Полный текст (12 961 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.
стр. 5006
صَوْت ربِّها واللَّه، ففصل بالقسم وهو في قُوَّة الجُمْلَة، وقرأ بَعْض السَّلَف: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧] بنصب «وَعْدَهُ» وخفض «رُسُلِهِ» وفي الحديث عنه ﵊ ُ -: «هَلْ أنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبي، تَارِكُوا لِي امْرَأتِي» أي تاركو صَاحِبي لي، تَارِكُو امْرَأتِي لي.
وقال ابن جِنِّي في كتاب «الخصائص» : باب ما يَرِدُ عن العَرَبِيّ مُخَالِفاً للجُمْهُور، إذا اتَّفق شَيْءٌ من ذلك، نُظِر في ذلك العربي وفيما جَاءً بهِ: فإن كان فَصِيحاً وكان مَا جَاء به يَقْبَلُه القِيَاسُ، فَيَحْسُن الظَّنُّ به؛ لأنه يمكن أن يَكُون قَدْ وَقَع إليه ذَلِك من لُغَةٍ قديمة، قد طَال عَهْدُها وعَفَا رَسْمُهَا.
أخرنا أبُو بكْر جعفر بن مُحَمَّد بن أبي الحَجَّاج، عن أبي خَلِيفَة الفَضْل بن الحباب، قال: قال ابن عَوْف عن ابن سيرين: قال عُمر بن الخطَّاب ﵁: «كان الشِّعْر عِلْمَ قَوْم لم يَكُونْ لَهُم عِلْمٌ منه؛ فجاء الإسْلام فتشاغَلَت عَنْه العَرَب بالجِهَاد وغَزْو فَارِس والرُّوم، ولَهَت عن الشِّعر وروايته، فلما كَثُر الإسلام وجاءت الفُتُوح، وأطْمَأنَّت العرب في الإمْصَارِ، راجَعُوا رواية الشِّعْرِ فلم يَئُولوا إلى دِيوانٍ مُدَوَّنٍ، ولا إلى كِتاب مكْتُوبٍ، وألِفُوا ذلك وقد هَلَك مَنْ هَلَك من العربِ بالموت والقَتْلِ، فَحَفِظُوا أقل ذلك وذهب عَنْهُم كَثِيرُه» .
قال: وحدَّثنا أبو بكر، عن أبِي خَلِيفَة عن يُونُس بن حَبِيب، عن أبِي عَمْرو بن العلاء. قال: «ما انْتَهى إليكم مما قالت العَرَب إلا أقَلُّه، ولو جَاءَكُم وافراً لجَاءَكُم عِلْمٌ وشِعْر كَثِير» . وقال أبو الفَتْح: «فإذا كان الأمْر كَذَلِك، لم نَقْطَع على الفَصِيح إذا سُمِع مِنْه ما يُخَال الجُمْهُور بالخَطَإ، ما وُجِد طَريقٌ إلى تَقَبُّل ما يُورِدُه، إلا إذا كان القِيَاسُ يُعَاضِدُه» .
قال شهاب الدِّين: وقراءة هذا الإمام بهذه الحيثيَّة، بل بطريق الأولَى والأحْرَى لو لم تكُن مُتَوَاتِرة، فكيف وهي مُتواتِرَة؟ وقال ابن ذَكْوَان: سألَني الكَسَائِي عن هذا الحَرْفِ وما بَلَغَهُ من قِرَاْتنا، فرأيْتُه كأنه أعْجَبَه وتَرَنِّم بهذا البيت: [البسيط]
٢٣٢٨ - تَنْفِي يَدَهَا الحَصَى فِي كُلِّ هَاجِرَةٍ ... نَفْيَ - الدَّرَاهِيمَ - تَنْقَادِ الصَّيَارِيفِ
بنصب «الدَّرَاهِيم» [وجَرِّ «تَنْقَاد» ، وقد رُوِي بخفض «الدَّرَاهِيم» ورفع «تَنْقَادُ» وهو الأصْل، وهو المَشْهُور في الرِّواية] .
стр. 5007
وقال الكرمَانِيّ: «قراءة انب عَامرٍ وإن ضَعُفَتْ في العَرَبِيَّة للإحَالَة بين المُضَافِ والمُضَافِ إليه فَقَويَّةٌ في الرَّواية عَالِيةٌ» انتهى.
وقد سُمِعَ ممَّنْ يُوثَق بعربيَّته: «تَرْكُ يَوْماً نَفْسِك وهَوَاهَا سَعْيٌ في رَادَاهَا» أي: تَرْكُ نَفْسِك يَوْماً مع هَوَاهَا سَعْيٌ في هَلاكِهَا.
وأما ما ورد في النَّظْمِ من الفَصْلِ بين المُتَضَايفين بالظَّرْف، وحَرْف الجرِّ، وبالمفعول فكَثِيرٌ، وبغير ذلك قَلِيل، فمن الفَصْل بالظَّرْفِ قول الآخر: [الوافر]
٢٣٣٠ - كَمَا خُطَّ الكِتَابُ بَكَفِّ - يَوْماً - ... يَهْودِيِّ ... ... . .
وقول الآخر: [السريع]
٢٣٣١ - قَدْ سَألَتْنِي أمُّ عَمْرٍو عَنِ ال ... أرْضِ الَّتِي تَجْهَلُ أعلامَهَا
لمَّار رَأتْ سَاتِيدَمَا اسْتَعْبَرَتْ ... لِلِّهِ دَرُّ - اليَوْمَ - مَنْ لَامَها
تَذَكَّرَتْ أرْضاً بِهَا أهْلُهَا ... أخْوالَهَا فِيهَا وأعْمَامَهَا
يريد: للَّه دَرُّ مَنْ لامَها اليَومْ، و «ساتِيدمَا» قيل: هو مرَكَّب والأصْل: «سَاتِي دَما» ثم سمِّي به هذا الجبل؛ أنه قُتِل عِنْدَه، قيل: ولا تَبْرح القَتْلَى عند، وقيل: «سَاتِيد» كله اسْمٌ و «مَا» مَزِيدة؛ ومثال الفَصْل بالجار قوله: [الطويل]
٢٣٣٢ - هُمَا أخَوَا - فِي الحرْب - مَنْ لا أخَا لَهُ ... إذا خَافَ يَوْمَاً نَبْوَةً فَدَعَاهُمَا
وقال الآخر في ذلك: [البسيط]
٢٣٣٣ - لأنْتَ مُعْتَادُ - فِي الهَيْجَا - مُصَابَرَةٍ ... يَصْلَى بِهَا كُلُّ مَنْ عَادَاكَ نِيرَانَا
وقوله أيضاً: [البسيط]
стр. 5008
٢٣٣٤ - كَأنَّ أصْوَات - مِنء إيغَالِهِنَّ بِنَا - ... أوَاخِر المَيْسِ أصْواتُ الفَرَارِيجِ
قوله أيضاً: [الطويل]
٢٣٣٥ - تَمُرُّ على ما تَسْتِمِرُّ وَقَدْ شَفَتْ ... غَلائِلَ - عَبْدُ القَيْسِ مِنْهَا - صُدُورِهَا
يريد: هما أخَواَ مَنْ لا أخَا لَهُ في الحربِ، ولانْتَ مُعْتَادُ مُصَابرةٍ في الهَيْجاء، وكأن أصوات أواخر الميس وغَلائِل صُدُورها، ومن الفَصْل بالمفعُول قول الشاعر في ذلك: [مجزوء الكامل]
٢٣٣٦ - فَزَجَحْتُهَا بِمَزَجَّةٍ ... زَجَّ - القُلُوصَ - أبِي مَزادَهْ
ويروي: فَزَجَجْتُها فتدافعتْ، ويروى: فزجَجْتُهَا متمكِّنَا، وهذا البيت كما تقدم أنْشَده الأخْفَش بِنْصَب «القَلُوصَ» فاصلاً بين المصدر وفاعل المعْنوِيّ، إلا أن القرَّاء قال بعد إنشاده لهذا البيتِ: أهل المدينة يُنْشِدون هذا البَيْتَ يعني: بِنَصْب «القَلُوص» . قال: «والصَّواب: زَجَّ القَلُوصِ بالخَفْض» . قال شهاب الدِّين: وقوله: «والصَّواب يُحْتَمل أن يكُون من حَيْث الرِّوَاية الصَّحيحة وأن يكُون من حَيْثُ القياس، وإن لم يُرْوَ إلا بالنَّصْب، وقال في مَوْضِع آخر من كتابه» مَعَانِي القُرْآن «:» وهذا ممَّا كان يقُولُه نَحْوي ُّو أهل الحِجَاز، ولم نَجِد مِثْلَه في العربيَّةط وقال أبو الفَتْح: «في هذا البيت فُصِل بينهُمَا بالمفعُول به هذا مع قُدْرته على أنْ يقُول: زَجَّ القَلُوص أبو مزادة؛ كقولك:» سَرَّنَي أكلُ الخُبْزِ زَيْدٌ «بمعنى: أنه كان يَيْبَغِي أن يُضِيفَ المَصْدَر إلى مَفْعُوله، فَيَبْقى الفاعل مَرْفُوعاً على أصْلِه، وهذا مَعْنَى قول الفرَّاء الأوَّل» والصَّواب جر القَلُوص «سيعني ورفع الفاعل» .
ثم قال ابن جِيني: وفي هذا البَيْت عِنْدي دَلِيلٌ على قُوَّة إضافَةِ المَصْدَر إلى الفَاعِل عِنْدَهُم، وأنه في نُفُوسِهِم أقْوَى من إضافته إلى المَفْعُول؛ ألا تراه ارْتَكب هذه الضَّرُورة
стр. 5009
مع تمكُّنِهِ من تركِهَا لا لِشَيْءٍ غير الرَّغْبة في إضافة المصْدَرِ إلى الفاعل دُون المَفْعُول، ومن الفَصْلِ بالمفعُول به أيضاً قول الآخر في ذلك: [الرجز]
٢٣٣٧ - وحِلَقِ المَاذِيِّ والقَوانِسِ ... فَدَاسَهُمْ دَوْسَ الحَصَادَ الدَّائِسِ
أي: دوس الدائس الحصادَ.
ومثله قول الآخر: [الرجز]
٢٣٣٨ - يَفْرُكُ حَبَّ السُّنْبُلِ الكُنَافِجِ ... بالقَاعِ فَرْكَ - القُطُنَ - المُحَالِجِ
يريد: فَرْك المُحَالِجِ القُطْن، وقول الطِّرمَّاحِ في ذلك: [الطويل]
٢٣٣٩ - ... ... ... ... ... . ... بِوَاديهِ مِنْ قَرْعِ - القِسيَّ - الكَنَائَنِ
يريد: قَرْع الكَنَائِنِ القِسِيَّ. قال ابن جِنِّي في هذا البيت: «لم نَجِد فيه بُداً من الفَصْلِ؛ لأن القوافي مَجْرُورَة» وقال في «زَجِّ القَلُوصِ» فصل بَيْنَهُما بالمَفْعُول به، هذا ما قُدْرَته إلى آخَر كلامهِ المتقدِّم، يعني: أنَّه لو أنْشَد بَيْت الطِّرْمَاح بخَفْضِ «القِسِيِّط ورفع» الكَنَائِنِ «لم يَجُز؛ لأن القَوافِي مَجْرُورة بِخِلاف بَيْت الأخْفَش؛ فإنه لو خفض» القَلُوص «ورَفع» أبُو مَزَادَة «لم تَخْتَلِف فيه قَافيِتَه ولمْ يَنْكَسِر وَزْنَه.
قال شهاب الدِّين: ولو رفع» الكَنَائِن «في البيت، لكان جَائِزاً وإن كانتِ القوافي مَجْرُورة، ويكُون ذلك إقْوَاءً، وهو أن تكُون بَعْضُ القَوَافي مَجْرُورة وبَعْضُها مَرْفُوعة؛ كقول امرئ القيس: [الكامل]
٢٣٤١ - جَالَتْ لِتصْرَعَنِي فَقُلْتُ لَهَا اقْصِري ... إنِّ امْرُؤٌ صَرْعِي عَلَيْكِ حَرَامُ
قالميمُ مَحْفُوضة في الأوَّل، مَرْفُوعة في الثَّاني. فإن قيل: هذا عَيْبٌ في الشِّعْر.
قيل: لا يتقاعد ذلك عن أنْ يَكُون مِثْل هذه للضَّرُورةَ، والحقُّ أن الإقْواء أفْحَشُ
стр. 5010
وأكثر عَيْباً من الفَصْل المَذْكُور، ومن ذلك أيضاً: [الوافر]
٢٣٤٢ - فإنْ يَكُنِ النِّكَاحُ أحَلِّ شَيءٍ ... فإنَّ نِكَاحَهَا مَطَرٍ حَرَامُ
أي: فإنَّ نِكَاحَ مطرٍ إيَّاها، فلما قدَّم المفْعُول فَاصِلاً بين المَصْدَر وفاعله، اتَّصَل بعامِلهِ؛ أنه قدر عليه مُتَّصِلاً فلا يَعْدل إليه مُنْفَصِلاً، وقد وقع في شِعْر أبي الطَّيَّب الفَصْل بني المَصْدَر المُضافِ على فَاعِلهِ بالمَفْعُول؛ كقوله: [الطويل]
٢٣٤٣ - بَعَثْتُ إلَيْهِ مِنْ لِسَانِي حَدِيقَةَ ... سَقَهَا الحَيَا سَقْي - الرِّياضَ - السَّحائبِ
أي: سقي السَّحائب الرِّياضَ، وأما الفَصْل بغير ما تقدَّم فهو قَلِيلٌ، فمنه الفَصْل بالفاعل.
كقوله: [الطويل]
٢٣٤٤ - ... ... ... ... ... . ... غَلَائِلَ عَبْدُ القَيْسِ مِنْهَا صُدورِهَا
فَفَصَل بين «غَلائِلَ» وبين «صُدُورَهَا» بالفاعل وهو «عبْدُ القَيْسِ» ، وبالجار وهو «مِنْهَا: كما تقدَّم بيانه؛ ومثله قول الآخر: [الطويل]
٢٣٤٥ - نَرى أسْهُماً لِلْمَوْتِ تُصْمِي وَلَا تُنْمي ... ولا تَرْعَوِي عَنْ نَقْضِ - أهْوَاؤنَا - العَزْومِ
فأهْوَاؤنا فاعل بالمصدر، وهو» نَقْض «وقد فصل به بين المَصْدَر وبين المُضَاف إلَيْه وهو العَزم؛ ومثله قول الآخر: [المنسرح]
٢٣٤٦ - أنْجَبَ أيَّام - والدهُ بِهِ - ... إذْ نَجَلاهُ فَنِعْمَ مَا نَجَلا
يريد: أيَّام إذ نجلاه، ففصل بالفاعل وهو» والدهُ «المرفوع ب» أنْجَبَ «بين المُتضايفين وهما» أيَّام - إذْ ولداه «.
قال ابن خَرُوف:» يجوزُ الفصل بين المصْدَر والمضاف إليه بالمفعُول؛ لكوْنِهِ في غير محلِّه، ولا يُجُوزُ بالفاعل لكوْنِهِ في محلَّه وعليه قراءة ابن عَامِر «.
قال شهاب الدِّين: هذا فَرْقٌ بين الفاعل والمفعُول حيث اسْتَحْسن الفَصْل بالمفْعُول دون الفاعل، ومن الفَصْل بغير ما تقدَّم أيضاً الفَصْل بالنِّداء؛ كقوله: [البسيط]
стр. 5011
٢٣٤٧ - وفَاقُ - كَعْبُ - بُجَيْر مُنْقِذٌ لَكَ مِنْ ... تَعْجِيلِ مُهْلَكَةٍ والخُلْدِ في سَقَرِ
وقول الآخر: [الطويل]
٢٣٤٨ - إذَا مَا - أبَا حَفْصٍ - أتَتْكَ رَأيْتَهَا ... عَلَى شُقراءِ النَّاسِ يَعْلُو قَصِيدُهَا
وقول الآخر في ذلك: [الزجر]
٢٣٤٩ - كأنَّ بِرْذَوْنَ - أبَا عِصَامِ - ... زَيْدٍ حِمَارٌ دُقَّ بِاللِّجَامِ
يريد:» وفاق يجَيْر يا كَعْب «و» إذا ما أتَتْكَ يا أبَا حَفْصٍ «و» كأن بِرْذَوْنَ زَيْد يا أبا عِصَام «.
ومن الفَصْل أيضاً الفَصْل بالنَّعْتِ؛ كقول مُعَاوِية يُخاطِب به عَمْرو بن العَاص: [الطويل]
٢٣٥٠ - نَجَوْتَ وَقَدْ بَلَّ المُرَادِيُ سَيْفَهُ ... مِن ابْنِ أبِي شَيْخِ الأبَاطِح طَالبِ
وقول الآخر في ذلك: [الكامل]
٢٣٥١ - وَلَئِنْ حَلَفْتُ عَلَى يَدَيْكَ لأحْلِفَنْ ... بيَمِينِ أصْدَقَ مِنْ يَمينكَ مُقْسِمِ
يريد: من ابن أبي طَالِب شَيْخ الأبَاطِح، فشيخ الأباطح نعْت لأبي طالب، فصل به بَيْن أبي، وبَيْن طالب، ويريد: لأحْلِفَن بيمين مُقْسِم أصْدَق من يَمِينِك؛ ف» أصدق «نعت لَقَوْله بيمين، فصل به بَيْن» يَمِين «وبَيْن» مُقْسِمِ «ومن الفَصْل أيضاً الفَصْل بالفِعْل المُلْغَى؛ كقوله في ذلك: [الوافر]
٢٣٥٢ - ألا يَا صَاحِبَيَّ قِفَا المَهَارَى ... نُسَائِلْ حَيَّ بَثْنَةَ ايْنَ سَارَا؟ بأيِّ تَرَاهُم الأرَضِين حَلُّوا
أألدَّبَرَانِ أمْ عَسَفُوا الكِفَارَا؟ ...
стр. 5012
يريد: بأي الأرضين تراهم حَلُّوا، ففصل بقوله «تَرَاهمُ» بين «أيّ» وبين الأرضين.
ومن الفَصْل أيضاً الفَصْل بمفْعُول «لَيْس» معمولاً للمصدر المُضاف إلى فاعل؛ كقول الشاعر: [البيسط]
٢٣٥٣ - تَسْقِي ندى ريقتها المِسْوَاك ف «المِسْواكَ ريقَتها ... كَمَا تَضَمَّن مَاءَ المُزْنَةِ الرَّصِفُ
أي: تسْقِي ندى ريقتها المِسْوَاك ف» المِسْوَالك «مفْعُول به نَاصبة» تَسْقِي «فصل به بين» نَدَى «وبين» ريقتهَا «، وإذ قد عَرَفْت هذا، فاعْلَم أنَّ قِرَاءة ابن عَامِر صحيحَة؛ من حيث اللُّغَةِ كما هي صَحيحة من حَيْث النَّقْل، ولا التِفَات إلى قَوْل من قال: إنه اعْتَمَد في ذلك على رسْم مُصْحَفِ الشَّام الذي أرْسَلَه عُثْمَان بن عفَّان ﵁: لأنه لم يُوجَد فيه إلا كَتَابة» شُرَكَائِهِم «بالياء وهذا وإن كافياً في الدَّلالة على جَرِّ» شُرَكائِهِم «، فليس فيه ما يَدُلُّ على نَصْب» أوْلادَهُم «؛ إذا المصْحَفُ مُهْمَلٌ من شكْل ونقط، فلم يَبْقَ له حُجَّة في نَصْب الأولاد إلَاّ النَّقْل المحض.
وقد نقد عن ابن عامرٍ؛ أنه قرأ بِجَرِّ» الأوْلاد «كما سيأتي بَيَانَهُ وتَخْريجُه، وأيضاً فليس رسْمها» شُرَكَائِهم «بالياء مخْتَصاً بمصْحَف الشَّامِ، بل هي كذلك أيضاً في مُصْحَف أهْل الحِجَاز.
قال أبو البرهسم:» فِي سُورة الأنْعَام في إمَام أهْل الشَّم وأهْل الحجاز: «أوْلادَهُم شُرَكَائِهِم» بالياء، وفي إمان أهل العراق «شُرَكَاؤهُم» ولم يَقْرَأ أهل الحجاز بالخفضِ في «شُرَكَائِهِم» لأن الرَّسءم سُنَّةُ مُتَّبعة قد تُوافِقُهَا التِّلاوة وقَدء لا تُوَافِقُ «.
إلَاّ أن الشيخ أبا شَامَةَ قال:» ولم تُرْسم كذلك إلا باعتبار قراءَتَيْن: فالمضموم عليه قِراءة معْظم القُرَّاء «ثم قال:» وأمَّا «شُركَائهم» بالخَفْضِ؛ فيحتلم قراءة ابن عمر «قال شهاب الدين: وسيأتي كلام أبِي شَامَ’ هذا بتَمَامة في موْضِعه، وإما أخَذْتُ منه [بقَدر] الحَاجَة هُنَا.
فقوله:» إن كُلَّ قراءة تَابِعَة لرسءم مُصْحَفِها «تُشْكِلُ بما ذكرنا لك من أنَّ مصحَفَ الحِجَازيِّين بالياءِ، [مع أنَّهُم لم يَقْرءُوا بذلِك] .
وقد نقل أبُو عَمْرو والدَّانيِ أن:» شُرَكَائِهِم «بالياء] ، إنَّما هو في مُصْحف الشَّامِ دون مَصَاحِف الأمْصَار؛ فقال:» في مَصَحِف أهْل الشَّامِ «أوْلادَهُم شُركَائِهم» بالياء، وفي سائر المصاحف شُركَاؤُهُم بالواوِ «.
стр. 5013
قال شهاب الدين: هذا هو المَشْهُور عند النَّاس، أعني اختصاص الياءِ بمصاحفِ الشَّام، ولكن أبُو البرهسم ثِقَة أْيضاً، فنَقْبَل ما ينقله. وقد تقدَّم قول الزَّمَخْشَري: و» الَذي حَمَلَه على ذِلَك أنْ رَألا في بعض المَصاحِف «شُرَكَائِهِم» مكتوباً بالياء «.
وقال الشَّيْخ [شهاب الدِّين] أبو شامة: «ولا بُعْد فيما اسْتَبْعَده أهل النَّحْو من جِهَة المَعْنَى؛ وذلك أنه قَدْ عُهِد المفعُول على الفاعل المَرْفُوع تقديراً، فإنَّ المَصْدر لو كان مُنَوّناً لجاز تَقْدِيم المفعُول على فاعله، نحو:» أعْجَبَنِي ضَرْب عَمْراً زَيْدٌ «فكذا في الإضَافَة، وقد ثبت جواز الفَصْل بين حَرْف الجرِّ ومجْرُوره مع شِدَّة الاتِّصال بَيْنَهُمَا أكْثَر من شِدَّته بني المُضَافِ والمُضافِ إليه؛ كقوله - تعالى -: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَّيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] ، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ف» مَا «زَائِده في اللَّفْظِ، فكأنه مؤخَّر لَفْظاً، ولا التِفَات إلى قَوْل من زَعَم أنه لم يَأتِ في الكلام المَنْثُور مثله؛ لأنه نَافِ، ومن أسْنَد هذه القِراءة مُثْبِت، والإثْبات مُرَجَّح على النَّفْي بإجْمضاع، ولو نقل إلى هذا الزّاعِم عن بَعْضِ العرب أنه اسْتَعَمَلَهُ في النَّثْر، لرجع إلَيْه، فما بالُه لا يكْتَفِي بناقل القراءة من التَّابعين عن الصَّحابَةِ؟ ثم الذي حَكَاه ابن الأنْبَاري يَعْني ممَّا تقدَّم حِكاتيه من قوله:» هو غُلامُ إن شاء اللَّه أخيك «فيه الفَصْل من غير الشِّعْر بجُمْلَة» .
وقرأ أبو عبد الرَّحْمن السلمي، والحسن البصري، وعبد الملك قَاضِي الجند صَاحِب أن عامِر: «زُيِّن» مبْنِياً للمفعُول، «قَتْلُ» رفعاً على ما تقدَّم، «أوْلادِهم» خفْضاً بالإضافة، «شُرَكَاؤهم» رفْعاً، وفي رفْعِه تخريجان:
أحدهما - وهو تَخْريج سيبويه -: أنه مَرْفُوع بفعل مُقَدَّر، تقديره: زَيَّنَه شركَاؤهُم، [فهو جواب لِسُؤال] مقدر كأنَّه قيل: مَنْ زَيَّنة لَهُم؟ فقيل: «شركَاؤُهُم» ؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رجَالٌ﴾ [النور: ٣٦] أي: يُسَبِّحُهُ.
وقال الآخر: [الطويل]
٢٣٥٤ - لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ..... ... ... ... ... ...
والثاني: خرجه قُطْرُب - أن يكُون «شُرَكَاؤهُم» رفعاً على الفاعليَّة بالمَصْدَر، والتقدير: زُيِّن للمشركِين أن قَتْلَ أوْلادهم شُركَاؤُهُم؛ كما تَقُول: «حُبِّب لِي رُكوبُ الفرسِ زَيْدٌ» تقديره: حُبِّب لِي أنْ ركب الفَرَس زَيْد، والفرق بني التَّخْرِيجَيْن: أن التَّخريج
стр. 5014
الأوَّل يؤدِّي إلى أن تكُونَ هذه القِرَاءةُ في المَعْنَى، كالقراءة المَنْسُوبة للعَامَّة في كون الشُّركَاء مُزَيِّين للقَتْلِ، وليسوا قَاتِلِين. [والثاني: أن يكون الشُّركاء قَاتِلين] ، ولكن ذلك على سبيل المجازِ؛ لأنهم لما زيَّنُوا قَتْلَهم لآباَائِهِم، وكانوا سَبَاً فيه، نُسِبَ إليهم القَتْل مجازاً.
وقال أبو البقاء: «ويمكن أن يَقَع القَتْل منهم حَقِيقَة» ، وفي نظر؛ لقوله ﵎: «زَيَّن» والإنْسَان إنما يُزَيَّن له فِعْل نَفْسِه؛ كقوله - تعالى -: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ [فاطر: ٨] وقال غير أبي عُبَيْد: «وقرأ أهْل الشام كقِرَاءة ابن عامر، إلا أنهم خفَضُوا» الأولاد «أيضاً، وتخريجها سَهْل؛ وهو أن تَجْعَل» شُرَكَائِهم «بدلاً من» أولادِهِم «بمعنى أنهم يُشْرِكُونهم في النَّسب، والمالِ، وغير ذلك» .
قال الزَّجَّاج: «وقد رُوِيت» شُركَائِهم «بالياء في بَعْض المصاحفِ، ولكن لا يَجُوز إلَاّ على أن يكُون» شُركَاؤُهم «من نَعْت الأولاد؛ لأن أولادهم شُرَكَاؤهُم في أمْوالهم» .
وقال الفراء بعد أنْ ذكر قِرَاءة العامَّة وهي «زَيَّن» مبنياً للفاعل، «شركَاؤُهُم» مرفوعاً على أنَّه فاعِل - «وقراءة» زُيِّن «مبنياً للمفعُول،» شركَاؤُهُم «رَفْعاً على ما تقدَّم من أنه بإضْمار فعل، وفي مُصْحَف أهْل الشَّام» شُركَايهم «بالياء، فإن تكُن مُثْبتة عن الأوَّلين، فينبغي أن تقرأ» زُيِّن «ويكون الشُّركَاء هم الأوْلَاد؛ لأنهم مِنءهُم في النَّسْب والمِيراث. وإن كانوا يَقْرَءُون:» زَيِّن «- يعني بفتح الزاي - فَلَسْت أعرف جِهَتَهَا إلا أن يكُونُوا فيها آخِذِين بلُغَة قَوءم يَقُولون: أتْيتُها عَشَايَانَا، ويقولون في تثنية حَمْراء: حَمْرَايَان فهذا وَجْه أن يكُونُوا أرَادُوا: زَيَّن لكثير من المشْرِكِين قتل أوْلادهم شُركَايُهم، يعني بياء مَضْمُومة؛ لأن» شركَاؤُهُم «فاعل كما مَرَّ في قرَاءة العَامَّة.
قال:» وإن شِئْتَ جَعَلْتَ «زَيَّن» فعلاً إذا فَتَحْتَهُ لا يُلبس، ثم تَخْفِض الشركاء بإتباع الأولاد «.
قال أبو شامة:» يعني تَقْدير الكلام: «زَيَّن مُزَيّنٌ» فقد أتَّجَه «شركَائِهِم» بالجرِّ أن يكون نعتاً للأوْلَاد، سواءٌ قُرئ زَيّن بالفتح أو الضم «.
وقرأت فِرْقة من أهْل الشَّامِ - ورُوِيَتْ عن ابن عامر أيضاً -» زِينَ «بكسر الزاي بعدها ياء سَاكِنة؛ على أنه فِعْل مبْنِيّ للمْجُهول على حَدِّ قِيلَ وبيعَ.
وقيل: مَرْفُوع على ما يُسَمَّ فَاعِله، و» أولادهُم «بالنصب، و» شُرَكَائِهِم «بالخَفْضِ، والتَّوْجه واضح مما تقدَّم، فهي [و] القراءة الأولى سواء، غاية ما في البابِ:
стр. 5015
أنَّه أُخذ مِنْ زَانَ الثُّلاثِي، وبين للمَفْعُول، فاعِلَّ بما قد عَرَفْتَهُ في أول البَقَرة.
واللام من قوله» لِكثير من المشْركينَ «متعلِّقة ب» زَيَّن «، وكذلك اللَاّمُ في قوله:» ليُرْدُهُم «.
فإن قيل: كيف تُعَلَّق حرفَيْ جر بلفْظٍ واحِد وبمعنى واحد بعامل واحد، من غَيْر بَدَلِيَّة ولا عَطْف؟ .
فالجواب: أن مَعْنَاها مختلِفٌ؛ فإن الأولى للتَعْدِيَة والثَّانية للعِلِّيَّة.
قال الزمخشري:» إن كان التَّزيين من الشَّياطين، فهي على حقيقةِ التَّعْليل، وإن كان من السَّدنَةِ، فهي للصَّيْرُورة «يعني: ان الشَّيْطَان يَفْعَل التَّزْيين وغرضُه بذلك الإرْدَاءُ، فالتعْلِيل فيه واضِحٌ، وأمَا السَّدَنةُ فإنهم لم يُزَيِّنوا لهم ذَلِك، وغرضهم إهْلاكُهم، ولكن لما مآل حَالِهِم إلى الإرْدَاءِ، أتى باللَاّم الدَّالَّة على العَاقِبة والمآل.
فصل في بيان ما كان عليه أهل الجاهلية
كان أهْل الجَاهِليَّة يدْفِنُون بَنَاتَهم أحْياء خَوْفاً من الفَقْر والتَّزْويج، واخْتلفُوا في المراد بالشُّركَاءِ.
فقال مجاهد: شُرَكَاؤُهم شَيَاطينُهم أمَرُوهم بأن يَقْتُلوا أولادَهم خَشْيَة الغِيلَة، وسمِّيت الشَّياطين شُرَكَاء؛ لأنهم اتخذوها شُرَكَاء لقوله ﵎:
﴿أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ [الأنعام: ٢٢] .
وقال الكَلْبِيّ: الشركاء سَدَنة آلِهَتِهم وخُدَّامهم، وهُمُ الَّذِين كَانُوا يُزَيِّنُون للكُفَّار قَتْل أولادهم، وكان الرَّجُل يَقُوم في الجَاهلِيَّة فيحلف باللَّه إن ولد له كَذَا غُلاماً لَيَنْحَرَنَّ أحدهم، كما حلف عَبْد المُطَلِّب على ابْنه عبد الله، وسُمِّيت السَّدَنَة شُرَكَاء كما سُمِّيت الشَّياطِين شُرَكَاء في قَوْل مُجَاهِد، وقوله «لِيُرْدُوهُم» الإرْدَاء في لُغة القُرْآن الإهلاك ﴿إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] .
قال ابن عبَّاس: «لِيُرْدُوهم في النَّار» واللَاّم هَهُنَا لام العَاقِبة؛ كقوله: ﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨] .
«ولِيلبِسُوا عَلَيْهِم دِينَهُم» أي: يَخْلِطُوا عليه دِينَهُم.
قال ابن عبَّاس ﵄ ليُدْخِلُوا عليهم الشَّك في دينهم، وكانوا على دِين إسْمَاعيل فَرَجَعُوا عنه بلبس الشَّياطين.
قوله: «وليَلْبِسُوا» عطف على «ليُرْدُوا» علل التَّزْيين بشَيْئَيْن:
стр. 5016
بالإراداء وبالتخليط وإدْخَال الشُّبْهَة عليهم في دينهم.
والجمهور على «وليَلْبِسُوا» بكسر الباء مِنْ لَبَسْتُ عليه الأمْر ألبِسُه، بفتح العَيْن في المَاضِي وكَسْرِها في المُضَارع؛ إذا أدْخَلْتَ عليه فيه الشُّبْهَة وخَلَطْتَهُ فيه.
وقد تقدَّم بَيَانُه في قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] . وقرأ النخعي: «وليلبسوا» بفتح الباء فقيل: هي لغة في المعنى المذْكُور، تقول: «لَبِسْتُ عليه الأمْر بفتح الباء وكسرها ألْبَسه وألبَسَهُ» والصَّحِيح أن لَبِس بالكَسْر بمعنى لَبِس الثياب، وبالفَتْح بمعْنى الخَلْط، فالصَّحيح أنه اسْتَعار اللِّبَاس لشِدَّة المخالطة الحَاصِلَة بَيْنَهم وبين التَخْليط؛ حتى كأنَّهم لَبْسُوا كالثياب، وصارت مُحِيطة بهم.
قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَا فَعَلُوهُ﴾ والضَّمير المرفُوع لكَثِير والمنصُوب للقَتْل للتصريح به، ولأنَّه المسُوق للحديث عنه.
وقيل: المَرْفُوع للشُّركاء والمنْصُوب للتَّزِيين.
وقيل: المَنْصُوب لِلَّبْسِ المَفْهُوم من الفِعْل قَبْله وهو بَعِيد.
وقال الزَّمَخْشَري: «لما فَعَل المُشْرِكُون ما زُيِّن لَهُم من القَتْلِ، أو لما فَعَل الشَّياطين أو السَّدَنَة التَّزْيين أو الإرْدَاء أو اللِّبْس، أو جَمِيع ذلِك إن جَعلْتَ الضمير جَارياً مَجْرَى اسم الإشارة» .
قوله: «فَذَرْهُم وما يَفْتَرُون» تقدَّم نظيره.
فصل في المراد من الآية
المعنى: ولو شاء اللَّه لَعصَمْهم حتى ما فَعَلُوا ذلِك من تَحْريم الحَرْث والأنْعَام، وقتل الأولاد فذرهم يا مُحَمَّد وما يَفْتَرُون يختلِقُون في الكَذِب، فإن اللَّه لهم بالمِرصَاد.
قال أهل السُّنَّة: وهذا يَدُلُّ على أن كُلَّ ما فَعلَهُ المشرِكُون - فهو بِمَشِيئَة الله ﵎.
وقال المعتزلة: إنه مَحْمُول على مَشِيئَة الإلْجَاء كما سَبَق.
стр. 5017
وهذا نوع ثَالِثٌ من أحْكَامِهم الفَاسِدةِ، وهو أنَّهُم قسموا أنْعَامهم اقْسَاماً:
стр. 5018
فأولها: قولهم: هذه أنْعَام وحرْثٌ حِجْر «لا يَطْعَمُها» .
قرا الجمهور «أنْعَام» بصِيغَة الجَمْعِ وأبان بن عثمان «نَعَمٌ» بالإفْرَاد، وهو قَرِيبٌ لأن اسْم الجِنْس يقُوم مقام الجَمْعِ، وقرأ الجمهور: «حِجْر» بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم.
وقرأ الحسن وقتادة والأعْرَج: بضم الحَاءِ وسُكُون الجيم.
ونقل عن الحسن وقتادة أيضاً: فتح الحضاءِ وسكن الجيم، ونقل عن أبان بن عُثْمَان: ضمُّ الحاء الجيم معاً.
وقال هَارُون: كان الحسن يَضُمَّ الحاء من «حِجْر» حيث وقع في القُرْآن إلَاّ موضعاً واحداً [وهو] : ﴿وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ [الفرقان: ٥٣]
والحاصل: أن هذه المادَّة تدل على المَنْع والحَصْر؛ ومنه: فلان في حِجْر القَاضِي أي: في مَنْعِه، وفي حِجْري، أي: ما يَمْنَع من الثُّوْاب أن ينْفَلِت منه شَيْءٌ، وقد تقدم تَحْقِيق ذلك في النِّسَاء.
فقوله: «وحَرْث حِجْر» أي: مَمْنُوع ف «فِعْل» بمعنى مَفْعُول؛ كالذَّبْح والنَّطْح بمعنى مَذْبُوح ومَنْطُوح.
فإن قيل: قد تقدَّم شيئان: وهما أنْعَام وحَرْث، وجيء بالصَّفَة مفردة.
فالجواب: أنه في الأصْل يُذكَّر ويُوحَّد مطلقاً.
قال الزَّمَخْشَري: «ويستوي في الوَصْف به المذكَّر والمؤنَّث والواحد والجمع؛ لأن حكمه حكم الأسْمَاء غير الصِّفاتِ» يعني بكونه حُكْمُه حكم الأسْمَاء: انه في الأصْل مصْدَر لا صِفَة، فالاسم هنا يُرَادُ به المَصْدَر، وهومُقَابِلُ الصِّفة.
وأما بقية القراءات: فقال أبُو البقاء: «إنها لُغَاتٌ في الكَلِمَةِ» وفسر معناها بالممْنُوع.
قال شهاب الدين: ويجوز أن يكُون المَضْمُوم الحاء والجيم مَصْدراً، وقد جاء من المصادر للثُّلاثي ما هُو عل وَزْن «فُعُل» بضمِّ الفاء والعَيْن، نحو حُلُم، ويجُوز أن يكون جَمْع «حَجْر» بفتح الحاءِ وسكون الجيم، و «فُعُل» قد جاء قَلِيلاً جمعاً «لفَعْل» نحو: سَقْف وسُقُف، ورَهْن ورُهُن، وأن يكون جَمْعاً ل «فِعْل» بكسر الفاء، و «فُعُل» أيضاً قد جَاء جمعاً «لفِعْل» بكسر الفاءِ وسُكُون العين، حو: حِدْج وحُدُج، وأما حُجْر
стр. 5019
بضمِّ الحاء وسُكُون الجيم: فهو مخَفَّفٌ من المضمُمة، فيجوز أن يكُون وأن يكون جَمْعاً لحَجْر أو حِجْر.
وقرأ أبَيّ بن كَعْب، وعبد الله بن العبَّاس، وعبد الله بن مسعود، وعبد اللَّه بن الزُّبَيْر، وعِكْرِمَة، وعمرو بن دِينَار، والأعمش: حِرج بكسْر الحاَء وراء سَاكِنَة مقدَّمة على الجيم، وفيها تأويلان:
أحدهما: أنَّهَا من مادة الحَرَج وهُو التَّضْييق.
قال أبو البقاء: واصلُه «حَرِج» بفتح الحاء وكسر الراء، ولكنه خُفِّف ونُقِل؛ مثل فَخْذ في فَخِذ.
قال شهاب الدِّين: ولا حَاجَة إلى ادِّعاء ذلك، بل هذا جَاءَ بطَريق الأصَالة على وَزْن فِعْل.
والثاني: أنه مَقْلُوب من حجر، قُدِّمَتْ لامُ الكَلِمَة على عَيْنها، ووزنه «فِلْع» ؛ كقولهم: نَاء في نَأى، ومعيق في عَمِيق، والقَلْب قليل في لسانهم، وقد قدَّمت منه جُمْلَة في المائدة عند قوله ﵎: ﴿أَشْيَآءَ﴾ [المائدة: ١٠١] .
قوله: «لا يَطْعَهُما إلى مَنْ نَشَاءُ» هذه الجُمْلَة في محلِّ رفْع نَعْتًا ل «أنعام» وصفٌوه بوَصْفَيْن:
أحدهما: أنه حِجْرٌ.
والثاني: أنه لا يَأكُلُه إلا من شَاءُوا وهم الرِّجال دُون النِّساء، أو سَدَنه الأصْنَام.
قال مُجَاهد ﵁: يعني بالأنْعَام: البَحِيرة والسَّائِبَة والوصِيلَة والحَامِي، لا يَطْعَمُهَا ولا يأكُلها إلا الرِّجَال دُون النِّساء.
وقال غيره: الأنْعام ما جَعَلُوها للَّه ولآلهتهم على ما تقدم [ «ومَنْ نَشَاءُ» فاعل ب «يَطْعَمُهَا» وهو استِثْنَاء مفرَّغ، و «بزعمهم» : حالٌ كما تقدَّم] في نظيره.
قوله: «وأنْعَامٌ حُرِّمتْ ظُهُورُهَا» وهي البَحَائِر والسَّوائب والحَوَامِي، وهذا هو القَسْم الثَّاني وقد تقدَّم في المَائِدةَ، والقسم الثالث: أنعام لا يَذْكُرُون اسْم اللَّه عليها بالذَّبْح، وإنما يَذْكُرُون عليها اسْمَاء الأصْنَام.
وقيل: لا يَحُجُّون عليها، ولا يُلَبُون على ظُهُورهِا، ولا يَرْكَبُونها لفعل الخَيْرِ؛ لأنه لما جرت العادة بِذِكْر اسْم اللَّه على فِعْل الخَيْر.
قوله: «افْتِرَاءٌ» فيه أربعة أوجه:
стр. 5020
أحدها - وهو مذهب سيبويه -: أنه مَفْعُول من أجْلِه، أيك قالوا ما تقدَّم لأجْل الافْتِرَاء على البَاري ﵎ أي: يزْعُمُون أن الله أمِرهُم به افْتِرَاء عليه.
الثاني: مَصْدر على غير الصَّدْر؛ لأن قَوْلَهُم المحْكي عنهم افْتِرَاءن فهو نَظير «قَعَد القُرْفُضَاء» وهو قول الزَّجَّاج.
الثالث: أنه مصدر عامله من لَفْظِه مُقَدَّر، أي: افْتَروا ذلك افْتِرَاء.
الرابع: أنه مَصْدَر في موضع الحالِ، أي: قالوا ذلك حَال افْتِرَائهم، وهي تُشْبِه الحال المؤكِّدة؛ لأن هذا القَوْل المَخْصُوص لا يَكُون قَائِلُه إلا مُفْتَرِياً.
وقوله: «عَلَى اللَّه» يجوز تعلُّقه ب «افْتِرَاءً» على القول الأوَّل والرَّابع، وعلى الثاني والثَّالث ب «قالوا» لا ب «افْتِرَاءً» ؛ لأن المصدر المؤكد لا يَعْمَل، ويجُوز ان يتعلَّق بمحذُوف صِفَة ل «افْتِراءً» وهذا جَائِزٌ على كل الأقوالِ.
قوله: ﴿سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ والمقصود منه الوعيد، و «الباء» في قوله: «بِمَا» سببيّة، و «مَا» مَصْدَريَّة، أو موصُوفة، أو بمَعْنَى الَّذِي.
стр. 5021
هذا نوع رَابعٌ من قضَايَاهُم الفَاسِدَة.
قال ابن عبَّاس، وقتادة والشعبي: أراد أجنَّة البَحَائِر والسَّوائب، فما وُلِد منها حَيَّا، فهو خَالِصٌ للرِّجَال دون النِّساء، وما وُلِد منها مَيِّتاً، أكله الرِّجَال والنِّسَاء جميعاً.
والجمهور على «خَالِصَة» بالتَّأنيث مَرْفُوعاً على أنه خَبَرَ «مَا» الموصُولة، والتَّأنيث: إمَّا حَمْلاً على المَعْنَى؛ لأن الذي في بُطُونِ الأنْعَام أنْعَامٌ، ثم حمل على لَفْظِها في قوله: «ومُحَرَّمٌ» وإمَّا لأنَّ التَّأنِيث للمُبالغة كهو في «عَلَاّمَة» و «نسَّابَة و» رَاوِيَة «و» الخاصَّة «و» العامَّة «وإما لأنَّ» خَالِصَة «مصْدَر على وَزْنَ» فَاعِلة «كالعَاقِبة والعَافِية؛ وقال ﵎: ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدار﴾ [ص: ٤٦] وهذا
стр. 5022
القَوْل قول الفرَّاء والأوَّل لَهً ولأبِي إسْحاق الزَّجَّاج، والثاني للكسَائِي، وإذا قيل: إنها مَصْدرٌ كان ذلِك على حّذْف مُضَافِ، أي: ذُو خُلُوصٍ، أو على المُبَالَغَة، أو على وقُوعِ المصدر مَوْقِع اسْمِ الفاعلِ؛ كَنَظَائِره كقول الشاعر:
٢٣٥٥ - وَكُنْتِ أمنِيَّتِي وَكُنْتِ خَالِصَتِي ... وَلَيْس كلُّ امْرِىءٍ بِمُؤتَمَنِ
قال الكسائي: خَالِص وخَالِصَة واحد، مثل وَعْظ ومَوْعِظَة.
وهو مستفيض في لسانهم: فلان خَالِصَتي، أي: ذُوخُلُوصي.
و» لِذُكرونا «مُتعلِّق به، ويجوز أن يتعلَّق بممحذُوف على أنَّه وَصْف ل» خَالِصَة «، وليس بالقَوِيّ.
وقرأ عبد الله وابن جُبَيْر، وأبُو العالية والضَّحَّاك، وابن أبي عَبْلَة:» خَالِصٌ «مَرْفُوعاً على ما تقدَّم من غير هَاءِ، و» لِذُكُورِنَا «متعلِّق به، أو بمَحْذُوف كما تقدَّم، وقرأ ابن جُبَيْر، نقله عنه ابن جنِّي:» خَالِصاً «نصباً من غير تَاءِ، ونصبه على الحَالِ وفي صاحبه وجهان:
أظهرهما: أنه الضَّمَير المستتر في الصِّلة.
الثاني: أنه الضَّمِير المسْتَتِر في» لِذُكُورِنَا «فإن» لِذُكُورنَا «على هذه القراءة خَبَر المُبْتَدأ، وهذا إنَّما يَجُوز على مَذْهَب أبِي الحَسَن؛ لأنه يُجِيزُ تَقْدِيم الحال على عَامِلهِا المَعْنَوِيّ، نحو:» زيْدٌ مستَقِرٌّ في الدَّارِ «والجمهور يَمْنَعُونَه، وقد تقدَّم تحقيقُهُ.
وقرأ ابن عباس أيْضَا والأعرج، وقتادة:» خَالِصَةً «نصابً بالتَّأنيث، والكلام في نصْبِه وتأنِيثِه كما تقدَّم في نَظِيره، وخرَّجه الزمخشري على أنه مَصْدَر مُؤكِّد كالعَاقِبَة.
وقرأ ابن عبَّاس أيضاً، وأبُو رَزِين، وعِكْرمة، وأبو حَيْوة:» خَالِصة «برَفْع» خالص «مُضَافَا إلى ضَمِير» مَاَ «ورفعُه على أحد وجهين:
إما على البدل من الموصُول، بلد بَعْضَ من كُلِّ، وم» لِذُكُورِنَا «خبر المَوْصُول.
وإما على أنَّه مُبْتَدأ، و» لِذكُورنَا «خبره، والجُمْلة خبر الموصُول، وقد عَرَفْتَ ممَّا تقدَّم أنه حَيْثَ قُلْنَا: إن» خَالِصة «مصدر أو هي للمُبَالغَة، فليس في الكلام حَمْل على مَعْنَى ثم على لَفْظ، وإن قلنا: إن التَّأنثِ ما فِي البُطُونِ، كان في الكلام الحَمْلُ على المَعْنَى أوَّلاً [ثم على اللَّفْظ في قوله:» مُحَرَّمٌ «ثانياً، وليس لِذَلك في القُرْآن نَظِير، أعني: الحَمْل على المَعْنَى أوّلاً] ثم على اللَّفْظِ ثانياً، إلَاّ أن مَكِّياً زعم فير غَيْر
стр. 5023
إعْراب القُرْآن الكَريم، له: أنَّ لِهَذِه الآيَةِ نظائِر فذكرها وأما في إعرابه: فلم يَذْكُر أنَّ غيرها في القُرْآن شَارَكها في ذلك؛ فقال في إعرابه:» وإنَّما أنَّثَ الخَبَر؛ لأن مَا فِي بُطُون الأنْعَام أنْعَام؛ فحلم التأنيث على المَعْنَى، ثم قال: «ومُحَرَّم» فذكَّر حَمْلاً على لَفْظِ «مَا» وهذا نَادِر لا نَظِير له، وإنَّما يَأتِي في «مَنْ» حَمْل الكلام أوَّلاً على اللَّفْظِ ثم على المَعْنَى بعد ذلك، فاعرفه فإنه قَلِيلٌ «.
قوال في غير «الإعْرَاب» : «هذه الآيةُ في قرءاة الجماعة أتَتْ على خلاف نظائِرِهَا في القُرْآن؛ أن كلما يُحْمل على اللفظِ مرة وعلى المَعْنَى مرَّة، إنما يبتَدِئ أولاً بالحَمْل على اللَّفْظِ ثم يليه الحَمْل على المَعْنِى، نحو: ﴿مَنْ آمَنَ بالله﴾ [البقرة: ٦٢] [ثم قال] :» فَلَهُم أجرُهم «هكذا يأيت في القُرْآن وكلام العرب، وهذه الآيةُ تقدَّم فيها الحملُ على المَعْنِى، فقال:» خَالِصَة «ثم حَمَل على اللَّفظِ، فقال:» وحُرِّمَ «ومثله ﴿كُلُّ ذلك كَانَ سَيِّئُهُ﴾ [الإسراء: ٣٨] في قراءة نافع ومن تابعه، فأنَّث على معنى» كُلَ «لأنها اسْم لجَمِيع ما تقدَّم ممَّا نهى عنه من الخَطَايَا، ثم قال:» عند ربِّك مَكْرُوهاً «فذكر على لَفْظِ» كُلّ «وكذلك ﴿مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ﴾ [الرخرف: ١٢، ١٣] جَمَعَ الظُّهُور حملاً على مَعْنَى» ما « [ووحَّد الهاء حَمْلاً على لَفْظ» مَا «، وحُكي عن العرب:» هذا الجَرَادُ قد ذَهَب فأراحَنَا مِنْ أنْفُسِهِ جمع الأنْفُس] ووحد الهَاء وذكَّرها «.
قال شهاب الدين: أما قوله:» هكذا أتى في القُرْآنِ «فصحيح، وأمَّا قوله:» وكلام العرب «فليس ذلك بِمُسَلَّم؛ إذ في كلام العرب البداية بالحَمْل على المَعْنَى ثم على اللَّفْظِ، وإن كان عَكْسُه هوالكَثِير، وأمَّا ما جعله نَظِير هذه الآية في الحَمْل على المَعْنَى أوَّلَا ثم على اللَّفْظ ثانياً، فلي بمُسَلَّم أيضاً، وكذلك لا نُسَلِّم أن هذه الآية مما حُمِل فيها على المَعْنَى أولاً ثم على اللفظِ ثانياً.
وبيان ذلك: أن لقَائِل أن يَقُول: صِلَة» مَا «جارّ ومجرور وهُو مُتعلِّق بمحْذُوف، فتقدريه مُسْنَداً لضمير مذكر، أي: ما ستقرَّ في بُطُون هذه الأنْعَام، ويبعد تَقْديرهُ باسْتَقَرَّت، إذا عرف هذا، فيكُون قد حُمَل أوَّلاً على اللَّفْظ في الصِّلة المقدَّرة ثم على المَعْنَى ثانياً، وأما» كُلُّ ذَلِك كان شَيِّئةُ «فَبَدأ فيه أيضاً بالحَمْل على اللَّفْظِ في قوله:» كَانَ «فإنه ذكر ضَميرَهُ المسْتَتِر في» كَانَ «، ثم حمل على المعنى في قوله:» سَيِّئهُ «فأنَّث، وكذلك
﴿لِتَسْتَوُواْ
على
ظُهُورِهِ
﴾ [الزخرف: ١٣] فإن قبله «مَا تَرْكَبُون» والتقدير: ما تركَبُونه، فحلم العِائِد المحذُوف على اللَّفْظ أوَّلاً ثم حُمِل على المَعْنَى
стр. 5024
ثانياً، وكذلك في قولهم: «هذا الجَرادُ قَدْ ذَهَب» حَمَل على اللَّفْظ فأفْرَد الضمير في «ذَهَبَ» ثم حمل على المعْنَى ثَانِياً، فجمع في قوله: «انْفُسِهِ» وفي هذه المواضع يكون قد حَمَل فيها أوَّلاً على اللَّفْظ، ثم على المَعْنَى ثم على اللَّفْظ، وكُنْتُ قد قدَّمْتُ أن في القُرْآن من ذلك أيْضاً ثلاثة مواضع: آية المَائِدة: ﴿وَعَبَدَ الطاغوت﴾ [المائدة: ٦٠] ، ولقمان: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحديث﴾ [لقمان: ٦] ، والطلاق: ﴿مَن يُؤْمِن بالله﴾ [الطلاق: ١١] .
قوله «:» وإن يكن مَيْتَةً «قرأ ابن كَثِير:» يَكُنْ «بياء الغَيبة» مَيْتَةٌ رفعاً، وابن عامر: «تكُنْ» بتاء التَّأنيث، «مَيْتَةٌ» رفعاً، وعاصم في رواية أبي بكر «تَكُنْ» بتاء التَّأنيث، «مَيْتَةً» نصباً، والباقون «تكن» كابن كَثِير «مَيْتَةً» كأبي بكر والتَّذكير والتَّأنيث واضحان؛ لأن المَيْتَة تأنيث مَجَازِيّ؛ أنها تقع على الذَّكَر والأنثى من الحيوان فَمَنْ انَّث فبِاغْتِبَار اللَّفْظِ، ومن ذَكَّر فباعْتِبار المَعْنَى، ها عند من يرفع «مَيْتَةٌ» ب «تَكُنْ» أمَّا «من يَنْصِبُها، فإنه يسند الفِعْل حينئذٍ إلى ضَمير فيذكر باعْتِبار لَفْظ» مَا «في قوله:» مَا فِي بُطثون «ويؤنِّث باعتِبَار مَعْنَاها، ومن نصب» مَيْتَةً «فعلى خبر» كان «النَّاقِصة، ومن رفع فَيْحْتَمل وجهين:
أحدهما: أن تكون التَّامَّة، وهذا هو الظَّاهر، أي: وإن وُجِدَ مَيْتَةٌ أو حَدَثَتْ، وأن تكون الناقصة وحنيئذٍ يكون خَبَرُوها مَحْذُوفاً، أي: وإن تكُون هُناكَ أو فِي البُطُون مَيْتَة وهذا رأي الأخْفَش، فيكون تَقْدير قراءة ابن كَثِير: وإن يَحْدُثْ حيوانٌ مَيْتَةٌ، أو وإن يَكُن في البُطُون مَيْتَةٌ على حَسَب التقديرين تماماً ونقصاناً، وتقدير قراءة ابن عَامِر كتقدير قراءته، إلا أنه أنَّث الفِعْل باعْتِبَار لفظ مَرْفُوعه، وتقدير قِراءة أبِي بكر: وإن تكُون الأنْعَام أو الأجنَّة مَيْتَة، فأنَّث حَمْلاً على المَعْنَى، وقراءة البَاقِين كتقدير قراءته، إلا أنَّهُم ذكروا باعتبار اللَّفْظِ.
قال أبو عمرو بن العلاء: ويُقَوِّي هذه القراءة - يعني قراءة التَّذْكِير والنَّصْب - قوله:» فَهْمْ فِيهِ «ولم يَقُل:» فِها «ورُدَّ على أبي عَمْرو: بأن المَيْتَة لكل مَيِّتٍ ذكراً كان أوء أنْثَى، فكأنه قيل: وإن يَكُون مَيِّتَاً فهم فيه، يعني: فَلَمْ يَصِر له في تَذْكِير الضَّمير في» فِيهِ «حُجَّةٌ.
ونقل الزَّمَخْشَرِي قراءة ابن عَامِرِ عن أهْل مكَّة، فقال:» قرأ أهْل مكَّة «وإن تكنْ مَيْتَةٌ» بالتأنيث والرَّفْع «فإن عنى بأهل مَكَّة ابن كَثير٠ ولا أظنه عَنَاهُ - فليس كذلِك، وإن عنى غيره، فَيَجُوز على أنه يُجَوِزُ أن يكُون ابن كَثِير قرأ بالتَّأنيث أيضاً لكن لم يَشْتَهِر عنه اشْتِهَار التَّذْكِير.
وقرأ يزيد «مَيِّتَة» بالتَّشْدِي وقرأ عبد الله: «فَهُمْ فيه سَوَاء» قال شهاب الدِّين: وأظنُّها تفسير لا قراءة، لمخالفتها السَّواد، وقوله: «وهُمْ فِيهِ» أي: أن الرِّجَال والنساء فيه شُرَكَاء.
стр. 5025
قوله: «سَيْجزِيهم وَصْفهُم» أي: بوصفهم أو على وَصْفِهِم بالكذبِ على اللَّهِ : إنه حَكِيم عَلِيم.
стр. 5026
هذا جواب قسم مَحْذُوف وقرأ ابن كثير وابن عامر، وهي قراءة الحسن وأبي عبد الرحمن: «قَتَّلُوا» بالتشديد؛ مُبَالغَة وتكثيراً، والباقون بالتّخْفِيفِ.
و «سَفَهاً» نصب على الحالِ، أي: ذوي سَفَهٍ أو على المَفْعُول من أجْلِه، وفيه بَعْدٌ؛ لأنه ليس عِلَّة بَاعِثة أو عَلَى أنه مصدر لِفِعْل مقدَّر، أي: سَفَهُوا سَفَهاً أو على أنه مَصْدر على غير الصَّدْر؛ لأن هذا القَتْل سَفَهٌ.
وقرأ اليماني «سُفَهاء» على الجَمْع، وهي حال وهذه تقوِّي كون قراءة العامَّة مَصْدراً في موضع الحال، حيث صرّح بها، و «بِغَيْر علِمٍ» : إما حالٌ أيضاً وإما صِفَة ل «سَفَهاً» وليس بِذَالكَ.
فصل في إلزام الكفار الخسران
واعلم أنه ﵎ ذر فيما تقدَّم قَتْلضهم أولادهم وتحريمهم ما رَزَقَهم الله، ثم إنه ﵎ جمع هَذَيْن الأمْرَيْن في هذه الآية الكريمة، وبيَّن ما لَزمهم على هذا الحكم هو الخُسْرَان والسَّفَاهة وعدم العِلم، وتَحْرِيم ما رَزَقَهم الله والافتراء على اللَّه، والضَّلال وعدم الاهْتِداء، فهذه أمور سَبْعَة وكل واحد منها سَبَبٌ تامٌّ في حصول الذَّمِّ، أما الخُسْرَان: فلأن الولد نِعْمة عَظِيمة على العَبْد من الله، فمن سَعَى في إبْطَالهِ، فق خَسِر خُسْرَاناً عظيماً، ولا سيِّما يستحق على ذلك الإبْطَال الذَّم العَظِيم في الدُّنْيَا والعِقَاب في الآخرة، أما لذم في الدُّنيا: فلأن النَّاسَ يَقُولون: قَتَلَ وَلَدَهُ خوفاً من أن يَأكُل طعامه، وليس في الدُّنْيا ذَمٌّ أشد منه.
وأما العِقَاب في الآخِرة: فلأن قرارة الولادَة أعظم مُوجبات المحبَّة، فمع حُصُولها إذا أقدم على إلْحاق أعْظَم المَضارِّ به، كان ذلك أعْظَم الذُنُوب، فكان مُوجباًلأعْظَم أنْواع العقاب.
وأما السَّفَاهة: فهي عِبَارة عن الخِفَّة المذمومة؛ وذلك لأن قَتْل الولد إنما يكون
стр. 5027
للخَوف من الفَقْر، والفقر كان ضَرراً إلَاّ أن القَتْل أعْظَم منه، وأيضاً فهذا القَتْل نَاجِزٌ وذلك الفقر مَوْهُوم، فالتزام أعْظَم المضارِّ على سبيل القَطْع حَذَراً من ضرر موهُوم لا شَكَّ أنه سَفَاهة.
وأما قوله: «بِغَيْر عِلْمِ» فالمقصود أن هذه السِّفاهة إنما تولَّدت من عدم العلم، ولا شك أن الجهل أعظم المُنْكَرات والقَبَائح.
وأما تَحْرِيم ما رَزَقَهُم اللَّه: فهو من أعْظَم أنْواع الحَمَاقَة؛ لأنه يتبعه أعْظَم أنْوَاع العذاب.
وأما الافْتِراء على اللَّه: فلا شَكَّ أن الجُرْأة على اللَّه، والافْتِرَاء عليه أعظم الذُّنُوب وأكبر الكبائر.
وأما الضلال: فهو عِبَارة عن الضَّلال عن الرُّشد في مصالح الدِّين ومنافع الدُّنْيَا.
وأم اقوله: «وما كَانُوا مُهْتَدِين» فالفَائِدة فيه أنَّه قد يضِلُّ الإنْسَان عن الحقِّ، إلا أنَّه يعُود إلى الاهتداء، فبين ﵎ أنَّهُم قد ضَلُّوا ولم يَحْصل لهم الاهْتِداء قط، وهذا نِهَاية المُبَالغة في الذِّمِّ.
فصل في نزول الآية
قال المفسِّرون: نزلت هذه الآية في رَبِيعة ومُضَر وبَعْض من العرب وغيرهم، كانوا يَدْفِنُون البَنَات أحْيَاء مخافة السَّبْي والفَقْر، وكان بنو كَنَانة لا يَفْعَلُون ذلك وحَرَّموا ما رَزَقَهُم اللَّه يعني بالبَحيرة والسَّائِبة والوَصيلة والحَامِي افترِاءً على اللَّهِ، حيث قَالُوا: إن الله أمَرهُم بهذا ﴿قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ .
стр. 5028
اعلم أنه - تعالى - لما جعل مدار هذا الكتاب الشَّريف على تقرير التَّوْحيد والنبوة والمعاد، وإثبات القضاء والقدر، وإنه ﵎ بالغ في تَقْرِير هذه الأصُول، ثم شرح أحْوَال السُّعداء والأشْقِياء وانْتَقَل إلى تهْجِين طَريِقَة منْكِري البَعْث، ونبه على ضَعْف عُقُولِهِم، وتَنْفِير النَّاسِ عن الالْتِفَات إلى قوهم والاعْتِزَاء بشُبُهاتهم، عاد بعدها إلى المقصُود الأصْلي، وهو إقامة الدَّلائِل على تَقْرير التًّوحيد، فقال - تعالى -: ﴿وَهُوَ الذي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ﴾ وهذا الدَّليل قد سبق في هذه السُّورة، وهو قوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ
стр. 5029
الذي أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩] فالآية المتقدمة ذكر فيها خَمْسة أنواع: وهي الزَّرع، والنخل، وجنَّات من أعْناب، والزيتون والرُّمَان، وذكر في هذه الآية الكريمة [هذه الخمسة وقال:] «مشتبهاً وغَيْر مُتَشَابِه» وهنا «مَتَشابِهاً وغير مُتَشَابه» وذكر في الآية المتقدمة: «انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذَا أثْمَر وينعهِ» وذكر في هذه الآية: «كُلُوا مِنْ ثَمَره إذا أثْمر وآتوا حقَّهُ يوم حَصَادِهِ» فأذن في الانتفاع بها، وأم بِصَرف جُزْء مِنْها إلى الفُقَراء، فالذي حَصَل به الامْتِيَاز بين الآيتين: أن هُنَاك أمر بالاسْتِدْلال بها على الصَّانع الحكيم وههنا أذن في الانْتِفَاع بها، وذلك تَنْبِيهٌ على أن الأمْرَ بالاسْتِدْلال بها على الصَّانِع الحَكيم مقدَّم على الإذن في الانتفاع، لأن الاستدلال على الصَّانِع يَحْصُل به سعادة جُسْمانِيَّة سريعة الانْقضَاء والأول أولى بالتَّقْديم.
وقال القرطبي: ووجه اتِّصَال هذا بما قَبْلَه: أن الكُفَّار لما افْتَروا على الله الكذب، وأشْركُوا معه وحَلَّلُوا أو حَرَّمُوا، دَلَّهم على وحْدانِيَّته بأنه خَالِق الأشْيَاءِ، وأنه جَعَل هذه الأشْيَاء أرْزَاقاً لهُمْ.
قوله: «أنْشَأ جَنَّاتٍ» أي: خَلَقها، يقال: نشأ الشَّيْء يَنْشَأ ونَشْأه ونَشَاءَةً، إذا طره وراتفع، والله يُنْشِئُه إنْشَاء، أي: يُظْهرُه ويرفعه.
وقوله: «مَعْرُوشَاتٍ» يقال: عَرَشْت الكَرَم أعْرِشُه عَرْشاً وعَرَّشْهُ تَعْريشاً إذا عطفت العيدان الَّتِي تُشَال عليها قُضْباَن الكَرْم، والواحِدُ عَرْشٌ، والجمع عُرُوشٌ، ويُقَال: عَرِيش وجمع عُرُوض، واعْتَرش العِنَبُ العَرِيش اعْتِرَاشاً، وفيه أقوال:
أحدها: قال الضَّحَّاك: إن المَعْرُوشاتِ وغَيْر المَعْرُوشَاتِ كلاهما الكَرْم؛ فإن بَعْضَ الأعناب يُعَرَّش وبَعْضُها لا يُعَرَّش، بل يَبْقَى على وجْهِ الأرْضِ مُنْبَسِطاً.
وثانيها: المَعْرُوشات: العِنَب الَّتِي يجعل لها عُرُوش، وغير المعروشات: كُلُّ ما يَنْبُت منَبِسطاً على وَجْه الأرض؛ مثل القَرْع والبطِّيخ.
وثالها: قال ابن عبَّاس ﵄: «المَعْرُوشات: ما يُحْتَاجُ أن يتَّخذ له عَرِيشٌ يحمل عَلَيْه؛ مث الكَرْم والبطِّيخ والقَرْع وغيرها، وغير المَعْرُوش: هو القَائِم على سَاقِهِ كالنَّخْلِ والزَّرْع.
ورابعها: المَعْرُوشات: ما يَحْصُل في البَسَاتين والعمرانات مما يغرسه النَّاسِ، وغير المعروشات: مما أنْبَتَهُ اللَّه ﵎ وجني في البَرَارِي والجِبَال.
стр. 5030
فصل في معنى الزرع والنخل
والزَّرغ والنَّخْل؛ فسر ابن عبَّاس ﵄ الزَّرْع هَهُنا: لجميع الحُبُوب التي تقْتَات، أي: وأنْشَأ الزَّرْع، وأفْرِدا بالذِّكر وهما دَاخِلان في النِّبات؛ لما فيهما من الفَضِيلَة على ما تقدَّم بيانه في البقرة عند قوله - تعالى -: ﴿مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ﴾ [البقرة: ٩٨] .
قوله - تعالى -: ﴿مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ﴾ : مَنْصُوب على الحَالِ وفيها قولان:
أحدهما: أنها حَالٌ مُقَدَّرة؛ أن النَّخْل والزرع وَقْت خروجهما لا أكْلَ فِيهمَا؛ حتى يقال فيه: مُتَّفِقٌ أو مُخْتَلِف؛ فهو كقوله ﵎: ﴿فادخلوها خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] ، كقولهم: «مَرَرْت برجُلٍ معه صَقْرٌ صَائِداً به غداً» أي: مُقَدِّراً الاصطِيَاد به.
والثاني: أنها حَالٌ مُقَارِنَة، وذلك على حَذْفِ مُضَافٍ، أي: وثمر النَّخْل وحَبُّ الزَّرع، و «أكُلُه» مَرْفُوعٌ ب «مُخْتَلِفاً» [لأنه اسْم فاعل، وشروط الإعْمَال مَوْجُودة، والأكُل: الشَّيْء المَأكُول، وق تقدَّم أنه يُقْرأ بضمّ الكافِ وسُكُونها، ومضى تحقيقُه في البقرة: [٢٦٥] والضَّمِير في «أكُله» الظاهر أنَّه يَعُودُ على الزَّرْعِ فقط:
إمَّا لأنَّه حذف حالاً من النَّخْلِ؛ لدلالة هذه عَلَيْه، تقديره: والنَّخْل مُخْتَلِفاً أكُلُه، والزَّرْع مُخْتَلِفاً] أكله.
وإمَّا لأن الزَّرع هو الظَّاهِر فيه الاخْتِلافُ بالنِّسْبَة إلى المأكُول مِنْه؛ كالقَمْح والشَّعِير والفول والحِمص والعَدس وغير ذلك.
وقيل: إنها تعود عليهما.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمِير للنَّخْل والزَّرع داخل في حُكْمِهِ، لكونه مَعْطُوفاً عليه.
وقال أبو حيًّان: وليس بِجيِّد؛ لأن العَطْف بالواوِ، ولا يَجُوز إفْرَاد ضَمير المتَعَاطِفين.
وقال الحُوفِيُّ: «والهاءُ في» أكُلُه «عائدة على ذِكْر ما تقدَّم من هذه الاشْيَاء المُنْشَآت» وعلى هذا الذي ذكرَهُ الحوفي: لا تخْتَصُّ الحَالُ بالنخل والزَّرْعِ، بل يكُون لِمَا تقدَّم جَمِيعه.
قال أبو حيَّان: «ولو كَانَ كما زَعَم، لكان التَّرْكيب:» أكُلُهَا «إلا إنْ أُخِذ ذَلِك على حَذْفِ مُضَافِ، أي: ثَمَرَ جَنَّات، وروعي هذا المَحْذُوف فقيل:» أكُلُه «بالإفْرَاد على
стр. 5031
مُرَاعَاته , فيكون ذلِك كَقَوْله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ [النور: ٤٠] أي: أو كَذَا ظُلُمات، ولذلك أعَادَ الضمير في يَغْشَاهُ عليه» .
قال شهابُ الدِّين: فَيَبْقَى التَّقْدِير: مُخْتَلِفاً أكُل ثمر الجنَّاتِ وما بعدها، [وهذا] يلْزَمُ منه إضَافَة الشَّيءِ إلى نَفْسِه؛ لأن الأكل كما تقدَّم غير مرَّة أنه الثَّمَر المأكُول.
قال الزمخشري في الأكُل: «وهُوَ ثمره الذي يُؤكَل» .
وقال ابن الأنْبَاريِّ: إن «مُخْتَلِفاً» نصبٌ على القَطْع، فكأنه قال: «والنَّخْل والزَّرْع المختلفُ أكُلُها» وهذا راي الكُوفيِّين، وقد تقدم إيضاحُه غير مرَّةٍ.
وقوله: ﴿والزيتون والرمان مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلكم لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وقد تقدَّم إيضاحه [الأنعام: ٩٩] .
قال القرطبُّي: «والزَّيْتُون والرُّمَّان» عَطفٌ عليه، «مُتَشَابهِاً وغير مُتَشَابِه» نصب على الحالِ، وفي هذه أدلَّة ثلاثة:
أحدهما: ما تقدَّم من إقَامَة الدّلِيل على أنَّ المتغيّرات لا بُدَّ لها من مُغَيَّر.
الثاني: أن الدَّلالة على المِنَّة منه علينا، فلو شَاءَ إذ خَلَقَنَا ألَاّ يَخْلُق لنا غِذَاءً، وإذا خَلَقَهُ ألاّ يَكُون جميلَ المَنْظَر طيِّب الطَّعْم، وإذا خلقَهُ كذلك ألَاّ يكون سَهْل الجَنْي، فلم يَكُن عليه أن يَفْعَل ذلك ابتداء؛ لأنه لا يَجِب عليه شَيْء.
الثالث: الدَّلالة على القُدْرَة في أن يكُون الماءُ الذي مِنْ شَأنه الرسوب، يصعد بقُدْرَةِ علَاّم الغُيُوب من اسَافِل الشَّجَرة إلى أعاليها، حتى إذا انْتَهَى إلى آخِرِها، نشأ فيها أوْرَاق لَيْست من جِنْسِها، وثمر خَارجٌ من الجِرمْ الوَافِر، واللَّوْن الزَّاهِر، والجَنَى الجَديد، والطَّعم اللذيد؛ فأين الطِّبَاع وأجْنَاسُها؟ وأين الفلاسفة أنَسُها؟ هل في قُدْرة الطَّبيعة أن تُنْقِن هذالا الإتْقَان، أو تُرَتِّيب هذا التَّرْتِيب العجيب؟ كلَاّ لم يَتِمَّ ذلك في العُقُول إلَاّ بتَدِبير عالمٍ قديرٍ مريدٍ، فسبحان من لَهُ في كل شيء آية ونهايةَ! .
فصل في المقصود من خَلْق المنافع
لما ذكر كيْفِيَّة خلقِهِ لهذه الأشْيَاءِ، ذكرما هُو المَقْصُود الأصْلِيُّ من خلقها، وهو انْتِفَاع المكَلَّفين؛ فقال: «كلُوا من ثَمِرِهِِ إذَا أثْم» واخْتَلَفُوا ما الفائدة منه؟
قال بَعْضهُم: فائدته الإبَاحَة.
وقال آخَرُون: المَقْصُود منه إبَاحَة الأكل قبل إخْرَاج الحقِّ؛ لأ، هـ تعالى - لمَّا أوجَبَ الحقِّ فيه، كان يجُوزُ أن يَحْرُم على المَالِكِ تَنَاوله لِمُشَاركة المساكين، بل هذا
стр. 5032
الظَّاهر، فأباح هذا الأكْل وأخرج وُجُوب الحقِّ فيه من أنْ يكون مَانِعاً من هذا التَّصَرُّف.
وقال بعضهم: بل أبَاحَ - تعالى - ذلك ليُبَيِّن أنَّ المقْصِد بِخَلْق هذه النًّعَم الأكْل، وأما تَقْديم ذكر الأكْل على التصدُّق؛ لأن رِعَاية النَّفْسِ متقدِّمة على الغَيْر؛ قال: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا﴾ [القصص: ٧٧] .
فصل في بيان الأصل في المنافع
تمسَّك بَعْضُهم بقوله: «كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إذَا أثْمَر» بأن الأصْل في المَنَافِع: الإباحة؛ لأن قوله - تعالى -: «كُلُوا» خطاب عَامٌّ يتناول الكُلًّ، فصار كقوله: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض﴾ [البقرة: ٢٩] ويكن التمَسُّك به على أنَّ الأصْل: عدم وُجوب الصِّدَقة؛ لأن من ادَّعى إيجابَهُ، كان هو المُحْتَاج إلى الدَّلِيل، فيُتَمسَّك به في أنَّ المَجْنُون إذا أفَاق في أثْنَاء الشَّهْر، لا يَلْزَمُه قَضَاء ما قَضَى، وفي أنَّ الشَّارع في صوم النَّفْل يجبُ عليه الإتمام.
فصل
قال القُرْطُبيُّ: قوله - تعالى - ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَر﴾ هذان بناءان جاءا بصيغة أفعل. أحدهما: للإباحة؛ كقوله: ﴿فانتشروا فِي الأرض﴾ [الجمعة١٠] والثاني: لوجوب، ولي يَمْتَنِع في الشَّريعة اقتران الإبَاحَة والواجب وبدأ بذكر نِعْمَة الأكْل قبل الأمر بإيتاء الحق؛ ليبيِّن أن الابتداء بالنِّعْمَة كان من فَضْلِه قبل التكليف.
وقال ابن الخَطِيب: وعلى أنَّ صِيغَة الأمْر ترد لِغَيْر الوُجُوب والنًّدْب، وعند هذا، قال بَعْضُهم: الأصْل في الاستِعْمَال: الحَقِيقَة؛ فوجَبَ جعل هذه الصِّيغَة مفيدةً لرفع الحَرَج؛ فلهذا قالوا: الأمْر يقتضي الإبَاحَة إلا أن نَقُول: يُعْلَم بالضَّرُورة من لُغَة العَرَب، أن هذه الصِّيغَة تُفِيد تَرْجِيح جَانِب الفِعْل، فحملُهَا على الإبَاحة لا يُصَار إليه إلَاّ بِدَليلٍ بِفَتْح الحاء: «حَصاده» والباقون بكسرها، وهما لُغَتَان في المَصْدَر؛ كقولهم؛ جَداد وجِدَاد، وقَطَاف وقِطَاف، وحَرَان وحَرَان والصِّرَام والصَّرَام.
قال سيبويه: جاءوا بالمَصْدَر حين أرَادُوا انْتِهاء الزَّمَان على مثال: «فِعَال» وربما
стр. 5033
قَالُوا فيه: «فَعَال» يعني: أنَّ مَصْدر خَاصٌّ دالٌّ على مَعْنى زَائِد على مُطْلَق المَصْدَر؛ فإن المَصْدَر الأصْلِيُّ إنما هو الحَصْد، فالحَصْد ليس فيه دلالة على انْتِهَاء زَمَان ولا عدمها؛ بخلاف الحَصَاد والحِصَاد.
ونسب الفرَّاء الكَسْر لأهل الحِجَاز، والفتح ل «تميم» و «نَجْد» ، واخْتَار أبو عُبَيْد الفَتْحَ؛ قال: للفخامةٍ، وإن كان الأخرى «فَاشِيَةً غير مَدفُوعة» ، ومكي الكَسْر؛ قال: «لأنَّه الأصْل، وعليه أكثر الجماعة» .
وقوله: «يَوْم حصاده فيه وجهان:
أحدهما: أنه مَنْصُوب ب» آتُوا أي: أعْطُوا واجِبة يوم الحَصَادِ، واستَشْكَل بعض النَّاسِ ذلك بأنَّ الإيتاء إنما يكون بعد التَّصْفِيَة، فيكيف يُوجِب الأيتَاء في يَوْم الحَصْد؟
وأجِيبُ: بأنّ ثَمَّ مَحْذُوفاً، والتّقْدير: إلى تَصْفِيتهِ، قالوا: فيكون الحَصاد سَبباً للوُجُوب المُوسَّع، التَّصْفِيَة سَبَبٌ للإدَاءِ، وأحسن من هَذَا أن يَكُونَ المَعْنَى: واهتموُّوا بإيتاءِ الواجِبَة فيه واقْصُدُوه في ذلك اليَوْم.
الثاني: أنه مَنْصُوب بلفظ «حَقَّهُ» على معنى: وأعطوا ما اسْتِحقَّ منه يوم حَصَادِه، فيكون الاستِحْقَاق ثابتاً يوم الحَصَاد والأدَاء بعد التَّصْفِيَة؛ ويؤيد ذلك تَقْدير المَحْذُوف عند بَعْضِهِم كما قَدَّمْتُه، وقال في نَظِير هذه الآية: ﴿انظروا إلى ثَمَرِهِ﴾ [بالأنعام: ٩٩] ، وفي هذه: «كُلُوا» قيل: لأن الأولى سيقت للدَّلالة على كَمَال قُدْرَته، وعلى إعْادة الأجْسام من عجب الذنب، فأمر بالنظر والتَّفَكُّر في البدَاية والنِّهاية، وهذه سيقت في مَعْرِض كما ل الامْتِنَان فناسب الأمْر بالأكْلِ، وتحصَّل من مجموع الآيتيْنِ: الانتِفَاعُ الأخْرَوِيّ والدُّنْيَوي، وهذا هو السَّبَب لتقدُّم النَّظَر على الأمْر بالأكْل كما قدمنا.
فصل في معنى الحق هنا
اخْتَلَفُوا في هذا الحق:
فقال ابن عبَّاس في رِوَاية عَطَاء وطاوس والحَسَن وجابر بن زيد وسعيد نب المُسَيَّب: أنَّها الزَّكَاة المفروضَةُ من العُشْر فيما سقَتِ السَّمَاءُ، ونصف العُشْر فيما سُقِي بالكُلْفة.
وقال علي بن الحُسَيْن وعطاء ومُجَاهد وحمَّاد والحكم هو حَقُّ في المال سوى الزَّكَاة أمر بإيتائه، لأن الآية مَكيَّة وفرضت الزَّكاة بالمَدِينَة.
стр. 5034
قال إبراهيم: هو الضِّغث وقال الرَّبيع: لقاط السُّنْلُل.
وقال مُجَاهد: كانوا يُعَلِّقُون العذق عند الحَرَم، فيأكُلُ مِنْهُ كلُّ من مَرَّ.
وقال يزيد بن الأصَمّ: كان أهْل المَدِينَة إذا أحْرَمثوا يجيئون بالعذق فَيُعَلِّقونه في جانِب المَسْجِد، فيجيء المسْكِينُ فيضْربه بعَصَاه فَيَسْقُط منه.
وقال سَعيد بن جُبَيْر: كان هذا حقاً يُؤمر بإيتَائِه شفي ابْتداء الإسْلام، فصل مَنْسُوخاً بإيجاب العُشْر.
وقال مُقْسِم عن ابن عبَّاس: نسخت الزَّكَاةٌ كُلُّ نفقةٍ في القُرْآنِ.
والصَّحيح الأوَّل؛ لأن قوله - تعالى -: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ إنما يَحْسُن ذكره إذا كان ذلك الحَقُّ مَعْلوماً قبل وُرودِ هذه الآيةِ؛ لئلا تَبْقَى هذه الآية مُجمَلة.
وقال ﵇: «لَيْسَ في المَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاة» فوجَبَ أن يكون المُراد بهذا الحقِّ حق الزَّكَاةِ.
قوله: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ بعد ذكر العِنَب والنَّخْل والزَّرْع والزَّيْتُون والرُّمَّان يدلُّ على وُجُوب الزَّكَاةِ في الثِّمار كما يقوله أبو حنيفة، فإن لفظ الحَصَادِ قيل: هو مَخْصُوص بالزَّرْع.
فالجواب: لفظ الحَصْد في اللُّغَة عبارة عن القَطْع، وذلك يتناول الكلَّ، وأيضاً فالضَّمِير في قوله: «حَصَادِهِ» يجب عَوْده إلى أقْرب المذْكُورات وذلك هو الزَّيْتُون والرُّمَّان، فوجَبَ أن يَعُود الضَّمِير.
فصل في بيان زكاة الروع
قال أبو حنيفة: العُشْر واجِبٌ في القَلِيل والكَثِير لهذه الآية.
وقال الأكثرون: لا يِجِب إلَاّ إذا بلغ خَمْسَة أوْسُق؛ لأ، الحَدِيب عن الحقِّ الواجب هَهُنا ما هو.
قال القرطب: وبهذه الآية استَدَلَّ من أوجب العُشْر في الخضْرَواتِ؛ لقوله
стр. 5035
تعالى: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ والمذكرو قَبْله الزَّيْتُون والرُّمَّان، والمذكور عَقِب الجملة بَنْصَرِف إلى الإخِيرَة بلا خلافٍ قال الكيا الطبري.
قوله: «ولا تُسْرِفُوا» قال أبو العبَّاس عن ابن الأعْرَابيِّ: السَّرَف تجاوز الحدَّ.
وقال غيره: سَرَف المال: ما ذهب منه من غَيْر مَنْفَعَةٍ.
قال القُرْطُبي: الإسْرَاف في اللُّغَة: الخطأ.
قال ابن عبَّاس «وحَقُّ اللَّه» في رواية الكلبي عنه؛ أن ثابت بن قيس ن شماس جَذَذَ خمسمائة نَخْلَةٍن وقسَّمَها في يوم واحدٍ ولم يترك لأهْلِه شَيْئاً؛ فأنزل اللَّه هذه الآية.
وقال السُّدِّيُّ: «لا تُسْرِفُوا؛ أي: لا تعْطُوا أمْوَالُكم فتَقْعُدوا فُقَرَاء» .
قال الزَّجَّاج ﵀: «فعلى هذا إذن: إعْضَاء الإنْسَان كل مَالِهِ، ولم يوصل إلى عياله شَيْئاً وقد اسْرَف؛ لقوله ﵊ ُ -:» ابْدَأ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ «.
وقال سيعد بن المسيَّب: مَعْنَاه لا تَمْنَعُوا الصِّدقة فعلى الأوَّل معنى الإسْرَاف؛ تجاوُز [الحَدِّ في الإعْطَاء، وعلى هذا الإسْرَاف: تجاوز» الحَدِّ في المَنْع.
قوال مُقَاتِل: لا تُسْرِفُوا: لا تُشْرِكُوا الأصْنَام في الحَرْث والأنْعام.
وقال الزُّهري: معناه: لا تُنْفِقُوا في مَعْصية اللَّه - تعالى -.
قال مُجَاهد: لو كان أبُو قُبَيْس ذَهَاباً فأنفقه أحد في سَبيل اللَّه وطاعة اللَّه، لم يكن مُسْرِفاً: لو أنْفق دِرْهَمان في مَعْصِيَة اللًّه، كان مسرفاً، وهذا المَعْنَى أراده الشَّاعِر بقوله: [الوافر]
٢٣٥٦ - ذَهَابُ المَالِ في جُهْدٍ وأجْرٍ ... ذَهَابٌ لا يُقَالُ لَهُ: ذَهَابُ
قيل لِحَاتِمٍ الطَائيِّ: لا خير في السَّرفِ، فقال: لا سَرَف في الخَيْر.
ورَوَى ابن وهب عن ابن زيد قال: الخِطَاب إلى السَّلاطين، يَقُول: لا تَأخُذُوا فوق حَقكم، قال ﵊ «المعتدي في الصِّدَقَةِ كَمَانِعِهَا» .
стр. 5036
وقال أبو عَبْد الرَّحمن بن زيد بن أسْلَم: الإسْرَاف ما لم يُقْدَر على رَدِّه إلى الصَّلاحِ.
وقال النَّصْر بن شميل: الإسْراف: التَّبْذِير والإفرَاط، والسَّرَف: الغفلة والجَهَلة، وقوله : ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المسرفين﴾ [الأنعام: ١٤١] المقصود منه الزَّجْر؛ لأن كل مَنْ لا يُحِبُّه الله - تعالى - فهو من أهْل النَّار؛ لقوله - تعالى - ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم﴾ [المائدة: ١٨] حين قالوا ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] .
стр. 5037
قوله - تعالى - ﴿حَمُولَةً وَفَرْشا﴾ مَنْصُوبان على أنَّهُما نُسِقَا على «جَنَّاتِ» أي: وأنشأ من الأنْعام حَمُولَة، و «الأنْعَام» قيل: هي من الإبل خَاصَّة، وقيل: الإبل والبَقَر والغَنَم.
وقيل: ما أحَلَّه الله - تعالى - من الحيوانِ؛ قاله أحمد بن يَحْيَى، قال القُرْطُبيُّ: وهذا أصَحُّهَا.
وقال القُرْطُبِي: فَعُوله بفتح الفَاءِ، إذَا كانت بمعنى الفَاعِل اسْتَوى فيها المُذَكَّر والمؤنَّث؛ نحو قولك: رَجُل فَرْوقَه للجَبَان والخَائِفِ، ورجل صَرُورَة وامرأة صرورة إذا لم يَحُجَّا؛ ولا جَمْع له فإذا كانت بِمَعْنَى، فرق بين المُذَكَّر والمؤنَّث بالهَّاء، كالحَلُوبة والرَّكُوبة، والحَمُولة بضم الحاءِ: أحْمَال وأما الحُمُول: بالضَّمِّ بغير هاء فهي الإبل الَّتِي عليه الهَوَادِجُ كان فيها نِساءٌ أو لم يَكُنِّ؛ قاله أبو زَيْد.
والحَمُولة: ما أطاق الحمل عَلَيْه من الإبل، والفَرْش: صِغَار هذا هو المشْهُور في اللُّغَة.
وقيل الحَمُولة: كبارُ الأنْعَام، أعني: الإبل والبَقَر والغَنَم، والفَرْشُ: صغارها قال: «ويدُلُ له أنَّهُ أبدل منه قوله بعد ذلك:» ثَمَانِيَة أزْوَاجٍ من الضَّأنِ «كما سيأتيِي لأنها دَانِية من
стр. 5038
الأرْض بسبب صغَر أجْرَامِها مثل الفَرْشِ وهي الأرْض المَفْرُوشُ عليها» .
وقال الزَّجَّاج: أجمع أهْل اللُّغَة على أنّ الفَرْشَ صِغَار الإبل، وأنشد القَائِل: [الزجر]
١٢٥٧ - أوْرَثَنِي حَمُولَةً وَفَرْشَا ... أمُشُّهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَشَّا
وقال الآخر: [الرمل]
٢٣٥٨ - وَحَوَيْنَا الفَرْشَ مِنْ أنْعَامِكُمْ ... والحَمُولاتِ وَربَّاتِ الحِجَالْ
قال أبو زَيْد: «يحتمل أن يكون سُمِّيَتْ بالمَصْدَر؛ لأن الفَرْشَ في الأصْل مصدر» والفَرْش لفظ مُشْتَرك بين مَعَانِ كثيرة: منها ما تقدَّم، ومنها: مَتَاع البَيْت والفَضَاء الوَاسِع، واتِّسَاع خُفِّ البَعير قليلاً، والأرْض الملساء، عن أبي عَمْرو بن العَلاء، ونباتٌ يلْتَصِق بالأرْضِ، ومنه قول الشاعر: [الزجر]
٢٣٥٩ - كَمِشْفَرِ النَّابِ تلُوكُ الفَرْشَا ... وقيل الحَمُولة: كل ما حُمِل عليه من إبل وبَقَر وبَغْل وحِمَار.
والفَرْشُ هنا: ما اتُّخِذَ من صُوفه ووبَرِه وشَعْرِه ما يُفْتَرشُ، وأنشدوا للنَّابعة: [الطويل]
٢٣٦٠ - وَحَلَّتْ بُيُوتِي فِي يَفَاعٍ مُمَنَّعٍ ... تَخَالُ بِهِ راعِي الحَمُولَةِ طَائِرا
وقال عنترة: [الكامل]
٢٣٦١ - مَا رَاعَنِي إلَاّ حَمُولَةُ أهْلِهَا ... وَسْط الدِّيار تَسَفُّ حَبَّ الخِمْخِمِ
قوله: ﴿كُلُوا ممَّا رزَقُكم اللَّه﴾ يريد: ما أحَلَّها لكم.
قالت المعتزلة: إنه ﵎ أمر بأكْل الرِّزْقِ، ومنع من أكل الحَرامٍ ينتج أن الرِّزْق ليس بَحَرَام.
ثم قال - تعالى -: ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان﴾ أي: التَّخْلِيل والتَّحريم من عِنْد
стр. 5039
أنْفُسكُم، كما فعله أهْل الجَاهِليَّة، أي: لا تَسْلكُوا طرائق الشَّيْطَان وأبان «أنه لَكُم عَدُوٌّ مُبِينٌ» أيك بيَّن العداوة أخرج آدم من الجنَّة، وقوله: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلَاّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٦٢] .
قال الزجاج: في خُطُوات الشَّيْطَانِ ثلاثة أوجُه: ضم الطاء، وفتحها، وإسكَانها.
стр. 5040
قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاج﴾ في نصبه ستة أوجه:
أحسنها: أن يكُون بدلاً من «حملوة وفَرْشاً لولا ما نَقَله الزَّجَّاج من الإجماع المُتقدِّم، ولكن ليس فيه أنَّ ذلك مَحْصُول في الإبل، والقَوْل بالبدلِ هو قَوْل الزَّجَّاج والفرَّاء.
والثاني: أنه مَنْصُوب ب» كُلُوا «الذي قَبْلَه أي: كُلُوا ثمانية أزْوَاج، ويكن قوله - تعالى -: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا﴾ إلى آخره كالمُعَتَرِض بين الفِعْل ومَنْصُوبه، وهو قول عَلِيّ بن سُلَيْمَان وقدَّرَه: كُلُوا لَحْم ثَمَانِية.
وقال أبو البَقَاء - رحمها لله -: هو مَنْصُوب ب» كُلُوا «تقديره: كلوا مِمَّا رزقَكُم اللَّه ثمانية أزْوَاج،» ولا تسرفوا «مُعْتَرِض بَيْنَهُما.
قال شهاب الدَّين: صوابه أن يقولك» ولا تَتَّبعُوا «بدل» ولا تُسْرفُوا «؛ لأن كُلُوا - الذي يَلِيه» ولا تُسْرِفوا «- ليس مُنْصَبًّا على هذا؛ لأنه بعيد منه، ولأن بَعْده ما هو أوْلَى منه بالعمل، ويحتمل أن يَكُون الناسخ غَلَط عَلَيْه، وإنما قال هو:» ولا تَتَّبِعُوا «؛ ويدل على ذلك أنه قال:» تقديره: كُلُوا ممَّا رَزَقكُم اللَّه «و» كُلُوا «الأوَّل ليس بَعْدَه» ممَّا رَزقكُم «، إنما هو بَعْد الثَّاني.
الثالث: أنه عَطْف على» جَنَّاتٍ «أي: أنْشَا ثَمَانِية أزْوَاج، ثم حُذِفَ الفِعْل وحَرْف العَطْفِ؛ وهو مذهب الكسَائِيّ.
قال أبو البقاء:» وهو ضعيف «.
стр. 5041
قال شهاب الدين: الأمْر كذلك وقد سُمِع ذلك في كلامهم نَثْراً ونَظْماً: ففي النثر قوله:» أكلتُ لَحْماً سمَكاً تَمْراً «وفي نَظْمِهِم قول الشاعر: [الخفيف]
٢٣٦٢ - كَيْفَ أصْبحْتَ كَيْف أمْسَيْتَ مِمَّا ... يَزْرَعُ الوُدَّ في فُؤادِ الكَرِيم
أي: أكلت لَحْماً وسمكاً وتمراً، وكيف أصْبَحْت وكيف أمْسَيْت، وهذا على أحَدِ القولين في ذلك.
والقول الثاني: أنه بدل بداء؛ ومنه الحديث:» إنَّ الرَّجُلَ لَيصَلَّى الصَّلاة، وما كُتِبَ له نِصْفُهَا ثلثُهَا رُبْعُها «إلى أنْ وَصَلَ إلى العُشْرِ.
الرابع: انه مَنْصُوبٌ بفعل مَحْذُوفٍ مدلول عليه بما في اللَّفْظِ، تقديره: كُلُوا ثمانية أزْوَاج؛ وهذا أضْعَفُ مما قبله.
الخامس: أنه مَنْصُوب على الحالِ، تقديره: مُخْتَلفة أو متعدِّدَة، وصاحب الحال:» الأنْعَام «فالعَامِل في الحال ما تعلَّق به الجَارُّ وهو» مِنْ «
السادس: أنه مَنْصُوب على البدل من محلِّ» مِمَّا رَزَقَكُم اللَّه «.
فصل في بيان كلمة» زَوْج «
الوَاحِد إذا كان وْحده فهو فَرْد، وإذا كان مَعَهُ غيره من جِنْسِه سُمِّي زَوْجاً وهما زَوْجَانح قال - تعالى_: ﴿خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى﴾ [النجم: ٤٥] وقال:» ثمانِيَة أزْوَاج «ثم فَسَّرها بقوله:» من الضَّأنِ اثْنَيْنِ ومِن المَعْزِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ «.
قال القرطبي: والزَّوْج: خلاف الفَرْدح يقال: زَوْج أو فَرْد كما يقال خَساً أو ذَكاً، شفع، أو وترن فقوله: «ثَمَانِيَة أزْواجِ» يعني ثمانية أفراد وكُلُّ فرد عنه العرب يحتاج غلى آخر يُسَمَّى زوجاً، يقال للذكر: زوج وللأنثى زَوْجٌ، ويقع لَفْظُ الزَّوْج للواحد والاثْنَيْن، يقال: هما زَوْجَان وهما: زوْجٌ؛ كما يقال: هما سِيَّان وهما سَوَاء، وتقول: اشْتَرْيت زَوْجِيْ حَمَام وأنت تعني: ذكراً وأنْثَى.
قوله: «مِنَ الضَّأنِ اثْنَيْن» في نصب «اثْنَيْنِ» وجهان:
أحدهما: أنه بَدَلٌ من «ثَمَانِيَة أزْوَاج» وهو ظَاهِر قول الزَّمَخْشَري؛ فإنه قال: والدَّلِيلُ عليه «ثَمَانِيَة أزْوَاجٍ» ثم فسَّرها بقوله: «مِنَ الضَّأنِ اثْنَيْنِط الآية؛ وبه صرح أبُو البقاءِ فقال:» واثْنيْنِ بدل من الثَّمانية وقد عُطِف عَلَيْه بقيَّة الثمانِية «.
стр. 5042
والثاني: أنه مَنْصُوب ب» أنْشَا «مقدَّراً؛ وهو قول الفَارِسيِّ و» مِنْ «تتعلَّق بما نَصَب» اثْنَيْنِ «.
والجُمْهُور على تسْكِين همزة» الضَّأن «وهو جَمْع ضَائِن وضائنه؛ كتاجِرٍ وتارجة وتَجْر، وصَاحِبٍ وصَاحِبَة وصَحْب، وراكب ورَكْب.
وقرأ الحسن وطلحة بن مُصَرِّف وعيسى نب عمر:» الضَّأن «بفتحها؛ وهو إمَّا جمع تكْسِير لضَائِنٍ؛ كما يقال: خَادِم وخَدَمن وحَارِس وحَرَس، وطالِب وطَلَب، وإما اسْمُ جمعٍ، ويجمع الضَّأنُ على ضَئِين؛ كما يقال: كَلْب وكَلِيبٌ؛ قال القائل: [الطويل]
٢٣٦٣ - ( ... ... ... ... ... ... ... ... . . ... ... . . فبذت نبلهم وكليب)
وقيل: الضئين والكليب اسما جمع، ويقال: ضئين بكسر الضاد، وكأنها إنباع لكسر الهمزة؛ نحو: بعير وشعير بكسر الباء والشين لكسر العين، و" الضأن " معروف وهو ذو الصوف من الغنم، و" المعز ": ذو الشعر منها.
فصل فيما يقال في الجمع من النَّعم ونحوه
قال الجوهري: يقال: صرمة من الإبل، وقطيع من الغنم، وكوكبة من الفرسان، وكبكبة من الرجال، وخرقة من الغلمان، ولمة من النساء، ورعيل من الخيل، وسرب من الظباء، وعرجلة من السباع، وعصابة من الطير، ورجل من الجراد وحشرم من النَّحْل. وقال غيره: يقال أيضاً: سرب من القطا. قال الشاعر في ذلك: [الطويل]
٢٣٦٤ - أسِرْبَ القَطَا هَلْ مَنْ يُعِيرُ جَنَاحَهُ ... لَعَلَّي إلى أرْضِ الحَبيبِ أطِير
وقرا أبان بن عُثْمَان: اثنان بالرَّفْع على الابتداء، والخَبَر الجَارُّ قَبْلَه، وقرأ بان كثير وأبو عمرو وابنُ عامر:» المَعَز «بفتح العين والباقون بسُكُونِها، وهما لُغَتَان في جَمْع مَاعِز، وقد تقدَّم أن فَاعِلاً يجمع على فَعْلٍ تارة، وعلى فَعَل أخرى؛ كتَاجِر وتَجْر وخَادِم وخَدْم، وتقدَّم تحقيقه، ويُجْمَع أيضاً على مِعْزَى وبها قرأ أبَيٌّ، قال امْرُؤ القيس: [الوافر]
стр. 5043
٢٣٦٥ - ألا إنْ لا تَكُنْ إبلٌ فَمِعْزَى ... كَأنَّ قُرُونَ جِلَّتِهَا العصِيُّ
وقال أبو زَيْد: إنه يَجْمَع على أمْعُوزٍ؛ وأنشد: [الكامل]
٢٣٦٦ - ... ... ... ... ... ... كالتِّيْسِ فِي أمْعُوزِهِ المُتَرَبِّل
ويُجْمَع أيضاً على مَعْيز؛ وأنْشَدُوا لامرئ القيس: [الوافر]
٢٣٦٧ - ويَمْنَحُهَا بَنُوا شَمَجَى بْنِ جَرْمٍ ... مَعِيزَهُم حَنَانَكَ ذَا الحَنَانِ
قال القُرْطُبِيُّ: والمعْزُ من الغَنَمِ خلاف الضَّأنِ، وهي ذَوَات الأشْعَار والأذْنَاب القَصَار، وهو اسم جِنْسٍ، وكذلك المَعَزَ والمعيزُ والأمعُوز والمِعْزى، وواحد المِعْزَ، ماعز؛ مثل صَاحِب وصَحْبٍ، والأنْثى ماعِزَة وهي العنز والجَمَع مَوَاعِز، وأمْعز القَوْمُ: كثرة مَعْزَاهُم، والمعّاز: صَاحِبُ المِعْزى والمَعَز: الصَّلابة من الأرْضِ، والأمْعَز: المكان الصُّلب الكَثِير الحَصَى، والمعزاء أيضاً، واستمعز الرَّجُل في امْر، جَدَّ، والأبل: اسمُ جَمْع لا وَاحِد له من لَفْظِه بل وَاحِده جَمَلٌ نَاقَةٌ وبَعِير، ولم يَجِيْ اسْم على» فِعِل «عند سيبويه غيره، وزاج غير سبويه بكِراً وإطِلاً ووتِداً ومِشِطاً، وسيأتي لِهَذا مَزيد بيان في [سورة] الغَاشِيَةِ - إن شاء الله تعالى - والنِّسَبة إليه إبَليّ بِفَتْح البَاءِ يَتَوالى كَسْرَتَانِ مع ياءَيْن.
قوله: «آلذَّكرين حَرَّمَ» آلذّكريْن: منصوب بما بَعْدَه؛ وسبب إيلائه الهمزة ما تقدَّم في قوله: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] و «أم» عاطفة للأنْثَيْين على الذَّكَرَيْن؛ وكذلك «أمْ» الثانية عَاطِفة «مَا» الموْصُولة على ما قَبْلَها، فمحلُّها نصب، تقديرُه: أم الَّذِي اشْتَمَلت عليه أرْحَام، فلما التقت الميم سَاكِنَةً مع ما بَعْدَها، وجب الإدْغَام.
قال القُرْطُبي: ووردَت المدَة مع أل الوصْل؛ لتفرق بين الاسْتِفْهَام والخبر، ويجوز حَذْف الهَمْزِة؛ لأن «أم» تَدُلُّ على الاسْتِفْهَام؛ كقوله: [المتقارب]
٢٣٦٨ - تَرُوحُ مِنَ الحَيِّ أمْ تَبْتَكِرْ ... ومَاذَا يَضيرُكَ لَوْ تَنْتَظِرْ
و «أمْ» في قوله - تعالى -: «أمْ كُنْتُم شُهَداءَ» مُنْقَطِعة ليست عَاطِفَة؛ لأن ما بَعْدَها
стр. 5044
جُمْلة مستقِلَّةٌ بنفسها فتُقَدَّر ب «بَلْ» والهمزة، والتَّقْدِير: بل أكُنْتُم شُهَدَاء، و «إذا» : مَنْصُوب ب «شُهَدَاء» أنكر عَلَيْهم ما ادَّعُوه، وتهَكَّم بهم في نِسْبتهم إلى الحُضُور في وَقْتِ الإيصَاءِ بذلك، و «بهذا» : إشارة إلى جَمِيع ما تقدَّم ذكره من المُحَرَّمات عندهم.
فصل فيما كان عليه أهل الجاهلية
قال الفسِّرُون: إن أهْل الجاهليَّة كانوا يُقُولون: هَذِه الأنْعَام حرث حجر، وقالوا مَا فِي بُطُون هَذِهِ الأنْعام خَالِصةٌ لذُكُورنا، ومحرَّمٌ على أزْوَاجِنَا وحرّموا البَحِيرة والسَّائِبَة والوَصِيلَة والحَام، وكانوا يُحَرِّمُون بَعْضَها على الرِّجال والنِّساء، وبعضها على النِّساء دون الرِّجَال، فلمَّا قام الإسْلام [وبُيِّنَت] الأحْكَام جادلوا النَّبِيَّ ﷺ َ كان خَطِيبُهم مَالِك بن عَوف أخُو الأحوص الخيثمي؛ فقالوا: يا مُحَمَّد، بلغنا أنَّك تُحَرِّم أشياء ممَّا كان آبَاؤُنا يفعلونه، فقال لهم رسول الله ﷺ َ: «إنَّكم حَرَّمْتُم أصنافاً من النَّعِم على غير أصْل، وإنما خلق اللَّه هذه الأزْواجَ الثمانية للأكل والانْتِفَاع بها، فمن أين جاء هذا التَّحْريم: من قِبَل الذكر، أم من قِبَل الأنْثَى» قال: فسَكَتَ مالكُ بن عَوْف، وتحيَّرَ فلم يَتَكَلَّم، فلوا قال: جَاءَ التَّحْريمُ بسبب الذكورة؛ وجب أن يُحَرَّم جَمِيع الذُّكُورِ، وإن كان بسبب الأنُوثَةِ، وجب أن يُحَرَّم جميع الإناثِ، وإن كان باشْتِمَال الرَّحم عليه، فينْبَغِي أن يُحَرَّم الكُلُّ؛ لأن الرَّحِم لا تَشْتَمِل إلا على ذَكَرِ أو أنْثَى، أمّا تَخْصِيً الرَّحِمِ بالولدِ الخَامِس أو السَّابع، أو بالبعض دون البَعْضِ، فمن أين؟
قال ابن الخطيب ﵀: وهذا عِنْدي بعيد جداً؛ لأن لِقَائِل أن يقول: هَبْ أن هذه الأنواع - أعني الضَّأن، والمَعْز، والإبل، والبقرمَحْصُورةٌ في الذِّكَر والإناث، إلاّ أنه لا يَجِبُ أن يكون عِلَّة تَحْرم ما حَكُوا بتحريمه مَحْصُورة في الذَّكُورَة والأنُوثَة؛ بل علة تَحْريمها لكونها بحيرة أو سَائِبَةً أو وَصِيلةَ وحَاماً أو سائر الاعِتبَارات؛ كما أنّا إذا قُلْنَا: إنه - تعالى - حَرَّم ذَبْح بَعْضِ الحيوان لأجل الأكْلز
فإذا قيل: إنَّ ذلك الحيوان إن ان قد حُرِّم كل حيوانٍ ذَكَر، وإن كان قد حُرِّم لكَوْنِه أنْثَى، وجب أن يُحَرَّم كل حيوانٍ أنْثى، ولما لم يَكُن، هذا الكَلَام لَازماً علينا، فكذا هذا الوَجْه الَّذِي ذكَرَهُ المُفَسِّرُون في هذه الآية الكريمةن ويجب على العَاقِل أن يَذْكُر في تَفْسِير كلام اللَّه وجهاً صَحِيحاً، فأمّا تَفْسِيرُه بالوَجْه الفَاسِد فا يَجُوز والأقْرَب عِنْدي وجهان:
أحدهما: أن يقال: إن هذا الكلام ما ورد على سَبيل الاسْتِدْلال على بُطْلان قولهم، بل هو اسْتِفَهامٌ على سَبِيل الإنْكَار، يعني: إنكم لا تُقِرُّون بِنُبُوَّة نبيِّ، ولا تعرفُون شريعَة شَارع، فكَيْف تَحْكُمُون بأن هذا يَحِلُّ، وأن ذلك يحَرَّمُ.
стр. 5045
وثانيها: حُكُمُهم بالبَحِيرة والسَّائبة الوَصِيلَة والحَام مَخْصُوص بالإبل، فاللَّه ﵎ بيَّن أن النَّعَم عِبَارة عن هذه الأنواع الأرْبعة فما لم يَحْكُمُوا بهذه الأحْكَام في الأقْسام الثلاثة، وهي: الضَّأن والمَعْز، والبَقَر، فكيف خَصصْتُم الإبلَ بهذا الحُكْم دون الغَيْر، فهذا ما عِنْدشي في هذه الآية.
ثم قال: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّاكُمُ الله بهذا﴾
أي: هل شَاهَدْتُم اللَّه حرم هذا، إن كنتم لا تُؤمِنُون برسُولٍ، وحاصل الكلام من هذه الآية: أنَّكُم لا تُقِرُّونَ بنبوَّةِ أحد من الأنْبِيَاء، وكيف تُثْبِتُون هذه الأحكامَ المُخْتَلِفَةَ.
ولما بيَّن ذلك قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً لِيُضِلَّ الناس بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .
قال ابن عبَّاس ﵄: يريد عَمْرو بن لُحَيّ؛ لأنه هو الَّذِي غير شريعة إسْماعيل ﵊.
قال ابن الخطيب: «والأقْرَب أن يكُون هذا مَحْمُولاً على كُلِّ من فعل ذلك، لأنَّ اللَّفْظ عامٌّ، والعِلَّة الموجبة لهذا الحُكْمِ عَامَّةٌ، فالتخصيص تَحَكُّمٌ مَحْض» .
فصل في دحض شبهة للمعتزلة
قال القاضي: دلّت الآية على أنَّ الإضْلال عن الدِّين مَذْمُوم، وذلك لا يَلِيقُ بالله - أن ﵎؛ لأنه إذا ذمّ الإضْلال الَّذِي ليس فيه إلَاّ تَحْرِيم المُبَاحِ، فالَّذِي هو أعْظَم منه أوْلَى بالذم.
وأجيب: بأنه ليس لك ما كان مذموماً منها كان مذموماص من اللَّه - تعالى -، ألا ترى أن الجَمْع بين العَبيدِ والإمَاءِ، وتَسْلِيط الشَّهْوةِ عَلَيْهم، وتمكينهم من أسْبَاب الفُجُور مَذْمُوم مِنَّا، وليس مَذْمُوماً من اللَّه فكذا هَهُنَا.
قوله: ﴿إِنَّ الله لَا يَهْدِي القوم الظالمين﴾ .
قال القاضيي: «لا يَهْديهم إلى ثوابه» .
وقال أهل السُّنَّة: «المراد لا يَهْدِي أولئك المُشْرِكِين، أيك لا يَنْقُلُهم من ظُلُماَات الكُفْر إلى نُور الإيمانِ» ، وتقدَّم الكلام الثانِي.
следующие страницы →