Полный текст (12 961 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.
стр. 6161
قوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ﴾ الآية.
لمَّا دعا عبادهُ إلى دار السَّلام، ذكر السَّعادات الحاصلة لهم فيها، فقال: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى﴾ أي: أحسنوا العمل في الدُّنيا، فأتوا المأمورات، واجتنبوا المنهيات.
стр. 6162
وقال ابن عبَّاسٍ: للذين ذكرُوا كلمة لا إله إلَاّ الله، فأمَّا الحُسْنَى: فهي الجنَّة وأمَّا الزيادة: فقال أبو بكر الصِّدِّيق، وحذيفة، وأبو موسى، وعبادة بن الصامت: هي النَّظرُ إلى وجه الله الكريم، وبه قال الحسن، وعكرمة، وعطاء، ومقاتل، والضحاك، والسدي.
روى ابن أبي ليلى، عن صهيبٍ قال: «قرأ رسُول الله ﷺ َ هذه الآية: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: إذا دخل أهلُ الجنَّةِ الجنَّة، وأهلُ النَّارِ النَّارَ، نادى منادٍ: يا أهل الجنَّة: إنَّ لكم عند الله موعداً، قالوا: ما هذا الموعدُ، ألمْ يُثقِّل موازِيننا، ويُبيض وُوجوهنا، ويدخِلْنَا الجنَّة، ويُنْجِنَا من النَّارِ؟ قال: فيرفعُ الحجابَ فينظرون إلى وجهِ الله ، قال:» فما أعْطُوا شَيْئاً أحَبَّ إليهم من النَّظر إليْهِ «ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] .
وقالت المعتزلةُ: لا يجوزُ حملُ الزِّيادة على الرؤية، لوجوه:
أحدها: أنَّ الدلائل العقليَّة دلَّت على أنَّ رؤية الله - تعالى - ممتنعةٌ.
وثانيها: أنَّ الزيادة يجبُ أن تكون من جنس المزيد عليه، ورؤيةُ الله - تعالى - ليست من جنس نعيم الجنَّة.
وثالثها: أنَّ الحديث المرويَّ يوجب التشبيه؛ لأنَّ النظر: عبارةٌ عن تقليب الحدقة، إلى جهة المرئيِّ، وذلك يقتضي كون المرئيِّ في الجهة؛ لأنَّ الوجه اسم للعضو المخصوص، وذلك يوجبُ التشبيه، فثبت أنَّ هذا اللفظ، لا يمكن حملُه على الرُّؤية، فوجب حملهُ على شيء آخر. قال الجبائي: الحُسْنَى: هي الثَّواب المستحق، والزِّيادة:
стр. 6163
ما يزيده الله على ذلك الثَّواب من التفضُّل، كقوله - تعالى -: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٠] ، ونقل عن عليٍّ ﵁، أنه قال:» الزِّيادة: غرفة من لُؤلؤة واحدة «.
وعن ابن عبَّاسٍ:» الحُسْنَى: هي الحسنة، والزِّيادة عشرُ أمثالها «، وعن الحسن:» عشُر أمثالها إلى سبْعمائة ضعف «، وعن مجاهد:» الزيادة: مغفرة من الله ورضوان «.
وعن يزيد بن سمرة:» الزِّيادة: أن تمُرَّ السَّحابة بأهْلِ الجنَّة، فتقول: ما تُرِيدُون أن أمطركُم، فلا يُريدُون شيئاً إلَاّ أمطرتهم «.
وأجاب أهل السُّنَّة عن هذه الوجوه، فقالوا: أمَّا قولهم: إنَّ الدلائل العقليَّة دلَّت على امتناع رؤية الله - تعالى -، فهذا ممنوع؛ لأنَّا بيَّنا في كتب الأصُول: أن تلك الدلائل في غاية الفُتُور، وثبت بالأخبارِ الصحيحة إثبات الرُّؤية، كقوله ﵊ ُ -:» هل تُمَارُونَ في رُؤْيةِ الشَّمْسِ ليس دُونهَا سَحَاب؟ «
حين سألوه عن رؤية الله - تعالى -، وقوله ﵊ ُ -: «هل تُمارُونَ في رُؤيةِ القمرِ ليلة البدر؟» فوجب إجراؤها على ظواهرها.
وقولهم: «الزِّيادة يجبُ أن تكُون من جنْسِ المزيد عليه» ، فنقول: المزيد عليه إذا كان مقدراً بمقدار معيَّن، كانت الزِّيادةُ من جنسها، وإذا كان مقدراً بمقدار غير معيَّن، وجب أن تكون الزِّيادة مخالفة له، مثال الأول: قول الرَّجُل لغيره: أعطْتُك عشرة أمدادٍ من الحنطة وزيادة، فتكون تلك الزيادة من الحنطة، ومثال الثاني: قوله أعطيتك الحنطة وزيادة، فيجبُ أن تكون الزِّيادة غير الحنطة.
فلفظ: «الحُسْنَى» : وهي الجنَّة، مطلقة، وهي غير مقدَّرة بقدر معيَّن، فتكون الزِّيادة شيئاً مغايراً لما في الجنة.
стр. 6164
وقولهم: «الحديثُ يدلُّ على إثبات الوجه، وذلك يوجب التشبيه» ، فنقولُ: قام الدَّليل على أنَّه - تعالى - ليس بجسم، ولم يقم الدَّليلُ على امتناع الرُّؤية، فوجب ترك العمل بما قام الدَّليل على فساده.
فصل
قال أبو العبَّاس المقري: وردت الحُسْنَى على أربعة معان:
الأول: بمعنى الجنَّة، قال - تعالى -: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] .
الثاني: الحسنى: الصَّلاح، قال - تعالى -: ﴿وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَاّ الحسنى﴾ [التوبة: ١٠٧] أي: الصَّلاح.
الثالث: البنون، قال - تعالى -: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب أَنَّ لَهُمُ الحسنى﴾ [النحل: ٦٢] أي: البنُون.
الرابع: الخلف في النفقة، قال - تعالى -: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى وَصَدَّقَ بالحسنى﴾ [الليل: ٥ - ٦] أي: بالخلف، ومثله ﴿وَكَذَّبَ بالحسنى﴾ [الليل: ٩] .
قوله: «وَلَا يَرْهَقُ» فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها مستأنفةٌ.
والثاني: أنها في محل نصب على الحال، والعامل في هذه الحال: الاستقرار الذي تضمَّنَهُ الجارُّ، وهو «للَّذين» لوقوعه خبراً عن «الحُسْنَى» ، قاله أبو البقاء، وقدَّره بقوله: «استقرَّ لهم الحسنى، مضموناً لهم السَّلامة» ، وهذا ليس بجائزٍ؛ لأنَّ المضارع متى وقع حالاً منْفيَّا ب «لا» ، امتنع دخولُ واو الحال عليه كالمثبت، وإن ورد ما يُوهم ذلك، يُؤوَّل بإضمار مبتدأ، وقد تقدَّم تحقيقه مراراً [المائدة: ٥٤] .
والثالث: أنها في محلِّ رفع نسقاً على «الحُسْنَى» ، ولا بدَّ حينئذٍ من إضمار حرفٍ مصدريٍّ، يصحُّ جعلُه معه مخبراً عنه بالجارِّ، والتقدير: للذين أحسنوا الحسنى، وأنْ لا يرهق، أي: وعدم رهقهم، فلمَّا حذفت «أنْ» رفع الفعلُ المضارع؛ لأنَّه ليس من مواضع إضمار «أن» الناصبة، وهذا كقوله - تعالى -: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ﴾ [الروم: ٢٤] أي: أن يريكم، وقوله: «تسْمَع بالمُعَيدي، خيرٌ من أن تراه» .
وقوله: [الطويل]
٢٨٨٩ - ألَا أيُّهَا الزَّاجري أحْضُرُ الوغَى..... ... ... ... ... ... ... ...
أي. أن أحضر، روي برفع «أحْضُر» ونصبه، ومنع أبو البقاء هذا الوجه، وقال: «ولا يجوز أن يكون معطوفاً على» الحُسْنَى «؛ لأنَّ الفعل إذا عطف على المصدر، احتاج
стр. 6165
إلى» أنْ «ذكراً، أو تقديراً، و» أنْ «غير مقدَّرة؛ لأن الفعل مرفوعٌ» .
فقوله: «وأنْ غيرُ مقدَّرةٍ؛ لأنَّ الفعل» مرفوع «ليس بجيِّد؛ لأن قوله - تعالى -: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ﴾ [الروم: ٢٤] معه» أنْ «مقدَّرة، مع أنه مرفوع، ولا يلزم من إضمار» أنْ «نصب المضارع، بل المشهور أنَّهُ: إذا أضمرت» أنْ «في غير المواضع التي نصَّ النحويُّون على إضمارها فيها ناصبة، ارتفع الفعلُ، والنصب] قليلٌ جدّاً.
فصل
والرَّهق: الغشيان، يقال: رَهِقَهُ يَرْهقُه رَهَقاً، أي: غشيهُ بسرعة، ومنه ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٧٣] ، ﴿فَلَا يَخَافُ بَخْساً وَلَا رَهَقاً﴾ [الجن: ١٣] . يقال: رَهِقْتُه وأرْهَقْتُه نحو: رَدِفْتُه وأرْدَفْتُه، ففعل وأفعل بمعنًى، ومنه:» أرْهَقْت الصَّلاة «، إذا أخَّرْتَها، حتى غَشِي وقتُ الأخرى، ورجلٌ مُرْهقٌ، أي: يغشاه الأضياف.
وقال الأزهريُّ:» الرَّهَقُ: اسم من الإرهاق، وهو أن يحمل الإنسان على نفسه ما لا يطيقُ، ويقال: أرْهَقْتُهُ عن الصَّلاةِ، أي: أعْجَلْتُه عنها «.
وقال بعضهم: أصل الرَّهقِ، المقاربةُ، ومنه غلامٌ مراهقٌ، أي: قارب الحلم، ومنه الحديث» ارْهَقُوا القبلة «، أي: أقربُوا منها، ومنه: رهقت الكلابُ الصَّيدَ، أي: لحقته، والقَتَر والقَتَرة، الغُبَارُ معه سوادٌ؛ وأنشدوا للفرزدق: [البسيط]
٢٨٩٠ - مُتَوَّجٌ بِرِدَاءِ المُلْكِ يتْبَعُهُ ... مَوْجٌ تَرَى فوقَهُ الرَّاياتِ والقَتَرَا
أي: غبار العسكر، وقيل: القَتَرُ: الدُّخان، ومنه: قُتارُ القِدْر، وقيل: القَتْر: التَّقليل، ومنه ﴿لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ [الفرقان: ٦٧] ، ويقال: قَتَرْتُ الشَّيء وأقْتَرْتُهُ وقتَّرته، أي: قَلَّلتُه، ومنه ﴿وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وقد تقدَّم، والقترة، نامُوس الصَّائد، وقيل: الحفرة، ومنه قول امرىء القيس: [المديد]
٢٨٩١ - رُبَّ رامٍ بَنِي ثُعلٍ ... مُتْلِجٍ كَفَّيْهِ في قُتَرِه
أي: في حُفرتهِ التي يحفُرها، وقرأ الحسن، وعيسى بن عمر، وأبو رجاء، والأعمش:» قَتْرٌ «، بسكون التاء، وهما لغتان: قَتْر وقَتَر، كقَدْر وقَدَر.
стр. 6166
فصل
المعنى: لا يَغْشَى وجوههم قتر: غبار، جمع قترة، وقال ابن عبَّاس، وقتادة: سواد الوُجُوه،» ولا ذلَّةٌ «: هوان، وقال قتادة:» كآبة «قال ابن أبي ليلى:» هذا بعد نظرهم إلى ربِّهم «، ﴿أولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ إشارة إلى كونها دائمة، آمنة من الانقطاع.
قوله تعالى: ﴿والذين كَسَبُواْ السيئات﴾ الآية.
لمَّا شرح حال المسلمين، شرح بعدهُ حال المُسيئين.
قوله: ﴿والذين كَسَبُواْ﴾ : فيه سبعةُ أوجه:
أحدها: أن يكون» والذين «: نسقاً على» لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ «، أي: لِلَّذينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى، والذين كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جزاءُ سيِّئةٍ بمثلها، فيتعادل التَّقسيم، كقولك: في الدَّار زيدق، والحجرة عمرٌو، وهذا يسمِّيه النحويُّون: عطفاً على معمولي عاملين، وفيه ثلاثة مذاهب:
أحدها: الجواز مطلقاً، وهو قول الفرَّاء.
والثاني: المنعُ مطلقاً، وهو مذهبُ سيبويه.
والثالث: التفصيل بين أن يتقدَّم الجارُّ نحو: في الدَّار زيدٌ، والحجرة عمرو، فيجوز، أو لا، فيمتنع نحو: إن زيداً في الدَّار، وعمراً في القصر، أي: وإنَّ عمراً في القصر، وسيبويه وأتباعهُ يُخَرِّجُون ما ورد منه على إضمار الجارِّ، كقوله - تعالى -: ﴿واختلاف الليل والنهار وَمَآ أَنَزَلَ الله مِنَ السمآء مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرياح آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٥] بنصب «آيَات» في قراءة الأخوين، على ما سيأتي؛ كقوله: [المتقارب]
٢٨٩٢ - أكُلَّ امرىءٍ تَحْسَبينَ امْرَأ ... ونَارٍ توقَّدُ باللَّيْلِ نَارَا
وقول الآخر: [الرجز]
٢٨٩٣ - أوْصَيْتَ مَنْ تَوَّه قَلْباً حُرّاً ... بالكَلْبِ خَيْراً والحَمَاةِ شَرًّا
стр. 6167
وسيأتي لهذا مزيد بيان - إن شاء الله -، وممَّن ذهب إلى أنَّ هذا الموصول مجرورٌ عطفاً على الموصول قبله: ابن عطيَّة، وأبو القاسم الزمخشري.
الثاني: أن «الَّذينَ» مبتدأ، و «جَزَآءُ سَيِّئَةٍ» مبتدأ ثانٍ، وخبره «بمثلها» ، والباء فيه زائدةٌ، أي: وجزاءُ سيئةٍ مثلها، كقوله - تعالى -: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] كما زيدتْ في الخبرِ، كقوله: [الوافر]
٢٨٩٤ - فَلَا تَطْمَعْ - أبَيْتَ اللَّعنَ - فيها ... ومنْعُكُهَا بشيءٍ يُسْتَطَاعُ
أي: شيء يُستطاع.
وكقول امرىء القيس: [الطويل]
٢٨٩٥ - أ - فإنْ عنْهَا حِقْبَةً لا تُلاقِهَا ... فإنَّكَ ممَّا أحْدَثَتْ بالمُجَرِّبِ
أي: المُجرِّب، وهذا قولُ ابن كيسان في الآية.
الثالث: أنَّ الباء ليست بزائدةٍ، والتقدير: مقدَّر بمثلها، والمبتدأ الثاني وخبرُهُ خَبَرٌ عن الأول.
والرابع: أنَّ خبر «جزاء سيَّئةٍ» محذوفٌ، فقدَّرهُ الحُوفيُّ بقوله: «لهم جزاءُ سيئة» ، قال: ودلَّ على تقدير «لَهُمْ» ، قوله: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى﴾ حتى تتشاكل هذه بهذه، وقدَّرهُ أبو البقاء: جزاءُ سيِّئة مثلها واقع، وهُو وخبرُهُ أيضاً خبرٌ عن الأول، وعلى هذين التقديرين، فالباء متعلقةٌ بنفس «جزاءُ» ؛ لأنَّ هذه المادَّة تتعدَّى بالباءِ، قال - تعالى -: ﴿جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ﴾ [سبأ: ١٧] ، ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [الإنسان: ١٢] إلى غير ذلك.
فإن قلت: أين الرَّابطُ بين هذه الجملة، والموصول الذي هو المبتدأ.
قلت: على تقدير الحوفيُّ، هو الضمرُ المجرور باللَاّم المقدَّر خبراً، وعلى تقدير أبي البقاء: هو محذوفٌ، تقديره: جزاءُ سيئة بمثلها منهُم واقعٌ، نحو: «السَّمْنُ منوانِ بدرهم» ، وهو حذفٌ مُطَّرِد، لما عرف.
الخامس: أن يكون الخبرُ، الجملة المنفيَّة من قوله: ﴿مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾ ، ويكون «مِنْ عَاصمٍ» إمَّا فاعلاً بالجارِّ قبله؛ لاعتماده على النَّفي، وإمَّا مبتدأ، وخبرُه الجارُّ مقدماً عليه، و «مِنْ» مزيدة فيه على كلا القولين، و «مِنَ الله» متعلِّق ب «عَاصِم» ، وعلى
стр. 6168
كون هذه الجملة خبر الموصول يكون قد فصل بين المبتدأ وخبره بجملتي اعتراضٍ، وفي ذلك خلافٌ عن الفارسيِّ تقدَّم التنبيهُ عليه، وما استدلَّ به عليه.
السادس: أنَّ الخبر هو الجملةُ التشبيهيَّة، من قوله: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ ، و «كأنَّما» حرف مكفوف، و «مَا» هذه زائدة، تُسمَّى كافَّة ومُهيئة، وتقدَّم ذلك [البقرة: ١١] . وعلى هذا الوجه، فيكون قد فصل بين المبتدأ وخبره بثلاث جمل اعتراضٍ.
السابع: أنَّ الخبر هو الجملة من قوله: ﴿أولئك أَصْحَابُ النار﴾ ، وعلى هذا القول، فيكون قد فصل بأربع جمل معترضة.
وهي: ﴿جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ .
والثانية: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ .
والثالثة: ﴿مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾ .
الرابعة: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ﴾ ، وينبغي أن لا يجُوزَ الفصل بثلاث جُمل فضلاً عن أربع.
قوله: «وَتَرْهَقُهمْ» فيها وجهان:
أحدهما: أنَّها في محلِّ نصب على الحال، ولم يُبيِّنْ أبو البقاء صاحبها، وصاحبها هو الموصولُ أو ضميره، وفيه ضعفٌ؛ لمباشرته الواو، إلَاّ أنْ يجعل خبر مبتدأ محذوف.
الثاني: أنَّها معطوفةٌ على «كَسَبُوا» .
قال أبو البقاء: وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ المستقبل لا يعطفُ على الماضي، فإن قيل: هو بمعنى الماضي فضعيفٌ جداً، وقرىء: «ويرْهَقُهمْ» بالياء من تحت؛ لأنَّ تأنيثها مجازيٌّ.
قوله: «قطعاً» قرأ ابنُ كثير، والكسائي، «قِطْعاً» بسكون الطاء، والباقون بفتحها: «فأمَّا القراءة الأولى فاختلفت عبارات النَّاس فيها: فقال أهل اللغة:» القِطْع «: ظُلْمَة آخر الليل.
وقال الأخفش في قوله: ﴿بِقِطْعٍ مِّنَ الليل﴾ [الحجر: ٦٥] بسواد من الليل، وقال بعضهم:» طائف من الليل «، وأنشد الأخفش:
٢٨٩٥ - ب - افتحي الباب فانظري في النجومِ ... كم علينا من قطعِ ليلٍ بهيم
وأمَّا قراءةُ الباقين فجمعُ» قطعة «نحو: دِمْنة ودِمَن، وكِسْرة وكِسَر وعلى القراءتين يختلف إعراب» مظلماً «، فإنه على قراءة الكسائي وابن كثير يجوز أن يكون نعتاً ل»
стр. 6169
قِطْعاً «، ووصف بذلك مبالغة في وصف وجوههم بالسواد، ويجوز أن يكون حالاً ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه حالٌ من» قِطْعاً «، ووصف بذلك مبالغة في وصف وجوههم بالسواد، ويجوز أن يكون حالاً ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه حالٌ من» قِطْعاً «، وجاز ذلك لتخصُّصه بالوصف بالجارِّ بعده وهو» من الليل «.
والثاني: أنه حالٌ من» الليل «.
والثالث: أنه حالٌ من الضمير المستتر في الجارِّ لوقوعه صفة.
قال الزمخشري: فإن قلت: إذا جعلت» مظلماً «حالاً من» الليل «فما العاملُ فيه؟ قلت: لا يخلو: إما أن يكون» أغْشِيَتْ «من قبل أنَّ» من الليل «صفةٌ لقوله:» قِطْعاً «، وكان إفضاؤه إلى الموصوف كإفضائه إلى الصفة، وإما أن يكون معنى الفعل في» من الليل «. قال أبو حيان:» أمَّا الوجه الأول فهو بعيدٌ لأنَّ الأصل أن يكون العاملُ في الحال هو العامل في ذي الحال، والعاملُ في «من الليل» هو الاستقرار، و «أغْشِيَتْ» عاملٌ في قوله: «قطعاً» الموصوف بقوله: «من الليل» فاختلفا، فلذلك كان الوجهُ الأخير أولى، أي: قطعاً مستقرة من الليل، أو كائنة من الليل في حال إظلامه «.
وقال شهاب الدِّين: ولا يعني الزمخشري بقوله: «إنَّ العامل أغْشِيَتْ» ، إلَاّ أن الموصوف، وهو «قِطْعاً» معمول ل «أغْشِيَتْ» ، والعامل في الموصوف هو عاملٌ في الصِّفة.
قال شهاب الدين: والصِّفةُ هي «مِنَ الليل» فهي معمولةٌ ل «أغْشِيَتْ» ، وهي صاحبةُ الحال، والعامل في الحالِ هو العاملُ في ذي الحال، فجاء من ذلك أنَّ العامل في احال هو العاملُ في صاحبها بهذه الطريقة، ويجوز أن يكون «قِطْعاً» : جمع قِطْعَة، أي: اسم جنسٍ لها، فيجُوزُ حينئذٍ وصفُه بالتَّذكير، نحو: ﴿نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] ، والتأنيث، نحو: ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] .
وأمَّا قراءة الباقين، فقال مكِّي، وغيره: إنَّ «مظلماً» حالٌ من «اللَّيْلِ» فقط، ولا يجوز أن يكون صفة ل «قِطعاً» ، ولا حالاً منه، ولا من الضمير في «مِنَ اللَّيل» ؛ لأنَّه كان يجبُ أن يقال فيه: مظلمةٌ، يعنُون: أنَّ الموصوف حينئذ جمعٌ، وكذا صاحب الحال، فتجب المطابقةُ. وأجاز بعضهم ما منعهُ هؤلاء، وقالوا: جَازَ ذلك؛ لأنَّه في معنى الكثير، وهذا فيه تعسُّفٌ.
وقرأ أبيٌّ «يَغْشَى وجوههم قطع» بالرفع، و «مُظْلمٌ» ، وقرأ ابن أبي عبلة كذلك، إلَاّ أنَّه فتح الطَّاء. وإذا جعلتَ «مُظْلماً» ، نعتاً ل «قِطْعاً» ، فتكون قد قدَّمتَ النَّعْتَ غير الصَّريح على الصَّريح.
стр. 6170
قال ابن عطيَّة: فإذا كان نعتاً - يعني: مُظلماً: نعتاً لقطع - فكان حقه أن يكون قبل الجملة، ولكن قد يجيء بعد هذا، وتقدير الجملة: قطعاً استقرَّ مظلماً، على نحو قوله: ﴿وهذا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] .
قال أبو حيَّان: «ولا يتعيَّن تقدير العامل في المجرور بالفعل، فيكون جملة، بل الظاهرُ تقديره باسم الفاعل، فيكون من قبيل الوصف بالمفرد، والتقدير: قطعاً كائناً من اللَّيل مُظْلِماً» .
قال شهاب الدِّين: «المحذُورُ تقديمُ غير الصَّريح على الصَّريح، ولو كان مُقدَّراً بمفرد» ، و «قِطَعاً» : منصوبٌ ب «أغْشِيتْ» ، مفعولاً ثانياً.
فصل
المعنى: ﴿والذين كَسَبُواْ السيئات جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ ؛ لقوله: ﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة فَلَا يجزى إِلَاّ مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] .
والفرق بين الحسنات والسيئات: أنَّه إذا زاد في الحسنات يكون تفضُّلاً، وذلك حسن، وفيه ترغيبٌ في الطَّاعة، وأمَّا الزِّيادة على قدر الاستحقاق على السيئات، فهو ظلمٌ، والله منزله عنه، ثم قال: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي: هوانٌ وتحقير ﴿مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾ أي: ما لهم عاصمٌ من الله في الدُّنيا، ولا في الآخرة، ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ أي: أُلْبِسَتْ وجوههم، ﴿قِطَعاً مِّنَ الليل مُظْلِماً﴾ والمراد: سوادُ الوجه.
وقال حكماء الإسلام: المرادُ من هذا السَّواد، سوادُ الجَهْل، وظلمةُ الضَّلالة، فإنَّ العلم طبعه طبع النُّور، والجهل طبعُه طبع الظُّلْمَة.
قيل: المراد بقوله: ﴿والذين كَسَبُواْ السيئات﴾ : الكفار؛ لأن سواد الوجه من علامات الكفر، قال تعالى: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [آل عمران: ١٦٠] وقال: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أولئك هُمُ الكفرة الفجرة﴾ [عبس: ٤٠ - ٤٢] .
وقال القاضي: ﴿والذين كَسَبُواْ السيئات﴾ عامٌّ يتناول الكافر، والفاسق، وأجيبُ: بأن الصيغة وإن كانت عامَّة، إلَاّ أن الدلائل التي ذكرناها مخصِّصة، ثم قال: ﴿أولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
стр. 6171
قوله - تعالى -: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ الآية.
«يَوْمَ» منصوب بفعلٍ مقدَّر، أي: خوَّفهم، أو ذكرهم يوم، والضميرُ عائد على الفريقين أي: الذين أحسنوا، والذين كسبوا. و «جَمِيعاً» : حال، ويجُوزُ أن يكون تأكيداً، عند من عدَّها من ألفاظ التَّأكيد.
قوله: «مَكَانكُمْ» اسمٌ فعل، ففسَّره النحويُّون ب «اثبُتُوا» فيحمل ضميراً، ولذلك أكَّد بقوله: «أنْتُم» ، وعطف عليه «شُرَكاؤكُم» ؛ ومنه قول الشاعر: [الوافر]
٢٨ ٩٦ - وقَولِي كُلَّمَا جَشَأتْ وجاشَتْ ... مكانكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحي
أي: اثبتي، ويدلُّ على ذلك جزمُ جوابه، وهو «تُحْمَدي» ، وفسَّره الزمخشري: ب «الزمُوا» قال: مكانكُم، أي: الزموا مكانكُم، لا تبرَحُوا حتى تنظروا ما يفعل بكم «.
قال أبو حيَّان: وتقديره له ب» الزمُوا «ليس بجيِّد، إذ لو كان كذلك؛ لتعدَّى كما يتعدَّى ما ناب هذا عنهُ، فإنَّ اسمَ الفعل يُعَامل معاملة مُسمَّاة، ولذلك لمَّا قدَّرُوا» عليك «، بمعنى:» الزم «عدَّوْه تعديته نحو: عليْكَ زيداً.
قال شهابُ الدِّين» فالزمخشري قد سبق التَّفسير، والعُذرُ لمن فسَّرهُ بذلك، أنه قصد تفسير المعنى «، قال الحوفي:» مكانكُم نُصب بإضمار فعل، أي: الزمُوا مكانَكُم أو اثبُتوا «. وكذلك فسرهُ أبو البقاء، فقال:» مَكَانَكُمْ «ظرفٌ مبنيٌّ؛ لوقوعه موقع الأمر، أي:» الزمُوا «.
وهذا الذي ذكره من كونه مبنيّاً، فيه خلاف للنحويين: منهم من ذهب إلى ما ذكر، ومنهم من ذهب إلى أنَّه حركةُ إعراب، وهذان الوجهان مبنيان على خلاف في أسماء الأفعال هل لها محلٌّ من الإعراب أو لا؟ فإن قلنا لها محلٌّ، كانت حركاتُ الظرفِ حركاتِ إعراب، وإن قلنا لا موضع لها، كانت حركاتِ بناءٍ، وأمَّا تقديره: ب» الزَمُوا «، فقد تقدَّم جوابه. قوله:» أنْتُم «فيه وجهان:
стр. 6172
أحدهما: أنَّه تأكيدٌ للضمير المستتر في الظرف، لقيامه مقام الفاعل، كما تقدَّم التنبيه عليه.
والثاني: أجازهُ ابن عطيَّة، وهو أن يكون مبتدأ، و» شُرَكاؤُكُم «معطوفٌ عليه، وخبرُهُ محذوفٌ، قال:» تقديره: أنتم وشركاؤكم مهانون، أو معذبون «، وعلى هذا فيوقفُ على قوله:» مَكَانَكُم «ثم يبتدأ بقوله:» أنتُم «، وهذا لا ينبغي أن يقال، لأنَّ فيه تفكيكاً لأفصحِ كلام، وتبتيراً لنظمه، من غير داعيةٍ إلى ذلك؛ ولأنَّ قراءة من قرأ» وشُرَكاءكُمْ «نصباً، تدل على ضعفه، إذ لا تكونُ إلَاّ من الوجه الأوَّل؛ ولقوله:» فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ «، فهذا يدلُّ على أنَّهم أمروا هُم وشُركاؤهم بالثّبات في مكانٍ واحدٍ، حتى يحصل التَّنزيل بينهم.
وقال ابن عطية أيضاً: «ويجوزُ أن يكون» أنتُمْ «تأكيداً للضمير الذي في الفعل المقدَّر الذي هو» قفوا «ونحوه» .
قال أبُو حيَّان: وهذا ليس بجيّدٍ، إذ لو كان تأكيداً لذلك الضمير المتصل بالفعل، لجاز تقديمُه على الظَّرفِ، إذ الظرفُ لم يتحمَّل ضميراً على هذا القول، فيلزمُ تأخيره عنهُ، وهو غير جائزٍ، لا تقول: «أنت مكانك» ولا يحفظ من كلامهم.
والأصحُّ: أنَّه لا يجوز حذفُ المؤكِّد في التَّأكيد المعنويِّ، فكذا هذا؛ لأنَّ التأكيد ينافي الحذف، وليس من كلامهم: «أنت زيداً» لمن رأيته قد شهر سيفاً، وأنت تُريد «اضرب أنت زيداً» ، إنَّما كلامُ العرب: «زيداً» تُريدُ: اضرب زيداً.
قال شهاب الدِّين: «لَمْ يَعْنِ ابنُ عطيَّة، أنَّ» أنْتَ «تأكيد لذلك الضمير في» قِفُوا «من حيث إنَّ الفعل مرادٌ غير منُوبٍ عنهُ؛ بل لأنَّه ناب عنه هذا الظرفُ، فهو تأكيدٌ له في الأصل؛ قبل النِّيابة عنه بالظرف، وإنَّما قال: الذي هو» قفوا «تفسيراً للمعنى المقدر» . وقرأ فرقة «وشُرَكاءكُمْ» نصباً على المعيَّة، والنَّاصب له اسم الفعل.
قوله: «فَزَيَّلْنَا» ، أي: فرَّقنا وميَّزنا؛ كقوله - تعالى -: ﴿لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا﴾ [الفتح: ٢٥] .
واختلفوا في «زيَّل» هل وزنه فعَّل أو فيعل؟ .
والظاهر الأول، والتضعيفُ فيه للتَّكثيرِ، لا للتَّعدية، لأنَّ ثلاثية مُتعدِّ بنفسه، حكى الفراء: «زِلْتُ الضَّأن من المعز، فلم تَزِل» ويقال زلتُ الشَّيء من مكانه أزيلُهُ، وهو على هذا من ذوات الياء.
والثاني: أنه فَيْعَل كبيطر وبيقر، وهو من زالَ يزولُ، والأصل: «زَيْوَلْنَا» ، فاجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسُّكون، فأعلت بقلب الواو ياء، وإدغام الياء فيها، ك «
стр. 6173
مَيِّت وسيِّد» في: ميوت سَيْود، وعلى هذا فهو من مادة الواو، وإلى هذا ذهب ابنُ قتيبة، وتبعه أبو البقاء.
وقال مكِّي: «ولا يجوز أن يكون فعَّلنا من زال يزول؛ لأنَّه يلزم في الواو فيكون زَوَّلنا» . وهذا صحيحٌ، وقد تقدَّم تحرير ذلك في قوله: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦] .
وردَّ أبو حيَّان كونه «فَيْعَل» ، بأنَّ «فَعَّلَ» أكثر من «فَيْعَل» ؛ ولأنَّ مصدره التَّنزيل، ولو كان «فَيْعل» ، لكان مصدره «فَيْعلة» كبيطرة؛ لأن «فَيْعَل» ملحقٌ «بفَعْلَلَ» ، ولقولهم في معناه: «زَايَل» ، ولم يقولوا: «زاول» ، بمعنى: «فارق» ، إنَّما قالوه بمعنى: «حَاول وخالط» ، وحكى الفرَّاء: «فَزايَلْنا» ، وبها قرأت فرقة، قال الزمخشري: «مثل صَاعَرَ خدَّه، وصعَّره، وكالمتُه وكلَّمتُه» .
يعني: أنَّ «فاعل» بمعنى: «فعَّل» ، و «زَايلَ» بمعنى: «فَارَقَ» .
قال: [الطويل]
٢٨٩٧ - وقَالَ العَذَارَى: إنَّما أنْتَ عَمُّنَا ... وكَانَ الشَّبَابُ كالخَليطِ يُزايلُهْ
وقال آخر: [الطويل]
٢٨٩٨ - لعَمْري لمَوْتٌ لا عُقُوبةَ بعدَهُ ... لِذي البَثِّ أشْفَى من هَوًى لا يُزايلهْ
أي: يفارقه.
وقوله - تعالى -: «فَزيَّلْنا» ، و «قال» هذان الفعلان ماضيان لفظاً، مستقبلان معنًى؛ لعطفهما على مستقبل، وهو «ويَوْمَ نَحْشُرهُمْ» ، وهما نظيرُ قوله - تعالى -: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ﴾ [هود: ٩٨] . و «إِيَّانَا» : مفعولٌ مقدمٌ، قُدِّم للاهتمام به والاختصاص، وهو واجبُ التَّقديم على ناصبه؛ لأنَّه ضميرٌ منفصلٌ، لو تأخَّر عنه، لزم اتِّصاله، وقد تقدَّم الكلامُ على ما بعد هذا من «كَفَى» المخففة، واللَاّم التي بعدها، بما يُغْنِي عن الإعادة. [البقرة١٩٨] .
فصل
المعنى «ويَوْمَ نَحْشُرهُمْ» العابد والمعبُود، ثمَّ إن المعبود يتبرَّأ من العابد، ويتبيَّن لهُ أنَّه ما فعل ذلك بعلمه وإرادته، ونظيرهُ قوله - تعالى -: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا﴾ [البقرة: ١٦٦] ، وقوله: ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠] .
و «الحَشْر» : الجمع من كل جانبٍ إلى موقفٍ واحدٍ ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ﴾ أي: الزَمُوا مكانكم «وشُرَكاؤكُم» يعني: الأوثان، حتَّى تسألوا، «فزيَّلْنَا بَيْنَهُم»
стр. 6174
أي: ميَّزنا وفرَّقنا بينهم، وجاءت هذه الكلمة على لفظ الماضي، بعد قوله: «ثُمَّ نقُولُ» وهو مستقبل؛ لأنَّ ما جاءكم الله بِهِ، سيكون صار كالكائن الآن، كقوله: ﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة﴾ [الأعراف: ٤٤] .
وأضاف الشُّركاء إليهم؛ لأنَّهم جعلُوا لهم نصيباً من أموالهم.
وقيل: لأنَّ الإضافة يكفي فيها أدنى تعليق، فلمَّا كان الكُفَّار هُم الذين أثبتُوا هذه الشَّركة، حسنت إضافة الشركاءِ إليهم، وقيل: لمَّا خاطب العابدين والمعبودين بقوله «مَكانَكُم» صارُوا شُركاء في هذا الخطاب.
قال بعض المُفسِّرين: المراد بهؤلاء الشُّركاء: الملائكة، واستشهدُوا بقوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠] ، وقيل: هم الأصنام، ثم اختلف هؤلاء كيف ذكرت الأصنام هذا الكلام؟ فقيل: إن الله - تعالى - يخلقُ فيها الحياة والعقل والنُّطق، وقيل: يخلق فيهم الرُّوح من غير حياةٍ، حتَّى يسمعُوا منهم ذلك.
فإن قيل: إذا أحياهُم الله هل يبقيهم أو يفنيهم؟ .
فالجوابُ: أنَّ الكلَّ محتملٌ، ولا اعتراض على الله في أفعاله، وأحوال القيامة غير معلومة، إلَاّ القليل، ولا شك أن هذا خطاب تهديدٍ في حق العابدين، فهل يكُون تهديداً في حق المعبودين؟ قالت المعتزلة: لا يجُوزُ ذلك؛ لأنَّه لا ذنب للمعبود، ومن لا ذنب له، لم يصحَّ تهديده، وتخويفه، وقال أهلُ السُّنَّة: لا يسأل عما يفعل.
فإن قيل: قول الشركاء: ﴿مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ وهم كانوا قد عبدوهم، يكون كذباً، وقد تقدَّم في سورة الأنعام، اختلاف الناس في أنَّ أهل القيامة هل يكذبون أم لا؟ .
والجواب ههنا: أنَّ منهم من قال: المراد من قولهم: «مَا كُنتُمْ إيَّانَا تَعْبُدُونَ» : هو أنَّكُم ما عبدْتُمُونَا بأمرنا وإرادتنا؛ لأنَّهم استشهدوا بالله في ذلك بقولهم: ﴿فكفى بالله شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ، وبقولهم: ﴿إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ ، ومن النَّاس من أجْرَى الآية على ظاهرها، وقالوا: إنَّ الشُّركاء أخبروا أنَّ الكفار ما عبدوها لوجوه:
الأول: أنَّ ذلك الموقف موقفُ دهشة وحيرة، فذلك الكذبُ جارٍ مجرى كذب الصبيان، والمجانين والمدهوشين.
الثاني: أنَّهم ما أقامُوا لأعمال الكُفَّار وزناً، وجعلوها لبطلانها كالعدم، فلهذا قالوا: ما عبدونا.
الثالث: أنهم تخيَّلوا في الأصنام التي عبدوها صفات كثيرة، فهم في الحقيقة إنَّما عبدوا ذواتاً موصوفة بتلك الصفات، ولمَّا كانت ذواتها خالية عن تلك الصفات، فهم ما عبدوها، وإنما عبدوا أموراً تخيَّلُوها ولا وجود لها في الأعيان، وتلك الصِّفات التي تخيَّلوها في الأصنام: أنها تضرُّ، وتنفع، وتشفع عند الله.
стр. 6175
قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ﴾ الآية.
في «هُنالِكَ» وجهان:
أظهرهما: بقاؤه على أصله، من دلالته على ظرف المكان، أي: في ذلك الموقف الدَّحض، والمكان الدَّهش. وقيل: هو هنا ظرف زمان على سبيل الاستعارة، ومثله ﴿هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون﴾ [الأحزاب: ١١] ، أي: في ذلك الوقت؛ وكقوله: [الكامل]
٢٨٩٩ - وإذَا الأمُورُ تَعاظَمَتْ وتَشاكَلَتْ ... فهُناكَ يَعْترِفُون أيْنَ المفْزعُ
وإذا أمكن بقاء الشيء على موضوعه، فهو أولى.
وقرأ الأخوان «تَتْلُو» بتاءين منقوطتين من فوق، أي: تطلب وتتبع ما أسلفته من أعمالها، ومن هذا قوله: [الرجز]
٢٩٠٠ - إنَّ المُريبَ يتْبَعُ المُرِيبَا ... كَمَا رَأيْتَ الذِّيبَ يتلُو الذِّيبَا
أي: يتبعه ويتطلَّبه، ويجوز أن يكون من التلاوة المتعارفة، أي: تقرأ كلُّ نفس ما عملته مسطَّراً في صحف الحفظة، لقوله - تعالى -: ﴿ياويلتنا مَا لهذا الكتاب لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَاّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩] ، وقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ [الإسراء: ١٣] .
وقرأ الباقون: «تَبْلُوا» من البلاء، وهو الاختبار، أي: يعرف عملها: أخيرٌ هو أم شر، وقرأ عاصم في رواية «نَبلو» بالنُّون والباء الموحَّدة، أي: نَخْتَبر نحنُ، و «كُلَّ» منصُوب على المفعول به، وقوله «مَا أسْلفَتْ» على هذا القراءة يحتمل أن يكون في محلِّ نصبٍ، على إسقاطِ الخافض، أي: بما أسْلفَتْ، فلمَّا سقط الخافض، انتصب مَجْرُوره؛ كقوله: [الوافر]
٢٩٠١ - تَمُرُّونَ الدِّيارَ فَلَمْ تَعُوجُوا ... كلامُكُمُ عليَّ إذنْ حَرَامُ
ويحتمل أن يكون منصوباً على البدل من «كُلُّ نَفْسٍ» ويكون من بدل الاشتمال. ويجُوزُ أن يكون «نَبْلُو» من البلاء، وهو العذاب. أي: نُعَذبها بسبب ما أسلفت، و «مَا» يجوز أن تكون موصولةً اسمية، أو حرفية، أو نكرة موصوفة، والعائدُ محذوفٌ على التقدير الأول، والآخر دون الثاني على المَشْهُور.
стр. 6176
وقرأ ابنُ وثَّاب: «وَرِدُّوا» بكسر الرَّاء، تشبيهاً للعين المضعفة بالمعتلَّة، نحو: «قيل» و «بيع» ، ومثله: [الطويل]
٢٩٠٢ - ومَا حِلَّ مِنْ جَهْلٍ حُبَا حُلمائِنَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
بكسر الحاء، وقد تقدَّم بيانُ ذلك [البقرة: ١١] .
قوله: «إِلَى الله» لا بُدَّ من مضاف، أي: إلى جزاءِ الله، أو موقف جزائه.
والجمهور على «الحقِّ» جرًّا، وقرئ منصوباً على أحد وجهين:
إمَّا القطع، وأصله أنَّه تابعٌ، فقطع بإضمار «أمدح» ، كقولهم: الحمدُ لله أهل الحمد.
وإمَّا أنَّه مصدرٌ مؤكِّدٌ لمضمونِ الجملة المتقدمة، وهو «رُدُّوا إلى الله» وإليه نحا الزمخشريُّ. قال: كقولك: «هذا عبدُ الله الحَقُّ، لا الباطل» على التَّأكيد؛ لقوله: «رُدُّوا إلى اللهِ» .
وقال مكِّي: «ويجوزُ نصبهُ على المصدر، ولم يُقرأ به» ، وكأنَّه لم يطلع على هذه القراءة، وقوله: «مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ» «مَا» تحتمل الأوجُه الثلاثة.
المعنى: «هُنالِكَ» : في ذلك الوقت، «نَبْلُو» أي: نختبر، والمعنى: يفعلُ بها فعل المختبر، وعلى القراءة الأخرى: أنَّ كلَّ نفس نختبر أعمالها، في ذلك الوقت.
﴿وردوا إِلَى الله﴾ أي: رُدُّوا إلى جزاءِ الله، قال ابن عبَّاسٍ: «مولاهُمُ الحقّ» أي: الذي يجازيهم بالحق، وقيل: جعلوا ملجئين إلى الإقرار بإلاهيته، ﴿مَوْلَاهُمُ الحق﴾ [الأنعام: ٦٢] في الأنعام. «وضلَّ عَنْهُم» : زال وبطل، «مَّا كانُوا يفْتَرون» أي: يعبدون، ويعتقدُون أنهم شفعاء، فإن قيل: قد قال: ﴿وَأَنَّ الكافرين لَا مولى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] ، قيل: المولى هناك هو الناصر، وههنا بمعنى الملك.
стр. 6177
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السمآء والأرض﴾ الآية.
لمَّا ذكر فضائح عبدة الأوثان، أتبعها بذكر الدَّلائل الدَّالَّة على فسادِ هذا المذهب: وهي أحوال الرزق، وأحوال الحواس، وأحوال الموْتِ والحياة: أمَّا الرزقُ، فإنَّه إنَّما
стр. 6178
يحصل من السماء والأرض: أمَّا من السَّماء، فبنُزُول المطر الموافق، وأمَّا من الأرض، فلأنَّ الغذاء إمَّا أن يكون نباتاً، أو حيواناً: أمَّا النبات فلأنَّ الأرض تُنبتُه، وأمَّا الحيوانُ، فهو محتاجٌ أيضاً إلى الغذاء، ولا يمكن أن يكون غذاء كل حيوانٍ، حيواناً آخر، وإلا لزم التَّسلسل، وهو محالٌ، فثبت أنَّ غذاء الحيوان، يجب انتهاؤه إلى النَّبات، والنبات إنما يتولَّد من الأرض، فثبت أنَّ الرزق إنما يحصلُ من السَّماء والأرض، ولا مُدَبِّر لهما إلَاّ الله - تعالى -، وأمَّا أحوال الحواسِّ فكذلك، قال عليٌّ ﵁: سبحان من بصر بشحم، وأسمع بعظمٍ، وأنْطَق بلحم.
قوله: «مِّنَ السمآء» : «مِنْ» يجُوزُ أن تكون لا بتداء الغاية، وأن تكون للتبعيض، وأن تكون لبيان الجنس، ولا بُدَّ على هذين الوجهين من مضاف محذوف، أي: من أهل السَّماء، قوله: «أمْ» المنقطعة؛ لأنَّهُ لم تتقدَّمها همزةُ استفهام ولا تسوية، ولكن إنَّما تُقدَّر هنا ب «بل» وحدها، دون الهمزة، وقد تقرَّر أنَّ المنقطعة عند الجمهور تُقدَّر بهما، وإنما لم تتقدَّر هنا ب «بل» والهمزة؛ لأنَّها وقع بعدها اسم استفهام صريح، وهو «مَنْ» ، فهو كقوله - تعالى -: ﴿أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤] ، والإضرابُ هنا على القاعدةِ المقررة في القرآن، أنه إضرابُ انتقالٍ، لا إضرابُ إبطالٍ.
قوله: ﴿وَمَن يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحي﴾ .
قيل: يخرج الإنسان من النطفة، والطائر من البيضة، ﴿وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحي﴾ : يخرج النُّطفة والبيضة من الإنسان، والطَّار، وقيل: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، ثم قال: ﴿وَمَن يُدَبِّرُ الأمر﴾ وهذا كلام كليٌّ؛ لأنَّ تدبير أقسام الله في العالم العُلويِّ، والسُّفلي أمور لا نهاية لها، وذكرها كالمُتعذِّر، فلمَّا ذكر بعض تلك التفاصيل؛ عقَّبها بالكلام الكلِّي ليدلَّ على الباقي، ثم بيَّن أنَّ الرَّسُول ﵊ ُ -، إذا سألهم عن مُدَبِّر هذه الأمور، فسيقولون هو الله، وهذا يدلُّ على أنَّ المخاطبين بهذا الكلام، كانُوا يعرفون الله تعالى، ويقرون به، وهم الذين قالوا في عبادتهم الأصنام: إنَّها تُقربنا إلى الله زُلْفَى، وأنَّهم شفعاؤنا عند الله، وكانوا يعلمُون أنَّ هذه الأصنام، لا تنفع ولا تضرُّ، فعند ذلك قال لرسلوه: ﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ الشرك مع هذا الإقرار، وقيل: أفلا تخافون عقابه في شِرْكِكُم؟ .
قوله: ﴿فَذَلِكُمُ الله رَبُّكُمُ﴾ الذي يفعل هذه الأشياء، هو ربُّكم الحقُّ.
قوله: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ﴾ يجوز أن يكون «مَاذَا» كلُّه اسماً واحداً؛ لتركُّبهما، وغُلِّب الاستفهامُ على اسم الإشارة، وصار معنى الاستفهام هنا النَّفْيَ، ولذلك أوجب بعده ب «إلَاّ» ، ويجوز أن يكون «ذَا» موصولاً بمعنى: «الَّذي» ، والاستفهام أيضاً بمعنى: النَّفْي؛ والتقدير: ما الذي بعد الحقِّ إلَاّ الضَّلال؟ .
وإذا ثبت أنَّ الله هو الحقُّ، وجب أن يكون ما سواه ضلالاً، أي: باطلاً؛ لأنَّ
стр. 6179
النَّقيضين يمتنع أن يكونا حقَّين، وأن يكونا باطلين، فإذا كان أحدهما حقّاً، وجب كون ما سواه باطلاً، ثم قال ﴿فأنى تُصْرَفُونَ﴾ أي: كيف تَعْدلُون عن عبادته، وأنتُم مُقِرُّون بذلك.
قال الجُبَّائي: دلَّت هذه الآية على بطلان قول المُجبِّرة: أنَّه - تعالى - يصرف الكُفَّار عن الإيمان؛ لأنَّه لو كان كذلك، لما جاز أن يقول ﴿فأنى تُصْرَفُونَ﴾ كما لا يقول إذا عمي أحدهم إني عميتُ، وسيأتي جوابه.
فصل
المعنى: أنَّ الذي يفعل هذه الأشياء، هو ربُّكم الحقُّ، لا ما أشركتُم معه.
قال بعضُ المتقدِّمين: ظاهرُ هذه الآية، يدلُّ على أنَّ ما بعد الله، هو الضلالُ؛ لأنَّ أوَّلها ﴿فَذَلِكُمُ الله رَبُّكُمُ الحق﴾ ، وآخرها ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلَاّ الضلال﴾ فهذا في الإيمان، والكفر ليس في الأعمال، وقال بعضهم: إنَّ الكفر تغطية الحقِّ، وكل ما كان غير الحقِّ، جرى هذا المجرى، فالحرام ضلالٌ، والمُبَاحُ هُدًى، فإن الله هو المبيحُ، والمحرِّم.
فصل
قال القرطبي: «رُوي عن مالك، في قوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلَاّ الضلال﴾ قال اللَّعبُ بالشطرنج والنَّرد من الضلال، وسئل مالكٌ: عن الرَّجُل يلعبُ في بيته، مع امرأته بأربعة عشرة، فقال: ما يُعْجِبني، ليس من شأن المُؤمن، قال - تعالى -: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلَاّ الضلال﴾ ، وسئل مالكٌ: عن اللَّعبِ بالشطرنج، فقال: لا خَيْرَ فيه وهو من الباطل، واللَّعبُ كلُّه من الباطل» .
وقال الشَّافعيُّ: «لاعب الشطرنج، وغيره - إذا لم يكن على وجه القمار - لا تُرَدّ شهادتهُ إذا كان عدْلاً، ولمْ تظهرْ منه ريبةٌ، ولا كبيرةٌ، فإن لعب بها قُماراً، وكان معروفاً بذلك، سقطت عدالتُهُ، لأكله المال بالباطل، وقال أبُو حنيفة:» يُكرَه اللعب بالشطرنج، والنَّرد، والأربعة عشر، وكل اللَّهْو فإن لم تظهر من اللَاّعب بها كبيرةٌ، وكانت مساوئه قليلة، قُبلتْ شهادته «.
قال ابن العربي:» قال الشَّافعية: إنَّ الشطرنج يخالف النَّرد، لأنَّ فيه إكدار الفكر، واستعمال القريحة، وأمَّا النَّرْد: فلا يعلم ما يخرجُ له، فهو كالاستقسام بالأزلام «. وأنَّ النَّرد هو الذي يعرفُ بالباطل، ويعرف في الجاهليَّة بالأزلام، ويعرف أيضاً بالنَّردشير، وروي أنَّ ابن عمر، مرَّ بغلمان يعلبُون بالكجَّة، وهي حُفَر فيها حصى، يلعبُون بها، فسدَّها ابنُ عمر، ونهاهم عنها.
ذكر الهروي في باب الكاف مع الجيم، في حديث ابن عبَّاس: في كل شيءٍ قمار،
стр. 6180
حتى في لعب الصبيان بالكُجَّةِ، وقال ابن الأعرابي:» الكجَّة هي: أنْ يأخذ الصبيُّ خرقةً، فيدورها كأنَّها كُرةً ثم يتقامرُون بها «.
قوله: «كَذَلِكَ حَقَّتْ» : الكافُ في محلِّ نصبٍ، نعتاً لمصدرٍ محذوف، والإشارةُ بذلك إلى المصدر المفهوم من «تُصْرَفُون» ، أي: مثل صَرْفِهم عن الحقِّ، بعد الإقرار به، في قوله - تعالى -: ﴿فَسَيَقُولُونَ الله﴾ ، وقيل إشارةٌ إلى الحقِّ. قال الزمخشري: «كذلك: مثل ذلك الحقِّ حقَّت كلمةُ ربِّك» . قوله: ﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: أنَّها في محلِّ رفع؛ بدلاً من «كَلِمةُ» ، أي: حقَّ عليهم انتفاءُ الإيمان.
الثاني: أنَّها في محلِّ رفعٍ، خبراً لمبتدأ محذوف، أي: الأمر عدمُ إيمانهم.
الثالث: أنَّها في محلِّ نصب، بعد إسقاطِ الحرف الجارِّ.
الرابع: أنَّها في محلِّ جرٍّ، على إعماله محذوفاً، إذ الأصل: لأنَّهم لا يُؤمِنُون.
قال الزمخشري: «أو أراد بالكلمة، العِدَة بالعذاب، و ﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ تعليلٌ، أي: لأنَّهم» ، وهذا إنباء على مذهبهم. وقرأ أبو عمرو، وابن كثير، والكوفيون: «كَلِمَات» بالجمع، وكذا في آخر السورة [يونس: ٩٦] ، وتقدَّم ذلك في الأنعام، وقرأ ابنُ أبي عيلة: «إَِنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ» بكسر «إنَّ» على الاستئناف، وفيها معنى التَّعليل، وهذا يُقَوِّي الوجه الصَّائر إلى التَّعليل.
فصل
احتجَّ أهل السنة بهذه الآية: على أنَّ الكفر بقضاء الله، وإرادته، لأنه - تعالى - أخبر عنهم قطعاً أنَّهم لا يؤمنون، فلو آمنوا، لكان إمَّا أن يبقى ذلك الخبر صدقاً، أو لا، والأوَّل باطلٍ؛ لأنَّ الخبر بأنَّه لا يؤمن، يمتنع أن يبقى صدقاً حال ما يُوجد الإيمان. والثاني باطلٌ؛ لأنَّ انقلاب خبر الله - تعالى - كذباً محالٌ، فثبت أنَّ صدور الإيمان منهم محالٌ، والمحالُ لا يكون مراداً، فثبت أنَّه - تعالى - ما أراد الإيمان من هذا الكافر، وأنَّه أرادَ الكُفْر منه.
ثم نقول إن كان قوله: ﴿فأنى تُصْرَفُونَ﴾ يدلُّ على صحَّة مذهب القدريَّة، فهذه الآيةُ الموضوعة بجنبه تدلُّ على فساده، وقد كان الواجبُ على الجُبَّائيِّ مع قوة خاطره، حين استدلَّ بتلك الآية على صحَّة قوله، أن يذكُر هذه الحجَّة، ويجيب عنها حتى يحصل مقصوده، والمراد ب «الكلمة» : حكمةُ السَّابق على الذينَ فَسَقُوا، أي: كفرُوا.
стр. 6181
قوله - تعالى - ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ الآية. هذه هي الحجَّة الثانية عليهم.
فإن قيل: القوم كانوا منكرين الإعادة، والحشر، والنشر، فكيف احتجَّ عليهم بذلك؟
فالجواب: أنَّه - تعالى - قدَّم في هذه السورة ما يدلُّ عليه، وهو وجوب التمييز بين المُحْسِن والمُسيءِ، وهذه الدَّلالة دلالةٌ ظاهرةٌ قويَّة، لا يمكن للعاقل دفعها؛ فلأجْلِ قُوَّتها، وظهورها تمسَّك بها، سواء الخَصْم عليها، أو لا.
فإن قيل: لِمَ أمر رسوله أن يعترف بذلك، والإلزام إنَّما يحصلُ لو اعترف الخصمُ به؟ .
فالجوابُ: أنَّ الدَّليل لمَّا كان ظاهراً جليّاً، فإذا أورد على الخَصْم في معرض الاستفهام، كأنَّه بنفسه يقول: الأمر كذلك، فكان هذا تنبيهاً، على أنَّ هذا الكلام بلغ في الوُضوح، إلى حيث لا حاجة فيه إلى إقرار الخصم به، وأنَّه سواء أقرَّ، أو أنكَرَ، فالأمرُ متقرِّر ظاهرٌ.
قوله: ﴿قُلِ الله يَبْدَأُ الخلق﴾ : هذه الجملةُ جوابٌ لقوله: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ، وإنَّما أتى بالجواب جملة اسمية، مصرَّحاً يجزأيها، مُعَاداً فيها الخبر، مطابقاً لخبر اسم الاستفهام؛ للتأكيد، والتَّثبيتِ، ولمَّا كان الاستفهام قبل هذا، لا مندوحة لهُم عن الاعتراف به، جاء الجملةُ محذوفاً منها أحدُ جزأيها، في قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ الله﴾ [يونس: ٣١] ، ولم يَحْتَجْ إلى التَّأكيد بتصريح جزأيها.
فصل
قال القرطبيُّ: ومعنى الآية: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الخلق﴾ ينشئه من غير أصل، ولا سبق مثال: «ثُمَّ يُعِيدُهُ» : يُحْييه بعد الموت كهَيْئتِهِ، فإن أجابُوك، وإلَاّ ف ﴿قُلِ الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ، ثم قال: ﴿فأنى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: تصرفون عن قصد السَّبيل، والمُراد: التَّعجُّب منهم في الدُّنْيَا من هذا الأمر الواضح الذي دعاهُم الهوى والتَّقليد إلى مخالفته؛ لأنَّ الإخبار عن كون الأوثان آلهةً كذب، وإفكٌ الاشتغال بعبادتها، مع أنَّها لا تستحق العبادة أيضاً إفكٌ.
قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يهدي إِلَى الحق﴾ الآية.
стр. 6182
وهذه حجَّة ثالثة. واعلم أنَّ الاستدلالَ على وجودِ الصَّانع بالخلق أولاً، ثم بالهداية ثانياً، عادة مُطَّردة في القرآن، قال - تعالى - حكاية عن الخليلي ﵊ ُ: ﴿الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] ، وحكى عن موسى ﵊ ُ - في جواب لفرعون: ﴿رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] ، وأمر محمَّداً ﵊ ُ - فقال: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى الذي خَلَقَ فسوى والذي قَدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ١ - ٣] .
واعلم أنَّ الإنسان له جسدٌ وروحٌ، فالاستدلال على وجود الصَّانع بأحوال الجسد، هو الخلق، والاستدلال بأحوال الرُّوح، هو الهدايةُ.
والمقصودُ من خلق الجسدِ: حصول الهداية للرُّوح، كما قال - تعالى -: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[النحل: ٧٨] ، وهذا كالتَّصريح بأنَّه تعالى إنَّما خلق الجسد، وأعطى الحواسّ؛ لتكون آلة في اكتساب المعارف، والعلم.
قوله: ﴿يهدي إِلَى الحق﴾ ، قد تقدَّم في أول الكتاب: أنَّ «هَدَى» يتعدَّى إلى اثنين ثانيهما: إمَّا باللَاّم أو بإلى، وقد يحذفُ الحرفُ تخفيفاً [الفاتحة: ٦] ، وقد جمع بين التعديتين هنا بحرف الجر، فعدَّى الأول والثالث ب «إلى» ، والثاني باللَاّم، وحذف المعفول الأول من الأفعال الثلاثة، والتقدير: هل من شركائكم من يهدي غيره إلى الحق، قل الله يهدي من يشاء للحقِّ، أفمنْ يهدي غيره إلى الحقِّ، وزعم الكسائي، والفرَّاء، وتبعهما الزمخشري: أنَّ «يَهْدِي» الأول قاصرٌ، وأنَّه بمعنى: اهتدى، وفيه نظر؛ لأنَّ مقابله، وهو ﴿قُلِ الله يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ متعدٍّ، وقد أنكر المبرِّدُ أيضاً مقالة الكسائي، والفراء، وقال: لا نَعْرِفُ «هَدَى» بمعنى: «اهتدى» .
قال شهاب الدِّين «الكسائي والفرَّاء أثبتاه بما نقلاه، ولكن إنَّما ضعف ذلك هنا؛ لما ذكرتُ لك من مقابلته بالمتعدِّي، وقد تقدَّم أنَّ التعدية ب» إلى «أو اللَاّم، من باب التَّمن في البلاغة، ولذلك قال الزمخشري:» يقال: هداه للحقِّ وإلى الحقِّ، فجمع بين اللغتين «، وقال غيره:» إنَّما عدَّى المسند إلى الله باللَاّم؛ لأنَّها أدلُّ في بابها على المعنى المراد من «إلى» ؛ إذ أصلها لإفادة الملك، فكأنَّ الهداية مملوكةٌ لله - تعالى - «. وفيه نظر؛ لأنَّ المراد بقوله: ﴿أَفَمَن يهدي إِلَى الحق﴾ هو الله - تعالى -، مع تعدِّي الفعل المسند إليه ب» إلى «.
قوله: ﴿أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ﴾ : خبرٌ لقوله:» أَفَنْ يهدي «، و» أنْ «في موضع نصبٍ، أو جرٍّ بعد حذف الخافض، والمفضَّلُ عليه محذوفٌ، وتقدير هذا كلّه: أفمن يهدي إلى الحقِّ أحقُّ بأن يُتَّبَع ممَّن لا يهدي. ذكر ذلك مكِّي بن أبي طالب، فجعل» أحَقُّ «هنا على بابها من كونها للتفضيل، وقد منع أبو حيَّان كونها للتَّفضيل، فقال: و» أحَقُّ «ليست للتفضيل، بل المعنى:» حَقيقٌ بأن يُتَّبع «، وجوَّز مكِّي أيضاً في المسألة وجهين آخرين:
стр. 6183
أحدهما: أن تكون» مَنْ «مبتدأ أيضاً، و» أنْ «في محلِّ رفعٍ، بدلاً منها بدل اشتمال، و» أحَقُّ «خبرٌ على ما كان.
والثاني: أن يكون» أنْ يُتَّبَع «في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و» أحَقُّ «خبره مقدَّمٌ عليه. وهذه الجملة خبر ل» مَنْ يَهْدِي «، فتحصَّل في المسألة ثلاثة أوجُه.
قوله: ﴿أَمَّن لَاّ يهدي﴾ : نسقٌ على» أفَمَنْ «، وجاء هنا على الأفصح، مِنْ حيث إنَّهُ قد فصل بين» أمْ «وما عُطفتْ عليه بالخبر، كقولك: أزَيْدٌ قائمٌ أم عمرو، ومثله:
﴿أذلك
خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد﴾ [الفرقان: ١٥] ، وهذا بخلاف قوله - تعالى -: ﴿أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] وسيأتي هذا في موضعه، وقرأ أبو بكر عن عاصم: بكسر ياء «يهدِّي» وهائه، وحفص بكسر الهاء دون الياء، فأما كسر الهاء؛ فلالتقاء الساكنين، وذلك أنَّ أصله «يَهْتَدِي» ، فلمَّا قُصِدَ إدغامُه سكنتِ التاء، والهاءُ قبلها ساكنة، فكسرت الهاءُ لالتقاء الساكنين، وأبو بكر أتبع الياء للهاء في الكسر، وقال أبو حاتم: في قراءة حفصٍ «هي لغة سُفْلَى مُضَرَ» .
ونقل عن سيبويه: أنَّه لا يجيز «يِهْدِي» ، ويجيز «تِهْدِي، وإهْدِي» ، قال: «لأنَّ الكسرة تثقلُ في الياء» ، يعني: يُجيز كسر حرفِ المضارعة من هذا النَّحو، نحو: تِهْدِي ونِهْدِي وإِهْدِي، إذ لا ثقل في ذلك، ولم يجزهُ في الياء؛ لثقل الحركة المجانسةِ لها عليها، وهذا فيه غضٌّ من قراءة أبي بكرٍ، لكنه قد تواتر قراءة، فهو مقبولٌ، وقرأ أبو عمرو وقالون، عن نافع: بفتح الياء، واختلاس فتحة الهاء، وتشديد الدَّال، وذلك أنَّهُمَا لمَّا ثقَّلا الفتحة للإدغام، اختلسا الفتحة؛ تنبيهاً على أنَّ الهاءَ ليس أصلها الحركة، بل السُّكون، وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وورش: بإكمال فتحة الهاء على أصل النقل، وقد رُوي عن أبي عمرو، وقالوا: اختلاسُ كسرةِ الهاءِ، على أصل التقاء الساكنين، والاختلاسُ للتنبيه على أنَّ أصل الهاءِ السُّكون كما تقدَّم، وقرأ أهلُ المدينة - خلا ورشاً - بفتح الياء وسكون الهاء وتشديد الدَّال، وهذه القراءةُ استشكلها جماعةٌ من حيث الجمع بين السَّاكنين، قال المبرد: «مَنْ رَامَ هذا، لا بد أن يحرك حركة خفيَّة» قال أبو
стр. 6184
جعفر النَّحاس: لا يقدر أحدٌ أن ينطقَ به. قال شهاب الدِّين: «وقد قال في التيسير:» والنَّصُّ عن قالون بالإسكان «، قلت: ولا بعد في ذلك؛ فقد تقدَّم أنَّ بعض القُرَّاء يَقْرَأ ﴿نِعْمَّا﴾ [النساء: ٥٨] و ﴿لَا تَعْدُواْ﴾ [النساء: ١٥٤] بالجمع بين الساكنين، وتقدَّمت لك قراءاتٌ كثيرة، في قوله ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] ، وسيأتي مثل هذا في ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩] .
وقرأ الأخوان» يَهْدِي «بفتح الياء، وسكون الهاء، وتخفيف الدال، من هدى يَهْدي، وفيه قولان:
أحدهما: أنَّ» هَدَى «بمعنى: اهتدى.
والثاني: أنَّه متعدٍّ، ومفعوله محذوفٌ كما تقدَّم، وتقدم في قول الكسائي، والفرَّاء في ذلك، وردُّ المبرد عليهما.
وقال ابن عطيَّة:» والذي أقول: قراءةُ حمزة، والكسائيُّ؛ تحتمل أن يكون المعنى: أمْ مَنْ لا يهدي أحداً، إلَاّ أنْ يهدي ذلك الأحدُ بهداية الله، وأمَّا على غيرها من القراءات التي مقتضاها: أمْ مَنْ لا يهتدي، إلَاّ أنْ يُهْدَى. فيتجه المعنى على ما تقدَّم «، ثم قال:» وقيل: تمَّ الكلامُ عند قوله: «أمْ مَنْ لا يَهَدِّي» ، أيك لا يهدِّي غيره «، ثم قال:» إلَاّ أنَّ يَهْدَى: استثناءٌ منقطع، أي: لكنه يحتاجُ إلى أن يُهْدَى، كما تقول: فلانُ لا يسمع غيره، إلَاّ أنْ يسمع، أي: لكنَّه يحتاجُ إلى أن يسمع «.
انتهى، ويجوز أن يكون استثناءً متصلاً؛ لأنَّه إذ ذاك يكون فيهم قابليَّةُ الهداية، بخلافِ الأصنام، ويجوز أن يكون استثناء من تمامِ المفعول له، أي: لا يهدي لشيءٍ من الأشياء، إلَاّ لأجْل أن يُهْدَى بغيره.
قوله: «فَمَا لَكُمْ» : مبتدأ وخبر، ومعنى الاستفهام هنا: الإنكارُ والتعجُّبُ، أي: أيُّ شيءٍ لكم في اتِّخاذ هؤلاء؛ إذا كانوا عاجزين عن هداية أنفسهم، فكيف يمكن أن يهدوا غيرهم؟ وقد تقدَّم: أنَّ بعض النحويين نصَّ على أنَّ مثل هذا التركيب، لا يتمُّ إلَاّ بحالٍ بعده، نحو: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] ، ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ﴾ [المائدة: ٨٤] إلى غير ذلك، وهنا لا يمكن أن تقدَّر الجملةُ بعد هذا التركيب حالاً؛ لأنَّها استفهاميَّة، والاستفهاميَّة لا تقع حالاً.
وقوله: ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ : استفهامٌ آخر، أي: كيْفَ تحكمُونَ بالباطل، وتجعلُون لله أنْداداً، وشُركاء؟ .
стр. 6185
فصل
المعنى: ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يهدي﴾ : يرشد، «إِلَى الحق» فإذا قالوا: لا، ولا بدَّ لهم من ذلك ﴿قُلِ الله يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ أي: إلى الحقِّ ﴿أَفَمَن يهدي إِلَى الحق أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَاّ يهدي إِلَاّ أَن يهدى﴾ أي: الله الذي يهدي إلى الحقِّ أحق بالاتِّباع، أم الصَّنم الذي لا يهتدي، إلَاّ أنْ يُهْدَى؟ فإن قيل: الأصنام جمادات لا تقبل الهداية، فكيف قال: ﴿إِلَاّ أَن يهدى﴾ ، والصَّنَمُ لا يتصوَّر أن يهتدي، ولا أنْ يُهْدَى؟
فالجواب من وجوه:
أحدها: أنَّ المراد من قوله: ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ الأصنام، والمراد من قوله: ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يهدي إِلَى الحق﴾ : رؤساء الكفر، والضلال، والدعاة إليهما؛ لقوله - تعالى -: ﴿اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله﴾ [التوبة: ٣١] إلى قوله: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] أي: أن الله - تعالى - هدى الخلق إلى الدِّين، بالدَّلائل العقليَّة، والنقليَّة، وهؤلاء الدُّعاة لا يقدرون أن يهدُوا غيرهم، إلَاّ إذا هداهم الله، فكان التَّمسك بدين الله، أولى من قُبُول قول هؤلاء الجهال.
وثانيها: أن معنى الهداية في حقِّ الأصنامِ: الانتقال، والهدى: عبارة عن النَّقل والحركة، يقال: أهديت المرأة إلى زوجها، إذا انتقلت إليها، والهَدْيُ: ما يُهْدى إلى الحرم من النَّعَم، وسميت الهديَّةُ هديَّة؛ لانتقالها من شخص إلى غيره، وجاء فلان يهادى بين رجلين، إذا كان يمشي مُعْتمداً عليهما؛ لضعفه وتمايله. وإذا ثبت ذلك فالمرادُ: أنَّه لا ينتقل من مكان إلى مكان، إلَاّ أن يحمل وينقل بين عجز الأصنام.
وثالثها: أنه ذكر الهداية على وجه المجاز؛ لأنَّ المشركينَ لمَّا اتَّخذُوا الأصنام آلهةً، وأنَّها لا تشفع لهم في الآخرة، وأنَّهم نزَّلُوها منزلة من يعقل، فلذلك عبَّر عنها كما يُعبَّر عمَّن يعلم ويعقل.
ورابعها: أنْ يُحْمل على التقدير، أي: أنَّها لو كانت بحيث يمكنها أن تهدي، فإنَّها لا تهدي غيرها، إلَاّ بعد أن يهديها غيرها، ثم قال: ﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ أي: تَقضُون، حين زعمتُم: أنَّ للهَ شريكاً.
قوله: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَاّ ظَنّاً﴾ الآية.
أي: يقولون إنَّ الأصنامَ آلهة، وأنَّها تشفع لهم في الآخرة، «ظَنّاً» : لمْ يردْ به كتابٌ ولا رسولٌ. وأراد بالأكثر، جميع من يقول ذلك.
وقيل: وما يتبع أكثرهم في إقرارهم بالله إلَاّ ظنّاً؛ لأنَّه قولٌ غير مسندٍ إلى برهانٍ عندهم، بل سمعُوه من أسلافهم، وهذا القول أولى؛ لأنَّا في الأول نحتاج إلى أن نُفَسِّر الأكثر بالكُلِّ.
стр. 6186
قوله: «لَا يُغْنِي» : خبرُ «إنَّ» ، و «شيئاً» منصوبٌ على المصدر، أي: شيئاً من الإغناء، و «منَ الحقِّ» نصبٌ على الحالِ من «شَيْئاً» ؛ لأنَّهُ في الأصل صفةٌ له، ويجُوزُ أن تكون «مِن» بمعنى «بدل» ، اي: لا يُغْنِي بدل الحقِّ، وقرأ الجمهور: «يَفْعلُون» على الغيبة، وقرأ عبد الله: «تَفْعَلون» خطاباً، وهو التفاتٌ بليغٌ، ومعنى الآية: إنَّ الظَّنَّ لا يدفع عنهم من عذَابِ الله شيئاً، وقيل: لا يقوم مقام العلم.
فصل
تمسَّك نُفاةُ القياس بهذه الآية، فقالوا: العملُ بالقياس عمل بالظَّنِّ، فوجب أن لا يجوز لهذه الآية، وأجيبوا: بأنَّ الدَّليل الذي دلَّ على وجوب العمل بالقياس، دليلٌ قاطعٌ، فكان وجوبُ العمل بالقياس معلوماً، فلم يكن العملُ بالقياس مظنوناً، فأجابوا: بأنَّه لو كان الحكم المستفاد من القياس معلوماً، فلم يكن العملُ بالقياس مظنوناً، فأجابوا: بأنَّه لو كان الحكم المستفاد من القياس يعلم كونه حكماً لله - تعالى -، لكان ترك العمل به كُفْراً؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون﴾ [المائدة: ٤٤] ولمَّا لمْ يكُن كذلك، بطل العمل به، ثم عبَّرُوا عن هذه الحُجَّة، فقالوا: الحكم المستفاد من القياس: إمَّا أن يعلم كونه حكماً لله - تعالى -، أو يظن، أو لا يعلم ولا يظن.
والأرض باطل، وإلَاّ لكان من لم يَحْكُم به كافراً؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون﴾ [المائدة: ٤٤] ، وبالاتِّفاق ليس كذلك.
والثاني: باطلٌ؛ لأنَّ الحكم بالظَّنِّ لا يجوز؛ لقوله - تعالى -: ﴿إَنَّ الظن لَا يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئاً﴾ .
والثالث: باطلٌ؛ لأنه إذا لم يكن كذلك الحكم معلوماً، ولا مظنوناً، كان مجرد التَّشهي، فكان باطلاً؛ لقوله - تعالى -: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصلاة واتبعوا الشهوات﴾
[مريم: ٥٩] .
وأجاب مثبتُو القياس: بأنَّ حاصل هذا الدَّليل، يرجع إلى التَّمسك بالعمومات، والتَّمسُّك بالعمومات لا يفيد إلَاّ الظن، فإذا دلَّت العمومات، على المنع من التَّمسُّك بالظنِّ، لزم كونها دالَّة على المنع من التَّمسُّك بالظنِّ، وما أفْضَى ثُبُوته إلى نفيه، كان مَتْرُوكاً.
دلَّت هذه الآيةُ: على أنَّ كلَّ من كان ظانّاً في مسائل الأصول، ولم يكُن قاطعاً؛ فإنَّه لا يكون مؤمناً.
فإن قيل: فقول أهل السُّنَّة: أنَا مؤمنٌ - إن شاء اللهُ -، يمنع من القطع، فوجب أن يلزمَهُم الكفر.
стр. 6187
فالجواب من وجوه:
الأول: مذهب الشافعي: أنَّ الإيمان عبارةٌ عن مجموع الاعتقادِ، والإقرارِ، والعمل، والشَّك إنَّما هو ي هذه الأعمال، هل هي موافقةٌ لأمر الله - تعالى -؟ والشَّك في أحد أجزاء الماهيَّة، لا يوجب الشَّك في تمام الماهيَّة.
الثاني: أنَّ الغرضَ من قوله: إن شاء اللهُ، بقاء الإيمان عند الخاتمة.
الثالث: الغرض منه هضم النَّفْس وكسرُها.
стр. 6188
قوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ هذا القرآن أَن يفترى مِن دُونِ الله﴾ الآية.
لمَّا تقدَّم قول القوم: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] ، وذكروا ذلك؛ لاعتقادهم؛ أنَّ القرآن ليس بمعجز، وأنَّ محمداً أنَّما أتَى به من عند نفسه؛ افتعالاً، واختلافاً، وذكر - تعالى - هنا: أنَّ إتيان محمَّد ﵊ ُ - بهذا القرآن، ليس هو افتراءٌ على الله - تعالى -، وإنَّما هو وحي نازل عليه من عند الله، وأنَّه مُبَرَّأ عن الافتعال، والافتراء، ثم احتجَّ على صحَّة هذا الكلام، بقوله: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] .
قوله: «أن يفترى» : فيه وجهان:
أحدهما: أنَّه خبرُ «كان» ، تقديره: وما كان هذا القرآن افتراء، أي: ذا افتراء، إذ جعل نفس المصدر مبالغةً، أو يكون بمعنى: مُفْتَرى.
والثاني: زعم بعضهم: أنَّ «أنْ» هذه هي المضمرة بعد لام الجُحُودِ، والأصل: وما كان هذا القرآنُ ليفترى، فلمَّا حذفتْ لامُ الجحود، ظهرت «أنْ» ، وزعم: أنَّ اللَاّم، و «أنْ» يتعاقبان، فتحذف هذه تارة، وتَثْبُت الأخرى، وهذا قولٌ مرغوبٌ عنه، وعلى هذا
стр. 6189
القول، يكون خبر «كان» محذُوفاً، و «أنْ» وما في حيِّزها، متعلقةٌ بذلك الخبر، وقد تقدَّم تحريرُ ذلك [البقرة١٤٣] ، و «مِن دُون اللهِ» متعلِّق ب «يُفْتَرَى» والقائمُ مقامَ الفاعل ضميرٌ عائدٌ على القرآن.
قوله: ﴿ولكن تَصْدِيقَ﴾ : عطف على خبر «كانَ» ووقعت «لكن» هنا أحسن موقع؛ إذ هي بين نقيضين: وهُما التكذيبُ، والتَّصْديقُ المتضِّمن للصدق. وقرأ الجمهور: «تَصْدِيقَ» و «تَفْصِيلَ» بالنصب، وفيه أوجهٌ:.
أحدها: العطفُ على خبر «كَانَ» كما تقدَّم، ومثله: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولكن رَّسُولَ الله﴾ [الأحزاب: ٤٠] .
والثاني: أنَّه خبر «كَانَط مضمرةٌ، تقديره: ولكن كان تصديقَ، وإليه ذهب الكسائيُّ، والفرَّاء، وابن سعدان، والزجاج، وهذا كالذي قبله في المعنى.
والثالث: أنَّه منصوبٌ على المفعول من أجله لفعل مقدَّر، أي: وما كان هذا القرآنُ أن يفترى، ولكن أُنزل للتَّصديق.
والرابع: أنه منصوبٌ على المصدر بفعل مقدَّر أيضاً، والتقدير: ولكن يُصدِّق تصديقَ الذي بين يديه من الكتب.
وقرأ عيسى بن عمر» تَصْدِيقُ «بالرفع، وكذلك التي في يوسف، ووجه الرَّفْعُ على خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: ولكن هو تصديقُ؛ ومثله قول الشاعر: [الوافر]
٢٩٠٣ - ولَسْتُ الشَّاعِرَ السَّفْسَافَ فِيهِمْ ... ولكِنْ مِدْرَهُ الحَرْبِ العَوانِ
برفع» مِدْرَةُ «، على تقدير: أنَا مِدْرَهُ.
وقال مكي:» ويجوز عندهما - أي الكسائي والفرَّاء -. الرَّفعُ على تقدير: ولكن هو تصديقُ «، وكأنَّه لم يطَّلِعْ على أنَّها قراءةٌ، وقد ورد في قراءات السَّبعة: التَّخفيفُ، والتَّشديدُ في» لكن «، نحو:
﴿ولكن
الشياطين
﴾ [البقرة
: ١٠٢] ، ﴿ولكن
الله رمى﴾ [الأنفال: ١٧] .
قوله: «لَا رَيْبَ فِيهِ» : فيه أوجه:
أحدها: أن يكون حالاً من «الكتاب» وجاز مجيءُ الحال من المُضاف إليه؛ لأنَّه مفعولٌ في المعنى، والمعنى: وتفصيل الكتاب مُنْتفياً عنه الرَّيْب.
والثاني: أنَّه مستأنفٌ فلا محلَّ لهُ من الإعراب.
стр. 6190
والثالث: أنَّه معترضٌ بين «تَصْديقَ» ، وبين «من ربِّ العالمينَ» .
قال الزمخشري: «فإن قلت: بِمَ اتَّصلَ قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العالمين﴾ ؟ .
قلت: هو داخلٌ في حيِّز الاستدراك، كأنَّه قيل: ولكن تصديقاً، وتفصيلاً منتفياً عنه الريبُ، كائناً من ربِّ العالمينَ، ويجُوزُ أن يراد به: ولكن كان تصديقاً من ربِّ العالمين، وتفصيلاً منه، لا ريب في ذلك، فيكون» من ربِّ العالمينَ «: متعلِّقاً ب» تَصْديقَ «، و» تَفْصِيلَ «، ويكون» لا رَيْبَ فيهِ «: اعتراضاً، كما تقول: زيدٌ - لا شكَّ فيه - كريمٌ» . انتهى.
قوله: «مِن ربِّ» : يجوز فيه أوجهٌ:
أحدها: أن يكن متعلِّقاً ب «تَصْدِيقَ» أو ب «تَفْصِيلَ» وتكون المسألة من باب التنازع، إذ يصحُّ أن يتعلَّق بكلِّ من العاملين، من جهة المعنى، وهذا هو الذي أراد الزمخشري، بقوله: فيكون «من ربِّ» : متعلقاً ب «تَصْدِيقَ» ، و «تَفْصِيلَ» ، يعني: أنه متعلِّقٌ بكلٍ منهما، من حيث المعنى، وأمَّا من حيث الإعرابُ، فلا يتعلَّق إلَاّ بأحدهما، وأمَّا الآخرُ فيعملُ في ضميره، كما تقدَّم تحريره، والإعمالُ هنا حينئذٍ إنَّما هو للثَّاني، بدليل الحذف من الأول.
والوجه الثاني: أنَّ «مِن ربِّ» حال ثانية.
والثالث: أنَّه متعلِّقٌ بذلك الفعل المقدَّر، أي: أنزل للتَّصديق من ربِّ العالمين.
فصل
المعنى: وما ينبغي لمثل هذا القرآن، أن يُفْتَرَى من دون الله، كقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] ، وقيل: «أنْ» بمعنى: اللَاّم، أي: وما كان هذا القرآنُ ليُفْتَرَى، كقوله: ﴿وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] ، و ﴿مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين﴾ [آل عمران: ١٧٩] ، و ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب﴾ [آل عمران: ١٧٩] أي: ليس وصفه هذا القرآن وصف شيء يمكن أن يفترى على الله، والافتراءُ: الافتعال، من أفريتُ الأديم: إذا قدَّرته للقطع، ثم استعمل في الكذب، كما استعمل قولهم: اختلق فلان الحديث في الكذب، ثم إنَّهُ - تعالى - احتجَّ على صحَّةِ الدَّعوى بأمور:
الأول: قوله: ﴿ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: إنَّ محمَّداً ﵊ ُ - كان رجُلاً أمِّيًّا، لم يتعلَّم العِلْمَ، وما كانت مكَّةُ بلدة العلماء، وليس فيها شيء من كتب العلم، ثم إنَّه ﵊ ُ - أتى بهذا القرآن المشتمل على أقاصيص الأولين، والقومُ كانوا في غاية العداوة لهُ، فلوْ لمْ تكُن ههذ الأقاصيص موافقة لما في التَّوراة، والإنجيل، لقدحوا فيه وبالغُوا في الطَّعن، فلمَّا لم يقُل أحدٌ ذلك، مع شدَّة حرصهم على
стр. 6191
الطَّعن فيه، علمنا أنَّه أتى بتلك الأقاصيص، مطابقة للتوراة والإنجيل، مع أنَّه ما طالعهما، ولا تتلمذ لأحدٍ فيهما، فدلَّ ذلك: على أنَّه إنما أتى بهذه الأشياء من قبل الوحي.
الحجة الثانية: أنَّ كتب الله المنزَّلة، دلَّت على مقدم محمد ﷺ َ كما تقدم في تفسير قوله: ﴿وَأَوْفُواْ بعهدي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] فكان مجيءُ محمَّد ﷺ َ موافقاً لهما في تلك الكتب، ومصدقاً لما فيها من الباشرة بمجيئه، فكان هذا عبارة عن تصديق الذي بين يديه.
والدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ١١١] واعلم: أنَّ العُلُوم: إمَّا أن تكون دينيَّة، أو ليست دينيَّة.
والقسم الأول أرفع حالاً، وأعظم شأناً من القسم الثاني، والدينيَّة: إمَّا أن تكون علم العقائد والأديان، أو علم الأعمال.
فأما علم العقائد والأديان: فهو عبارةٌ عن معرفة ذاته، ومعرفة صفات جلاله، وصفات أفعاله، وأحكامه، وأسمائه، والقرآن مشتمل على دلائل هذه المسائل، وتفاريعها، وتفاصيلها على وجه لا يساويه شيءٌ من الكتب، ولا يقرب منه.
وأمَّا علم الأعمال فهو:
إمَّا عبارة عن علم التكاليف الظاهرة، وهو علم الفقه، ومعلوم أنَّ جميع الفقهاء إنما استنبطوا مباحثم من القرآن.
وإمَّا عبارةٌ عن علم الباطن ورياضة القلوب، ففي القرآن من مباحث هذا العلم، ما لا يكادُ يوجدُ في غيره، كقوله: ﴿خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين﴾ [الأعراف: ١٩٩] ، وقوله: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠] الآية، إلى غير ذلك.
فثبت أنَّ القرآن مشتملٌ على تفاصيل جميع العُلُوم الشريفة؛ فكان ذلك مُعْجِزاً.
ثم قال: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العالمين﴾ وذلك لأنَّ الكتاب الطويل المشتمل على العلوم الكثيرة؛ لا بُدَّ وأن يقع فيه نوع من التناقض، وحيثُ خلا هذا الكتاب عنه، علمنا أنَّه من عند الله، قال - تعالى -: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً﴾ [النساء: ٨٢] .
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه﴾ الآية.
لمَّا أقام الدَّلائل على أنَّ هذا القرآن، لا يليقُ بحاله أن يكون مفترى، أعاد مرَّةً أخرى بلفظ الاستفهام، على سبيل الإنكار، إبطال هذا القول، فقال: «أم يقولون افتراه» ، وقد تقدَّم تقرير هذه الحجَّة في البقرة، عند قوله: ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣] .
قوله: «أم يقُولُونَ» : في «أمْ» هذه وجهان:
стр. 6192
أحدهما: أنَّها منقطعةٌ، فتقدَّر ب «بَلْ» ، والهمزة عند سيبويه، وأتباعه، والتقدير: بل أتقُولُون، انتقل عن الكلامِ الأول، وأخذ في إنكار قولٍ آخر.
واثاني: أنَّها متصلةٌ، ولا بُدَّ حينئذٍ من حذف جملةٍ؛ ليصحَّ التعادلُ، والتقدير: أيقرون به، أم يقولون افتراهُ، وقال بعضهم: «أمْ» هذه بمنزلة الهمزة فقط، وعبَّر بعضهم عن ذلك، فقال: «الميمُ زائدة على الهمزة» وهذا قولٌ ساقطٌ؛ إذ زيادة الميم قليلةٌ جدّاً، ولا سيَّما هنا، وزعم أبو عبيدة: «أنها بمعنى: الواو، والتقدير: ويقولون افتراه» .
قوله: «قُلْ فَأْتُواْ» : جواب شرطٍ مقدَّر، قال الزمخشري: «قُلْ: إنْ كان الأمرُ كما تزعمون، فأتُوا أنتم على وجْهِ الافتراءِ بسورةٍ مثله، فأنتم مثلي في العربيَّة، والفصاحة، والأبلغيَّة» .
وقرأ عمرو بن فائد: «بسُورَةِ مثلِهِ» بإضافة «سُورة» إلى «مِثلِهِ» على حذف الموصول، وإقامة الصِّفة مقامه، والتقدير: بسورة كتاب مثله، أو بسُورة كلام مثله، ويجُوز أن يكون التقديرُ: فأتُوا بسورةِ بشر مثله، فالضَّمير يجوز أنْ يعُود في هذه القراءةِ على القرآنِ، وأن يعود على النبي ﷺ َ، وأمَّا في قراءة العامَّة؛ فالضمير للقرآن فقط.
فإن قيل: لِمَ قال في البقرة: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] ، وقال هنا: «فأتُوا بسُورةٍ مثلهِ» ؟ .
فالجواب: أنَّ محمداً ﵊ ُ - كان أمِّيّاً، لم يتلمذْ لأحدٍ، ولم يُطالع كتاباً فقال في سورة البقرة: «مِن مثله» أي: فلْيَأتِ إنسان يساوي محمَّداص في هذه الصِّفات، وعدم الاشتعال بالعُلُوم، بسورة تُسَاوي هذه السُّورة، وحيث لا يقدرُون على ذلك؛ فظهور مثل هذه السُّورة من إنسان مثل محمَّد ﵊ ُ -، في عدم التتلمذ والتَّعلم، يكون معجزاً.
وهُنا بيَّن أن السُّورة في نفسها مُعجزةٌ في نفسها؛ فإنَّ الخلق وإن تتلمذُوا وتعلَّمُوا؛ فإنَّه لا يمكنهم الإتيان بمعارضة سُورة واحدة من هذه السور؛ فلذلك قال - تعالى - ههنا: «فأتُوا بسُورةٍ مثلِهِ» .
فصل
تمسَّك المعتزلة بهذه الآية: على أنَّ القرآن مخلوقٌ؛ قالوا: إنَّه ﵊ ُ - تحدَّى العرب بالقرآن؛ والمراد بالتَّحدِّي: أنَّه يطلب الإتيان بمثله منهم؛ فإذا عجزوا عنه، ظهر كونه حجَّة من عند الله - تعالى -، دالَّة على صدقه، وهذا إنَّما يمكن، إذا كان الإتيان بمثله صحيح الوجود في الجملة، ولو كان القرآنُ قديماً؛ لكان الإتيان
стр. 6193
بمثل القديم محالاً في نفس الأمر؛ فوجب ألا يصحَّ التَّحدِّي به.
وأجيبُوا: بأنَّ القرآنَ اسمٌ يقال بالاشتراك على الصِّفة القديمة، القائمة بذات الله - تعالى -، وعلى هذه الحروف والأصوات، ولا نزاع في أنَّ هذه الكلمات المركَّبَة من هذه الحروف والأصوات، محدثة مخلوقة، والتَّحدي إنما وقع بها لا بالصِّفة القديمة.
ثم قال تعالى: ﴿وادعوا مَنِ استطعتم﴾ : ممَّنْ تعبدُون ﴿من دُونِ اللهِ﴾ ليُعينُوكُم على ذلك، ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أنَّ محمداً افتراه، والمراد منه: كيف يمكن الإتيان بهذه المعارضة، لو كانوا قادرين عليها وتقريره: أنَّ الجماعة إذا تعاونت، وتعاضدت، صارت تلك العقول الكثيرة، كالعقل الواحد، فإذا توجَّهُوا نحو شيءٍ واحدٍ، قدر مجموعهم على ما يعجز عنه كل واحد عند انفراده، فكأنَّه - تعالى - يقول: هَبْ أنَّ عقل الواحد، والاثنين منكم، لا يفي باستخراج معارضة القرآن، فاجتمعوا، وليعن بعضكم بعضاً في هذه المعارضة، فإذا عرفتُم عجزم حالة الاجتماع، وحالة الانفراد عن هذه المعارضة، فحينئذٍ: يظهر أنَّ تعذر هذه المعارضة، إنما كان لأنَّ قدرة البشرِ عاجزةٌ عنها؛ فحينئذٍ يظهر أنَّ ذلك فعل الله، لا فعل البشر.
فظهر بما تقرَّر: أنَّ مراتب تحدِّي رسول الله ﷺ َ بالقرآن ستٌّ:
أولها: أنَّهُ تحدَّاهُم بكلِّ القرآن، في قوله: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء: ٨٨] .
وثانيها: أنَّه ﵊ ُ - تحدَّاهم بعشر سورٍ، في قوله: ﴿فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣] .
وثالثها: أنَّه تحدَّاهم بسورة واحدة، في قوله: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] .
ورابعها: تحدَّاهم بحديث مثله، في قوله ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] .
وخامسها: أنَّ في تلك المراتب الأربع، كان يطلب منهم أن يأتي بالمعارضة رجُلٌ، يساوي رسول الله في عدم التتلمذ والتعليم، ثُمَّ في سورة يونس: طلب منهم معارضة سورة واحدة من أي إنسان، سواء تعلَّم العلوم، أو لم يتعلَّمها.
وسادساً: أنَّ في المراتب المتقدِّمة تحدَّى كل واحد من الخلق، وفي هذه المرتبة تحدَّى مجموعهم، وجوَّز أن يستعين البعضُ بالبعض في الإتيان بهذه المعارضة، كما قال: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] ، فهذا مجموع الدَّلائل التي ذكرها الله - تعالى - في إثبات أنَّ القرآن معجزٌ، ثُمَّ إنَّه - تعالى - ذكر السبب الذي لأجله كذَّبُوا القرآن.
فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ﴾ يعني: كذَّبُوا بالقرآن، ولم يحيطوا بعلمه.
قوله: ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ : جملةٌ حاليةٌ من الموصول، أي: سارعُوا إلى تكذيبه
стр. 6194
حال عدم إتيان التأويل، قال الزمخشري: «فإن قلت: ما معنى التوقُّع في قوله - تعالى -: ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ ؟ قلت: معناه: كذَّبُوا به على البديهة، قبل التَّدبرُّر، ومعرفة التأويل» ، ثمَّ قال أيضاً: «ويجُوزُ أن يكون المعنى: ولم يأتهم بعدُ تأويلُ ما فيه من الإخبار بالغيوب، أي: عاقبته حتى يتبيَّن لهم: أكذبٌ هو، أم صدقٌ» . انتهى.
وفي وضعه «لَمْ» موضع «لمَّا» نظرٌ لما عرفت ما بينهما من الفرق، ونُفيتْ جملةُ الإحاطة ب «لم» ، وجملة إتيانِ التأويل ب «لمَّا» ؛ لأنَّ «لَمْ» للنَّفْي «المطلق على الصَّحيح، و» لمَّا «لنفي الفعل المُتَّصل بزمنِ الحالِ، فالمعنى: أنَّ عدمَ التَّأويلِ متَّصل بزمن الإخبار.
فصل
قيل المعنى: بل كذَّبُوا بالقرآن ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ أي: عاقبةُ ما وعد الله في القرآن؛ أنَّه يئول إليه أمرهم من العقوبة، يريد: أنَّهم لم يعلمُوا ما يئول إليه عاقبة أمرهم.
وقيل: كُلَّما سمعُوا شيئاً من القصص، قالوا: ليس في هذا الكتاب، إلَاّ أساطير الأولين، ولم يعرفُوا أنَّ المقصود منها، ليس هو نفس الحكاية، بل أمور أخرى، وهي: بيانُ قدرة الله - تعالى - على التصرُّفِ في هذا العالم، ونقل أهله من العزِّ إلى الذُّل، ومن الذُّلِّ إلى العِزِّ، وذلك دليلٌ على القدرة الكاملة، وأيضاً: تدلُّ على أنَّ الدنيا فانيةٌ غير باقية؛ كما قال - تعالى -: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألباب مَا كَانَ حَدِيثاً يفترى﴾ [يوسف: ١١١] ، وأيضاً فهي دلالة على العجز؛ لكون النبي ﵊ ُ - لم يتعلَّم، ولم يتتلمذ لأحدٍ؛ فدلَّ ذلك على أنَّه وحيٌ من الله - تعالى -، كما قال في الشعراء بعد ذكر القصص: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العالمين نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المنذرين﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤] ، وقيل: إنَّهم كانُوا كُلَّما سمعوا حروف التَّهجِّي في أوائل السور، ولم يفهموها، ساء ظنُّهم بالقرآن؛ فأجاب - تعالى - بقوله: ﴿هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] ، وقيل: إنَّهم لمَّا سمعُوا القرآن ينزل شيئاً فشيئاً، ساء ظنهم، وقالوا: لو أنزل عليه القرآن جملة واحدة؛ فأجاب - تعالى -: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢] ، وقيل: إنَّ القرآن لمَّا كان مملوءاً من إثبات الحشر والنشر، وكانوا ألفُوا الحياة، فاستبعدُوا حصول الحياةِ بعد الموت، فكذَّبُوا بالقرآن، وقيل: إنَّ القرآن لمَّا كان مملوءاً بالصَّلاة، والزكاة، والعبادات، قال القوم: إن إله العالمين غنيٌّ عنَّا، وعن طاعتنا، وأنَّه - تعالى - أجلُّ من أن يأمرنا بشيء لا فائدة فيه، فأجاب الله عنه، بقوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] ، وبالجملة: فشبهات الكفارة كثيرة؛ فهم لما رأوا القرآن مشتملاً على أمورٍ عرفوا حقيقتها، ولم يطلعُوا على وجه الحكمة فيها، لا جرم كذَّبوا بالقرآن.
قوله: «كذلِكَ» : نعتٌ لمصدر محذوفٍ، أي: مثل ذلك التَّكذيب، كذَّب الذين من قبلهم، أي: قبل النظر، والتدبُّر.
стр. 6195
وقوله: ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ﴾ كَيْفَ خبر ل «كَانَ» ، والاستفهام معلِّقٌ للنَّظر.
قال ابن عطيَّة: «قال الزجاج:» كَيْفَ «في موضع نصبٍ على خبر» كان «، ولا يجوز أن يعمل فيها» انظر «؛ لأنَّ ما قبل الاستفهام لا يعمل فيه، هذا قانونُ النحويِّين؛ لأنَّهم عاملُوا» كَيْفَ «في كلِّ مكان معاملة الاستفهام المحض، في قولك» كيف زيد «، ول» كيف «تصرفاتٌ أخرى؛ فتحلُّ محلَّ المصدر الذي هو» كيفيَّة «، وتخلعُ معنى الاستفهام، ويحتمل هذا الموضعُ أن يكون منها. ومن تصرُّفاتها قولهم:» كُنْ كيفَ شِئْتَ «، وانظر قول البخاريِّ:» كيف كان بدءُ الوحي؛ فإنه لم يستفهم «.
انتهى.
فقول الزجاج: لا يجوز أن تعمل «انظر» في «كيف» ، يعني: لا تتسلَّط عليها، ولكن هو متسلِّطٌ على الجملة المنسحب عليها حكمُ الاستفهام، وهكذا سبيلُ كُلِّ تعليقٍ.
قال أبو حيَّان: «وقولُ ابن عطيَّة: هذا قانونُ النَّحويين. . إلى آخره، ليس كما ذكر، بل ل» كيف «معنيان:
أحدهما: الاستفهامُ المحض، وهو سؤال عن الهيئة، إلَاّ أن يعلَّق عنها العامل، فمعناها معنى الأسماء التي يستفهمُ بها إذا علِّق عنها العاملُ.
والثاني: الشرط؛ كقول العرب:» كيف تكونُ أكونُ «، وقوله: ول» كيف «تصرفات إلى آخرة ليس» كيف «تحلُّ محلَّ المصدر، ولا لفظ» كيفية «هو مصدرٌ؛ إنَّما ذلك نسبةٌ إلى» كَيْف «، وقوله:» ويحتمل أن يكون هذا الموضعُ منها، ومن تصرُّفاتهم قولهم: كن كيْفَ شِئْتَ «لا يحتمل أن يكون منها؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ لها المعنى الذي ذكر، من كون» كيف «بمعنى:» كيفية «، وادِّعاءُ مصدرية» كيفية «.
وأمَّا» كُنْ كيف شِئْتَ «: ف» كَيْفَ «ليست بمعنى:» كيفية «؛ وإنَّما هي شرطيَّةٌ، وهو المعنى الثاني الذي لها، وجوابها محذوفٌ، التقدير: كيف شئت فكن؛ كما تقول:» قُمْ مَتَى شِئْتَ «، ف» متى «اسمُ شرطٍ ظرفٌ لا يعمل فيه» قُمْ «، والجواب محذوف، تقديره: متى شئت فقم، وحذف الجوابُ؛ لدلالةِ ما قبله عليه؛ كقولهم:» اضربْ زَيْداً إنْ أسَاءَ إليْكَ «، التقدير: إن أساءَ إليك فاضْرِبْه، وحذف» فاضْرِبه «لدلالة» اضرِبْ «المتقدِّم عليه، وأمَّا قول البخاريُّ:» كيف كَانَ بَدْءُ الوحي «؛ فهو استفهامٌ محضٌ:
إمَّا على سبيل الحكاية؛ كأنَّ سَائِلاً سأله، فقال: كيف كان بدءُ الوحي.
وإمَّا أن يكون من قوله هو، كأنَّه سَألَ نفسه: كيف كان بدء الوحي، فأجاب بالحديث الذي فيه كيفيَّة ذلك» .
وقوله: «الظالمين» من وضع الظَّاهر موضع المُضْمَر، ويجوز: أن يراد به ضميرُ من
стр. 6196
عَادَ عليه ضمير «بَلْ كذَّبُوا» ، وأن يُرادَ به ﴿الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ .
ومعنى الآية: أنَّهم طلبُوا الدُّنْيَا، وتركُوا الآخرة، فبقُوا في الخسارِ العظيمِ، وقيل: المراد: عذاب الاستئصال الذي نزل بالأممِ السَّابقة.
قوله تعالى: ﴿وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ لأنَّ «يُؤمِنُ» يصلح للحالِ، والاستقبال، فحمله بعضهم على الحال، أي: ومنهم من يُؤمِنُ بالقرآن باطناً؛ لكنَّه يتعمد الجحد. ومنهم من باطنه كظاهره.
وقيل: المراد: الاستقبال، أي: ومنهم من يؤمنُ به في المستقبل؛ بأنْ يتوب عن الكفر، ومنهم من يُصِرُّ على الكفر.
﴿وَرَبُّكَ
أَعْلَمُ
بالمفسدين
﴾ أي: بأحوالهم، أي: هل يبقُوا على الكفر أو يتُوبُوا.
ثم قال: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي﴾ ، وجزاؤه «ولكُم عملُكُم» ، وجزاؤه ﴿أَنتُمْ بريائون مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ برياء مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] ، هذا كقوله - تعالى -: ﴿لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الشورى: ١٥] ، ومعنى الكلام: الردع والزجر، وقيل: معناه: استمالة قلوبهم، قال مقاتلٌ والكلبيُّ: «هذه الآية منسوخة بآية السيف» ، وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ شرط النَّاسخ أن يكون رافعاً لحكم المنسوخِ، ومدلُول هذه الآية: اختصاص كلِّ واحد بأفعاله، وثمراتها من الثواب والعقاب، وذلك لا يقتضي حرمة القتال، فآية القتال ما رفعت شيئاً من مدلولات هذه الآية، فكان القولُ بالنسخ باطلاً.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ الآية.
لمَّا قسَّم الكفار في الآية الأولى إلى: «مَنْ يُؤمن، ومن لا يُؤمن، قسَّم من لا يؤمن ههنا إلى قسمين: منهم من يكُون في نهاية البغض والعداوة، ومنهم من لا يكون كذلك، فوصف ههنا القسم الأوَّل، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ مع أنَّه يكون كالأصمِّ، من حيثُ إنَّه لا ينتفع ألبتَّة بذلك الكلام، فإنَّ الإنسانَ إذا قوي بغضه لإنسانٍ آخر، كان مُعرضاً عن سماع كلامه، ولا يلتفتُ إليه، كما أنَّ الصَّمَمَ في الأذن يمنع إدراك الصوت، والعمى في العين يمنع إدراك البصر، فكذا البغضُ الشديد يمنع من الوُقُوف على محاسن كلامه، ويمنع الوقوف على محاسن من يعاديه.
قوله:» مَّن يَسْتمِعُونَ «: مبتدأ، وخبره الجارُّ قبله، وأعاد الضمير جمعاً؛ مراعاة لمعنى» مَنْ «، والأكثر مراعاة لفظه، كقوله: ﴿وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٣] .
стр. 6197
قال ابن عطيَّة:» جاء ينظرُ على لفظ «مَنْ» ، وإذا جاء على لفظها، فجائزٌ أن يعطف عليه آخرٌ على المعنى، وإذا جاء أولاً على معناها، فلا يجوز أن يعطف بآخر على اللفظ؛ لأنَّ الكلام يُلبسُ حينئذٍ «.
قال أبو حيَّان:» وليس كما قال، بل يجُوزُ أن تراعي المعنى أولاً، فتعيدَ الضَّميرَ على حسبِ ما تريد به من المعنى: من تأنيثٍ، وتثنيةٍ، وجمع، ثم تراعي اللفظ فتعيد الضمير مفرداً مذكراً، وفي ذلك تفصيل تقدم أول البقرة [البقرة٨] .
فصل
أخبر - تعالى - في الآية أنَّ الإيمان، والتَّوفيق به لا بغيره، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ بأسماعهم الظاهرة، ولا ينفعهم، ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم﴾ يريد: صمم القلب ﴿وَلَوْ كَانُواْ لَا يَعْقِلُونَ وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ﴾ : بعينه الظاهرة ولا ينفعه، ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي العمي﴾ يريد: عَمَى القلب، ﴿وَلَوْ كَانُواْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ وهذه التَّسلية من الله لنبيِّه ﵊ ُ - يقول: إنَّك لا تقدر أن تسمع من سلبته السَّمع، ولا أن تَهْدِي من سلبته البصر، ولا أن توفق للإيمان من حكمتُ عليه بأنَّه لا يُؤمن.
والمقصُود: إعلامُ الرَّسُول ﵊ ُ -: بأنهم قد بلغُوا في معرض العقل، إلى حيث لا يقبلُون العلاج، فالطَّبيبُ إذا رأى مريضاً لا يقبل العلاج، أعرض عنهُ، ولم يستوحشْ من عدم قُبُولهِ للعلاج، فكذلك أنت لا تستوحش من حالِ هؤلاءِ الكُفَّار.
فصل
احتج أهلُ السُّنَّة بهذه الآية: على أنَّ أفعالَ العباد من الله؛ لأنَّ الآية دلَّت على: أنَّ قلوب الكفار بالنسبة إلى الإيمان، كالأصمِّ بالنسبة إلى استماع الكلام. وكالأعْمَى بالنسبة إلى نظر الأشياء، فكما أنَّ هذا ممتنعٌ؛ فكذلك حصول الإيمان في القلب ليس باختيارِ الإنسان، واحتجَّ المعتزلةُ على صحَّة قولهم، بقوله - تعالى - بعدها: ﴿إِنَّ الله لَا يَظْلِمُ الناس شَيْئاً ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤] فدلَّ ذلك على: أنَّه - تعالى ما ألْجَأ أحداً إلى فِعْل القبائح، ولكنَّهم يقدمُون عليها باختيارهم، وأجاب الواحدي: «بأنَّه - تعالى - إنَّما نفى الظلم عن نفسه؛ لأنَّه يتصرف في ملك نفسه، ومن كان كذلك، لم يكن ظالماً، وإنَّما قال: ﴿ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ لأنَّ الفعل منسوبٌ إليهم بسبب الكسب» .
فصل
احتجَّ ابن قتيبة بهذه الآية، على أنَّ السَّمع أفضلُ من البصر؛ لأنَّه - تعالى - قرن بذهاب السَّمع، ذهاب العقل، ولم يقرن بذهاب النَّظَر، إلَاّ ذهاب البصر، فكان السَّمْع
стр. 6198
أفضل من البصر، وردَّه ابن الأنباري: بأنَّ الذي نفاهُ اللهُ من السَّمْع، بمنزلة ما نفاهُ من البصر؛ لأنَّه - تعالى - أراد إبصار القلوب، ولم يُرِدْ إبصار العُيُون، والذي يُبْصِره القلب، هو الذي يعقله.
واحتجَّ ابن قتيبة بحجة أخرى، فقال: كُلَّما ذكر الله السَّمع في القرآن، فإنَّه غالباً يقدم السَّمع على البصر، فدل على أنَّ السَّمع أفضلُ من البصر، وذكر بعضُ النَّاس في تفضيل السمع على البصر وجوهاً أخر.
أحدها: أنَّ العمى قد وقع في حقِّ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، وأمَّا الصَّمم فغير جائز عليهم؛ لأنَّه يخلُّ بأداء الرِّسالة؛ لأنَّه إذا لم يسمع كلام السائلين، تعذَّر عليه الجواب، فيعجزُ عن تبليغ الشَّرائع.
وثانيها: أنَّ القوة السامعة تدرك المسموع من جميع الجهات، والقوة الباصرة لا تدرك المرئي إلَاّ من الجهة المقابلة وحدها.
وثالثها: أنَّ الإنسانَ إنَّما يستفيد العلم من أستاذه، وذلك لا يمكن إلَاّ بقوَّة السمع، ولا يتوقفُ على قوَّة البصر، فكان السَّمعُ أفضل.
ورابعها: أنَّه - تعالى - قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] ، والمراد بالقلب ههنا: العقل، فجعل السَّمع قريناً للعقل، ويؤيِّده قوله - تعالى -: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السعير﴾ [الملك: ١٠] فجعلوا السَّمع سبباً للخلاص من عذاب السَّعير.
وخامسها: أنَّ المعنى الذي به يمتاز الإنسان عن سائر الحيوانات؛ هو النُّطق والكلام، وإنما ينتفع بذلك القوَّة السَّامعة، فمتعلق السمع: النطق الذي شرف الإنسان به، ومتعلَّق البصر: إدراك الألوان والأشكال، وذلك أمر يشترك فيه النَّاس، وسائر الحيوانات؛ فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر.
وسادسها: أنَّ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يراهم النَّاس، ويسمعُون كلامهم؛ فنُبوَّتهم ما حصلت بما معهم من الصِّفات المرئيةَّة، وإنما حصلت بما معهم من الأقوال المسموعة، وهو تبليغ الشرائع والأحكام؛ فوجب أن يكون المسموع أفضل من المرئيِّ؛ فلزم كون السمع أفضل من البصر.
وقال آخرون: البصر أفضلُ من السَّمع لوجوه:
الأول: قولهم في المثل: «ليس ورَاءَ العيانِ بيان» ، فدلَّ على: أنَّ أكمل وجوه الإدراك هو البصر.
الثاني: أنَّ آلة القوَّة الباصرة، هو النُّور، وآلة القوة السَّامعة هي الهواء، والنُّور أشرف من الهواء، فالقوَّة الباصرة أشرف من القوة السَّامعة.
стр. 6199
الثالث: أنَّ عجائب حكمة الله - تعالى -، في تخليق العين التي هي محل الإبصار؛ أكثر من عجائب خلقته في الأذن، التي هي محل السماع، فإنَّه - تعالى - جعل تمام روح واحد من الأرواح السَّبعة الدِّماغيَّة من العصب، آلة للإبصار، وركَّب العين من سبع طبقات، وثلاث رطوبات، وجعل لحركات العين عضلات كثيرة على صور مختلفة. والأذنُ ليس كذلك، وكثرة العناية في تخليق الشيء، يدل على أنَّه أفضل من غيره.
الرابع: أن البصر يرى ما حصل فوق سبع سماوات، والسمع لا يدرك ما بعد منه على فرسخ؛ فكان البصرُ أقوى وأفضل، وبهذا البيان يدفع قولهم: إنَّ السَّمع يدرك من كل الجوانب، والبصر لا يدرك إلَاّ من الجانب الواحد.
الخامس: أنَّ كثيراً من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - سمع كلام الله في الدُّنيا، واختلفوا: هل رآه أحدٌ في الدُّنْيَا أم لا؟ وأيضاً: فإنَّ موسى أسمعه كلامه من غير سبق سؤال، ولمَّا سأل الرُّؤية، قال: ﴿لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] فدل على أنَّ حال الرُّؤية أعلى من حال السَّمْع.
السادس: قال ابن الأنباري: كيف يكون السَّمعُ أفضل من البصر، وبالبصر يحصل جمال الوجه، وبذهابه عيبه، وذهاب السمع لا يورث الإنسان عيباً، والعربُ تسمي العينين الكريمتين، ولا تصف السمع بمثل هذا، ومنه الحديث؛ يقول الله: «من أذهبت كريمتيه، فصبر واحتسب، لم أرض له ثواباً دون الجنة» .
قوله تعالى: ﴿لَا يَظْلِمُ الناس شَيْئاً﴾ يجوز أن ينتصب «شَيْئاً» على المصدر، أي: شيئاً من الظلم، قليلاً ولا كثيراً، وأن ينتصبَ مفعولاً ثانياً ل «يَظْلِمُ» ، بمعنى: لا ينقص النَّاس شيئاً من أعمالهم.
قوله: ﴿ولكن الناس﴾ قرأ الأخوان: بتخفيف «لكن» ومن ضرورة ذلك: كسرُ النُّونِ؛ لالتقاءِ الساكنين وصلاً، ورفع «النَّاس» ، والبقاون بالتشديد ونصب «النَّاس» ، وتقدم توجيه ذلك في البقرة [١٠٢] ، ومعنى ﴿لَا يَظْلِمُ الناس شَيْئاً﴾ ؛ لأنَّه في جميع أفعاله مُتفضل، وعادل، ﴿ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ : بالكفر والمعصية.
стр. 6200
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الآية.
следующие страницы →