← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

قوله: ﴿وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم﴾ . قرأ العامة مسنداً إلى المُعَظِّم، وابْنُ عامر أنْجَاكُمْ مسنداً. إلى ضمير اللَّهِ تعالى جرياً على قوله: «وَهُوَ فَضَّلَكُمْ» ، وقرئ: «نَجَّيْنَاكُمْ» مُشِدّداً،

стр. 5497

و [قد] تقدَّم الخلافُ في تشديد «يقتلون» وتخفيفها قبل هذه الآية، وتقدَّم في البقرةِ إعراب هذه الآية وتفسيرها. فصل والفائدةُ في ذكرها ههنا: أنَّهُ تعالى هو الذي أنعم عليكم بهذه النعمة العظيمة، فكيف يليقُ الاشتغالُ بعبادة غير اللَّهِ تعالى. قوله: ﴿وَوَاعَدْنَا موسى ثَلَاثِينَ﴾ تقدَّم الخلافُ في «وَعَدْنَا» و «وَاعَدْنَا» وأنَّ الظَّرْفَ بعد مفعول ثاني على حذفِ مضافٍ، ولا يجوزُ أن يكون ظرفاً لِفسادِ المعنى في البقرة فكذا هنا، أي: وَعَدْنَاهُ تمامَ ثلاثين، أو إتيانها، أو مناجاتها. قوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ في هذا الضمير قولان: أحدهما: أنَّهُ يعود على المُواعدةِ المفهومةِ من وَاعَدْنَا أي: وأتممنا مواعدته بعشر. الثاني: أنَّهُ يعود على ثلاثين قاله الحوفي. قال أبُو حيَّان: ولا يظهر؛ لأنَّ الثلاثين لم تكن ناقصةً فتتمَّ بعشر، وحُذِف تمييز عشر لدلالة الكلام عليه أي: وأتْمَمْنَاهَا بعَشْرٍ ليالٍ، وفي مصحف أبي وَتَمَّمْنَاهَا بالتَّضعيف، عَدَّاهُ بالتَّضْعِيفِ. قوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ﴾ الفَرْقُ بين الميقاتِ، والوَقْتِ، أن الميقاتَ: ما قُدِّرَ فيه عملٌ من الأعمال، والوقت: وقت الشَّيءِ من غير تقدير عملٍ، أو تقريره. وفي نصب «أرْبَعِينَ» أربعةُ أوجُهٍ: أحدها: أنَّهُ حال. قال الزَّمخشريُّ: «وأربَعِينَ» نصب على الحَالِ: أي تَمَّ بالغاً هذا العدد. قال أبو حيان فعلى هذا لا يكون الحال «أربعين» ، بل الحالُ هذا المحذوف فينافي قوله. قال شهابُ الدِّين: لا تنافي فيه، لأنَّ النُّحاةَ لم يزالوا ينسبون الحكم للمعمول الباقي بعد حذفِ عامله المنوب عنه، وله شواهد منها: زيد في الدَّارِ، أو عندك. فيقولون: الجارُّ والظَّرْفُ خبر، والخبرُ في الحقيقة: إنَّمَا هو المحذوفُ المقدَّرُ العاملُ فيهما، وكذا يقولون: جاء زيدٌ بثيابه، ف «بثيابه» حال، والحال إنَّمَا هو العاملُ فيه إلى غير ذلك وقدَّرَهُ الفارسي ب «معدوداً. قال: كقولك: تَمَّ القوم عشرين رجلاً، أي: معدودين هذا العدد وهو تقديرٌ حسنٌ. الثاني: أنَّهُ ينتصبُ أرْبَعِينَ على المفعولِ به. قال أبُو البقاءِ:» لأنَّ معناه بلغ، فهو كقولهم: بَلَغَتْ أرْضُكَ جريبين «أي: بتضمين» تَمَّ «معنى» بَلَغَ «.

стр. 5498

الثالث: أنَّهُ منصوبٌ على الظَّرف. قال ابْنُ عطيَّة:» ويصحُّ أن يكون أربعين ظرفاً من حيث هي عددُ أزمنة «، وفي هذا نظرٌ، كيف يكون ظرفاً للتَّمام، والتَّمامُ إنما هو بآخر جزء من تلك الأزمنة؟ إلا بتجوَّزٍ بعيد، وهو أنَّ كلَّ جزءٍ من أجزاء الوقت سواء كان أولاً أم آخراً إذا نقص ذهب التَّمامُ. الرابع: أن يَنْتَصِبَ على التَّمييز قال أبُو حيَّان: والأصل: فَتَمَّ أربعون ميقاتُ ربّه، ثمَّ أسند التَّمامَ إلى ميقات وانتصب أربعون على التَّمييز. فهو منقولٌ من الفاعليَّة، يعني فيكون كقوله: ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ [مريم: ٤] وهذا الذي قاله وجعلهُ هو الذي يظهر يشكل بما ذكره هو في الرَّدِّ على الحُوفيِّ؛ حيثُ قال هناك «إنَّ الثلاثين لم تكن ناقصةً، فَتتمَّ» لذلك ينبغي أن يقال هنا: إن الأربعين لم تكن ناقصة فتتم فكيف يُقدِّر: فتَمَّ أرْبَعُون ميقاتُ ربِّهِ؟ فإن أجاب هنا بجوابٍ، فَهُوَ جوابٌ هناك لِمَنِ اعترضَ عليه. وقوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ في هذه الجملة قولان: أظهرهما: أنَّهَا للتأكيد، لأنَّ قوله قبل ذلك: «وأتْمَمْنَاهَا بعشْرٍ» فُهِمَ أنَّها أربعون ليلةً. وقيل: بل هي للتَّأسيس، لاحتمالِ أن يتوهَّم مُتوهِّمٌ بعشر ساعات، أو غير ذلك، وهو بعيدٌ. وقوله رَبِّهِ ولم يقل: مِيَقاتُنَا جَرْياً على «واعَدْنَا» لِمَا في إظهار هذا الاسمِ الشَّريف من الاعترافِ بربوبية اللَّه له وإصلاحه له. فصل روي أنَّ موسى ﵊ وعد بني إسرائيل وهو بمصر: إن أهلك اللَّه عدوَّهم؛ أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلمَّا هلك فرعونُ سأل موسى ربه الكتاب فهذه الآيةُ في بيان كيفية نزول التَّوراةِ. فصل فإن قيل: «الأربعون» المذكورة في البقرة: هي هذه الأربعُونَ المفصَّلةُ ههنا، فما فائدة التَّفصيلِ؟ فالجوابُ من وجوه: الأأول: أنَّهُ تعالى أمر موسى بصوم ثلاثين يوماً، وهو شهرُ ذي القعدة فلمَّا تَمَّ الثَّلاثين أنكر خلوف فِيهِ فتسَوَّكَ فقالت الملائكةُ: كنا نشم من فيكَ رائحةَ المِسْكِ؛ فأفسدتهُ بالسِّواك، فأوْحَى الله إليه أما عَلِمتَ أنَّ خلُوفَ فَم الصَّائِمِ أطْيَبُ عندي من ريح

стр. 5499

المِسْكِ؟ فأمره اللَّهُ تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحِجَّةِ لهذا السَّبَبِ. الثاني: أنَّ الله تعالى أمرهُ بصوم ثلاثين يوماً، وأن يعمل فيها ما يُقرِّبُه إلى اللَّهِ تعالى، ثم أنزلَ التَّوْراةَ العشر من ذي الحِجَّةِ، وكلَّمَهُ أيضاً فيه فهذه فائدة تفصيل الأربعين إلى الثَّلاثينَ، وإلى العشرةِ. قال ابنُ عبَّاسٍ ومسروق ومجاهد: الثَّلاثين ليلة هي شهر ذي القعدة بكماله، وأتمت أربعين ليلة بعشر ذي الحِجَّةِ، فعلى هذا يكون كلام ربه له يوم عيدِ النَّحْرِ. وفي مثله أكمل اللَّهُ دين محمد ﷺ َ. الثالث: قال أبُو مسلمٍ في سورة طه: إنَّ موسى ﵊ بادر إلى ميقات ربه قبل قومه، لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ياموسى قَالَ هُمْ أولااء على أَثَرِي﴾ [طه: ٨٣، ٨٤] . فجائز أن يكون موسى أتى الطُّور عند تمام الثلاثين، فلمَّا أعلمه اللَّهُ خبر قومه مع السَّامرين، رجع إلى قومه قبل تمامِ ما وعده، ثمَّ عاد إلى الميقاتِ في عشر أخر، فتم ميقات ربه أربعين ليلةً. الرابع: قيل لا يمتنع أن يكون الوعد الأول حضره موسى ﵊ ُ وحده، والوعد الثاني حضره المختارون معه لِيسمَعُوا كلامَ اللَّهِ، فصار الوعدُ مختلفاً لاختلاف الحاضرين. قوله: ﴿وَقَالَ موسى لأَخِيهِ هَارُونَ اخلفني﴾ الجمهور على فتح نون هَارُونَ وفيه ثلاثة أوجه: الأول: أنه مجرورٌ بدلاً من أخيهِ. الثاني: أنَّه عطفُ بيان له. الثالث: أنه منصوبٌ بإضمار: أعني، وقُرِئ شاذاً بالضَّمِّ، وفيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ مُنَادَى حُذِفَ منه حرفُ النِّداءِ، أي: يا هارونُ كقوله: ﴿يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٢٩] . والثاني: أنَّهُ خبر مبتدأ محذوف، أي: هُو هارونُ. وهذا في المعنى كالوجهِ الذي تقدَّم من أنه منصوبٌ بإضمار: أعني، فإنَّ كليهما قطع. وقال أبُو البقاء: «ولو قُرِىءَ بالرَّفْعِ» وذكرهما، وكأنَّهُ لم يَطَّلِعْ على أنها قراءة. قال: «ومن دعاك منهم إلى الفَسَادِ؛ فلا تتبعه، ولا تطعه» وقال اخْلُفْني أي: كن

стр. 5500

خليفتي في قومي وأصْلِحْ وكُنْ مصلحاً، أو وَأصْلِحْ ما يجبُ أن يُصْلَحَ من أمور بني إسرائيل. ﴿وَقَالَ موسى﴾ عند انطلاقه إلى المناجاة لأخِيهِ هارُونَ. فإن قيل: إن هارون كان شريك موسى - عليهما الصَّلاة والسَّلام - في النبوَّةِ، فكيف جعله خليفة لنفسه؛ فإن شريك الإنسانِ أعلى حالاً من خليفته وَرد الإنسان من منصبه الأعلى إلى الأدْنَى يكون إهانة له. فالجوابُ: أن الأمْرَ، وإن كان كما ذكرتم، إلَاّ أنَّ مُوسى ﵊ كان هو الأصل في تلك النبوَّةِ. فإن قيل: لما كان هارُون نبيّاً، والنَّبيُّ لا يفعلُ إلَاّ الأصلح فكيف وصَّاهُ بالإصلاح؟ فالجوابُ: أنَّ المقصودَ من هذا الأمْرِ: التَّأكيدُ كقوله تعالى: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] . قوله: ﴿وَلَمَّا جَآءَ موسى لِمِيقَاتِنَا﴾ اللام في لِمِقَاتِنَا للاختصاص، وكذا في قوله تعالى ﴿لِدُلُوكِ الشمس﴾ [الإسراء: ٧٨] ، وليست بمعنى عند. قوله: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ ، هذه الفائدة التي لأجلها حضر موسى ﵊ الميقات واختلفُوا في أنَّهُ تعالى كلَّمَ مُوسَى وحدَه، أو مع أقوام آخرين. وظاهر الآيةِ أنَّهُ تعالى كَلَّمَهُ وحده؛ لأنَّهُ يدلُّ على تخصيص موصى بهذا التَّشريف. وقال القَاضِي: «بل السَّبْعُونَ المختارُونَ سمعوا كلام الله؛ لأن الغرضَ بإحضارهم أن يخبرُوا قومَ موسى عمَّا يَجْرِي هَنَاكَ» . فصل دَلَّت الآيةُ على أنَّهُ تعالى يجوز أن يُرَى؛ لأنَّ موسى ﵊ سأل الرُّؤية، ولا شَكَّ أنَّه كان عارفاً بما يجب ويجوز ويمتنع على اللَّهِ، فلو كانت الرُّؤية ممتنعة على اللَّه تعالى لما سألها، وأنكرت المعتزلةُ ذلك، والبحثُ في هذه المسألة مذكورة في كتب أصُولِ الدِّينِ. فصل نقل عن ابن عبَّاس أنه قال: جاء موسى ومعه السَّبْعُون، وصعد موسى الجبلَ وبقي السَّبعون في أسفل الجبل، وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى، وكتب له في الألواح كتاباً وقرَّبُه نَجِيّاً، فلمَّا سمع موسى صرير القلم عظم شوْقُهُ. فقال: ﴿رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ .

стр. 5501

قوله: «أرنِي» مفعولُه الثَّانِي محذوفٌ، تقديره: أرني نَفسكَ، أو ذاتكَ المقدَّسةَ، وإنَّما حذفهُ مبالغةً في الأدب، حيثُ لم يواجِهْهُ بالتَّصريح بالمفعول، وأصل «أرِني» «أرْإنِي» فنُقِلَتْ حركةُ الهمزة، وقد تقدَّم تَحْريرُه. فصل فإن قيل: النَّظَرُ إمَّا أن يكون عبارة عن الرُّؤية، أو عن مقدِّمتها، وهي تقليب الحدقة إلى جانب المرئي التِمَاساً لرؤيته، وعلى التَّقديرِ الأولِ: يكون المعنى: أرِنِي حَتَّى اراك، وهذا فاسدٌ، وعلى التقدير الثانِي: يكون المعنى: أرِنِي حتى أقلِّبَ الحدقة إلى جانبك وهذا فاسدٌ لوجهين: أحدهما: أنَّهُ يقتضي إثبات الجهة. والثاني: أنَّ تَقْلِيبَ الحدقةِ إلى جهة المرئي مقدمة للرؤية؛ فجعله كالنَّتِيجَةِ عن الرُّؤيةِ وذلك فاسد. فالجوابُ: أن معنى أرِنِي: اجعلني متمكناً من رؤيتك حتَّى أنظر إليك وأرَاكَ. فإن قيل: كيف سأل الرُّؤية وقد علم أنَّهُ لا يرى؟ قال الحسنُ: هاج به الشَّوق؛ فسأل الرؤية. وقيل: سأل الرُّؤية ظَنّاً منه أنَّهُ يجوز أن يرى في الدُّنيا. قوله: «لَن تَرَانِي» قد تقدَّم أنَّ «لَنْ» لا يلزم مِنْ نَفْيِهَا التَّأبِيدُ، وإن كان بعضُهم فهم ذلك، حتى إنَّ ابن عطيَّة قال «فلو بَقينَا على هذا النَّفي المجرَّد لتضمن أنَّ موسى لا يراه أبَداً، ولا في الآخرة لكن ورد من جهةٍ أخرى في الحدث المتواتر أنَّ أهلَ الجنَّةِ يَرَوْنَهُ» . قال شهابُ الدِّينِ: «وعلى تقدير أنّ» لَنْ «ليست مقتضيةً للتَّأبيد، فكلامُ ابْنِ عطيَّة وغيره مِمَّنْ يقولُ: إنَّ نفيِ المستقبل بعدها يَعُمُّ جميع الأزمنة المستقبلة - صحيح، لكن لِمَدْرَكٍ آخَرَ، وهو أنَّ الفعلَ نكرةٌ، والنكرةُ في سياق النَّفي تَعُمُّ، وللبحث فيه مجال» . والدليل على أنَّ «لَنْ» لا تقتضي التَّأبيد قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾ [البقرة: ٩٥] أخبر عن اليهود، ثم أبخر عنهم أنهم يتمنون الموت في الآخرةِ يقولون: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] ﴿ياليتها كَانَتِ القاضية﴾ [الحاقة: ٢٧] . فإن قيل: كيف قال: «لَن تَرَانِي» ولم يقل: لن تنظر إليَّ، حتَّى يُطابق قوله أنظرْ إليكَ؟ فالجوابُ أنَّ النَّظَرَ لمَّا كان مقدمة للرُّؤية كان المقصودُ هو الرُّؤيةُ لا النَّظرُ الذي لا رؤية معه. والاستدراكُ في قوله: ﴿ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ واضح، فإن قلت: كيف اتصل الاستدراك في قوله: ﴿ولكن انظر إلى الجبل﴾ فالجوابُ: المقصودُ من تعظيمُ أمر الرُّؤيةِ، وأنَّ أحَداً لا يقوى على رؤية الله تعالى إلَاّ إذَا قواه الله بمعونته وتأييده؛ ألا ترى أنَّهُ لما

стр. 5502

ظهر أثر التَّجلي والرُّؤية للجبل اندكّ؛ فدل ذلك على تعظيم أمر الرُّؤيةِ. فصل وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: كيف اتَّصل الاستدراكُ في قوله: ولكِن انظرْ. قلت: اتَّصَلَ به على معنى أنَّ النَّظر إليَّ محالٌ فلا تطلبه، ولكن اطلب نظراً آخر، وهو أن تنظر إلى الجبل. وهذا على رأيه من أنَّ الرُّؤية محالٌ مطلقاً في الدُّنيا، والآخرة. قوله: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ : عَلَّقَ الرُّؤية على استقرار الجبل، واسترقار الجبل على التَّجلي غير مستحيل إذا جعل الله له تلك القوة، والمعلق بما لا يستحيل لا يكون محالاً. قوله ﴿فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ : قال الزَّجَّاجُ: «تَجَلَّى» أي: «ظهر وبان» . ومنه يقالُ: جلوتُ العروس إذا أبْرَزْتهَا، وجلوتُ السَّيف والمرآة: إذا أزلت ما عليهما من الصَّدَأ. وهذا البجل أعظم جبل بمدين يقال له: زبير. قال ابن عباس: ظهر نُور ربِّهِ للجبل. قوله: «جَعَلهُ دَكّاً» قرأ الأخوان «دَكَّاءَ» بالمدِّ، غير منوَّن، على وزن «حمراء» والباقون بالقصر والتَّنوين، فقراءةُ الأخوين تحتمل وجهين: أحدهما: أنَّها مأخوذةٌ من قولهم: «ناقةٌ دَكَّاء» أي: منبسطة السَّنَام، غير مرتفعة، والمعنى جعله مستوياً. وإما من قولهم: أرض دكاء للناشزة روي أنَّهُ لم يذهب كله، بل ذهب أعلاه. وأمَّا قراءةُ الجماعة ف «الدَّكُّ» مصدر واقع موقع المفعول به بمعنى المدكوك، أي: مَدْكوكاً، أو من دكَّ، أو على حذف مضاف أي ذا دَكّ، والمعنى: جلعه مدقوقاً والدَّك والدَّقّ واحد، وهو تفتيت الشيء وَسَحْقُهُ. وقيل: تسويته بالأرض. في انتصابه على القراءتين وجهان، أشهرهما: أنَّهُ مفعولٌ ثان ل «جَعَلَ» بمعنى: صَيَّرَ. والثاني - وهو رأي الأخفش -: أنَّهُ مصدرٌ على المعنى، إذ التقدير: دَكَّهُ دَكّاً، وأما على القراءة الأولى فهو مفعول فقط أي صيره مثل ناقة دكاء أو الأرض دكاً. وقرأ ابنُ وثَّاب دُكّاً بضم الدَّالِ والقصر، وهو جمع دَكَّاء بالمد، ك: حُمْر في حمراء، وغُرّ في غَرَّاء أي: جعله قِطَعاً.

стр. 5503

قال الكلبي: كسراً جبالاً صغاراً. ووقع في بعض التَّفاسير أنَّه تكسر سِتَّة أجْبُلِ، ووقعت ثلاثة بالمدينة: أحد، وودقان، ورضوى، ووقعت ثلاثة بمكة: ثور، وثبير، وحِرَاء. قوله: ﴿وَخَرَّ موسى صَعِقاً﴾ . الخُرورُ: السُّقُوطُ كذا أطلعه أبو حيَّان وقيَّدَهُ الرَّاغب بسقوطٍ يُسمع له خريرٌ، والخريرُ يقال لصوت الماءِ والريحِ. ويقال كذلك لما يَسْقُطُ من علوٍّ وصَعِقاً حالٌ مقارنةٌ. قال اللَّيْثُ: الصَّعْقُ مثل الغَشْي يأخذُ الإنسانَ والصَّعْقَةُ الغشي. يقال: صُعِقَ الرَّجُلُ يُصْعَقُ، فهو مصعوق. قال ابنُ عبَّاس: مَغْشياً عليه. وقال قتادةُ: ميتاً. يقال: صَعِقَ إذا مات ﴿فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض﴾ [الزمر: ٦٨] فسَّرُوه بالموتِ. وقال: ﴿يَوْمَهُمُ الذي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] أي: يموتون. قال الزمخشريُّ: «صعق أصله من الصَّاعقة» . قال الزمخشريُّ: «صعق أصله من الصَّاعقة» . والقولُ الأوَّلُ أولى؛ لقوله تعالى ﴿فَلَمَّآ أَفَاقَ﴾ . قال الزَّجَّاجُ: «ولا يقال للميتِ: قد أفاق من موته، وقال تعالى في الذين ماتوا ثم أحيوا: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦] . قوله: ﴿فَلَمَّآ أَفَاقَ﴾ الإفاقة: رجوعُ الفهم والعقل إلى الإنسان بعد جنونٍ أو سُكرٍ ومنه إفاقة المريض، وهي رجوعُ قوته، وإفاقةُ الحلب، وهي رجوع الدِّرِّ إلى الضَّرع. يُقال: اسْتَفِقْ ناقَتَكَ أي: اتركها حتَّى يعود لَبَنُها، والفُواق: ما بين حَلْبَتَي الحالب. وسيأتي بيانه [ص١٥] إن شاء الله تعالى. قوله سُبْحَانَكَ أي: تنزيهاً لك من أن أسألك شيئاً بغير إذنك تُبْتُ إليكَ من سؤال الرُّؤية في الدُّنيا، أو من سؤال الرُّؤية بغير إذنك. ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين﴾ بأنك لا تُرَى في الدنيا، أو بأنَّه لا يجوز السُّؤال منك إلَاّ بإذنك. وقيل: أوَّلُ المؤمنين من قومي.

стр. 5504

وقيل: من بني إسرائيل في هذا العصر. قوله : ﴿ياموسى إِنِّي اصطفيتك عَلَى الناس﴾ . الاصطفاء: استخلاص الصَّفْوَةِ أي: اخترتك واتَّخذتك صفوة على النَّاس. قال ابنُ عبَّاسٍ: «فَضَّتْتُكَ على النَّاسِ» . قرأ ابن كثير، وأبو عمرو إنِّيَ بفتح الياء، وكذلك ﴿أَخِي اشدد﴾ [طه: ٣٠، ٣١] . قوله برسالاتي أي: بسبب. وقرأ الحرميَّان: برِسالتِي بالإفراد، والمُرادُ به المصدر، أي: بإرْسَالي إيَّاك، ويجوزُ أن يكون على حذفِ مضاف، أي: بتبليغ رسالتي. والرِّسالةُ: نَفْسُ الشَّيء المرسل به إلى الغير. وقرأ الباقون بالجمع اعتباراً بالأنواعِ، وقد تقدَّم ذلك في المائدةِ والأنعام. قال القرطبيُّ: ومن جمع على أنه أرسل بضروب من الرسالةِ فاختلف أنواعها، فجمع المصدر لاختلاف أنواعه؛ كقوله: ﴿إِنَّ أَنكَرَ الأصوات لَصَوْتُ الحمير﴾ [لقمان: ١٩] واختلاف المصوتين، ووحَّدَ في قوله: لصوتُ لما أراد به جنساً واحداً من الأصوات. قوله: «وَبِكلامي» هي قراءة العامَّةِ، فيحتملُ أن يُرادَ به المصدرُ، أي: بتكليمي إيَّاكَ، كقوله: ﴿وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً﴾ [النساء: ١٦٤] وقوله: [الطويل] ٢٥٦٩ - ... ... ... ... ... ... ... ... ... تُكَلِّمنِي فيها شِفَاءٌ لِمَا بِيَا أي: بتكليمي إيَّاهَا، ويحتملُ أن يراد به التَّوراة، وما أوحاه إليه من قولهم للقرآن «كلام الله» تسميةً للشيء بالمصدر. وقدَّم الرِّسالةَ على الكلام؛ لأنَّها أسبق، أو ليترقَّى إلى الأشرفِ، وكرَّر حرف الجرِّ، تنبيهاً على مغايرة الاصطفاء.

стр. 5505

وقرأ الأعمش: «بِرِسَالاتِي وبِكلمِي» جمع «كلمة» وروى عنه المهدويُّ أيضاً «وتكليمي» على وزن التَّفعيل، وهي تؤيِّدُ أنَّ الكلامَ مصدرٌ. وقرأ أبو رجاء «بِرِسالتِي» بالإفراد و «بِكَلِمي» بالجمع، أي: وبسمَاع كلمي. فصل لما طلب موسى ﵊ الرؤية ومنعه الله تعالى، عدد عليه وجوه نعمه العظيمة، وأمره بشكرها. كأنَّهُ قال له: إن كنت قد منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النِّعَمِ العظيمة كذا وكذا، فلا يضيقُ صدرُكَ بسبب منع الرُّؤيةِ، وانظر إلى أنواع النِّعمِ التي خَصَصْتُك بها واشتغل بشكرها، والمراد: تسليةُ موسى ﵊ ُ - عن منع الرؤية. فإن قيل: كيف اصطفاهُ على النَّاسِ برسالاته مع أنَّ كثيراً من النَّاسِ قد سَاوَاهُ في الرسالةِ؟ فالجوابُ: أنَّهُ تعالى بيَّن أنَّهُ خصَّهُ من دون النَّاسِ بمجموع الأمرين: وهو الرسالة مع الكلام بغير واسطة، وهذا المجموع لم يحصل لغيره، وإنَّما قال: «عَلَى النَّاسِ» ولم يقل: على الخلق؛ لأنَّ الملائكة تسمع كلام اللَّهِ من غير واسطة كما سمعه موسى. قال القرطبيُّ: «وَدَلَّ هذا على أنَّ قومه لم يشاركه أحدٌ منهم في التَّكليم ولا أحد من السَّبعين» . وقوله: ﴿فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ﴾ أي: اقْنَعْ بما أعيتك. ﴿وَكُنْ مِّنَ الشاكرين﴾ ، أي: المظهرين لإحسانِي إليك، وفضلي عليك. يقال: دَابَّةٌ شكورٌ، إذا ظهر عليها من السِّمن فوق ما تُعْطَى من العَلَف، والشَّاكِرُ متعرض للمزيد؛ كما قال تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] . قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً﴾ . قوله: في الألْوَاحِ يجوز أن تكون لتعريف الماهيَّةِ، وأن تكون للعهد؛ لأنَّهُ يروى في القصَّة أنَّهُ هو الذي قطَّعَهَا وشقَّقَهَا. وقال ابنُ عطيَّة أل عوض من الضمير، تقديره: في ألواحه، وهذا كقوله: ﴿فَإِنَّ الجنة هِيَ المأوى﴾ [النازعات: ٤١] أي: مأواه. أمَّا كاون أل عوضاً من الضَّمير فلا يعرفه البصريون. وأمَّا قوله: ﴿فَإِنَّ الجنة هِيَ المأوى﴾ فإنَّا نحتاجُ فيه إلى رابطٍ يَرْبِطُ بين الاسم والخبر، والكوفيون: يجعلون أل عوضاً من الضمير. والبصريون: يُقَدِّرُونَهُ، أي: هي المأوى له، وأما في هذه الية فلا ضرورة تدعو إلى ذلك.

стр. 5506

وفي مفعول «كتبنا» ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنَّهُ «موعِظَةً» ، أي: كتبنا له مَوْعِظَةٌ وتفْصِيلاً. و ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ على هذا فيه وجهان، أحدهما: متعلِّقٌ ب «كَتَبْنَا» والثاني: أنَّهُ متعلِّقٌ بمحذوف؛ لأنَّهُ في الأصلِ صفةٌ ل «مَوْعِظَةً» فلمَّا قُدِّم عليها نُصِبَ حالاً، و «لِكُلِّ شيءٍ» صفة ل «تفصيلاً» . والثاني: أنَّهُ ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءً﴾ . قال الزمخشريُّ ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ في محل نصب مفعول «كَتَبْنَا» ، و «مَوعِظَةً وتفْصِيلاً» بدل منه، والمعنى: كَتَبْنَا له كُلَّ شيءٍ كان بنو إسرائيل يَحْتَاجُونَ إليه في دينهم من المواعظِ، وتفصيل الأحكامِ وتفصل الحلالِ والحرامِ. الثالث: أنَّ المفعول محل المجرور. وقال أبُو حيَّان - بعد ما حكى الوجه الأول عن الحوفي والثَّاني عن الزمخشري -: ويُحْتَمَلُ عندي وجهٌ ثالثٌ، وهو أن يكونَ مفعولُ «كَتَبْنَا» موضع المجرور، كما تقولُ: «أكلت من الرغيف» و «مِنْ» للتبعيض، أي: كتبنا له أشياء من كُلِّ شيء، وانتصب «مَوْعظَةً وتَفْصِيلاً» على المفعول من أجله، أي: كتبنا له تلك الأشياءَ للاتِّعاظِ وللتفصيل. قال شهابُ الدِّينِ: «والظَّاهِرُ أنَّ هذا الوجه هو الذي أراده الزَّمخشري، فليس وجهاً ثالثاً» . قوله: «بِقُوَّةٍ» حالٌ: إمَّا من الفاعل، أي: ملتبساً بقوة، وإمَّا من المفعول، أي: ملتبسه بقوة، أَي: بقوَّةِ دلائلها وبراهينها، والأول أوضح. والجملةُ من قوله: «فَخُذْهَا» يُحتمل أن تكون بدلاً من قوله ﴿فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ﴾ وعاد الضَّميرُ علىمعنى «ما» لا على لفظها. ويحتمل أن تكونَ منصوبة بقول مضمر، ذلك القولُ منسوقٌ على جملة «كَتَبْنَا» والتقدرُ: وكتبنا فقلنا: خُذْهَا، والضَّميرُ على هذا عائدٌ على الألواحِ أو على التَّوراةِ، أو على الرِّسالاتِ، أو على كُلِّ شيءٍ؛ لأنَّهُ في معنى الأشياء. قال القرطبيُّ: «فكأنَّ اللَّوحَ تلوح فيه المعاني. ويقال: رجل عظيم الألواح إذا كان كبيرَ عظم اليدين،» والرِّجليْنِ «. فصل قال الكلبيُّ: خَرَّ مُوسَى صَعِقاً يوم الخميس يوم عرفة، وأعطي التَّوراة يوم الجمعةِ يوم النَّحر، واختلفوا في عدد الألواح وجوهرها فقيل: كانت عشرة، وقيل سبعة.

стр. 5507

وقال الواحديُّ: كانت من زُمُردَة. وقيل: من زبرجدة خضراء، وقيل: ياقوتة، وقيل: من خشب سور الجنَّةِ طول كل لوح اثني عشرة ذراعاً. وقال وهْبٌ: من صخرة صَمَّاء لَيَّنَهَا اللَّهُ لِمُوسَى. قيل: رفع سبعها وبقيت ستة أسباعها، وكان في الذي رفع تفصيل كلِّ شيء وفي الذي بقي الهدى والرحمة، وليس في الآية ما يدلُّ على شيء من ذلك، ولا على كيفية الكتابة فإن ثبت في ذلك شيء بدليل منفصل قويٍّ وجب القولُ به، وإلاّ وجب السُّكوت عنه. وأمَّا قوله مِن كُلِّ شيءٍ فليس على العموم، بل المراد من كلِّ شيء يحتاجُ موسى وقومه إليه في دينهم. وقوله: ﴿مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ فهو كالبيانِ للجملة التي قدمها بقوله: ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ ثم قال: «فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ» أي: بعزيمةٍ قويةٍ ونيَّةٍ صادقةٍ. قوله: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا﴾ . الظَّاهِرُ أنَّ يأخُذُوا مَجْزُومٌ جواباً للأمر في قوله وأمْرُ ولا بدَّ من تأويله، لأنَّه لا يلزمُ مِنْ أمره إيَّاهم بذلك أن يأخُذُوا، بدليل عصيانِ بعضهم له في ذلك، فإنَّ شَرْطَ ذلك انحلال الجملتين إلى شرطٍ وجزاءٍ. ٢٥٧٠ - مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ... إذَا مَا خِفْتَ مِنْ أمْر تبالَا وهو مذهبُ الكسائي. وابن مالك يرى جوازه إذا كان في جواب «قُلْ» ، وهان لم يُذْكَرْ «قُلْ» ، ولكن ذُكر شيءٌ بمعناه؛ لأنَّ معنى «وأمُرْ» و «قُلْ» واحد. قوله: «بِأحْسَانِهَا» يجوزُ أن يكونَ حالاً كما تقدَّم في: «بِقُوَّةٍ» ، وعلى هذا فمفعولُ «يَأخُذُوا» محذوفٌ تقديرُه: يَأخُذُوا أنفسهم، ويجُوزُ أن تكون الباء زائدة، وأحسنها مفعول به، والتقديرُ: يأخُذُو أحسنها كقوله: [البسيط] ٢٥٧١ - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... سُودُ المَحَاجِرِ لا يَقْرَأنَ بالسُّوَرِ وقد تقدَّم تحقيقه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥] .

стр. 5508

و «أحسن» يجوز أن تكون للتَّفضيل على بابها، وأن لا تكون بل بمعنى «حَسَنَة» . كقول الفرزدق: [الكامل] ٢٥٧٢ - إنَّ الذي سَمَكَ السَّماءَ بَنَى لَنَا ... بَيْتاً دَعَائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ أي: عزيزةٌ طويلةٌ. فإن قيل: إنَّه تعالى لمَّا تعهد بكلِّ ما في التَّوراة، وجب أن يكون الكلُّ حسناً. وقوله: ﴿يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا ﴾ يقتضي أن يكون فيه ما ليس بأحسن، وأنَّهُ لا يجوزُ لهم الأخذ به وهو متناقض. وأجابُوا بوجوه: منها: أنَّ تلك التَّكاليفَ منها ما هو حسن، ومنها ما هو أحسن كالقصاص والعفو، والانتصار، والصبر، أي: فمرهم أن يأخُذُوا بالأفضل فإنَّه أكثر ثواباً، لقوله: ﴿واتبعوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] وقوله: ﴿الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] . قالوا: فيحمل الأخذ بالأحسن على النَّدب. ومنها: قال قُطْرُبٌ: ﴿يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا﴾ أي: بحسنها، وكلها حسن؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وأنشد بيت الفرزدق المتقدم. ومنها: أن الحسن يدخلُ تحته الواجب، والمندوب، والمباح وأحسن هذه الثلاثة: الواجبُ، والمندوبُ. قوله: ﴿سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين﴾ جَوَّزُوا في الرُّؤية هنا أن تكون بصريَّةً، وهو الظَّاهِرُ فتتعدَّى لاثنين، أحدهما: ضمير المخاطبين، والثاني: دَارَ. والثاني: أنَّها قلبية، وهو منقولٌ عن ابن زيد وغيره، والمعنى: سأعْلِمُكُمْ سَيْرَ الأولين وما حَلَّ بهم من النَّكَالِ: وقيل: «دَارَ الفاسِقِينَ» ما دَارَ إليه أمرهم، وذلك لا يُعْلم إلا بالإخبار والإعلام. قال ابءنُ عطيَّة - معترضاً على هذا الوجه -: ولَوْ كَانَ من رؤية القلب، لتعدَّى بالهمزة إلى ثلاثةِ مفاعيل. ولو قال قائلك المفعولُ الثالثُ يتضمنه المعنى، فهو مُقَدَّرٌ أي: مذمومة أو خربة أو مُسَعَّرة - على قول من قال: إنَّهَا جهنم - قيل له: لا يَجُوزُ حذفُ هذا المفعولِ، ولا الاقتصارُ دُونَهُ، لأنَّهَا داخلةٌ على الابتداءِ والخبرِ، ولو جُوِّزَ لكان على قبح في اللِّسان، لا يليق بكتاب الله تعالى.

стр. 5509

قال أبُو حيان: «وحَذْفُ المفعُول الثَّالث في باب» أعْلَمَ «لدلالة المعنى عليه جائزٌ، فيجوزُ في جواب: هل أعلمتَ زَيْداً عمراً منطلقاً؟ أعلمتُ زيداً عمراً، وتحذف» منطلقاً «لدلالة الكلام السَّابق عليه» . فصل قال شهابُ الدِّين: هذا مُسَلَّمٌ، لكن أيْنَ الدَّليل عليه في الكلام، كما في المثال الذي أبرزه الشَّيْخُ؟ ثم قال: «وأمَّا تَعْليلُهُ بأنَّهَا داخلةٌ على الخَبَرِ لا يدلُّ على المنع، لأنَّ خبر المبتدأ يجوزُ حَذْفُهُ اختصاراً، والثانِي، والثَّالِثُ في باب» أعْلَمَ «يَجُوزُ حذفُ كُلٍّ منهما اختصاراً» . قال شهابُ الدِّين: «حذفُ الاختصار لدليلٍ، ولا دليلَ هَنَا» . ثم قال: «وفي قوله لأنَّهَا - أي:» سَأريكُمْ «- داخلةٌ على المبتدأ، والخبر تجوُّزٌ» ويعني أنَّها قبل النَّقْل بالهمزة داخلة على المبتدأ والخبر. وقرأ الحسن: «سَأوريكُمْ» بواو خالصة بعد الهمزة وفيها تخريجان: أحدهما قاله الزمخشريُّ -: «وهي لغةٌ فاشية بالحجاز يُقَالُ: أوْرَنِي كَذَا وأوْرَيْتُهُ، فوجهه أن يكون من أوْرَيْتُ الزَّنْدَ، فإن المعنى: بَيِّنْهُ لي وأنِزْهُ لأستبينَه» . والثاني: - ذكره ابنُ جنيٍّ - وهو أنَّهُ على الإشباع، فيتولَّد منها الواو، قال «وناسَبَ هذا كونُهُ موضعَ تهديدٍ ووعيدٍ فاحتمل الإتيان بالواو» . قال شهابُ الدِّين: وهذا كقول الشاعر: [البسيط] ٢٥٧٣ - اللَّهُ يَعْلَمُ أنَّا فِي تَلَفُّتِنَا ... يَوْمَ اللِّقاءِ إلى أحْبَابِنَا صًورُ وأنِّنِي حَيْثُمَا يُثْني الهَوَى بَصَرِي ... مِنْ حَيْثُمَا سَلَكُوا أدْنُوا فأنْظُورُ

стр. 5510

لكن الإشباعَ بابُهُ الضَّرُورَةُ عند بعضهم. وقرأ ابنُ عبَّاسٍ، وقسامة بن زيد «سأورثُكُمْ» قال الزمخشريُّ: وهي قراءة حسنةٌ، يصحِّحُهَا قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا القوم﴾ [الأعراف: ١٣٧] . فصل في قوله: ﴿سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين﴾ وجهان: الأول: أنَّ المُرادَ به التهديدَ والوعيد وعلى هذا ففيه وجهان: أحدهما: قال ابن عباس والحسنُ ومجاهدٌ: هي: جهنم وهي مصيرهم في الآخرة، فاحْذَرُوا أن تكونوا منهم. وثانيهما: قال قتادةُ وغيره: سأدخلكم الشَّام؛ فأريكم منازل القُرُون الماضيةِ مثل الجبابرةِ، والعمالقةِ، ومنازل عادٍ وثَمُودَ الذين خالفُوا أمْرَ اللَّهِ لتعتبروا بها. الوجه الثاني: المُرَادُ به الوعد والبشارة بأنَّ الله تعالى سيوِّرثُهم أرض أعدائهم وديارهم وهي أرض مصر، قالهُ عطيةُ العوفيُّ؛ ويدلُّ عليه قراءة قسامة. وقال السُّدِّيُّ: هي مصارع الكفار.

стр. 5511

قوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الذين يَتَكَبَّرُونَ﴾ الآية. قال ابْنُ عبَّاسٍ: يريد الَّذينَ يتجبَّرون على عبادي، ويحاربون أوليائي حتَّى لا يؤمنوا

стр. 5512

سأصرفهم عن قبول آياتي والتَّصْدِيق بها، عُوقبوا بحرمان الهدايةِ لعنادهم الحَقّ كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زاغوا أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] . واحْتَجّ أهلُ السُّنَّةِ بهذه الآية على أنَّهُ تعالى قد يمنع الإيمان. وقالت المعتزلة: لا يمكنُ حمل الآية على ذلك لوجوه: الأوّلُ: قال الجُبَّائِيُّ: لا يجوزُ أن يكون المراد منه أنَّه تعالى يصرفهم عن الإيمان؛ لأن قوله: «سَأصْرِفُ» يتناول المستقبلَ، وقد بيَّن تعالى أنَّهُمْ كفروا وكذَّبُوا من قبل هذا الصرف، لأنَّهُ وصفهم بكونهم: ﴿يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق﴾ وبأنَّهُم: ﴿وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الغي يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ فدلَّت الآية على أنَّ الكُفْر قد حصل لهم في الزَّمانِ الماضي؛ فدلَّ على أن المراد من هذا الصرف ليس الكفر بالله. الثاني: أن قوله ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي﴾ مذكورٌ على وجه العقوبة على التَّكَبُّر والكُفْر، فلو كان المراد من هذا الصَّرْفِ هو كفرهم، لكان معناه أنَّهُ تعالىخلق فيهم الكفر عقوبة لهم على إقدامهم على الكفر، والعقوبة على فعل الكفر بمثل ذلك الفِعْل المعاقب عليه لا يجوز؛ فثبت أنَّ المرادَ من هذا الصَّرفِ ليس هو الكفر. الثالث: أنَّه تعالى لو صَرَفَهُمْ عن اليمان وصدهم عنه، فكيف يمكن أن يقُول مع ذلك: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠] ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا﴾ [الإسراء: ٩٤] فثبت أنَّ حمل الآية على هذا الوجه غير ممكن؛ فوجب حملها على وجوه أخرى: الأول: قال الكلبي وأبو مسلم الأصفهاني: إنَّ هذا الكلام تمام لما وعد اللَّهُ موسى به من إهلاك أعدائه ومعنى صرَفَهُمْ، أهلكَهُمْ فلا يقدرون على منع موسى من تبليغها، ولا يمنع المؤمنين من الإيمان بها، وهو تشبيه بقوله: ﴿بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس﴾ [المائدة: ٦٧] فأراد تعالى أن يمنع أعداء موسى من إيذائه ومنعه من القيام بما يلزمه في تبليغ النبوةِ والرِّسالة. التَّأويلُ الثَّاني: قال الجُبَّائِيُّ: سأصرفُ المتكبرين عن نَيْل ما في آياتي من العزَّة والكرَامَة المُعَدَّيْن للأنبياء، والمُؤمنين. وإنَّمَا صرفهم عن ذلك بواسطة إنزال الذل والإذلال بهم، وذلك يَجْرِي مجرى العقوبة على كُفْرِهِم، وتكبرهم على اللَّهِ. التَّأويل الثالثُ: أنَّ من الآيات ما لا يُمْكِنُ الانتفاع بها إلَاّ بعد سبق الإيمان، فإذا كَفَرُوا فقد صَيَّرُوا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بتلك الآيات، فحينئذٍ يصرفهم اللَّهُ عنها. التأويل الرابع: أنَّ اللَّه إذا علم من حال بعضهم أنَّهُ إذا شاهد تلك الآيات

стр. 5513

فإنَّه لا يستدلّ بها بل يستخف بها، ولا يقومُ بحقِّها، فإذا علم اللَّهُ ذلك منه، صَحَّ أن يَصْرِفَهُ عنها. التأويل الخامس: نقل عن الحسن أنَّه قال: إنَّ من الكفار من بالغ في كُفره، وانتهى إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه، فالمراد من قوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي﴾ هؤلاء. فصل المُرضادُ من الصَّرْفِ المَنْع، والمُرَادُ بالآيات: الآياتُ التسع الَّتي أعطاها اللَّهُ موسى ﵊ والأكثرون على أنَّ الآية عامَّة. ومعنى «يَتَكَبَّرُونَ» : أي: يَرَوْنَ أنَّهُم أفضل الخَلْقِ، وأن لهم من الحقِّ ما ليس لغيرهم، وصفةُ التَّكبر لا تكون إلا للَّهِ تعالى. وقال بعضهم: التَكَبر: إظهار كبر النَّفْسِ على غيرها، والتَّكبر صِفَةُ ذمٍّ في جميع العبادِ وصفةُ مدحٍ في حقِّ الله تعالى؛ لأنَّهُ يستحقُّ إظهار الكبر على ما سواه؛ لأنَّ ذلك في حقه حَقٌّ، وفي حق غيره باطل. قال ﵊ يقولُ اللَّهُ تعالى: الطِبْريَاءُ رِدائِي والعظمةُ إزَارِي، فمنْ نَازَعنِي فيهما حَرَّمْتُ عليه الجنَّة «. قوله:» بِغَيْرِ الحَقِّ «فيه وجهان: أحدهما: أنَّه متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنَّهُ حالٌ، أي: يَتَكَبَّرُونَ ملتبسين بغير الحقِّ. والثاني: أنه متعلِّق بالفعلِ قبله، أي: يتكبرون بما ليس بحق، والتَّكَبُّرُ بالحقِّ لا يكونُ إلَاّ لِلَّهِ تعالى خاصَّة. قال بعضهم: وقد يكون إظْهَارُ الكبرِ على الغَيْرِ بالحقِّ، فإنَّ للمحقّ أن يتكبَّرَ على المُبْطِلِ وفي الكلامِ المشهور: التَّكبر على المتكبر صدقةٌ. قوله:» وإن يَرَوْا الظَّاهرُ أنَّها بصريَّةٌ، ويجوزُ أن تكون قلبية، والثَّاني محذوفٌ لِفَهْمِ المعنى: كقول عنترة: [الكامل] ٢٥٧٤ - وَلَقَدْ نَزلْتِ فلا تَظُنِّي غَيْرَهُ ... مِنِّي بِمنْزِلَةِ المُحَبِّ المُكْرَمِ أي: فلا تظني غيره واقعاً مني، وكذا الآية الكريمة، أي: وإن يَرَوْا هؤلاء

стр. 5514

المتكبرين كل آية جائية، أو حادثة. وقرأ مالك بن دينارٍ «وإن يُرَوْا» مبنياً للمفعول من أري المنقول بهمزة التعدية. قوله: «سَبِيلَ الرُّشْدِ» قرأ حمزة والكسائي هنا وأبُو عمرو في الكهف في قوله: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ [الكهف: ٦٦] خاصة دون الأولين فيها بفتحتين، والباقون بضمة وسكون واختلف النَّاسُ فيهما هل هما بمعنى واحد. فقال الجمهور نعم لغتان في المصدر كالبُخْلِ والبَخَل، والسُّقْم والسَّقَم، والحُزْن والحَزَن. وقال أبُو عمرو بن العلاءِ: «الرُّشْدُ - بضمة وسكون - الصَّلاحُ في النَّظر، وبفتحتين الدِّين» ولذلك أجمع على قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً﴾ [النساء: ٦] بالضمِّ والسُّكثون، وعلى قوله ﴿فأولئك تَحَرَّوْاْ رَشَداً﴾ [الجن: ١٤] بفتحتين. ورُوي عن ابن عامر «الرُّشُد» بضمتين وكأنَّهُ من باب الإتباع، كاليُسُر والعُسُر وقرأ السلمي الرَّشَاد بألف فيكون: الرُّشْد والرَّشَد والرَّشَاد كالسُّقْم والسَّقَم والسَّقَام. وقرأ ابنُ أبي عَبْلَة لا يتَّخِذُوَها، ويتَّخِذُوها بتأنيث الضَّمير، لأنَّ السبيل يَجُوزُ تأنيثُها. قال تعالى: ﴿قُلْ هذه سبيلي﴾ [يوسف: ١٠٨] . والمُرادُ بسَبيل الرُّشْدِ سبيل الهدى والدين، وسَبيلَ الغَيِّ ضد ذلك. ثُمَّ بيَّن العلة لذلك الصَّرف، وهو كونهم مُكّذِّبينَ بآياتِ اللَّهِ، وكونهم عنها غافلين أي معرضين، أي: أنَّهم واظبوا على الإعراضِ حتى صَارُوا بِمَنْزلةِ الغافلينَ عَنْهَا. قوله: «ذَلِكَ» فيه وجهان: أظهرهما: أنَّهُ مبتدأ، خبره الجارُّ بعده، أي: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم. والثني: أنَّه في محلِّ نصبٍ، ثم اختلفَ في ذلك. فقال الزَّمخشريُّ: «صَرَفَهُمُ اللَّهُ ذلك الصَّرْفَ بعينه» . فجعله مصدراً. وقال ابْنُ عطيَّة: فعلنا ذلك فجعله مفعولاً به وعلى الوجهين فالباءُ في بأنَّهُمْ متعلقةٌ بذلك المحذوف.

стр. 5515

قوله: ﴿وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ . في هذه الجملة احتمالان: أحدهما: أنَّهَا نَسَقٌ على خبر أنَّ، أي: ذلك بأنَّهُمْ كذّبوا، وبأنَّهُمْ كانوا غافلين عن آياتنا. والثاني: أنَّها مستأنفةٌ، أخبر اللَّهُ تعالى عنهم بأنهم من شأنهم الغفلة عن الآيات وتدبرها.

стр. 5516

قوله: ﴿والذين كَذَّبُواْ﴾ في خبره وجهان، أحدهما: أنَّهُ الجملةُ من قوله «حَبِطَتْ أعْمالُهُم» و «هل يُجْزَونَ» - خبر ثان، أو مستأنف والثاني: أنَّ الخبر هَلْ يجزونَ والجملةُ من قوله حَبِطَتْ في محلِّ نصب على الحالِ، و «قَدْ» مضمرة معه، عند من يشترط ذلك، وصاحبُ الحال فاعلُ كَذَّبُوا. قوله: ولقاء الآخرةِ فيه وجهان، أحدهما: أنَّهُ من باب إضافة المصدر لمفعوله، والفاعل محذوف، والتقديرُ: ولقائهم الآخرة. والثاني: أنَّهُ من باب إضافة المصدر للظرف يعني: ولقاء ما وعد الله في الآخرة. ذكرهما الزمخشريُّ. قال أبُو حيَّان: «ولا يُجيز جُلَّةُ النَّحويين الإضافة إلى الظَّرف، لأنَّ الظَّرف على تقدير» في «، والإضافةُ عندهم على تقدير اللَاّم، أو» مِنْ «فإن اتُّسِعَ في العَامِل جازَ أن يُنْصبَ الظرفُ نَصْبَ المفعول، ويجوزُ إذْ ذاك أن يُضافَ مصدرُه إلى ذلك الظَّرف المُتِّسَع في عاملِهِ، وأجازَ بعضً النَّحويين أن تكون الإضافةُ على تقدر» في «كما يفهِمُ ظاهرُ كلام الزمخشري» . فصل لمَّا ذكر ما لأجله صرف المتكبرين عن آياته وأتبعه ببيان العلّة لذلك الصرف وهُو كونُهم مُكَذِّبينَ بالآياتِ غافلين عنها، فقد كان يَجُوزُ أن يظن أنَّهُمْ يختلفون في باب العقابِ لأنَّ فيهم مَنْ يعمل بعض أعمال البرّ، بيَّن تعالى أنه حال جميعهم، سواء كان متكبراً أو متواضعاً، أو قليل الإحسان، أو كثير الإحسان، فقال: ﴿والذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ الآخرة﴾ يعني ذلك بجحدهم للميعاد وجراءتهم على المعاصي، فبيَّنَ تعالى أنَّ أعمالهم محيطة. قوله: هَلْ يَجْزوْنَ هذا الاستفهامُ معناه النَّفي، لذلك دخلت: «إلَاّ» ولو كان معناه التقرير لكان مُوجباً، فيبعدُ دخول «إلَاّ» أو يمتنع. وقال الواحديُّ هنا: «لا بد من تقدير محذوفٍ أي: إلا بِمَا كانُوا أو على ما كانُوا، أو جزاء ما كانوا» وتقريره: أنَّ نفس ما كانوا يعملونه لا يُجْزونَهُ إنَّمَا يُجْزَوْنَ بمقابلة.

стр. 5517

فصل احْتَجُّوا على فساد قوله أبي هاشم في أنَّ تاركَ الواجب يستحقُّ العقابَ بمجرَّد أن لا يَفْعَل الواجبَ، وإن لَمْ يَصْدُرْ منه فعلٌ ضدَّ ذلك الواجب بهذه الآية. قالوا: لأنّها تدلُّ على أنَّه لا جزاء إلَاّ على العملِ، وترك الواجبِ ليس بعملٍ؛ فوجب أن لا يُجازى عليه؛ فثبت أنَّ الجزاء إنَّمَا حصل على فعل ضده. وأجاب أبوُ هاشم: بأنِّي لا أسمِّي ذلك العقاب جزاءً، فسقطَ الاستدلالُ. وأجَابُوا عن هذا: بأنَّ الجَزاءَ إنَّمَا سُمِّيَ جزاءً؛ لأنَّهُ يجزي، ويكفي في المَنْعِ عن المَنْهِيِّ، وفي الحثِّ على المأمُور به، فإن ترتَّب العِقَابُ على مجرد ترك الواجبِ؛ كان ذلك العقابُ كافياً في الزَّجْرِ عن ذلك التَّرك، فكان جزاء، فلا سبيل إلى الامتناع من تسميته جزاء. قوله تعالى: ﴿واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ الآية. أي: من بعد مُضيِّة وهذابه إلى الميقات والجارَّان متعلِّقان ب «اتَّخَذَ» ، وجَازَ أن يتعلَّق بعاملٍ حرفا جَرّ متحدَا اللَّفْظِ، لاختلافِ مَعْنيْهما لأنَّ الأولى لابتداء الغايةِ، والثَّانية للتَّبعيضِ، ويجوزُ أن يكون «مِن حُلِيِّهِمْ» متعلٌِّاً بمحذوفٍ على أنَّهُ حالٌ من عِجْلاً لأنَّهُ لو تأخَّر عنه لكان صفةً فكان يقال عِجْلاً من حليهم. وقرأ الأخوان مِنْ حِليِّهم بكسر الحاء وَوجْهُهَا الإتباع لكسرة اللَاّم، وهي قراءة أصحاب عبد الله وطلحة ويحيى بن وثاب والأعمش. والباقون بضمِّ اللَاّم، وهي قراءةُ الحسنِ وأبي جعفرٍ وشيبة بن نصاح، وهو في القراءتين جمع «حَلْيِ» ك «طَيٍّ» ، فجمع على «فُعُول» ك «فَلْس» و «فُلُوس» فأصله، حُلُويٌّ كثُدِي في «ثُدُوي» ، فاجتمعت الياء والواوُ، وسبقت إحداهما بالسُّكُون، فقلبت الواوُ ياء، وأدغمت، وكُسرت عين الكلمة، وإن كانت في الأصل مضمومةً لتصِحَّ الياء، ثُمَّ لك فيه بعد ذلك وجهانِ: تركُ الفاءِ على ضَمِّهَا، أو إتباعُها للعين في الكسرةِ، وهذا مُطَّردٌ في كل جمعٍ على «فُعُول» من المعتلِّ اللَاّم، سواء كان الاعتلال بالياء ك «حُلِيّ» و «ثُدِي» أم بالواو نحو: «عُصِيّ» ، و «دُلِيّ» جمع عَصَا ودَلْو. وقرأ يعقوبُ «من حَلِيِّهم» بفتح الحاءِ وسكون اللَاّمِ، وهي محتملةٌ لأن يكون «الحَلْي» مفرداً أريد به الجمعُ، أو اسمُ جنسٍ مفرده «حَلْيَة» على حدِّ قَمْحٍ وقَمْحَةٍ، و «عِجْلاً» مفعولُ «اتَّخَذَ» و «مِنْ حُلِيِّهم» تقدَّم حكمه. ويجوزُ أن يكون «اتَّخذَ» متعديةً لاثنين بمعنى «صَيَّرَ» فيكون: «مِنْ حُلِيِّهم» هو المفعول الثاني. وقال أبُو البقاءِ: «وهو محذوفٌ، أي: إلهاً» ولا حاجة إليه. والحَلْيُ: اسم لما يُحَسَّن به من الذَّهبِ والفضَّةِ.

стр. 5518

و «جَسَداً» فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنَّهُ نعتٌ. الثَّانِي: أنَّهُ عطفُ بيان، والثالثُ: أنَّهُ بدلٌ قاله الزمخشريُّ، وهو أحسنُ؛ لأنَّ الجسد ليس مشتقاً، فلا يُنْعَتُ به إلا بتأوُّلٍ، وعطفُ البيان في النكراتِ قليلٌ، أو ممتنع عند الجمهور، وإنَّما قال: «جَسَداً» لئلَاّ يُتوهَّمَ أنَّهُ كان مخطوطاً، أو مرقوماً. والجسد: الجثة. وقيل: ذات لحم ودمٍ. قوله: «لَهُ خُوَارٌ» في محل النَّصْبِ نعتاً ل «عِجْلاً» ، وهذا يُقَوِّي كون «جَسَداً» نعتاً؛ لأنه إذا اجتمع نعتُ وبدلٌ قُدِّم النَّعْتُ على البدلِ، والجمهورُ على خُوَارٌ بخاء معجمة وواو صريحة، وه صوتُ البقرِ خاصّةً، وقد يُسْتَعَارُ للبعير، والخَوَرُ: الضَّعْفُ، ومنهُ أرْضٌ خَوَّارةً وريح خوار والخورانُ: مجرى الرَّوث، وصوت البهائم أيضاً. وقرأ عليٌّ ﵁ وأبُو السَّمَّال: جُؤار بالجيم والهَمْز، وهو الصَّوت الشديد. فصل قال ابنُ عبَّاسٍ والحسنُ وقتادةُ وجماهيرُ أهل التفسير: كان لبني إسرائيل عبيد يتزيَّنُونَ فيه ويَسْتعِرُونَ من القبط الحلي، فاستعارُوا حلي القبط لذلك اليوم: فَلَمَّا أغرق اللَّهُ القبط بقي ذلك الحيل في أيدي بني إسرائيل، فجمع السَّامريّ تلك الحلي، واسْمُهُ موسى بنُ ظفر، من قرية يقال لها سامرة، وكان رجلاً مُطاعاً فيهم، وكانُوا قد سألوا موسى ﵇ أن يجعل لهم إلهاً يعبدونه، فصاغَ السَّامري لهم من ذلك الحُلِيِّ عِجْلاً، وألقى في فَمِهِ من تراب أثر فرس جبريل؛ فتحول عِجْلً جَسداً حَيّاً لَحْماً ودماً له خُوَارٌ. وقيل: كان جَسَداً مُجَسَّداً من ذهب لا روح فيه، كان يسمع منه صوتُ الرِّيح يدخل في جوفه ويخرج. قال أكثرُ المفسِّرينَ من المعتزلة: إنَّهُ جعل ذلك العجلَ مجوفاً، وجعل في جوفه أنابيب على شكل مخصوص. وكان قد وضع ذلك التمثال في مهبِّ الرِّيح، فكانت تدخل في تلك الأنابيبِ فيظهرُ منه صوت مخصوص يشبه خُوار العجل. وقال آخرون: إنَّهُ جعلَ ذلك التمثال أجوف، وجعل تحته في الموضع الذي نصب فيه العجل من ينفخ فيه من حيثُ لا يشعر به النَّاس، فيسمعوا الصوت من جوفه كالخوار، كما يفعلون الآن في هذه التَّصَاوير التي يجرون فيها الماء كالفوارات وغيرها. قيل: إنَّهُ ما خار إلَاّ مرة واحدة، وقيل: كان يخور كثيراً كُلَّمَا خار سجدوا له وإذا

стр. 5519

سكت رفعوا رؤوسهم. وقال وهب: كان يَخُورُ ولا يتحَرّك. وقال السدي: كان يخور ويمشي. ثم قال لهم هذا إلهكم وإله مُوسَى. فإن قيل لِمَ قال: ﴿واتخذ قَوْمُ موسى﴾ والمتّخذ هو السّامريُّ؟ فالجوابُ من وجهين: أحدهما: أنَّ اللَّه نسب الفعل إليهم، ولأنَّ رجلاً منهم باشره. كما يقال: بَنُو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا، والقائِلُ والفاعِلُ واحد، والثاني: أنَّهُم كانوا مُريدين لاتخاذِهِ راضين به، فكأنَّهُم اجتمعُوا عليه. فإن قيل: لم قال: «مِنْ حُلِيِّهم» ولم يكن الحلي لهم، وإنَّما اسْتَعارُوهَا؟ فالجوابُ: أنَّه لَما اهلك اللَّهُ قوم فرعون بقيت تلك الأموال في أيديهم ملكاً لهم كقوله: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ﴾ [الدخان: ٢٥]- إلى قوله - ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] فصل قيل إنَّ الذين عبدُوا العِجْلَ كانوا كل قوم موسى. قال الحسنُ: كلهم عبدوا العجل غير هارون، لعموم هذه الآية. ولقول موسى ﵊: ﴿رَبِّ اغفر لِي وَلأَخِي﴾ [الأعراف: ١٥١] ، فتخصيص نفسه وأخيه بالدُّعاءِ يدلُّ على أنَّ غيرهُمَا ما كان أهلاً للدعاءِ، ولو بَقَوْا على الإيمان لما كان الأمْرُ كذلك. وقيل: بل كان منهم من ثَبَتَ على إيمانه لقوله تعالى: ﴿وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] . قوله: «ألَمْ يَرَوْا» إن قلنا: إنَّ اتَّخَذَ متعدية لاثنين، وإنَّ الثَّاني محذوفٌ، تقديره: واتَّخَذَ قوم موسى من بعده من حليهم عِجْلاً جَسَداً إلهاً، فلا حاجة حينئذ إلى ادِّعاءِ حذف جملة يتوجَّه عليها هذا الإنكارُ، وإن قلنا: إنَّها متعدية لواحد بمعنى: صَنَعَ وعَمِلَ أو متعدية لاثنين، والثاني هو: مِنْ حُليِّهِمْ فلا بُدَّ مِنْ حذفِ جملة قبل ذلك، ليتوَجَّه عليها الإنكار، والتقدير: يعبدوه، ويَرَوْا يجوز أن تكونَ العِلْمِية، وهو الظَّاهرُ وأن تكون البصرية، وهو بيعدٌ. فصل اعلم أنَّهُ تعالى احْتَجَّ على فساد هذا المذهب وكون العِجْلِ إلهاً بقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً﴾ وتقرير هذا الدَّليل أنَّ هذا العِجْلَ لا يمكنه أن يُكلِّمهم، ولا يَهْديهم إلى الصَّواب والرُّشْدِ ومَنْ كانَ كذلك كان إمَّا جَماداً، وإمَّا حيواناً، وكلاهما لا يصلحُ للإلهيَّةِ. ثم قال تعالى: ﴿اتخذوه وَكَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ لأنفسهم حيثُ أعرضوا عن عبادة الله واشتغلوا بعبادة العجل.

стр. 5520

قوله: ﴿اتخذوه وَكَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ يجُوزُ فيها وجهان: أظهرهما: أنَّهَا استئنافيةٌ، أخبر عنهُم بهذا الخبر وأنه دَيْدنهُم وشأنهُم في كلِّ شيء فاتَّخاذُهم العجلَ من جملة ذلك، ويجوزُ أن تكون حالاً، أي: وقد كانُوا، أي: اتَّخَذُوه في هذه الحالِ المستقرَّةِ لهُم وعلى هذا التفسير المتقدم.

стр. 5521

قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ﴾ الجارُّ قائم مقام الفاعل. وقيل القائمُ مقامه ضميرُ المصدر الذي هو السُّقُوط أي سُقِط السقوط في أيديهم، ونقل أبو حيان عن بعضهم أنه قال: «سقط» تَتضمَّن مَفعُولاً، وهو ههنا المصدر، الذي هو الإسقاطُ كقولك: «ذُهِبَ بزيد» . قال: وصوابه: وهو هنا ضميرُ المصدر الذي هو السُّقُوط؛ لأنَّ «سقط» ليس مصدرُهُ الإسقاط، ولأن القائمَ مقام الفاعل ضميرُ المصدر، لا المصدر، ونقل الواحديُّ عن الأزهريِّ أن قولهم: «سُقِط في يده» ؛ كقوله امرئ القيس: [الطويل] ٢٥٧٥ - دَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ في حجراتِهِ ... ولكنْ حَدِيثاً ما حَدِيثُ الرَّواحلِ في كون الفعل مُسْنداً للجار، كأنه قيل: صَاحَ المنتهبُ في حجراته، وكذلك المراد سُقِط في يده، أي: سقط النَّدمُ في يده. فقوله: أي سقط النَّدم في يده، تَصْرِيحٌ بأنَّ القائمَ مقام الفاعل حرفُ الجَرّ، لا ضمير المصدرِ. ونقل الفرَّاءُ والزَّجَّاجُ أنه يقال: سقط في يده وأسقط أيضاً، إلَاّ أنَّ الفرَّاء قال: سَقَطَ - أي الثلاثي - أكثرُ وأجودُ. وهذه اللَّفظةُ تُسْتعمَلُ في التندُّم والتحير. وقد اضْطربَتْ أقوالُ أهل اللَّغَةِ في أصلها. فقال أبو مروان بن سراج اللُّغوي: «قولُ العرب سُقِط في يده مِمَّا أعْيَانِي معناهُ» . وقال الواحِدي: قَدْ بَانَ مِنْ أقوالِ المُفسِّرينَ وأهْلِ اللُّغةِ أنَّ «سُقِطَ في يدهِ» نَدم، وأنَّه يُسْتعملُ في صفة النّادم فأمَّا القولُ في أصلِهِ وما حَدَّه فلمْ أرِ لأحَدٍ من أئَّمةِ اللُّغةِ شَيْئاً أرْتَضِيه إلَاّ ما ذكر الزَّجَّاجي فإنَّه قال: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ﴾ بمعنى نَدمُوا،

стр. 5522

نظمٌ لم يُسمع قبلَ القرآن، ولمْ تعرفهُ العرب، ولمْ يُوجَدْ ذلك في أشعارِهِم، ويدُلُّ على صحَّةِ ذلك أنَّ شعراء الإسلام لما سَمِعُوا هذا النَّظْمَ واستعملُوهُ في كلامهم خَفِي عليهم وجهُ الاستعمال، لأنَّ عادتَهُم لمْ تَجْرِ بِهِ. فقال أبو نواس: [الرجز] ٢٥٧٦ - ونَشْوَةٌ سُقِطْتُ مِنْهَا فِي يَدِي ... وأبُو نواسٍ هو العالمُ النَّحْرِيرُ، فأخطأ في استعمال هذا اللفظ، لأنَّ «فُعِلْتُ» لا يُبْنَى إلَاّ من فعل مُتعَدٍّ، و «سقط» لازمٌ، لا يتعدَّى إلَاّ بحرفِ الصفة لا يقالُ: «سُقطت» كما لا يُقال: رُغبتُ وغُضِب، إنَّما يُقَال: رُغِبَ فيَّ، وغُضِب عَلَيَّ، وذكر أبُو حاتمٍ: «سُقِط فلان في يده» بمعنى ندم. وهذا خطأ مثلُ قول أبي نواس، ولو كان الأمرُ كذلك لكان النَّظْم ﴿وَلَمَّا سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ﴾ و «سُقِطَ القومُ في أيديهم» . وقال أبُو عُبيدة: «يُقَالُ لِمَنْ على أمْرٍ وعجز عنه: سُقِطَ في يده» . وقال الواحِدِيُ: «وذِكْرُ اليد ههنا لوجهين أحدهما: أنه يُقال للَّذي يَحْصُلَ وإن كان ذلك مِمَّا لا يكُون في اليد:» قَدْ حصلَ في يده مكروهٌ «يشبه ما يحصُلُ في النَّفس وما يحصُل في القلب بِمَا يُرضى بالعينِ، وخُصَّت اليدُ بالذِّكْرِ؛ لأنَّ مباشرةَ الذُّنُوبِ بها. فاللائمةُ ترجع عليها، لأنَّهَا هي الجارحةِ العُظْمَى، فيُسْنَدُ إليها ما لم تُباشِرهُ، كقوله: ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠] وكثيرٌ من الذُّنُوب لمْ تُقدّمهُ اليد «. الوجه الثاني: أنَّ النَّدَمَ حدثٌ يَحْصُلُ في القلب، وأثرُهُ يَظْهَرُ في اليد؛ لأنَّ النَّادِمَ بَعَضُّ يدَهُ، ويضربُ إحْدَى يديْه على الأخرى كقوله: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ [الكهف: ٤٢] فتَقْلِيبُ الكفِّ عبارةٌ عن النَّدم، وكقوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ﴾ [الفرقان: ٣٧] فلمَّا كان أثرُ النَّدم يحصُل في اليدِ مِن الوجهِ الذي ذَكَرْنَاه أضيف سقوطُ النَّدم إلى اليَدِ؛ لأنَّ الذي يَظْهَرُ للعُيُونِ من فِعْلِ النَّادم هو تَقْلِيبُ الكفِّ وعضُّ الأنامل واليدِ كَمَا أنَّ السُّرُور معنى في القلب يسْتَشْعره الإناسنُ، والذي يظهرُ منه حالة الاهتزاز والحركةِ والضَّحك وما يَجْرِي مجراه. وقال الزمخشريُّ:» ولمَّا سُقِطَ في أيديهمْ «أي ولمَّا اشتدَّ ندمهم؛ لأنَّ مِنْ شأن من اشتدَّ ندمُهُ وحَسْرَتُهُ أن يَعَضَّ يدهُ غماً، فتصير يده مَسْقُوطاً فيها، لأنَّ فاه قد وقع فيها. وقيل: مِنْ عادةِ النَّادمِ أن يُطَأطِىءَ رَأسَهُ، ويضع ذقنه على يده معتمداً عليها، ويصيرُ على هيئةٍ لو نُزِعت يده لسقط على وجهه، فكأنَّ اليدَ مَسْقُوطٌ فيها. ومعنى» في «» على «، فمعنى» في أيديهم «كقوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: ٧١] . وقيل: هو مَأخُوذٌ من السَّقاط، وهو كثرةُ الخَطَأ، والخَاطِىءُ يَنْدَمُ على فعلهِ.

стр. 5523

قال ابنُ أبي كاهل: [الرمل] ٢٥٧٧ - كَيْفَ يَرْجُونَ سِقَاطِي بَعْدَمَا ... لَفَّعَ الرَّأسَ بياضٌ وصَلَعْ وقيل: هو مأخوذٌ من السَّقيط، وهو ما يُغَشِّي الأرض من الجَليدِ يُشْبِه الثَّلْج. يقال منه: سَقَطَت الأرْضُ كما يُقَال: ثلجت، والسَّقْطُ والسَّقِيطُ يذُوبُ بأدْنَى حرارةٍ ولا يبقى. ومنْ وقع في يده السَّقِيط لمْ يَحْصُل من بغيته على طائلٍ. واعْلَمْ أنَّ» سُقِطَ في يده «عدَّهُ بعضُهم في الأفعال الَّتِي لا تتصرَّف ك» نِعْمَ وبِئْسَ «. وقرأ ابْنُ السَّمَيْفَع سقط في أيديهم مبنياً للفاعل وفاعلُه مَضْمَرٌ، أي: سَقَطَ النَّدمُ هذا قولُ الزَّجَّاجِ. وقال الزمخشريُّ:» سَقَطَ العَضُّ «. وقال ابنُ عطيّة:» سَقَطَ الخسران، والخيبة «. وكل هذه أمثلةٌ. وقرأ ابنُ أي عبلة: أسْقِط رباعياً مبنياً للمعفول، وقد تقدَّم أنَّها لغةٌ نقلها الفرَّاءُ والزَّجَّاجُ. فصل قوله: ورَأوْا أنَّهُمْ هذه قلبيَّة، ولا حاجةَ في هذا إلى تقديم وتأخير، كما زعم بعضهم. قال القاضِي: يجبُ أن يكون المؤخَّرُ مقدماً؛ لأنَّ النَّدَمَ والتَّحسّر إنَّما يقعانِ بعد المعرفة فكأنه تعالى قال: ولما رأوا أنهم قد ضلّوا سقط في أيديهم لما نالهُم من عظيم الحسْرَةِ. ويمكنُ أن يقال لا حاجة إلى ذلك، لأنَّ الإنسانَ إذا شكَّ في العملِ الذي يُقْدِمُ عليه هل هو صوابٌ أو خطأ؟ فقد يَنْدَُ عليه من حيثُ أنَّ الإقدامَ على ما لا يعلم كونه صواباً أو خطأ غير جائز. قوله: ﴿لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ لما ظهر لَهُمْ أنَّ الذي عَمِلُوهُ كان بَاطِلاً، أظْهَرُوا الانقطاع إلى اللَّهِ تعالى وقالوا: ﴿لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا﴾ . قرأ الأخوان «تَرْحَمْنَا» و «تَغْفِر» بالخطاب، «رَبَّنَا» بالنَّصْب، وهي قرايةُ الشعبي

стр. 5524

وابن وثَّاب وابن مصرف والجَحْدريّ والأعمش، وأيُّوب، وباقي السبعة بياءِ الغيبةِ فيهما، «رَبُّنَا» رفعاً، وهي قراءةُ الحسنِ، ومُجاهدٍ، والأعرج وشيْبَةَ وأبي جَعْفَرٍ. فالنَّصبُ على أنَّهُ مُنَادى، وناسَبهُ الخطاب، والرَّفْعُ على أنَّه فاعلٌ، فَيَجُوزُ أن يكون هذا الكلام صَدَرَ من جمسعهم على التَّعَاقُبِ، أو هذا من طائفةٍ، وهذا من طائفةٍ، فمن غلب عليه الخوفُ، وقوي على المُواجهةِ؛ خاطب مستقيلاً من ذنبه، ومن غلب عليه الحياء أخرج كلامهُ مُخْرج المُسْتَحِي من الخطاب؛ فأسند الفِعْلَ إلى الغَائِبِ. قال المُفَسِّرُونَ: وكان هذا النَّدمُ والاستغفارُ منهم بَعْدَ رُجوعِ مُوسى إليهم. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ : هذان حالان من «مُوسَى» عند من يُجيزُ تعدُّد الحال، وعند من لا يُجيزه يجعل «أسِفاً» حالاً من الضَّميرِ المُسْتَتر في «غَضْبانَ» ، فتكون حالاً مُتداخِلةً، أو يجعلُها بدلاً من الأولى، وفيه نظرٌ لِعُسْر إدخالِهِ في أقْسَام البدلِ. وأقربُ ما يقال: إنَّه بدلُ بَعْضٍ من كُل إن فسَّرنا الأسفَ بالشَّديدِ الغضبِ، وهو قولُ أبِي الدَّرْدَاء وعطاء عن ابنِ عبَّاس، واختيار الزَّجَّاجِ، واحْتَجُّوا بقوله: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] أي: اغْضَبُونَا، أو بدل اشتمال إن فسَّرناهُ بالحزِينِ. وهو قول ابن عباس والحسن، والسُّدِّي، ومنه قوله: [المديد] ٢٥٧٨ - غَيْرُ مأسُوفٍ على زَمَنٍ ... يَنْقَضِي بالهَمِّ والحَزَنِ

стр. 5525

وقالت عائشةُ ﵂: إنَّ أبا بكر رَجُلٌّ أسِيفٌ أي: حَزِينٌ. قال الواحديُّ: «والقولان مُتقاربانِ؛ لأنَّ الغضبَ من الحُزْنِ، والحُزْن من الغَضَبِ» ؛ قال: [البسيط] ٢٥٧٩ - ... ... ... ... ... ... ... . ... فَحُزنُ كُلِّ أِي حُزْنٍ أخُو الغَضَبِ وقال الأعشى: [الطويل] ٢٥٨٠ - أرَى رَجْلاً مِنْهُمْ أسِيفاً كأنَّمَا ... يَضُمُّ إلى كَشْحَيْهِ كَفّاً مُخَضَّبَا فهذا بمعنى: غَضْبَان، وحديث عائشة يدلُّ على أنَّهُ: الحزين، فلمَّا كانا مُتقاربَيْنِ في المعنى صَحَّت البدليَّةُ. ويقال: رَجُلٌ أسِفٌ: إذا قُصِد ثُبُوتُ الوَصْفِ واستقراره، فإن قُصِد بِهِ الزَّمان جَآءَ على فاعل. فصل اختلفُوا في هذه الحال. فقيل: إنَّهُ عند هجومه عليهم، عرف ذلك. وقال أبُو مسلم: بل كان عارفاً بذلك من قبل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفا﴾ وإنَّما كان راجعاص قبل وصوله إليهم. وقال تعالى - لموسى ﵊ في حال المكالمة ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ [طه: ٥٨] .

стр. 5526

قوله: قال بِئْسَمَا هذا جوابُ «لَمَّا» وتقدَّم الكلامُ على «بِئْسَمَا» ، ولكنَّ المَخْصُوصَ بالذَّم محذوفٌ، والفاعلُ مستتر يُفَسِّرُهُ «ما خَلَفْتُمُونِي» والتقديرُ: بِئْسَ خلافة خَلَفتُمُونيهَا خلافَتُكُمْ. فصل فإن قيل: ما معنى قوله: «من بعدي» بعد قوله «خلفتموني» ؟ فالجواب: معناه: من بعد ما رأيتم مني من تَوْحيد اللَّهِ، ونفي الشُّركاءِ، وإخلاص العبادةِ له، أو من بعد ما كتب: احمل بني إسرائيل على التَّوحيد، وامنعهم من عبادة البقرِ حين قالوا: ﴿اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] ، ومن حقِّ الخفاء أن يسيرُوا سيرة المُستخلفين. قوله: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ : في «أمْرَ» وجهان، أحدهما: أنَّهُ منصوبٌ على المفعول بعد إسْقاط الخافض، وتضمينُ الفعل مَعْنَى ما يتعدَّى بنفسه، والأصلُ: أعجلْتُمْ عن أمْرِ ربِّكم. قال الزمخشريُّ: يُقال: عَجِل عن الأمرِ: ذا تركه غير تَامٍّ، ونقيضه تَمَّ عليه، وأعجله عنه غيره، ويُضَمَّن معنى «سَبَقَ» فيتعدَّى تَعْديته. فيقالُ: عَجِلْتُ الأمْرَ، والمعنى: «أعجلتم عَنْ أمر ربكم» . والثاني: أنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ غَيْرَ مضمنٍ معنى آخر، حكى يَعْقُوب عجلتُ الشَّيء سَبَقْتُهُ، وأعْجلْتُ الرَّجُلَ: اسْتَعْجَلْتُهُ، أي: حَمَلْتُهُ على العَجَلَةِ. فصل قال الواحدي: «معنى العَجَلَة: التقدم بالشَّيءِ قبل وقْتِهِ، ولذلك صارت مَذْمُومَةً والسُّرعة غر مذمومة، لأنَّ معناها: عمل الشَّيء في أول أوقاتِهِ» . ولقائلِ أن يقُولَ: لو كانت العجلةُ مَذْمُومَةٌ فلم قال موسى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لترضى﴾ [طه: ٨٤] . قال ابْنُ عبَّاسٍ: معنى ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ يعني: ميعاد ربكم فلمْ تَصْبِرُوا لهُ وقال الحسنُ: وعْدُ رَبكم الذي وَعَدكُم من الأربعين، وذلك أنَّهُمْ قَدروا أنَّه إن لم يأت على رأس الثَّلاثين، فقد مات. وقال عطاءٌ: يريدُ أعَجِلْتُم سَخَطَ رَبّكُم. وقال الكلبي: أعَجِلْتُم بعبادة العِجْلِ قبل أنْ يأتيكم أمْر ربكُم.

стр. 5527

قوله: «وألْقَى الألوَاح» أي الَّتِي فيها التَّوْراةُ على الأرض من شدَّةِ الغضب. قالت الرُّواةُ: كانتِ التَّوراةُ سبعة أٍباعٍ، فلمَّا ألْقَاهَا انكسرت، فرفع منها سِتَّةُ أسباعٍ، وبقي سبع واحد فرفع ما كان من أخرا الغيب وبقي ما فيه الموعظة والأحكام من الحلا والحرام. ولقائل أن يقول: ليس في القرآن إلَاّ أنَّه ألقى الألْوَاحَ فأما أنه ألقاها بحيث تكسّرت، فليس في القُرآنِ وإنَّهُ جُرأة عَظِيمةٌ على كتاب الله تعالى، ومثله لا يليقُ بالأنبياء، ويرد هذا قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب أَخَذَ الألواح﴾ [الأعراف: ١٥٤] فدلَّ ذلك على أنَّها لم تنكسر، ولا شيء منها، وأنَّ القائلينَ بأنَّ ستة أسباعها رفعت إلى السَّماءِ، ليس الأمر كذلك، وأنَّهُ أخذها بأعينها. قوله: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ بذُؤابته ولحيتِهِ، لقوله: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤] . قوله: «يَجُرُّهُ إلَيْهِ» فيه ثلاثةُ أوجْهٍ: أحدها: أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ من ضمير مُوسَى المستتر في أخَذَا، أي: أخَذَهُ جَارّاً إليه. الثاني: أنَّها حَالٌ من رَأس قاله أبُو البقاءِ، وفيه نظرٌ لعدم الرَّابط. والثالث: أنَّها حالٌ من أخِيهِ. قال أبُو البقاءِ: «وهو ضعيفٌ» يعني من حيث إنَّ الحَالَ من المُضافِ إليه يَقِلُّ مجيئُهَا، أو يمتنعُ عند بعضهم وقد تقدَّم أن بعضهم يُجَوّزهُ في صور، هذه منها وهو كونُ المضافِ جزءاً من المضافِ إليه. فصل الطَّاعنون في عصْمة الأنبياء يقولون: إنه أخذ برأسِ أخيه يجرُّه على سبيل الإهانةِ، والمُثْبِتُون لعصمة الأنبياء - عليهم الصَّلاة والسَّلام - قالوا: إنَّهُ جَرَّ أخَاهُ لِيَسْألَهُ ويستكشف مِنْهُ كيفية تلك الواقعة. فإن قيل: فَلِمَ قَالَ: ﴿ابن أُمَّ إِنَّ القوم استضعفوني وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي﴾ ؟ فالجوابُ: أنَّ هارون ﵇ خاف أن يتوَهّمَ جُهَّالُ بني إسرائيل أنَّ موسى غضبان عليه كما غضب على عبدة العِجل. فقالك قد نيهتهم، ولم يكن معي من الجمع ما أمنعهم به عن هذا العمل؛ فلا تفعل ما تُشْمِت أعدائي، فهم أعداؤُك فإنَّ القومَ يحملون هذا الفعل الذي تفعله على الإهانة لا على الإكرام. قوله: ابْنَ أمَّ قرأ الأخوان، وأبو بكر، وابن عامر هُنَا، وفي طه، بكسر الميم، والباقون بفتحها. فأمَّا الفَتْحِ ففيها مذهبان.

стр. 5528

مذهبُ البصريين: أنَّهُمَا بُنيا على الفتح، لتركيبهما تركيب «خَمْسةَ عَشَرَ» ، فعلى هذا ليس «ابْن» مضافاً ل «أمّ» ، بل هو مركَّب معها، فَحَركتُهَا حركةُ بناء. والثاني: مذهب الكوفيِّينَ: وهو أنَّ «ابن» مضاف ل «أمّ» و «أمّ» مضافة لياءِ المتكلِّمِ، وياء المُتكلِّم قد قلبت ألفاً، كما تُقْلَبُ في المَنَادَى المُضاف إلى ياء المتكلم، نحو: يَا غلاماً، ثم حُذفت الألفُ واجتزىءَ عنها بالفَتْحَةِ، كام يُجْتَزَأ عن الياءِ بالكَسْرَةِ، فحينئذ حركة «ابْن» حركةُ إعراب، وهو مضاف ل «أمَّ» فهي في محلِّ خفض بالإضافة. وأمَّا قراءة الكسر فعلى رأي البصريين هو كسرُ بناءٍ لأجل ياء المتكلم، بمعنى: أنَّا أضَفْنَا هذا الاسم المركب كلَّه لياء المتكلم، فَكُسِر، فَكُسِرَ آخرُه، ثم اجتُزىء عن الياء بالكسرةِ، فهو نظير: يا أحَدَ عشرِ، ثم: يا أحد عشر بالحذفِ، ولا جائز أن يكُونَا باقيين على الإضافة إذ لم يَجُزْ حذفُ الياء؛ لأنَّ الاسمَ ليس منادى، ولكنه مضاف إليه المُنادَى، فلم يَجُزْ حَذْفُ الياء منه. وعلى رأي الكُوفيين يكون الكَسْرُ كسرَ إعراب، وحُذِفَت الياءُ مُجْتَزَأ عنها بالكسرةِ كما اجتُزىء عن ألفها بالفتحَةِ، وهذان الوجهان يَجْرِيَان، في: «ابن أمّ» ، و «ابْنَ عَمّ» ، و «ابْنَة أمّ» ، و «ابنة عمّ» . فصل فاعْلَمْ أنَّهُ يجوزُ في هذه الأمثلةِ الأربعةِ خاصةً خَمْسُ لغات: فُصْحَاهُنَّ: حذفُ الياءِ مجتزأ عنها بالكسرة، ثم قلبُ الياءِ ساكنة أو مفتوحة، وأمَّا غيرُ هذه الأمثلةِ الأربعة ممَّا أُضِيفَ إلى مضاف إلى ياء المتكلِّم في النِّداء، فإنَّهُ لا يجوز فيه إلَاّ ما يجُوزُ في غير بابِ النِّداءِ، لأنَّه ليس منادى، نحوُ: يا غلام أبِي، ويا غلام أمي، وإنَّما جَرَتْ هذه الأمثلةُ خاصَّةً هذا المَجْرَى؛ تنزيلاً للكلمتين منزلة كلمةٍ واحدةٍ، ولكثرة الاستعمالِ. وقرىء «يا ابْنَ أمِّي» بإثبات الياءِ ساكنةً؛ ومثله قوله: [الخفيف] ابْنَ أمِّي وَيَا شُقَيِّقَ نَفْسِي ... ْتَ خَلَّيْتَنِي لِدَهْرٍ شَدِيدِ خر: [الخفيف] يَا ابْنَ أمِّي فَدَتْكَ نَفْسِي ومَالِي..... ... ... ... ... ... ... ... ... . .

стр. 5529

وقرىء أيضاً: «يَا ابْنَ إمْ» بكسر الهمزة والميم وهو إتباعٌ. ومِنْ قلبِ الياءِ ألفاً قوله: [الرجز] ٢٥٨٣ - يَا ابْنَةَ عَمَّا لا تَلُومِيَ واهْجَعِي ... وقوله: [الرجز] ٢٥٨٤ - كُنْ لِيَ لا عَلَيَّ يَا ابْنَ عَمَّا ... نَدُمْ عَزيزَيْنِ ونُكْفَ الذَّمَّا فصل إنَّما قال: «ابْنَ أمْ» وكان هارون أخاه لأبيه ليرققه ويستعطفه. وقيل: كان أخاه لأمِّه دون أبيه، وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين، وأحبَّ إلى بني إسرائيل من موسى؛ لأنه كان لين الغضب. قوله: ﴿إِنَّ القوم استضعفوني﴾ أي لم يلتفتوا إلى كلامي، يعني: عبدة العجل ﴿وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الأعدآء وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ القوم الظالمين﴾ أي: شريكاً لهم في عقوبتك على فعلهم. قوله: ﴿فَلَا تُشْمِتْ﴾ العَامَّةُ على ضمِّ التاء، وسكر الميم، وهو من «أشْمَتَ» رباعياً، الأعداء مفعول به. وقرأ ابْنُ محيصن «فلا تَشْمِتْ» بفتح التَّاءِ وكسر الميم، ومجاهدٌ: بفتح التَّاءِ أيضاً وفتح الميم، «الأعْدَاءَ» نصب على المفعول به، وفي هاتين القراءتين تَخْرِيجَان: أظهرهما: أن «شَمِتَ، أو شَمَتَ» بكسر الميم أو فتحها مُتَعَدٍّ بنفسه ك: أشْمَتَ الرباعي. يقال: شَمِتَ بي زيدٌ العَدُوَّ؛ كما يقال: أشْمَت بي العَدُوَّ. والثاني: أنَّ تَشْمَتْ مُسْندٌ لضمير الباري تعالى أي: فلا تَشْمَتْ يا رب، وجاز هذا كما جاز: ﴿الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ثم أضمر ناصباً للأعْدَاءِ، كقراءة الجماعة، قاله ابْنُ جنِّي. ولا حاجة إلى هذا التَّكلف؛ لأنَّ «شَمِتَ» الثلاثيَّ يكون متعدِّياً بنفسه، والإضمار على خلاف الأًصل. وقال أبُو البقاءِ - في هذا التَّخريج -: «فلا تشمت أنت» فجعل الفاعل ضمير «

стр. 5530

مُوسَى» ، وهو أولى من إسناده إلى ضمير اللَّهِ تعالى، وأمَّا تَنْظِيرُهُ بقوله ﴿الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ فإنَّما جاز ذلك للمقابلة في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله﴾ [آل عمران: ٥٤] ولا يجُوزُ ذلك في غَيْر المقابلة. وقرأ حميد بنُ قيس «فلا تَشْمِت» كقراءة ابنِ محيصن، ومجاهد كقراءته فيه أوَّلاً، إلَاّ أنَّهُما رفعا «الأعْدَاء» على الفاعلية، جعلا «شَمِتَ لازماً فرفعا به» الأعداء «على الفاعليَّة، فالنَّهْيُ في اللَّفْظِ للمخاطب والمُرادُ به غيره كقولهم: لا أرَيَنَّكَ ههنا، أي: لا يكن منك ما يقتضي أن تُشْمِتَ بي الأعْدَاءَ. والإشمات والشَّماته: الفَرَحُ بِبَلِيةٍ تنالُ عَدُوَّك؛ قال: [الكامل] ٢٥٨٥ - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... والمَوْتُ دُونَ شَماتَةِ الأعْدَاء فصل قيل: واشتقاقُها من شوامِتِ الدَّابة، وهي قوائِمُهَا؛ لأنَّ الشَّماتة تَقْلِبُ قلب الحاسِد في حالتي الفرَحِ والتَّرحِ كتقلُّب شوامِت الدَّابة. وتشميت العاطس وتسميته، بالشِّين والسِّين الدعاء له بالخير. قال أبو عبيد: الشِّينُ أعْلَى اللُّغتين. وقال ثَعلبٌ: الأصْلُ فيها السِّينُ من السَّمْت، وهو القصد والهَدْي. وقيل: معنى تشميت العاطس [بالمعجمة] أنْ يُثَبِّتَهُ اللَّه كما يثبت قوائم الدابة. وقيل: بل التَّفعيل للسَّلب، أي: أزال الله الشَّماتة به وبالسِّين المهملة، أي: رَدَّهُ اللَّهُ إلى سَمْتِهِ الأولى، أي: هيئته، لأنَّهُ يحصل له انزعاج. وقال أبُو بَكْرٍ: «يقال: شَمَّتَه وشَمَّتَ عليه» وفي الحديث: وشَمَّت عليهما. فصل ولمَّا تبيَّنَ لمُوسَى عُذْرُ أخيه قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ما صنعت﴾ أي: ما أقدمت عليه من الغضب، «ولأخِي» إن كان منه في الإنكار على عبدة العجل ﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين﴾ .

стр. 5531

قوله تعالى: ﴿الذين اتخذوا العجل﴾ الآية. المفعول الثاني من مفعولي - الاتِّخاذِ -

стр. 5532

محذُوف، والتقديرُ، اتَّخذوا العجل إلهاً ومَعْبُوداً، يدلُّ على هذا المحذوف قوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ هاذآ إلهكم وإله موسى﴾ [طه: ٨٨] وللمفسرين ههنا طريقان: أحدهما: المراد بالذين اتَّخَذُوا العجل قوم موسى، وعلى هذا فيه سؤال هو أن أولئك القوم تَابَ اللَّهُ عليهم: بأن قتلوا أنفسهم في معرض التَّوْبَةِ على ذنبهم، وإذا تاب الله عليهم فكيف قيل في حقِّهم: ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحياة الدنيا﴾ ؟ ويُجاب عنه بأن ذلك الغضب إنَّما حصل في الدُّنْيَا لا في الآخرة، وهو أنَّ اللَّهَ أمرهم بقتل أنفسهم والمُرَادُ بقوله: ﴿وَذِلَّةٌ فِي الحياة الدنيا﴾ هو أنَّهُمْ قد ضَلُّوا فَذُلُّوا. فإن قيل: السِّينُ في قوله سَيَنالُهُمْ للاستقبال، فكيف يحمل هذا على حكم الدُّنيا؟ فالجواب: وأخره في ذلك الوقت أن سَيَنالُهُمْ غضبٌ من ربهم وذلَّةٌ، فكان هذا الكلامُ سابقاً على وقوعهم في القَتْل وفي الذِّلأَّة فَصَحَّ هذا التَّأويل. الطريق الثاني: أنَّ المُرادَ بالذين اتَّخَذُوا العجلَ أبناؤهم الذين كانوا في زمن النَّبي ﷺ َ وعلى هذا فيه وجهان: أحدهما: أنَّ العرب تعير الأبناء بقبائح أفعال الآباء كما يفعل ذلك في المناقبِ؛ يقولون للأبناء فعلتم كذا وكذا، وإنَّمَا فعل ذلك أسلافهم كذلك ههنا. قال عطيَّةً العوفيُّ: أراد بهم اليهود الذين كانوا في عصر النَّبي ﷺ َ، عَيَّرهُم بصنع آبائهم ونسبه إليهم، ثمَّ حكى عليهم بأنَّهُ: ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ في الآخرةِ: ﴿وَذِلَّةٌ فِي الحياة الدنيا﴾ أراد: ما أصَابَ بني قريظة والنَّير من القتل والجلاء. وقال ابنُ عبَّاسٍ: هي الجزية. الوجه الثانيك أن يكون التقديرُ: «إنَّ الذينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ» أي الذين باشرُوا ذلك سَيَنالُهُمْ أي: سينال أولادهم، ثم حذف المضاف لدلالة الكلام عليه. ثمَّ قال: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المفترين﴾ أي: ومثل ذلك النِّيل والغضب والذِّلّة «نَجْزِي المُفْترينَ» الكاذبين. قال أبُو قلابة: «هو واللَّه جزاء كلِّ مفترٍ إلى يوم القيامة أن يذلَّه اللَّهُ» . وقال سفيان بنُ عيينة: «هذا في كل مبتدع إلى يوم القيامة» . وقال مالكُ بْنُ أنسٍ: «ما من مُبْتَدع إلَاّ ويجدُ فوق رأسه ذِلَّة» . قوله: ﴿والذين عَمِلُواْ السيئات﴾ مبتدأ وخبره قوله إنَّ ربَّكَ إلى آخره. والعائد محذوف، والتقدير: غفورٌ لهم ورحيم بهم، كقوله: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور﴾ [الشورى: ٤٣] أي منه. قوله: مِنْ بَعْدِهَا يجوز أن يعود الضمير على السّيِّئاتِ، وهو الظاهر، ويجوز أن يكون عائداً على التوبة المدلول عليها بقوله: «ثُمَّ تَابُوا» أي: من بعد التوبة.

стр. 5533

قال أبو حيان: «وهذا أوْلَى، لأنَّ الأوَّلَ يلزُم منه حذفُ مضافٍ ومعطوفه، إذ التقدير: من بعد عمل السّيئات والتوبة منها» . قوله: «وَآمَنُوا» يجوزُ أن تكونَ الواوُ للعطفِ، فإن قيل: التَّوبة بعد الإيمان، فكيف جاءت قبله؟ فيقال الواو لا تُرتِّبُ، ويجز أن تكون الواوُ للحال، أي: تَابُوا، وقد آمنوا ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . قوله: «وَلَمَّا سَكَتَ» السُّكُوتَ والسُّكَاتُ قطعُ الكلامِ، وهو هنا استعارةٌ بديعة. قال الزمخشريُّ: هذا مثلٌ كأنَ الغضبُّ كان يُغْريهِ على ما فعل ويقول له: قل لقومك كذا، وألْقِ الألواحَ وخُذْ برأس أخيك إليك، فترك النُّطق بذلك، وترك الإغراء به، ولم يستحسن هذه الكلمة، ولمْ يَسْتفصِحْهَا كلُّ ذي طبع سليم وذوق صحيح إلَاّ لذلك، ولأنَّهُ من قبيل شُعَب البلاغة، وإلَاّ فما لقراءة معاوية بن قرة: ولمَّا سَكَنَ بالنُّونِ، لا تجدُ النَّفس عندها شيئاً من تلك الهمزة وطرفاً من تلك الرَّوعة؟ وقيل: شَبَّه جمود الغذب بانقطاع كلام المُتكلِّم. قال يونسُ: « [سال] الوادي ثم سكت فهذا أيضاً استعارةٌ» . وقال الزَّجَّاجُ: مصدر: سَكَتَ الغَضَبُ: السكتةُ، ومصدر: سَكَتَ الرَّجلُ: السُّكُوتُ «وهو يقتضي أن يكون» سكت الغضبُ «فعلاً على حدته. وقيل: هذا من باب القلب، والأصلُ: ولما سكت موسى عن الغضب، نحو: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوةَ في رَأسِي، أي: أدخلت رأسي في القلنسوة. قاله عكرمةُ: وهذا ينبغي أن لا يجوز لعدم الاحتياج إليه، مع ما في القلب من الخلافِ المُتقدِّم. وقيل المُرادُ بالسُّكوت: السُّكون والزَّوال، وعلى هذا جاز سَكَتَ عن مُوسَى الغَضَبُ ولا يجوزُ صمت؛ لأن سَكَتَ بمعنى سكن، وأما صَمَتَ بمعنى سدَّ فاه عن الكلام، فلا يجوزُ في الغضب. فصل ظاهرُ الآية ثدلُّ على أنَّه ﵊ ُ - لمَّا عرف أن أخاه هارون لم يقع منه تقصير وأظهر له صحة عذرة، فحينئذ سكن غضبهُ، وهو الوقت الذي قال فيه: ﴿رَبِّ اغفر لِي وَلأَخِي﴾ . وقوله:» أخَذَ الألوَاحَ «ظاهر هذا يدلُّ على أن شيئاً منها لم ينكسر، ولم يرفع منها ستة أسباعها كما نقل عن بعضهم.

стр. 5534

وقوله: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى﴾ هذه الجملة في محلِّ نصب على الحال من الألوَاح، أو من ضمير مُوسَى والأوَّلُ أحسنُ. وهذا عبارةٌ عن النَّقْلِ والتَّحويل فإذا كتب كتاب عن كتاب حرف بعد حرف قلبت نُسخَةُ ذلك الكتاب، كأنَّك نقلت ما في الأصل إلى الكتاب الثاني. قال ابنُ عبَّاسٍ: لمَّا ألقَى موسى الألواح فتكسّرت صام أربعين يوماً، فأعَادَ اللَّهُ الألواح وفيها نفس ما في الألواح، فعلى هذا قوله» وفِي نُسْخَتِهَا «أي:» وفيما نسخ منها «وإن قلنا: الألواح لم تنكسر، وأخذها موسى بأعيانها؛ فلا شك أنَّها مكتوبة من اللَّوح المحفوظ فهي نسخ على هذا التقدير. وقوله:» هُدىً ورَحْمَةٌ «أي: هدى من الضلالة، ورحمة من العذاب. قوله: «لِلَّذِين» متعلق بمحذوف؛ لأنه صفةٌ لرَحْمَة أي: رحمة كائنة للَّذين، يجوزُ أن تكون اللَاّم لامَ المفعول من أجله، كأنَّه قيل: هُدىً ورحمةٌ لأجْلِ هؤلاء، وهُمْ مبتدأ ويَرْهَبُونَ خبره، والجلمةُ صلة الموصول. قوله: لِررَبِّهم يَرْهَبُونَ. في هذه اللَاّم أربعةُ أوجُهٍ: أحدها أنَّ اللَاّم مقوية للفعل لأنَّهُ لمَّا تقدَّم معمولُه ضَعُفَ فقوي باللَاّم كقوله: ﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] وقد تقدَّم أنَّ اللَاّم تكونُ مقويةً حيث كان العاملُ مؤخراً أو فرعاً نحو: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] ولا تُزَادُ في غير هذين إلا ضرورةً عند بعضهم؛ كقول الشاعر: [الوافر] ٢٥٨٦ - ولمَّا أنْ تَواقَفْنَا قَليلاً ... أنَخْنَا لِلكَلاكِلِ فَارْتَمَيْنَا أو في قليل عند آخرين؛ كقوله تعالى: ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢] . والثاني: أنَّ اللَاّم لامُ العلَّةِ وعلى هذا فمفعولُ يَرْهَبُونَ محذوفٌ، تقديره: يرهبون عقابه لأجله، أي لأجل ربهم لا رياء ولا سمعة وهذا مذهب الأخفش. الثالث: أنَّها متعلقةٌ بمصدرٍ محذوف، تقديره: الذين هم رهبتهم لربهم. وهو قول المُبَرِّدِ وهذا غيرُ جارٍ على قواعد البصريين، لأنَّهُ يَلْزَمُ منه حذَفُ المصدر، وإبقاءُ معموله، وهو ممتنعٌ إلَاّ في شعرٍ، وأيضاً فهو تقدير مخرج للكلام عن فصاحته. الرابع: أنَّخا متعلقةٌ بفعلٍ مُقَدِّرٍ أيضاً، تقديره: يخشعون لربَّه. وذكرهُ أبُوا البقاء، وهو أولى مِمَّا قبله. وقال ابْنُ الخطيبِ: قد يزادُ حرفُ الجرِّ في المفعول، وإن كان الفعل متعدياً، كقوله: قرأتُ في السُّورة وقرأ السُّورة، وألْقَى يَدَهُ «وألقى بيده» ، قال تعالى ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ

стр. 5535

الله يَرَى﴾ [العلق: ٤] فعلى هذا تكون هذه اللام صلةً وتأكيداً كقوله ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢] ، وقد ذكروا مثل هذا في قوله: ﴿وَلَا تؤمنوا إِلَاّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣] .
следующие страницы →