← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

الاستغراقِ، و «على الذين يتَّقُون» خبرها عند من يُجيزُ إعمالها مقدمة الخبر مطلقاً، أو يرى ذلك في الظَّرْفِ وعديلِهِ. و «مِنْ حِسَابِهِمْ» حالٌ من «شيء» لأنه لو تأخَّر لكان صِفَةً، ويجوز أن تكون مُهْمَلةً إما على لُغَةِ «تميم» وإما على لغة «الحجاز» لِفَواتِ شرطٍ، وهو تقديم خبرها وإن كان طرفاً، وتحقيق ذلك مما تقدَّم في قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢] قوله: «ولَكِنْ ذِكْرَى» فيه أربعة أوجه: أحدهما: أنها مَنْصُوبَةٌ على المَصْدَرِ بفعلٍ مُضْمَرٍ، فَقَدَّرهُ بعضهم أمراً؛ أي: ولكن ذكِّروهم ذِكْرَى، وبعضهم قدَّرَةُ خبراً؛ أي: ولكن يذكرونهم ذكرى. الثاني: أنه مبتدأ خَبَرُهُ محذوف؛ أي: ولكن عليهم ذكرى؛ أي: النهي عن مُجَالَسَتِهِمْ والامتناع منها ذكرى. الرابع: أنه عطفٌ على موضع «شيء» المجرور ب «مِنْ» ؛ أي: ما على المُتَّقين من حسابهم شيء، ولكن عليهم ذكرى، فيكون من عَطْفِ المفردات، وأما على الأوجه السَّابقة فمن عطف الجُمَلِ. وقد رَدَّ الزمخشري هذا الوَجْهَ الرابع، ورَدَّهُ عليه أبو حيان. فأما رَدّ الزمخشري فقال: «ولا يجوز أن يكون عَطْفاً على مَحَلِّ من شيء؛ كقولك:» ما في الدار من أحد ولكن زيد «؛ لأن قوله:» مِنْ حِسَابِهِمْ «يأبَى ذلك» . قال أبو حيَّان: كأنه تَخَيَّلَ أن في العَطْفِ يلزم القَيْدُ الذي في المعطوف عليه، وهو «مِنْ حِسَابِهِم» فهو قيد في «شيء» فلا يجوز عنده أن يكون من عَطْفِ المفردات عطفاً على «من شيء» على الموضع؛ لأنه يصير التقدير عنده: ولكن ذكرى من حسابهم، وليس المعنى على هذا، وهذا الذي تَخَيَّلَهُ ليس بشيء، ولا يلزم في العطف ب «لكن» ما ذكر؛ تقول: ما عندنا رَجُلُ سُوءٍ ولكن رَجُلُ صِدْقٍ، وما عندما رَجُلٌ من تميم ولكن رَجُلٌ من قريش، وما قام من رَجُلٍ عالم ولكن رَجُل جاهل، فعلى هذا الذي قَرَّرْناهُ يجوز أن يكون من عطف الجمل كما تقدم، وأن يكون من عَطْفِ المفرادات والعطف بالواو، ولكن جيء بها للاستدراك. قال شهاب الدِّين: قوله: «تقول: ما عندنا رجل سوء وكن رجل صدق» إلى

стр. 4727

آخر الأمثلة التي ذكرها لا يَرُدُّ على الزمخشري؛ لأن الزمخشري وغيره من أهْلِ اللِّسانِ والأصوليين يقولون: إنَّ العطف ظَاهِرٌ في التشريك، فإن كان في المعطوف عليه قَيْدٌ فالظَّاهِرُ تقييد المعطوف بذلك القَيْد؛ إلَاّ أن تجيء قرينَةٌ صارِفَةٌ، فيُحَالٌ الأمر عليها. فإذا قلت: ضربت زيداً يوم الجمعة وعمراً، فالظاهر اشتراك عمرو مع زيد في الضَّربِ مقيداً بيوم الجمعة، فإن قلت: وعمراً يوم السبت لم يشاركه في قَيْدِهِ، والآية الكريمة من قَبِيلِ النوع الأول؛ أي: لم يؤت مع المعطوف بقرينه تُخْرِجُهُ، فالظاهر مُشَاركَتُهُ للأول في قيده، ولو شاركه في قيده لزم منه ما ذكر الزومخشري، وأما الأمثلة التي أوْرَدَهَا فالمعطوف مُقَيَّدٌ بيغر القيد الذي قيد به الأوَّل، وإنما كان نبغي أن يُمَثِّلَ بقوله: «ما عندنا رجل سوء ولكن امرأة وما عندنا رجل من تميم ولكن صبي» ، فالظاهر من هذا أن المعنى: ولكن امرأة سوء، ولكن صبي من قريش. وقول الزمخشري: «عَطْفاً على محل: من شيء» ولم يقل: عطفاً على لفظه لفائدة حَسَنَةٍ يَعْسُرُ مَعْرفَتُهَا، وهو أن «لكن» حرف إيجاب، فلو عطفت ما بعدها على المجرور ب «مِنْ» لَفْظاً لزم زيادة «من» في الواجب، وجمهور البصريين على عدم زيادتها فيه، ويَدُلُّ على اعتبار الإيجاب في «لكن» أنهم إذا عَطَفُوا بعد خبر «ما» الحجازية أبْطَلُوا النَّصْبَ؛ لأنها لا تعمل في المنتقض النفي، و «بل» ك «لكن» فيما ذكرنا. فصل في النزول روى عن ابن عبَّاسٍ أنه قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] قال المسلمون: لئن كُنَّا كلما استهزأ المشركون بالقرآن، وخاصوا فيه قُمنا عَنْهُم لما قَدَرْنَا على أن نجلس في المسجد الحرامِ، وأن نطوف بالبيت، وهم يخوضون أبداً. وفي رواية: قال المسلمون: فإنا نَخَافُ الإثم حين نتركهم، ولا ننهاهم، فأنزل الله ﴿وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم﴾ أي: ما آثَامِ الخائفين من شيء «ولَكِنْ ذِكُرَى» أي: ذكِّروهم وعِظُوهم بالقرآن، والذِّكْرُ والذِّكْرُ والذِّكْرَى واحد، يريد ذكروهم ذكرى لَعَلَّهم يتقون الخوض إلذا وعَظْتُمُوهُمْ، فرخص في مجالستهم على الوَعْظِ لعلَّهم يمنعهم ذلك من الخوض. وقيل: لعلَّهم يسحيون.

стр. 4728

«اتَّخّذُوا» فيها وجهان: أحدهما: أنها مُتَعَدِّيَةٌ لواحد، على أنها بمعنى «اكتسبوا» و «عملوا» ، و «لهواً ولعلباً» على هذا مفعول من أجله؛ أي: اكتسبوه لأجل اللهو واللعب. قال أبو حيَّان: ويظهر من بعض كلام الزمخشري، وكلام ابن عطية أنَّ «لعباً ولهواً» هوا لمفعول الأوَّل، و «دينهم» هو المفعول الثاني. قال الزمخشري: أي دينهم الذي كان يجب أن يأخذوا به لَعِباً ولهواً، وذلك أن عبادتهم وما كانوا عليه من تَبْحِير البَحَائِرِ وتسييب والسَّوائبِ من باب اللَّهْوِ واللعبن واتِّباعِ هوى النفسن وما هو من جِنْسِ الهَزْلِ لا الحِدِّ، أو اتخذوا ما هولَعِبٌ ولهو من بعادة الأصنام دِيناً لهم، أو اتخذوا دينهم الذي كُلِّفُوُ، وهو دين الإسلام لعباً ولهواً، فتفسيره الأوَّلُ هو ما ذكرناه عنه «. انتهى قال شهاب الدين: وهذا الذي ذَكَرَاهُ إنما ذَكَرَاهُ تفسير معنى لا تفسير إعراب، وكيف يجعلان النكرة مَفْعُولاً أوَّل، والمعرفة مفعولاً ثانياً نم غير داعية إلى ذلك، مع أنهما من أكابر أهْلِ هذا اللسان، وانظر كيف أبرزا ما جَعَلَاهُ مفعولاً أول معرفة، وما جعلاه ثانياً نكرة في تركيب كلامها [يخرج] على كلام العرب، فكيف يظن بهما أن يجعلا النكرة محدثاً عنها، والمعرفة حديثاً في كلام الله تعالى؟ قوله تعالى: و ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا﴾ تحتمل وجهين: أحدهما: أنها مستأنفة. والثاني: أنها عطف على صلة» الَّذين «، أي: الذين اتَّخّذُوا وغرَّتْهُم، وقد تقدم معنى» الغُرُور «في آخر آل عمران.

стр. 4729

وقيل: هنا: غَرَّتْهُمْ من» الغَرّ «بفتح الغين، أي: ملأت أفواههم وأشبعتهم، وعليه قول الشاعر: [الطويل] ٢١٩٩ - وَلَمَّا الْتَقَيْنَا بِالحُلَيْبَةِ غَرَّنِي ... بِمَعْرُوفِهِ حَتَّى خَرَجْتُ أفُوقُ فصل في معنى الآية المُرَادُ من هولاء الذي اتخذوا دينهُمْ لعباً ولهواً، يعني الكفار الذين إذا سَمِعُوا آيات الله استهزءوا بها وتلاعبوا. وقيل: إن الله - تعالى - جعل لك قوم عِيداً واتَّخَذَ كل قوم دينهم؛ أي عيدهم لعباً ولهواً، وعيد المسلمين الصلاة والتكبير، وفعل الخير مثل الجُمُعَةِ والفِطْرِ والنَّحْر. وقيل: إن الكُفَّارَ كانوا يحكمون في دين الله بمجرَّدِ [التشهِّي والتمني مثل تحريم] السَّوائبِ والبَحَائِرِ. وقيل: اتخاذهم الأصنام وغيرها ديناً لهم. وقيل: هم الذين ينصرون الدين ليتوسَّلُوا به إلى أخْذِ المناصِبِ والرِّيَاسَةِ، وغلبة الخَصْمِ، وجمع الأموال، فهولاء الذين [نصروا الدِّين] لأجل الدنيا، وقد حكما لله على الدنيا في سائر الآيات بأنها لَعِبٌ ولَهْوٌ. ويْكِّدُ هذا الوَجْهَ قوله تعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا﴾ . قوله:» وذكِّر بِهِ «أي: بالقرآن، يَدُلُّ له قوله: ﴿فَذَكِّرْ بالقرآن مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] وقيل: يعود على» حِسَابِهِمْ «. وقيل: على «الدّين» أي: الذي يجب عليهم أن يَتَداينُوا، ويعتقدوا بصحته. وقيل: هذا ضمير يفسره ما بعده، وسيأتي إيضاحه. قوله: «أنْ تُبْسَلَ» في هذا وجهان: المشهور - بل الإجماع - على أنه مفعول من أجْلِهِ، وتقديره: مَخَافَة أن تُبْسَلَ، أو كاراهة أن تُبْسَلَ أو ألَاّ تبسل. والثاني: قال أبو حيَّان بعد أن نقل الاتِّفاقَ على المفعول من أجله: «ويجوز عندي أن يكون في موضع جرِّ على البدلِ من الضمير، والضمير مفسّر بالبَدَلِ، ويضمر الإبْسَالُ لما في الإضمار من التَّفْخيمِ، كما أضمروا ضمير الأمْرِ والشَّأنِ، والتقدير: وذكِّرْ

стр. 4730

بارتهان النفوس، وحبسها بما كسبت، كما قالوا:» اللهم صَلِّ عليه الرءوف الرحيم «، وقد أجاز ذلك سيبويه؛ قال: فإن قلت: وضربوني قومك، نَصَبْتَ إلا في قول من قال:» أكلوني البراغيث «أو تحمله على البَدَل من المضمر. وقال أيضاً: فإن قلت:» ضربين وضربتهم قومك، رفعت على التقديم والتأخير إلا أن تجعل هاهنا البدلن كما جعلته في الرفع «. انتهى. وقد روي قوله: [الطويل] ٢٢٠٠ - ... ... ... ... ..... ... ... فاسْتَاكَتْ بِهِ عُودِ إسْحِل بجر» عُود «على البدل من الضمير. قال شهاب الدين: أما تفسير الضمير غير المرفوع بالبدل، فهو قول الأخفش، وأنشد عليه هذا العَجُزَ وأوله: [الطويل] ٢٢٠١ - إذَا هِيَ لَمْ تَسْتَك بِعُودِ أرَاكَةٍ ... تُنُخِّلَ فَاسْتاكَتْ بِهِ عُودِ إسْحِلِ والبيت لطُفَيْلٍ الغَنَوِيّ، يروى برفع» عُود «، وهذا هو المشهور عند النُّحَاةِ، ورفعه على إعمال الأول، وهو» تُنُخِّلَ «، وإهمال الثاني وهو» فَاسْتَاكَتْ «، فأعطاه ضميره، ولو أعمله لقال:» فاستاكت بعود إسحل «، ولا يكن لانكسار البيت، والرواية الأخرى التي استشهد بها ضعيفة جداً لا يعرفها أكثر المُعْرِبينَ، ولو استشهد بما لا خلاف عليه فيه كقوله: [الطويل] ٢٢٠٢ - عَلَى حَالَةٍ لَوْ أنَّ فِي القَوْمِ حَاتِماً ... عَلَى جُودِهِ لَضَنَّ بالمَاءِ حَاتِمِ بجر» حاتم «بدلاً من الهاء في» جوده «، والقوافي مجرور لكان أوْلَى. والإبْسَالُ: الارتهان، ويقال: أبْسَلْتُ ولدي وأهلي، أي أرْتَهَنْتُهُمْ؛ قال: [الوافر] ٢٢٠٣ - وإبْسِالِي بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ ... بَعَوْنَاهُ ولا بِدّمٍ مُرَاقِ

стр. 4731

بَعَوْنَا: جَنَيْنَا والبَعْوُ: الجِنَاية. وقيل: الإبْسَالُ أن يُسْلِمَ الرجل نفسه للهَلَكَةِ وقال الراغب:» البَسْلُ: ضَمُّ الشيء ومنعه، ولتَضَمُّنِهِ معنى الضَّمِّ استعير لتَقَطُّبِ الوَجْهِ، فقيل: هو باسل ومُبْتسلٌ الوجه، ولتضمينه معنى المنع قيل للمُحَرَّم والمرتهن: بَسْلٌ «، ثم قال: والفرقُ بين الحرام والبَسْل أنَّ الحرام عام فيما كان ممنوعاً منه بالقَهْرِ والحكم، والبَسْلُ هو الممنوع بالقَهْرِ، وقيل للشجاعة: بَسَالَة؛ إما لما يوصف به الشجاع من عنُبُوس وَجْهِهِ، ولأنه شديد البُسُورَةِ يقال بسر الرجل إذا استد عبوسه، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢٢] فإذا زاد قالوا بَسَلَ، أو لكونه محرماً على أقرانه، أو لأنه يَمْنع ما حَوْزتِهِ، وما تحت يده من أعدائه والبُسْلَةُ، أجْرَةُ الرَّاقِي مأخوذة من قول الرَّاقي: أبْسَلْتُ زيداً؛ أي: جَعَلْتُهُ مُحَرَّماً على الشيطان، أو جعلته شجاعاً قويَّا على مُدافعتِهِ، و» بَسَل «في معنى» أجَلْ «و» بَسْ «. أي: فيكون حَرْفَ جواب ك «أجل» ، واسم فعل بمعنى اكتف ك «بس» . وقوله «بما» متعلّق ب «تُبْسَلَ» ، أي بسبب، و «ما» مصدرية، أو بمعنى «الذي» ، أو نكرة وأمرها واضح. فصل في معنى التبسل قال مجاهد وعكرمة والسدي: قال ابن عبَّاس: «تُبْسَل» : تَهْلِكُ، وروي عن ابن عباس تُرتهنُ في جَهنَّم بما كسبت في الدنيا، وهو قول الفراء. وقال قتادة: تُحْبَسُ في جهنم. وقال الضحاك: تُحْرَقُ. وقال الأخفش: تُجَازَى. وروي عن ابن عباس: تُفضحُ وقال ابن زيد: تُؤخَذُ. قوله: «لَيْسَ لَهَا» هذه الجملة فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها مُسْتأنَفَةٌ سِيقَتْ للإخبار بذلك. والثاني: أنها في مَحَلِّ رفع صفة ل «نفس» .

стр. 4732

والثالث: أنها في مَحَلِّ نَصْبِ حالاً من الضمير في «كسبت» . قوله: «مِنْ دُون» في «مِنْ» وجهان: أظهرهما: أنها لابْتِدَاءِ الغاية. والثاني: أنها زَائِدَةٌ نقله ابن عطية، وليس بشيءن وإذا كانت لابتداء الغايةِ، ففيما يتعلَّق به وجهان: أحدهما: أنها حالٌ من «وليّ» ؛ لأنها لو تأخَّرَتْ لكانت صِفَةً له فتتعلَّقُ بمحذوف هو حال. الثاني: أنها خبر «ليس» فتتعلَّق بمحذوف أيضاً وهو خبر ل «ليس» ، وعلى هذا فيكون «لها» متعلقاً بمحذوف على البيان، كما تقتدم نظيره، و «من دون الله» فيه حذف مُضَاف أي: من دون عذابه وجزائه وَليّ ولا شفيع يشفع لها في الآخرة. قوله: «وإن تَعْدِلط أي: تَفْتَدِي» كُلَّ عَدْلٍ «: كُلّ فداء، و» كل «منصوب على المصدرية؛ لأن» كل «بحسب ما تضاف إليه هذا هو المشهور، ويجوز نَصْبُهُ على المفعول به؛ أي: وإن تلإسِ يَداهَا كُلَّ ما تَفْدِي به لايُؤخَذُ، فالضمير في» لا يؤخَذُ «على الأوَّل، قال أبو حيَّان:» عائد على المَعْدُولِ به المفهوم من سياق الكلام، ولا يعود إلى المصدر؛ لأنه لا يُسْنَدُ إليه الأخْذُ، وأما في ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨] فبمعنى المَفْدِيَّ به فيصح «انتهى. أي: إنه إنما أسند الأخْذَ إلى العَدْلِ صريحاً في» البقرة «؛ لأنه ليس المراد المصدر، بل الشيء المَفْدِيَّ به، وعلى الثَّاني يعود على» كل عدل «؛ لأنه ليس مصدراً فهو كآية البقرة. وقال ابن الخطيب: ويكن حَمْلُ الأخذ هنا بمعنى القَبُولِ؛ قال تعالى ﴿وَيَأْخُذُ الصدقات﴾ [التوبة: ١٠٤] أي: يقبلها وإذا [ثبت هذا فيُحْمَلُ] الأخذ هاهنا على القبول ويزول المحذور، وفي إسناد الأخْذِ إلى المصدر عبارة عن الفعل يعني يؤخذ مسنداً «إلى» منها لا إلى ضميره أي: لأن العدل بالمعنى المصدري لا يؤخذ، بخلاف قوله: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْل﴾ فإنه المَفْدِيُّ به. قوله: ﴿أولئك الذين أُبْسِلُواْ﴾ يجوز أن يكون «الَّذينَ» خبراً، و «لهم شراب» خبراً ثانياً، وأن يكون «لهم شراب» حالاً؛ إما من الضمير في «أبْسِلواط وإمَّا من الموصول نفسه، و» شراب «فاعلٌ لاعتماد الجار قبله على ذِي الحالِ، ويجوز أن يكون» لهم شراب «مُسْتَأنفاً، فهذه ثلاثة أوجه، ويجوز أن يكون» الذين «بدلاً من» أولئك «أو نعتاً فيتعين أن يكون الجملة من» لهم شراب «خبراً للمبتدأ، فيحصل في الموصُولِ أيضاً ثلاثة

стр. 4733

أوجه؛ كونه خبراً، وأو بدلاً، أو نعتاً فجاءت مع ما قبلها ستة أوجه ستة أوجه في هذه الآية، و» شراب «يجوز رَفْعُهُ من وجهين؛ الابتدائية والفاعلية عند الأخفش، وعند سيبويه أيضاً على أن يكون» لهم «هو خبر المبتدأ أو حالاً، حيث جعلناه حالاً، و» شراب «مُرتفعٌ به لاعتماده على ما تقدَّم، و» ن حميم «صفة ل» شراب «فهو في مَحَلِّ رفع، ويتعلق بمحذوف. و» شراب «فعال بمعنى مفعول ك» طعام «بمعنى» مطعوم «، و» شراب «بمعنى» مشروب «لا يَنْقَاسُ ولا يقال:» أكال «بمعنى» مأكول «ولا» ضراب «بمعنى» مضروب «. والإشارة بذلك إلى الَّذين اتخذوا في قول الزمخشري والحوفي، فلذلك أتى بصيغة الجمع، وفي قول ابن عطية وأبي البقاء إلى الجنْسِ المفهوم من قوله» أن تُبْسَلَ نَفْسٌ «إذ المرادُ به عُمومُ الانْفُسِ، فلذلك أشير إليه بالجمع، ومعنى الآية: أولئك الذين أبسلوا أسلمُوا للهلاكِ بما كسبوا» لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون «.

стр. 4734

المقصود: من هذه الآية الرَّدُّ على عبدةِ الأصنام، وهي مؤكدة لقوله تعالى قبل ذلك: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ [الأنعام: ٥٦] . فقوله: «أنَدْعُوا من دون الله» أي: أنعبد من دون الله النَّافِعِ الضَّارِّ ما لا يَقْدرُ لعى نَفْعِنَا إن عبدناهُ، ولا على ضرنا إن تركناه. قوله: «أنّدْعُوا» استفهام توبيخ وإنكارن والجملة في مَحَلِّ نصب بالقول، و «ما» مفعولة ب «ندعوا» ، وهي موصولة أو نكرة موصوفة، و «مِنْ دون الله» متعلِّقٌ ب «ندعوا» . قال أبو البقاء: «ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير في» يَنْفَعُنَا «ولا معمولاً ل» يَنْفَعُنَا «لتقدُّمهِ على» ما «، والصلة والصفة لا تَعْملُ فيما قبل الموصول والموصوف. قوله:» من الضمير في يَنْفعنَا «يعني به المرفوع العائد على» ما «وقوله:» لا تعمل فيما قبل الموصول والموصوف «يعني: أن» ما «لا تخرج عن هذين القسمين ولكن يجوز أن يكون» من دون «حالاً من» ما «نفسها على قوله؛ إذ لم يجعل المانع من جعله حالاً من ضميره الذي في» يَنْفَعُنَا «إلَاّ صِناعِياً لا معنوياً، ولا فرق بين الظاهر وضميره بمعنى

стр. 4735

أنه إذا جازَ أن يكون حالاً من ظاهره، جاز أن يكون حالاً من ضميره، إلا أن يمنع مَانِعٌ. قوله:» ونُرَدُّ «فيه وجهان: أظهرهما: أنه نَسَقٌ على» نَدْعُوا «فهو داخل في حيِّز الاستفهام المُتَسَلِّطِ عليه القَوْلُ. الثاني: أنه حالٌ على إضمار مبتدأ؛ أي: ونحن نُرَدُّ. قال أبو حيَّان بعد نقله هنا عن أبي البقاء:» وهوضعيف لأضمار المبتدأ، ولأنها تكون حالاً مؤكّدة «، وفي كونها مؤكدة نظرٌ؛ لأن المؤكدة ما فهم معناها من الأوَّلِ، وكأنه يقول: من لازم الدعاء» من دون الله «الارتداد على العقب. قوله:» عَلى أعْقَابِنَا «فيه وجهان: أحدهما: أنه معلّق ب» نُرَدُّ «. والثاني: أنه متعلِّق بمحذوف على أنه حال من مرفوع» نرد «أي: نرد راجعين على أعْقابنا، أو منقلبين، أو متأخرين كذا قدَّرُوهُ، وهو تفسير معنى؛ إذا المُقَدَّرُ في مثله كونٌ مُطلقٌ، وهذا يحتمل أن يقال فيه: إنه حال مؤكدة، و» بعد إذ «مُتعلِّقٌ ب» نُرَدُّ «. [ومعنى الآية: ونرد على أعقابنا إلى الشِّرْكِ مرتدين بعد إذ هدانا الله إلى الإسلام. يقال لكل من أعْرَضَ عن الحق إلى الباطل: إنه رجع إلى خَلْفٍ، ورجع على عَقِبَيْهِ، ورجع القَهْقَرى؛ لأن الأصل في الإنسان الجَهْلُ ثم يترقى ويتعلم حتى يتكاملن ويحصل له العلم. قال تعالى: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة﴾ [النحل: ٧٨] فإذا رجع من العِلْمِ إلى الجَهْلِ مرة أخرى، فكأنه رجع إلى أوَّل أمره، فلهذا السبب يقال: فلان رُدَّ على عقبيه] . قوله «كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ» في هذه الكاف وجهان: أحدهما: أنه نَعْتُ مصدرٍ محذوف؛ أي: نُرَدُّ رَدَّاً مثل ردِّ الذين. الثاني: في مَحَلّ نصب على الحال من مرفوع «نرد» ، أي: نرد مُشْبهينَ الذي استهوته الشياطين، فمن جوَّز تعدُّدّ الحالِ جعلها حالاً ثانية، إن جعل «على أعقابنا» حالاً، ومن لم يُجَوِّزْ ذلك جعل هذه الحال بدلاً من الحال الأولى، أو لم يجعل على أعقابنا حالاً، بل معلّقاً ب «نرد» . الجمهور على «اسْتهْوتْهُ» بتاء التأنيث، وحمزة «اسْتَهْوَاهُ» وهو على قاعدته من الإمالة، والوجهان معروفان مما تقدم في ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: ٦١] وقرأ أبو عبد الرحمن والأعمش: «اسْتَهْوَتْهُ الشَّيْطانُ» بتأنيث الفعل، والشيطان مفرداً.

стр. 4736

قال الكسائي: «وهي كذلك في مصحف ابن مسعود» ، وتوجيه هذه القراءة أنَّا نُؤوِّل المذكربمؤنث كقولهم: «أتته كتابي فاحتقرها» ؛ أي: صحيفتي، وتقدَّم له نظائر. وقرأ الحسن البصري: «الشَّيَاطُون» وجعلوها لَحْناً، ولا تَصِلُ إلى الَّحْنِ، إلا أنها لُغَيّةٌ رديئة، سُمِع: حول بسان فلان بساتون وله سلاطون، ويُحْكَى أنه لما حيكت قراءة الحسن لَحَّنَهُ بعضهم، فقال الفراء: «أي والله يُلحِّنُون الشيخ، ويستشهدون بقول رؤبة» . ولعمري لقد صدق الفراء في إنكار ذلك. والمراد ب «الَّذي» الجِنْسُ، ويحتمل أن يراج به الواحد الفَذُّ. قوله: «في الأرْضِ» فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه مُتعلِّق بقوله: «اسْتَهْوتْهُ» . الثاني: أنه حالٌ من مفعول «اسْتَهْوَتْهُ» . الثالث: أنه حالٌ من «حيران» . الرابع: أنه حالٌ من الضمير المُسْتَكِنّ في «حيران» ، و «حيران» حال إما من «هاء» «استهوته» على أنها بدلٌ من الأولى، وعند من يجيز تعدُّدَهَا، وإما من «الَّذِي» ، وإما من الضمير المستكن في الظرف، و «حيران» مؤنثة «حيرى» ، فلذلك لم يَنْصَرِفُ، والفعل حَارَ يَحَارُ حَيْرةً وحَيَراناً وحَيْرورةً، و «الحيران» المُتَرَدِّدُ في الأمر لا يهتدي إلى مَخْرَجٍ. وفي اشتقاق «اسْتَهْوَتْهُ» قولان: الأول: أنه مشتق من الهُوِيِّ في الأرض، وهو النزول من الموضع العالي إلى الوهدة [السافلة] العميقة [في قعر الأرض] فشبه الله تعالى حال هذا الضَّالِّ به، كقوله: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء﴾ [الحج: ٣١] ولا شكل أن الإنسان حال هُويِّةِ من المكان المعالي إلى الوهْدةِ العميقة يكون في غايةِ الاضْطرابِ والدهشة والحيرةِ. والثاني: أنه مُشْتَقٌ من اتِّباعِ الهَوَى والميل، فإنه من كان كذلك، فإنه ربما بلغ النهاية في الحَيْرَةِ. واعلم أن هذا المثل في غاية الحُسْنِ؛ لأن الذي يَهْوِي من المكان العالي إلى الوَهْدَةِ العميقة، يحصل له كمال التَّرَدُّدِ والدهشة والحيرة؛ لأنه لا يعرف أي موضع يزداد بلَاؤهُ بسبب سقوطه عليه أو يَقِلُّ.

стр. 4737

قوله «لَهُ أصْحَابٌ» جملة في مَحَلّ نصب صفة ل «حيران» ، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في «حيران» ، وأن تكون مستأنفة، و «إلى الهدى» متعلقة ب «يدعونه» ، وفي مصحف ابن مسعود وقراءته: «أتينا» بصيغة الماضين و «إلى الهدى» على هذه القراءة معلّق به، وعلى قراءة الجمهور، فالجملة الأمرية في محل نصب بقول مضمر أي يقوللون: أئتنا والقول المضمر في محل صفة لأسحاب وكذلك «يدعونه» . قالوا: نزلت هذه الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁ فإنه كان يدعو أبَاهُ إلى الكُفْرِ، وأبوه يدعوه إلى الإيمان. وقيل: المراد أن لذلك الكافر الضَّالِّ أصحاباً يدعونه إلى ذلك الضَّلالِ، ويسمونه بأنه هو الهدى، والصحيح الأوَّل. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى﴾ يَزْجُرُ بذلك عن عبادة الأصنام، كأنه يقول: لا تفعل ذلكن فإن الهُدَى هُدَى الله لا هادي غيره. قوله: «وأمِرْنَا لِنُسْلِمَ» في هذه «اللام» أقوال: أحدها: وهو مذهب سيبويه أن هذه اللام بعد الإرادة للقيام، والأمر للذَّهاب، كذا نقل أبو حيَّان ذلك عن سيبويه وأصحابه، وفيه ضَعْفٌ تقدَّم في سورة النساء عند قوله: ﴿يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] . الثاني: أن مفعول الأمر والإرادة محذوف، وتقديره: وأمرنا بالإخلاص لنسلم. الثالث: قال الزمخشري: هي تَعْلِيلٌ للأمر بمعنى أمرنا وقيل لنا أسلموا لأجل أن نسلم. الرابع: أن «اللام» زائدة؛ أي: أمرنا أن نسلم. الخامس: أنها بمعنى «الباء» أي بأن نسلم. السادس: أن «اللام» وما بعدها مفعول الأمر واقعة موقع «أن» أي: أنهما مُتعاقِبَانِ، فتقول: أمرتك لتقوم، وأن تقوم، وهذا مذهب الكوفيين. وقال ابن عطية: ومذهب سبيويه أن «لِنُسْلِمَ» في موضع المفعول، وأن قولك: أمرت لأقوم وأن أقوم بيجريان سواءً وقال الشاعر: [الطويل]

стр. 4738

٢٠٤٤ - أُرِيدُ لأنْسَى حُبَّهَا فَكَأنَّمَا ... تَمثَّلُ لِي لَيْلَى بِكُلِّ طَرِيقِ وهذا ليس مذهب سبيويه، إنما مذهبه ما تقدَّم تحقيقه في «سورة النساء» . قوله «وأنْ أقِيمُوا» فيه أقوال: أحدها: أنها في مَحَلِّ نصب بالقول نَسَقاً على قوله: «إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الهُدَى» أي: قل هذين الشيئين. والثاني: أنه نَسَقٌ على «لنسلم» أي: وأمرنا بكذا للإسلام، ولنقيم الصلاة، و «أن» تُوصل بالأمر كقولهم: كتب إليه بأن قم، حكاه سبيويه وهذا رَأيُ الزَّجَّاج. والثالث: أنه نَسَقٌ على «ائْتِنَا» قال مكي: لأن معناه: «أن ائتنا» ، وهو غير ظاهر. والرابع: أنه مَعْطُوفٌ على مفعول الأمر المقدر، والتقدير: وأمرنا بالإيمان، وبإقامة الصلاة قاله ابن عطية. قال أبو حيَّان: وهذا لا بأس به، إذ لا بُدَّ من تقدير المفعول الثاني ل «أمرنا» ويجوز حذف المعطوف عليه لِفَهْمِ المعنى؛ تقول: أضَرَبْتَ زيداً؟ فيجب نعم وعمراً؛ والتقدير: ضربته وعمراً. وقد أجاز الفراء: «جاءني الذي وزيد قائمان» ، التقدير: الذي هو وزيد قائمان، فحذف «هو» لدلالة المعنى عليه، وهذا الذي قاله أنه لا بأس به ليس من أصول البصريين. و «أما نعم وعمراً» فلا دلالة فيه؛ لأن «نعم» قامت مقام الجملة المحذوفة. وقال مكي قريباً من هذا القول، إلَاّ أنه لم يُصَرِّحْ بحذف المعطوف عليه، فإنه قال: و «أن» في موضع نَصْب بحذف الجارِّ، تقديره: وبأنْ أقيموا، فقوله: وبأن أقيموا هو معنى قول ابن عطية، إلَاّ أن ذلك [أوضحه] بحذف المعطوف عليه. وقال الزمخشري: فإن قلت: علام عطف قوله: «وأن أقيموا» ؟ قلت: على موضع «لنسلم» كأنه قيل: وأمرنا أن نسملم، وأن أقيموا. قال أبو حيَّان: وظاهر هذا التقدير أن «لنسلم» في موضع المفعُولِ الثاني ل «أمرنا» وعطف عليه: «وأن أقيموا» فكتون اللام على هذا زَائِدَةً، وكان قد تقدَّم قبل هذا أن «اللام» تعليل للأمر، فتناقض كلامه؛ لأن ما يكون عِلَّةً يستحيل أن يكون معفولاً،

стр. 4739

ويدلُّ على أنه أراد بقوله: «أن نسلم» في موضع المفعول الثاني قوله بعد ذلك: ويجوز أن يكون التقدير: وأمرنا لأن نسلم، ولأن أقيموا، أي للإسلام ولإقامة الصلاة، وهذا قول الزَّجَّاجِ، فلو لم يكن هذا القول مغايراً لقوله الأوَّل لاتَّحَدَ قَوْلَاهُ، وذلك خُلْفٌ. قال الزَّجَّاج: «أن أقيموا» عطف على قوله «» لنسلم «، تقديره: وأمرنا لأن نسلم، وأن أقيموا. قال ابن عطية: واللَّفْظُ يُمانِعُهُ، لأن» نسلم «معرب، و» أقيموا «مبني، وعطف المبني على المعرب لا يجوز، لأن العطف يقتضي التَّشْرِيكَ في العامل. قال أبو حيان: وما ذكر من أنه لا يعطف المبني على المعرب ليس كما ذكر، بل يجوز ذلك نحو:» قام زيد وهذا «، وقال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ النار﴾ [هود: ٩٨] غَايَةُ ما في الباب أن العامل يُؤثِّرُ في المعرب، ولا يُؤثِّرُ في المبني، وتقول:» إن قام زيد ويقصدني أكرمه «، ف» إن «لم تُؤثِّرْ في» قام «؛ لأنه مبني، وأثرت في» يقصدني «؛ لأنه معرب ثم قال ابن عطية:» اللهم إلا أن تجعل العطف في «إن» وحدها، وذلك قلق، وإنما يَتَخَرَّجُ على أن يقدر قوله: «وأن أقيموا» بمعنى «ولنقم» ، ثم خرجت بلفظ الأمر لما في ذلك من جزالةِ اللفظ، فجاز العطفُ على أن يلغي حكم اللفظ، ويعول على المعنى، ويشبه هذا من وجهة ما حكاهُ يونس عن العرب: ادخلوا الأوَّل فالأوَّل، وإلا فلا يجوز إلَاّ الأول فالأوَّل بالنصب «. قال أبو حيَّان: وهذا الذي استدركه بقوله: «اللهم إلا» إلى آخره هو الذي أراده الزَّجَّاج بعينه، وهو «أن أقيموا» معطوف على «أن نسلم» ، وأن كليهما عِلَّةٌ للمأمور به المحذوف، وإنما قلق عند ابن عطية؛ لأنه أراد بقاء «أن أقيموا» على معناها من موضوع الأمر، وليس كذلك؛ لأن «أنْ» إذا دخلت على فعل الأمر، وكانت المصْدَرِيَّةَ انْسَبَكَ منها ومن الأمر مصدر، وإذا انْسَبَكَ منهما مصدر زال معنى الأمر، وقد أجاز النحويون سيبويه وغيره أن تُوصَلَ «أن» المصدرية الناصبة للمضارع بالماضي والأمر. قال سيبويه: وتقول: كتبت إليه بأن قم، أي بالقيام، فإذا كان الحكم كذا كان قوله: «لنسلم» و «أن أقيموا» في تقدير الإسلام ولإقامة الصلاة، وأما تشبيه ابن عطيَّة له بقوله: ادخلوا الأوَّل فالأول: بالرفع، فليس بتشبيهح لأن ادخلوا لايمكن لو أزيل عنه الضمير أن يتسلَّطَ على ما بعده، بخلاف «أنْ» فإنها تُوصَلُ بالأمرِ، فإذن لا شبه بينهما انتهى.

стр. 4740

أما قول أبي حيَّان: «وإنما قلق عند ابن عطية؛ لأنه أراد بقاء» أنْ أقيموا «على معناها من موضوع الأمر» ، فليس القلقُ عنده لذلك ققط كما حصره الشيخ، بل لأمر آخر من جهة اللفظ، وهو أن السِّيَاقَ التَّرْكِيبِيَّ يقتضي لعى ما قاله الزجاج أن يكون «لنسلم وأن نقيم» ، فتأتي في الفعل الثاني بضمير المتكلم، فلما لم يقل ذلك قلق عنده، ويدلُّ على [ما ذكرته] قول ابن عطية: «بمعنى: ولنقم ثم خرجت بلفظ الأمر» إلى آخره. والخامس: أنه مَحْمُولٌ على المعنى؛ إذا المعنى قيل لنا: أسْلِمُوا وأن أقيموا. وقال الزجاج: فإن قيل: كيف حَسُنَ عطف قوله: «وأن أقيموا الصلاة واتقوه» على قوله «وأمِرْنَا لِنُسلمَ لِرَبِّ العالمينَ» ؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن يكون التقدير: وأمرنا لنسلم لرب العالمين، ولأن نقيم الصلاة. الثاني: أن يكون التقدير: وأمرنا فقيل لنا أسلموا لربِّ العالمين، وأقيموا الصَّلاة. فإن قيل: هَبْ أن المُرَادَ ما ذكرتم، لكن ما الحِكْمَةُ في العُدُولِ عن هذا اللَّفْظِ الظَّاهِرِ، والتركيب الموافق للعقل إلى ذلك اللفظ الذي لا يهتدي العقل إلى معناه، إلَاّ بالتأويل؟! . فالجواب: لأن الكافر ما دام [يبقى] على كُفْرِهِ كان كالغَائبِ الأجنبي، فلا جرم خُوطِبَ بخطاب الغائبين، فيقال له: «وأمِرْنَا لِنُسلِمَ لِرَبِّ العَالمينَ» فإذا أسلم [وآمن] ودخل في الإيمان صار كالقريب الحاضرن فلا جرمَ خُوطِبَ بخطاب الحاضرين، ويقال له «وأنْ أقيمُوا الصَّلاة وأتَّقُوُ» فالمقصود من ذِكْرِ هذهين النوعين من الخطاب للتنبيه على الفَرْقِ بين حالتي الكُفْرِ والإيمان، وتقريره أن الكافر بعيد غائب، والمؤمن قريب حاضر. فصل في أنه لا هدى إلا هدى الله اعلم أن الله - تعالى - لما بيَّن أوَّلاً أن الهُدَى النافع هو هدى اللهن أرْدَفَ ذلك الكلام الكُلِّيَّ بِذكْرِ أشرف أقْسَامِهِ على الترتيبن وهو الإسلام، وهو رئيس الطاعات الروحانية، والصلاة التي هي رَئِيسَةُ الطاعات الجِسْمَانِيَّةِ، والتقوى التي هي رئيسة باب التروك والاحتراز عن كل ما لا ينبغي، ثم بيَّن منافع هذه الأعمالن فقال: «وهُو الَّذي إليْهِ تُحْشرونَ» يعني أن منافع هذه الأعمال إنما تظهر في يوم الحشر.

стр. 4741

لمَّا بيَّن في الآيات المتقدمة فساد طريقة عبادة الأصنام ذكر هاهنا ما يدل على أنْ لا معبود إلَاّ الله، وذكرها هاهنا أنواعاً من الدلائل: أحدهما: قوله: ﴿وَهُوَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بالحق﴾ تقدم أول السورة. وقوله: «بالحق» قيل: الباء بمعنى اللام، أي إظهار للحق؛ لأنه جعل صُنْعَهُ دليلاً على وحدانيته، فهو نظير قوله: ﴿رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾ [آل عمران: ١٩١] ، وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] . وثانيها: قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ﴾ في «يوم» ثمانية أوجه: أحدهما: - وهو قول الزَّجَّاج - أنه مفعول به لا ظرْفٌ، وهو معطوف على الهاء في «اتقواه» أي: واتقوا يوماً أي: عقاب يوم يقول، أو هوله أو فزعه، فهو كقوله تعالى في موضع آخر: ﴿واتقوا يَوْماً لَاّ تَجْزِي﴾ [البقرة: ٤٨] على المشهور في إعرابه. والثاني: أنه مفعول به أيضاً، ولكنه نَسَقٌ على السموات والأرض، أي: وهو الذي خَلَقَ يوم يقول. الثالث: أنه مفعول ل «اذكر» مقدراً. الرابع: أنه منصوب بعامل مقدر، وذلك العامل المُقّدَّرُ مفعول فعل مقدر أيضاً، والتقدير: واذكروا الإعادة يوم يقول: كن، أي يوم يقول الله للإجساد: كوني مُعَادَةً. الخامس: أنه عَطْفٌ على موضع قوله: «بالحق» فإن موضعه نَصْبٌ، ويكون «يقول» بمعنى قال ماضياًن كأنه قيل: وهو اذي خلق السموات والأرض بالحق ويوم قال لها: كن. السادس: أن يكون «يوم يقول: كن فيكون، وإليه ننحا الزمخشري، فإنه قال:» قوله الحق «مبتدأ، و» يوم يقول «خبره مقدماً عليه، وانْتِصَابُهُ بمعنى الاستقرار، كقولك:» يوم الجمعة القتال «واليوم بمعنى الحينِ، والمعنى: أنه خلق السموات والأرض قائماً بالحكم، وحين يقول لشيء من الأشياء: كن فيكون ذلك الشيء قوله الحق والحكمة. فإن قيل: قول الله حَقّ في كل وقت، فما الفائدةُ في تخصيص هذا اليوم بهذين الوصفين؟ فالجواب: لأن هذا اليوم لا يَظْهَرُ فيه من أحَدٍ نَفْعٌ ولا ضر، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ ﴿والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] فلهذا السبب حَسُنَ هذا التخصيص.

стр. 4742

السابع: أنه مَنْصُوبٌ على الظرف، والناصب له معنى الجملة التي هي» قوله الحق «أي: حق قوله في يوم يقول: كن. الثامن: أنه مَنْصُوبٌ بمحذوف دلَّ عليه بالحق. قال الزمخشري: وانْتِصَابُ اليوم بمحذوف دلَّ عليه قوله:» بالحق «، كأنه قيل:» وحين يكون ويقدر يقوم بالحق «قال أبو حيان:» وهذا إعراب مُتَكَلَّفٌ «. قوله:» فيكون «هي هنا تامَّةٌ، وكذلك قوله:» كُنْ «فتكتفي هنا بمرفوع، وتحتاج إلى منصوب، وفي فاعلها أربعة أوجه: أحدها: أنه ضمير جميع ما يخلقه الله - تعالى - يوم القيامة، كذا قَيَّدَهُ أبو البقاء بيوم القيامة. وقال مكي: «وقيل: تقدير المضمر في» فيكون «جميع ما أراد» ، فأطلق ولم يُقَيِّدْهُ وهذا أوْلَى وكأن أبا البقاء أخذ ذلك من قرينة الحال. الثاني: أنه ضمير الصُّور المنفوخ فيها، ودَلَّ عليه قوله: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور﴾ [طه: ١٠٢] . الثالث: هو ضمير اليوم؛ أي: فيكون ذلك اليوم العظيم. الرابع: أن الفاعل هو «قوله» و «الحق» صفته؛ أي: فيوجد قوله الحق، ويكون الكلام على هذا تامَّا على «الحق» . قوله «قولهُ الحَقُّ» فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، و «الحق» نعته، وخبره قوله: «يوم يقول» . والثاني: أنه فاعلٌ لقوله: «فيكون» و «الحق» نعته أيضاً، وقد تقدَّم هذان الوجهان. الثالث: أن «قوله» مبتدأ، و «الحق» خبره أخبر عن قوله بأنه لا يكون إلَاّ حقَّا. والرابع: أنه مبتدأ أيضاً، و «الحق» نعته، و «يوم يُنفَخُ» خبره وعلى هذا ففي قوله: «وله الملك» ثلاثة أوجه: أحدها: تكون جُمْلَةً من مبتدأ وخبر معترضة بين المبتدأ وخبره، فلا محل لها حنئيذ من الإعراب. والثاني: أن يكون «الملك» عطفاً على «قوله» و «أل» فيه عوض عن الضمير، و «له» في محلِّ نصب على الحال من «الملك» العامل فيه الاسْتِقْرَارُ، والتقدير: قوله الحق، وملكه كائناً له يوم ينفخ، فأخبر عن القول الحق والملك الذي لله بأنهما كائنانِ في يوم ينفخ في الصُّورِ.

стр. 4743

الثالث: أن الجملة من «وله الملك» في محل نصبٍ على الحال، وهذا الوجه ضعيف لشيئين: أحدهما: أنها تكون حالاً مؤكّدة، والأصل أن تكون مؤسّسة. الثاني: أن العامل فيها معنوي؛ لأنه الاستقرار المُقَدَّرُ في الظرف الواقع خبراً، ولا يجيزه إلا الأخفش، ومن تابعه، وقد تقدَّم تقرير مذهبه. قوله: «يَوْمَ يُنْفَخُ» فيه ثمانية أوجه: أحدها: أنها خبر لقوله تعالى: «قوله الحق» ، وقد تقدم تحقيقه. الثاني: أنه بَدَلٌ من «يوم يقول» فيكون حُكْمُهُ ذاك. الثالث: أنه طرف ل «تحشرون» أي: وهو الذي إليه تحشرون في يوم يُنْفَخُ في الصور. الرابع: أنه منصوب بنفس المُلْك، أي: وله المُلْكُ في ذلك اليوم. فإن قيل: يلزم من ذلك تقييد الملك ب «يوم النَّفْخ» ، والملك له كل وقت. فالجواب: ما تقدم في قوله «الحق» ، وقوله: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم﴾ [غافر: ١٦] وقوله: ﴿والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانقطار: ١٩] وهو أن فائدة الإخبار بذلك أنه أثبت المُلْكَ والأمْرَ في يوم لا يمكن لأحد أن يدعي فيها شيئاً من ذلك. الخامس: أنه حالٌ من المُلْكِ، والعامل فيه «له» لما تضمنه من معنى الفعل. السادس: أنه منصوب بقوله: «يقول» . السابع: أنه مَنْصُوبٌ بعالم الغيب بعده. الثامن: أنه منصوبٌ بقوله تعالى: «قوله الحق» فقد تحصَّل في كل من اليومين ثمانية أوجه. والجمهور على «يُنْفَخُ» مبنياً للمفعول بياء الغيبة، والقائم مقام الفاعل الجار بعده. وقرأ أبو عمرو في رواية عبد الوارث: «نَنْفُخُ» بنون العظمة مبنياً للفاعل. والصُّورُ: الجمهور على قراءته ساكن العين وقرأه الحسن البصري بفتحها. فأما قراءة الجمهور، فاختلفوا في معنى «الصُّور» [فيها] فقال جماعة الصور: جمع «صُورة» كالصُّوف جمع «صوفة» ، والثوم جمع «ثومة» ، وهذا ليس جمعاً صِنَاعيَّا،

стр. 4744

وإنما هو اسم جنس، إذ يفرق بينه وبين واحد بتءا التأنيث، وأيَّدُوا هذا القول بقراءة الحسن المتقدمة. وقال جماعة: الصُّور هو القَرْنُ. قال مجاهد كَهَيْئَةِ البُوقِ، وقيل: هو بلغة أهل اليمن، وأنشدوا: [السريع أو الرجز] ٢٢٠٥ - نَحْنُ نَطَحْنَاهُمْ غَدَاةَ الجَمْعَيْن ... بِالشَّامِخَاتِ فِي غُبَارِ النُّقْعَينْ نَطْحاً شَدِيداً لا كَنَطْحِ الصُّورَينْ ... وأيَّدُوا ذلك بما ورد في الأحاديث الصحيحة، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ َ قال: ما الصُّورُ؟ قال:» قَرْنٌ يُنْفَخُ فيهِ «وعن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ َ قال:» كَيْفَ أنْعَمُ وصَحِبُ الصُّورِ قَد التَقَمهُ وأصْغَى سمْعَهُ وَحَتَى جَبْهَتهُ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤمَرٍُ «. فقالوا: يا رسول الله وما تأمرنا؟ فقال:» قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ «. وقيل في صفته: إنه قَرْنٌ مستطبل في أبخاش، وأن أرواح الناس كلهم فيه، فإذا نفخ فيه إسرافيل خرجت رُوحُ كُلِّ جسدٍ من بخش من تلك الأبخاش. وأنحى أبو الهيثم على من ادَّعى أن الصور جمع» صُورة «، فقال:» وقد اعترض قوم فأنكروا أن يكون الصور قَرْنَاً كما أنكروا العَرْشَ والميزان والصراط، وادَّعُوا أن الصور جمع «صورة» ، كالصوف جمع الصوفة، ورووا ذلك عن أبي عُبَيْدة، وهذا خطأ فاحش، وتحريف لكلام الله عن مواضعهِ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] و «نفخ في الصور» فمن قرأها: و «نفخ في الصور» أي بالفتح، وقرأ «فأحْسَنَ صُوْركم» أي بالسكون فقد افترى الكذب على الله وكان أبو عبيدة صاحب أخبار غريبة ولم يكن له معرفة بالنحو «. قال الأزْهَرِيُّ: قد احتج أبو الهيثم فأحسن الاحتجاج، ولا يجوز عندي غير ما ذهب إليه، وهو قول أهل السنّة والجماعة انتهى. [قال السمين: ولا ينبغي أن ينسب ذلك إلى هذه الغاية التي ذكرها أبو الهيثم] . قال ابن الخطيب ومما يقوِّي هذا الوجه أنه لو كان المارد نفخ الروح في تلك الصورة لأضاف ذلك إلأى نَفْسِه، لأن نَفْخَ الأرواح في الصور يضيفه الله إلى نفسه؛ كقوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] وقال: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ [

стр. 4745

التحريم: ١٢] وقال ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] ، وأما نفخ الصور بمعنى النَّفخ في القَرْنِ، فإنه تعالى يضيفه لا إلى نفسه كا قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور﴾ [المدثر: ٨] وقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلَاّ مَن شَآءَ الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُون﴾ [الزمر: ٦٨] . وقال الفراء: «يُقَال: نفخ في الصور، ونفخ الصور» ، وأنشد: [البسيط] ٢٢٠٦ - لَوْلَا ابْنُ جَعْدَةَ لَمْ يُفْتَحْ قُهَنْدُزُكُمْ ... ولا خُرَاسَانُ حَتَّى يُنْفَخَ الصُّورُ قوله: «عَالِمُ الغيْبِ» في رفعه أربعة أوجه: أحدها: أن يكون صِفةً ل «الذي» في قوله: «وهو الذي خلق» ، وفيه بُعْدٌ لطُولِ الفَصْلِ بأجنبي. الثاني: أنه خبر مضمر أي: هو عالم. الثالث: أنه فاعل لقوله: «يقول» أي: يوم يقول عالم الغيب. والرابع: أنه فاعل بفعل محذوف يَدُلُّ عليه الفعل المبني للمفعول؛ لأنه لما قال: «ينفخ في الصور» سأل سَائِلٌ فقال: من الذي يَنْفُخُ فيه؟ فقيل: «عَلِمُ الغَيْبِ» ، أي: ينفخ فيه عالم الغيب، أي: يأمر بالنَّفْخِ فيه لقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٦، ٣٧] أي: تُسَبِّحُهُ. ومثله أيضاً قول الآخر: [الطويل] ٢٢٠٧ - لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ ... وَمُخْتبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوَائِحُ أي: مَنْ يبكيه؟ فقيل: ضارع، أي: بيكيه ضارع لخصومة. ومثله: ﴿وكذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ المشركين قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] في قراءة من يبني «زُيِّنَ» للمفعول ورفع «قَتْلُ» ، و «شركاؤهم» كأنه قيل: من زَيَّنَهُ لهم؟ فقيل: زَيَّنَهُ شُركَاؤهُمْ، والرفع على ما تقدم قراءة الجمهور. وقرأ الحسن البصري والأعمش: «عالم» بالجر وفيها ثلاثة أوجه: أحسنها: أنه بدل من الهاء في «له» . [الثاني: أنه بدل من «رب العالمين» ، وفيه بُعْدٌ لطول الفصل بين البدل والمبدل منه] .

стр. 4746

الثالث: أنه نعت للهاء في «له» ، وهذا إنما يتمشى على رأي الكسائي حيث يُجِيزُ نعت المضمر بالغائب، وهو ضعيف عند البصريين والكوفيين غير الكسائي. فصل في بيان المقصود من ذكر أحوال البعث أعلم أنه - تعالى - ما ذكر أحوال البعث في القيامة إى وقرَّ فيه أصلين: أحدهما: كونه قادراً على المُمْنكِنَاتِ. والثاني: كونه عالماً بكل المعلومات؛ لأن بقدير: ألَاّ يكون قادراً على كل الممكنات لم يَقْدِرْ على البعث والحشر، وردِّ الأرواح إلى الأجساد، وبتقدير ألَاّ يكون عالماً بجميع الجزئيات لم يَصِحَّ ذلك فيه؛ لأنه ربما اشْتَبَهَ المُطِيعُ بالعاصي والمؤمن بالكافر، فلا يحصل المَقْصُودُ الأصلي من البعث والقيامة، أما إذا ثبت حصول هذهين الصفتين، كمل الغرض، فقوله: ﴿وَلَهُ الملك يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور﴾ يدل على كمال القُدْرَةِن وقوله ﴿عَالِمُ الغيب والشهادة﴾ يدلُّ على كمال العلم، فلزم بمجموعهما أن يكون قوله حقاً وحكمة وصدقاً، وقضاياه مُبَرَّأةً عن الجَوْرِ والعبثِ، ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ الحكيم الخبير﴾ والحكيم: هو المصيب في أفعاله، والخبير: هو العالم بحقائقها من غير اشْتِبَاهٍ. والله أعلم.

стр. 4747

أعلم أنه - تعالى - يَحْتَجُّ كثيراً على مشركي العرب بأحوال إبراهيم ﵇ وذلك لأنه رَجُلٌ يَعْتَرفُ بِفَضْلِهِ جميع الطوائف والملل، فالمشركون كانوا معترفين بفضله، مُتَشَرِّفين بأنهم من أولاده، وسائر الملل تعظمه، فلهذا السبب ذكر الله حالُ في معرض الاحتجاج، والسبب في حصوله هذه المرتبة العظيمة لإبراهيم ﵊ ُ أنّه سلَّمَ قلبه للعرفانن ولسانهُ للبرهان، وبَدنَهُ للنيران، وولدَهُ للقربان، ومَالهُ للضِّيفانِ. أما تسليم قلبه للعرفان، فهو قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمين﴾ [البقرة: ١٣١] . وأما تسليم لسانه للبرهان: فَمُنَاظَرتُهُ مع نمرود، حيث قال: ﴿رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ومناظرته مع الكفار بالفعل حين كسَّر أصنامهم، وجعلها جُذَاذاً، وقوله بعد ذلك: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٦] . وأما تسليم بدنه للنيران: فحين ألْقِيَ فيها. وأما تسليم ولده لِلْقُربانِ: فحين أمر بذبح ولده «فَتَلَّهُ للجَبِينِ» . وأما تسليم ماله للضيفان: فمشهورة. قوله: «وإذا قال» «إذا» منصوب بفعل محذوف، أي: اذكر، وهو معطوف على «

стр. 4748

أقيموا» : قاله أبو البقاء، وقال: في محل خَفْضٍ بالظرف. قوله: «آزَرَ» الجمهور على «آزرَ» ، مفتوح الزاي والراء، وإعرابه حينئذ على أوجه: أحدها: أنه بدلٌ من أبيه، أو عطف بيان له إن كان آزر لَقَباً له، وإن كان صفة له بمعنى المخطئ [كما قال الزجاج] أو المعوج كما قاله الفراء، وسليمان التيمي، أو الشيخ الهرم كما قاله الضحاك فيكون نعتاً ل «أبيه» ، أو حالاً منه بمعنى: وهو في حال اعْوِجَاج أو خطأ، وينسب للزجاج. وإن قيل: إن «آزر» كان اسم صنم كان أبوه يعبده، كما قاله سعيد بن المسيب ومجاهد، فيكون إذ ذاك عطف بيان ل «أبيه» أو بدلاً منه، ووجه ذلك أنه لما لازم عبادته نُبِزَ به وصار لقباً له كما قال بعض المحدثين: [البسيط] ٢٢٠٨ - أدْعَى بِأسْمَاءَ نَبْزاً فِي قَبَائِلِهَا ... كَأنَّ أسْمَاءَ أضْحتْ بَعْضَ أسمَائِي كذا نَسَبَهُ الزمخشري إلى بعض المحدثين، ونسبه أبو حيان لبعض النحويين. قال الزمخشري: «كما نبز ابن قيس ب» الرقيات « [اللاتي كان يُشبِّبُ بهن فقيل: ابن قيس الرُّقَيَّات» ] أو يكون على حذف مضاف، أي ل «أبيه» عابد آزر، ثم حذف المضافن وأقيم المضاف إليه مُقَامَهُ، وعلى هذا فيكون عابد صفة ل «أبيه» أعْرِبَ هذا بإعرابه، أو يكون منصوباً على الذَّمِّ. و «آزر» ممنوع من الصرف، واختلف في عِلِّةِ منعه، فقال الزمخشري: والأقرب أن يكون وزن «آزر» «فاعل» ك «عابر» و «شالخ» و «فالغ» فعلى هذا هو ممنوع للعميّة والعُجْمَةِ. وقال أبو البقاء: ووزنه «أفعل» ولم ينصرف للعُجْمَةِ، والتعريف على قول من لم يشتقه من الأزر أو الوزر، ومن اشْتَقَّهُ من واحد منهما قال: هو عربين ولم يصرفه للتعريف، ووزن الفعل، وهذا الخلاف يشبه الخلاف في «آدم» وقد تقدَّم أن اختيار الزمخشري فيه أنه «فاعل» ك «عابر» ومن جرى على ذلك، وإذا قلنا بكونه صِفَةً على ما قاله الزَّجَّاجُ بمعنى المخطئ، أو بمعنى المعوج، أو بمعنى الهرم، كما قاله الفراء

стр. 4749

والضحاك، فيشكل مَنْعُ صرفه، وسيشكل أيضاً وقوعه صِفَةً للمعرفة. وقد يُجَابُ عن الأول بأن الإشكال قد يندفع بادِّعاءِ وزنه على «أفعل» ، فيمتنع حينئذ للوزن والصفة ك «أحمر» وبابه، وأما على قول الزمخشري فلا يَتَمَشَّى ذلك. وعن الثاني: بأنا لا نُسَلِّمُ أنه نَعْتٌ لأبيه، حتى يلزم وصف المعارف بالنكرات، بل هو منصوب على الذَّمِّ، أو على نِيَّةِ الألف واللام قالهما الزجاج. والثاني ضعيف؛ لأنه حَذَفَ «أل» وأراد معناها؛ إما أن يؤثّر منع الصرف كما في «سحر» ليوم بعينه، ويسمى عدلاً؛ وإما أن يؤثِّر بناءً ويسمى تَضَمناً ك «أمس» وفي «سحر» و «أمس» كلام طويل، ولا يمكن أن يقال/: إن «آزر» امتنع من الصرف كما امتنع «سحر» أي للعدل عن «أل» ؛ لأن العدلَ يمنع فيه مع التعريف، فإنه لوقت بعينه، بخلاف هذا فإنه وصف كما فرضتم. وقرا أبَيُّ بن كعب، وعبد الله بن عباس، والحسن، ومجاهد، ويعقوب في آخرين بضم الراء على أنه منادى حذف حرف ندائه كقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ [يوسف: ٢٩] أو كقوله: [الطويل] ٢٢٠٩ - لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ..... ... ... ... ... ... ... في أحد الوجهين، أي يا يزيد، ويُؤيِّدُهُ ما في مصحف أبيّ: «يا آزر» بإثبات حرفه، وهذا إنما يَتَمَشَّى على دعوى أنه عَلَمٌ، وإما على دعوى وَصْفِيَّتِهش فضعيف؛ لأن حذف حرف النداء يقل فيها كقولهم: [الخفيف] ٢٢١٠ - افْتَدِ مَعْتُوقُ وصَاحِ شَمِّرْ..... ... ... ... ... ... ... . وقرأ ابن عباس في رواسة «أأزْراً» بهمزتين مفتوحتين [وزاي ساكنة] وراء منونه منصوبة، و «تتخذ» بدون همزة استفهام، ولما حكى الزمخشري هذه القراءة لم يسقط همزة الاستفهام من «أتتخذ» فأما على القراءة الأولى، فقال ابن عطية مُفَسِّراُ لمعناها: «أعَضُداً وقُوَّةً ومُظَاهرةً على الله تتَّخّ» ، وهو من قوله: ﴿اشدد بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: ٣١] انتهى.

стр. 4750

وعلى هذا فيحتمل «آزاراً» أن ينتصب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مَفْعُولٌ من أجله و «أصناماً آلهة» منصوب ب «تتخذ» على ما سيأتي بيانه، والمعنى: أتتخذ أصْنَاماً آلهة لأجل القوة والمُظَاهرة. والثانيك أنه ينتصب على الحل؛ لأنها في الأصْلِ صفة ل «أصنافاً» فلما قُدِّمَتْ عليها، وعلى عاملها انتصبت على الحال. والثالث: أن يتصب على أنه مفعنل ثانٍ قُدِّم على عامله، والأصل: أتتخذ أصناماً آلهة آزراً، أي قوة ومُظَاهرةٍ. وأما القراءة الثَّانية فقال الزمخشري: وهو اسم صِنَمٍ، ومعناه أتعبد آزاراً على الإنكار، ثم قال: تتخذ أصناماً آلهة تثبيتاً لذلك وتقريراً، وهو داخل في حكم الإنكار؛ لأنه كاالبيانِ له، فعلى هذا «آزاراً» منصوب بفعل محذوف يَدُلُّ عليه المعنى، ولكن قوله: «وهو داخل في حكم الإنكار» يقوي أنه لم يقرأ «أتتخذ» بهمزة الاستفهام؛ لأنه لو كان معه همزة استفهام لكان مستقلاً بالإنكار، ولم يحتج أن يقول: «وهو داخل في حكم الإنكار، لأنه كالبيان له. وقرأ ابن عبَّاسٍ أيضاً وأبو إسماعيل» أإزراً «بهمزة استفهام بعدها همزة مكسورة، ونصب الراء منونة، فجعلها ابن عطيَّة بدلاً من واو اشتقاقاً من الوزر ك» إسادة «و» إشاح «في:» وسادة «و» وشاح «. وقال أبو البقاءِ: وفيه وجهان: أحدهما: أنَّ الهمزة الثانية فاء الكلمة، وليست بَدَلاً من شيءن ومعناها الثقل وجعله الزمخشري اسم صَنَمٍ، والكلام فيه كالكلام في» أزراً «المفتوح الهمزة وقد تقدم. وقر الأعمش:» إزْراً تَتَّخِذُ «بدون همزة استفهام، ولكن بكسر الهمزة وسكون الزاي ونصب الراء منونة، ونصبه واضح مما تقدَّم، و» تَتَّخِذُ «يحتمل أن تكون المتعدية لاثنين بمعنى التَّصْييريَّةِ، وأن تكون المتعدية لواحد؛ لأنها بمعنى» عمل «، ويحكى في التفسر أنَّ أباه كان ينحتها ويصنعها، والجملة الاستفهامية في مَحَلِّ نصب بالقول، وكذلك قوله:» إنِّي اراك «و» أراك «يحتمل أن تكون المعملية، وهو الظَّاهر فتتعدى لاثنين، وأن تكون بَصَريَّة، وليس بذاك ف» في ضلالها حالٌ، وعلى التقديرين يتعلق

стр. 4751

بمحذوف، إلَاّ أنه في الأوَّل أحد جزئي الكلام، وفي الثَّاني فَضْلَةٌ. «مُبِين» اسم فاعل من «أبان» [لازماً «بمعنى ظَهَرَ، ويجوز أن يكون من المُتَعدِّين والمفعول محذوف، أي: مبين كفركم بخالقكم، وعلى هذا فقول ابن عطية ليس بالفعل المُتعدِّي المنقول من بان يبين غير مسلم، وجعل الضلال طرفاً محيطاً بهم مبالغة في اتِّصِافِهِمْ به، فهو أبلغ من قوله:» أرَاكُمْ ضَالِّينَ «. فصل في اختلاف المفسرين حول» آزر « قال محمد بن إسحاق، والضحاك، والكلبي: آزر اسم أبي إبراهيم ﵇ وهو تارح أيضاً مثل إسرائيل ويعقوب، وكان من» كوثى «قرية من سواد» الكوفة «وقال مقاتل بن حيان وغيره: آزر لقب لأتبي إبراهيم واسمه تارح. وقال سليمان التيمي هو سَبُّ وعيب، ومعناه في كلامهم المعوج. وقيل: معناه الشيخ الهرم بالخوارزمية والفارسية أيضاً وهذان الوجهان مبنيان على من يقول: إن في القرآن ألفاظاً قليلة غير عربية. وقال سعيد بن المسيب، ومجاهد: آزرصنم، وإنما سمي والد إبراهيم به لوجهين: أحدهما: أنه جعل نفسه مُختَصاً بعبادته، ومن بالغ في مَحَبَّةِ أحد، فقد يُجْعَلُ اسم المحبوب اسماً للمحب؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] . الثاني: أن يكون المراد عابد آزر، فحذف المضاف، وأضيف المضاف إليه مُقَامَهُ. وقيل: إن والد إبراهيم ﵊ ُ - كان اسمه تارح، وكان آزر عمَّا له، والعم قد يُطْلَقُ عليه لفظ الأب، كما حكى الله تعالى عن أولاد يعقوب: ﴿نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] . ومعلوم أن إسماعيل كان عمَّا ليعقوب، وقال ﵊ ُ «رُدُّوا عَلَيَّ أبي العبَّاسَ» فكذا هاهنا. قال ابن الخطيب: وهذه التَّكالِيفُ إنما يجب المَصِيرُ إليها إذا دَلَّ قَاهِرٌ على أن والد إبراهيم كا كان اسمه آزر، وهذا الدليل لم يوجد ألبتة، فأي حاجة تحملنا لعى هه التأويلات؟ ومما يَدُلُّ على صِحَّةِ ما قلناه أن اليهود والنصارى والمشركين كانوا في غاية الحِرْصِ على تكذيب الرسول وإظهار النسب.

стр. 4752

فصل في دحض شبهة للشيعة قالت الشيعة: إن أحَداً من آباء الرسول وأجْدَادِهِ ما كان كافراً، وأنكروا كون والد إبراهيم كافراً، وقالوا: إن آزر كان عَمَّ إبراهيم، واحتجوا بوجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين﴾ [الشعراء: ٢١٩] . قيل: معناه أنه كان ينتقل روحه من ساجد إلى ساجد فَدَلَّت الآية على أن آباء محمد ﵇ كانوا مسلمين. وحينئذ يجب القَطْعُ بأن والد إبراهيم كان مسلماً. فإن قيل: قوله: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين﴾ يحتمل وجوهاً: منها: أنه لما نُسِخَ فَرْضُ قيام الليل طَافَ الرسول تلك الليلة على بُيُوتِ أصحابه لينظر ماذا [يصنعون لشدة] حرصه على ما يظهر منهم من الطَّاعاتِ، فوجدها كَبُيُوتِ الزَّنَابير لكثرة ما سمع من أصوات قراءتهم وتسبيحهم وتَهْليلهم، فيحتمل أن يكون المراد من تقلبه في الساجدين طَوَافَهُ في تلك الليلة [على الساجدين] ويحتمل أن يكون المراد صلاته بالجماعة، واختلاطع بهم حال الصَّلاةِ. ويحتمل أن يكون المراد تَقَلُّبَ بَصَرِهِ فيمن يُصَلِّي خلفه لقوله ﵊ «أتِمُّوا الرُّكُوعَ والسُّجود فَإنِّي أرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» . ويحتمل أن يكون المراد أنه لا يخفى حالك على الله - تعالى - كلما أقمت وتقلبت في الساجدين في الاشتغال بأمور الدين. وإذا احتمل ظَاهِرُ الآية هذه الوجوه سقط ما ذكرتم. فالجواب: لفظ الآية يحتمل الكُلِّ، ويحصل المقصود حينئذ، لأن حَمْلَ ظاهر الآية على البَعْضِ ليس بأوْلَى من البَعْضِ ومما يَدُلُّ على أن أحداً من آباء محمد ﵊ ُ ما كانوا مُشْرِكينَ قوله ﵊ ُ: «لَمْ أزَل أُنْقَلُ مِنْ أصْلابِ الطَّاهرينَ إلى أرْحَامِ الطَّاهِرَاتِ» . وقال تعالى: ﴿اا إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] فوجب القول بأن أحداً من أجداده ما كان مشركاً، فوجب القَطْعُ بأن والد إبراهيم كان إنْساناً آخر غير آزر. الحُجَّةُ الثانية: أن إبراهيم ﵊ ُ شَافَهَةُ بالغِلْظَةِ والجَفَاءِ، ومُشَافَهَةُ الأب بذلك لا يجوز، أما مشافهته بالجَفَاءِ والغِلْظَةِ فمن وجهين:

стр. 4753

أحدهما: على قراءة الضم يكون محمولاً على النداءن ونداء الأب بالاسم الأصْلِيّ من أعظم أنواع الإيذاء. وثانهيما: إذا قلنا بأنه المعوج أو المخطئ أو اسم الصَّنم. فتسميته له بذلك من أعْطَمِ أنواع الإيذاء له، وإنما قلنا: إن مشافهة الآباء بالجَفَاءِ والغِلْظَةِ لا تجوز لقوله تعالى: ﴿وقضى رَبُّكَ أَلَاّ تعبدوا إِلَاّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ [الإسراء: ٢٣] وقال تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] وهذا عام في حَقِّ الأب الكافر والمسلم. وأيضاً فلأمره - تعالى - موسى ﵊ ُ حين بعثه إلى فرعون [بالرِّفق مَعَهُ فقال تعالى:] ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾ [طه: ٤٤] وذلك لرعاية حَقِّ تَرْبِيَةِ فرعون لموسى فالوالد أوْلَى بالرِّفْقِ. وأيضاً فالدعوة مع الرِّفْقِ أكثر تأثيراً في القَلْبِ، وأما التغليظ فإنه يوجب التَّنْفيرَ والبُعْدَ عن القَبُولِ؛ قال تعالى لمحمد ﵊ ُ ﴿وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَن﴾ [النحل: ١٢٥] فكيف يليق بإبراهيم مثل هذه الخُشُونة مع أبيه. وأيضاً قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] فكيف يليق بالرَّجُلِ الحليم مثل هذا الجفاءِ مع الأب. الحجة الثالثة: قوله ﵊ ُ: «رُدُّوا عَلَيَّ أبِي العبَّاسَ» يعني عمه. الحجة الرابعة: يحتمل أن آزر كان والدَ أم إبراهيم وقد يقال له: الأب؛ قال تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قوله: ﴿وَعِيسَى﴾ [الأنعام: ٨٥] فجعل عيسى من ذُرِّيَّةِ إبراهيم، مع أن إبراهيم كان جَدَّ عيسى من قبل الأم. وقال ﵊ ُ في حق الحسن «إنَّ ابْنِي هذا» فثبت بهذه الوجوه ان «آزر» ما كان والد إبراهيم. والجواب عن الأوَّل أن نَصَّ الكتاب يَدُلُّ على أن آزر كان كافراً وأنه والد إبراهيم، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ استغفار إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلَاّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . وأما قوله: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين﴾ [الشعراء: ٢١٩] فقد تقدم أنه يحتمل وجوهاً. وقولهم: «وتُحْمَلُ الآية على الكل» فنقول: هذا مُحَال؛ لأن حَمْلَ اللفظ المشترك على جيمع معانيه لا يجوز، وأيضاً حمل اللفظ على حقييقته ومجازه معاً لا يجوز، وأما قوله ﵊ ُ: «لَمْ أزَل أُنْقَل مِنْ أصْلابِ الطَّاهِرِينَ إلى أرحَامِ الطَّاهراتِ» .

стр. 4754

فذلك مَحْمُولٌ على أنه [ما وقع في نَسَبِه] ما كان سِفَاحاً، كما وَرَد في حديث آخر «وُلِدْتُ مِنْ نكاحٍ لا مِنْ سفاحٍ» . وأما قوله: التغليط مع الأب لا يليق بإبراهيم قلت: إنما أغْلَظَ عليه لأجل إصْرَارِهِ على الكُفْرِ، وإلَاّ فهو أول ما رفق به في المُخاطَبةِ، كما ذكر في سورة «مَرْيَمَ» ﴿ياأبت إِنِّي قَدْ جَآءَنِي﴾ [الآية: ٤٣] ﴿ياأبت لَا تَعْبُدِ الشيطان﴾ [مريم: ٤٤] ﴿إني أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرحمن﴾ [مريم: ٤٥] وهذا غاية اللُّطْفِ والرِّفْقِ، فحين أصرَّ على كُفْرِهِ اسْتَحقَّ التغليظ، وقال: ﴿ياإبراهيم لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦] . فصل في تحرير معنى «الصنم» والصَّنَمُ لُغَةً: كل جُثَةٍ صُوِّرَتْ من نُحَاسٍ أو فضَّةٍ وعُبِدَتْ مُتقرِّباً بها إلى اللَّهِ وقيل: ما اتُّخِذَ من صُفْرٍ ورِمُث ونحاس وحجر ونحوها فَصَنَمٌ، وما اتخذ من خَشبٍ فوثَنٌ وقيل بل هما بمعنى واحد. وقيل: الصَّنَمُ معرب من شمن، والصَّنم أيضاً العَبْدُ القوي، وهو أيضاً خبيث الرائحة، ويقال: صنم أي صور، ويضرب به المَثَلُ في الحُسْنِ وقال: [السريع] ٢٢١١ - مَا دُمْيَةٌ مِنْ مَرْمَرٍ صُوِّرَتْ ... أوْ ظَبْيةٌ في خَمَرٍ عَاطِفُ أحْسَنَ مِنْهَا يَوْمَ قَالَتْ لَنَا ... والدَّمْعُ مِنْ مُقْلَتِها وَاكِفُ لأنْتَ أحْلَى مِنْ لَذيذِ الكَرَى ... ومِنْ أمَانٍ نَالَهُ خَائِفُ وقال ابن الأثير: الصَّنَمُ كُلُّ معبود من دون الله تعالى. وقيل: ما كان له جسم أو صورة فهو صنم، وما لم يكن له جِسْمٌ أو صورة فهو وَثَنٌ وشمن.

стр. 4755

«وكذلك» في هذه الآيات ثلاثة أوجه: أظهرها: أنها للتشبيه، وهي في مَحَلِّ نصب نَعْتاً لمصدر محذوف، فقدره الزمخشري: «ومثل ذلك التعريف والتصيير نعرف إبراهيم ونبصره ملكوت» . وقَدَّرَهُ المَهْدَوِيُّ: «وكما هديناك يا محمد أرينا إبراهيم» .

стр. 4756

قال أبو حيان: وهذا بعيدٌ من دلالة اللفظ. قال شهاب الدين: إنما كان بعيداً؛ لأن المحذوف من غير المَلْفُوظِ به، ولو قدره بقوله: «وكما أريناك يا محمد الهداية» ، لكان قريباً لدلالة اللفظ معاً عليه. وقدَّرهُ أبو البقاء بوجهين: أحدهما: قال: «هو نَصْبٌ على إضمار» أرَيْنَاهُ «تقديره: وكما رآه أباه وقومه في ضلال مبين، أريناه ذلكح ما رآه صواباً بإطلاعنا إياه عليه» . الثاني: قال: «ويجوز أن يكون منصوباً ب» نرى «التي بعده على أنه صِفَةٌ لمصدر محذوف؛ تقديره نريه ملكوت السموات والأرض رُؤيةَ كرؤية ضلال أبيه» انتهى. قال شهابُ الدين فقوله: «على إضمار أريناه» لا حاجة إليه ألْبَتَّة، ولأنه يقتضي عدم ارتباط قوله: «نري إبراهيم ملكوت» بما قبله. الثاني: أنها للتَّعْلِيلِ بمعنى «اللام» أي: ولذلك الإنكار الصَّادرِ منه عليهم، والدعاء إلى الله في زَمَنٍ كان يُدْعَى في غير الله آلهة نريه ملكوت. الثالث: أن «الكاف» في مَحَلِّ رفع على خبر ابتداء مضمر، أي: والأمر كذلك، أي كما رآه من ضلالتهم نقل الوجهين الآخرين أبو البقاء وغيره. و «نُرِي» هذا مضارع، والمراد به حكاية حالِ ماضيه، والتقدير: كذا نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض. و «نري» يحتمل أن تكون المُتعدِّية لاثنين؛ لأنها في الأصل بصرية، فأكسبتها همزة النقل مفعولاً ثانياً، وجعلها ابن عطية مَنْقُولةً من «رأى» بمعنى «عرف» ، وكذلك الزمخشري فإن قال فيما قدمت حكايته عنه: «ومثل ذلك التعريف نُعَرِّف» . قال أبو حيان بعد حكايته كلام ابن عطية: «ويحتاج كون» رأى «بمعنى» عرف «ثم يتعدى بالهمزة إلى مفعولين إلى نَقْلِ ذلك عند العربِ، والذي نقل النحويون أن» رأى «إذا كانت بصريَّة تعدَّتْ لمفعول، وإذا كانت بمعنى» علم «الناصبة لمفعولين تعدَّتْ إلى مفعولين» . قال شهابُ الدِّين: والعَجَبُ كيف خص بالاعتراض ابن عطية دون الزمخشري، وهذه الجملة المُشْتَمِلةُ على التشبيه، أو التعليل معترضة بين قوله: «وإذْ قال إبراهيمُ» منكراً

стр. 4757

على أبيه وقومه عبادَةَ الأصنام، وبين الاستدلال عليهم بوحدانية الله - تعالى - ويجوز ألَاّ تكون معترضةً إن قلنا: إن قوله: «فلما» عطف على ما قبله، وسيأتي «والملكوت» مصدر على «فَعَلُوت» بمعنى المُلْك، وبني على هذه الزِّنَةِ، والزيادة للمبالغة. قال القرطبي: وزيدت الواو النافية للمبالغةِ، وقد تقدم ذلك عند ذكر ﴿الطاغوت﴾ [البقرة: ٢٥٦] والجمهور على «ملَكُوت» بفتح اللام. وقرا أبو السَّمَّال بسكونها، وهي لغةن والجمهور أيضاً على «ملكوت» بتاء مثناة. وعكرمة قرأها مثلثة، وقال: أصلها «ملكوثا» باليونانية أو بالنبطية. وعن النخعي هي «ملكوثا» بالعبرانية، وعلى هذا قراءة الجمهور يحتمل أن تكون من هذا، وإنما عُرِّبَتِ الكلمة فَتَلاعَبُوا بها، وهذا كما قالوا في اليهود بأنهم سُمُّوا بذلك لأجل يَهُوذَا بن يعقوب بذال معجمة، ولكن لما عُرَّبَتْهُ العرب أوا بالدَّال المهملة، إلا أن الأحْسَنَ أن يكون مُشْتَقًّا من المُلْكِ؛ لأن هذه الزِّنَةَ وَرَدَتْ في المصادر ك «الرَّغبوت» و «الرَّهَبُوت» و «الرَّحَمُوت» و «الجَبرُوت» و «الطَّاغُوت» وهل يختص ذلك بمُلْكِ الله تعالى أم يقال له ولغيره؟ . فقال الراغب: «والملكُوت مُخْتَصٌ بمُلْكِا لله تعالى وهذا الذي ينبغي» . وقال أبو حيَّان: «ومن كلامهم: له ملكوت اليمن، وملكوت العراق» ، فعلى هذا لا يختص. والجمهور على «نرى» بنون العظمة. وقرئ: «تُري» بتاء من فوق «إبراهيم» نصباً، «ملكوت» رفعاً، أي: تريه دلائل الربوبية، فأسند الفعل إلى الملكوت مُؤوَّلاً بمؤنث، فلذلك أنَّثَ فعله. فصل في المراد بالآية قال ابن عبَّاسٍ، يعني خلق السموات والأرض.

стр. 4758

وقال مجاهد، وسعيد بن جبير: يعني مَلَكُوت السموات والأرض، وذلك أنه أقيمَ على صخرة وكشف له عن السموات والأرض حتى العرش، وأسف الأرضين ونظر إلى مكانه في الجنة فذلك قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدنيا﴾ [العنكبوت: ٢٧] ، أي: أريناه مكانه في الجنة. وروي عن سلمان ورفع بعضهم عن علي لما رأى إبراهيم ملكُوتَ السموات والأرض أبصر رجلاً على فاحشة فدعا عليه فهلك ثم أبصر آخر فأراد أن يدعو عليه فقال له يا إبراهيم إنك رجل مستجاب الدعوة فلا تَدْعُ على عبادي فإنما أنا من عبدي على ثلاث خلال إما أن يتوب فأتوب عليه وإما أن أخرج منه نسمة تعبدني، وإما أن يبعث إليَّ فإن شئت غفرت له وإن شئت عاقبته. وفي رواية عن ابن عباس: وأما من يتولى فإن جهنم من ورائه. وعن القاضي في هذه الرواية من وجوه: أحدهما أن اهل السماء من الملائكة المقرّون، وهم لا يعصون الله. وثانيها: أن الأنبياء لا يدعون بهلاك المُذْنبِ إلا عن أمر الله وإذا أذن الله فيه لم يَجُزْ أن يمنعه من إجابة دعائه. وثالثها: أن ذلك الدُّعاء إما أن يكون صواباً أو خطأ؛ فإن كان صواباً فلم ردَّهُ فيا لمرة الثانية؟ وإن كان خطأ فلم قبلهُ في المرة الأولى؟ ثم قال وأخبار الآحاد إذا وردت على خلاف المعقول وجب التَّوَقُّف فيها. ويمكن أن يجاب عنه بأن الرجل المذنب الذي رآه كان في ملكوت الأرض. وعن الثانية بأنه يحمل أن يكون قد أذن في الدعاء على الأوَّل، ومنع في الثاني للاحتمال الذي ذكره في قوله: «يخرج منه نسمة تعبدني» . وعن الثَّالث أنَّ الدعاء للأول. وقيل: هذه الآراء كانت بعين البصيرةِ والعقل لا بالبصر؛ لأن المَلَكُوتَ عبارة عن الملك، والملك عبارة عن القُدرةِ، والقدرة إنما تعرف بالعقل. فإن قيل: رؤية القَلْبِ على هذا حاصلة لجمعي المُوحِّدينَ؟ .

стр. 4759

فالجواب: أنهم وإن كانوا يعرفون أصل هذا الدليل إلا أن الاطِّلاعَ على آثار حِكْمَةِ الله - تعالى - في كُلِّ واحد من مَخْلُوقاتِ هذا العالم بحسب أجناسها، وأنواعها، وأشْخَاصها، وأحوالها مما لا يحصل إلَاّ لأكَابَر الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام، ولهذا كان ﵊ يقول في دعائه: «اللَّهُمَّ أرِنَا الأشْيَاء كَمَا هِيَ» . فصل في تفسير الملكوت قال قتادةُ: «ملكوت السَّموات» : الشَّمْسُ، والقمر، والنجوم، وملكوت الأرض: الجبال، والشَّجر، والبحار. قوله: «وليكون» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن «الواو» زائدة، أي: نريه ليكون من المؤمنين بالله، و «اللام» متعلقة بالفعل قبلها، إلا أن زيادةَ «الواوِ» ضعيفة ولم يقل بها إلَاّ الأخْفَش ومن تابعه. الثاني: أنها علَّة لمحذوف، وليكون اريناه إياه ذلك، والتقدير: وليكون من الموقنين برؤية مَلَكُوتِ السَّموات والأرض. الثالث: أنها عطف على علَّةٍ محذوفة، أي: ليستدل وليكون، أو ليقيم الحُجَّة على قَوْمِهِ، واليقين: عبارة عن عِلْمِ يحصل بعد زال الشُّبْهِةِ بسبب التَّأمُّلِ، ولهذا المعنى لا يُوصَفُ علم الله بكونه يقيناً؛ لأنّ علمه غير مَسْبُوقٍ بالشبهة، وغير مُسْتَفَادٍ من الفِكْرِ والتأمل.

стр. 4760

قوله: «فَلَمَّا جَنَّ» يجوكزظ أن تكون هذه الجملة نَسَقاً على قوله: «وإذْ قاَلَ إبْرَاهِيمُ» عطفاً للدليل على مدلوله، فيكون «وكَذلِكَ نُرِي إبْرَاهِيمَ» معترضاً كما تقدم، ويجوز أن تكون مَعْطُوفَةً على الجملة من قوله: «وكَذلِكَ نُري إبراهيم» . قال ابن عطيَّة: «الفاء» في قولهك «فَلَمَّا رَابِطَةٌ جملة ما بعدها بما قبلها، وهي ترجح أن المراد بالملكوت التَّفْضِيلُ المذكور في هذه الآية، والأوَّل أحسن، وإليه نحا الزمخشري. و» جَنَّ «: سَتَرَ وقد تقدم اشْتِقَاقُ هذه المادة عند ذكر ﴿الجنة﴾ [البقرة: ٣٥] وهنا خصوصية لذكر الفِعْلِ المسند إلى الليل يقال: جَنَّ عليه الليلن وأجن عليه بمعنى: أظْلَمَ فيستعمل قاصراً، وجَنَّةُ، فيستعمل متعدياً فهذا مما اتفق فيه فَعَلَ وأفْعَلَ لزوماً

стр. 4761

وتعدياً إلا أن الأجْوَدَ في الاستعمال جَنَّ عليه الليلن وأجنه الليل، فيكون الثلاثيّ لازماً وأفعل متعدياً. ومن مجيء الثلاثي متعدياً قوله: [المتقارب] ٢٢١٢ - وَمَاءٍ وَرَدْتُ قُبَيْلَ الكَرَى ... وَقَدْ جَنَّهُ السَّدَفُ الأدْهَمُ ومصدره جَنٌّ وجنان وجنون. وفرق الرَّاغِبُ بين» جَنَّه «و» أجَنَّه «، فقال: جنه إذا سترَهُ، وأجنة جعل له ما يجنه، كقولك: قَبَرْتُهُ وأقْبَرتُهُ، وسَقَيْتُهُ وقد تقدم لك شيء من هذا عند ذكر» حزن «و» أحزن « [البقرة: ٣٨] ويحتمل أن يكون» جنَّ «في الآية الكريمة متعدياً حذف المفعول فيها، تقدير: جَنَّ الأشْيَاء والمبصرات. قوله:» رَألا كَوْكَباً «هذا جواب» لمَّا «، وللقراء فيه وفيما بعده من الفعلين خلافٌ كبير بالنسبة إلى الإمالةِ وعدمها، وتلخيصه أن» رأى «الثابت الألف فأمال رَاءَهُ وهمزته إمالة مَحْضَة الأخوان، وأبو بكر عن عاصم، وابن ذكوان عن ابن عامر، وأمال الهمزة منه فقط دون الراء أبو عَمْرٍو وبكماله، وأمال السوسي بخلاف عنه عن ابن عَمْرٍو الراء أيضاً، فالسوسي في أحد وَجْهَيْهِ يوافق الجماعة المتقدمين، وأمال وَرْشٌ الراء والهمزة بَيْنَ بَيْنَ من هذا الحرف، حيث وقع هذا كله ما لم يَتِّصِلْ به ضمير نحو ما تقدم، فأما إن اتَّصَلَ به ضمير نحو: ﴿فَرَآهُ فِي سَوَآءِ﴾ [الصافات: ٥٥] ﴿فَلَمَّا رَآهَا﴾ [النمل: ١٠] ﴿وَإِذَا رَآكَ الذين﴾ [الأنبياء: ٣٦] ، فابن ذكوان عنه وجهان، والباقون على أصولهم المتقدمة. وأما» رأى «إذا حذفت ألفه فهو على قسمين: قسم لا تعود فيه ألبتة لا وَصْلاً ولا وَقْفاً، نحو: ﴿رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ﴾ [الفرقان: ١٢] ﴿رَأَوُاْ العذاب﴾ [يونس: ٥٤] فلا إمالة في شيء منه، وكذا ما انقلبت ألفه ياءً نحو: ﴿رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ﴾ [الإنسان: ٢٠] . وقِسْمٌ حُذِفَتْ أله لالتِقَاءِ السَّاكنين وصْلاً، وتعود وَقْفاً نحو: ﴿رَأَى الْقَمَرَ﴾ [الأنعام: ٧٧] ﴿رَأَى الشمس﴾ [الأنعام: ٧٨] ﴿وَرَأَى المجرمون النار﴾ [الكهف: ٥٣] ﴿وَإِذَا رَأى الذين ظَلَمُواْ﴾ [النحل: ٨٥] فهذا فيه خلاف أيضاً بين أهل الإمالة اعتباراً باللفظ تارة، وبالأصل أخرى، فأمال الراء وحدها من غير خلاف حمزة وأبو بكر عن عَاصِمٍ والسُّوسي بخلاف عنه وحده، وأما الهمزة فأمَالَهَا مع الراء أبو بكر والسُّوسي بخلاف عنهما، هذا كله إذا وصلت، أما إذا وقفت فإن الألف تَرْجِعُ لعدم المُقْتَضِي لِحَذْفِهَا، وحكم هذا

стр. 4762

الفعل حينئذ حكم ما لم يَتَّصِلْ به سَاكِنٌ فيعود فيه التَّفْصِيلُ المُتدِّم، كما إذا وقفت على» رأى «من نحو: ﴿رَأَى القمر﴾ [الأنعام: ٧٧] . فأمَّا إمالة الرَّاء من «رأى» فلإتباعها لإمالة الهمزة، هكذا عبارتهم، وفي الحقيقة الإمالة إنما هي الألف لانْقِلابها عن الياء، والإمالة أن تنحي بالألف نحو الياء وبالفتحة قبلها نحو الكسرة، فمن ثمَّ أن يقال: أميلت الراء لإمالة الهمزة، وأما تفصيل ابن ذَكْوَانَ بالنسبة إلى اتِّصالِهِ بالضمير وعدمه، فوَجْهُهُ أن الفعل لما اتَّصَلَ بالضمير بعدت ألفه عن الظَّرْفِ، فمل تُمَلْ. ووجه من أمال الهمزة في «رَأى القَمَرَ» مُرَاعَاة للألف وإن كانت محذوفة، إذ حذفها عَارِضٌ، ثم منهم من اقْتَصَرَ على إمالة الهمزة؛ لأن اعتبار وُجُودهَا ضعيفٌ، ومنهم من لم يَقْتَصِرْ أعطى لها حكم الموجودة حَقِيقَةً، فأتبع الراء للهمزة في ذلك. والكوكب: النجم، ويقال فيه كَوْكَبَةٌ. وقال الراغب: «لا يقال فيه أي في النجم: كوكب إلا عند ظُهُوره» . وفي اشتقاقه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه من مادة «وَكَبَ» فتكون الكَافُ زائدةً، وهذا القول قاله الشيخ رضي الدين الصَّغاني قال رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: «حق كَوْكَب أن يُذكَرَ في مادة» وَكَبَ «عن حُذَّاق النحويين، فإنها وردَتْ بكاف زائدةٍ عندهم، إلا أنَّ الجوهري أوردها في تركيب» ك وك ب «ولعلَّه تبع في ذلك اللَّيْثَ، فإنه ذكره في الرباعي ذاهباً إلى أن الواو أصْلِيَّةٌ» . فهذا تصريح من الصَّغَاني بزيادة الكافن وزيادة الكاف عند النحويين لا يجوز، وحروف الزيادة مَحْصُورةٌ في تلك العشرة، فأما قولهم: «هِنْدِيُّ وهِنْدِكيّ» بمعنى واحدٍ، وهو المنسوب إلى «الهند» ، وقول الشاعر: [الطويل] ٢٢١٣ - ومُقْرَبَةٍ دُهْمٍ وَكُمْتٍ كَأنَّهَا ... طَمَاطِمُ مِنْ فَوْقِ الوِفَازِ هَنَادِكُ فظاهر زيادة الكاف، ولكن خَرَّجَهَا النحويون على أنه من باب «سبط وسبطر» أي: مما جاء فيه لَفْظَان، أحدهما أطول من الآخر، وليس بأصْلٍ له، فكما لا يُقَالُ: الراء زائدة باتِّفاقٍ، كذلك هذه الكاف، وكذلك قال أبو حيَّان: «وليت عشري، من حُذَّاق النحويين الذين يَرَوْنَ زيادتها لا سيَّما أول الكلمة» . والثاني: أن الكلمة كُلَّهَا أصُولٌ رباعية مما كُرِّرَتْ فيها الفاء، فوزنها فَعْفَل ك «فَوْفَل» وهو بناء قليل.

стр. 4763

والثالث: ساق الرَّاغب أنه من مادة: كَبَّ وكَبْكَبَ، فإنه قال: والكَبْكَبَةُ تَدَهْوُرُ الشيء في هُوَّة، يقل: كَبَّ وكَبْكَبَ، نحو: كَفَّ وكَفْكَفَ، وصرَّ الريح وصَرْصَرَ. والكواكب النجوم البادية، فظاهر السِّياقِ أن الواو زائدة، واكاف بَدَلٌ من إحدى الياءين وهذا غريب جداً. قوله: «قال هذا ربي» في «قال» ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه استئناف أخبر بذلك القول، أو استفهم عنه على حسب الخلاف. والثاني: أنه نعت ل «كَوْكَباً» فيكون في محلِّ نصب، وكيف يكون نعتاً ل «كوكباً» ولا يساعد من حَيْثُ الصِّناعةِ، ولا من حيث المعنى؟ أما الصِّناعةُ فلعدم الضمير العائد من الجملة الواقعة صِفَةً إلى موصوفها، ولا يقال: إن الرابط حَصَلَ باسم الإشارة؛ لأن من الجملة الواقعة صِفَةً إلى موصوفها، ولا يقال: إن الرابط حَصَلَ باسم الإشارة؛ لأن ذلك خَاصُّ بباب المبتدأ والخبر، ولذلك يكثر حَذْفُ العائد من الصِّفة، ويقلُّ من الخبر، فلا يَلْزَمُ من جوازِ شيء في هذا جوازُهُ في شيء، وادِّعاء حذفت ضمير بعيد، أي قال فيه: هذا رَببَّي، وأمَّا المعنى فلا يُؤدِّي إلى أن التَّقدير: رأى كوكباً مُتَّصِفاً بهذا القَوْلِ، فقيل: هو خبر مَحْضٌ بتأويل ذكره أهْلُ التفسير. وقيل: بل هو على حَذْفِ همزة الاستفهام، أي: أهذا ربي، وأنشدوا: [الطويل] ٢٢١٤ - لَعَمْرُكَ مَا أدْرِي وَإنْ كُنْتُ دَارِياً ... بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمَانِ وقوله: [المنسرح] ٢٢١٥ - أفْرَحُ أرْزَأ الكِرَامَ وَأنْ ... أورَثَ ذَوْداً شَصَائِصاً نَبَلَا وقوله: [الطويل] ٢٢١٦ - طَرِبْتُ وَمَا شَوْقاً إلى البِيضِ أطْرَبُ ... وَلَا لِعِباً مِنِّي وذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ وقوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] قالوا: تقديره أبسبع؟ وأأفرح؟ وأذو؟ وأتلك؟ قال ابنُ الأنْبَارِيّ: «وهذا لا يجوز إلا حَيْثُ يكون ثمَّ فاصلٌ بين الخبر والاستفهام، إن دلَّ دليل لفظي كوجود» أم «في البيت الأول، بخلاف ما بعده» . والأفُولُ: الغَيْبَةُ والذَّهَابُ؛ يقال: أفَلَ يأفُلُ أفُولاً. قال ذو الرمة: [الطويل]

стр. 4764

٢٢١٧ - مَصَابِيحُ لَيْسَتْ باللَّوَاتِي تَقُودُهَا ... نُجُومٌ ولا بالآفلاتِ شُمُوسُهَا والإفَالُ: صِغَارُ الغَنَم. والأفيلُ: الفَصِيلُ الضَّئِيلُ. فصل في بيان رؤية الملك قال أكثر المفسرين: أن مَلِكَ ذلك الزَّمانِ رأى رُؤيا وعبرها المعبرون بأنه يُوَلدُ غلام يكون هلاكُ مُلْكِهِ على يَدَيْهِ، فأمر بذح كُلِّ غلام يُولدُ، فحملت أمُّ إبراهيم به، وما أظهرت حَمْلَهَا للناس، فلما جاءها الطَّلْقُ ذَهَبَتْ إلى كَهْفٍ في جَبَلٍ، ووضعت إبراهيم - علي السلام - وسدَّت الباب بِحَجَرٍ فجاء - جبريل ﵇ وكانت الأمُّ تأتيه أحياناً تُرْضِعُهُ، وبقي على هذه الصفة حتى كَبِرَ وعَقِلَ، وعرف أنه له رَبَّا، فسأل أمه فقال لها: مَنْ رَبي؟ قالت: أنا، فقال: ومَنْ رَبُّك؟ قالت: أبوك فقال: ومن رَبُّ أبي؟ فقالت: مَلِكُ البلد. فعرف إبراهيم ﵊ ُ - جَهَالتها بربها، فنظر من باب ذلك الغارِ ليرى شيئاً يَسْتَدِلُّ به لعى وجو الرَّبِّ فرأى النَّجْمَ الذي كان هو أضْوَءَ نجم في السماء. فقيل: كان المشتري، وقيل: كان الزهرة، فقال: هذا ربِّي إلى آخر القِصَّةِ. ثم القائلون بهذا القول اختلفوا، فمنهم من قال: هذا كان بعد البُلُوغِ، ومنهم من قال: كان هذا قَبْلَ البُلُوغِ والتكليف، واتَّقَقَ أكثر المحققين على فَسَادِ هذا القول. وقالوا: لا يجوز أن يَكُونَ لله رَسُولٌ يأتي عليه وَقْتٌ من الأوْقَاتِ إلا وهو مُوَحِّدٌ به عارف، ومن كُلِّ معبود سواه بَرِيءٌ، وكيف يتوهَّمُ هذا على من عَصَمَهُ الله وطَهَّرَهُ وآتاه رُشدَهُ من قَبْلُ، وأخبر عنه فقال تعالى: ﴿إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] . وأراه ملكوت السَّمواتِ والأرض، أفتراه أراه الملكُوتَ ليُوقِنَ؟ فلما أيْقَن رأى كوكباً قال: «هذا ربي» معتقداً فهذا لا يكون أبداً. واحتجوا بوجوه: أحدها: أن القول بِرُبُبيَّةِ الجماد كُفْرٌ بالإجماع، والكفر لا يجوز على الأنْبِيَاءِ - عليهم الصلاة والسلام - بالإجماع. والثاني: أن إبراهيم ﵊ ُ - كان قد عرف رَبَّهخُ قَبْل هذه الواقعة

стр. 4765

بالدليل؛ لأن أخبر عنه أنه قال قَبل هذه الواقعة لأبيه آزر ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إني أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] . الثالث:؛كي عنع أنه دعا أباه إلى التَّوحيد، وتَرْكِ عبادة الأصْنامِ بالرِّفْقِ حيث قال: ﴿ياأبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يَبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً﴾ [مريم: ٤٢] وحكي في هذا الموضع أنه دعا أباهُ إلى التوحيد، وتَرْكِ عبادة الأصنام بالكلام الخشن، ومن المعلوم أن من دعا غَيْرَهُ إلى الله، فإنه يُقَدِّمُ الرِّقْقَ على العُنْفِ، ولا يخوض في التَّغْلِيظِ إلا بعد اليَأسِ التام، فدلَّ على أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن دعا أباه مراراً، ولا شكَّ أنه إنما اشْتَغَلَ بدعوة أبيه بعد فراغِهِ من مُهْمِّ نفسه، فَثَبَتَ أن هذه الواقعة إنما وَقَعَتْ بعد أن أراه الله مَلَكُوتَ السَّمواتِ والأرض، ومن كان مَنْصِبُهُ في الدِّين كذلك، وعلمه بالله كذلك، فكيف يليق به أن يعتقد ألُوهيَّة الكواكِبِ؟ الرابع: أنَّ دلائل الحُدُوثِ في الأفْلاكِ ظَاهِرَةٌ من وجوه كثيرة، ومع هذه الوجوه الظاهرة كيف يليق بأقلّ العُقلاءِ نَصِيباً من العَقْلِ والفَهْمِ أن يقول بربوبية الكواكب فَضْلاً عن أعْقَلِ العُقلاءِ، وأعْلَمِ العلماء؟ الخامس: أنه قال في صفته ﴿إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١] أي: آتيناه رشده من قَبْلِ أوَّل زمان الفكرة وقوله «وكنا به عالمين» أي بطهارته وكمالهن ونظيره قوله تعالى: ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] . السادس: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السماوات والأرض وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين﴾ [الأنعام: ٧٥] أي: بسبب بتلك الإراءة يكون من الموقنين، ثم قال بعده: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الليل﴾ و «الفاء» تقتضي الترتيب، فدلَّت الفاء في قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الليل﴾ على أن هذه الواقعة حصلت بعد أن صار من الموقنين العارفين بربِّهِ. السابع: أن هذه الواقعة إنما حَصَلَتْ بسبب مُنَاظَرَةِ إبراهيم عليه السلاة والسلام مع قومه، لأنه - تعالى - لما ذكر هذه القصة قال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ على قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] ولم يقل: على نفسه، فعلم أن هذه المُبَاحَثَة إنما جَرَتْ مع قومه؛ لأجل أن يرشدهم إلى الإيمان والتوحيد، لا لأجلِ أن إبراهيم ﵇ كان يطْلُبُ الدِّينَ والمعرفة لنفسه. الثامن: أن قولهم: إن إبراهيم ﵊ ُ -
следующие страницы →