Полный текст (12 961 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.
стр. 6231
والثاني: أنَّهُ مبتدأ، قال الزمخشري: والوجهُ النَّصْبُ على نفي الجنس، والرَّفعُ على الابتداء ليكون كلاماً برأسه، وفي العطف على محلِّ «مثقالُ ذرَّةٍ» ، أو على لفظ «مِثقال ذرَّةٍ» فتحاً في موضع الجرِّ؛ لامتناع الصَّرف إشكالٌ؛ لأنَّ قولك: «لا يعزُب عنه شيءٌ إلَاّ في كتاب» مشكل؛ لأنَّه يلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في الكتاب خارجاً عن علم الله، ويصير التقدير: إلا في كتاب مبينٍ فيعزبُ، وهو باطلٌ، وهذان الوجهان اختيار الزَّجَّاج.
وقد يزول هذا الإشكالُ بما ذكره أبو البقاءِ: وهو أن يكون «إلَاّ في كتابٍ» استثناءً منقطعاً، قال: «إلَاّ في كتابٍ؛ أي: إلَاّ هو في كتابٍ، والاستثناءُ منقطع» .
قال ابن الخطيب: «أجاب بعضُ المحقِّقين من وجهين:
أحدهما: أن الاستثناء منقطع.
والآخر: أن العُزُوب عبارةٌ عن مطلق البعد، والمخلوقات قسمان:
أحدهما: قسمٌ أوجده الله ابتداءً من غير واسطةٍ، كالملائكةِ، والسمواتِ، والأرضِ.
وقسمُ أوجدهُ بواسطةِ القسم الأوَّلِ، مثل الحوادث الحادثة في عالم الكون والفساد، وهذا قد يتباعدُ في سلسلة العلِّية والمعلُوليَّة عن مرتبة وجود واجب الوجود، فالمعنى: لا يبعد عن مرتبة وجوده مثقالُ ذرَّة في الأرض، ولا في السماء، إلا وهو في كتاب مبين كتبه الله، وأثبت فيه صور تلك المعلومات» .
قال شهاب الدين: «فقد آل الأمرُ إلى أنَّهُ جعله استثناء مفرَّغاً، وهو حالٌ من» أصْغَرَ «و» أكبر «، وهو في قوَّة الاستثناء المتَّصل، ولا يقال في هذا: إنَّه متَّصلٌ ولا منقطع إذ المُفرَّغُ لا يقال فيه ذلك.
وقال الجرجانيُّ:» إلَاّ «بمعنى:» الواو «، والتقدير:» وما يعزُب عن ربِّك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السَّماء ولا أصْغر من ذلك ولا أكبر «وههنا تمَّ الكلام وانقطع، ثم ابتدأ بقوله: ﴿إِلَاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ أي: وهو في كتاب مبين، والعربُ تضعُ» إلاًَّ «موضع واو النَّسق؛ كقوله:
﴿إِلَاّ مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] ﴿إِلَاّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] . وهذا الذي قاله الجرجانيُّ ضعيفٌ جداً، وقد تقدَّم الكلامُ في هذه المسألة في البقرة، وأنَّهُ شيءٌ قال به الأخفش، ولم يثبُتْ ذلك بدليلٍ صحيح.
وقال أبو شامة: ويزيل الإشكال أن تُقدَّر قبل قوله: «إلَاّ في كتاب» «ليس شيء من ذلك إلَاّ في كتاب» وكذا تقدر في آية الأنعام [الأنعام: ٥٩] .
ولم يقرأ في سبأ إلا بالرفع، وهو يقوي قول من يقول: إنَّه معطوفٌ على «مِثْقَال» ،
стр. 6232
ويُبَيِّنه أن «مثال» فيها بالرَّفع؛ إذ ليس قبله حرفُ جرٍّ. وقد تقدَّم الكلامُ على نظير هذه المسألة في سورة الأنعام، في قوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] إلى قوله: ﴿إِلَاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] وأنَّ صاحب النَّظم الجرجانيَّ أحال الكلام فيها على الكلامِ في هذه السورة، وأنَّ أبا البقاء قال: «لوْ جعَلْنَاهُ كذا، لفسد المعنى» . وتقدَّم بيانُ فساده، والجواب عنه هناك، فالتفت إيله [الأنعام: ٥٩] .
قوله: ﴿ألاا إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله﴾ الآية.
اختلفوا فيمن يستحقُّ هذا الاسم.
فقال بعضهم: هم الذين ذكرهم اللهُ في كتابه، بقوله ﴿الذين آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ .
وقال قوم: هم المتحابُّون في الله، لما روى أبو مالك الأشعري، قال: كنتُ عند النبيِّ ﷺ َ فقال: «إنَّ للهِ عباداً ليْسُوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطُهُم النبيون والشُّهداء بقربهم ومقعدهم من الله يوم القيامةِ» ، قال: وفي ناحية المسجدِ أعربي، فجثا على ركبتيه، ورمى بيديه، ثم قال: حدِّثنا يا رسول الله عنهم، قال: فرأيتُ في وجهِ النبيِّ ﷺ َ البشر؛ فقال: «هُم عبادٌ من عبادِ اللهِ، من بلدانٍ شتَّى، وقبائل شتَّى لَمْ يكُنْ بينهُمْ أرحامٌ يتواصلون بها، ولا دُنْيَا يتباذلُون بها، يتحابُّون برُوحِ اللهِ، يجعل الله وجُوههُم نُوراً، ويجعل لهم منابر من لؤلؤٍ قدَّام الرحمن، يفزع الناسُ ولا يفزعُون، ويخافُ النَّاسُ ولا يخافُون» .
قال أبو بكر الأصم: أولياء الله: هم الذين تولَّى الله هدايتهم بالبرهان وتولَّوُا القيامَ بحق العُبُوديَّةِ لله، والدَّعوة إليه.
واعلم: أنَّ تركيب الواو، واللَاّم، والياءِ يدل على معنى القرب، فوليُّ كلِّ شيء هو الذي كون قريباً منه، والقُرْب من الله - تعالى - بالمكان والجهة محالٌ؛ فالقرب منه إنَّما يكونُ، إذا كان القلبُ مُسْتَغْرقاً في نُور معرفة الله - تعالى -، فإنْ رأى، رأى دلائلَ قُدْرَةِ الله، وإن سمع، سمع آيات الله، وإن نطقَ، نطقَ بالثناء على الله، وإن تحرَّك، تحرَّك في خدمة الله، وإن اجتهد، اجتهد في طاعةِ الله، فهنالك يكون في غاية القرب من الله؛ فحينئذ يكون وليّاً.
قوله تعالى: ﴿الذين آمَنُواْ﴾ في محلِّه أوجهٌ:
أحدها: أنَّه مرفوعٌ خبر مبتدأ مضمر، أي: هم الذي آمنوا، أو خبر ثان ل «إنَّ» ن أو مبتدأ، والخبر الجملةُ منق وله: ﴿لَهُمُ البشرى﴾ ، أو على النَّعْت على موضع «أوْليَاء»
стр. 6233
لأنَّ موضعه رفعٌ بالابتداء قبل دخول «إنَّ» ، أو بدل من الموضع أيضاً، ذكرهما مكِّي، وهذان الوجهان على مذهب الكوفيين؛ لأنَّهم يجرُون التَّوابع كلَّها مجرى عطف النَّسق في اعتبار المحلِّ.
وقيل: محله الجرُّ بدلاً من الهاءِ، والميم في «عليهم» .
وقيل: منصوبُ المحلِّ نعتاً ل «أولياء» ، أو بدلاً منهم على اللفظِ، أو على إضمار فعلٍ لائقٍ وهو «أمدحُ» ، فقد تحصَّل فيه تسعةُ أوجهٍ: الرفعُ من خمسة، والجرُّ من وجه واحد، والنَّصبُ من ثلاثة، وإذا لم تجعل الجملة من قوله: «لهُمُ البُشْرَى» خبراً ل «الَّذين» جاز فيها الاستئنافُ، وأن تكون خبراً ثانياً ل «إنَّ» أو ثالثاً.
قوله: ﴿لَهُمُ البشرى﴾ روى عبادة بن الصَّامت، قال: سألتُ رسول الله ﷺ َ عن قوله - تعالى -: ﴿لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة﴾ قال: هي الرُّؤيا الصَّالحةُ، يراها المسلمُ أو تُرى لهُ. وقال ﵊ ُ -: «الرُّؤيا الصَّالحة جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءاً من النُّبوَّةِ.»
وقيل: البُشْرَى في الدُّنيا هي: الثَّناءُ الحسن، وفي الآخرة: الجنَّة؛ لما روى أبو ذرٍّ، قال: قلت يا رسُول الله: الرَّجل يعمل لنفسه، ويحبُّه الناس، قال: تلك عاجلُ بُشْرَى المؤمِن. وقال الزهريُّ، وقتادة: هي نزول الملائكة بالبشارة من الله - تعالى عند
стр. 6234
الموت، قال - تعالى -: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة أَلَاّ تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بالجنة﴾ [فصلت: ٣٠] . وروى عطاء نحوه، عن ابن عباسٍ.
وقال الحسن: هي ما بشَّر الله المؤمنين في كتابه من جنَّته، وكريم ثوابه، كقوله: ﴿وَبَشِّرِ الذين آمَنُواْ﴾ [البقرة: ٢٥] ﴿وَبَشِّرِ المؤمنين﴾ [البقرة: ٢٢٣] ﴿وَأَبْشِرُواْ بالجنة﴾ [فصلت: ٣٠] .
وقيل: بشَّرهم في الدُّنيا بالكتاب والرسُول أنهم أولياء الله، وبشَّرهم في القبور، وفي كتب أعمالهم بالجنَّة.
قوله: ﴿فِي الحياة الدنيا﴾ : يجوز فيه وجهان:
أظهرهما: أنَّه متعلقٌ بالبشرى، أي: البشرى تقع في الدُّنيا، كما فُسِّرت بالرُّؤيا الصَّالحة.
والثاني: أنَّها حالٌ من «البُشْرَى» فتتعلق بمحذوف، والعاملُ في الحال الاستقرارُ في «لهم» لوقوعه خبراً.
قوله: «لا تبْديلَ» جملةٌ مستأنفةٌ، أي: لا تغيير لقوله، ولا خلف لوعده.
وقوله: «ذَلِكَ» إشارةٌ للبُشْرَى، وإن كانت مؤنَّثةً؛ لأنَّها في معنى التَّبشير، وقال ابن عطيَّة: إشارةٌ إلى النَّعيم، وقال الزمخشري: «ذَلِكَ إشارةٌ إلى كونهم مُبشِّرين في الدَّارين» .
قوله: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ وههنا تمَّ الكلام، واعلم أنَّ الله لمَّا حكى عن الكُفار شبهاتهم المتقدمة، وأجاب عنها عدلُوا إلى طريقٍ آخر، وهو أنَّهُم هدَّدُوه، وخوَّفُوه بأنهم أصحاب أموالٍ وأتباع؛ فنسعى في قهرك، وفي إبطالِ أمرك، فأجاب - تعالى - عن هذا الطريق بقوله: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ .
فإن قيل: كيف آمنهُ من ذلك، ولم يزل خائفاً حتى هاجر، ثم بعد ذلك يخاف حالاً بعد حالٍ.
فالجواب: أنَّ الله وعدهُ بالنَّصر والظَّفر مطلقاً، والوقت ما كان معيَّناً، فهو في كُلِّ وقت كان يخاف من أن لا يكون هذا الوقتُ المعيَّنُ ذلك الوقت؛ فحينئذٍ يحصل الانكسارُ في هذا الوقت، وقوله: «قَوْلهُم» قيل: حذفت صفته؛ لفهم المعنى، إذا التقدير: ولا يحزنك قولهم
стр. 6235
الدَّال على تكذيبك، وحذف الصِّفة، وإبقاء الموصوف قليلٌ، بخلاف عكسه.
وقيل: بل هو عامٌّ أريد به الخاصُّ.
ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّ العزة للَّهِ﴾ العامَّةُ على كسر «إنَّ» ، استئنافاً، وهو مُشْعِرٌ بالعلِّيَّة.
وقيل: هو جوابُ سؤال مقدَّر؛ كأنَّ قائلاً قال: لِمَ لا يُحْزِنُه قولهم، وهو ممَّا يُحْزِن؟ فأجيب بقوله: ﴿إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً﴾ ، ليس لهم منها شيءٌ، فكيف تبالي بقولهم؟
والوقف على قوله: «قولهم» ينبغي أن يُعتمد، ثم يبتدأ بقوله: «إنَّ العزَّة» وإن كان من المستحيل أن يتوهَّم أحَدٌ أنَّ هذا من مقولهم، إلَاّ من لا يعتبرُ بفهمه، وقرأ أبو حيوة «أنَّ العزَّة» بفتح «أنَّ» وفيها تخريجان:
أحدهما: أنَّها على حذف لام العلَّة، أي: لا يحزنك قولهم؛ لأجل أنَّ العزة لله جميعاً.
الثاني: أنَّ «إنَّ» وما في حيِّزها بدلٌ من «قولهم» كأنَّه قيل: ولا يحزُنك أنَّ العزَّة لله، وكيف يظهرُ هذا التَّوجيهُ، أو يجوز القولُ به، وكيف ينهى رسول الله ﷺ َ عن ذلك في المعنى، وهو لمْ يتعاطَ شيئاً من تلك الأسباب؟ وأيضاً؛ فمنْ أيِّ قبيلٍ الإبدالُ هذا؟ قال الزمخشريُّ: «ومنْ جعله بدلاً من» قولهم «ثم أنكره، فالمنكر هو تخريجه، لا ما أنكره من القراءة به» . يعني: أنَّ إنكارهُ للقراءة منكرٌ؛ لأنَّ معناها صحيحٌ على ما ذكر من التَّعليل، وإنَّما المنكر هذا التَّخريجُ، وقد أنكر جماعةٌ هذه القراءة، ونسبُوها للغلط ولأكثر منه.
قال القاضي: «فتحُها شاذٌّ يقاربُ الكفر، وإذا كسرت كان استئنافاً، وهذا يدلُّ على فضيلة علم الإعراب» .
وقال ابن قتيبة: لا يجوز فتح «إنَّ» في هذا الموضع وهو كفرٌ وغلوٌّ.
قال أبو حيَّان: وإنَّما قالا ذلك بناءً منهما على أنَّ «أنَّ» معمولةٌ ل «قولهم» .
قال شهاب الدين كيف تكون معمولة ل «قَوْلهُم» وهي واجبةُ الكسر بعد القول إذا حكيت به، فكيف يتوهَّم ذلك؟ وكما لا يتوهَّم هذا المعنى مع كسرها، لا يتوهَّم أيضاً مع فتحها ما دام له وجهٌ صحيحٌ.
و «جَمِيعاً» حالٌ من العِزَّة، ويجوز أن يكون توكيداً ولمْ يُؤنَّثْ بالتَّاء؛ لأنَّ فعيلاً يستوي فيه المذكر والمؤنَّثُ، لشبهه بالمصادر، وقد تقدَّم تحريره في قوله: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ الله قَرِيبٌ مِّنَ المحسنين﴾ [الأعراف: ٥٦] .
стр. 6236
فصل
قيل: المعنى: إنَّ جميع العزَّة والقدرة لله - تعالى -، يعطي ما يشاء لعباده، والغرضُ منه: أنه لا يعطي الكفَّار قدرة عليه، بل يعطيه القدرة عليهم حتى يكون هو أعز منهم، ونظيره: ﴿كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر: ٥١] .
قال الأصمُّ: المراد: أن المشركين يتعزَّزُون بكثرة خدمهم وأموالهم، ويخوفونك بها، وتلك الأشياء كلها لله - تعالى -، فهو - تعالى - قادرٌ على أن يسلب منهم كل تلك الأشياء، وينصرك، وينقل أموالهم وديارهم إليك.
فإن قيل: قوله: ﴿إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً﴾ كالمُضادَّة لقوله: ﴿وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] .
فالجواب: لا مضادَّة؛ لأنَّ عزَّة الرسول والمؤمنين كلها بالله، فهي لله.
﴿هُوَ السميع العليم﴾ أي: يسمع ما يقولون، ويعلمُ ما يعزمون، فيُكافئهم على ذلك.
قوله
تعالى
: ﴿ألاا
إِنَّ للَّهِ مَن فِي السماوات وَمَنْ فِي الأرض﴾ الآية.
لمَّا ذكر في الآية المتقدمة: ﴿ألاا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾ [يونس: ٥٥] دل على أنَّ كلَّ ما لا يعقلُ، فهو مُلْكٌ لله - تعالى -، ومِلْكٌ لهُ، وههنا أتى بكلمة «مِنْ» وهي مختصَّة بالعقلاء؛ فدلَّ على أنَّ كلَّ العقلاء داخلون تحت ملك الله وملكه، فدلَّ مجموعُ الآيتين على أنَّ الكُلَّ مُلْكُه ومِلْكُه. وقيل: المراد ب «من في السَّمواتِ» : العقلاء المُمَيَّزُون، وهم الملائكة والثقلان، وخصَّهم بالذِّكر؛ ليدل على أن هؤلاء إذا كانوا له وفي ملكه، فالجمادات أولى بهذه العُبُوديَّة، فيكون ذلك قدحاً في جعل الأصنام شُركاء لله - تعالى -، فيكون ذلك من بابِ التنبيه بالأعلى على الأدنى، ويجوز أن يراد العموم، وغلب العاقل على غيره.
قوله: «وَمَا يَتَّبِعُ» يجوز في «ما» هذه أن تكون نافية، وهو الظاهر، و «شُرَكَاء» مفعولُ «
стр. 6237
يتَّبعُ» ومفعول «يَدْعُون» محذوفٌ لفهم المعنى، والتقدير: وما يتَّبعُ الذين يدعُون من دُون اللهِ آلهةً شُركَاءَ، فآلهة: مفعول «يَدْعُونَ» و «شركاء» : مفعول «يتبع» ، وهو قول الزَّمخشريّ.
قال: «ومعنى وما يتَّبعون شركاء: وما يتَّبعون حقيقة الشُّركاء، وإن كانُوا يُسَمُّونها شركاء؛ لأنَّ شركة الله في الربوبية محال، إن يتَّبعُون إلَاّ ظنَّهم أنهم شركاءُ ثم قال:» ويجوز أن تكون «ما» استفهاماً، يعني: وأيَّ شيءٍ يتَّبعون، و «شركاء» على هذا نصب ب «يَدْعُونَ» ، وعلى الأوَّل ب «يتَّبع» وكان حقُّه: «وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء شركاء» فاقتصر على أحدهما للدلالة «. وهذا الذي ذكرهُ الزمخشريُّ قد ردَّه مكِّي وأبو البقاء.
أما مكي، فقال: انتصب» شركاء «ب» يَدْعُون «ومفعول» يتَّبع «قام مقامه ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظن﴾ لأنَّهُ هو، ولا ينتصبُ الشُّركاء ب» يتَّبع «لأنَّك تنفي عنهم ذلك، والله قد أخبر عنهم بذلك.
وقال أبو البقاء:» وشركاء مفعولُ «يَدْعُونَ» ولا يجوزُ أن يكون مفعُول «يتَّبعون» لأنَّ المعنى يصير إلى أنَّهم لم يتَّبعوا شركاء، وليس كذلك «.
قال شهاب الدِّين:» معنى كلامهما: أنَّه يئول المعنى إلى نفي اتِّباعهم الشركاء، والواقع أنَّهُم قد اتَّبَعُوا الشركاء «. وجوابه ما تقدَّم من أنَّ المعنى: أنهم وإن اتَّبعُوا شركاء، فليْسُوا بشركاءَ في الحقيقةِ، بل في تسميتهم هم لهم بذلك، فكأنَّهم لم يتَّخذوا شركاء، ولا اتبعوهم لسلب الصِّفة الحقيقيَّة عنهم، ومثله قولك:» ما رأيتُ رجلاً «، أي: مَنْ يستحقُّ أن يسمَّى رجلاً، وإن كنت قد رأيت الذَّكر من بني آدم، ويجوز أن تكون» ما «استفهاميَّة، وتكون حينئذٍ منصوبةً بما بعدها، وقد تقدَّم قولُ الزمخشري في ذلك.
وقال مكِّي: لو جعلت «ما» استفهاماً بمعنى: الإنكار والتَّوبيخ، كانت اسماً في موضع نصبٍ ب «يتَّبع» .
وقال أبو البقاء نحوه. ويجوز أن تكون «ما» موصولة بمعنى «الذي» نسقاً على «مَنْ» في قوله: ﴿ألاا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السماوات﴾ .
قال الزمخشري: ويجوز أن تكون «ما» موصولة معطوفة على «مَنْ» كأنَّهُ قيل: ولله ما يتَّبعه الذين يدعُون من دون الله شركاء، أي: وله شركاؤهُم.
ويجوز أن تكون «ما» هذه الموصولة في محلِّ رفع بالابتداء، والخبرُ محذوفٌ تقديره: والذي يتَّبعه المشركون باطلٌ، فهذه أربعة أوجهٍ.
وقرأ السلمي: «تَدعُون» بالخطاب، وعزاها الزمخشريُّ لعليّ بن أبي طالب.
стр. 6238
قال ابنُ عطيَّة: وهي قراءةٌ غيرُ متَّجهة.
قال شهاب الدِّين: قد ذكر توجيهها الزمخشريُّ، فقال: ووجهه أن يحمل «وما يتَّبع» على الاستفهام، أي: وأيُّ شيء يتَّبع الذين تدعُونهُم شركاء من الملائكة والنبيين، يعني: أنَّهم يتَّبعُون الله - تعالى - ويطيعُونه، فما لكم لا تفعلُون مثل فعلهم؛ كقوله: ﴿أولئك الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوسيلة أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] .
قوله: «إن يتَّبِعُون» «إنْ» نافية، و «الظَّن» مفعولٌ به، فهو استثناءٌ مفرَّغ، ومفعولُ الظَّن محذوفٌ، تقديره: إن يتَّبعُون إلَاّ الظَّنَّ أنَّهُم شركاءُ، وعند الكوفيين: تكون «أل» عوضاً من الضمير، تقديره: إن يتَّبعُون إلَاّ ظنَّهُم أنهم شركاءُ، والأحسنُ أن لا يقدر للظَّنِّ معمولٌ؛ إذ المعنى: إن يتبعون إلا الظن، لا اليقين.
وقوله: «إن يتَّبعُون» من قرأ «يَدْعُون» بياء الغيبة، فقد جاء ب «يتَّبِعُونَ» مطابقاً له، ومن رأ «تَدْعُونَ» بالخطاب، فيكون «يتَّبِعُون» : التفاتاً؛ إذ هو خروجٌ من خطابٍ إلى غيبة، والمعنى: إن يتَّبِعُون إلَاّ ظنونهم الباطلة، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَخْرُصُونَ﴾ : يكذبون، وقد تقدَّم في الأنعام.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الليل﴾ الآية.
لمَّا ذكر أنَّ العزة لله جميعاً، احتجَّ عليه بهذه الآية، وانظر إلى فصاحتهم، حيث حذف من كل جملةٍ ما ثبت في الأخرى؛ وذلك أنَّه ذكر علَّة جعل الليل لنا، وهي قوله: «لِتَسْكُنُوا» وحذفها من جعل النهار، وذكر صفة النَّهار، وهي قوله: «مُبْصِراً» وحذفها من الليل، لدلالة المقابل عليه، والتقدير: هو الذي جعل لكم الليل مُظْلماً لتسْكُنُوا فيه، والنهار مُبْصِراً لتتحرَّكُوا فيه لمعاشكم، فحذف «مُظْلماً» لدلالة «مُبْصِراً» عليه، وحذف «لتتحرَّكُوا» لدلالة «لتسكنوا» وهذا أفصحُ كلامٍ.
وقوله: «مُبْصِراً» أسند الإبصارَ إلى الظَّرف مجازاً كقولهم: «نهارُهُ صائم، وليله قائم ونائم» .
قال: [الطويل]
٢٩١١ - ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... ونِمْتُ وما لَيْلُ المطِيِّ بِنَائِمِ
стр. 6239
وقال قطرب: يقال: أظلم اللَّيْلُ: صار ذا ظلمة، وأضاء النَّهار: صار ذا ضياء؛ فيكون هذا من باب النسب؛ كقولهم: لابنُ وتامرٌ، وقوله - تعالى -: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] ، إلَاّ أنَّ ذلك إنما جاء في الثلاثيِّ، وفي «فعَّال» بالتضعيف عند بعضهم في قوله - تعالى -: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَاّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] في أحد الأوجه.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي: يتدبَّرُون ما يسمعُون، ويعتَبِرُون.
فإن قيل: قوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ يدل على أنَّه - تعالى - ما جعلهُ إلا لهذا الوجه، وقوله ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ﴾ يدلُّ على أنَّه - تعالى - أراد بتخليقِ الليل والنهار أنواعاً كثيرة من الدلائل.
فالجواب: أن قوله - تعالى -: «لِتسكُنوا» لا يدلُّ على أنَّه لا حكمة فيه إلَاّ ذلك، بل ذلك يقتضي حصول تلك الحكمة.
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الغني﴾ الآية.
هذا نوع آخر من أباطيلهم التي حكاها الله عنهم، «قالوا» يعني المشركين: الملائكة بنات الله، وقيل: قولهم: الأوثان أولاد الله، ويحتمل أن يكون قد كان فيهم قومٌ من النصارى قالوا ذلك، ثم استنكر هذا القول، فقال بعده: ﴿هُوَ الغني لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ فكونه - تعالى - غنيّاً مالكاً لكلِّ ما في السموات والأرض، يدلُّ على أنه سبحانه يستحيل أن يكون لهُ ولد، وبيانه من وجوه:
الأول: أنَّه لو كان محتاجاً، لافتقر إلى صانعٍ آخر، وهو محال، وكل من كان غنيّاً فلا بد أن يكون فرداً منزَّهاً عن الأعضاء والأبعاض، ومن كان كذلك يمتنع أن ينفصل عنه جزءٌ من أجزائه، والولد عبارةٌ عن انفصال جزء من أجزاء الإنسان، ثم يتولَّد من ذلك الجزء مثله، وإذا كان هذا محالاً، ثبت أنَّ كونه - تعالى - غنيّاً يمنع من ثُبُوت الولد لهُ.
الثاني: أن من كان غنيّاً، كان قديماً أزليّاً باقياً سرمديّاً، وكل من كان كذلك امتنع عليه الانقراض، والولدُ إنما يحصل للشَّيءِ الذي ينقضي وينقرض، فيكون ولده قائماً مقامه؛ فثبت أنَّ كونه - تعالى - غنيّاً، يدل على أنه يمتنع أن يكون له ولد.
الثالث: أنَّ كلَّ من كان غنيّاً يمتنع أن يكون موصوفاً بالشهوة واللذة، وإذا امتنع ذلك، امتنع أن يكون له صاحبةٌ وولد. وباقي الوجوه يطول ذكرها. ثم قال: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ وهذا نظيرُ قوله: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض إِلَاّ آتِي الرحمن عَبْداً﴾
[مريم: ٩٣] ولمَّا بيَّن بالدليل الواضح امتناع ما أضافُوا إليه، عطف عليهم بالإنكار والتوبيخ، فقال: ﴿إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ : «إنْ» نافية و «عندكُم» يجوز أن يكون خبراً مقدَّماً، و «مِنْ سلطانٍ» مبتدأ مُؤخَّراً، ويجوز أن يكون «من سلطان» مرفوعاً بالفاعليَّة بالظرف قبله؛ لاعتماده على النفي، و «مِنْ» مزيدةٌ على كلا التقديرين، وبهذا يجوز أن يتعلق ب «سُلْطان» لأنَّه بمعنى الحُجَّة والبرهان، وأن يتعلَّق بمحذوف صفة له؛ فيحكم
стр. 6240
على موضعه بالجرِّ على اللفظ، وبالرفع على المحلِّ؛ لأنَّ موصوفه مجرور بحرفِ جرٍّ زائدٍ، وأن يتعلَّق بالاستقرار.
قال الزمخشريُّ: الباءُ حقُّها أن تتعلَّق بقوله: «إنْ عندكُم» على أن يجعل القولُ مكاناً للسُّلطان؛ كقوله «ما عندكم بأرضكم موزٌ» كأنه قيل: إن عندكم بما تقولون سلطانٌ وقال الخوفيُّ: بهذا متعلقٌ بمعنى الاستقرار. يعنى: الذي تعلَّق به الظرف.
ثم قال: ﴿أَتقُولُونَ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وقد تقدَّم أنَّ الآية يحتجُّ بها نُفاة القياس في إبطال التقليد.
قوله - تعالى -: ﴿قُلْ إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب﴾ الآية.
لمَّا بيَّن بالدليل القاطع أنَّ إثبات الولد لله قول باطلٌ، ثم بيَّن أنه ليس لهذا القائل دليلٌ على صحة قوله، ظهر أن ذلك المذهب افتراء على الله - تعالى -، فبيَّن أنَّ من هذا حاله، فإنَّه لا يفلحُ ألبتَّة، أي: لا ينجح في سعيه، ولا يفوز بمطلُوبه، بل خاب وخسر.
قوله: ﴿مَتَاعٌ فِي الدنيا﴾ يجوز رفع «متاع» من وجهين:
أحدهما: أنه خبرُ مبتدأ محذوف، والجملة جوابٌ لسؤالٍ مقدَّر، فهي استئنافيةٌ، كأنَّ قائلاً قال: كيف لا يفلحُون، وهم في الدنيا مفلحون بأنواع ممَّا يتلذّذون به؟ فقيل: ذلك متاع.
والثاني: أنه مبتدأ، والخبر محذوفٌ تقديره: لهُم متاعٌ، و «فِي الدُّنيا» يجوز أن يتعلق بنفس «متاع» أي: تمتُّعٌ في الدنيا، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنَّه نعت ل «متاع» فهو في محلِّ رفعٍ، ولم يقرأ بنصبه هنا، بخلاف قوله: ﴿مَّتَاعَ الحياة﴾ [يونس: ٢٣] في أول السُّورة.
وقوله: ﴿بِمَا كَانُواْ﴾ الباءُ للسببية، و «ما» مصدريةٌ «، أي: بسبب كونهم كافرين.
قوله
تعالى
: ﴿واتل
عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ الآية.
لمَّا بالغ في تقرير الدَّلائل، والجواب عن الشُّبه، شرع في بيان قصص الأنبياء؛ لوجوه:
стр. 6241
الأول: أنَّ الكلام إذا طال في تقرير نوع من أنواع العُلُوم؛ فربَّما حصل نوع من الملالة، فإذا انتقل الإنسان من ذلك الفنِّ إلى فنٍّ آخر، انشرح، ووجد في نفسه رغبةً شديدةً.
الثاني: ليتأسَّى الرسول وأصحابه بمن سلف من الأنبياء؛ فإنَّ الرسول إذا سمع أن معاملة هؤلاء الكُفَّار مع الرسل ما كانت إلا على هذا الوجه، خفَّ ذلك على قلبه، كما يقال: إن المصيبة إذا عمَّتْ خفَّتْ.
الثالث: أنَّ الكُفَّار إذا سمعُوا هذه القصص، وعلموا أنَّ الجُهَّال وإن بالغُوا في إيذاء الأنبياء المتقدِّمين، إلَاّ أنَّ الله - تعالى - أعانهم بالآخرة، ونصرهم، وأيَّدهُم، وقهر أعداءهم، كان سماع هؤلاء الكُفَّار لهذه القصص، سبباً لانكسار قلوبهم، ووقوعِ الخوف في صدورهم؛ فحينئذٍ يُقَلِّلُون من الأذى والسَّفاهة.
الرابع: أنَّ محمَّداً ﵊ ُ - لمَّا لمْ يتعلَّم علماً، ولم يطالع كتاباً، ثم ذكر هذه القصص من غير تفاوُتٍ، ومن غير زيادة ولا نقصان، دلَّ ذلك على أنَّه ﵊ ُ - إنَّما عرفها بالوحْي والتنزيل، وحذفت الواو من «اتْلُ» لأنه أمر. قوله: «إذْ قال» يجوز أن تكون «إذْ» معمولةً ل «نَبَأ» ويجوز أن تكون بدلاً من «نَبَأ» بدل اشتمال، وجوَّز أبو البقاء: أن تكون حالاً من «نَبَأ» وليس بظاهر، ولا يجوزُ أن يكون منصوباً ب «اتلُ» لفساده؛ إذ «اتْلُ» مستقبلٌ، و «إذ» ماضٍ، و «لِقوْمِهِ» اللام: إمَّا للتبليغ، وهو الظاهرُ، وإمَّا للعِلَّة، وليس بظاهرٍ.
قال المفسرون: «قون نُوح هم: ولد قابيل» .
قوله: ﴿كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي﴾ من باب الإسناد المجازيِّ؛ كقولهم: «ثَقُلَ عليَّ ظلُّه» .
وقرأ أبو رجاء، وأبو مجلز، وأبو الجوزاء: «مُقَامِي» بضمِّ الميم، و «المقام» بالفتح: مكان القيام، وبالضم: مكان الإقامة، أو الإقامة نفسها.
وقال ابن عطيَّة: «ولم يُقْرَأ هنا بضمِّ الميم» . كأنَّه لم يطَّلع على قراءة هؤلاء.
قال الواحدي: يقال: كَبُرَ يَكبُرُ كِبراً في السِّنِّ، وكَبُرَ الأمرُ والشيء، إذا عظم، يَكْبُرُ كِبَراً وكُبَّارة، قال ابن عبَّاس: «ثقُل عليكم، وشقَّ عليكم» وأراد بالمقام ههنا: مُكْثَهُ.
وسبب هذا الثِّقل أمران:
الأول: أنَّه ﵊ ُ - مكث فيهم ألف سنةٍ إلَاّ خمسين عاماً.
والثاني: أنَّ أولئك الكُفَّار كانوا قد ألفوا تلك المذاهب الفاسدة، ومن ألف طريقة
стр. 6242
في الدِّين؛ فإنه يثقل عليه أن يدعي إلى خلافها؛ فإن اقترن بذلك طول مُدَّة الدُّعاءِ، كان أثقل، وأشدّ كراهية، وقوله ﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ الله﴾ : بحُجَجِه وبيناته.
قوله: ﴿فَعَلَى الله﴾ جواب الشَّرط، وقوله ﴿فأجمعوا﴾ عطف على الجواب، ولم يذكر أبُو البقاء غيره، واستُشْكِل عليه أنَّه متوكلٌ على الله دائماً، كبُر عليهم مقامُه أوْ لمْ يَكْبُرْ.
وقيل: جوابُ الشَّرط قوله: «فأجْمِعُوا» وقوله: ﴿فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ﴾ : جملةٌ اعتراضية بين الشَّرطِ وجوابه؛ وهو كقول الشاعر: [الكامل]
٢٩١٢ - إمَّا تَرَيْنِي قَد نَحَلٍْتُ ومَنْ يكُنْ ... غَرضاً لأطْرَافِ الأسنَّةِ يَنْحَلِ
فلرُبَّ أبْلَجَ مثلِ ثِقْلِكِ بَادِنٍ ... ضَخْمٍ على ظَهْرِ الجَوَادِ مُهَيَّلِ
وقيل: الجوابُ محذوفٌ، أي: فافْعَلُوا ما شِئْتُم.
وقرأ العامَّة «» فأجْمِعُوا «أمْراً من» أجْمَع «بهزة القطع، يقال: أجمع في المعاني، وجمع في الأعيان، فيقال: أجْمَعْتُ أمري، وجمعتُ الجيشَ، هذا هو الأكثر. قال الحارثُ بن حلِّزة: [الخفيف]
٢٩١٣ - أجْمَعُوا أمْرَهُمْ بِليْلٍ فلمَّا ... أصْبَحُوا أصْبَحَتْ لَهُمْ ضَوْضَاءُ
وقال آخر: [الرجز]
٢٩١٤ - يَا لَيْتَ شِعْرِي والمُنَى لا تَنْفَعُ ... هَلْ أغْدُوَنْ يَوْماً وأمْرِي مُجْمَعُ؟
وهل أجمع متعدِّ بنفسه، أو بحرف جر ثم حذف اتساعاً؟
فقال أبو البقاء: من قولك أجمعتُ على الأمْرِ: إذا عزمتَ عليه؛ إلَاّ أنَّه حُذفَ حرفُ الجر فوصل الفعل إليه، وقيل: هو متعدٍّ بنفسه، وأنشد قول الحارث.
وقال أبو فيد السَّدُوسي: أجمعت الأمر، أفصحُ من أجمعت عليه.
وقال أبو الهيثم: أجمع أمرهُ جعلهُ مجموعاً بعد ما كان متفرقاً، قال: وتفرقته أن يقول مرَّة افعل كذا، ومرَّة افعل كذا، وإذا عزم على أمرٍ واحدٍ، فقد جمعه أي: جعله جميعاً، فهذا هو الأصلُ في الإجماع، ثم صار بمعنى: العزْم، حتى وصل ب» عَلَى «فقيل: أجمعتُ على الأمر؛ أي: عَزَمْتُ عليه، والأصلُ: أجمعتُ الأمرَ.
стр. 6243
وقرأ العامَّةُ:» وشُركَاءَكُم «نصباً وفيه أوجه:
أحدها: أنَّه معطوفٌ على» أمركُم «بتقدير حذف مضافٍ، أي: وأمر شركائكم؛ كقوله: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] ، ودلَّ على ذلك ما تقدَّم من أنَّ» أجمع «للمعاني.
الثاني: أنَّه عطفٌ عليه من غير تقدير حذف مضافٍ، قيل: لأنَّه يقال أيضاً: أجمعت شركائي.
الثالث: أنَّه منصوبٌ بإضمار فعلٍ لائق، واجمعُوا شركاءكم بوصل الهمزة، وقيل: تقديره: وادعوا، وكذلك هي في مصحف أبيِّ» وادعوا «فأضمر فعلاً لائقاً؛ كقوله - تعالى -: ﴿والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان﴾ [الحشر: ٩] ، أي: واعتقدوا الإيمان.
ومثله قول الآخر: [الرجز]
٢٩١٥ - عَلفتُهَا تِبْناً ومَاءً بَارِداً ... حتَّى شَتَتْ همَّالةً عَيْنَاهَا
أي: وسقيتها ماءً؛ وكقوله: [مجزوء الكامل]
٢٩١٦ - يا لَيْتَ زَوْجَكش قَدْ غَدَا ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا
وقول الآخر: [الوافر]
٢٩١٧ - إذَا مَا الغَانِيَاتُ يَرَزْنَ يَوْماً ... وزجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَا
يريد: ومُعْتَقِلاً رمحاً، وكحَّلنَ العُيُونا، وقد تقدَّم أنَّ في هذه الأماكن غير هذا التخريج.
الرابع: أنه مفعولٌ معه، أي:» مع شُركائكم «.
قال الفارسيُّ: وقد يُنْصَب الشُّرَكاء بواو» مع «، كما قالوا: جاء البرد والطَّيالسة، ولم يذكر الزَّمخشريُّ غير قول أبي علي.
قال الزَّجَّاج: «معناه: فأجمعُوا أمركم مع شُركائِكُم، فلما ترك انتصب» .
قال أبو حيَّان: «وينبغي أن يكون هذا التخريجُ على أنَّه مفعولٌ معه من الفاعل، وهو الضمير في» فأجْمِعُوا «لا من المفعول الذي هو» أمْرَكُمْ «وذلك ‘لى أشهر الاستعمالين؛ لأنَّه يقال:» أجمع الشركاءُ أمرهم «ولا يقال:» جمع الشركاء أمرهم «إلا قليلاً» .
قال شهاب الدين: يعني: أنَّهُ إذا جعلناه مفعولاً معه من الفاعل، كان جائزاً بلا خلافٍ، وذلك لأنَّ من النَّحويين من اشترط في صحَّة نصب المفعول معه: أن يصلح عطفُه على ما قبله، فإنْ لَمْ يصلح عطفه، لم يصحَّ نصبُه مفعولاً معه، فلو جعلناه من
стр. 6244
المفعول لم يجز على المشهور، إذ لا يصلح عطفه على ما قبله؛ إذ لا يقال: أجمعت شركائي، بل جمعت.
وقرأ الزهري، والأعمش، والأعرج، والجحدري، وأبو رجاء، ويعقوب، والأصمعي عن نافع: «فاجْمَعُوا» بوصل الألف، وفتح الميم من جمع يجْمَعُ، و «شُرَكاءكُمْ» على هذه القراءةِ يتضح نصبه نسقاً على ما قبله، ويجوز فيه ما تقدَّم في القراءة الأولى من الأوجه.
قال صاحبُ اللوامح: أجمعت الأمر: أي: جعلته جميعاً، وجمعتُ الأموال جمعاً، فكان الإجماع في الأحداث، والجمعُ في الأعيان، وقد يستعمل كلُّ واحدٍ مكان الآخر، وفي التنزيل: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠] وقد اختلف القراء في قوله: ﴿فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ﴾ [طه: ٦٤] .
فقرأ الستَّة: بقطع الهمزة، جعلوه من «أجْمع» وهو موافق لما قيل: إنَّ «أجْمَع» في المعاني.
وقرأ أبو عمرو وحدهُ «فاجْمَعُوا» بوصل الألف، وقد اتفقوا على قوله ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ [طه: ٦٠] ، فإنَّه من الثلاثي، مع أنَّه متسلِّطٌ على معنًى، لا عينٍ.
ومنهم من جعل للثلاثي معنى غير معنى الرُّباعي؛ فقال في قراءة أبي عمرو: من جمع يَجْمع ضد فرَّق يفرق، وجعل قراءة الباقين من: أجمع أمرهُ إذا أحكمه وعزم عليه، ومنه قول الشاعر: [الرجز]
٢٩١٨ - يَا ليتَتْ شِعْرِي والمُنَى لا تَنْفَعُ ... هَلْ أغْذُونْ يوماً وأمْرِي مُجْمَع؟
وقيل: المعنى: فاجمعوا على كيدكم؛ فحذف حرف الجرِّ.
وقرأ الحسن، والسلمي، وعيسى بن عمر، وابن أبي إسحاق، وسلام، ويعقوب: «وشُرَكاؤكُمْ» رفعاً، وفيه تخريجان:
أحدهما: أنَّه نسقٌ على الضَّمير المرفوع ب «أجْمِعُوا» قبله، وجاز ذلك؛ إذ الفصل بالمفعول سوَّغ العطف.
والثاني: أنه مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: وشُركاؤكُم فليُجْمِعُوا أمرهم، وشذَّتْ
стр. 6245
فرقةٌ فقرأت: «وشُرَكائِكُمْ» بالخفضِ، ووُجِّهَتْ على حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه مجرُوراً على حاله؛ كقول الشاعر:
٢٩١٩ - أكُلَّ امرِىءٍ تَحْسِبينَ امْرَءًا ... ونَارٍ توقَّدُ باللَّيْل نَارَا
أي: وكُلَّ نار، فتقدير الآية: وأمر شركائكم؛ فحذف الأمر، وأبقى ما بعده على حاله، ومن رأى برأي الكوفيين جوَّزَ عطفه على الضَّمير في «أمركم» من غير تأويل، وقد تقدَّم ما فيه من المذاهب، أعني: العطف على الضَّمير المجرور من غير إعادة الجارِّ في سُورة البقرة.
قوله: «غُمَّةً» يقال: غمٌّ وغُمَّةٌ، نحو كَرْبٌ وكُربَةٌ.
قال أبو الهيثم: هو من قولهم: غمَّ علينا الهلالُ، فهو مغمومٌ إذا التمسَ، فلم يُرَ؛ قال طرفةُ بن العبد: [الطويل]
٢٩٢٠ - لعَمْرُكَ ما أمْرِي عليَّ بغُمَّةٍ ... نَهَاري ولا لَيْلِي عليَّ بِسرمَدِ
وقال اللَّيث: يقال: هُو في غُمَّةٍ من أمره، إذا لَمْ يتبيَّنْ لهُ.
قوله: ﴿ثُمَّ اقضوا﴾ مفعول «اقضوا» محذوف، أي: اقضُوا إليَّ ذلك الأمر الذي تريدون إيقاعه بي؛ كقوله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر﴾ [الحجر: ٦٦] فعدَّاه لمفعول صريح.
وقرأ السَّري: «ثُمَّ أفْضُوا» بقطع الهمزة والفاء، من أفْضى يُفضِي إذا انتهى، يقال: أفضَيْتُ إليك، قال تعالى: ﴿وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] ، فالمعنى: ثُمَّ أفضُوا إليَّ سرَّكم، أي: انتهوا به إليَّ، وقيل: معناه: أسْرِعُوا به إليَّ، وقيل: هو مِنْ أفْضَى، أي: خَرَجَ إلى الفضاءِ، أي: فأصْحِرُوا به إليَّ، وأبرزُوه لي؛ كقوله: [الطويل]
٢٩٢١ - أبَى الضَّيْمَ والنُّعْمَانُ يَحْرِقُ نابهُ ... عليه فأفْضَى والسُّيُوفُ معاقِلُه
ولامُ الفضاءِ واوٌ؛ لأنَّه من فضا يَفْضُو، أي: اتَّسعَ، والمعنى: فأحكمُوا أمركُم، واعزِمُوا وادعُوا شُركَاءَكُم، أي: آلهتكُم، فاستعينوا بها لتجتمع.
وروى الأصمعي، عن نافع: «فأجمعُوا ذوي الأمر منكم» فحذف المضاف، وجرى على المضاف إليه ما كان يجري على المضاف لو ثبت.
стр. 6246
قال ابن الأنباري: المرادُ من الأمر هنا: وجوه كيدهم، ومكرهم، والتقدير: لا تتركوا مِن أمركُم شيئاً إلا أحضرتُمُوه. والمراد من الشركاء: إما الأوثان؛ لأنَّهم كانوا يعتقدون أنَّها تَضُرُّ وتنفعُ، وإمَّا أن يكون المرادُ: من كان على مثل دينهم.
﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ أي: خفيًّا مبهماً، من قولهم: غَمَّ الهلالُ على النَّاسِ، أي: أشْكل عليهم، فهو مغمومٌ إذا خفي. «ثُمَّ اقضُوا» أي: امضُوا، «إليَّ» : بما في أنفسكم من مكروه وافرغوا منه، يقال: قضى فلان: إذا مات، وقضى دينه: إذا فرغ منه، وقيل معناه: توجَّهُوا إليَّ بالقتل والمكروه، وقيل: «فاقْضُوا ما أنتم قاضُون» كقول السَّحرة لفرعون « ﴿فاقض مَآ أَنتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] .
قال القفال: ومجاز دُخُول كلمة» إلى «في هذا الموضع من قولهم: برئت إليك، وخرجت إليك من العهد، وفيه معنى الإخبار؛ فكأنَّه - تعالى - قال: ثم اقضُوا إليَّ ما يستقرُّ رأيكم عليه محكماً مفروغاً منه، ثم لا تنظرون أي: لا تمهلون ولا تُؤخِّرُون.
وقد نظَّم القاضي هذا الكلام على أحسن الوجوه، فقال: إنه ﵊ ُ - قال في أول الأمر: فعلى الله توكلت؛ فإنِّي واثقٌ بوعد الله، جازم بأنَّه لا يخلفُ الميعاد، فلا تظُنُّوا أنَّ تهديدكم إيَّاي بالقتلِ والإيذاء يمنعني من الدُّعاء إلى الله ثم إنَّه ﵊ ُ - أورد عليهم ما يدل على صحة دعواهُ، فقال: ﴿فأجمعوا أَمْرَكُمْ﴾ كأنَّهُ يقول: اجمعوا ما تقدرُون عليه من الأشياء التي توجبُ حُصُول مطلوبكم، ثم لم يقتصر على ذلك، بل أمرهم أن يضُمُّوا إلى أنفسهم شركاءهم الذين كانوا يزعمون أنَّ حالهم يقوى بمكانتهم وبالتَّقَرُّب إليهم، ثم لم يقتصر على هذين، بل ضمَّ إليهما ثالثاً، وهو قوله: ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ أراد أن يبلغوا فيه كل غايةٍ في المكاشفةِ والمجاهرة، ثم لم يقتصر على ذلك، بل ضمَّ إليها رابعاً، فقال: ﴿ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ﴾ والمراد: أن وجهوا كلَّ تلك الشُّرُور إليَّ، ثم ضمَّ إلى ذلك خامساً، وهو قوله: ﴿لَا تُنظِرُونَ﴾ أي: عجِّلُوا ذلك بأشد ما تقدرون عليه من غير انتظار، ومعلومٌ أنَّ مثل هذا الكلام يدل على أنه ﵊ ُ - كان قد بلغ الغاية في التوكل على الله، وأنَّه كان قاطعاً بأنَّ كيدهم لا يضرُّه، ولا يصل إليه، ومكرهم لا ينفذُ فيه.
قوله: ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن قولي، وقُبُول نُصْحِي، ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ﴾ على تبليغ الرِّسالة والدَّعوة ﴿مِّنْ أَجْرٍ﴾ جعل وعوض، ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ : ما أجري وثوابي، ﴿إِلَاّ عَلَى الله﴾ .
قال المفسِّرُون: وهذا إشارةٌ إلى أنَّه ما أخذ منهم مالاً على دعواهُم إلى دين الله، وكُلَّما كان الإنسانُ فارغاً من الطَّمع، كان قوله أقوى تأثيراً في القلب.
قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر: وهو أنَّه ﵊ ُ - بيَّن أنه لا يخافُ منهم بوجهٍ من الوجوه، وذلك لأنَّ الخوف إنَّما يحصل بأحد شيئين: إمَّا بإيصال الشَّر،
стр. 6247
أو بقطع المنافع، فبيَّن فيما تقدَّم أنه لا يخافُ شرَّهُم، وبيَّن في هذه الآية أنَّه لا يخاف منهم بسبب أن يقطعُوا عنه خيراً؛ لأنَّه ما أخذ منهم شيئاً، فكان يخافُ أن يقطعوا منه خيراً، ثم قال: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَاّ عَلَى الله وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين﴾ وفيه قولان:
الأول: أنكم سواء قبلتم دين الإسلام، أو لم تقبلوا، فأنا مأمورٌ بأن أكون على دين الإسلام.
الثاني: أنِّي مأمورٌ بالاستسلام لكلِّ ما يصل إليَّ لأجل هذه الدَّعوة، وهذا الوجهُ أليق بهذا الموضع؛ لأنَّه لمَّا قال اقضُوا إليَّ بيَّن أنَّه مأمورٌ بالاستسلام لكلِّ ما يصل إليه.
قوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الفلك﴾ .
لمَّا حكى كلام نُوحٍ مع الكُفَّار، ذكر - تعالى - ما آل أمرهم إليه: أمَّا في حقِّ نُوح وأصحابه، فنجَّاهم وجعلهم خلائف، أي: يخلفون من هلك بالغرق، وأمَّا في حق الكفار فإنَّه - تعالى - أهلكهم وأغرقهم، وهذه القصَّة إذا سمعها من صدَّق الرسول ومن كذب به، كانت زجراً للمكذِّبين فإنهم يخافون أن ينزل بهم مثل ما نزل بقوم نُوح، وتكون داعيةً للمؤمنين إلى الثَّبات على الإيمان؛ ليصلوا إلى مثل ما وصل إليه قوم نُوح.
قوله ﴿فِي الفلك﴾ يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أن يتعلَّق ب «نجَّيناه» ، أي: وقع الإنجاء في هذا المكان.
والثاني: أن يتعلَّق بالاستقرار الذي تعلَّق به الظرفُ، وهو «معهُ» لوقوعه صلة، أي: والذين استقرُّوا معه في الفلك، وقوله: «وجَعلْنَاهُم» أي: صيَّرناهُم، وجمع الضميرُ في «جَعلْنَاهُمْ» حملاً على معنى «مَنْ» ، و «خَلائِفَ» جمع خليفة، أي: يخلفُون الغارقين.
قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد نوحٍ، ﴿رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ﴾ ولمْ يسمِّ الرسل، وقد كان منهم هودٌ، وصالحٌ، وإبراهيمُ، ولوطٌ، وشعيبٌ، ﴿فَجَآءُوهُمْ بالبينات﴾ ، وهي المعجزات الباهرة، و «بالبيِّنَاتِ» متعلقٌ ب «فَجاءوهُمْ» أو بمحذوف على أنه حال أي: ملتبسين بالبينات، ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ﴾ أي: أنَّ حالهم بعد بعثةِ الرسل، كحالهم قبلها في كونهم أهل جاهلية.
قال القرطبيُّ: التقدير: بما كذَّب به قوم نُوحٍ من قبل، وقيل «بِمَا كذَّبُوا بهِ» أيْ: من قبل يوم الذرِّ فإنه كان فيهم من كذَّب بقلبه، وإن قال الجميعُ: بلى.
وقال النحاس: أحسن ما قيل في هذا: أنَّه لقوم بأعيانهم، مثل: ﴿أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] . و «بالبيِّنَاتِ» متعلق ب «جَاءوهُم» ، أو بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ، أي: مُلتبسين بالبيِّناتِ.
وقوله: ﴿لِيُؤْمِنُواْ﴾ أتى بلام الجحود توكيداً، والضَّمير في ﴿كَذَّبُواْ﴾ عائدٌ على من عاد عليه الضَّمير في كانُوا، وهم قومُ الرُّسُل.
стр. 6248
وقال أبُو البقاء ومكِّي: إنَّ الضمير في كانوا يعُود على قوم الرُّسُل، وفي «كَذَّبُوا» يعود على قوم نوح، والمعنى: فما كان قوم الرُّسُل ليؤمنوا بما كذَّب به قوم نُوح، أي: بمثله، ويجوز أن تكون الهاءُ عائدة على نوح نفسه، من غير حذف مضافٍ، والتقدير: فما كان قومُ الرُّسُل بعد نوح ليؤمنوا بنوحٍ؛ إذ لو آمنوا به، لآمنوا بأنبيائهم.
و «مِنْ قَبْلُ» متعلقٌ ب «كَذَّبُوا» أي: من قبل بعثةِ الرُّسُل.
وقيل: الضَّمائرُ كُلُّها تعودُ على قوم الرسل بمعنى آخر: وهو أنَّهم بادرُوا رسلهم بالتكذيب، كُلما جاء رسولٌ، لجُّوا في الكفر، وتمادوا عليه، فلم يكونوا ليؤمنوا بما سبق به تكذيبهم من قبل لجِّهم في الكفر، وتماديهم.
وقال ابن عطية: ويحتمل اللَّفظُ عندي معنى آخر، وهو أن تكون «ما» مصدرية، والمعنى: فكذَّبُوا رسلهم، فكان عقابهم من الله أن لم يكونوا ليُؤمِنُوا بتكذيبهم من قبل، أي: من سببه ومن جرَّائه، ويُؤيِّد هذا التأويل: «كذلِكَ نَطْبَعُ» وهو كلام يحتاجُ إلى تأمُّل.
قال أبو حيان: والظَّاهر أنَّ «ما» موصولةٌ؛ ولذلك عاد الضميرُ عليها في قوله: ﴿بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ﴾ ولو كانت مصدرية، بقي الضمير غير عائدٍ على مذكور؛ فتحتاج أن يُتكلَّفَ ما يعود عليه الضمير.
قال شهاب الدِّين ﵀: «الشيخ بناه على قول جمهور النُّحاة: في عدم كونِ» ما «المصدريَّة اسماً؛ فيعُود عليها ضميرٌ، وقد تقدَّم مراراً، أنَّ مذهب الأخفش، وابن السراج: أنَّها اسمٌ فيعود عليها الضمير» .
قرأ العامَّةُ: «نَطْبَع» بالنُّون الدَّالة على تعظيم المتكلِّم. وقرأ العبَّاس بن الفضل: بياء الغيبة، وهو الله - تعالى -؛ ولذلك صرَّح به في موضعٍ آخر: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله﴾ [الأعراف: ١٠١] . والكافُ نعتٌ لمصدر محذوف، أو حالٌ من ذلك المصدر على حسب ما عرفته من الخلاف، أي: مثل ذلك الطَّبع المحكم الممتنع زواله، نطبع على قلوب المعتدين على خلق الله.
فصل
احتجَّ أهل السُّنَّة على أنَّه - تعالى - قد يمنع المكلَّلإ عن الإيمان بهذه الآية.
قالت المعتزلة: فقد قال - تعالى -: ﴿بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَاّ قَلِيلاً﴾ [النساء: ١٥٥] ولو كان هذا الطَّبع مانِعاً، لما صحَّ هذا الاستثناء، وقد تقدَّم البحث في ذلك عند قوله - تعالى -: ﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ﴾ [البقرة: ٧] .
стр. 6249
قوله - تعالى - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ موسى وَهَارُونَ﴾ الآية.
قرأ مجاهد، وابن جبير، والأعمش: «إنَّ هذا لساحِرٌ» اسم فاعل، والإشارةُ ب «هَذَا» حينئذٍ إلى موسى، أشير إليه لتقدم ذكره، وفي قراءةِ الجماعةِ، المشارُ إليه الشَّيءُ الذي جاء به موسى، من قلب العصا حيَّة، وإخراج يده بيضاء كالشمس، ويجوز أن يشار ب «هذا» في قراءة ابن جبير: إلى المعنى الذي جاء به موسى مبالغةً؛ حيث وصفُوا المعاني بصفاتِ الأعيانِ؛ كقولهم: «شِعْرٌ شَاعِرٌ» ، و «جَدَّ جَدُّهُ» .
فإن قيل: إنَّ القوم لمَّا قالوا: ﴿إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ، فكيف حكى موسى عنهم أنَّهُم قالوا: «أسِحْرٌ هذا» على سبيل الاستفهام؟ .
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنَّ معمول «أتقولون» : الجملة من قوله: «أسِحْرٌ هذا» إلى آخره، كأنهم قالوا: أجِئْتُمَا بالسِّحر تطلبان به الفلاح، ولا يفلح السَّاحِرُون؛ كقول موسى ﵊ ُ - للسحرة: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ﴾ [يونس: ٨١] .
والثاني: أنَّ معمول القول محذوفٌ، مدلولٌ عليه بما تقدم ذكرهُ، وهو ﴿إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ .
ومعمولُ القول يحذف للدَّلالةِ عليه كثيراً، كما يحذف القول كثيراً، ويكون تقدير الآية: إن موسى ﵊ ُ - قال لهم: ﴿أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ﴾ ما
стр. 6250
تقولون، ثم حذف منه مفعول «أتقولون» لدلالة الحالِ عليه، ثم قال: أسِحْرٌ هذا وهو استفهامٌ على سبيل الإنكار، ثم احتجَّ على أنَّه ليس بسحرٍ، بقوله: ﴿وَلَا يُفْلِحُ الساحرون﴾ ؛ ومثلُ الآية في حذف المقول قولُ الشاعر: [الطويل]
٢٩٢٢ - لنَحْنُ الألَى قُلْتُمْ فأنَّى مُلِئْتُمُ ... بِرُؤيتنَا قبْلَ اهتِمَامٍ بكُمْ رُعْبَا
وفي كتاب سيوبيه: «متَى رَأيتَ أو قُلْتَ زيداً مُنْطلقاً» على إعمال الأول، وحذف معمول القول، ويجوز إعمالُ القول بمعنى الحكاية به، فيقال: «متى رايت أو قلت زيد مُنطلقٌ» وقيل: القول في الآية بمعنى: العَيْب والطَّعْن، والمعنى: أتَعِيبُونَ الحقَّ وتطعنُونَ فيه، وكان من حقِّكم تعظيمُه، والإذعانُ له، من قولهم: «فلان يخافُ القالة» و «بين الناس تقاولٌ» إذا قال بعضهم لبعضٍ ما يسوؤه، ونحو القولِ الذَِّكرُ في قوله: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠] وكلُّ هذا مُلخّص من كلام الزمخشريِّ.
قوله: «قَالُوا» يعني: فرعون وقومه، «أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا» اللَاّمُ متعلقةٌ بالمجيء، أي: أجِئْتَ لهذا الغرضِ، أنكروا عليه مجيئهُ لهذه العلَّة، واللَّفتُ: الليُّ والصَّرْفُ، لفته عن كذا، أي: صرفه ولواه عنه، وقال الأزرهي: «لفَتَ الشَّيء وفتلهُ» : لواه، وهذا من المقلوب.
قال شهاب الدِّين: «ولا يُدَّعى فيه قلبٌ، حتى يرجع أحدُ اللفظين في الاستعمال على الآخر، ولذلك لم يَجْعَلُوا جذبَ وجبذَ، وحَمِدَ ومَدَحَ من هذا القبيل لتساويهما، ومطاوعُ لَفَتَ: التفَت، وقيل: انْفَتَلَ، وكأنَّهُم استغْنَوا بمطاوع» فَتَل «عن مطاوع لَفَتَ، وامرأة لفُوت، أي: تَلْتفتُ لولدها عن زوجها، إذا كان الولد لغيره، واللَّفيتةُ: ما يغلظُ من القصيدة» والمعنى: أنَّهم قالوا: لا نترك الذي نحن عليه؛ لأنَّا وجدنا أباءنا عليه، فتمسكُوا بالتقليد، ودفعُوا الحُجَّة الظاهرة بمجرد الإصرار.
قوله: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الكبريآء فِي الأرض﴾ الكبرياء: اسمُ «كان» ، و «لكم» : الخبر، و «في الأرض» : جوَّز فيها أبو البقاء خمسة أوجه:
أحدها: أن تكون متعلقة بنفس الكبراي.
الثاني: أن يتعلق بنفس «تكون» .
الثالث: أن يتعلَّق بالاستقرار في «لكم» لوقوعه خبراً.
الرابع: أن يكون حالاً من «الكبرياء» .
الخامس: أن يكون حالاً من الضَّمير في «لَكُمَا» لتحمُّلِه إيَّاهُ «. والكبرياء مصدرٌ على وزن» فِعْلِيَاء «، ومعناها: العظيمة؛ قال عديُّ بن الرِّقَاعِ: [الخفيف]
стр. 6251
٢٩٢٣ - سُؤدُدٌ غَيْرُ فَاحِشٍ لا يُدَانِي ... يه تجبَّارةٌ ولا كِبْرياءُ
وقال ابن الرّقيات يمدح مصعب بن الزبير: [الخفيف]
٢٩٢٤ - مُلْكُهُ مُلْكُ رَأفَةٍ ليس فيه ... جَبَرُوتٌ مِنْهُ ولا كِبْرِيَاءُ
يعني: هو ليس عليه ما عليه المملوكُ من التجبُّر والتَّعظيم.
والجمهور على» تكون «بالتَّأنيث مراعاةً لتأنيث اللفظ.
وقرأ ابن مسعود، والحسن، وإسماعيل وأبو عمرو، وعاصم ﵃ في روايةٍ:» يكون «بالياء من تحت؛ لأنَّه تأنيثٌ مجازيٌّ.
قال المفسِّرون: والمعنى: ويكون لكُما الملكُ والعزُّ في أرض مصر، والخطابُ لموسى، وهارون - عليهما الصلاة والسلام -.
قال الزَّجَّاج: سمى الملك كبرياء؛ لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا، وأيضاً: فالنبيُّ إذا اعترف القوم بصدقه، صارت مقاليدُ أرم أمته إليه؛ فصار أكبر القوم.
واعلم: أنَّ القوم لمَّا ذكروا هذين الشيئين في عدم اتِّباعهم، وهما: التَّقليد، والحرصُ على طلب الرِّياسة، صرَّحُوا بالحكم، فقالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ ، ثم شرعُوا في معارضةِ معجزات موسى ﵊ ُ - بأنواعٍ من السحر؛ ليظهر عند الناس أن ما أتى به موسى من باب السِّحْر، فقال فرعون: ﴿ائتوني بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ .
قرأ الأخوان: سحَّار وهي قراءةُ ابن مُصرِّف، وابن وثَّاب، وعيسى بن عمر.
﴿فَلَمَّا جَآءَ السحرة قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾ .
فإن قيل: كيف أمرهُم بالسِّحْر، والسِّحر كفر، والأمر بالكفر كُفْرٌ؟ .
فالجواب: أنَّه ﵊ ُ - أمرهم بإلقاء الحِبال والعِصيّ؛ ليظهر للخلق أن ما أتوا به عملٌ فاسدٌ، وسعيٌ باطلٌ، لا أنَّه ﵊ ُ - أمرهم بالسِّحْرِ؛ فلمَّا ألقوا حبالهم وعصيَّهُم، قال لهم موسى: ما جئتم به هو السِّحْر، والغرض منهُ: أنَّهم لمَّا قالُوا لموسى: إنَّ ما جئتَ به سحر، فقال موسى ﵊ ُ -: إنَّ ما
стр. 6252
ذكرتمُوه باطلٌ، بل الحقُّ: أنَّ الذي جئتُم به هو السِّحر الذي يظهر بطلانه، ثم أخبرهُم بأن الله يحق الحق، ويبطل الباطل.
قوله: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر﴾ قرأ أبو عمرو وحده: «آلسِّحر» بهمزة الاستفهام، وبعدها ألف محضةٌ، وهي بدل عن همزة الوصلِ الدَّاخلة على لام التعريف، ويجوز أن تُسَهَّل بين بين، وقد تقدَّم تحقيق هذين الوجهين في قوله: ﴿ءَآلذَّكَرَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] وهي قراءة مجاهد، وأصحابه، وأبي جعفر، وقرأ باقي السبعة: بهمزة وصلٍ تسقُط في الدَّرْج، فأمَّا قراءةُ أبي عمرو، ففيها أوجه:
أحدها: أنَّ «ما» استفهاميَّة في محلِّ رفع بالابتداء، و «جِئْتُمْ بِه» : الخبرُ، والتقدير: أي شيءٍ جِئْتُم، كأنَّه استفهام إنكار، وتقليلٌ للشَّيءِ المُجاء به. و «السِّحْر» بدلٌ من اسم الاستفهام؛ ولذلك أعيد معه أداته؛ لما تقرَّر في كتب النحو، وذلك ليساوي المبدل منه في أنَّه استفهامٌ، كما تقول: كم مالك أعشرون، أم ثلاثون؟ فجعلت: أعشرون بدلاً من كم، ولا يلزم أن يضمر للسِّحر خبر؛ لأنَّك إذا أبدلته من المبتدأ، صار في موضعه، وصار ما كان خبراً عن المبدل منه، خبراً عنه.
الثاني: أن يكون «السِّحْر» خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أهُو السِّحْر.
الثالث: أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: السحر هو، ذكر هذين الوجهين أبو البقاء، وذكر الثاني مكِّي، وفيهما بعد.
الرابع: أن تكون «ما» موصولة بمعنى: الذي، و «جئتم به» صلتها، والموصولُ في محلِّ رفع بالابتداء، والسِّحر على وجهيه من كون خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: الذي جئتم به أهُو السِّحْر؟ أو الذي جئتم به السحر هو؟ وهذا الضميرُ هو الرَّابط، كقولك: الذي جاءك أزيدٌ هو؟ قاله أبو حيَّان.
قال شهاب الدِّ] ن: قد منع مكِّي أن تكون «ما» موصولةً، على قراءة أبي عمرو، فقال: وقد قرأ أبو عمرو «» آلسحرُ «بالمدِّ، فعلى هذه القراءة: تكون» ما «استفهاماً مبتدأ، و» جِئْتُم بِهِ «: الخبر، و» السّحر «خبرُ ابتداءٍ محذوف، أي: أهو السِّحر؟ ولا يجوزُ أن تكون» مَا «بمعنى:» الَّذي «على هذه القراءة؛ إذ لا خبر لها. وليس كما ذكر، بل خبرها: الجملةُ المقدَّرُ أحدُ جُزأيها، وكذلك الزمخشري، وأبو البقاء لمْ يُجِيزَا كونها موصولةً، إلَاّ في قراءة غير أبي عمرو، لكنَّهُمَا لم يتعرَّضَا لعدم جوازه.
الخامس: أن تكون» ما «استفهامية في محلِّ نصبِ بفعل مقدَّرٍ بعدها؛ لأنَّ لها صدر
стр. 6253
الكلام، و» جِئْتُم به «مفسِّر لذلك الفعل المقدَّر، وتكون المسألةُ حينئذٍ من باب الاشتغال، والتقدير: أيُّ شيءٍ أتيتُم جِئْتُم به، و» السِّحْر «على ما تقدَّم، ولو قُرىء بنصب» السِّحْر «على أنَّه بدلٌ مِنْ» ما «بهذا التقدير، لكان لهُ وجه، لكنَّه لم يقرأ به فيما علمت، وسيأتي ما حكاه مكِّي عن الفرَّاء من جواز نصبه لمدركٍ آخر، لا على أنَّها قراءةٌ منقولةٌ عن الفرَّاء.
وأمَّا قراءةُ الباقين، ففيها أوجهٌ:
أحدها: أن تكون «ما» بمعنى: «الذي» في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و «جِئْتُم بِه» صلته وعائده، و «السِّحرُ» خبرهُ، والتقدير: الذي جئتم به السحر، ويؤيِّد هذا التقدير، قراءة أبيّ، وما في مصحفه: «ما أتيتم به سِحْرٌ» ، وقراءة عبد الله بن مسعود والأعمش: «مَا جِئْتُمْ بِهِ سحْرُ» .
الثاني: أن تكون «ما» استفهامية في محلِّ نصبٍ، بإضمار فعل على ما تقرَّر و «السِّحْر» خبر ابتداء مضمر، أو مبتدأ مضمر الخبر.
الثالث: أن تكون «ما» في محلِّ رفع بالابتداء، و «السِّحْر» على ما تقدَّم من كونه مبتدأ، أو خبراً، والجملة خبر «ما» الاستفهامية.
قال أبو حيَّان - بعد ما ذكر الوجه الأول -: «ويجوز عندي أن تكون في هذا الوجه استفهاميَّة في موضع رفع بالابتداء، أو في موضع نصبٍ على الاشتغال، وهو استفهامٌ على سبيل التَّحقير، والتَّقليل لما جاؤوا به، و» السِّحْر «خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو السِّحْر» .
قال شهاب الدِّين: ظاهرُ عبارته: أنَّه لم يَرَ غيره، حيث قال وعندي، وهذا قد جوَّزه أبو البقاء ومكِّي.
قال أبو البقاء - لمَّا ذكر قراءة غير أبي عمرو - «ويُقْرَأ بلفظ الخبر، وفيه وجهان» ، ثم قال: «ويجوزُ أن تكون» ما «استفهاميَّة، و» السِّحْر «خبر مبتدأ محذوف» .
وقال مكِّي - في قراءة غير أبي عمرو، بعد ذكره كون «ما» بمعنى: الذي - ويجوز أن تكون «ما» رفعاً بالابتداء، وهي استفهامٌ، و «جِئْتُم بهِ» : الخبر، و «السِّحْر» خبر مبتدأ محذوف، أي: هو السِّحر، ويجُوزُ أن تكون «ما» في موضع نصبٍ على إضمار فعلٍ بعد «ما» تقديره: أيُّ شيءٍ جئتم به، و «السحرُ» : خبر ابتداء محذوف.
الرابع: أن تكون هذه القراءةُ كقراءة أبي عمرو في المعنى، أي: أنَّها على نيةِ الاستفهامِ، ولكن حذفت أداته للعلم بها.
стр. 6254
قال أبو البقاء: ويقرأ بلفظِ الخبر، وفيه وجهان:
أحدهما: أنَّه استفهامٌ في المعنى أيضاً، وحذفت الهمزة للعلم بها وعلى هذا الذي ذكره: يكونُ الإعرابُ على ما تقدَّم، واعلم أنَّك إذا جعلت «ما» موصولة بمعنى: الذي، امتنع نصبُها بفعلٍ مقدَّرٍ على الاشتغال.
قال مكِّي: ولا يجُوزُ أن تكون «ما» بمعنى: الذي، في موضع نصْبٍ لأنَّ ما بعدها صلتها، والصلةُ لا تعمل في الموصول، ولا يكون تفسيراً للعامل في الموصول وهو كلامٌ صحيحٌ؛ فتلخَّص من هذا: أنَّها إذا كانت استفهامية، جاز أن تكون في محلِّ رفع أو نصب، وإذا كانت موصولة، تعيَّن أن يكون محلُّها الرفع بالابتداء، وقال مكي: وأجاز الفرَّاءُ نصب «السِّحْر» فجعل «ما» شرطاً، وينصبُ «السِّحْر» على المصدر، وتضمرُ الفاءُ مع ﴿إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ﴾ ، وتجعل الألف واللام في «السِّحْر زائدتين، وذلك كلُّه بعيدٌ، وقد أجاز عليُّ بن سليمان: حذف الفاءِ من جواب الشَّرط في الكلام، واستدلَّ على جوازه بقوله - تعالى -: ﴿وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] ، ولم يجزه غيره إلَاّ في ضرورة شعر.
قال شهاب الدِّين: وإذا مشينَا مع الفرَّاء، فتكون» ما «شرطاً يُراد بها المصدرُ، تقديره: أيَّ سحر جئتم به، فإنَّ الله سيبطله، ويُبَيِّن أنَّ» ما «يراد بها السحر قوله:» السِّحْر «؛ ولكن يقلقُ قوله:» إنَّ نصب السِّحْر على المصدريَّة «فيكون تأويله: أنَّه منصوبٌ على المصدر الواقع موقع الحال؛ ولذلك قدَّره بالنَّكرة، وجعل» أل «مزيدة فيه.
وقد نُقِلَ عن الفرَّاء: أنَّ هذه الألف واللام للتعريف، وهو تعريف العهد، قال الفرَّاء:» وإنَّما قال «السِّحر» بالألف واللَاّم؛ لأنَّ النَّكرة إذا أعيدتْ، أعيدت بالألف واللَاّم «يعنى: أنَّ النَّكرة قد تقدَّمت في قوله: ﴿إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] ، وبهذا شرحهُ ابنُ عطيَّة.
قال ابن عطيَّة: والتعريف هنا في السحر أرْتَبُ؛ لأنَّه قد تقدَّم منكَّراً في قولهم:» إنَّ هذا لسحرٌ «، فجاء هنا بلام العهد، كما يقال أوَّل الرسالة:» سلامٌ عليك «.
قال أبو حيَّان» وما ذكراه هنا في «السِّحْر» ليس من تقدُّم النكرة، ثُمَّ أخبر عنها بعد ذلك؛ لأنَّ شرط هذا أن يكون المعرَّفُ ب «أل» هو المنكر المتقدَّم، ولا يكون غيره، كقوله - تعالى -: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فعصى فِرْعَوْنُ الرسول﴾ [المزمل: ١٥، ١٦] .
وتقول: «زارنِي رجلٌ، فأكرمتُ الرَّجُل» لمَّا كان إيَّاه، جاز أن يُؤتَى بضميره بدلهُ، فتقول: «فأكرمته» ، و «السِّحْر» هنا: ليس هو السحرَ الذي في قولهم: «إنَّ هذا لسحْرٌ» لأنَّ الذي أخبروا عنه بأنَّه سحرٌ، هو ما ظهر على يدي موسى من معجزة العصا، والسِّحْر الذي في قول موسى، إنَّما هو سحرهُم الذي جاؤوا به، فقد اختلف المدلولان، إذ قالوا هم عن معجزة موسى، وقال موسى عمَّا جاؤوا به؛ ولذلك لا يجُوز أن يؤتى هنا بالضَّمير بدل السِّحْر؛ فيكون عائداً على قولهم: لسحْرٌ «.
стр. 6255
قال شهاب الدِّين: «والجوابُ: أنَّ الفرَّاء، وبن عطيَّة إنَّما أرَادَا السِّحر المتقدِّم الذكر في اللفظ، وإن كان الثَّاني هو غير عين الأول في المعنى، ولكن لمَّا أطلق عليهما لفظ» السَّحْر «جاز أن يقال ذلك، ويدلُّ على هذا: أنَّهم قالوا في قوله - تعالى -: ﴿والسلام عَلَيَّ﴾ [مريم: ٣٣] إنَّ الألف واللام للعهد؛ لتقدُّم ذكر السَّلام في قوله - تعالى -: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾ [مريم: ١٥] ، وإن كان السَّلامُ الواقعُ على عيسى، هو غير السلام الواقع على يحيى؛ لاختصاص كلِّ سلام بصاحبه من حيث اختصاصه به، وهذا النَّقْل المذكورُ عن الفرَّاء في الألف واللَاّم، ينافى ما نقلهُ عنه مكِّي فيهما، اللَّهُمَّ إلَاّ أن يقال: يحتمل أن يكون له مقالتان، وليس ببعيدٍ؛ فإنَّه كُلَّما كثر العلمُ، اتَّسعت المقالاتُ» .
قوله: ﴿إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ﴾ أي: سيهلكه، ويظهر فضيحة صاحبه، ﴿إِنَّ الله لَا يُصْلِحُ عَمَلَ المفسدين﴾ أي: لا يقوِّيه ولا يكمِّله، وقوله: «المُفْسدينَ» من وقوع الظَّاهر موقع ضمير المخاطب؛ إذ الأصلُ: لا يصلح عملكم؛ فأبرزهم في هذه الصِّفة الذَّميمة شهادة عليهم بها، ثم قال: ﴿وَيُحِقُّ الله الحق﴾ أي: يظهره ويقوِّيه، ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: بوعده موسى، وقيل: بما سبق من قضائه وقدره، وقرىء: «بكَلمتهِ» بالتوحيد، وتقدَّم نظيره [الأنفال: ٧] .
قوله: ﴿فَمَآ آمَنَ لموسى﴾ الفاءُ للتَّعقيب، وفيها إشعارٌ بأنَّ إيمانهم لم يتأخَّر عن الإلقاء، بل وقع عقيبهُ؛ لأنَّ الفاء تفيد ذلك، وقد تقدَّم توجيهُ تعدية «آمن» باللَاّم، والضَّمير في «قَوْمِهِ» فيه وجهان:
أظهرهما: أنَّه يعودُ على موسى؛ لأنَّهُ هو المُحدَّث عنه؛ ولأنَّه أقربُ مذكورٍ، ولو عاد على فرعون، لمْ يكرِّرْ لفظه ظاهراً، بل كان التركيب: «على خوفٍ منه» وإلى هذا ذهب ابنُ عبَّاس، وغيره، قال: المراد مؤمني بني إسرائيل الذين كانُوا بمصر، وخرجُوا معه.
قال ابن عبَّاس: لفظ الذُّريَّة يُعَبَّر به عن القوم على وجه التَّحقير والتَّصغير، ولا سبيل لحمله على التقدير على وجه الإهانة ههنا؛ فوجب حمله على التصغير، بمعنى: قلة العدد.
قال مجاهد: كانوا أولاد الذين أرسل إليهم موسى من بني إسرائيل، هلك الآباء، وبقي الأبناء.
وقيل: هم قوم نَجَوْا من قتل فرعون؛ وذلك أنَّ فرعون لما أمر بقتل أبْنَاءِ بني إسرائيل، كانت المرأة في بني إسرائيل، إذا ولدت ابناً وهبته لقبطيَّة، خوفاً عليه من القتل، فنشئُوا بين القبط، وأسلمُوا في اليوم الذي غلب فيه موسى السَّحرة.
стр. 6256
والثاني: أنَّ الضمير يعُود على فرعون، ويُروى عن ابن عبَّاس أيضاً، ورجَّح ابنُ عطيَّة هذا، وضعف الأول، فقال: وممَّا يضعفُ عود الضَّمير على مُوسى: أنَّ المعروف من أخبار بني إسرائيل، أنهم كانوا قد فشتْ فيهم النبواتُ، وكانُوا قد نالهُم ذلٌّ مفرط، وكانوا يرجُون كشفهُ بظُهُورِ مولُود، فلمَّا جاءهُم موسى أصْفَقُوا عليه وتابعُوه، ولم يُحْفَظْ أنَّ طائفة من بني إسرائيل كفرتْ بمُوسَى، فكيف تُعْطِي هذه الآيةُ أنَّ الأقلَّ منهم كان الذي آمَنَ؟ فالذي يترجَّحُ عودُه على فرعون، ويؤيِّده أيضاً: ما تقدَّم من محاورة موسى وردِّه عليهم وتوبيخهم.
قيل: المراد بالذرية: أقوام كان آباؤهم من قوم فرعون، وأمَّهاتُهُم من بني إسرائيل، فجعل الرَّجُل يتبع أمَّهُ وأخوالهُ.
روي عن ابن عبَّاس: أنَّهم كانوا ستمائة ألفٍ من القبط.
قيل: سُمُّوا ذُرِّيَّة؛ لأنَّ آباءهم كانوا من القبط، وأمهاتهم من بني إسرائيل، كما يقال لأولاد فارس - الذين سقطوا إلى اليمن -: الأبناء؛ لأنَّ أمُّهاتهم من غير جنس آبائهم.
وقيل: المراد بالذُّرِّيَّة من آل فرعون: آسيةُ، ومُؤمنُ آلِ فرعون، وامرأته، وخازنه، وامرأةُ خازنه، وماشطتها.
واعلم: أنَّه - تعالى - إنَّما ذكر ذلك تسلية لمحمَّد ﵊ ُ -؛ لأنَّه كان يغتمُّ بسبب إعراض القوم عنه، واستمرارهم على الكُفْر، فبيَّن أنَّ له في هذا الباب أسوة بسائر الأنبياء؛ لأنَّ الذي ظهر من موسى كان في الإعجاز في مرأى العين أعظم، ومع ذلك فما آمن منهم إلا ذرية.
قوله «عَلى خوفٍ» : حالٌ، أي: آمنوا كائنين على خوف، والضَّمير في «ومَلئِهِم» فيه أوجه:
أحدها: أنَّه عائدٌ على الذُّرية، وهذا قولُ أبي الحسن، واختيارُ ابن جرير، أي: خوفٍ من ملأ الذرية، وهم أشراف بني إسرائيل.
الثاني: أنه يعودُ على «قَوْمِهِ» بوجهيه، أي: سواءٌ جعلنا الضمير في «قومِهِ» لمُوسى، أو لفرعون، أي: وملأ قوم موسى، أو ملأ قوم فرعون.
الثالث: أن يعود على فرعون؛ لأنَّهم إنَّما كانُوا خائفين من فرعون، واعترض على هذا؛ بأنَّهُ كيف يعودُ ضميرُ جمعٍ على مفرد؟ واعتذر أبو البقاء بوجهين:
стр. 6257
أحدهما: أنَّ فرعون لمَّا كان عظيماً عندهم، عاد الضَّمير عليه جمعاً، كما يقول العظيم: نحن نأمُرُ، وهذا فيه نظرٌ؛ لأنَّه لو ورد ذلك من كلامهم محْكِيّاً عنهم، لاحتمل ذلك.
الثاني: أنَّ فرعون صار اسماً لأتباعه، كما أنَّ ثمود اسمٌ للقبيلة كلها. وقال مكِّي وجهين آخرين قريبين من هذين، ولكنَّهما أخلص منهما، قال: إنَّما جمع الضميرُ في مَلَئهم؛ لأنَّه إخبار عن جبَّار، والجبَّار يخبر عنه بلفظ الجمع، وقيل: لمَّا ذكر فرعونُ، عُلِمَ أنَّ معه غيرهُ، فرجع الضَّميرُ عليه، وعلى من معه.
وقد تقدم نحوٌ من هذا عند قوله: ﴿الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس﴾ [آل عمران: ١٧٣] والمراد بالقائل الأول: نعيم بن مسعود؛ لأنَّه لا يخلُو من مساعدٍ لهُ على ذلك القول.
الرابع: أنْ يعود على مضافٍ محذوف وهو آل، تقديره: على خوفٍ من آل فرعون، ومَلئِهم، قاله الفرَّاء، كما حذف في قوله:
﴿واسأل
القرية﴾ [يوسف: ٨٢] .
قال أبو البقاء بعد أن حكى هذا ولم يعزُه لأحدٍ: «وهذا عندنا غلطٌ؛ لأنَّ المحذوف لا يعود إليه ضميرٌ، إذ لو جاز ذلك، لجاز أن يقول:» زَيْدٌ قاموا «وأنت تريد: غلمان زيد قامُوا» .
قال شهاب الدِّين: قوله: «لأنَّ المحذوف لا يعودُ إليه ضمير» ممنوعٌ، بل إذا حذف مضافٌ، فللعرب فيه مذهبان: الالتفات إليه، وعدمُه وهو الأكثر، ويدلُّ على ذلك: أنَّه قد جمع بين الأمرين في قوله: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأعراف: ٤] أي: أهل قرية، ثم قال: ﴿أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] وقد حققت ذلك في موضعه المشار إليه، وقوله: «لجازَ زيد قاموا» ليس نظيره، فإنَّ فيه حذفاً من غير دليلٍ، بخلاف الآية.
وقال أبو حيان - بعد أن حكى كلام الفرَّاء -: ورُدَّ عليه: بأنَّ الخوف يمكنُ من فرعون، ولا يمكن سؤالُ القرية، فلا يحذفُ إلَاّ ما دلَّ عليه الدَّليلُ، وقد يقال: ويدلُّ على هذا المحذوف جمع الضمير في «ومَلئِهم» . يعني أنَّهم ردُّوا على الفراء، بالفرق بين ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] وبين هذه الآية: بأنَّ سؤال القرية غير ممكنٍ، فاضطررنا إلى تقدير المضاف، بخلاف الآية فإنَّ الخوفَ تمكَّن من فرعون، فلا اضطرار بنا يدُلُّنا على مضاف محذوف.
وجواب هذا: أنَّ الحذف قد يكون لدليلٍ عقلي أو لفظي، على أنَّه قيل في ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] إنَّه حقيقةٌ، إذ يمكن النبيُّ أن يسأل القرية؛ فتُجِيبه.
الخامس: أنَّ ثمَّ معطوفاً محذوفاً حذف للدَّلالةِ عليه، والدَّليلُ عليه؛ كونُ الملك لا
стр. 6258
يكونُ وحده، بل له حاشيةٌ، وعساكرُ، وجندٌ؛ فكان التقدير: على خوفٍ من فرعون، وقومه، وملئِهِم، أي: ملأ فرعون وقومه، وهو منقولٌ عن الفرَّاء أيضاً.
قال شهاب الدِّين: حذف المعطوف قليلٌ في كلامهم، ومنه عند بعضهم، قوله - تعالى -: ﴿تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: ٨١] أي: والبرد؛ وقول الآخر: [الطويل]
٢٩٢٥ - كأنَّ الحصى من خلفها وأمَامِهَا ... إذَا حذفتْهُ رِجْلُها حذفُ أعْسَرَا
أي: ويدها.
قوله: «أن يفْتنَهُم» أي: يصرفهم عن دينهم، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدها: أنَّه في محلِّ جرٍّ على البدل من «فِرْعَون» ، وهو بدلُ اشتمالٍ، تقديره: على خوفٍ من فرعون فتنة، كقولك: «أعْجَبني زيد علمُهُ» .
الثاني: أنَّه في موضع نصب على المفعول به بالمصدر، أي: خوف فتنته، وإعمالُ المصدر المنوَّن كثيرٌ؛ كقوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾ [البلد: ١٤، ١٥] ، وقول الآخر: [الطويل]
٢٩٢٦ - فَلوْلَا رَجَاءُ النَّصْرِ منْكَ ورهْبَةٌ ... عِقابَك قد كانُوا لنا بالمَوارِدِ
الثالث: أنَّه منصوبٌ على المفعول من أجله بعد حذف اللام، ويجري فيها الخلافُ المشهورُ.
وقرأ الحسن، ونبيح: «يُفْتِنَهم» بضمِّ الياءِ من «أفتن» وقد تقدَّم ذلك [النساء: ١٠١] .
قوله: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأرض﴾ أي: مُتكبِّر، أو ظالمٌ، أو قاهر، و «فِي الأرض» متعلِّقٌ ب «عَالٍ» ؛ كقوله: [الكامل]
٢٩٢٧ - فاعْمَدْ لِمَا تعلُو فما لك بالَّذي ... لا تَسْتطيعُ مِنَ الأمُورِ يَدَانِ
أي: لِمَا تَقْهَر، ويجوز أن يكون «فِي الأرْضِ» متعلِّقاً بمحذوف؛ لكونه صفة ل «عَالٍ» فيكون مرفوع المحلِّ، ويرجح الأول قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الأرض﴾ [القصص: ٤] ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ المسرفين﴾ : المجاوزين الحدَّ؛ لأنه كان عبداً، فادَّعى الرُّبُوبيَّة، وقيل: لأنه كان كثير القتل والتعذيب لمنْ يخالفُه، والغرضُ منهُ: بيان السَّبب في كون أولئك المؤمنين خائفين.
стр. 6259
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ موسى ياقوم إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بالله﴾ الآية.
قوله تعالى: «فَعَليْهِ» جوابُ الشرط، والشرط الثاني - وهو «إن كنتم مُسلمينَ» - شرطٌ في الأول، وذلك أنَّ الشَّرطين متى لمْ يترتَّبا في الوجودِ، فالشَّرطُ الثَّاني شرطٌ في الأول، ولذلك يجب تقدُّمُه على الأول، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك [البقرة: ٣٨] .
قال الفقهاء: المتأخر يجب أن يكون متقدماً، والمتقدِّم يجب أن يكون متأخراً، مثاله قول الرَّجُلِ لامرأته: إن دخلت الدار، فأنت طالقٌ إن كلمت زيداً، والمشروط متأخِّر عن الشَّرطِ، وذلك يقتضي أن يكون المتأخِّر في اللفظ، متقدماً في المعنى، وأن يكون المتقدم في اللفظ متأخراً في المعنى، فكأنَّه يقول لامرأته: حال ما كلمت زيداً إن دخلت الدَّار، فأنت طالقٌ، فلو حصل هذا التعليقُ، قيل: إن كلَّمَتْ زيداً لمْ يقع الطلاق.
قوله: ﴿ن كُنتُمْ آمَنتُمْ بالله فَعَلَيْهِ توكلوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ يقتضي أن يكون كونهم مسلمين شرطاً؛ لأن يصيروا مخاطبين بقوله: ﴿إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بالله فَعَلَيْهِ توكلوا﴾ فكأنَّه - تعالى - يقول للمسلم حال إسلامه: إن كنت من المؤمنين بالله فعلى الله توكَّلْ، والأمر كذلك؛ لأنَّ الإسلام عبارة عن الاستسلام، وهو الانقياد لتكاليف الله، وترك التمرد، والإيمان عبارةٌ عن صيرورة القلب، عارفاً بأن واجب الوُجُود لذاته واحدٌ، وأنَّ ما سواه محدث مخلُوق تحت تدبيره، وقهره، وإذا حصلت هاتان الحالتان، فعند ذلك يفوِّض العبدُ جميع أموره إلى الله - تعالى -، ويحصُلُ في القلب نور التَّوكُّل على الله - تعالى -.
فصل
إنما قال: «فعليه توكَّلُوا» ولم يقل: «توكَّلُوا على اللهِ» ، لأن الأول يفيد الحصر، كأنه ﵊ ُ - أمرهم بالتَّوكُّل عليه، ونهاهُم عن التوكُّلِ على الغير، ثم بيَّن - تعالى - أنَّ موسى ﵊ ُ - لمَّا أمرهم بذلك قبلوا قوله ﴿فَقَالُواْ على الله تَوَكَّلْنَا﴾ أي: توكُّلُنا عليه واعتمادنا، ولم نلتفت إلى أحد سواه، ثم اشتغلوا بالدعاء، وطلبوا من الله شيئين:
أحدهما: أن قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾ .
والثاني: ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين﴾ أما قولهم: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾ ففيه وجوه:
الأول: لا تفتن بنا فرعون وقومه؛ لأنك لو سلطَّتهُم علينا، لوقع في قلوبهم أنَّا لو كنَّا على الحقِّ، لما سلَّطتهُم علينا؛ فيصير ذلك شبهةً قويَّةً في إصرارهم على الكفر؛ فيكون ذلك فتنةً لهم.
الثاني: لو سلَّتهُم علينا، لاستوجبُوا العقاب الشَّديد في الآخرة، وذلك يكون فتنة لهم.
стр. 6260
الثالث: أنَّ المراد بالفتنة المفتُون؛ لأنَّ إطلاق لفظ المصدر على المفعول جائز، كالخلق بمعنى المخلوق والتقدير: لا تَجٍْعلْنا مفْتُونين بأنَّ ييقهَرُونا بالظُّلْمِ على أن ننصرف من هذا الدِّين الذي قبلناهُ، ويؤكِّد هذا قوله: ﴿فَمَآ آمَنَ لموسى إِلَاّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ على خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣] وأمَّا المطلوبُ الثاني، فهو قوله: ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين﴾ .
وهذا يدلُّ على أنَّ اهتمامهم بأمر دينهم كان فوق اهتمامهم بأمر دنياهم؛ لأنَّا إذا حملنا قولهم: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾ [يونس: ٨٥] ، على تسليط الكفَّار عليهم وصيروة ذلك التسليط شبهة للكفار في أنَّ هذا الدِّين باطلٌ، فتضرعوا إلى الله - تعالى - في صون الكُفَّار عن هذه الشُّبهة، وتقديم هذا الدُّعاء على طلب النَّجاة لأنفسهم، وذلك يدل على أن اهتمامهُم بمصالح أديانهم فوق اهتمامهم بمصالح أبدانهم.
стр. 6261
قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً﴾ الآية.
لمَّا شرح خوف المؤمنين من الكُفَّار، وما ظهر منهم من التَّوكُّل على الله، أتبعه بأن أمر موسى، وهارون باتخاذ المساجد، والإقبال على الصَّلوات.
قوله ﴿أَن تَبَوَّءَا﴾ يجوز في «أنْ» أن تكون المفسِّرة؛ لأنَّه قد تقدَّمها ما هو بمعن القول وهو الإيحاء، ويجوز أن تكون المصدريَّة، فتكون في موضع نصب ب «أوْحَيْنَا» مفعولاً به، أي: أوحينا إليهما التَّبَوُّء.
والجمهور على الهمزة في «تَبَوَّآ» وقرأ حفص «تَبَوَّيَا» بياء خالصة، وهي بدلٌ عن الهمزة، وهو تخفيفٌ غيرُ قياسي، إذ قياسُ تخفيف مثل هذه الهمزة: أن تكون بين الهمزة والألف، وقد أنكر هذه الرِّواية عن حفص جماعةٌ من القُرَّاءِ، وخصَّها بعضهم بحالة الوقف، وهو الذي لم يحكِ أبُو عمرو الدَّاني والشاطبي غيره، وبعضهم يُطلق إبدالها عنه ياء وصلاً ووقفاً، وعلى الجملة فهي قراءةٌ ضعيفةٌ في العربية، وفي الرواية.
والتَّبَوُّؤُ: النزولُ والرجوعُ، يقال: تبوَّأ المكان: أي: اتخذه مُبَوَّأ، وقد تقدَّمت هذه
стр. 6262
المادة في قوله: ﴿تُبَوِّىءُ المؤمنين﴾ [آل عمران: ١٢١] والمعنى: اجعلا بمصر بيوتاً لقومكما، ومرجعاً ترجعون إليه للعبادة.
قوله: «لِقَوْمِكُما» يجوزُ أن تكون اللَاّمُ زائدة في المفعول الأول، و «بُيُوتاً» مفعول ثان، بمعنى: بوِّآ قومكما بيوتاً، أي: أنزلوهم، وفعَّلَ وتَفَعَّلَ بمعنًى، مثل «عَلَّقَهَا» و «تعلَّقها» قاله أبو البقاء، وفيه ضعفٌ: من حيث إنَّه زيدت اللامُ، والعاملُ غير فرع، ولم يتقدم المعمُولُ.
الثاني: أنَّها غير زائدة، وفيها حينئذٍ وجهان:
أحدهما: أنَّها حالٌ من «البُيُوتِ» .
والثاني: أنَّها وما بعدها مفعول «تَبَوَّءا» .
قوله «بِمِصْرَ» جوَّز فيه أبو البقاء أوْجُهاً:
أحدها: أنَّه متعلِّق ب «تَبَوَّءا» ، وهو الظَّاهرُ.
الثاني: أنَّه حالٌ من ضمير «تَبَوَّءا» ، واستضعفهُ، ولمْ يُبَيِّنْ وجه ضعفه لوضوحه.
الثالث: أنَّها حالٌ من «البُيُوت» .
الرابع: أنَّهُ حالٌ من: «لِقَوْمِكُما» ، وقد ثنَّى الضمير في قوله: «تَبَوَّءَا» وجمع في قوله: «واجْعَلُوا» و «أقِيمُوا» وأفرد في قوله: «وبَشِّر» لأن الأول أمرٌ لهما، والثاني لهما ولقومهما، والثالث لمُوسى فقط؛ لأنَّ أخاهُ تبعٌ لهُ، ولمَّا كان فعلُ البشارة شريفاً خصَّ به موسى، لأنَّه هو الأصل، وقيل: وبشِّر المؤمنين يا محمَّد.
فصل
قال بعضهم: المراد من البُيُوتِ: المساجد؛ لقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] وقيل: مطلق البيوت، أمَّا الأوَّلُون ففسَّرُوا القبلة بالجانب، الذي يستقبل في الصلاة، أي: اجعلُوا بيوتكُم مساجداً، تستقبلونها في الصَّلاة.
وقال ابن الأنباريِّ: المعنى: اجعلوا بيوتكم قبلاً، أي: مساجد؛ فأطلق لفظ الواحد، والمراد: الجَمْع، ومن قال: المرادُ: مطلق البيوت ففيه وجهان:
أحدهما: قال الفراء: أي: اجعلوا بيوتكم إلى القبلة.
الثاني: المعنى: اجعلوا بيوتكم متقابلة، والمراد منه: حصول الجمعيَّة، واعتضاد البعض بالبعض.
واختلفوا في هذه القبلة أين كانت؟ ظاهر القرآن لا يدلُّ على تعيينها، وروي عن ابن عبَّاس: كانت الكعبةُ قبلةَ مُوسى، وكان الحسن يقول: الكعبة قبلةَ كلِّ الأنبياء،
стр. 6263
وإنما وقع العُدُول عنها بأمر الله - تعالى - في أيَّام الرسُول ﵊ ُ - بعد الهجرة. وقال آخرون: كانت القبلة: بيت المقدس.
فصل
ذكر المُفَسِّرُون في كيفية هذه الواقعة وجوهاً:
أحدها: أن موسى ومن معه كانوا مأمورين في أول أمرهم، بأن يُصَلُّوا في بيوتهم خُفيةً من الكُفَّار؛ لئلا يظهروا عليهم، فيُؤذُوهُم، ويفتنوهُم عن دينهم، كما كان المؤمنون في أول الإسلام بمكة.
قال مجاهد: خاف موسى ومن معه من فرعون أن يصلُّوا في الكنائس الجامعة، فأمروا أن يجعلوا في بيوتهم مساجد جهة الكعبة، يُصَلُّون فيها سرّاً.
وثانيها: أنَّه لمَّا أرْسِلَ مُوسى إلى فرعون، أمر فرعون بتخريب مساجد بني إسرائيل، ومنعهم من الصلاة، فأمرهُم الله - تعالى - باتِّخاذِ المساجد في بيوتهم، رواه عكرمة، عن ابن عبَّاس. وهو قول إبراهيم.
وثالثها: أنَّه تعالى لمَّا أرسل مُوسى إليهم، وأظهر فرعون لهم العداوة الشديدة، أمر الله - تعالى - موسى، وهارون، وقومهما باتِّخاذِ المساجد على رغم الأعداء، وتكفَّل الله بصونهم عن شرِّ الأعداءِ.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ موسى رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً﴾ الآية.
لمَّا بالغ موسى في إظهار المعجزات، ورأى القوم مُصرِّينَ على الجُحُود والعنادِ؛ دعا عليهم، ومن حقِّ من يدعُو على الغير أن يذكُر سبب جرمه، وجرمهم: كان حُبَّ الدنيا؛ فلأجله تركوا الدِّين؛ فلهذا قال ﵊ ُ -: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الحياة الدنيا﴾ والزينة: عبارة عن الصحَّة، والجمال، واللباس، والدوابِّ، وأثاث البيت، والمال ما يزيد على هذه الأشياء من الصَّامت، والنَّاطق، وقرأ الفضل الرَّقاشي «أئنَّكَ آتيْتَ» .
قوله: «ليُضِلُّوا» في هذه اللَاّم ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: أنَّها لامُ العلَّة، والمعنى: أنَّك آتيتهُم ما آتَيْتَهم على سبيل الاستدراج، فكان الإيتاءُ لهذه العلة.
стр. 6264
والثاني: أنَّها لامُ الصَّيرورةِ والعاقبة؛ كقوله: ﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨] ، وقوله: [الوافر]
٢٩٢٨ - لِدُوا للمَوْتِ وابنُوا لِلْخَرَابِ..... ... ... ... ... ... ... ... .
وقوله: [الطويل]
٢٩٢٩ - ولِلْمَوْتِ تَغْذُو الولِدَاتُ سِخالَهَا ... كمَا لِخرابِ الدُّور تُبْنَى المسَاكِنُ
وقوله: [البسيط]
٢٩٣٠ - ولِلْمنَايَا تُرَبِّي كُلُّ مرضِعَةٍ ... ولِلْخَرابِ يُجِدُّ النَّاسُ عُمْرَانَا
والثالث: أنَّها للدعاء عليهم بذلك؛ كأنه قال: ليثبتُوا على ما هم عليه من الضلال، وليكونُوا ضُلَاّلاً، وإليه ذهب الحسن البصريُّ، وبدأ به الزمخشريُّ، وقد استُبعدَ هذا التَّأويلُ بقراءة الكوفيين، «لِيُضِلُّوا» بضمِّ الياء، فإنه يبعد أن يدعُو عليهم بأن يُضِلُّوا غيرهم، وقرأ الباقون بفتحها، وقرأ الشعبيُّ بكسرها، فوالى بين ثلاث كسرات إحداها في ياء.
وقال الجبائي: إنَّ «لا» مقدرةٌ بين اللَاّم والفعل، تقديره: لئلَاّ يضلُّوا، ورأي البصريين في مثل هذا تقدير: «كرَاهَةَ» ، أي: كراهة أن يضلُّوا.
فصل
احتج أهل السُّنَّة بهذه الآية على أنه - تعالى - يضلُّ الناس من وجهين:
أحدهما: أن اللام في «لِيضلُّوا» لام التَّعليل.
والثاني: قوله: ﴿واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ﴾ فقال - تعالى -: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا﴾ قال القاضي: لا يجوز أن يكون المرادُ من الآية ما ذكرتُم لوجوه:
الأول: لأنَّه - تعالى - منزَّهٌ عن فعل القبائح، وإرادة الكفر قبيحة.
وثانيها: أنَّه - تعالى - لو أراد ذلك، لكان الكافرُ مطيعاً لله بكفره؛ لأنَّ الطاعة: هي الإتيان بمراد الأمر، ولو كان كذلك، لما استحقُّوا الدُّعاء عليهم.
وثالثها: لو جوَّزْنَا إرادة إضلال العباد، لجوَّزْنَا أن يبعث الأنبياء بالدُّعاء إلى الضَّلالِ، ولجاز أن يقوي الكذَّابين الضَّالين بإظهار المعجزات، وفيه هدم الدِّين.
ورابعها: أنَّه لا يجوز أن يقول لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ
стр. 6265
يخشى﴾ [طه: ٤٤] ، وأن يقول: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بالسنين وَنَقْصٍ مِّن الثمرات لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] ، ثم إنَّه - تعالى - إراد الضَّلال منهم، وأعطاهم النِّعم لكي يضلُّوا، وهذا كالمناقضة، فلا بُدّ من حَمْلِ أحدهما على الآخر.
وخامسها: لا يجوز أن يقال: إن مُوسى دعا ربَّهُ بأن يُطْمِسَ على أموالهم؛ لأجل أن لا يؤمنوا، مع تشدده في إرادة الإيمان. وإذا ثبت هذا؛ وجب تأويلُ هذه الكلمة، وذلك من وجوه:
الأول: أنَّ اللَاّم في «لِيُضِلُّوا» : لامُ العاقبة كما تقدَّم، ولما كانت عاقبة قوم فرعون، هو الضَّلال، عبَّر عن هذا المعنى بهذا اللفظ.
الثاني: أنَّ التقدير: لئلَاّ يضلوا، كقوله: ﴿يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦] ، فحذف لدلالة المعقُول عليه، كقوله - تعالى -: ﴿بلى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة﴾ [الأعراف: ١٧٢] ، أي: لئلَاّ تقُولُوا.
الثالث: أن يكون موسى ذكر ذلك على وجه التَّعجُّبِ المقرُون بالإنكار، أي: إنَّك أتيتهُم بذلك لهذا الغرض فإنَّهُم لا ينفقُون هذه الأموال إلَاّ فيه، كأنَّه قال: أتيتهم زينةً وأموالاً لأجْلِ أن يُضلُّوا عن سبيلك، ثم حذف حرف الاستفهام، كما في قوله: [الكامل]
٢٩٣١ - كذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رأيْتَ بواسِطٍ ... غَلَسَ الظَّلامِ منَ الرَّبَابِ خَيَالَا
والمرادُ: أكذبتك فكذا ههنا.
الرابع: أنَّ هذه لام الدُّعاء، وهي لام مكسورة تجزم المستقبل، ويفتتح بها الكلام، فيقال: ليغفرُ الله للمؤمنين، وليُعذِّب الله الكافرين، والمعنى؛ ربنا ابتليهم بالضَّلال عن سبيلك.
الخامس: سلَّمنا أنَّها لامُ التَّعليل، لكن بحسب ظاهر الأمر، لا في نفس الحقيقة، والمعنى: أنه - تعالى - لمَّا أعطاهم هذه الأموال، وصارت سبباً لبغيهم وكفرهم، أشبهت حال من أعطى المال لأجل الإضلال، فورد هذا الكلامِ بلفظ التَّعليل لهذا المعنى.
السادس: أنَّ الضَّلال قد جاء في القرآن بمعنى: الهلاك، يقال: ضلَّ الماءُ في اللَّبن، أي: هلك، فقوله: «ليضلُّوا عن سبيلك» أي: ليهلكوا ويموتوا، كقوله - تعالى -: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا﴾ [التوبة: ٥٥] .
قال ابن الخطيب: واعلم: أنَّ الجواب قد تقدَّم مراراً، ونُعيد بعضه، فنقول: الذي يدُلُّ على أنَّ الإضلال من الله - تعالى - وجوه:
стр. 6266
الأول: أنَّ العبد لا يقصدُ إلا حُصُول الهداية، فلمَّا لمْ تحصُل الهداية بل حصل الضَّلال الذي لا يُريده، علمنا أنَّ حصُوله ليس من العَبْدِ، بل من الله - تعالى -.
فإن قالوا: إنَّه ظنَّ هذا الضَّلال هُدًى، فلذلك أوقعه في الوُجُود فنقول: إقدامُه على هذا الجهل، إن كان بجهل سابق، فذلك الجهل السابق يكون حُصُوله لسبق جهل آخر ويلزمُ التسلسل وهو محال؛ فوجب أنَّ هذه الجهالات والضَّلالات لا بُدَّ من انتهائها إلى جهل أوَّلٍ، وضلال أولٍ، وذلك لا يمكن أن يكون بإحداث العبد؛ لأنَّه يكرهُه ويُريد ضدَّهُ؛ فوجب أن يكون من الله - تعالى -.
الثاني: أنَّه تعالى لمَّا خلق الخلق يُحِبُّون المال حُبّاً شديداً، بحيث لا يمكنهُم إزالة هذا الحُبِّ عن النَّفْسِ ألبتَّة، وكان حُصُول هذا الحُبِّ يوجب الإعراض عن خدمة الله وطاعته، ويوجب التَّكبُّر عليه، وترك اللُّزُوم؛ فوجب أن يكون فاعل هذا الكفر، هو الذي خلق الإنسان مجبُولاً على حُبِّ هذا المال والجاه.
الثالث: أنَّ القُدْرة بالنِّسْبَة إلى الضِّدَّين على السَّويَّة، فلا يترجَّحُ أحدُ الطَّرفين على الآخر إلَاّ بمرجِّح، وذلك المُرجِّحُ ليس من العبد، وإلا لعاد الكلام فيه، فلا بُدَّ وأن يكون من الله - تعالى -، وإذا كان كذلك، كانت الهدايةُ والضلال من الله - تعالى -.
وإذا عرفت هذا، فنقول: أما حملهم اللَاّم على لامِ العاقبة فضعيفٌ؛ لأنَّ موسى ﵊ ُ - ما كان عالماً بالعواقب.
فإن قالوا: إنَّ الله تعالى أخبرهُ بذلك.
قلنا: فلمَّا أخبر الله عنهم أنَّهُم لا يُؤمِنُون، كان صدور الإيمان منهم مُحَالاً؛ لأنَّ ذلك يستلزمُ انقلاب خبر الله كذباً، وهو محال، والمفضي إلى المُحال محال.
وأمّا قولهم: يحمل قوله: «لِيُضِلُّوا» على أنَّ المراد: لئلَاّ يُضِلُّوا، كما ذكره الجبائي، فأقول: إنَّه لمَّا فسَّر قوله - تعالى -: ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] نقل قراءة «فمنْ نفسِك» على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار، ثم إنَّه استبعد هذه القراءة، وقال: إنَّها تَقْتَضِي تحريف القرآن، وتغييرهُ، وتفتحُ تأويلات الباطنيَّة - والباطنية هم الملاحدة، ويقال لهم: القرامِطَة، والإسماعيلية القائلون: بأنَّ محمَّد بن إسماعيل نَسَخَ شريعة محمَّد بن عبد الله - ويقال لهم أيضاً: الناصرية أتباع محمد بن نصير، وكان من غلاة الروافض القائلين بالألوهية على توهُّم الدرزية أتباع بنشكين الدرزي، كان من موالي الحاكم أرسله إلى وادي تيم الله بن ثعلبة، فدعاهم إلى ألوهية الحاكم ويسمونه بالبازي، والغلام، ويحلفون به، ويقال لهم: الحرمية والمحمرة، وهم الآن يعرفون بالتيامنة لإسكانهم وادي التيم، ويقال لهم: الحرمية والمحمرة، وهم الآن يعرفون بالتيامنة لإسكانهم وادي التيم، ويقال لهم أيضاً: الفداوية والرافضة، وهم يحرفون كلام الله - تعالى - ورسوله عن مواضعه، ومقصودهم إنكار الإيمان وشرائع الإسلام، ويظهرون لهذه الأمور حقائق يعرفونها، فيقولون: إن الصلوات الخمس معرفة
стр. 6267
أسرارهم، والصيام المفروض من كتمان أسرارهم، وحج البيت زيارة شيوخهم، ويدا أبي لهب أبو بكر وعمر، والبناء العظيم والإمام المبين علي بن أبي طالب، فهم لا تحل ذبائحهم لا يناكحونا، وتجب مجاهدتهم؛ لأنهم مرتدون، قاله ابن تيمية، وبالغ في إنكار تلك القراءة.
وهذا الوجه الذي ذكرهُ هنا شرٌّ من ذلك؛ لأنَّه قلب النَّفي إثباتاً، والإثبات نفياً، وتجويزه بفتح باب ألَاّ يعتمد على القرآن لا في نفيه، ولا في إثباته، وحينئذٍ يبطل القرآن بالكُلِّيَّة، وهذا بعينه هو الجواب عن قوله المراد فيه الاستفهام، بمعنى: الإنكار، فإنَّ تجويزهُ يوجبُ تجويز مثله في سائر المواضع، فلعله - تعالى - إنما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣] على سبيل الإنكار والتعجُّب، ثم قال: ﴿رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ﴾ .
قال مجاهد: أهلكها، والطَّمسُ: المَسْخُ.
وقال أكثر المفسرين: مسخها الله وغيَّرها عن هيئتها.
قال ابن عبَّاس: بلغنا أنَّ الدَّراهم والدَّنانير صارت حجارة منقوشة كهيئتها، صحاحاً وأنصافاً، وأثلاثاً، وجعل سكنهم حجارة.
قال محمد بن كعب: «كان الرجل مع أهله في فراشه، فصارا حجرين، والمرأة قائمة تخبز فصارت حجراً» ودعا عمر بن عبد العزيز بخريطة فيها أشياء من بقايا أهل فرعون، فأخرج منها البيضة منقوشة، والجوزة مشقوقة وهي حجارة.
﴿واشدد على قُلُوبِهِمْ﴾ أي: أقسها واطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان.
قال الواحدي: «وهذا دليلٌ على أنَّ الله يفعل ذلك بمن يشاء، ولولا ذلك لما حسن من موسى هذا السُّؤال» .
قوله: «فَلَا يُؤْمِنُواْ» يحتمل النَّصْبَ والجزمَ، فالنَّصْب من وجهين:
أحدهما: عطفهُ على «لِيُضِلُّوا» .
والثاني: نصبه على جواب الدُّعاءِ في قوله: «اطْمِسْ» ، والجزم على أنَّ «لا» للدُّعاءِ، كقولك: لا تُعذِّبْنِي يا ربِّ، وهو قريبٌ من معنى: «لِيُضلُّوا» في كونه دعاءً، هذا في جانب شبه النَّهي، وذلك في جانب شبه الأمر، و «حتَّى يروا» : غايةٌ لنفي إيمانهم، والأولُ قول الأخفش، والثاني بدأ به الزمخشري، والثالث: قول الكسائي، والفرَّاء؛ وأنشد قول الشاعر: [الطويل]
стр. 6268
٢٩٣٢ - فلا يَنْبَسِطْ منْ بَيْنِ عَيْنَيْكَ ... ولا تَلْقَنِي إلَاّ وأنفُكَ راغمُ
وعلى القول بأنه معطوفٌ على «ليُضِلُّوا» يكون ما بينهما اعتراضاً.
قوله: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا﴾ : الضمير لمُوسى وهارُون.
قيل: كان موسى يدعو وهارون يُؤمِّن، فنسب الدعاء إليهما؛ لأنَّ المؤمن أيضاً داعٍ؛ لأنَّ قوله: «آمين» أي: استجب.
وقيل: المراد موسى وحده، ولكن كنًى عن الواحد بضمير الاثنين.
وقيل: لا يبعُد أن يكون كلُّ واحدٍ منهما ذكر هذا الدُّعاء؛ غاية ما في الباب أن يقال: إنَّما حَكَى هذا الدعاء عن موسى، بقوله: ﴿وَقَالَ موسى رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً﴾ إلَاّ أنَّ هذا لا ينافي أن يكون هارون ذكر ذلك الدعاء أيضاً.
وقرأ السلمي، والضحاك: «دَعواتُكُما» على الجمع.
وقرأ ابن السَّميفع: «قَدْ أجبتُ دعوتكما» بتاء المتكلم، وهو الباري - تعالى -، «دَعوتَكُمَا» نصب على المفعول به.
وقرأ الرِّبيع: «أجَبْتُ دعوتيكُما» بتاء المتكلم أيضاً، ودعوتيكما تثنيةٌ، وهي تدلُّ لمن قال: إنَّ هارون شارك موسى في الدُّعاء.
قوله: «فاسْتَقِيمَا» أي: على الدَّعوة والرِّسالة، وامضيا لأمري إلى أن يأتيهم العذابُ، قال ابن جريج: لبث فرعون بعد هذا الدُّعاء أربعين سنة.
«وَلَا تَتَّبِعَانِّ» : قرأ العامَّةُ بتشديد التاء والنون، وقرأ حفص بتخفيف النُّون مكسورة، مع تشديد التَّاء وتخفيفها، وللقُرَّاء في ذلك كلامٌ مضطربٌ بالنِّسبة للنَّقْلِ عنهُ.
فأمَّا قراءةُ العامَّة، ف «لا» فيها للنَّهي، ولذلك أكَّد الفعل بعدها، ويضعفُ أن تكون نافية؛ لأنَّ تأكيد المنفيِّ ضعيفٌ، ولا ضرورة بنا إلى ادِّعائه، وإن كان بعضهم قد ادَّعى ذلك في قوله: ﴿لَاّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ﴾ [الأنفال: ٢٥] لضرورةٍ دعتْ إلى ذلك هناك،
стр. 6269
وقد تقدَّم تحريره في موضعه، وعلى الصحيح تكون هذه جملة نهيٍ معطوفة على جملة أمرٍ.
قال الزجاج: «ولا تتَّبعانِّ» : موضعه جزم، تقديره: ولاتتَّبِعَا، إلَاّ أنَّ النُّون الشديدة، دخلت على النهي مؤكدة وكسرت لسكونها، وسكون النون التي قبلها، فاختير لها الكسرة، لأنها بعد الألف تشبه نون التثنية.
وأمَّا قراءة حفص، ف «لَا» : تحتمل أن تكون للنَّفي، وأن تكون للنَّهْي.
فإن كانت للنفي، كانت النون نون رفعٍ، والجملة حينئذٍ فيها أوجه:
أحدها: أنَّها في موضع الحال، أي: فاسْتقيمَا غيرَ مُتَّبِعيْنِ، إلَاّ أنَّ هذا مُعترض بما قدَّمْتُه من أنَّ المضارعَ المفيَّ ب «لا» كالمثبت في كونه لا تباشره واو الحال، إلَاّ أن يقدَّر قبلهُ مبتدأ، فتكون الجملة اسميَّة أي: وأنتما لا تتَّبعَان.
والثاني: أنَّهُ نفيٌ في معنى النَّهي؛ كقوله - تعالى -: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَاّ الله﴾ [البقرة: ٨٣] .
الثالث: أنَّها خبرٌ محضٌ مستأنف، لا تعلُّق له بما قبله، والمعنى: أنَّهُمَا أخبرا بأنَّهما لا يتَّبعانِ سبيل الذين لا يعلمون.
وإن كانت للنَّهي، كانت النون للتوكيد، وهي الخفيفة، وهذا لا يراه سيبويه، والكسائي، أعني: وقوع النون الخفيفة بعد الألف، سواء كانت الألف ألف تثنية، أو ألف فصلٍ بين نُون الإناث، ونون التوكيد، نحو «هل تضربنانِ يا نسوة» وقد أجاز يونس، والفرَّاء: وقوع الخفيفة بعد الألف وعلى قولهما تتخرَّج القراءةُ، وقيل: أصلها التشديد، وإنَّما خففت للثقل فيها؛ كقولهم: «رُبَ» في «رُبَّ» .
وأمَّا تشديدُ التاء وتخفيفها، فلغتان، من اتَّبَع يتَّبع، وتَبع يتْبَع، وقد تقدَّم [الأعراف: ١٧٥] هل هما بمعنى واحد، أو مختلفان في المعنى؟ وملخصه: أنَّ تتبعه بشيءٍ: خلفه، واتَّبعه كذلك، إلَاّ أنه حاذاهُ في المشي واقتدى بِهِ، وأتبعه: لحقهُ.
فصل
المعنى: لا تسلك طريق الجاهلين الذين يظنُّون أنه: متى كان الدعاء مُجاباً، كان المقصُود حاصلاً في الحال، فربما أجاب الله تعالى الإنسان في مطلوبه، إلَاّ أنَّه يوصله إليه في وقته المقدَّر؛ فإنَّ وعد الله لا خلف له، والاستعجال لا يصدر إلا من الجُهَّال؛ كما قال لنُوح ﵊ ُ - ﴿إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ [هود: ٤٦] ، وهذا النَّهي لا يدلُّ على صدور ذلك من موسى ﵊ ُ - كما أن قوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] لا يدل على صدور الشرك منه.
стр. 6270
قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا ببني إِسْرَائِيلَ البحر﴾ الآية.
قد تقدَّم الكلام في نظير الآية [الأعراف: ١٣٨] ، وقرأ الحسن، «وجوَّزْنَا: بتشديد الواو.
قال الزمخشري: وجوَّزْنَا: من أجَازَ المكان، وجَاوَزهُ، وجوَّزَهُ، وليس من» جَوَّز «الذي في بيت الأعشى: [الكامل]
٢٩٣٣ - وإذَا تُجَوِّزُها حِبَالُ قَبيلَةٍ ... أخَذَتْ مِنَ الأخْرَى إلَيْكَ حِبَالَهَا
لأنَّه لو كان منه لكان حقَّهُ أن يقال: وجَوَّزْنَا بني إسرائيل في البحر؛ كما قال: [الطويل]
٢٩٣٤ - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... كمَا جَوَّزَ السَّكِّيَّ في البَابِ فَيْتَقُ
يعني أنَّ فعَّل بمعنى فاعل وأفْعَل، وليس التضعيفُ للتَّعدية، إذ لو كان كذلك لتعدَّى بنفسه كما في البيت المشار إليه دون الباء.
وقرأ الحسن:» فاتَّبَعَهُمْ «بالتَّشديد، وقد تقدَّم الفرقُ.
قال القرطبيُّ: يقالُ: تَبعَ، وأتْبع بمعنى واحد إذا لحقهُ، واتَّبَع - بالتَّشديد - إذا صار خلفهُ، وقال الأصمعيُّ: يقال: أتبعه - بقطع الألف - إذا لحقه، وأدْرَكَهُ، واتَّبَعَه بوصل الألفِ - إذا اتَّبَع أثره وأدركهُ، أو لم يدركهُ، وكذلك قال أبُو زيدٍ، وقرأ قتادة:» فأتبعهم «بوصل الألف وقيل: اتبعهُ - بوصل الألف في الأمْرِ - اقتدى به، وأتبعه بقطع خيراً وشرّاً. هذا قولُ أبي عمرو. وقيل: بمعنى واحدٍ.
قوله:» بَغْياً وَعَدْواً «يجُوزُ أن يكونا مفعولين من أجلهما أي: لأجل البغيْ والعَدْوِ،
следующие страницы →