← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

اعلم أنَّ متعلَّق هذا بما قَبْلَه: أنَّه لا يَبْعُد ان بَعْض المُسْلمين كان إسمع قَوْل المُشْرِكين للرَّسُول ﵊ ُ - إنَّما جَمَعْت هذا القُرْآن من مُدارَسَة النَّاس، غَضِب، وشَتَم آلِهَتَهُم المُعَارِضة، فنهي الله - تعالى - عن ذَلِك؛ لأنَّك متى شتمت آلِهَتَهُم، غَضِبُوا، فَرُبَّما ذكر اللَّه ﵎ بِمَا لا يَنْبَغِي، فلذلك وَجَبَ الاحْتِرَاز عن ذَلِك المَقَال، وهَذَا تَنْبِيهٌ على أنَّ الخَصْم إذا شَافَه خَصْمَه بِجَهْل وسفاهِةٍ، لم يَجُزِ لِخَصْمه أن يُشافِهَهُ بمثل ذلك، فإن ذلك يُوجِبُ فتْح باب المُشَاتَمَةِ والسَّفاهَة، وذّلِك لا يَلِيق بالعُقلاء. فصل في المراد بالآية قال ابْن عبَّاس ﵄ لمَّا نزل قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] قال المُشْرِكُون: يا مُحَمَّد، لَتَنْتَهِيَنَّ عن سَب آلهتنا، أو لَنَهْجُرَنّ ربَّك؛ فنزلت هذه الآية، وهَهُنا إشكالان. أحدهما: أن النَّاس اتَّفَقُوا على أن هذه السُّورة نزلت دَفْعَةً واحِدَةً، فكيْف يُمْكن أن يُقال: سبَبُ نُزُول هَذِهِ الآية الكَرِيمة كَذَا.

стр. 4902

والثاني: أن الكُفَّار كانوا مُقِرِّين اللَّهِ - تعالى -؛ لقوله ﵎: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله﴾ [لقمان: ٢٥] وكانوا يَقُولُون: إنّما نَعْبُد الأصْنَام؛ لِتَصير شُفَعَاؤُنَا عِنْد الله، فكيف يُعْقَل إقْدَامهم على شَتمِ اللَّه وسبِّه. وقال السُّدِّيُّ: «لما قربت وفاةُ أبي طالبِ، قالت قُرَيْشُ: ندخل عليه، ونَطْلُب منه أنْ يَنْهَي ابْن أخيه عَنَّا، فإنا نَسْتَحِي أن نَقْتُلَه بعد مَوْته، فَنَقُول العرب: كان يَمْنَعُه عَمُّه، فلما ماتَ، قتلوه؛ فانْطَلَقَ أبو سُفْيَان، وأبُو جَهْلٍ، والنَّضْرُ بن الحَرارِثِ، وأمَيَّةُ وأبَي ابنا خَلَف، وعُقْبَةُ بن أبي معيط، وعَمْرُو بن العَاصِ، والأسْوَد بن أبِي البُخْتُري إليه، وقالُوا: يا أبا طالبٍ، أنت كَبِيرُنا وسيِّدُنا، وإن محمَّداً آذَانَا وآلهتنا، فنحب أن تَدْعُوَه وتنهاه عن ذكْر آلِهَتنا، ولندعه وإلهه، فدعاه، فقال: يا مُحَمُّد، هؤلاء قَوْمُك، وبَنُو عَمِّك يطلُبُوك أن تَتْرُكَهم على دينهم، وأنْ يَتْركُوكَ على دينك، وقد أنْصَفَك قومك، فاقْبَل مِنْهم، فقال النَّبِيُّ ﷺ َ: أرأيْتُم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطيَّ كلمة إن تكلمتم بها مَلَكْتُم بها العرب، ودَانَت لكم بها العَجَم قال أبُو جَهْلِ: نَعَم وأبيك، لَنُعْطِيَنّكَهَا، وعشرة أمْثَالِهَا، فما هي؟ قال:» قولوا: لا إله إلَاّ الله «فأبَوْا ونَفَرُوا، فقال أبُو طالب: قُلْ غَيْرَها يا بابْن أخي، فقال: يا عمَّ، ما أنا بالَّذِي أقُول غَيْرَها، ولَوْ أتَوْني بالشَّمْسِ فَوضَعُوها في يَدِي. فقالوا: لتكُفَّنَّ عن سب آلِهَتِنا، وأو لنَشْتُمَنَّك أو لنشتُمَنَّ من يأمرك بِذلكِ،» فأنْزَل الله - تعالى الآية الكريمة. وفيه الإشكالان، ويمكن الجواب مِن وُجُوه: الأول: أنه رُبَّما كان بَعْضُهُم قائِلاً بالدَّهر ونفي الصَّانع، فيأتي بهذا النَّوْع من الشَّفاعة. الثاني: أن الصَّحابة - ر ضي الله عنهم - متى شَتَمُوا الأصْنَام، فهم كَانُوا يَشْتُمون الرَّسُول ﵊ ُ - فاللَّه - تعالى - أجْرَى شَتْم الرَّسُول مَجْرىللَّه - تعالى -؛ كقوله: ﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ﴾ [الفتح: ١٠] وكقوله: ﴿إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] . الثالث: أنه رُبَّما كان في جُهَالِهم، مَنْ كان يَعْتَقِد أنَّ شَيْطَانَاً يَحْمِلُه على ادِّعاء النُّبُوة والرٍّسالة، ثُمَّ إنَّه لجَهْلِه، كان يُسَمَّى ذلك الشَّيْطان بأنه إله محمَّد، فكان يَشْتم إله محمَّد بناءً على هذا التَّأويل. وقال قتادة: كان المُسْلِمُون يسُبُّون أصْنَام الكُفَّار، فَنهَاهم اللَّه - تعالى - عن ذَلِك؛ لِئَلَاّ يَسُبُّوا اللَّه، فإنهم جَهَلة.

стр. 4903

فإن قيل: شَتْم الأصنام من أصُول الطَّاعات، فكَيْفَ يَحْسُن أن يَنْهَى عَنْه. فالجوابُ: أن هذا الشَّتم وإن كان طَاعَةً، إلَاّ أنَّه إذا وَقَع على وَجْه يستَلْزِم وجُودَ منكر عَظِيم، وجب الاحْتِرَاز مِنْه، والأمر هَهُنا كذلك؛ لأنَّ هذا الشتْم كان يَسْتَلِزم إقْدامهم على شَتْم اللَّه، وشَتْم رَسُوله، وعلى فَتْح باب السَّفاهة، وعلى تَنْفِيرهم عن قُبُول الدِّين، وإدْخَال الغَيْظ والغَضَب في قلوبهم، فَلِهذه المُنْكشرات وقع النَّهْي عنه. قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّه﴾ يجُوز أن يتعلَّق ب «يَدْعُونَ» وأن يتعلَّق بمحذُوفِ على أنَّه حالٌ: إمَّا من الموصُول، وإمَّا من عَائِدِه المَحْذُوف، أي: يَدْعُونهم حَالَ كونهم مستَقِرِّين من دُونِ اللَّه. قوله: «فَيَسُبُّوا» الظَّاهر أنه مَنْصُوب على جواب النَّهي بإضمار أنْ بعد الفَاءِ، أي: «لا تَسُبُّوا آلهتَهُم، فقد يترتَّبُ عليه مَا يَكْرَهُون مِنْ سَبِّ اللَّه» ، ويجُوز أن يكُون مَجْزُوماً نسقاً على فِعْل النَّهْي قَبْلَه؛ كَقَوْلِهم: «لاتَمْدُدْها، فتشُقَّها» وجَازَ وُقُوع «الَّذِين» - وإن كان مُخْتَصًّا بالعُقلاء - على الأصْنَام الَّتِي لا تَعِقْلُ، معاملة لها مُعامَلة العُقلاء؛ كما أوْقَع عليْها «مِنْ» في قوله: ﴿كَمَن لَاّ يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] . قال شهاب الدِّين: وفيه نَظَر؛ لأنَّ «الَّذِي» و «الَّتِي» وسائِر المَوْصُولات ما عَدَا «مَنْ» فإنَّها تدخل على العُقَلاء وغيرهم، تقول: أنت الرُّجُل الَّذِي قَام، ورَأيْت الفَرَس الَّذِي اشْتَرَيته، قال: ويَجُوز أن يَكُون ذَلِك للتَّغُلِيب، لأن المَعْبُود مِن دُون اللَّه عُقلاء؛ ك «المَسِيح» و «عُزَيْر» و «المَلَائِكَة» وغيرهم، [فغلَّب] العَاقِل، وهذا بَعِيدٌ؛ لأنَّ المُسْلِمين لا يسبّون هؤلاء ويَجُوز أنْ يُرَاد بالَّذين يَدْعُون: المُشْرِكين، أي: لا تَسُبُّوا الكَفَرة الَّذِين يَدْعون غَيْر اللَّه من دُون الله، وهو وَجْهٌ وَاضِح. قوله: «عَدْواً» الجُمْهُور على فَتْح العَيْن، وسُكون الدَّال، وتَخْفِيف الواوِ ونصبه من ثلاثة أوْجُه: أحدها: أنه مَنْصُوب على المَصْدَر؛ لأنَّه نوع من العَامِل فِيهِ، لأنَّ السَّبَّ من جِنْس العَدْو. والثاني: أنَّه مَفْعُول من أجْلِه، أي: لأجْل العَدْو، وظاهر كلام الزَّجَّاج: أنه خَلَط القَوْلَين، فجَعَلهُمَا قَوْلاً واحداً، فإنه قال: «وعَدْواً» مَنْصُوب على المَصْدر؛ لأن المعنى فَتَعْدُوا عَدْواً. قال: «ويكُون بإرَادَة اللَاّم» والمعنى «: فيسُبُّوا الله للظُّلْم.

стр. 4904

والثالث: أنَّه مَنْصُوب على أنَّه وَاقِع مَوْقِع الحالِ المُؤكدة؛ لأنَّ السَّبَّ لا يَكُون إلا عَدْواً. وقرأ الحسن، وأبو رجاء، ويعقوب، وقتادة، وسلام، وعبد الله بن زَيْد:» عُدُواً «بضم العَيْن والدَّال، وتشديد الواو، وهو مصدر أيضاً ل» عَدَا «وانتِصَابهُ على ما تقدَّم من الأوجه الثلاثة. وقرا ابن كثير في روايةٍ - وهي قراءة أهْل مَكَّة المشرفة فيما نَقَلَهُ النَّحَّاس:» عَدُوّاً بفتح العَيْن، وضمِّ الدَّال، وتَشْديد الواو، بمَعْنى: أعداء، ونَصْبُه على الحالِ المُؤكدة، و «عَدُوُّ» يجُوز أن يَقَع خبراً عن الجَمْع، قال - تعالى: ﴿هُمُ العدو﴾ [المنافقون: ٤] ، وقال - تعالى -: ﴿إِنَّ الكافرين كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً﴾ [النساء: ١٠١] ، ويُقال: عَدا يَعْدُو عَدْواً، وعُدُواً، وعُدْواناً وعَداءً، و «بغير عِلْم» حَال، أي: «يَسْبُّونه غير عَالِمين» أي: «مُصَاحِبِين للجَهْل» ؛ لأنَّه لو قدَّر حقَّ قَدْره، لما أقْدَموا عليه. فصل في دحض شبهة للمعتزلة ققال الجُبَّائي: دلَّت هذه الآية الكَرِيمة، على أنَّه لا يجُوز أن يُفْعَل في الكُفَّار ما يَزْدَادون به بُعْداً عن الحقِّ، إذ لو جَازَ أن يَفْعَلَه، لجاز أن يَأمر بِه وكان لا ينْهَى عمَّا ذَكَرْنا، ولا يَأمر بالرِّفْق بهم عند الدُّعَاء؛ كقوله لِمُوسَى، ولِهَارُون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ [طه: ٤٤] وذَلِك يُبْطِل مذهب الجَبْرِية. قالوا: وهذه الآية الكريمة تَدُلُّ على أنَّ الأمْر بالمَعْرُوف، قد يقبح إذا أدَّى إلى ارْتِكَاب مُنْكَر، والنَّهْي عن المُنْكَر يَقْبُح إذا أدَّى إلى زيادة مُنْكَر، وغلبة الظَّنِّ قائمة مَقَام العِلْم في هذا البَاب، وفيه تَأدِيب لمن يَدْعُوا إلى الدَّين؛ لئلا يَتَشاغل بما لا فَائِدة لهُ في إلهيَّتِهَا، فلا حَاجَة مع ذَلِك إلى شَتْمِها. قوله: «كَذَلِكَ» : نعت لِمَصْدر مَحْذُوف، أي: زَيَّنَّا لِهؤلاء أعمالهم تزييناً، مثل تَزْييننَا لكلِّ أمَّةٍ عَمَلَهم. وقيل: تقديره: مثل تَزْيين عِبَادة الأصْنَام للمُشْرِكين «زيَّنَّا لكل أمَّةٍ عَمَلهم» وهو قَريب من الأوَّل، والمَعْنَى زينَّا لكل أمَّةٍ عَمَلهم من الخَيْر والشَّر، والطّاعة والمَعْصِية، ثم إلى ربِّهم مَرٍْجِعهم، فيُنَبَّئهم ويجازيهم بما كَانُوا يَعْمَلُون.

стр. 4905

فصل في الاستدلال بالآية احتجَّ أهْل السُّنَّة بهذه الآية الكريمة، على أنَّ اللَّه - تعالى - زيَّن للكَافِر الكُفْر، وللمُؤمِن الإيمان، وللعَاصِي المَعْصِيَة، وللمُطِيع الطَّاعة. قال الكَعْبِي: حَمْل الآية على هَذَا المَعْنَى مُحَال؛ لأنه ﵎ هو الَّذي يَقُول ﴿الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥] ويقول ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النور إِلَى الظلمات﴾ [البقرة: ٢٥٧] ثمَّ إنهم ذكَرُوا في الجوابِ وُجُوهاً: الأول: قال الجُبَّائي: زينَّا لكلِّ أمَّةٍ تقدَّمت ما أمَرْنَاهم به مِنْ قَول الحقِّ. وقال الكَعْبِيَ: إنَّه - تعالى - زيَّن لَهُم ما يَنْبَغِي أن يَعْمَلُوا، وهم لا يَنْتَهُون. الثاني: قال الآخَرُون: زينَّا لكُلِّ أمَّة من أمم الكفار سوء عَمَلهم، أي: جَعَلْنَاهم وشَأنهم، وأمْهَلْنَا حتى حَسُن عِندهم سُوءُ عَمَلِهِم. الثالث: أمْهَلنا الشَّيطان حتى زيَّن لَهُم. الرابع: زيَّناه في زَعْمِهِم، وهذه وجوهٌ ضَعِيفَة؛ لأن الدليل العَقْلي [القَاطِع] دل على صِحَّةِ ما أشْعَر به ظَاهِر النَّصِّ؛ لأنَّا بينَّا أن صدُور الفَعْل عن العَبْد، يتوقُّفُ على حُصُول الدَّاعي، وأن تِلْك الدَّاعية لا بدَّ وأن تكُون بِتَخْلِيق اللَّه - تعالى -، ولا مَعْنى لِتِلْك الدَّاعية إلا عَمَله واعتِقَاده، أو ظَنّه باشْتِمَال ذَلِك الفِعْلِ على نَفْع زَائِد، ومَصْلَحة راجِحَة، وإذَا كانت تلك الدَّاعية حَصَلتْ بفِعْل اللَّه - تعالى -، امتنع أن يَصْدُر عن العَبْد فِعْلٌ، ولا قولٌ، وحَرَكَةٌ، إلَاّ إذا زَيَّن اللَّه - تعالى - ذلك الفِعْل في قَلْبِه، وضميره، واعتِقَاده، وأيضاً، أن الإنْسَان لا يخْتَاره لاعْتِقَاد كَوْنه إيماناً، وعلماً، وصِدقاً، وحقّاً، فلولا سَابقة الجَهْل الأوَّل، لما اخْتار هذا الجَهْل الثاني: ثُمَّ إنه لما اخْتار ذلك الجَهْل السَّابع، فإن كان اخْتِيَار ذلك لسابق آخر، لَزِم أن يَسْتَمِرَّ ذلك إلى ما لا نهاية له من الجهالات، وذلك مُحال؛ فوجَبَ انتهاء تلك الجَهَالات إلى جَهْل أوَّل يَخْلُقه الله - تعالى - فيه ابْتِدَاء، وهو بِسَببِ ذلك الجَهْل ظنَّ في الكُفْر كَوْنه إيماناً، وحقاً وعلماً؛ فثبت إنه يَسْتَحِيل من الكافر اخْتِيَار الكُفْر والجَهْل، إلَاّ إذا زيَّن اللَّه - تعالى - ذلك الجَهْل في قَلْبِه؛ فثبت بِهَذَيْن البُرْهَانَيْن القَاطِعَينْ، أن الَّذي يدلُّ عليه ظَاهِر هذه الآية؛ هو الحقُّ الذي لا محيد عنه، قبطلت تأويلاتهم بأسْرها؛ لأنَّ المصير إلى التَّأويل إنَّما يكون عند تَعَذُّر حمل الكلام على ظَاهِره، وأمَّا لما قال الدَّليل على أنَّه يمكن العُدُول عن الظَّاهِر، فسقطت هذه التَّكْلِيفات، وأيضاً: فوقه: «كذلِك زَيَّنَّا لِكُلِّ أمَّةٍ عَمَلَهُم» بعد قوله: «فَيَسُبُّوا اللَّه عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ» .

стр. 4906

مشعر بِأنَّ إقْدَامهم على ذَلِك المُنْكَر إنَّما كان بِتَزْيين اللَّه تعالى، فأمَّا أنْ يُحْمَل ذلك على أنَّه ﵎ زيَّن الأعْمَال الصَّالحة في قُلُوب الأمَم، فكان هذا كلام مُنْقطع عما قَبْلَه، وأيضاً: فقوله: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ : يتناول الأمم الكَافِرة والمُؤمِنَة، فتَخْصيصُ هذا الكلام بالأمَّة المُؤمِنَة، ترك لِظَاهر العُمُوم.

стр. 4907

قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ الآية الكريمة. لما طَعَنُوا في النُّبُوة بِمُدَارسة العُلمَاء، حتى عَرَف التَّوْراة والإنجيل، ثم جعل السُّور والآياتِ بِهَذا الطَّريف، وأجاب اللَّه - تعالى - عن هذه الشُّبْهَة، ذكر في هذه الآية شُبْهَة لَهُم أخْرَى، وهي أنَّ هذا القرآن العَظيم لَيْس من جِنْس المُعْجِزاتِ البَيِّنَة، ولو أنَّك يا محمَّد جِئْتَنا بِمُعْجِزَة وبيِّنَة بَاهِرة، لآمَنَّا بك وحلفوا على ذلك، وبالغُوا على ذلك تَأكيد الحَلْف. قال الواحدي: إنَّما سُمِّي اليمين بالقَسم؛ لأن اليَمين مَوْضُوعة لِتَأكيد الخَبَر الَّذِي يُخْبرُ به الإنْسَان: إمَّا مُثْبِتاً للشَّيء، وإمَّا نافياً، ولما كان الخبر يَدْخله الصِّدْق والكذِب، احَتَاج المُخبر إلى طريق به يُتَوسَّل إلى تَرْجِيح جَانِب الصِّدْق على جَانِب الكَذب، وذلك هو الحَلْف، ولما كانت الحَاجَةُ إلى ذَكْر الحَلف، إنَّما تَحْصُل بالقَسَم، وبنُوا تِلْك الصِّيغة على «أفْعَل» وقالُوا: أقسم فلانٌ يقسم إقساماً، وأرَادُوا: أنه أكَّد القَسَم الذي اخَتَاره، وأحَال الصِّدْق إلى القَسَم الذي اختارَه بواسِطَة الحَلْفِ واليَمِين. قوله: «جَهْد أيْمَانِهِم» تقدم الكلام عَلَيه في «المائدة» . وقرا طَلْحَة بن مُصَرِّف: «ليُؤمَنَنْ» مَبْنياً للمفعول مؤكّداً بالنون الخفيفة، ومَعْنَى «جهد أيمانهم» : قال الكَلْبِيُّ ومُقَاتِل: إذا حلف الرَّجُل باللَّه جَهْد يَمِينه، وقال الزَّجَّاج: بالَغُوا في الإيْمَان. فصل في سبب النزول قال مُحَمَّد بن كَعْب القُرظي: «قالت قُرَيش: يا مُحَمَّد إنَّك تُخْبِرنا أنَّ مُوسَى ﵊ كانت معه عَصاً يَضْرِ ب بها الحجر، فَيَنْفَجِر منه الماءُ اثْنَتي عَشْرَة عَيْناً،

стр. 4908

وتُخْبِرُنا: أنَّ عيسَى كان يُحْيِي الموْتَى، وأن صَالِحاً أخَرْج النَّاقَة من الجَبَل؛ فأتِنَأ أنْتَ أيْضاً بآيةٍ، لِنُصَدِّقَك. فقال ﵊ ُ -: ما الذي تُحِبُّون؟ قالوا: تَجْعل لنا الصَّفَا ذَهَباً، أو ابْعث لنا بَعْض مَوتَانا حتى نَسْأله عنك؛ أحقُّ ما تَقُول، أمْ بَاطِلٌ، أو أرنا الملائكة يَشْهَدُون ذَلِك، فقال رسُول الله ﷺ َ: فإن فَعَلْت بَعْضَ ما تَقُولُون، أتصدِّقُوننِي؟ قالوا: نَعَمْ واللَّه، لأن فعلْت، لنتَّبِعَنَّكَ، فقام ﵊ ُ - يدعو فَجَاءَهُ جِبْريل ﵊ ُ - وقال: إن شئْت، كان ذَلِك ولَئِنْ كان، فلم يصَدَّقوا عنده، لنُعَذَّبَنهُمْ، وإن شئت تركتهُم حتى يَتُوب تَائِبُهم، فقال ﵊ ُ - بل حتَّى يَتُوب تَائِبُهم،» فأنْزَل الله - تعالى - الآية الكريمة. وقيل: لما نزل قوله - تعالى -: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] ، أقْسَم المُشرِكُون باللَّه، لئمن جَاءَتْهُم آية، ليُؤمِنُنَّ بها، فنزلت الآية الكريمة. واخْتَلَفُوا في المُرَاد بالآية. وقيل: هي الأشْيَاء المذْكُورة في قوله ﵎: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠] . وقيل: إن النَّبِيَّ ﷺ َ كان يُخْبِرُهم: بأنَّ عذاب الاسْتِئْصال كان يَنْزِل بالأمَمِ المَاضية الذين كذَّبُوا أنْبِيَاءَهُم، فالمُشْرِكون طَلَبُوا مِثْلَها. قوله: «إنَّما الآيَاتُ عِنْد اللَّه» ذكروا في لَفْظِةِ «عِنْد» وجوهاً: فقيل: معناه: أنه ﵎ هو المُخْتَصُّ بالقُدْرَة على أمْثَال هذه الآيات دون غَيْره؛ أن المُعجِزَات الدَّالَّة على النُبُّوَّات، شرطها أن لا يَقْدِر على تَحْصيها أحَد إلى الله - تعالى -. وقيل: المُراد بالعِنديَّة: أن العِلْم بأن إيجاد هذه المُعْجِزَات، هل يَقتضي إقْدَام هؤلاء الكُفَّار على الإيمان أم لا؟ ليْس إلا عِنْد اللَّه، كقوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لَا يَعْلَمُهَآ إِلَاّ هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] . وقيل: المراد: أنَّها وإن كانت مَعْدومة في الحالِ، إلا أنَّه - تعالى - متى شَاءَ، أوْجَدَها، فَهِي جَارِيَةٌ مُجْرى الأشْيَاء الموضُوعة عِنْد اللَّه، يُظْهِرهَا متى شاء، وليْس لكُم أنْ تَتَحَكَّموا في طَلَبِها، ولَفْظ «عند» على هذا؛ كما قي قوله: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَاّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١] .

стр. 4909

قوله: «وَمَا يُشْعِرُكُم» «ما» : استِفْهَامِيَّة مُبْتَدأ، والجملة بَعْدَها خَبْرُهَا، وفاعل «يُشْعِر» يعود عَلَيْها، وهي تتعدى لاثْنَيْن. الأوَّل: ضمير الخطاب. والثاني: مَحْذُوف، أي: وأيُّ شَيءْ يدرِيكُم إيمانُهم [إذا جَاءَتْهُم الآيَات التي اقْترَحُوها. قال أبو علي: «مَا» استِفْهَام، وفَاعِل «يُشْعِرُكُم» ضمير «مَا» والمعنى: وما يُدْرِيكم إيمانهم؟ فحذف المَفْعُول، وحذف المفعُول كَثِير] . والمعنى أي: بِتَقْدير أنْ تَجِيئَهم هَذِه الآيَات، فهم لا يُؤمِنُون. وقرأ العامَّة: انها بِفَتْح الهَمْزة، وابن كثيرٍ وأبُو عَمْرو، وأبُوبَكْر بخلاف عنه بِكَسْرِها. فأما قرءاة الكَسْر: فَوَاضِحَة اسْتجودها النَّاس: الخَلِيل وغيْره، لأن معناها: اسْتِنَاف إخْبَار بعدم إيمان من طُبع على قَلْبِه، ولو جَاءَتْهُم كلُّ آيَة. قال سيبويه: سَألْتُ الخَلِيل عن هذه القراءة عين: قِرَاءة الفَتْح فَقُلْت: ما مَنَع أن يكُون كقولك: ما يُدْرِيك أنّه لا يَفْعل؟ فقال: لا يَحْسُن ذلك في هذا المَوْضِع، إنَّما قال: «ومَا يُشْعِرُكم» ثم ابْتِدأ؛ فأوْجَب، فقال: «إنَّها غذا جَاءَت، لا يُؤمِنُون» لو فتحن فقال: «وما يُشْعِرُكُم أنَّها إذا جَاءَتْ لا يُؤمِنُون» ، لكان عُذْراً لهم، وقد شرح النَّاس قَوْل الخَلِيل، وأوْضَحُوه، فقال الواحدي وغيره: لأنَّك لو فَتَحْت «أنّ» وجَعَلْتَها الَّتِي في نَحْو: بَلَغَنِي أنَّ زيداً مُنْطَلِق، لكان عُذْراً لمنَ أخبر عَنْهُم أنَّهم لا يُؤمِنُون؛ لأنَّه إذا قال القَائِل: «إنَّ زَيْداً لا يُؤمِن» فقلت: وما يُدْرِيك أنَّه لا يُؤمِن؟ كان المَعْنَى: أنه يُؤمِن، وإذا كان كذلك، كان عُذْراً لمن نفي عنه الإيمان، وليس مُرادُ الآية الكريمة، إقامة عُذْرهم، ووجود إيمانهم. وقال الزَّمَخْشَري: «وقُرِئ» إنَّها «بالكَسْر؛ على أنَّ الكلام قد تمَّ قبْله بِمَعْنَى:» مَا يُشْعِرُكُم ما يَكُون مِنْهُم «ثمَّ أخبَرَهم بِعِلْمه فِيهِم، فقال: إنَّها إذَا جَاءَت، لا يُؤمِنُون» . وأما قِرَاءة الفَتْح: فقد وَجَّهَها النَّاسُ على سِتَّة أوْجُه: أظهرها: أنَّها بمعنى: لَعَلَّ، حكى الخَلِيل «أتيت السُّوق أنَّك تَشْتَرِي لَنَا مِنْهُ شَيْئاً» أي: «لَعَلَّك» فهذا من كلام العرب - كما حَكَاه الخَلِيل - شَاهد على كَوْن «أنَّ» بِمَعْنَى لَعَلَّ وانْشَد أبو جَعْفَر النَّحَّاس: [الطويل]

стр. 4910

٢٢٨٠ - أرينِي جَوَاداً مَاتَ هُزْلاً لأنَّنِي ... أرَى ما تَرَيْنَ أوْ بَخِيلاً مُخَلَّدَا وقال امرؤ القيس - أنشده الزَّمَخْشَريُّ -[الكامل] ٢٢٨١ - عُوجَا على الطَّلَلِ المُحِيل لأنَّنَاِ ... بنْكِي الدِّيارَ كَمَا بَكَى ابنُ حِذَامِ وقال جري: [الوافر] ٢٢٨٢ - هَل أنْتُمْ عَائِجُونَ بِنَا لَعَنَّا ... نَرَى العَرَصَاتِ أوْ أثَرَ الخِيَامِ وقال عَدِيُّ بنُ زَيْدٍ: [الطويل] ٢٢٨٣ - أعَاذِل مَا يُدْريكَ أنَّ مَنْيَّتِي ... إلى سَاعَةٍ في اليَوْمِ أوْ فِي ضُحَى الغَدِ وقال آخر: [الزجر] ٢٢٨٤ - قُلْتُ لِشَيْبَانَ ادْنُ مِنْ لِقَائِهْ ... أنَّا نُغَذِّي النَّاسَ مِنْ شِوَائِهْ ف «أنَّ» في هذه المواضِع كلِّها بِمَعْنَى: «لعلَّ» قالوا: ويدلُّ على ذَلِك أنَّها في مُصْحَف أبَيِّ وقراءته: «وما أدْرَاكُم لعلَّها إذا جَاءَتْ لا يُؤمِنُون» ونُقِل عنه: «وما يُشْعِرُكم لعلِّها إذَا جَاءَت لا يُؤمِنُون» ذكر أبُو عُبَيْد وغيره، ورَجَّحُوا ذلك أيْضاً بأنَّ «لَعَلَّ» قد كَثُر ورودُها في مِثْل هذا التَّركِيب؛ كقوله - تعالى -: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] ، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يزكى﴾ [عبس: ٣] ، وممَّن جعل «أنَّ» بِمَعْنَى: «لعل» أيْضاً، يَحْيَى بن زِيَاد الفرّاء. ورجَّح الزَّجَّاج فقال: «زعم سِيبوَيْه عن الخَلِيل، أن مَعْنَأها:» لَعَلَّهَا «قال:» وهَذَا الوَجْه أقْوى في العَرَبِيَّة وأجود «ونَسَب القراءة لأهْل المدين’ن وكذا أبُو جَعْفَر. قال شهاب الدِّين: وقراءة الكُوفيِّين، والشَّامِيِّين أيضاً، إلَاّ أن أبَا عَلِيَّ الفارسيَّ ضعَّف هذا القَوْل الَّذِي استجوده النَّاسُ، وقوَّوْهُ تَخْريجاً لهذه القِراءة، فقال:» التَّوَقُّع الَّذِي تدلّ عليه «لَعَلَّ» لا يُنَاسب قراءة الكَسْر، لأنها تدلُّ على حُكْمِه - تعالى - عليهم بأنَّهم لا يُؤمِنُون «ولكنَّه لمَّا مَنَعَ كونها بِمَعْنَى:» لعل «لم يَجْعَلءها مَعْمُولة ل» يُشْعِرُكُم «بل جَعَلها على حَذْف لام العِلَّة، أي: لأنَّها، والتَّقْدِير عنده:» قل إنَّما الآياتِ عِنْد اللَّهِ،

стр. 4911

لأنَّها إذا جَاءَت لا يُؤمِنُون «. فهو لا يَأتِي بَهَا؛ لإصْرارهم على كُفْرِهم، فيَكُون نَظِير: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلَاّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون﴾ [الإسراء: ٥٩] ، أي بالآيات المُقْتَرحة، وعلى هذا فيَكُون قوله:» وما يُشْعِرُكُم «اعتِرَاضاً بين العِلَّة والمَعْلُول. الثاني: ان تكون» لَا «مَزِيدة، وهذا رَأي الفرَّاء وشيخه، قال: ومثله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] أي:» أنْ تَسْجُد «فيكون التَّقْدير: وما يُشْعِرُكُم أنَّها إذا جَاءَت يُؤمِنون، والمعنى على هذا: أنَّها لو جَاءَت لم يُؤمِنُوا، وإنما حمله على زِيَادَتِها ما تقدَّم من أنَّها لو تُقدَّر زَائِدة، لكان ظَاهِرُ الكلام عُذْراً لكُفَّار، وأنَّهم يُؤمِنون كا عرفت تَحْقيقه أولاً، إلا أن الزَّجَّاج نسب ذلك إلى الغَلَط، فقال:» والَّذِي ذكر أنَّ «لا» لَغْو، غالط؛ لأن ما يَكُون لَغْواً، لا يكون غَيْر لَغْوٍ، ومن قَرَأ بالكَسْر، فالإجْمَاع: على أنَّ «لا» غير لَغْو «فليس يَجُوز أن يكُون مَعْنَى لفظة: مرةً النَّفي، ومرَّة الإيجاب في سِيَاق واحد. وانصر الفارسيّ لقول الفرَّاء، ونفي عنه الغَلَط، فإنَّه قال: «يجوزُ أن تكون» لا «في تأويل زائِدةً، وفي تَأويل غَيْر زَائدة؛ كقول الشَّاعر في ذلك: [الطويل] ٢٢٥٨ - أبى جُودُهُ لا البُخْلَ واسْتَعْجَلَتْ نَعَمْ ... بِهِ مِنْ فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ نَائِلُهْ يُنشد بالوَجْهَيْنِ، أي: بِنَصْب» البُخْل «وجرِّه، فَمَنْ نَصَبَه، كانت زائدة، أي:» أبَى جُودُه البُخْلَ «ومَنْ خَفَضَ، كانت غَيْر زَائِدة، وأضَافَ» لَا «إلى البُخْلِ» . قال شهاب الدِّين: وعلى تَقْدير النَّصْب، لا يَلْزَم زِيَادتها؛ لجوازِ أن تكُون «لا» مَفْعُولاً بِهَا، و «البُخْل» بدل مِنْهَا، أي «أبَى جُودُه لَفْظَ» لا «ولفظ» لا «هو بُخْل» . وقَدْ أوائل لك طَرف من هذا محقَّقاً عند قوله - تعالى - ﴿وَلَا الضآلين﴾ [الفاتحة: ٧] [في أوائل هذا الموضوع] وسَيَمُرُّ بك مَوَاضِع مِنها؛ كقوله - تعالى -: ﴿وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] . قالوا: تَحْتَمل الزِّيَادة، وعدمها وكذا ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] ، ﴿لِّئَلَاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب﴾ [الحديد: ٢٩] . الثالث: أن الفَتح على تَقْدِير لام العِلَّة، والتَّقْدير: «إنما الآيات التي يَقْتَرِحُونها عِنْد اللَّه؛ لأنَّها إذا جَاءتَ لا يُؤمِنُون» ، و «ما يُشْعِرُكُم» اعتِرَاض كما تقدَّم تَحْقيق ذلك عن أبي عَلِيِّ، فأغنى عن إعَادَتِهِ، وصار المَعْنَى: «إنَّما الآيَات عند اللَّه، أي: المُقْترحة لا يأتي بِهَا؛ لانْتِفَاء إيمانهم، وإصْرارِهْم على كُفْرِهم» . الرابع: أن في الكلام حَذْف مَعْطُوف على ما تقدَّم.

стр. 4912

قال أبُو جَعْفَر في مَعَانيه: وقيل في الكلام حَذْف، والمعنى: وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءت لا يُؤمِنُون أو يُؤمِنُون، فحذفَ هذا لِعْلِم السَّامِعِ، وقدَّرَه غَيره: «ما يُشْعِرُكُم بانْتِفَاء الإيمان، أو وقُوعه» . الخامس: أن «لا» غير مزيدة، ولي في الكلام حَذْف، بل المَعْنَى: «وما يُدريكم انتِفَاء إيمانهم» ويكون هَذَا جواباً لمن حُكِم عليْهم بالكُفر ويُئسِ من إيمانهِمِ. وقال الزّمَخْشَرِي: «وما يُشْعِرُكم: وما يُدْرِيكثم أنها، أي: أن الآيات التي يَقترِحُونها» «إذا جاءت لا يُؤمِنُون بِهَا» يَعْنِي: «أنَا أعلم أنَّها إذا جَاءَت لا يُؤمِنُون بِهَا، وأنتم لا تَدْرُون بِذَلك» . وذلك أنّ المُؤمنين كانُوا حَرِيصين على إيمانهم، وطامعين فيه إذا جَاءَت تلك الآيَة، ويتمنَّوءن مَجيئها، فقال َّ -: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ على مَعْنَى: أنكم لا تَدءرُوْنَ ما سَبَقَ عِلْمي بهم، أنهم لا يُؤمِنُون؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] انتهى. قال شهاب الدِّين: بَسْطُ قوله إنَّهم كَانُوا يَطْمعُون في إيمانهم، ما جَاءَ في التَّفْسِير: أن المُشْركين قَالُوا لِرسُول الله ﷺ َ: أنْزِلَ عَلَيْنَا الآية الَّتي قال اللَّه فيها: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] ونحن واللَّه نُؤمِن، فأنزل الله تعالى: «وما يُشْعِرُكُم» إلى آخرها وهذا الوَجْه: هو اخْتِيَار أبي حيَّان، فإنَّه قال: «ولا يَحْتَاج الكلام إلى زِيَادة» لَا «ولا إلى هذا الإضْمَار، يعني حَذْفَ المَعْطُوف، ولا إلى» أنَّ «بِمَعْنَى: لعَّل، وهذا كلُّه خُرودٌ عن الظَّاهِر لغير ضَرُورة، بل حَمْلُه على الظَّاهِر أوْلى، وهو وَاضِحٌ سائغٌ، أي: وما يُشْعِرُكم ويُدْرِيكم بِمَعْرِفة انْتِفَاء إيمانهم، لا سَبِيل لَكُم إلى الشُّعُور بِهَا» . السادس: أن «مَا» حَرْف نَفْي، يَعْني: أنه نَفى شُعُورهم بِذلكِ، وعلى هذا فَيُطْلَبُ ل «يُشْعركُمْ» فاعل. فقيل: هو ضَمِير الله - تعالى - أضْمر للدَّلالة عَلَيْه، وفيه تكلُّف بعيد، أي: «وما يُشْعِركُم اللَّه إذا جاءت الآيات المُقْتَرحَة لا يُؤمِنُون» . وقد تقدَّم في البقرة كيْفِيَّة قِرَاءة أبي عَمْرو ل «يُشْعركم» و ﴿يَنصُرْكُمُ﴾ [آل عمران: ١٦٠] ، ونحوهما عند قوله: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ﴾ [البقرة: ٦٧] ، وحَاصِلُها ثلاثة أوْجُه: الضَّمُّ الخَالِص، والاختلاس، والسُّكُون المحض. وقرأ الجُمْهُور: «لا يُؤمنُون» بياء الغَيْبَة، وابن عامر، وحمزة بتاء الخِطَاب.

стр. 4913

وقرأ أيضاً في الجاثية [آية: ٦] ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ بالخِطَاب، واقفهُمَا عليها الكَسَائِي، وأبُو بكر عن عَاصِم، والباقون: باليَاء للغَيْبَة، فتحصَّل من ذلك أنَّ ابْن عامرٍ، وحَمْزة يقرآن بالخِطَاب في المَوْضِعَيْن، وأن نَافِعاًن وابن كثير، وأبا عَمْرو، وحَفْصاً عن عَاصِم، بالغيبة في الموْضِعَيْن، وأنّ الكَسِائيّ، وأبا بكر عن عن عَاصِم: بالغَيْبَة هُنَا، بالخِطَاب في الجَاثِية، فقد وافقا أحد الفريقين في إحْدى السُّورَتَيْن والآخر في أخرى. فأما قِرَاءة الخِطَاب هُناَ: فيكون الظَّاهر من الخِطاب في قوله: «ومَا يُشْعِرُكُم» أنه للكُفَّار، ويتَّضح مَعْنَى هذه القِرَاءة على زيادة «لا» أي: ومَا يُشْعِرُكم أنكم تُؤمِنُون، إذا جَاءَت الآيَات الَّتِي طَلَبْتُمُوها كما أقْسَمْتُم عَلَيْه، ويتَّضحُ أيضاً على كون «أنَّ» بمعنى: لَعَلَّ، مع كون «لا» نَافِية، وعلى كَوْنِها عِلَّة بِتَقْدير: حذف اللَاّم، أي: «إنما الآيات عِنْدالله فلا يَأتِيكم بِهَا؛ لأنَّها إذا جَاءَت لا يُؤمِنُون بها» ويتَّضِحُ أيضاً على كَوْن المَعْطُوف مَحْذُوفاً، أي: «وما يُدْرِيكم بعدم إيمَانِكم، إذا جاءَت الآيات أو وُقُوعه؛ لأن مَآل أمركم مُغَيِّبٌ عَنْكم، فكَيْفَ تُقْسِمُون على الإيمان عِنْد مَجِيئ الآيات؟» وإنَّما يُشْكَل؛ إذا جَعَلْنا «أنَّ» معمولة ل «يُشْعِرُكم» وجَعَلْنَا «لا» : نافية غير زَائِدَة؛ إا يكون المَعْنَى: «وما يُدْرِيكم أيُّهَا المُشْرِكون بانْتِفَاء إيمانكم، إذا جَاءَتْكم» ، ويَزُول هذا الإشْكَال بأنَّ المَعْنَى: «وما يُدْريكم أيُّها المُشْرِكون بانْتِفَاء إيمانِكم، وإذا جَاءَتْكم» ، ويَزُول هذا الإشْكَال بأنَّ المَعْنى: ايُّ شَيءْ يُدْرِيكم بِعَدم إيمانِكُم، إذا جَاءَتْكم الآيَات الَّتِي اقْتَرَحْتُمُوها؟ يعني: لا يمرُّ هذا بِخَواطِرِكم، بل أنْتُم جازِمُونَ بالإيمان عند مجيئها، لا يَصْدُّكم عَنْه صادٌّ، وأ، اأعْلَمُ أنكم لا تُؤمِنُون وَقْت مَجِيئها؛ لأنكم مَطْبُوع على قُلُوبكُم. وأمَّا على قِراءة الغَيْبَة، فتكون الهَمْزَة معها مكْسُورة؛ وهي قراءة ابْن كَثِير، وأبِي عَمْرو، وأبِي بَكْر عن عَاصِم، ومَقْتوحة؛ وهي قرءاة نافِع، والكسَائي، وحَفْص عن عَاصِم. فعلى قِرَاءة ابْن كَثِير ومَنْ مَعَه يكون الخِطَاب في: «وما يُشْعِرُكُم» حائزاً فيه وجهان: أحدهما: أنَّه خِطَاب للمُؤمِنين، أي: «وما يُشْعِركُم أيُّها المُؤمِنُون إيمانَهُم» ثم اسْتَأنَف إخْباراً عنهم بأنَّهم لا يُؤمِنُون، فلا تَطْمَعُوا في إيمانهم. الثاني: أنه للكُفَّار، أي: «وما يُشْعِرُكم أيُّها المُشْرِكون مَا يَكون مِنْكم» ثم اسْتَأنف إخْبَاراً عَنْهم بِعَدَم الإيمَان؛ لعلمه السَّابق فيهم وعلى هَذَا فِفِي الكلام التِفَاتٌ من خِطَاب إلى غَيْبَة. وعلى قرءاة نَافِع يكون الخِطَاب للكُفَّار، وتكون «أنَّ» بِمَعْنَى: «لعلَّ» كذا قاله أبو شَامَة، وغيره. وقال أبُو حيَّان في هَذهِ القراءة: «الظَّاهر أن الخِطَاب للمُؤمنين، والمَعْنَى:» وما

стр. 4914

يُدْرِيكم أيُّهَا المُؤمِنُون، أنَّ الآية الَّتِي تَفْتَرِحُونها إذا جاءت لا يُؤمِنَون «يعني: أنا أعْلَم أنَّها إذَا جَاءَت لا يُؤمِنُون بِهَا» ثم سَاق كلام الزَّمَخْشَري بِعَيْنِه الَّذي قدَّمت ذكره عَنْه في الوَجْه الخَامِس قال: «ويبْعدُ جداً أن يكون الخِطَاب في» وَمَأ يُشْعِرُكُم للكُفَّار «. قال شهاب الدِّين: إنَّما اسْتَبْعَدَه؛ لأنَّه لم ير في» أنَّ «هَذِه أنَّها بِمَعْنَى:» لَعَل «كما حَكيْته عَنه. وقد جَعَل أبُو حيَّان في مَحْمُوع» أنَّها إذا جاءت لا يؤمِنُون «بالنِّسْبَة إلى كَسْر الهمزة وفَتْحِها، والخِطَاب والغَيْبة أرْبع قِرَاءَات، قال: وقرأ ابْن كثير، وأبو عَمْرو، والعُلَيْمِي، والأعْشَى عن أبي بكر. وقال ابن عَطِيَّة: ابن كَثير، وأبو عمرو، وعَاصِم في رواية داود الأودي] : إنَّها بكَسْر الهَمْزة، وقرأ بَاقِي السَّبْعة: بفتحها، وقرأ ابْن عَامِر وحَمْزة:» لا تُؤمِنُون «بتاء الخِطَاب، والبَاقُون بياء الغَيْبَة؛ فترتب أرْبَع قِرَاءات: الأولَى: كَسْرُ الهَمْزَة واليَاءِ، ويه قِرَاءة ابْن كَثِير، وأبي عَمْرو، وأبِي بَكْر بخلاف عَنْه في كَسْر الهَمْزَة ثم قال: القِرَاءة الثَّانية: كَسْر الهَمْزَة والتَّاء ويه رِوَاية العُلَمِي والأعْشَى عن أبي بَكْرٍ عن عَاصِم، والمُنَاسب: أن يكون الخِطَاب للكُفَّار في هذه القِرَاءة، وكأنَّه قيل:» وما يُدْرِيكُم أيُّهَا الكُفَّار وما يَكُون مِنْكُم «؟ ثم أخْبرَهُم على جِهَة الجَزَم، أنَّهم لا يُؤمِنُون على تقدير مَجِيئها، ويَبْعُد جداً أن يكون الخِطَاب في:» وما يُشْعِرُكُم «للمُؤمنين، وفي» تُؤمِنُون «لكُفَّار، ثم ذكر القِرَاءة الثُّالِثة، والرَّابعة، ووجَّههُا بنحو ما نقلته عن النَّاس، وفي إثباته القراءة الثَّانية نظر لا يَخْفَى؛ وذلك أنَّه لما حَكَى قِرَاءة الخِطَاب في» تُؤمِنُون «لم يَحْكِها إلا عن حَمْزَة، وابن عَامِر فقط، ولم يَدْخل مَعَهُمَا أبُو بكر لا من طريق العُلَيْمِي، والأعْشى ولا من طَريق غَيْرهما، والفَرْض: أن حَمْزة وابنَ عَامِر يَفْتَحان هَمْزة» أنَّها «وأبُوا بكر يَكْسِرُها وَيفْتَحُها ولِكِنَّه لا يَقْرأ:» يُؤمِنُون «إلَاّ بِيَاء الغَيْبَة، فمن أيْن تجيئ لَنا قِرَاءةٌ بكَسْر الهَمْزة، والخطاب؟ وإنما أتَيْتُ بكلامه برُمَّتِه؛ ليُعْرَف المأخذ عليه ثم إني جوَّزْتُ أنْ تكون هذه رِيوايةً رَوَاها، فكشفتُ كِتَابَه في القِرَاءاتِ، وكان قد أفْردَ فيه فَصْلاً انْفَرد به العُلَيْمِي في رِوَايته، فلم يَذْكُر أنه قرأ:» تُؤمنُون «بالخِطاب ألبَتَّةَ، ثم كَشَفْتُ كتبا في القِرَاءات عَدِيدة، فلم أرهم ذَكَرُوا ذلك، فَعَرفْت أنَّه لما رأيى لِلْهَمْزة حالَتَيْنِ، ولحرف إحْدَاها مُهْمَلة، وقوله:» لا يؤمنون «متعلِّقه مَحْذُوف؛ للعِلْم به، أي:» لايُؤمِنُون بها «. قوله: «ونُقَلِّبُ» في هذه الجُمْلَة وجهان:

стр. 4915

أحدهما: - ولم يقل الزَّمَخْشَري غيره - أنَّها وما عُطِف علَيْها من قوله: «ويذَرُهُم» عطف على «يُؤمِنُون» داخل في حُكْم «ومَا يُشْعِرُكُم» ، بمعنى: «وما يُشْعِرُكُم أنَّهم لا يُؤمِنُون» وما يشعركم أنَّا نُقِلِّب أفْئِدَتَهُم وأبصارهم «،» وما يُشْعِرُكم أنَّا نَذَرُهم «وهذا يُسَاعده ما جَاء في التَّفْسير عن ابْنِ عَبَّاسٍ، ومُجَاهد، وبان زَيْد. والثاني: أنَّهَا اسِتئْنَاف إخبارن وجعله أبُو حيَّان الظَّاهر، والظَّاهر، ما تقدَّم. » والأفْئِدة «: جمع فُؤاد، وهو القَلْبُ، ويلطق على العَقْل. وقال الرَّاغب: الفُؤاد كالقَلْبِ، لكن يُقالَ له: فؤاد إذا اعتبر به مَعْنَى:» التُّفَؤد «أي: التوقُّد» يقالك «فأدْتُ اللَّحم» : شَوَيْتُه «ومنه» لحم فَئِيد «أي:» مَشْويُّ «وظاهر هذا: أنَّ الفُؤاد غير القَلْبِ، ويقال له:» فؤاد «بالواو الصَّريحة، وهي بَدَل من الهَمْزَة؛ لأنَّه تَخْفِيف قِيَاسيّ، وبه يَقْرأ وَرْش فيه وفي نَظَائِره وصلاً وَوَقْفاً، وحَمْزة وقفاً ويُجْمع على: أفْئِدَة، وهو جَمْع مُنْقَاس، نحو:» غُراب «، و» أغْرِبة «ويجُوز» أفْيِدَة «بِيَاء بعد الهَمْزة، وقرأ بِهَا هِشَام في سُورة إبْراهيم، وسَيَأتي إن شاء الله تعالى -. فصل في المراد من الآية قال ابن عبَّاس: يَعْني: ويحُول بينهم وبين الإيمانن فول جئناهم بالآيات التي سَألوا ما آمَنُوا بِهَا كما لَمْ يُؤمنُوا به أوَّل مَرَّة [أي: كما لو يُؤمِنُوا بما قَبْلَها من الآيات من انْشِقَاق القمر وغيره. وقيل: كما لَو يُؤمِنُوا به أوَّل مرة] ؛ يعني: مُعْجِزات مُوسَى وغيره من الأنبياء - عليهم الصَّلاة والسَّلام -؛ كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ٤٨] . وقال عَليُّ بن أبي طَلْحَة عن ابن عبَّاس: المرَّة الأولى: دار الدنيا لو رُدُّوا من الآخِرة إلى الدُّنيا نُقَلِّب أفْئدتَهُم وأبْصَارهم عن الإيمان كَمَا لَمْ يُؤمِنوا في الدُّنْيَا قبل مَمَاتهم؛ كقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] . فصل في بيان معنى التقليب التَّقْلِيب، والقَلْب وَاحِد: وهو تَحْويل الشَّيء عن وَجْهِه، وهذه الآية تَدُلُّ على أنَّ الكُفْر والإيمان بِقَضَاء اللَّه، وقدره، ومَعْنَى تَقْلِيب الأفْئِدَة والأبْصَار: هو أنه إذا جَاءَتْهُم الآيات القَاهِرة الَّتِي أقْتَرحُوها وعرفوا كَيْفيَّة دلالتها لعى صِدْق الرَّسُول ﷺ َ [إلَاّ أنه

стр. 4916

تعالى] إذا قُلُوبَهُم وأبْصَارهم على ذلك الوجه، بَقوْا على الكُفْر ولم يَنْتَفِعُوا بِتِلْك الآيات. قال الجُبَّائي: مَعْناه: ونُقَلِّب أفْئِدَتَهم ووأبْصَارهم في جَهَنَّم، على لَهِيب النَّار وجَمْرِهاح لنُعَذِّبَهُم كما لم يُؤمِنوا به أوّلأ مرّة دَارِ الدُّنْيَا. وقال الكَعْبِي: المُرَاد ب «ونُقَلِّبُ أفْئِدَتهم وأبْصَارَهُم» : نفعل بهم كا نَفْعل بالمُؤمنين من الفَوَائِد والألْطَاف، من حَيْث أخرجوا أنْفَسَهم عن هَذَا الحدِّ؛ بسبب كُفْرهم. وقال القَاضِي: المراد: ونُقَلِّب أفْئِدَتَهُم وأبْصَارهم في الآيات الَّتي ظَهَرت، فلا تَجدَهُم يُؤمِنون بها آخراً كمال لم يُؤمِنُوا بِهَا أوّلاً وهذه وُجُوه ضَعِيفة. أما قَول الجُبَّائيّ؛ فمدفوع؛ لأنه - تعالى - قال: «ونُقَلِّب أفْئِدَتَهُمو أبْصَارهم» ثم عَطَفْ عليه، وقال: «ونَذَرُهُم فِي طُغْيَانِهِم يَعْمَهُون» فقوله: «ونَذرُهُم» لي مما يَحْصُل في الآخِرة، فكان سُوءاً للنَّظءم في كلام اللَّه - تعالى - حيث قدَّم المُؤخَّر، وأخَّر المُقدم من غير فَائِدة. وأما قَوْل الكَعْبِي؛ فَضَعِيف؛ لأنه إنما استحق الحِرْمان والخذْلان على زَعْمه؛ بسبب أنَّهم قَلَّبُوا أفئدة أنفسهم فكيف يحسبن إضافه إلى الله تعالى في قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ أي: نقلب القَلْب باقٍ على حالةِ واحِدَة إلَاّ أنَّه - تعالى - أدخل التَّقْلِيب والتَّبدِيل في الدَّلائل. فصل إنما قدَّم اللَّه - تعالى - ذكر تَقْليب الأفْئِدة على تَقْليب الأبْصَار؛ لأن مَوْضع الدَّوَاعِي والصَّوَارِف هُوَ القَلْب [فإذا حَصَلَت الدَّاعية في القَلْبَُ انْصَرَفَ البَصَر إليه شَاءَ أمْ أبَى، وإذا حَصَلَت الصَّوارف في القَلْب] انصرف البَصَر عَنْه هو، وإن كَانَ يُبْصِره بحسب الظاهر إلَاّ أنه لا يَصِير ذلك الأبْصَار سَبَباً للُوقُوف على الفَوَائِد المَطْلُوبة وهو مَعْنَى قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وفي آذَانِهِمْ وَقْراً﴾ [الأنعام: ٢٥] ، فملا كان المَعْدن هو القَلْب، وأما السَّمع والبَصَر؛ فهما آلتان لِلْقَلْب كانا لا مَحَالة تَابِعَيْن لأحوال القَلْب، فلهذا السَّبَبَ وقع الابتداء بذِكر تَقَلُّب القُلُوب ههنا، ثم أتْبَعَهُ بذرك السَّمْع.

стр. 4917

قوله: «كَمَا لَمْ يُؤمِنُوا بِهِ» الكافُ في محلِّ نَصبٍ، نَعْتاً لِمَصْدر مَحْذُوف و «ما» مَصْدريَّة والتقدير كما لَمْ يُؤمِنُوا به أوّلأ مرة [وقيل: الكاف هُنَا للتَعْلِيل، أي: «نقلب أفْئِدَتَهم وأبْصَارهم؛ لعدم إيمانِهِم أوّل مرة» . وقيل: في الكلام حَذْفٌ تقديره: «فلا يؤمنون به ثاني مَرَّة كَمَا لَم يُؤمِنوا به أوّل مرَّة] وقال بَعْضُ المفسِّرين: الكافُ هُنَا مَعْنَأها: المُجَازَاة، أي:» لمَّا «لم يُؤمِنُوا به أوّل مرَّة، نُجازيهم بأن نُقَلِّب أفْئِدتَهُم عن الهُدَى، ونَطْبَع على قُلُوبهم» ، فكأنَّه قيل: ونحن نَقَلِّب أفْئدتَهَم؛ جَزَاءً لما لم يُؤمِنُوا به أوّل مرَّة، قاله ابن عطية قال أبو حيان وهُو مَعْنَى التَّعْلِيل الذي كرناه، إلا أن تسْمِيتَه ذلك بالمُجازاة غَريبَة لا تُعْهدُ في كلام النَّحْويِّين. قال شهاب الدِّين: قد سُبِقَ أبن عطيَّة إلى هذه العبارة. قال الواحدي: وقال بَعْضُهم: معنى الكَافِ في «كَمَا لَمْ يُؤمِنوا» : معنى الجَزَاء، ومَعْنَى الآية: ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهُم وأبْصَارهم، عُقُوبة لَهُم على تَركْ الإيمان في المرَّة الأولَى، والهَاء في «به» تعود على الله - تعالى -، أو على رسُوله، أو على القُرآن، أو على القَلْب المَدْلُول عليه بالفِعْل، وهو أبْعَدُهَا، و «أوّل مَرَّة» : نَصب على ظَرْف الزَّمان، وقد تقدم تَحْقِيقُه. وقرأ إبْرَاهيم النَّخْعي: «ويُقَلِّب - ويَذَرُهم -» بالياء، والفَاعِل ضمير البَاري - تعالى -. وقرأ الأعْمَش: «تُقَلَّبُ أفْئِدتهم وأبْصَارهم» على البِنَاء للمَفْعُول، ورُفِع ما بعده على قِيَام مقام الفاعل، كذا رَوَاهَا الزَّمَخْشَري عنه، والمشْهُور بهذه القِرَاءة، إنَّما هو النَّخْعِيّ أيضا، ورُوِي عَنْه: «ويَذَرْهُم» بياء الغيبة كما تقدَّم وسُكُون الرَّاء، وخرَّج أبُو البَقَاء هذا التَّسْكِين على وجْهَين: أحدهما: التَّسْكين لِتَوَالِي الحَرَكَات. والثاني: أنه مَجْزُوم عَطْفاً على «يُؤمِنُوا» والمَعْنَى: جَزَاءً على كُفْرهم، وأنَّه لم يَذَرْهُم في طُغْيَانهم، بل بيَّن لهم، وهذا الثُّانِي ليس بَظَاهر، و «يَعْمَهُون» في محلِّ حال، أو مَفْعُوزل ثانٍ، لأن التَّرْك بِمَعْنَى: التَّصْيِير.

стр. 4918

فصل في معنى الآية قال عَطَاء: المَعْنَى: أخْذُلُهُم، وأدْعُم في ضَلالِتِهم يتمادون. قال الجُبَّائي: المَعْنَى: ونذرهم، أيك لا نَحُول بَيْنَهم وبين اخْتِيَارِهم من ذَلِك لكن نمنعم من ذلك بِمُعَاجَلة الهلاك وغيره، لكنَّا نُمْهِلهم إنْ أقاَموا على طُغْيَانهم، فذلك مِن قِبَلهم وهُو يُوجِب تأكيد الحُجَّة عَلَيْهم. وقال أهل السُّنَّة: نقلِّب أفْئِدتَهُم من الحقِّ إلى البَاطِل، ونتركهم في ذلك الطُّغْيَان، وفي ذَلِكَ الضَّلال والعَمَه. ويُقال للجُبَّائي: إنَّك تقول: إن إله العالم ما أرَاد بعباده إلَاّ الخَيْر والرَّحمة، فمل تُرك هذا المِسْكِين حتى عَمِه في طُغْيَانه؟ ولم لا يخلصه عَنْه على سَبِيل الإلْجَاء والقَهْر؟ أقْصَى مَا فِي البابِ؛ أ، هـ إن فَعل به ذلِك لَمْ يكن مُسْتَحِقاً إلى الثَّواب، فيقُوتُه الاسْتِحْقَاق فقط، وقد يَسْلَم من العِقَاب، أمَّا إذا تَرَكَهُ في ذلك العَمَه مع عِلْمه بأنه يَمُوت عَلَيْه، فإنه لا يَحْصُل له اسْتِحْقاق الثَّواب، ويحصل له العِقَاب العَظيم الدَّائم، فالمفْسَدة الحَاصلة عن خَلْق الإيمان فيه على سَبيل الإلْجَاء، مَفْسَدة وَاحِدَة؛ وهِيَ قوات اسْتِحْقَاق الثَّواب مع حُصُول العِقَاب الشَّديد، والرَّحِيم المُحْسِن النَّاظر إلى عباده، لا بُدَّ وأن يُرَجَّح الجَانِب الَّذِي هو أكْثَر إصْلاحاً، وأقَل فَسَاداً، فَعَلِمْنَا أنَّ إبْقَاء ذكل الكَافِر في ذلك العَمَه والطُّغْيَان، يَقْدح في أنَّه لا يريد به إلَاّ الخير والإحسان.

стр. 4919

اعلم: أنه ﵎ بيَّتن في هذه الآية الكَرِيمة تَفْصِيل ما ذَكَره مُجْمَلاً في قوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] بيَّن أنَّه - تعالى - لو أعْطَاهُم ما طَلَبُوه من إنْزَال المَلائِكة حتَّى رأوهم عَيَاناً، وحياء المَوْتَى حَتَّى كلَّمُوهُم، وشَهِدُوا لك بالنُّبُوَّة كَمَأ سَألُوا، بل زَاد في ذَلِك ما لا يَبْلُغُه اقْتِرَحُهم بأن يحشر عَلَيْهم كُلَّ شَيءْ قُبُلاً، ما كانوا لِيُؤمِنُوا إلَاّ أنْ يَشَاء اللَّه. قال ابن عبَّاسٍ: المُسْتَهْزِئون بالقُرآن العَظِيم كانوا خَمْسَة: الوَليد بن المُغْيرَة المَخْزُومي، والعَاص بن وَائِل السَّهْمِي، والأسْوَد بن عَبْد يَغُوث الزُّهري، والأسْوَد بن المُطَّلِب، والحَارث بن حَنْظَلة، ثُمَّ أتَوا لرِسَول اللَّه ﷺ َ ورَهْط من أهْل مكَّة المُشَرَّفة، وقالُوا: أرنَا المَلائكة يَشْهَدُوا بأنَّك رسُول اللَّه، أبو ابعث لَنَا بَعَضَ مَوْتَانَا

стр. 4920

حتَّى نَسْألهم أحَقٌّ ما تقُولُه أمْ باطل، أو ائْتِنَا باللَّه والملائكة قِبِيلاً، أي: كَفيلاً بما تدَّعِيه، فَنَزَلت هَذِه الآية الكَرِيمة. وهذا يُشْكَل باتِّفَاقهم على أنَّ هذه السُّورة نزلت دَفْعَة وَاحِدة، بل الَّذِي يَنْبَغِي أن يَكُون المَقْصُود منه: جواب ما ذَكَرَهُ بَعْضُهم، وهو أنَّهُم أقسموا باللَّه جَهْد أيْمَانهم، لَوْ جاءتهم آيَةٌ ليُؤمِنُنّ بها، فذكر اللَّه - بتارك وتعالى - هذا الكلام بياناً لِكَونِهم كَاذِبِين، وأنَّه لا فَائِدة في إنْزالِ الآيَات، وإضْهار المُعْجِزَات بعد المُعْجِزَات، بل المُعْجِزة الوَاحِدة لا بُد منها لِيتَمَيَّز الصَّادق عن الكَاذِب، فأمَّا الزيادة عليها، فتحكم مَحْض لا حَاجَة إليْه، وإلَاّ فَلَهُم أن يَطْلُبوا بعد ظُهُور المُعْجِزة الثَّانية ثالثة، وبعد الثَّالثة رَابِعة، ويَلْزم منه ألَاّ تَسْتَقِرَّ الحجة، وأن لا يَنْتَهِي الأمْر إلى مقطع ومفصل، وذلك يُوجِب سَدَّ باب النُّبُوات. قوله: «قُبُلاً» قرأ نَافِع، وابْن عَامِر: «قِبَلاً» هنا وفي الكَهْف بكسر القَافِ، وفَتْح البَاء، والكوفِيُّون هنا وفي الكَهْف، وقرأ الحسن البَصْرِي، وأبُو حَيْوة، وأبُو رَجَاء بالضَّمِّ والسُّكُون. وقرأ أبَيّ والأعْمَش «قَبِيلاً» بياء مُثَنَّاة من تَحْت بعد بَاءٍ موحَّدة مَكْسُوةر، وقرأ طَلْحَة بن مُصَرِّف: «قَبْلاً» بفتح القَافِ وسُكون البَاء. فأما قِرَاءة نَافِع، وابن عَامِر ففيها وجهان: أحدهما: أنَّها مُقَابَلَة، أي: مُعَايَنَةً ومُشَاهَدَةً، وانتِصَابُه على هذا الحَالِ قاله أبو عُبَيْدة، والفرَّاء، والزَّجَّاج ونقله الوَاحِدي أيضاً عن جَمِيع أهْل اللُّغة، يُقَال: «لَقِيته قِبَلاً» أي عِيَاناً. وقال ابن الأنْبَاري: «قال أبُو ذَرّ: قُلْت للنَّبِيَّ ﷺ َ أنبيّاً كان آدم؟ فقال: نعم، كان نبيّاً كلَّمه الله قبلاً» وبذلك فسًّرها ابن عبَّاس، وقتادة، وابن زَيْد، ولم يَحْكِ الزَّمَخْشَرِي غَيْره، فهو مَصْدر في مَوْضَع الحَال كما تقدَّم. والثاني: أنَّها بمعنى نَاحِية وجِهَة قاله المُبَرِّد، وجماعة من أهل اللُّغَة كأبي زَيْد، وانتصابه حينئذٍ على الظَّرْف، كقولهم: «لي قِبَلُ فلان دَيْنُ» و «ما قِبَلك حَقُّ» ويقال: «

стр. 4921

لقِيْتُ فلاناً قِبَلا، ومُقابلة، وقُبُلاً، وقُبَلاً وقَبْلِياً، وقَبِيلاً» كله بِمَعْنَى واحد، ذكر ذلك أبُو زيد، وأتْبَعه بِكَلام طويل مُفيد ف ﵀ تعالى - وجزاه اللَّه خيراً. وأمَّا قِرَاءة البَاقِين هُنَا ففيها أوْجُه: أحدهما: أن يكون «قُبُلاً» جمع قِبِيل، بمعنى: كَلِيل؛ «كرغيف» و «رُغُف» ، و «قضيب» و «قُضُب» و «نَصِيب» ون «نُصُب» . وانْتَصَابه حالاً. قال الفرَّاء والزَّجَّاج: جَمْع قِبِيل بمعْنَى: كفيل أي: كَفِيلاً بِصِدْق محمد ﵊، ويقال: قَبَلْتُ الرِّجل أقْبَلُه قَبالة بفَتْح البَاء في الماضي والقاف في المَصْدَر، أي: تكفَّلْت به، والقَبِيل، والكَفِيل، والزَّعِيم، والأذِين والضّمِين، والحَمِيل، وبمعنى وَاحِد. وإنما سُمِّيت الكَفَالة قَبَالة؛ لأنَّها أوْكَد تَقَبُّل، وباعْتِبَار معنى الكَفَالة سُمِّي العَهْد المَكْتوب: قَبالة. وقال الفرًّاء في سُورة الأنعام: «قُبُلاً» جَمْع «قَبِيل» وهو «الكَفِيل» قال: وإنَّما اخْتَرت هنا أن يكُون القُبُل في المعنى الكفالة؛ لقولهم: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بالله والملاائكة قَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٩٢] يَضْمَنُون ذلك. الثاني: أن يَكُون جَمْع قِبِيل، بِمَعْنى: جماعةً جماعةً، أو صنْفاً صنفاً. والمعنى: «وحَشَرْنا عَلَيْهم كلَّ فوْجاً فوْجاً، ونوْعاً نوْعاً من سَائِر المَخْلُوقات» . الثالث: أن يكون «قُبُلاً» بِمَعْنى: قِبَلاً كالقِرَاءة الأولَى في أحد وجْهَيْهَا وهو المُواجَهة أي: مُواجَهَةً ومُعَايَنةً، ومنه «آتِيكَ قُبُلاً لا دُبُراً» اي: آتِيك من قِبَل وَجْهِك، وقال تعالى: ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦] وقُرئ: «لقبل عدتهن» [الطلاق: ٤١] ، أي: لاسْتِقْبَالها، وقال الفرَّاء: «وقد يكون قُبُلاً:» من قِبَل وُجُوهِهِم «. وأمَّا الذي في سُورة الكَهْف: فإنه يَصِحُّ فيه مَعْنى المُواجهة، والمُعَاينة، والجماعة صنْفاً صنْفاً، لأن المُراد بالعَذَاب: الجِنْس، وسَيَأتي له مَزِيد بَيَان. و» قُبُلاً «نَصْب على الحَالِ - كما مَرَّ - من» كلِّ «، وإن كان نكرة؛ لِعُمُومه، وتقدَّم أنَّه في أحد أوْجُهِهِ يُنْصَبُ على الظَّرف عند المُبَرِّد.

стр. 4922

وأمّا قراءة الحسن فمخفَّفَة من المَضْمُوم، وقرأه أبَيُّ بالأصْل وهو المُفْرَدِ. وأما قراءة طَلْحَة فهو ظَرْف مَقْطُوع عن الإضَافة، مَعْنَاه: أو يَأتِيَ باللَّه والملائِكَة قَبْلَه، ولكن كَانَ يَنْبَغِي أن يُبْنَى؛ لأن الإضافة مُرادَة. قوله:» مَا كَانُوا «جواب» لَوْ «وقد تقدَّم أنَّه إذا كَانَ مَنْفيّاً، امتَنَعت اللَاّم. وقال الحُوفِي:» التَّقْدِير لما كَانُوا حُذِفَت اللَاّم وهي مُرَادة «وهذا لَيْس بجيَّد؛ لأن الجواب المَنْفِي ب» مَا «يَقِلُّ دُخُولها، بل لا يَجُوز عند بَعْضِهم، والمَنْفِي ب» لم «مُمْتَنِع ألْبَتَّة. وهذه اللَاّم لا م الجُحُود جارَّة للمصْدَر المؤوّل من» أنْ «والمنْصُوب بِهَا، وقد تقدَّم تَحْقِيقه - بعون الله تعالى -. قوله: «إلا أنْ يشاء اللَّه» يجُوز أن يكُون مُتَّصِلاً، أي: ما كانُوا لِيُؤمِنُوا في سَائرِ الأحْوال إلَاّ في حَالِ مَشِيئة اللَّه، أو في سَائرِ الأزْمَان إلا في زَمَان مَشِيئَتِه. وقيل: إنه اسْتِثْنَاء من عِلَّة عامَّة، أي: «ما كانوا لِيُؤمِنُوا لِشَيء من الأشْيَاء إلَاّ لمشيئة الله تعالى» . والثاني: أن يكُون مُنْقَطعاً، نقل ذلك الحُوفِيُّ وأبُو البَقَاء، واسْتَبْعَده أبو حيَّان. فصل في معنى الآية ودحض شبه المعتزلة معنى الآية الكَريمة: أنه - تعالى لو أظْهَر جميع تِلْك الأشْيَاء العَجِيبَة لِهَؤلاء الكُفَّار؛ فإنَّهم لا يُؤمِنُون إلا أن يَشَاء اللَّه إيمانهم. قال أهْل السُّنَّة: فلمَّا لَمْ يُؤمنوا دّلَّ على أنَّه - تعالى - ما شَاء مِنْهُم الإيمان، وهذا نَصُّ في المسْألة. قالت المُعْتَزِلة: دل الدَّليل على أنَّه ﵎ أراد الإيمان من جَميع الكُفَّار، وذكر الجُبَّائِيُّ الوُجُوه المَذْكُورة المَشْهُورة. أولها: أنَّه ﵎ لو لم يُرِد منهم الإيمان، لما أمَرَهُم، ولم يَجِبْ عليهم. وثانيها: لو أراد الكُفْر من الكَافِر، لكان الكَافِر مُطِيعاً لله تعالى بِفِعْل الكُفْر، لجاز أن يأمُرَ بِهِ. وثالثها: لو جاز من الله أن يريد منهم الكُفْرَ، لجاز أن يأمر به. رابعها: لو جاز أن يريد منهم الكفر لجاز أنه يأمرنا بأن نريد منهم الكفر. قالوا:

стр. 4923

فثبت بهذه الدلائل أنه تعالى ما شاء إلَاّ الإيمان منهم وظاهر هذه الآية يقتضي أنه تعالى ما شاء الإيمان منهم والتناقض بين الدلائل مُمْتَنِع، فوجب الجَمع، وطَريقُه أن نقُول: إنه ﵎ شَاء من الكُلِّ الإيمان الذي يَفْعَلُونه على سَبيل الاخْتيار، وأنَّه - تعالى - ما شاء منهم الإيمان على سبيل الإلجَاء والقَهْر، وبهذا الطَّريق زال الإشْكَال، وهذا كلامٌ ضعيفٌ من وُجُوه: الأول: أن الإيمان الَّذِي سمَّوْه بالإيمان الاخْتِيَاري إن عَنُوْا به أنَّ قُدْرَته صَالِحَة إلى الإيمان والكُفْر على السَّويَّة، ثمَّ إنه يَصْدر عَنْها الإيمان دُون الكُفْر لا لداعية مُرَجَّحَة، ولإرادة مُمَيِّزة، فَهَذَا قَوْل برجْحَان أحَد طَرَفي المُمْكن على الآخر، لا لِمُرَجِّح وهو مُحَال، وأيضاً: فبتقدير أنْ يَكُون ذلك مَعْقُولاً في الجُمْلَة، إلَاّ أنَّ حُصُول ذَلِك الإيمان لا يَكُون منه، بل يَكُون حَادِثاً لا لِسَبَب ولا مُؤثِّر أصْلاً؛ أن الحَاصِل هَنَا لي إلَاّ القُدْرَة، وهي بالنِّسْبَة إلى الضِّدَّيْن على السَّويَّة، ولم يَصْدر من هَذَا القدر تَخْصِيً لأحد الطَّرَفَيْن على الآخر بالوُقُوع والرُّجْحَانِ، ثم إنّ احد الطَّرفين قد حصل بنفْسِه، فهذا لا يَكُون صَادراً منه، بل يكون صادراً لا عن سَبَب ألْبَتَّةَ، وذلك يُبْطِل القَوْل بالفِعْل، والفَاعِل، والتَّأثِير والمؤثِّر أصْلاً، وذلك لا يَقْوله عَاقِل، وأمَّا إنْ كان هذا الذي سَسَّوه بالإيمان الاخْتِيَاري، هو أنَّ قُدْرَته وإن كانت صَالِحة للضَّدَّين، إلَاّ أنَّه لا تَصِير مَصْدراً للإيمان، إلَاّ إذا انْضَمَّ إلى تِلْك القُدْرَة حُصُول داعِيَة الإيمان، فهذا قَوْلٌ بأن مَصْدر الإيمان هو مَجْمُوع القُدْرَة على الدَّاعي، وذلك المَجْمُوع مُوجبٌ للإيمان، فهذا عين ما يسمونه بالجبر، وأنتم تنكرونه، فثبت أن هذا الذي سموه بالإيمان الاخْتِيَاريِّ لم يَحْصُل منه مَعْنى مَعْقُول مفهوم، وهذا كلام في غاية القُوَّة. الوجه الثاني: سلَّمنا أن الإيمان الاخْتِيَاري متميِّزٌ عن الإيمان الحَاصِل بتَكْوِين اللَّه - تعالى -، إلَاّ أنا نَقُول قوله - تعالى -: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملاائكة﴾ وكذا ﴿مَّا كَانُواْ ليؤمنوا﴾ مَعْنَاه: ما كانوا لِيُؤمِنُوا إيماناً اخْتِيَاريّاً، بدلِيل أنَّ عند ظُهُور هذه الأشْيَاء لا يَبْعُد أن يُؤمِنُوا إيماناً على سَبِيل الإلْجَاء والقَهْر، فَثَبت أن قوله: ﴿مَّا كَانُواْ ليؤمنوا﴾ على سَبِيل الاخْتِيَار، ثُمَّ استَثْنَى عَنْه، وقال: «إلَاّ أنْ يَشَاءَ اللَّه» والمُسْتَثْنَى يَجِبُ أن يَكُون من جِنْس المُسْتَثْنى مِنْه، والإيمان الحَاصِل بالإلْجَاء والقَهْر ليس من جِنْس الإيمان الاخْتِيَاريّ، فَثبت أنَّه لا يجُوز أنْ يَكُون المُرَاد منه الإيمان الاخْتِيَاري؛ وحينئذٍ يتوجَّه دَلِيل أهل السُّنَّة، وتَسْقُط أقوال المُعْتَزلَة. فصل ف دحض شبهة المعتزلة قال الجُبَّائي: قوله ﵎: ﴿إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله﴾ يدلُّ على حُدُوث

стр. 4924

المَشِيئَة؛ لأنَّها لو كَانَت قَدِيمَة لَمْ يَجُز أنْ يُقَال ذَلِك، كما لا يُقَلا: لا يَذْهب زَيْد إلى البَصْرة، إلَاّ أن يُوَحِّد الله، وتَقْرِيره: أنَّا قُلْنَا لا يَكُون كذا إلَاّ أنْ يَشَاء اللَّه، فهذا يَقْتَضِي تَعْلِيق حُدُوث هذا الجَزَاء على حُصُول المَشْرُوط، فَيَلْزَم كَوْن الجَزَاءِ قَدِيماً، والحس على أنَّه مَحْدَث، فوجب كَوْن الشَّرْط حَادِثاً، وإذا كان الشَّرْط هو المَشِيئَة لَزِم القَوْل بكون المَشِيئَة حَادِثَة. والجواب أنَّ المَشِيئة وإن كانت قَدِيمة، إلَاّ أنَّ تعلُّقَهَا بإحْدَاث ذَلِك المُحْدث في الحالِ، إضاَفة حَادِثَة وهذا القَدْر يَكْفي لِصِحَّة هذا الكلام. ثمَّ قال - تعالى -: ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ أي: يَجْهَلُون بأنّ الكُلَّ من قَضَاء اللَّه وبِقَضَائه وقدره. وقالت المعتزلة: المُرَاد: أنَّهم يبقون كُفَّاراً عِنْد ظُهُور الآيات الَّتِي طلبوها، والمعجزات التي اقْتَرَحُوها وكان أكْثَرهُم يَظُنُّون ذلك.

стр. 4925

الكاف في «كَذِلِك» في محلِّ نَصْب، نعتاً لِمَصْدَر مَحْذُوف، فقدَّره الزَّمَخْشَري: «ما خَلَّيْنا بَيْنَك وبين أعْدَائِك، كذلك فَعَلْنا بِمَنْ قَبْلك» . وقال الوَاحِدي: «وكذلك» منسُوق على قوله: «وكَذَلِكَ زَيَّنَّا» أي: فَعَلْنا ذَلِك كذلك «جَعَلْنا لكلِّ نبيٍّ عَدُوًّا» ، ثم قال: وقيل: مَعْنَاه جَعَلْنا لَكَ عَدُوًّا كما جَعْلْنا لمن قَبْلَك من الأنْبِيَاء، فَيَكُون قوله: «وكذلك» عَطْفاً على مَعْنَى ما تقدَّم من الكلام، وما تقدَّم من الكلام، وما تقدَّم يدلُّ مَعْنَاهُ علىأنَّه جعل له أعْدَاء [والمراد: تَسْلِيَة النَّبِي ﷺ َ، أي: كما ابتُليت بِهَؤلاء القَوْم، فكذلك جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ قَبْلك أعْدَاء] . و «جَعَلَ» يتعدى لاثْنَيْن بمعنى: صَيَّر. وأعْرَب الزَّمَخْشَري، وأبو البقاء والحوفي هنا نحو إعرابهم في قوله: تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ الجن﴾ [الأنعام: ١٠٠] فَيَكُون المَفْعُول الأول «شَيَاطِين الإنْس» ، والثاني «عَدُواً» ، و «لكلِّ» : حال من «عَدُواً» لأنَّه صفته في الأصْل، أو مُتعلِّق بالحَعْل قَبْلَه، ويَجُوز أن يكون المَفْعُول الأول «عُدُوّاً» و «لكلِّ» هو الثَّانِي قُدِّم، و «شياطين» : بَدَل من المفعول الأوّل. والإضافة في: «شَيَاطِين الإنْس» يحتمل أن تكون من بابِ إضافَة الصِّفةِ لِمَوْصُوفها، والأصْل: الإنْس والجن الشَّياطين، نحو: جَرْد قَطِيفَة، ورجَّحْتُه؛ بأنَّ المقصود: التَّسلِّي والاتِّسَاءُ بمن سَبَق من الأنْبِيَاء، إذ كان في أمَمِهم مَنْ يُعادِلُهم، كما في أمَّة محمَّد ﷺ َ،

стр. 4926

ويحتمل أن تكُون من الإضافة الَّتِي بَمَعْنَى اللام، وليست من بابِ إضافة صِفَة لِمَوصُوف، والمعنى: الشَّياطين التي للإنْس، والشَّياطين التي لِلْجِنّ، فإن إلْليس قَسَّم جُنْده قسمين: قِسْمُ مُتسَلِّط على الإنْسِ، وآخر على الجِنِّ، كذا جاء في التَّفْسِير. ووقع «عَدُواً» مفعولاً ثَانِياً ل «شَيَاطِين» على أحَد الإعْرَابَيْنِ بِلَفْظ الإفْراد؛ لأنَّهُ يُكْتَفى به في ذلك، وتقدَّم شَوَاهِده، ومِنْه ما أنْشَده ابن الأنْبَارِي: [الطويل] ٢٢٨٦ - إذَا أنَا لَمْ أنْفَعْ صَدِيقِي بِوْدِّهِ ... فإنَّ عَدُوِّي لَنْ يَضُرَّهُمُ بُغْضِي فأعاد الضَّمير مِنْ «يَضُرَّهُم» على «عَدُوّ» فدل على جَمْعِيَّته؛ وكقوله تعالى: ﴿ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المكرمين﴾ [الذاريات: ٢٤] ، ﴿أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ﴾ [النور: ٣١] ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ إِلَاّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ [العصر: ٢، ٣] . وقيل لا حَاجَة إلى هذا التَّكْليف، والتَّقْدِير وكذلك جَعَلْنَا لِكُلِّ واحد من الأنْبِيَاء عُدُوّاً واحِداً، إذ لا يَجِبُ أن يَكُون واحدٍ من الأنْبِيَاء أكْثَر من عُدوّ واحد. فصل في دلالة الآية دلَّ ظاهر قوله - تعالى -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً﴾ على أنَّه ﵎ هو الذي جَعَل أولَئِك الأعْداء أعْدَاءً للنَّبِي ﷺ َ، ولا شكَّ أن تلك العدَاوة مَعْصِيَة وكُفْر، فهذا يَقْتَضِي أن خَالِق الخَيْر، والشَّر، والطَّاعة، والمَعْصِيَة، والإيمان والكُفْر هُواللَّه تعالى. وأجاب الجُبَّائي عَنْه؛ بأن المُرَاد من هذا الجَعْل: الحُكم والبَيَان فإن الرَّجُل إذا حَكَم بِكُفْر إنْسَان، قيل: كإنه كَفَّرَه، وإذا أخْبر عن عَدَالتِه، قيل إنه عدّله، فكذا ههنا أنَّه - تعالى - لما بيَّن للرسول ﵊ ُ - كونهم أعْدَاء له لا جَرَم قال: إنَّه جعلهُم أعْدَاءً له وأجاب الأصَمُّ: بأنه - تعالى - لما أرْسَل محَمّداً ﷺ َ إلى العَلمِيَن، وخصَّه بِتِلْكَ المُعْجِزات، حسدُوه، وصار ذلك الحَسَد سَبَاً للعَداوَة القَوِيّضة فَلِهَاذا قال إنَّه - تعالى -: جعلهم أعْدَاء له ونَظِيرُه قول المُتَنَبِّي: [الطويل] ٢٢٨٧ - ... ... ... ... . ... وأنْتَ الَّذِي صَيَّرْتَهُمْ [لِيَ] حُسَّدَا وأجاب الكَعْبِي عنه: بأنَّه ﵎ أمَر الأنْبِيَاء بعَداوتهم، وأعْلَمهم

стр. 4927

كونهم أعْداءً له، وذَلِك يَقْتَضِي صَيْرُورتهم أعْداءً للأنْبِيَاء - عليهم الصلاة والسلام -؛ لأنَّ العَدَاوَة لا تَحْصُل إلَاّ من الجَانِبَيْن، فلهذا أنْ يُقَال: إنه - تعالى - جعلهم أعْدَاء للأنْبِيَاء - عليهم الصلاة والسلام -. وهذه أوجوبه ضَعِيفَة لما تقدَّم الأفْعَال مُسنَدة إلى الدَّواعي، وهي حَادِثة من قبل اللَّه - تعالى - وإذا كان كذلك، صَحَّ مَذْهَبُنَا، ثم هَهُنا بَحْث آخر، وهُو أنَّ العَدَاوَة، والصداقة يمتنع أن تَحْصُل باخْتِيَار الإنْسَان؛ فإن الرَّجُل قد يَبْلُغ في عَدَاوَة غَيره إلى حَيْث لا يَقْدِر ألْبَتَّة على إزَالة تلك الحَالَةِ عن قَلْبَه، بل قَدْ لا يَقْدِر على إخْفَاء آثَار تلك العَداوة، ولو أتى بكل تَكِلُّفِ وحيلة، لعجز عنه، ولو كان حُصُول العَدَاوة والصَّداقة في القَلْبِ باختيار الإنْسَان، لوجَبَ أن يَكُونَ الإنْسَان متمكناً مِن قَلْب العَدَاوة بالصَّداقة، وبالعَكْس، فكيف لا، والشُّعَراء عَرَفُوا أنّ ذلك خَارجٌ عن الوُسْع قال المُتَنَبِّي [المتقارب] ٢٢٨٨ - يُرَادُ مِنَ القَلْبِ نِسْيَانُكُمْ ... وَتَأبَى الطِّبَاعُ عَلَى النَّاقِل والعاشق الَّذِي يشتد عِشْقُه [قد] يَحْتَال بجميع الحِيَل في إزالة عِشْقِه، ولا يقدر عَلَيْه ولو كان حُصُول ذلك الحُبِّ والبَغْضِ باخْتِيَاره، لما عَجَز عن إزَالَتِهِ. فصل في معنى الآية قال عِكْرمة، والضَّحَّاك، والكَلْبِي: المعنى: شَيَاطِين الإنْس الَّتِي مع شَيَاطِين الجِنِّ، وذلك أنَّ إبْلِيس قَسَّم جنده فَرِيقَيْن، فبعث فَريقاً منهم إلى الإنْس، وفريقاً إلى الجِنِّ، وكلا الفَرِيقَيْن أعْداءٌ للنَّبِيِّ ﷺ َ ولأوْلِيَائه، وهم يَلْتَقُون في كل حين، فيقول شَيْطان الإنْس لشيطان الجنِّ: أضَلْلت صَاحِبي بكَذا، فأضلل صَحِبك بِمُله، ويقول شَيْطَان الجن لشيطان الإنس كذلك. فلذلك وصَّى بَعْضُهم إلى بَعْض. وقال قتَادة، وَمُجاهِد، والحَسَن: إن من الإنْس شَيَاطين، كما أن من الجنِّ شياطين، والشَّيْطَان الثَّاني المتمرد من كُلِّ شَيْء. قالُوا: إن الشَّيْطان إذا أعْيَاه المُؤمِن، وعَجز عن إغوائه، ذهب إلى مُتَمَرِّد من الإنْس: وهو شَيْطَان الإنْس، فأغراه بالمُؤمِن ليفتنه، يدلُّ عليه ما «رُوِي عن أبِي ذرِّ، قال: قال رَسُول الله ﷺ َ هل تَعَوَّذت باللَّه من شَيَاطين الجِنِّ والإنْس، قلت يا رسُول الله، وهل للإنْس من شَيَاطين، قال نَعَمْ، هم شرُّ من شَيَاطين الجِن» .

стр. 4928

وقال مَالك بن دِينَار: إن شَيَاطين الإنْس أشَد عليَّ من شَيَاطِين الجِنِّ، وذلك أنِّي إذَا تعَوَّذت باللَّه، ذهب عني شَيَطان الجِنِّ، وشيطان الإنس يجيبني، فَيَجرُّني إلى المَعَاصي. قوله: «يُوحي» يُحْتَمل أن يكون مُسْتَأنفاً، أخبْرَ عنهم بذلك، وأن يكون حالاً من «شياطين» وأن يكون وَصْفاً ل «عَدُوّاً» وقد تقدَّم وَاقِع مَوْقع أعْدَاء، فَلذلك عَادَ الضَّمِير عَلَيْه جَمْعاً في قوله «بَعْضُهم» انتهى. فصل في معنى قوله: «يوحي» الوحي: هو عِبَارة عن الإيماءِ، والقَوْل السَّريع، والزُّخْرُف هو الذي يَكُون بَاطِنُه باطلاً، وظاهر مُزَيَّناً، يقال: فلان يزخرف كلامه، إذا زَيَّنه بالبَاطِل والكذب، وكلُّ شيء حَسَن مَمَوّه، فهو مُزَخْرَف والزُّخْرف: الزِّينة، وكلام مُزَخْرَف، [أي] : مُنَمَّق، وأصله الذَّهب، ولما كان الذَّهب مُعْجِبٌ لكل أحَد، قيل لكل مُسْتَحْسن مزين: زُخْرُف. وقال أبو عُبَيْدة: كل ما حَسَّنْتَه، وزيَّنته، وهو بَاطِل: فهو زُخْرُف، وهذا لا يَلْزَم، إذ قد يُطْلَق على مَا هُو زِينَة حَقّ، وبيت مُزَخْرَف، أي: مُزَيَّن بالنَّقْش، ومنه الحَدِيث: أنَّ النَّبِي ﷺ َ لم يَدْخُل الكَعْبَة حتى أمر بالزُّخْرف فَنُحِّيَ يعني: أنهم كَانُوا يُزَيِّنُون الكعبة بِنُقُوش ووتصاوير مُمَوِّهة بالذَّهب، فأمر بإخْرَاجِها. قوله: «غُرُواً» قيل: نُصِب على المَفْعُول له، أي: لا يَغُرُّوا غيرهم. وقيل: هو مَصْدر في مَوْضِع الحَالِ، أي: غارِّين، وأن يَكُون مَنْصُوباً على المَصْدَر؛ لأن العَامِل فيه بِمَعْنَاه، كأنه قِيل: «يَغُرُّون غُرواً بالوَحي» . قوله: «ولَوْ شَاءً ربُّكَ ما فَعَلُوه» ما ألْقواه من الوسْوَسة في القُلُوب، وقد تقدَّم الكلام في المَشِيئَة ومَدْلُولِها مع المُعتزلة. قوله: «وما يَفْتَرُون» «ما» موصولة اسميَّة، أو نكرة مَوْصُوفة، والعَائِد على كلا هَذَين القَوْلَيْن محذُوفٌ، أي: «وما يَفْتَرُونَه» أو مصدريَّة، وعلى كُلِّ قوله فمحلُّهَا نَصْب، وفيه وَجهَان: أحدهما: أنها نَسَق على المَفْعُول في: «فَذَرْهُمْ» أي: اتْرُكْهُم، واترك افْتِرَاءهم. والثاني: أنَّها مفعول مَعَه، وهو مَرْجُوحٌ، لأنه متى أمكن العَطْف من غير ضَعْفٍ في التركب، أو في المَعْنَى، كان أوْلَى من المَفْعُول معه. قال ابن عبَّاسٍ ﵄ يُرِيد بقوله: «فَذَرْهُم وما يَفْتَرون» : ما زيَّن لهم إبْليس وغرَّهُم.

стр. 4929

في هذه اللَاّم ثلاثة أوْجُه: أحدها: أنها لام «كَيْ» والفِعْل بعدها مَنْصُوب بإضمار «أن» وفيما يتعلَّق به احتمالان: الاحتمال الأول: أن يتعلَّق ب «يُوحِي» على أنَّها نَسَق على «غُرُوراً» و «غُرُوراً» مفعول له، والتقدير: «ويحي بَعْضُهم إلى بَعْض للغُرُور وللصَّغْو» ، ولكن لما كان المَفْعُول له الأوَّل مُسْتَكْمِلاً لِشُروط النَّصْب، نُصِب، ولما كان هذا غير مُسْتكملٍ للشُّروطِ، وصل افعل إليه بِحَرف العِلَّة، وقد فَاتَه من الشَّروط كونه لم يتَّحِد فيه الفَاعِل، فإنَّ فاعل الوحي: «بَعْضُهم» ، وفاعل الصَّغْو: «الأفئدة» وفات أيضاً من الشُّروط صَريح المصدريَّة. والاحتمال الثاني: أن يتعلَّقِ بِمَحْذُوف متَأخِّر بَعْدَها، فقدَّره الزَّجَّاج، ولِتَصْغى إليه فَعَلُوا ذَلِك، وكذا قدَّره الزَّمَخْشَرِي، فقال: ولِتَصْغى جَوَابُه مَحْذُوف، تقديره: وليكون ذَلِك جَعَلْنا لكُلِّ نبي عدُواً على أن اللَاّم لام الصَّيْرُورة. والوجه الثاني: أن اللَاّم لام الصَّيْرُورة وهي الَّتِي يعبِّرون عنها بِلام العاقِبَة، وهي رأي الزَّمَخْشَري، كما تقدَّم حكايته عنه. الوجه الثالث: أنها لام القَسَم. قال أبو البقاء: «إلا أنَّها كُسِرتْ لمَّا لم يؤكد الفِعْل بالنُّون» وما قَالَه غير مَعْرُوف، بل المَعْرُوف في هذا القَول: أنَّ هذه لام كَيْ، وهي جوابُ قسم مَحْذُوف، تقديره: واللَّه لتَصْغَى فوضع «لِتَصْغَى» موضع «لَتَصْغَيَنَّ» فصار دواب القَسَم من قَبِيل المُفْرَد؛ كقولك: «والله ليقومُ زيد» أي: «أحْلِفُ بالله لَقيامُ زيد» هذا مَذْهبُ الأخْفَش وأنشد: [الطويل] ٢٢٨٩ - إذَا قُلْتُ قَدْنِي قَالَ بِاللَّه حَلْفَةً ... لِتُغْنِيَ عَنِّي ذَا إنَائِكَ أجْمَعَا فقوله: «لتُغْني» جواب القَسَم، فقد ظَهَر أن هذا القَائِل يَقُول بكونها لام كي، غاية

стр. 4930

ما في الباب أنَّها وقعت مَوْقِع جواب القَسَم لا أنَّها جوابٌ بِنَفْسِها، وكُسِرَتْ لمَّا حُذِفَتْ منها نون التَّوكيد، ويدلُّ على فساد ذلك، أنَّ النُّونَ قد حُذِفَتْ، ولامَ الجواب بَاقِية على فَتْحِها، قال القَائِل في ذلك: [الطويل] ٢٢٩٠ - لئِنْ تَكُ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيْكُمْ بُيُوتُكُمْ ... لَيَعْلَمُ رَبِّي أنَّ بَيْتِيَ وَاسِعُ فقوله: «لَيَعْلَمُ» جوابُ القَسَم الموطَّأ له باللَاّم في «لَئِنْ» ومع ذلك فَهِي مَفْتُوحة مع حَذْفِ نُونِ التَّوْكِيد. والضَّمِير في قوله: «مَا فَعَلُوه» وفي: «إليه» يَعُود: إمَّا على الوَحْي، وإمَّا على الزُّخْرُف، وإما على القَوْل، وإمَّا عَلَى الغُرُور، وإمّا على العداوة؛ لأنَّها بمعنى: التَّعَادي. ولتصغى أي تميل وهذ المادَّة تدل على الميْل، ومنه قوله - تعالى -: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] ، وفي الحديث: «فأصْغى لها الإنَاء» وصاغِيَةُ الرجل: قَرَابَتُه الَّذِين يَمِيلون إليه، وعين صَغْوى أي: مائِلَة، قال الأعْشَى: [الطويل] ٢٢٩١ - تَرَى عَينَهَا صَغْوَاء فِي جَنْبِ مُؤقِهَا ... تُرَاقِبُ فِي كَفِّي القَطِيعَ المُحَرَّمَا والصَّغَا: مَيْلٌ في الحَنَك العَيْن، وصغت الشمس والنجوم: أي مالت للغُرُوب. ويقال: «صَغَوْتُ، وصَغِيتُ وصَغَيْتُ» فاللَاّم واو أو ياء، ومع الياء تُكْسَرُ عين المَاضِي وتُفْتَحُ. قال أبو حيَّان: «فَمَصْدر الأوَّل صَغْوٌ، والثَّاني صُغيُّ والثالث صَغاً، ومضارِعُها يَصْغَى بفتح العين» . قال شهاب الدِّين: قد حَكَى الأصْمَعِيُّ في مصدر صَغَا يَصْغُوا صَغاً، فليس «صَغاً» مُخْتَصاً بكونه مَصْداً ل «صَغِي» بالكَسْر. وزاد القرَّاء: «صُغِياً» و «صُغُواً» بالياء والواو مُشَدَّدتين، وأما قوله: «ومُضارِعُها، أي مُضارع الأفعال الثلاثة: يَصْغَى بِفَتْح الغين» فقد حكى أبُو عُبَيْد عن الكسَائِي: صَغَوتُ أصْغُو، وكذا ابن السِّكِّيت حَكَى: صَغَوتُ أصْغُو، فقد خَالَفُوا بين مُضارعِها، وصَغَوْتُ أصْغُو هو القياس الفَاشِي، فإن فعل المُعْتَل اللَاّم بالواو قِيَاس مُضَارعه: يَفْعُل بضمِّ العَيْن.

стр. 4931

وقال أبو حيَّان أيضاً: «وهي - يعني الأفعال الثلاثة - لازمة» أي: لا تتعدَّى، وأصْغَى مثلْها لازم، ويأتِي متعدِّياً، فتكون الهَمْزَة للنَّقْل، وأنشد على «أصْغَى» اللَاّزم قول الشاعر: [البسيط] ٢٢٩٢ - تَرَى السَّفِيهَ بِهِ عَنْ كُلِّ مُحْكَمَةٍ ... زَيَغٌ وَفِيهِ إلى التَّشْبيه إصْغَاءُ قال شهاب الدِّين: ومثله قول الآخر: [البسيط] ٢٢٩٣ - تُصْغِي إذَا شَدَّهَا بالرَّحْلِ جَانِحَةً ... حَتَّى إذا اسْتَوَى فِي غَرْزِهَأ تَثِبُ وفي الحديث: فأصْغَى لها الإنَاء «وهذا الذي زَعَمه من كَوْن صغَى، أو صَغِيَ، أو صَغاً يكون لازماً غير مُوافَقٍ عليه، بل قد حَكى الرَّاغب أنه يُقَال: صَغَيْتُ الإنَاء وأصغَيْتُه [وصَغِيت بكسر الغَيْن] يُحْتَمل أن يَكُن من ذَوَات اليَاءِ، ويُحْتَمل أن يكُون من ذَواتَ الواوِ، وإنَّما قُلِبَت الواوُ ياءً؛ لانكسار ما قَبْلَها؛ كقَوِي، وهُو من القُوَّة. وقراءة النَّخْعِي، والجَرَّاح بن عبد الله:» ولِتُصْغَى «من أصغَى رباعياً وهو هُنا لَازِم. وقرأ الحسن:» وَلْتَصْغى وليَرْضَوْه ولْيَقْتَرِفوا «بسكون اللَاّم في الثَّلاثة، وقال أبو عمرو الداني:» قراءة الحَسَن إنَّما هُو: «ولِتَصْغِي» بكَسْر الغَيْن «. قال شهاب الدِّين: فتكون كقراءة النَّخَعِيِّ. وقيل: قرأ الحسن:» ولتصغي «بكَسْر اللَاّم كالعامَّة، ولْيَرْضوه ولْيَقْتَرِفوا بسكون اللَاّم، خرَّجوا تَسْكين اللَاّم على أحَدِ وَجْهَين: إمَّا أنها لام كي، وإنَّما سُكِّنَتْ إجراءً لها مع بَعْدها مُجْرى كَبِد، ونَمِر.

стр. 4932

قال ابن جِنِّي:» وهو قَوِيٌّ في القِيَاس، شاذٌّ في السَّماع «. والثاني: أنَّها لام الأمْر، وهذا وإن تَمشَّى في» لِيرْضَوْه ولِيَقْتَرِفوا: فلا يتمشَّى في: «ولِتَصْغى» إذ حرف العلة يحذف جزماً. قال أبُو البقاء: «ولَيْست لام الأمْر؛ لأنه لَمْ يَجْزِم الفعل» . قال شهاب الدِّين: قد ثبت حَرْف العِلَّة جَزْماً في المُتَواتِر، فمنها: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢] ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ الله﴾ [يوسف: ٩٠] ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تنسى﴾ [الأعلى: ٦] ﴿لَاّ تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تخشى﴾ [طه: ٧٧] وفي كُلِّ ذلك تَاويلات سَتَقِف عَلَيْها - إن شاء الله تعالى - فتلكن هذه القراءة الشَّاذَّى مثل هذه المَوَاضِع، والقولُ بكون لام «لتصغى» لام «كَيْ» سُكِنت؛ لِتَوالي الحَرَكات واللَاّمين بَعْدَها لامَيْ أمْر بعيدٌ وتَشَهٍّ. وقال النَّحَّاس: ويُقْرأ: «ولْيَقْتَرِفُوا» يعني بالسُّكُون، قال: «وفيه مَعْنى التَّهْديد» . يريد: أنَّه أمر تَهْديد؛ كقوله: ﴿اعملوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] ولم يحك التَّسْكِين في «لِتَصْغَى» ، ولا في «لِتَرْضَوه» . و «مَا» في «ما هم مُقْتَرِفون» مَوْصُولة اسميَّة، أو نكرة مَوْصُوفة مصدريَّة، والعَائِد على كلا القولَين الأولين مَحْذُوف، أيك «ما هم مُقْتَرِفُوه» . [و] قال أبُو البقاء: «وأثبت النُّون لما حُذِفَت الهاء» يريد: أن الضَّمير المتَّصِل باسم الفاعل المُثَنًّى والمجموع على حَدِّه، تُحْذَفُ له نُون التَّثْنِيَة والجمع، نحو: «هَذَانِ ضَارِبَاه» و «هؤلاء ضَارِبُوه» فغذا حذفَ الضَّمِير، وقد ثَبَتت؛ قال القائل: [الطويل] ٢٢٩٥ - وَلَم يَرْتَقِقْ والنَّاسُ مُحْتَضِرُونَهُ ... جَمِيعاً وأيْدِي المُعْتَفِينَ رَوَاهِقُهْ وقال القائل في ذلك: [الطويل] ٢٢٦٩ - هُمُ الفَاعِلون الخَيْرَ والآمِرُونَهُ..... ... ... ... ... ... ... ... . . والاقْتِرَاف: الاكْتِساب، واقترف فُلان لأهْله، أي: اكْتَسَب، وأكثر ما يُقَال في الشَّرِّ والذَّنْب، ويطْلَق في الخَيْر، قال - تعالى - ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً﴾ [الشورى: ٢٣] . وقال ابن الأنْبَارِيِّ: «قَرَفَ واقْتَرَفَ: اكتسب» وأنْشَد في ذلك: [الطويل]

стр. 4933

٢٢٩٧ - وإنِّي لآتٍ مَا أتَيْتُ وَإنِّنِي ... لِمَا اقْتَرَفَت نَفْسِي عَلَيَّ لَرَاهِبُ وأصل القِرْفِ والاقْتِرَاف: قِشْرُ لحاء الشَّجر، والجِلْدَةُ من أعَلَى الحرج وا يؤخَذُ منه قَرف، ثُمَّ استُعِير الاقْتِرَاف للاكْتِسَاب حَسَناً كان، أو سِّئاً وفي السيّئ أكثر اسْتِعْملاً وقارف فلان أمْراً: تَعَاطى ما يُعَاب به. وقيل: الاعْتراف يُزِيل الاقْتِرَاف، ورجل مُقْرِف، أي: هجين: قال الشَّاعر: [الرمل] ٢٢٩٨ - كَمْ بِجُودٍ مُقْرِفٍ نَالَ العُلَى ... وشَريفٍ بُخْلُهُ قَدْ وَضَعهْ وقَرَفْتُه بكذا: اتَّهَمْتُه، أو عِبْتُه به، وقارف الذَّنْب وعَبَره، إذا أتَاه ولا صقَهُ، وقارف امْرَأتَهُ، وإذا جَامَعها، والمُقْتَرِف من الخَيْل: الهَجِين، وهو الَّذي أمُّه برذون، وأبُوه عَرَبِيّ. وقيل: بالعَكْس. وقيل: هُو الَّذي دان الهجنة وقَارَفَها، ومن حَدِيب عُمَر ﵁: كتب إلى أبِي مُوسى في البَراذِين ما قَارفَ العِتَاق مِنْهَا، فأجْعَل لَهُ منهما واحٍداً، أي: قَارَبَهَا ودَانَاهَا، نقله ابن الأثير. فصل في تقدير الآية قال ابن الخِطِيب [قال أصْحَابنا] تقدير الآية الكَرِيمة: وكذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نِبِيِّ عدوّاً من شَيَاطين الجِنِّ والإنْس، وصفته: أنَّه يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْض زُخْرُف القَوْل غَرُواً، وإنَّما فَعَلْنا ذلك لِتَصْغَى إلَيْه أفْئِدة الذين لا يُؤمِنُون بالآخرة أي: أوْجدنا العداوة في قَلْب الشَّيَاطين الذين من صفتهم ما ذَكرْنَاهُ، ليكون كلامهم المُزَخْرَف مَقْبُولاً عند هؤلاء الكُفَّار. قالوا: وإذ حَمَلْنا الآية على هذا الوَجْه، يظهر أنَّه ﵎ يُريد الكُفْر من الكَافِر. أجاب المُعْتَزِلَة عنه من ثلاثة أوْجُه: الأول: قال الجُبَّائي: إن هذا الكلام خرج مَخْرج الأمر، ومعناه: الزَّجْر؛ كقوله ﵎: ﴿واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم﴾ [الإسراء: ٦٤] وكذا قوله: «وَلِيَرْضَوْه، ولِيقْتَرِفُوا» وتقدير الكلام: كأنَّه قال للرَّسُول ﵇: «فّذرْهُم

стр. 4934

وما يَفْتَرون» ثم اقال لَهُم على سَبِيل التَّهديد «ولِتَصْغَى إلَيْه أفْئِدَتُهم، وليَرْضَوه وليقترفوا ما هُم مُقْتِرَفُون» . الوجه الثاني: قال الكَعْبِي إنّ هذه اللَاّم لام العاقبة، أي: ستئول عاقبة أمرهم إلى هذه الأحْوال. قال القَاضِي: ويبعُد أن يقال: هذه العاقبة تحصُل في الآخِرة؛ لأن الإلْجَاء حَاصِل في الآخِرَة. قال: فلا يجُوز أن تِمَيل قُلُوب الكُفَّار إلى قُبُول المَذْهَب البَاطِل، ولا أن يَرْضَوْه، ولا أنْ يقترفوا الُّنُوب، بل يَحْبُ أن تُحْمَل على أنَّ عاقبة أمْرِهم في الدُّنْيَا تئول إلى أنْ يَقْبَلوا الأبَاطِيل، ويرضوا بها، ويَعْملُوا بها. الوجه الثالث: وهو الذي اختاره أبو مُسْلِم، قال: اللَاّم في قوله: «ولِتَصْغَى إلَيْه أفْئِدَةُ» متعلِّق بقوله: «يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْل غُرُوراً» والتَّقْدير: أن بَعْضَهم يُوحِي إلى بَعْض زُخْرُف القَوْل ليغُرُّوا بذلك، ﴿ولتصغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لَا يُؤْمِنُونَ بالآخرة وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ﴾ الذُّنُوب، ويكون المُرَاد أنَّ مَقْصُود الشَّياطين من ذلك الإيحاء: هو مَجْمُوع هذه المَعَانِي. والجواب عمّا الجُبَّائي من وُجُوه، ذكرها القَاضِي: أحدها: أن الواوَ في قوله: «ولِتَصْغَى» تقتضي تَعَلُّقَه بما قبْلَه، فحملُه على الابتداء بَعيدٌ. وثانيها: أن اللَاّم في قول: «ولِتَصْغَى» لام كَيْ، فيبعد أن يُقَال إنَّه لام الأمْر، ويَقْرُب ذلك من أنْ يَكُون تَحْرِيفاً لِكَلام اللَّه - تعالى -، وأنه لا يَجُوز، وأمَّا قول الكَعْبِي: بأنَّها لام العَاقِبَة، فضعيفح لأنهم أجْمَعُوا على أن هذا مَجَازٌ، وحَمْلُه على «كي» حَقِيقةً أوْلى، وأمَّا قَوْل أبِي مُسَلم، فهو أحسنُها، إلَاّ أنْ قوله: «يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْض زُخْرُف القَوْلِ غُرُواً» يقتضي ان يكُون الغَرَض من ذلك الإيحاء: هو التَّغْرير، وإذا عَطَّفْنَا عليه قوله: «ولِتَصْغَى إليْه أقْئِدَة» فهذا أيضاً عَيْن التغرير، لا معنى التغرير؛ لأنه يَسْتَمِيل إلى ما يكون بَاطِنُه قَبِيحاً، وظاهره حَسَنَاً. قوله: «ولِتَصْغَى إليه أفْئِدَة» عين هذه الاسْتِمَالة فلو عَطَفْنَأ عليه، لَزِم أن يَكُن المَعْطُوف عين المَعْطُف عَلَيْه، وأنَّه لا يجوز، أمَّا إذا قُلْنَا: تَقْدير الكلام: وكذلك جَعَلْنَا لكُلِّ نَبِيّ عُدُوّاً من شَأنه أن يُوحِي زُخْرُف القَوْل؛ لأجل التَّغرير، وإنما جَعَلْنا مثل هذا الشَّخْص عَدُواً للنَّبِي؛ لتصْغَى إليه أفْئِدَة الكُفَّار، فَيَبْعُدوا بذلك السَّبَبِ عن قُبُول دَعْوة ذلك النَّبِيِّ، وحنيئذٍ لا يَلْزَم منه عَطْف الشَّيء على نَفْسِه، فما ذَكَرنَاه أوْلى.

стр. 4935

فصل في معنى الإنسان قالوا: الإنسان شيء مُغَاير للبَدَن، ثم اخْتَلَفُوا: منهم من قال: المُتَعلِّق الأوَّل هو القَلْب، وبواسطته تتعلَّق النَّفْس؛ كسائر الأعْضَاء، كالدِّمَاغ، والكَبْد، ومنهم مَنْ قَال: القَلْب متعلِّق النَّفس الحَيَوانيَّة، والدِّمَاع متعلَّق النَّفْس النَّاطِقَة، والكَبِد متعلَّق النَّفْس الطَّبِيعيَّة، والأوَّلون تمسَّكوا بهذه الآية الكريمة؛ فإنه ﵎ جَعَل مَحَلَّ الصَّغى الذي هُو عِبَارة عن المَيْل والإرادة: القَلْب، فدلّ على أنَّ مُتعلِّق النَّفْس: القَلْب.

стр. 4936

لمّا حَكَى عن الكُفَّار أنَّهم أقْسَمُوا باللَّه جَهْد أيْمانهم، لَشِن جَاءَتْهُم آية، ليُؤمِنُنَّ بها، وأجاب عَنْه: بأنه لا فَائِدة في إظْهَار تلك الآيَات؛ لأنَّه - تعالى - لو أظْهَرَهَا، لبقوا مُصِرِّين على كُفْرِهم، بيَّن في هذه الآيَة أنَّ الدَّلِيل على نُبُوته، قد حَصَل فكلُّ ما طَلَبُوه من الزِّيادة، لا يَجب الالْتِفَات إليه. قوله: «افَغَيْرَ» يجوز نَصْب «غَيْرَ» من وَجْهَين: أحدهما: أنَّه مَفْعُول ل «أبْتَغي» مقدَّماً عليه، ووَلِيَ الهَمْزَة لما تقدَّم في قوله: ﴿أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً﴾ [الأنعام: ١٤] ويكُون «حَكَماً» حنيئذٍ: إمَّا حالاً، وإمَّا تَمْيِيزاً ل «غَيْر» ذكره الحُوفِيُّ: وأبُو البَقَاء، وابْنُ عَطِيَّة؛ كقولهم: «إنَّ غَيْرَها إبلاً» . الثاني: أن يَنْتَصِب «غَيْر» على الحَالِ مِنْ «حَكَماً: لأنَّه في الأصْل يَجُوز أن يَكُون وَصْفاً له، و» حَكَماً «هذا المَفْعُول به؛ فتحصَّل في نَصْب» غَيْر «وجهاان، وفي نصب» حَكَماً «ثلاثة أوجه: كونه حالاً، أو مَفْعُولاً، أو تَمْيِيزاً. والحَكَمُ أبلغ من الحَاكِم. قيل: لأنَّ الحَكَمَ لا يَحْكُم إلا بالعَدْل، ولاحاكم قد يَجُوز، ومَعْنى الآية الكريمة: قُلْ لَهُم يا محمَّد: أفَغَير اللَّه أطْلب قَاضياً بَيْنِي وبَيْنَكُمن وذلك أنَّهم كَانُوا يَقُولُون للنَّبِيِّ ﷺ َ: اجعل بَيْنَنا وبَيْنَك حَكَماً، فأجابَهُم به. قوله:» وهُو الَّذي أنْزَل «هذه الجُمْلة في مَحَلِّ نَصْب على الحَالِ من فاعِل:» أبْتَغِي «، و» مُفَصَّلاً «: حَالٌ من» الكِتَاب «أي مُبينَّاً فيه أمْرُه ونهيه، والمراد بالكِتَاب: القُرآن العَظِيم، وقيل» مُفَصَّلاً «أي: خَمْساً خَمْساً، وعَشْراً عَشْراً، كما قال: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢] . وقوله:» والذين آتيْنَاهم الكِتَاب «: مُبْتَدأ، و» يعْلَمُونَ «: خَبَره، والجُمْلَة مُسْتَأنَفَة،

стр. 4937

والمراد بِهِم: عُلَماء اليَهُود والنَّصارى الذين آتيْناهم التَّوْراة والإنْجِيل. وقيل: هم مُؤمِنوا أهل الكِتَاب، وقال عطاء: رُؤسَاء أصْحَاب النَّبِيِّ ﷺ َ بالكِتَاب: القُرْآن العَظِيم، يَعْلَمون أنه مَنَزَّلٌ. قرأ ابنُ عامر، وحَفْص عن عاصم:» مُنَزَّل «بتشْدِيد الزَّاي، والباقُون بِتَخْفِيِيها، وقد تقدَّم: أنَّ أنزل ونزَّل لُغَتَان، أو بَيْنَهُما فَرْق، و» من ربِّك «لابْتِداء الغَايةِ مَجازاً، و» بالحقِّ «حال من الضَّمِير المُسْتكنِّ في» مُنَزَّل «أي: مُلْتَبِساً بالحَقِّ، فالباء للمُصَاحَبَة. قوله:» فَلا تكُونَنَّ من المُمْترِين «أي: من الشَّاكين أنَّهم يَعْلَمُون ذلك. وقيل: هذا من بابِ التَّهْييج والإلْهَاب؛ كقوله - تعالى -: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [الأنعام: ١٤] . وقيل: هذا خِطَاب لِكُلِّ أحد، والمعنى: لما ظهرت الدَّلائِل، فلا يَنْبَغِي أنْ يَمْتِرِي فيه أحَد. وقيل: هذا الخِطَاب وإن كان في الظَّاهِر للرَّسُول، إلَاّ أن المراد أمته.

стр. 4938

في نصب «صِدْقاً وعَدْلاً» ثلاثة أوجه: أحدها: أن يَكُونا مَصْدَرَيْن في مَوِضِع الحال، أي: تَمَّتَ الكَلِمَات صَادِقَات في الوَعْد، عَادِلات في الوعيدِ. الثاني: أنهما نَصْب على التَّمْييز. قال ابن عطيَّة: «وهو غَيْر صَوَاب» وممن قَالَ بِكَوْنه تَمِييزاً: الطَّبِريُّ، وأبُو البقاء. الثالث: انهما نصب على المَفْعُول من أجْله، أي: تَمَّتْ لأجْل الصِّدْق والعَدْل الواقِعَين مِنْهُما، وهو مَحَلُّ نظر، ذكر هذا الوَجْه أبُو البَقَاء. وقرأ الكوفِيُّون هنا، وفي يونس في قوله: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الذين فسقوا﴾ [يونس: ٣٣] ، ﴿إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [يونس: ٩٦] موضعان، فوي غافر: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [غافر: ٦] «كلمة» بالإفراد، وافقهم ابنُ كثير، وابُو عمرو على

стр. 4939

مَا في يُونُس وغافر، دون هذه السُّورة، والباقون: بالجَمع في المَواضِع الثُّلاثة. قال أبو حيَّان: «قرأ الكُوفِيُّون هُنَا وفي يُونُس في الموضعين وفي المؤمن:» كلمة «بالإفْرَاد، ونَافِع جميع ذلك» كلمات «بالجَمع، تابعه أبُو عَمْرو، وبان كثير هُنَا» قال شهاب الدِّين: كيف نَسِي ابن عامر؟ لا يُقَال: إنَّه قد أسْقَطَه النَّاسِخ وكان الأصْل «ونَافِع وابن عامر» ؛ لأنَّه قال: «تَابَعَهه» ولو كان كَذَلِكَ، لقال: «تَابَعَهُمَا» . ووجه الإفراد: إرادة الجِنْس، وهو نظير: رسالته ورسالاته. وقولهم: قال زهير في كلمته، أي: قصيدته، وقال قُسّ في كَلمته، أي: خُطْبَته، فكذا مَجْمُوع القُرآن العَظِيم، وقراءة الجَمْع ظَاهِرة؛ لأن كَلِمَاته - تعالى مَتْبُوعة بالنِّسْبة إلى الأمْر، والنَّهِي، والوعد، والوعيد وأراد بالكلمات: أمْرَه ونَهْيَهُ ووعْدَه ووَعِيدَه، في الأمْر والنَّهْي. وقال قتادة: ومُقاتل: صِدْقاً فيما وعد عدلاً فيما حَكَم، وهذا الكلام كما يَدُل على أن الخُلْف في وَعْد اللَّه مُحَال؛ فيدلُّ أيضاً: على أنَّ الخُلْفَ في وعيده مُحَال، بخلاف ما قالهُ الوَاحِدِيّ في تَفْسِير قوله ﵎: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] إن الخُلْف في وعيد اللَّه جَائِزٌ، لأن وعد اللَّه ووعِيدَه كلمة اللَّه، فيجب كَوْنَها موصُوفَةٌ بالصِّدق؛ لأن الكذب نَقْص، والنَّقْص على اللَّه مُحَال، ولا يَجُةز إثْبات أنَّ الكَذِب على اللَّه مُحَال، فلو أثبتنا امتِنَاع أن الكذب على الله مُحَال] لزم الدَّوْر، وهو بَاطِل، وأجْمَعُوا على الجَمْع في قوله: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴿لَاّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ﴾ ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله﴾ [الأنعام: ٣٤] . قوله: «لا مبدِّل لِكلماتِه» يحتمل أن يكُون لَهَا مَحلُّ من الإعراب؛ لأنَّها مُسْتَأنفة، وأن تكون جُمْلة حَاليّضة من فاعل «تَمَّتْ» . فإن قُلْت: فأين الرَّابِط بين ذي الحَالِ، والحَالِ؟ فالجواب أنَّ الرَّبْط حصل بالظَّاهر، والأصْل: لا مبدِّل لها، وإنَّما أبرزت ظَاهِرة؛ تَعْظِيماً لها ولإضافتها إلى لَفْظ الجلالة الشَّريفة. قال أبو البَقَاء: ولا يجُوز حالاً من «ربِّك» لئلا يُفْصَلَ بين الحَالِ

стр. 4940

وصاحبها الأجْنَبِيِّ، وهو: «صدقاً وعدلاً» إلا أن يُجْعَلَ «صِدْقاً وعَدْلاً» : حالاً من «ربِّك» لا من «الكَلِمَات» . قال شهاب الدِّين: فإنه إذا جعل «صدقاً وعدلاً» : حالاً من «ربِّك» لم يَلْزَمْ منه فَصْلٌ؛ لأنَّها حالان لذي حال، ولكنّ قَاعدته تَمْنَع تَعَدُّد الحال لذي حالٍ واحدة، وتمنع أيضاً مَجِيء الحَالِ من المُضاف إلَيْه، وإن كان المُضَاف بَعْض الثُّانِي، ولم يُمْنعن هنا بِشَيْء من ذلك، والرسم في «كَلِمَات» في المواضعِ الِّتِي أشَرْتُ [إلى] اخْتِلاف القُرَّاء فيها مُحْتَمِل لِخِلافِهِهم، فإنه في المُصْحَف الكَرِيم من غير ألِف بعد الميم. [وقوله تعالى: «إن يتَّبْعُون» ، و «إن إلا يَخْرصُون» «إن» نافية، بمعنى: ما في الموضعين و «الخَرْص» : الحَزْر ويُعَتبر به عن الكذب والافْتِراء، وأصله من التَّظَنِّي، وهو قول ما لم يُسْتَيْقَن، ويتحقق؛ قاله الأزْهِري. ومنه خرص النَّخل، يقال: «خَرَصًها» الخَارِص خَرْصاً، فهي «خِرْص» فالمَفْتُوح مَصْدر، ولامكْسُور بِمَعْنَى: مَفْعُول؛ كالنَّقض والنِّقض، والذَّبْح] فصل في معنى الآية قال ابن عبَّاس ﵄ مَعْنَى «لا مُبَدِّل لِكَلماته» : لا رادَّ لِقَضَائِه ولا مُغَيِّر لِحكمه، ولا خُلْف لوعْدِه، وهو السَّمِيع العَلِيم. وقيل المُرَاد «الكَلِمَات» القرآن لا مُبَدِّل له لا يَزيد في المُفتَرُون، ولا يُنْقِصُون؛ كقوله ﵎ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] . وقيل: المُراد: أنها محفوظة عن التَّنَاقُض؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً﴾ [النساء: ٨٢] . وقيل المراد: أنَّ أحْكام اللَّه ﵎ لا تَقْبَل التَّبْدِيل والزَّوَال؛ لأنَّها أزَلِيَّة، والأزَليُّ لا يَزُول، وهذا الوَجْه أحَد الأصُ ل القَوِيَّة في إثْبات الخَير؛ لأنه - تبراك وتعالى - لمَّا حظضكظَم على زَيْد بالسَّعادة، وعلى عَمْرو بالشَّقاوة، ثمَّ قال: «لا مُبَدِّل لكلمات الله» لزم منه امْتِناع أنْ يِقْلِب السَّعيد شقّاً، والشَّقِي سعيداً، وهو مَعْنَى قوله ﵊ ُ -: جَفَّ القَلَم بما هو كَائِنٌ إلى يَوْم القِيَامَة.
следующие страницы →