استكبر بأن لم يفعل، فإنما يوصف بالاستكبار إذا لم يفعل مع أنه لو أراد الفعل لأمكنه. وثالثها: قال: «وكَانَ مَنَ الكَافِرِينَ» ولا يجوز أن يكون كافراً بأن لم يفعل ما لا يقدر عليه. ورابعها: أن استكباره، وامتناعه خلق من الله فيه، فهو بأن يكون معذوراً أولى من أن يكون مذموماً قال: ومن اعتقد مذهباً يقيم العذر لإبليس فهو خاسر الصَّفقة. والجواب: يقال له: صدور ذلك عن «إبليس» لا يخلو، إما أن يكون عن قَصْدٍ ودَاعٍ أو لا. فإن وقع لا عن فاعل، فكيف يثبت الصّانع، وإن وقع العبد فوقوع ذلك القصد عنه إن كان عن قصد آخر فيلزم التسلسل. وإن كان لا عن قَصْدٍ فقد وقع الفعل لا عن قَصْد. [أما إن قلت وقع ذلك الفعل عنه لا عن قصد] وداعٍ، قد ترجّح الممكن من غير مرجّح، وهو يسد باب إثبات الصانع، وأيضاً فإن كان كذلك كان وقوع ذلك الفعل اتفاقياً، والاتفاقي لا يكون في وسعه واختياره، فكيف يؤمر به وينهى عنه، وإن وقع عن فاعل هو الله، فحينئذ يلزمك كل ما أوردته علينا. فإن قيل: هذا منقوض بأفعال الله فإن التقسيم وارد فيها ليس اتفاقية ولا خبراً؟ قلنا: الله - تعالى - واجب الوجود لذاته، وإذا كان كذلك كان واجب الوجود أيضاً في صفاته، وإذا كان كذلك فهو مُسْتَغْنٍ في فاعليته عن المؤثرات والمرجّحات، إذ لو افتقر لكان محتاجاً. فصل في بيان حال إبليس قال قوم: كان «إبليس» منافقاً منذ كان. وقال آخرون: كان كافراً، واستدلوا بقوله: «وضكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ» ؛ لأن كلمة «من» للتبعيض، والحكم عليه بأنه بعض الكافرين يقتضي وجود قوم آخرين من الكفار حتى يكون هو بعضاً منهم، ويؤكده ما روي عن أبي هُرَيْرَةَ قال: إن الله خلق خلقاً من الملائكة، ثم قال لهم: إني خالق بشراً من طين؛ فإذا سوّيته، ونفخت فيه من روحي فَقَعُوا له سَاجِدِينَ. فقال: لا تفعل ذلك، فبعث الله عليهم ناراً، فأحرقتهم، وكان «إبليس» من أولئك الذين أَبْوا.

стр. 494

وقال آخرون: إنّ «كان» ها هنا بمعنى «صار» فيكن معنى الآية صار من الذين وقعوا في الكُفْرِ بعد ذلك، وأنه كان من قبل ذلك مؤمناً، وهذا قول «الأصَمّ» ، وذكر في مثاله قوله تعالى: ﴿المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] فأضاف بعضهم إلى بعض بسبب المُوَافقة في الدين، وأيضاً فإن هذه إضافة لفرد من أفراد الماهية إلى تلك الماهية، وصحّة هذه الإضافة لا تقتضي وجود تلك المَاهِيّة، كما أن الحيوان الذي خلقه الله تَعَالَى أولاً يصح أن يقال: إنه فرد من أفراد الحيوان، لا بمعنى أنه وَاحِدٌ من الحيوانات الموجودة خارج الذهن، بل بمعنى أنهة فرد من أفراد هذه الماهية. واعلم أنه بتفرع على هَذَا أن «إبليس» هل كان أول من كفر بالله؟ والذي عليه الأكثرون أنه أول من كفر بالله. فصل في بيان أن الأمر كان للملائكة كلهم قال الأكثرون: إن جميع الملائكة كانوا مأمورين بالسُّجُودِ لآدم، واحتجوا عليه بوجهين: الأول: أن لفظ المَلَائكة صيغة جمع، وهي تفيد العموم، لا سيما وقد أكدت بأكمل وجوه التوكيد في قوله: «كلّهم أَجْمَعُونَ» . الثاني: أن استثناء «إبليس» منهم، واستثناء الشخص الواحد منهم يدلّ على أن من عدا ذلك الشخص يكون داخلاً في ذلك الحكم، ومن الناس من أنكر ذلك، وقال: المأمور بهذا السُّجود هم ملائكة الأرض، واستعظم أن يكون أكابر الملائكة مأمورين بذلك. وأما الحُكّمّاء فإنهم يحملون المَلَائكة على الجَوَاهر الرُّوْحَانية، وقالوا: يستحيل أن تكون الأرواح السَّمَاوية مُنْقَادة للنفوس الناطقة، والكلام في هذه المسألة مذكور في العقليات.

стр. 495

الجملة من قوله: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجنة﴾ معطوفة على جملة «إذ قُلْنَا» لا على «قلنا» وحده لا خلاف زمنيهما. و «أنت» توكيد للضمير المستكن في «أسكن» ليصح العطف عليه «وزوجك»
следующие страницы →