Полный текст (12 961 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.
стр. 6651
ويقول: هكذا يُعوذُ إبراهيم إسماعيل وإسحاق صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ورُوِيَ عن عبادة بن الصَّامت ﵁ قال: «دَخَلْتُ على رسُولِ الله ﷺ َ في أوَّلِ النَّهارِ فَرَأيْتهُ شَديدَ الوَجع، ثُمَّ عدت إليْهِ آخِرَ النَّهارِ فوَجَدتهُ مُعَافى، فقال:» إنَّ جِبْريلَ ﵊ ُ أتَانِي فرقَانِي، فقال: بسمِ اللهِ أرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيءٍ يُؤذِيكَ، ومِنْ كُلِّ عَيْنٍ وحَاسدٍ اللهُ يَشْفِيكَ، قال صلواتُ اللهِ وسلامُه عليْهِ فأفَقْتُ «.
» وأتِيَ بابْنَي جَعْفَرٍ ﵁ إلى رسول الله ﷺ َ وكانوا غلماناً بيضاً، فقيل: يا رسول الله «إنَّ العيْنَ تسرعُ إليْهِمَا، أفأسْتَرقِي لهُمَا مِنَ العيْنِ، فقال صلوات الله وسلامه عليه: نَعَم» .
«ودخل رسول الله بيت أم سلمة ﵄ وعندها صَبِيٌّ يَشْتَكِي فقَالُوا يَا رَسُول اللهِ: أصَابَتْهُ العَيْنُ، فقال ﷺ َ:» ألا تَسْتَرقُونَ لَهُ مِنَ العَيْنِ «.
وقال ﷺ َ:» العَيْنُ حقٌّ ولوْ كَانَ شَيءٌ يَسْبِقُ القَدرَ لسَبقَتِ العيْنُ القدرَ «.
وجاء في الأثرِ:» إن العين تُدخِلْ الرَّجُلَ القبر والجَمَل القِدْرَ «.
وقالت عائشة ﵄:» كَانَ يَأمرُ العَائِنَ أنْ يَتوضَّأ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ المَعِينُ الذي أصيبَ بالعَيْنِ «.
والذين أثبتُوا العين قالوا: إنه يبدو من العَيْنِ أجزاءُ، فتتصل بالشيء المستحسن؛ فتُؤثِّر، وتسري فيه، كما يؤثر السُّم النار، والنصوصُ النبويةُ نطقت به، والتجاربُ من الزمن القديم ساعدت عليه.
وروى الزمخشري في كتاب» ربيع الأبْرارِ «، قال الجاحظُ: علماءُ الفرس، والهندِ، وأطباءُ اليونانيين، ودهاةُ العرب، وأهل التجربة من نازلة الأمصار، وحذَّاق المتكلمين،
стр. 6652
يكرهُون الأكل بني يدي السٍّباع؛ يَخافُونَ عُيُونها؛ لِمَا فيها من النَّهم، والشَّره، ولما ينحلُّ عند ذلك من أجوافها من البخار الرَّديءِ، وينفصل من عيونها إذا خالط الإنسان نقصه وأفسده، وكانوا يكرهون قيام الخدم بالباب والأشربة على رُءُوسهِم مخافة العين، وكانوا يأمرون بإشباعهم قبل أن يأكلوا، وكانوا يقولون في الكلب السِّنورِ: إمَّا أن يطرد، وإمَّا أن يشغل بما يطرح له، قال: ونظيره: أن الرجل يضربُ الحية بعصاً؛ فيموتُ الضاربُ؛ لأنَّ السُّمَّ فصل من الحيةِ، فسرى فيه حتى داخله، ويديم الإنسانُ النظر إلى العين المحمرة؛ فيعتري عينه حمرة.
وعن الأصمعيِّ ﵀: أنَّ عَيُوناً كان يقول: إذا رأت الشَّيْ يعجبني، وجدتُ حرارة تخرج من عيني.
وعنه: كان عندنا عيَّانان، فمرَّ أحدهما بحوض من حجارةٍ، فقال: بالله، ما رأيت كاليوم مثله، فانصدع فلقتين، فصُبَّ، فمرَّ عليه فقال: رأيتك تقل ما خزرت أهْلَكَ فيكَ، فتَطَايَرَ أرْبعاً.
وسمع آخرُ صوت بولِ من وراء جدار فقال: إنَّك تراني كثير الشَّخب جيِّد البول، قالوا: هذا آتيك، قال: وانقطاع ظهراهُ، فقيل: لا بأس فقال: لا يبولُ بعدها أبداً، فما بال حتَّى مات.
وسمع صوت شخب بقرة فأعجبه، فقال: أيتهُنَّ هذه، فواروا بأخرى عنها؛ فهلكتا جميعاً، المُورَى بها، والمُورَى عنها.
والمنقولاتُ في هذا كثيرة؛ فثبت أنَّ الإصابة بالعين حقٌّ، لا يمكن إنكارهُ.
قال القرطبيُّ: وإذا كان هذا معنى الآيةِ؛ فكيون فيها دليلٌ على التَّحرُّزِ من العين، وواجب على كل مسلم إذا أعجبه شيء أن يبرك، فإنه إذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة، ألا ترى لقوله صلوات الله وسلامه عليه: «ألَا برَّكْتَ» فدلَّ على أنَّ العين لا تضرُّ، ولا تعدوا إذا برَّك العَائِنُ، وأنها إنَّما تعدو؛ إذا لم يبرك، والتَّبْرِيكُ أن يقول: «تَبارَك اللهُ أحْسَنُ الخَالقينَ، اللَّهُمَّ بَارِك فِيهِ» وإذا أصاب العائن بعينه؛ فإنَّه يُؤمَرُ بالاغتِسَالِ، ويجبرُ على ذلك إن أبى؛ لأنَّ الأمر للوجوب، ولا سيِّما هنا، فإنَّه يخاف على المعين الهلاك، ولا ينبغي لأحدٍ أن يمنع أخاهُ ما ينتفع به، ولا يضرهُ هو، ولا سيما غذا كان بسببه، كان الجاني عليه.
قال القرطبيُّ: «مَنْ عُرِفَ بالإصاَبَةِ بالعيْنِ مُنِعَ مِنْ مُداخَلةِ النَّاس دفعاً للضَّرُورةِ» .
وقال بعضُ العلماءِ: يأَمره الإمامُ بلزوم بيته، وإن كان فقيراً رزقه ما يقوم بهِ، ويكفّ أذاه عن الناس.
стр. 6653
وقيل: يُنفَى. والَّذي ورد في الحديث أنَّهُ لم ينفِ العَائن، ولا أمره بِلزُومِ بيته ولا حبسه، بل قالوا: يكونُ الرَّجُل الصَّالحُ عائناً، وأنه لا يقدحُ فيه، ولا يفسَّقُ به ومن قال: يحبس، ويؤمر بلزوم بيته؛ فذلك للاحتياط، ودفع ضرره.
قال الجبائيُّ: إنَّ أبناء يعقوب اشتهروا، وتحدَّث النَّاسُ بهم، وبحسنهم، وكمالهم فقال: «لا تَدْخُلُوا» تلك المدينة «مِنْ بابِ واحدٍ» على ما أنتم عليه من العددِ، والهيئة، ولم يأمن عليهم حسد النَّاس، أو قالك لم يأمن عليهم أن يخافهم الملك على ملكه، فحيبسهم.
وهذا وجهٌ محتملٌ لا إنكار فيه إلَاّ أنَّ القول الأوَّل أولى؛ لأنَّه لا امتناع فيه بحسب العقلِ، والعرف كما بيَّنا، والمتقدِّمُون من المفسرين أطبقوا عليه، فوجب المصيرُ إليه.
ونقل عن الحسنِ أنه قال: خاف عليهم العين، فقال: ﴿لَا تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ﴾ ثُمَّ رجع إلى علمه، فقال: ﴿وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ الله مِن شَيْءٍ﴾ ، وعرف أن العين ليست بشيء.
وكان قتادة يفسِّر الآية بإصابة العين، ويقول: ليس في قوله: ﴿وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ الله مِن شَيْءٍ﴾ إبطال له؛ لأن العين، وإن صحّ فاللهُ قادر على دفع أثره.
وقال النَّخعيُّ: كان عالماً بأنَّ مالك مصر هو ولده يوسف إلَاّ أنَّ الله ﵎ ما أذن لهُ في إظهار ذلك، فلمَّا بعث أولاده إليه، وقال: ﴿لَا تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾ ، وكان غرضه أن يصل بنيامني إلى يوسف في وقت الخلوة، وقوله: ﴿وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ الله مِن شَيْءٍ﴾ فالإنسان مأمورٌ بأن يراعي الأسباب المُعتبرة في هذا العالم، ومأمورٌ بأن يجزم بأنَّه لا يصل إليه إلَاّ ما قدره الله تعالى وأنَّ الحذر لا يُنْجِي من القدرِ، فإنَّ الإنسان مأور بالحَذرِ عن الأشياءِ المُهلكةِ، والأغذيةِ الضَّارةِ، وبالسَّعي في تحصيل المنافع، ودفع المضار بقدر الإمكان، ثمَّ مع ذلك ينبغي أن يكن جازماً بأنَّه لا يصل إليه إلَاّ ما قدره الله ولا يحصل في الوجود إلَاّ ما أراد اللهُ، فقوله ﵊ ُ ﴿لَا تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾ إشارة إلى رعاية الأسباب المعتبرة في هذا العالم، وقوله ﴿وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ الله مِن شَيْءٍ﴾ إشارة إلى عدم الالتفات إلى الأسباب وإلى الالتفات إلى التَّوحيدِ المحض، والبراءة عن كُلِّ شيءٍ سوى الله تعالى.
فإن قيل: كيف السَّبيلُ إلى الجمعِ بين هذه القولين؟ .
стр. 6654
فالجوابُ: أنَّ هذا السُّؤال غير مختصٍّ به، فإنه لا نزاع في أنَّه لا بدَّ من إقامة الطَّاعات والاحْترازِ من السَّيئاتِ، مع أنَّا نعتقدُ أنَّ السَّعيدَ من سعد في بطن أمه، والشَّقي من شَقِيَ في بطن أمِّه، فكذ هاهنا.
وأيضاً: نأكلُ، ونشربُ، ونحترزُ عن السموم، وعن الدُّخولِ في النَّار، مع أنَّ الموت والحياة لا يحصلان إلا بتقدير الله ، فكذا ههنا، فظهر أنَّ السؤال ليس مختصًّا بهذا المقام، بل هو بحثٌُ عن سرٍّ مسألة الخيرِ، والشرِّ.
والحقُّ أن العبد يجبُ عليه أن يسعى بأقصى الجهد، والقدرة، وبعد السَّعي البليغ، يعلم أنَّ كل ما يدخل في الوجود لا بُدَّ وأن يكن بمشيئة الله وسابق حكمه، وحكمته.
ثم إنَّهُ تعالى أكَّد هذا المعنى، فقال: ﴿إِنِ الحكم إِلَاّ للَّهِ﴾ ، وهذا من أدلِّ الدَّلائل على صحَّةِ القول بالقضاءِ، والقدر؛ لأنَّ الحكم عبارة عن الإلزام والمنع ومنه سميت حكمة الدَّابَّة بهذا الاسم؛ لأنَّها تمنع الدَّابَّة من الحركاتِ الفاسدةِ والحكم إنَّما يمسى حكماً؛ لأنه يرجح أحد طرفي الممكنِ على الآخر، بحيثُ يصيرُ الطَّرفُ «الآخر» ممتنع الحصولِ، فبيَّن تعالى أنَّ الحكم ليس إلَاّ لله، وذلك يدلُّ على أنَّ جميع الممكنات ترجع إلى قضائه، وقدرته، ومشيئته، وحكمه إمَّا بواسطةٍ، أو بغير واسطةٍ، ولذلك فوَّض يعقوب أمرهُ إلى الله تعالى.
ثم قال: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ اعتمدت: ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون﴾ ، والمعنى: أنَّهُ لمَّا ثبت أنَّ الكُلَّ من الله تعالى ثبت أنَّهُ لا يتوكل إلَاّ على اللهِ .
стр. 6655
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم﴾ الآية في جواب «لمَّا» هذه ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنَّه الحملة المنفيَّةُ من قوله: ﴿مَّا كَانَ يُغْنِي﴾ ، وفيه حجَّةٌ لمن يدَّعي كون [لمَّا] حرفاً لا ظرفاً، إذ لو كانت ظرفاً لعمل فيها جوابها، إذْ لا يصلحُ للعمل سواه لكن ما بعد: «مَا» النَّافية لا يعمل فيها قبلها، ولا يجوز حين قَامَ أبُوكَ مَا قَامَ أخُوكَ، مع جوازِك لمَّا قَامَ أخُوكَ مَا قَامَ أبُوكَ.
والثاني: أنَّ جوابها محذوف، فقدَّشره أبو البقاء ﵀: امتثلوا وقضوا حاجته، وإليه نحا ابن عطيِّة أيضاً.
стр. 6656
وهو تعسًّفٌ؛ لأَنَّ في الكلام ما هو جوابٌ صريحٌ كما تقدَّم.
والثالث: أنَّ الجواب هو قوله: «آوَى» قال أبو البقاء: «وهو جواب:» لمَّا «الأولى، والثانية، كقولك: لمَّا كلَّمْتُكَ أجَبْتَنِي، وحسَّن ذلك أن دخولهم على يوسف صلوات الله وسلامه عليه تعقب دخولهم من الأبواب. يعنى أنَّ» آوَى «جواب الأولى، والثانية، وهو واضحٌ.
فصل
قال المفسرون: لمَّا قال يعقوبُ صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ الله مِن شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٦٧] صدَّق الله يعقوب فميا قاله، أي: وما كان ذلك التَّفيق يغني من الله من شيءٍ.
قال ابن عبَّاس ﵄: ذلك التَّفريق ما كان يرد من قضاء الله تعالى ولا أمراً قدره الله تعالى. وقال الزجاجك لو قدر أن يصيبهم لأصابهم، وهم مُتفرِّقون كما يصيبهم، [وهم مجتمعون] .
وقال ابنُ الأنباري: لو سبق في علم الله تعالى أنَّ العين تهلكهم عند الاجتماع؛ لكان تفرقهم كاجتماعهم، وهذه كلمات متقاربة وحاصلها: أنَّ الحذر لا يدفع القدر.
وقوله:» مِنْ شيءٍ «يحتملُ النَّصب بالمفعولية، والرفع بالفاعلية.
أمَّا الأول فهو كقولك: مَا رأيتُ من أحدٍ، والتقدير: ما رَأيتُ أحداً، كذا ههنا، وتقدير الآية: أن تفرقهم ما كان يغني من قضاء الله شيئاً.
وأما الثَّاني: فكقولك: ما جَاءَنِي من أحدٍ وتقديره: ما جَاءنِي أحدٌ، فيكون التقدير هنا: ما كان يغني عنهم من الله شيء مع قضائه.
قوله: إلَاّ حَاجةٌ» فيه وجهان:
أحدهما: أنه استثناء منقطعٌن وتقديره: ولكن حاجة في نفس يعقوب قضاها، ولم يذكر الزمخشريُّ غيره.
والثاني: أنه مفعولٌ من أجله، ولم يذكر أبو البقاءِ غيره، ويكون التقدير: ما كان يغني عنهم بشيء من الأشياء إلَاّ لأجل حاجة كانت في نفس يعقوب ﵇، وفاعل: «يُغْنِي» ضمير التفريق المدلول عليه من الكلام المتقدِّم. وفيما أجازه أبو البقاءِ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى نظر من حيث المعنى لا يخفى على مُتأمِّلهِ. و «قَضَاهَا» صفة ل: «حاجة» .
فصل
قال بعضُ المفسرين: من تلك الحَاجةِ: خوفهُ عليهم من إصابةِ العينِ وقيل: خوفه عليهم من حسدِ أهل مصرَ، وقيل: خوفه عليهم من أن يصيبهم ملكُ مصر بسُوءٍ.
стр. 6657
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ قال الواحدي: «مَا» مصدريَّة، والهاء عائدةٌ إلى يعقوب صلوات الله وسلام عليه أي: وإنَّ يعقوب لذو علم للشيء الذي علمناه، يعني: أنَّا لما علمناه شيئاً حصل له العلم بذلك الشيء.
والمراد بالعلم: الحفظُ، أي: وإنه لذو حفظ لماعلمناه. وقيل: المراد بالعلم: العمل، أي وإنه لذَوا عمل بفوائد ما علمناه.
ثم قال: ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يَعْلَمُونَ﴾ مثل ما علم يعقوب، لأنهم لم يسلكوا طريق إصابة العلم.
وقيل: لا يعلمون أنَّ يعقوب بهذه الصِّفة.
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: لا يعلم المشركون ما آلهم الله [أولياءه] . فالمراد ب: «أكْثرَ النَّاسِ» المشركون.
стр. 6658
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ﴾ قالوا: هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به قد جئنا به، فأكرمهم، وأحسن إليهم، وأجلس كل اثنين على مائدة، فبقي بنيامين وحده، فقال: لو كان أخي يوسف حيًّا لأجلسني معه فقال يوسف: بقي أخوكم وحيداً؛ فأجلسه معه على مائدته؛ فجعل يُؤاكلهُ فلما كان اللَّيل أمر لهم بمثل ذلكح فأمر أن ينزل كل اثنين منهم بيتاً، وقال: هذا لا ثاني له أخذه معي، فآواه إليه، فلمَّا خلا به قال: ما اسمك؟ قال: بنيامين قال: وما بنيامين؟ قال: أبنْ المُيكلِ. وذلك أنَّه لما ولد؛ هلكت أمُّه، قال: وما اسم أمك، قال راحيل بن لاوي، فلمَّا تأسُّفهُ على أخ له هلك، فقال له أتحبُّ أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال: ومن يجدُ أخاً مثلَك، ولكنَّك لم يلدك يعقوب ولا راحيلُ، فَبكَى يوسف صلوات الله وسلامه عليه، وسار إليه [وعَانقَهُ] .
و: ﴿قَالَ إني أَنَاْ أَخُوكَ﴾ قال وهبٌ: لم يُرِدْ أنه أخوه من النَّسب، وإنَّما أراد به: إني أقُومُ لك مقَامَ أخيك في الإيناس، لئلا تستوحش بالأنفراد.
والصحيحُ: ما عليه سائرٌ المسِّرين من أنَّهُ أراد تعريف النَّسب؛ لأنَّ ذلك أقوى في إزالة الوحشة، وحصول الأنس، والأصل في الكلام الحقيقة.
стр. 6659
﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ قال أهل اللغة: تَبْتَئِسْ: تَفْتَعِل من البُؤسِ وهو الضَّررُ والشِّدةُ، والابتِئَاس: اجتِلابُ الحُزْنِ والبُؤسِ.
وقوله: ﴿بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ من إقامتهم على حسدنا، والحرص على انصراف وجه أبينا عنَّا.
وقال ابنُ إسحاق وغيره: «أخبره بأنَّه أخوه حقيقة، واستكتمه، وقال لهُ: لا تُبَالِي بكلِّ ما تراه من المكوره في تحيلي في أخذك منهم» .
وعلى هذا التَّأويل يحتمل أن يشير بقوله: ﴿بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ إلى ما يعمله فتيان يوسف من أمر السِّقاية، ونحو ذلك.
وقيل: إنَّ يوسف صلوات الله وسلامه عليه ما بقي في قلبه شيءٌ من العداوةِ وصار صافياً لإخوته؛ فأراد أن يجعل قلب أخيه صافياً معهم أيضاً، فقال: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: لا تلتفت إلى صنيعهم فيم تقدَّم.
وقيل: إنما فعلوا بيوسف ما فعلوا حسداً لإقبال الأب عليه، وتخصيصه بمزي الإكرام فخاف بنيامين أن يحسدوه، بسبب تخصيص الملكِ له بالإكرام، فآمنه منهم، وقال ك لا تفتلت إلى ذلك، فإنَّ الله قد جمع بيني وبينك.
وروى الكلبيُّ عن ابن عبَّاسٍ: ﵄ أنَّ إخوة يوسف ﵇: كانوا يُعيِّرُونَ يوسف، أخاه بسبب أنَّ جدهما أبا أمَّهما كان يعبدُ الأصنام، فإنَّ أمَّ يوسف أمرت يوسف بسرقة جونة كانت لأبيها، فيها أصنام رجاء أن يترك عبادتها، إذا فقدها، فقال له: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: من التَّعيير لنا مبما كان عليه جدّنا. اللهُ أعلم.
стр. 6660
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السقاية فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ .
تقدَّم الكلامُ في الجهَازِ. أمَّا قوله: ﴿جَعَلَ السقاي﴾ فالعامة على: «جعلش» بلا واو قبلها، وقرأ عبدُ الله «وَجَعَلَ» وهي تحتمل وجهين:
أحدهما: أن الجواب محذوفٌ.
стр. 6661
والثاني: أنَّ الواو مزيدة في الجواب على رأي الكوفيين، والأخفش.
قال أبو حيَّان: وقرأ عبدُ الله فيما نقل عن الزمخشري ﴿وجعل السقاية في رحل أخيه﴾ : أمْهَلهُمْ حتّى انطلقوا. ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ ، وفي نقل ابنِ عطيَّة: «وَجَعلَ» بزيادة واوٍ في: «جَعَلَ» دون الزيادة التي زادها الزمخشريُّ، بعد قوله: «في رَحْل أخيهِ» فاحتمل أن تكون الواو زائدة على مذهب الكوفيِّين، واحتمل أن يكون جواب: «لمَّا» محذوفاً تقديره: فقدها حافظها كما قيل: إنَّما أوحي إلى يوسف بأن يجعل السِّقاية فقطن ثمَّ إنَّ صاحبها فقدها فنادى برأيه فيما ظهر له، ورجَّحهُ الطبريُّ، وتفتيتش الأوعية يردُّ هذا القول.
قال شهابُ الدِّين: «لم ينقل الزمخشريُّ هذه الزِّيادة كلها قراءة عن عبد الله، إنَّما جعل [الزِّيادة] المذكورة بعد قوله:» رحْلِ أخِيهِ «تقدير جواب من عنده، وهذا نصُّه:
قال الزمخشريُّ:» وقرأ ابنُ مسعودٍ: وجَعَلَ السِّقاية «على حذف جواب» لمَّا «كأنه قيل: فلمَّا جهزهم بجهازهم، وجعل السِّقاية في رحل أخيه؛ أمهلهم حتى انطلقوا، ثمَّ أذَّن مؤذِّنٌ» فهذا من الزمخشريُّ إنما هو تقدير لا تلاوة منقولة عن عبد الله، ولعلَّهُ وقع للشَّيخ نسخةٌ سقيمةٌ «.
فصل
قال الزمخشريُّ:» السِّقاية: مَشْربةٌ يُسْقَى بها وهِيَ الصواع «.
قيل: كَانَ يُسْقى بها الملكُ، ثُمَّ جعلت صاعاً يكالُ به، وقيل: كانت الدَّوابُّ تسقى بها، ويُكَالُ بِهَا أيضاً، وقيل: كانت من فضَّةٍ، وقيل: كَانتْ من ذهَبٍ، وقيل: كَانتْ مُرصَّعة بالجَواهرِ.
والأولى أن يقال: كان ذلِكَ الإنَاء شيئاً لهُ قِيمَة، أمَّا إلى هذا الحدِّ الذي ذكروهُ فَلاً؟
فصل
روي أنَّ يوسف صلوت الله وسلامه عليه قال لأخيه: لا تُعْلِمهُمْ شيئاً ممَّا أعلمتك، ثمَّ أوفى يوسف لإخوته الكيل، وحمل لكلِّ واحدٍ بعيراً، ولبنيامين بعيرٌ باسمه، ثمَّ أمر بسقاية الملك، فجعلت في رحل بنيامين.
قال السديُّ ﵀: لما قال له يوسف: ﴿إني أَنَاْ أَخُوكَ﴾ [يوسف: ٦٩] قال بنيامني: فأنا لا أفارقك، فقال له يوسف: قد علمت اغتمام والدي بي، وإذا أجلستك، ازداد غمه ولا يمكنني هذا إلَاّ بعد أن أشهرك بأمر فظيع، وأنسبك إلى ما لا يُحْمدُ، قال لا أبالي
стр. 6662
فافعل ما بدا لك؛ فإني لا أفارقك، قال: فإنِّي أدس صاعي في رحلك، ثمَّ أنادي عليك بالسِّرقةِ ليتهيأ لي ردّك بعد تسريحك، قال: فافعل.
فعند ذلك جعل السِّقاية في طعام أخيه بنيامين، إمَّا بنفسه بحيثُ لم يطِّلعْ عليه أحدٌ، أو أمر أحداً من بعض خواصه بذلك، ثمَّ ارتحلوا وأمهلهم يوسف حتَّى نزلوا منزلاً.
وقيل: حتَّى خرجوا من العمارة، ثمَّ بعث خلفهم من استوقفهم، وحبسهم.
﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نادى منادٍ: ﴿أَيَّتُهَا العير﴾ ، وهي القافلةُ التي فيها الأحمال، يقال: أذَّن، أي: أعلمَ.
وفي الفرق بين «أذَّنَ» ، و «آذَنَ» وجهان:
قال ابن الأنباريِّ: «أذن بمعنى أعلم إعلاماً بعد إعلام، لأنَّ» فعَّل «يوجب تكرير الفعل، قال: ويجوز أن يكون إعلاماً واحداً، من قبل أنَّ العرب يجعل فعَّل بمعنى أفعل، في كثير من المواضع» .
وقال سيبويه: الفرقُ بين أذنتُ وآذنْتُ معناه: أعلمتُ، لا فرق بينهما والتَّأذينُ معناه: النِّداءُ، والتَّصويتُ بالإعلام.
﴿أَيَّتُهَا العير﴾ منادى حذف منه حرف النِّداء، والعير مؤنثٌ، ولذلك أنث أي المتوصل بها إلى ندائه، والعير فيها قولان:
أحدهما: أنها في الأصل جماعة الإبل، سُمِّت بذلك؛ لأنها تعير، أي: تذهب وتجيء به.
والثاني: أنَّها في الأصل قافلة الحمير؛ كأنها جمع عير، والعِيرُ: الحِمارُ؛ قال الشاعر: [البسيط]
٣١٢١ - ولَا يُقِيمُ عَلى ضَيْمٍ يُرادُ بِهِ ... إلَاّ الأذَلانِ عَيْرُ الحيِّ والوَتِدُ
وأصلُ «عُيْرٌ» ، بضم العين، ثمَّ فعل به ما فعل ب «بيض» ، والأصل [بُيض] بضم الأول، ثم أطلق العير على كلِّ قافلة حميرٍ كُنَّ أو غيرها، وعلى كلِّ فتقدير نسبة النداء إليها على سبيل المجاز؛ لأنَّ المنادى في الحقيقة أهلها، ونظره الزمخشريُّ بقوله: «يَاخَيْل اللهِ ارْكبِي» ولو التفت لقال: اركَبُوا «. ويجوز أن يعبر عن أهلها بها للمجاورة، فلا يكون من مجاز الحذف، بل من مجاز العلاقة، وتجمعه العرب قاطبةٌ على» عيرات «بفتح الياءِ، وهذا ممَّا اتُّفق على شذوذِهِ؛ لأن فعلة المعتلة العين حقها في جمعها بالألف
стр. 6663
والتاء أن تسكن عينها، نحو: قِيمَة وقِيمَات، ودِيمَة ودِيمَات، وكذلك» فِعْل «دون ياء إذا جمع حقه أن تسكن عينه؛ قال امرؤ القيس: [الطويل]
٣١٢٢ - غَشِيتُ دِيَارَ الحيِّ بالبَكرَاتِ ... فعَارِمَةٍ فبُرْقَةِ العِيَراتِ
قال الأعلمُ الشَّنتمَرِيُّ: العِيرَات هنا موضع الأعيار، وهي الحمر.
قال شهابُ الدِّين:» وفي عِيرَات «شذوذ آخر، وهو جمعها بالألف، والتَّاء مع جمعها على أعيار أيضاً جمع تكسيرٍ، وقد نصُّوا على ذلك، قيل: ولذلك لحن المتنبي في قوله: [الطويل]
٣١٢٣ - إذَا كَانَ بَعَث النَّاسِ سُيْفاً لِدوْلَةٍ ... فَفِي النَّاس بُوقاتٌ لهَا وطُبُولُ
قالوا: فجمع:» بُوقاً «على:» بُوقَات «مع تكسيرهم له على» أبْوَاق «.
وقال أبُو الهيثم:» كلُّ ما يسير عليه من الإبل، والحمير، والبغال فهو عير خلافاً لقول من قال: العيِرُ: الإبلُ خاصَّة «.
فإن قيلك هل كان ذلك النداء بأمر يوسف ﵇، أو ماكان بأمره؟ فإن كان بأمره فكيف يليق الرًَّسُول الحق من عند الله أن يتهمهم وينسبهم إلى السرقة كذباً وبهتاناً؟ .
وإنْ لم يكن بأمره، فهلا أظهر براءتهم عن تلك التُّهمةِ؟ .
فالجواب من وجوه:
الأول: ما تقدَّم من أنَّه صولات الله وسلامه عليه أظهر لأخيه أنَّه يوسف وقال: لا سبيل إلى حبسك هنا إلَاّ بهذه الحيلة، فرضي أخوهُ بها، ولم يتألم قلبه.
والثاني: أراد إنكم لسارقون يوسف من أبيه، والمعاريض لا تكون إلا كذلك.
والثالث: أن [المؤذن] إنما نادى مستفهماً.
والرابع: هو الظاهر أنَّهم نادوا من عند أنفسهم؛ لأنهم طلبوا السِّقاية فلم يجدوها، ما كان هناك غيرهم، فغلب على ظنهم أنَّهم هم الَّذين أخذوها، وليس في القرآن أنَّهم نادوا عن أمر يوسف صلوات الله وسلامه عليه.
وقيل: إنَّهم لما كانوا باعوا يوسف استجاز أن يقال لهم هذا، وأنَّه عوقب على ذلك بأن قالوا: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] .
стр. 6664
وقيل: أراد أيتها العيرُ حالكم حال السارق، والمعنى: إن شيئاً لغيركم صار عندكم، من غير رضى الملك، ولا علم له.
وقيل: إنَّ ذلك كان حيلة لاجتماع شمله بأخيه، وفصله عنهم إليه، وهذا بناءً على أنَّ بنيامين لم يعلم بدسّ الصَّاع في رحله، ولا أخبره بنفسه.
وقيل: معنى الكلامِ: الاستهفام، أي: أو إنكم لسارقون، كقوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] والغرضُ ألا يعزى الكذب إلى يوسف.
فإن قيل: كيف رضي بنيامين بالقعود طوعاً، وفيه عقوق الأب بزيادة الحزن، ووافقه على ذلك يوسف؟ .
فالجواب: أنَّ الحزن كان قد غلب على يعقوب بحيث لا يؤثِّر فيه فقد بنيامين كل التأثير، ألا تراهُ لما فقده قال: ﴿يا أسفا على يوسف﴾ ، ولم يعرج على بنيامين ولعلَّ يوسف إنَّما وافقه على القعود بوحي، فلا اعتراض.
قوله: ﴿وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ﴾ هذه الجملة حاليةٌ من فاعل قالوا أي: قالوا: وقد أقبلوا، أي: في حال إقبالهم عليهم.
﴿مَّاذَا تَفْقِدُونَ﴾ تقدم الكلام على هذه المسألة أوَّل الكتاب.
وقرأ العامة: «تَفْقِدُونَ» بفتح حرف المضارعة؛ لأن المستعمل منه «فَقَدَ» ثلاثياً وقرأ السلميُّ بضمةٍ من أفقدتُّه إذا وجدته مفقوداً كأحمدتهُ وأبخلته، [إذا] وجدته محموداً وبخيلاً.
وضعَّف أبو حاتمٍ هذه القراءة، ووجهها ما تقدَّم.
قوله: ﴿نَفْقِدُ صُوَاعَ الملك﴾ «الصَّواعُك هو المِكْيَال، وهو السِّقاية المتقدِّمة سمَّاه تارة والسِّقايةُ: وصفٌ.
وقيل:» ذُكِّرَ؛ لأَنَّه صاعٌ، وأنْثَ لأنَّهُ سِقايَة.
والصّواع السّقاية: إناءٌ له رأسان في وسطه مقبض، كان الملك يشربُ منه من الرَّأسِ الواحدة ويكالُ الطَّعام بالرَّأسِ الآخرِ.
стр. 6665
وقال ابن عباس ﵄: كلُّ شيء يُشربُ به فهو صُواعٌ؛ وأنشد: [الخفيف]
٣١٢٤ - نَشْرَبُ الخَمْرَ بالصُّواعِ جِهَاراً..... ... ... ... ... ... ...
قيل: إنما كان الطعَّام بالصَّواع مبالغة في إكرامهم.
وقال مجاهدٌ، وأبو صالح: الصُّواع الطرجهالة بلغة حميرٍ. وإنَّما اتخذ هذا الإناء مكيلاً لعزة ما يكال به في ذلك الوقت. وفيه قراءات كلُّها لغات في ذلك الحرف، ويُذكِّر، ويؤنَّث فالعامة: «صُوَاع» بزنة: «غُرَاب» ، العين مهملة، وقرأ ابن جبير، والحسن كذلك إلَاّ أنه بالغين المعجمة وقرأ يحيى بن يعمر كذلك؛ إلا أنه حذف الألف، وسكن الواو، وقرأ زيد بن عليِّ «صَوْغ» كذلك إلا أنه فتح الصَّاد، وجعله مصدراً ل: «صَاغَ» يَصُوغُ. والقراءتان [قبله] مشتقان منه وهو واقع موقع مفعول. أي: مصوغ الملك.
وقرأ أبو حميرة وابن جبير والحسن ﵃ في رواية عنهما «صِواعَ» كالعامة إلا أنهم كسروا الفاء. وقرأ أبو هريرة ومجاهد ﵄: «صَاع» بزنة بَاب وألفه كألفه في كونها منقلبة عن واو مفتوحة وقرأ أبو رجاء: «صَوْع» بزنة «قَوْس» .
وقرأ عبد الله بن عون كذلك إلا أنه ضم الفاء فهذه ثمان قراءات متواترة وواحدة في الشاذ.
قوله: ﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أي من الطعام، ﴿وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾ .
قال مجاهد: الزعيم هو المؤذن الذي أذن، والزعيم: الكفيل.
قال الكلبيُّ: الزَّعيمُ: هو الكفيل بلسانِ أهل اليمنِ.
стр. 6666
روى أبو عبيدة عن الكسائيِّ: زعمْتُ بِهِ أزعُم زُعْماً وزَعَامَةً، أي: تكفلت به.
وهذه الآية تدلُّ على أنَّ الكفالة كانت صحيحة في شرعهم، وقد حكم بها رسول الله ﷺ َ في قوله: «الزَّعيمُ غَارِمٌ» .
فإن قيل: هذه الكفالةُ شيءٌ مجهولٌ؟ .
فالجواب: حمل البعير من الطَّعام كان معلوماً عندهم، فصحت الكفالةُ به إلَاّ أن هذه الكفالة ما لرد السَّرقة، وهي كفالةٌ بما لم يجب؛ لأنَّه لا يحلُّ للسَّارقِ أن يأخذ شيئاً على ردّ السِّرقةِ، ولعلّ مثل هذه الكفالة كانت تصحُّ عندهم.
فصل
قال القطربيُّ: «تجوز الكفالةُ عن الرِّجلُ؛ لأنَّ المؤذن هو الضَّامنُ وهو غير يوسف صلوات الله وسلامه عليه.
قال علماؤنا: إذا قال الرجلُ: تحمَّلتُ، أو [تكفلت] أو ضمِنتُ، أو أنا حميلٌ لكل أو زعيمٌ، أو كفيلٌ، أو ضامنٌ، أو قبيلٌ، أو لك عندي، أو علي، أو إليّ، أو قبلي، فذلك كلُّه [حَمالةٌ] لازمةٌ.
واختلفوا فيمن تكفل بالنفس، أو بالوجه هل يلزمه ضمانُ المالِ» .
فقال الشافعيُّ ﵁ في المشهور عنه، وأحمد: مَن تكفَّل بالنَّفس لم يلزمه الحقٌّ الذي على المطلوب إن ماتَ.
وقال مالكُ، والليثُ، والأوزاعيُّ: إذا تكفل نفسه، وعليه مال، فإن لم يأت به غرم المال، ويرجع به على المطلوب، فإن اشترط ضمان نفسه، أو وجهه، وقال: لا أضمن المال، فلا شيء عليه من المال «.
فصل
واختلفوا فيما إذا تكفَّل رجلٌ عن رجلٍ بمالٍ، هل للطالب أن يأخذ من شاء منهما؟ .
فقال الأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأحمد، وإسحاق: يأخذ من شاء منهما، وهذا كان قولم مالكٍ، ثمُّ رجع عنه فقال: لا يأخذُ من الكفيل إلَاّ أن يفلس الغريمُ، أو يغيبُ؛ لأنَّ البداءة بالذي عليه الحق أولى إلَاّ أن يكون معدماً، فإنَّه يأخذُ من الحميل؛ لأنه معذورٌ في أخذه في هذه الحالةِ، وهذا قولٌ حسنٌ، والقياسُ: أنَّ للرَّجُلِ مطالبة من شاء منهما.
стр. 6667
وقال ابنُ أبي ليلى: إذا ضمن الرَّجلُ عن صاحبه مالاً؛ تحوَّل على الكفيل، وبرىء الأصيل، إلَاّ أن يشترط المكفول له عليهما أن يأخذ من أيهما شاء.
قوله «تاللهِ» التاء حرف قسم، وهي عند الجمهور بدل من واو القسم ولذلك لا تدخل إلَاّ على الجلالة المعظمة، أو الرب مضافاً للكعبة، أو الرحمن في قول ضعيف، ولو قلت: تالرحْمن «لم يجز، وهي فرعُ الفرعِ. وهذا مذهب الجمهور.
وزعم السيهليُّ: أنهَّا أصلٌ بنفسها، ويلازمها التَّعجب غالباً كقوله: (تالله تفتأ تذكر يوسف) .
وقال ابنُ عطيَّة:» والتَّاء في «تَاللهِ» بدلٌ من واو، كما أبدلت في تراثٍ، وفي التَّوراةِ، وفي التخمة، ولا تدخلُ التَّاء في القسم، إلَاّ في المكتوبة، من بين أسماء الله تعالى وغير ذلك لا تقول تالرحمنِ، وتَا الرَّحيم «انتهى وقد تقدَّم أنَّ السُّهيليَّ خالف في كونها بدلاً من واوٍ.
وأمَّا قوله:» في التَّوراةِ «يريد عند البصريين، وزعم بعضهم أنَّ التَّاء فيها زائدةٌ، وأمَّا قوله» إلا في المكتُوبَةٍ «هذا هُوا المشهور، وقد تقدَّم دخولها على غير ذلك.
قوله:» مَا جِئْنَا «يجوز أن يكون معلقاً للعلم، ويجوز أن يضمن العلم نفسه معنى القسم فيجاب بما يجاب به القسم، وقيل هذان القولان في قول الشاعر: [الكامل]
٣١٢٥ - ولقَدْ عَلمْتُ لتأتِينَّ مَنيِّتِي ... إنَّ المَنايَا لا تَطِيشُ سِهَامُهَا
قوله ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ يحتمل أن يكون جواباً للقسم فيكونون قد أقسموا على شيئين: نفي الفساد، ونفي السَّرقة.
فصل
قال المفسرونك حلفوا على أمرين:
أحدهما: على أنهم ما جاءوا لأجل الفسادِ في الأرض؛ لأنَّه ظهر من أحوالهم وامتناعهم من التصرف في أموال النَّاس بالكليَّة لا بأكل، ولا بإرسال في مزارع النَّاس حتَّى روي أنهم كانوا يسدون أفواه دوابهم لئلا يفسد زرع النَّاس، وكانوا مواظبين على أنواع الطَّاعات.
стр. 6668
والثاني: أنهم ما كانوا سارقين، وقد حصل لهم في شاهد قاطع، وهو أنهم لما وجدوا بضاعتهم في رحالهم حملوها من بلادهم إلى مصر، ولم يستحلُّوا أخذها والسارق لا يفعل ذلك ألبتَّة، فلمَّا بينوا براءتهم من تلك التهمة قال أصحابُ يوسف صلوات الله عليه: ﴿فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾ فأجابوه، ﴿قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ قال ابن عباسٍ ﵄: كانوا يستعبدون في ذلك الزمان كُلَّ سارقٍ بسرقته، فلذلك قالوا: ﴿جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ أي: فالسَّارقُ جزاؤه، أي: فيسلم السَّارق إلى المسرُوق منه، وكان سنة آل يعقوب في حكم السَّارق، وكان حكم ملك مصر أن يضرب السَّارق، ويغرمه قيمة المسروق، فأراد يوسف أن يحبس أخاه عند فردَّ الحكم إليهم؛ ليتمكن من حبسه عنده على حكمهم.
قوله تعالى: ﴿جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدهما: أن يكون «جَزاؤهُ» مبتدأ، والضمير للسَّارق، و «مَنْ» شرطيَّة أو موصولة مبتدأ ثاني، والفاء جواب الشَّرط، أو مزيدة في خبر الموصول لشبهه بالشَّرطِ و «مَنْ» وما في حيزها على وجهيها خبر المبتدأ الأوَّلِ، قاله ابن عطيَّة، وهو مردودٌ؛ لعدم رابط بين المبتدأ، وبين الجملة الواقعة خبراً عنه، هكذا ردَّه أبو حيَّان عليه.
وليس بظاهر؛ لأنَّه يجاب عنه بأن هذه المسألة من باب إقامة الظاهر مقام الضمير ويتَّضح هذا بتقدير الزمخشري ﵀ فإنَّه قال: «ويجوز أن يكون» جَزاؤهُ «مبتدأ، والجملة الشرطية كما هي خبره، وعلى إقامة الظَّاهر فيها مقام المضمر، والأصل: جزاؤه، من وجد في رحله فهو هو، فوضع الجزاء موضع» هو «كما تقول لصاحبك: مَنْ أخُوا زيدٍ؟ فيقول لك: من يقْعُد إلى جَنْبِهِ فهُوا هو يرجع الضمير الأول إلى:» مَنْ «، والثاني إلى الأخِ، فتقولُ:» فهو أخوه «مقيماً الظاهر مقام المضمر» .
وأبو حيان جعل هذا المحكيّ عن الزَّمخشري وجهاً ثانياً بعد الأوَّلِ، ولم يعتقد أنه هو بعينه، ولا أنه جوابٌ عما ردَّ به على ابن عطيَّة.
ثمَّ قال: «وضع الظَّاهر موضع المضمر للرَّبطِ، وإنَّما هو فيصحٌ في مواضع التفخيم والتَّهويل، وغير فصيح فيما سوى ذلك، نحو: قام زيدٌ، وينزه عنه القرآن.
قال سيبويه:» لو قلت: كان زيدٌ منطلقا زيدٌ «لم يكن حدُّ الكلام وكان ههنا ضعيفاً، ولم يكن كقولك: مازيدٌ مُنْطكلقاً هُوَ؛ لأك قد استغنيت عن إظَهاره، وإنَّما ينبغي لك أن تضمره» .
قال شهابُ الدِّين: ومذهبُ الأخفش أنَّه جائزٌ مطلقاً، وعليه بنى الزمخشريُّ،
стр. 6669
وقد جوَّز أبو البقاء ما توهم أنَّهُ جواب عن ذلك فقال:
والوجه الثالث: أن يكون «جَزاؤهُ» مبتدأ، و «مَنْ وُجِدَ» متبدأ ثان، و «هُوَ» مبتدأ ثالثُ، و «جَزَاؤهُ» خير الثالث، والعائدُ على المبتدأ الأول الهاء الأخيرة وعلى الثاني «هُوَ» انتهى.
وهذا الذي ذكره أبو البقاء لا يصح؛ إذ يصير التقدير: فالذي وجد في رحله جزاؤه الجزاء؛ لأنَّه جعل «هُوَ» عبارة عن المبتدأ الثاني، وهو: ﴿مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ وجعل الهاء الأخيرة، وهي التي في: «جَزاؤهُ» الأخير عائدةٌ على: «جَزاؤهُ» الأوَّل، فصار التقدير كما ذكرنا.
الوجه الثاني من الأوجه المتقدمة: أن يكون: «جَزَاؤهُ» مبتدأ، والهاء تعود على المسروق، و ﴿مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ خبره، و «مَنْ» بمعنى الذي، والتقدير: جزاء الصّواع الذي وجد في رحله.
ولذلك كانت شريعتهم يسترق السَّارق؛ لذلك استفتوا في جزائه، وقوله: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ متبدأ، وخبر مؤكدٌ لمعنى الأولد، ولما ذكر أبو حيَّان هذا الوجه ناقلاً له عن الزمخشريُّ، قال: «وقال معناه ابنُ عطيَّة إلَاّ أنَّهُ جعل القول الواحد قولين، قال: ويصحُّ أن يكون» مَنْ «خبراً على أن المعنى: جزاء السَّارق من وجد في رحله، ويكون قوله: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ زيادة بيانٍ وتأكيد، ثم قال: ويحتمل أن يكون التقدير: جزاؤه استرقاق من وجد في رحله، ثم يؤكد قوله: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ ، وهذا القول هو الذي قبله غير أنَّهُ أبرز المضاف المحذوف في قوله: استرقاق من وجد في رحله، وفيما قبله لا بدَّ من تقديره؛ لأنَّ الذَّات لا تكُون خبراً عن المصدرِ، فالتَّقدير في القول قبله: جزاؤهُ أخذ من وجد في رحله أو استرقاقه، هذا لا بُدَّ منه على هذا الإعراب.
وهذا ظاهره، أنه جعل المقول الواحد قولين.
الوجه الثالث من الأوجه المتقدمة: أن يكون:» جَزاءهُ «خبر مبتدأ محذوف أي: المسئول عنه جزاؤه، ثمَّ أفتوا بقولهم: ﴿مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ كما تقول: من يَسْتَفتِ] في جزاء صَيْدِ المحرمِ جزاءُ صَيْدِ المحرمِ، ثمَّ يقول: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم﴾ [المائدة: ٩٥] قاله الزمخشري.
стр. 6670
قال أبو حيَّان:» وهو متكلف، إذ تصير الجملة من قوله «المسئول عنه جزاؤه» على هذا التقدير، ليس فيه كبير فائدة، إذ قدلم علم من قوله: «فما جَزاؤهُ» أي الشيء المسئولُ عنه جزاء سرقته، فأيُّ فائدة في نطقهم بذلك، وكذلك القول في المثال الثَّاني الذي مثل به من قول المستفتي «.
قال شهابُ الدِّين:» قوله: «ليس فيه كبيرة فائدة» ممنوعٌ، بل فيه فائدة الإضمار المذكور في علم البيان، وفي القرآن أمثال ذلك «.
الوجه الرابع: أني كون» جَزَاؤهُ «مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: جزاؤه عندنا كجزائه عندكم، والهاء تعود على السَّارق، أو على المسروق، وفي الكلام المتقدِّم دليل عليهما، ويكون قوله: ﴿مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ على ما تقدَّم في الوجه الذي قبله وبها الوجه بدأ أبُوا البقاءِ ﵀ ولم يذكره الشَّيخُ.
قوله: ﴿كذلك نَجْزِي الظالمين﴾ محل الكاف نصب إمَّا على أنَّها نعت لمصدر محذوفٍ، إمَّا حال من ضميره، أي: مثل ذلك الجزاء الفضيع نجزي الضالمين أي: إذا سرق استرق.
قيل: هذا من بقيَّة كلام أخوة يوسف صلوات الله وسلامه عليه.
وقيل: إنهم لما قالوا: ﴿جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ قال أصحاب يوسف: ﴿كذلك نَجْزِي الظالمين﴾ ماليس لهم فعلُهُ من سرقة مال الغير، فعند ذلك قال لهم المؤذن: لا بُدَّ من تفتيش أوعيتكم، فانصرف بهم إلى يوسف.
стр. 6671
﴿فَبَدَأَ﴾ يوسف: ﴿بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ﴾ لإزالة التُّهمة.
قرأ العامة: «وعَاءِ» بكسر الواو. وقرأ الحسن بضمها، وهي لغةٌ نقلت عن نافع أيضاً، وقرأ سعيد بن جبير: «مِنْ إعَاءِ أخيهِ» بإبدال الواو همزة وهي لغة هذيليَّة،
стр. 6672
يبدلون من الواو المكسورة، أوَّل الكلمة همزة، فيقولون: إشاح وإسادة، وإعاء في «وِشَاح، ووِسَادة، ووِعَاء» وقد تقدَّم ذلك في الجلالة المعظمة أول الكتاب.
والأوعية: جمع وِعَاء. هو كلُّ ما إذا وضع فيه أحاط به.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ استخرجها﴾ في الضمير المنصوب قولان:
أحدهما: أنَّه عائد على الصّواع؛ لأنَّ فيه التَّذكير، والتَّأنيث، كما تقدَّم.
وقيل: لأنه حمل على معنى الساقية. قال أبو عبيدٍ: قولك: «الصُّواعُ» يؤنَّث من حيُ هو سقاية، ويذكَّر من حيث هو صواع.
قالوا: وكأنَّ أبا عبيد لم يحفظ في الصواع التَّأنيث.
وقال الزخشريُّ: «قالوا رجع بالتَّأنيث على السِّقاية» ثم قال: ولعلَّ يوسف كان يسمِّه سقاية، وعبيدة صواعاً، فقد وقع فيما يتَّصل به من الكلام سقاية، وفيما يتَّصل بهم منه صواعاً «.
وهذا الأخيرُ أحسنُ.
والثاني: أنَّ الضمير عائد على السَّرقة.
وفيه نظرٌ؛ لأنَّ السرقة لا تستخرج إلا بمجاز.
فصل
قال قتادة: ذكر لنا أنه كان لا يفتح متاعاً، ولا ينظرُ من وعاءٍ ألَاّ استغفر الله تعالى تائباً ممَّا قذفهم به، حتى إذا لم يبق إلَاّ رحْلُ بنيامين قال: ما أظنُّ هذا أخذه، فقال إخوتهُ: والله لا يتركُ حتَّى ينظر في رحله، فإنه أطيبُ لنفسكن ولأنفسنا، فلما فتحوا متاعه استخرجوه منه؛ فنكس إخوته رءوسهم من الحياء وقالوا: إنَّ هذه الواقعة عجيبةٌ، إنَّ راحيل ولدت ولدين لصين، وأقبلوا على بنيامين، وقالوا: أيش الذي صنعتن فضحتنا، وسوَّدت وجُوهنا، يا بني راحيل لا يزال لنا منكم بلاءٌ [حتى أخذت هذا الصواع، فقال بنيامين: بل بنو راحيل لا يزال لهم منكم بلاء] ذهبتهم بأخي، ثم أهلكتموه في البريَّةن ثم تقولون لي هذاه الكلام، قالوا له: كيف خرج الصُّواعُ من رحلك؟ فقال: وضع هذا الصوع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم، قالوا: فأخذ بنيامين رقيقاً.
قوله: ﴿كذلك كِدْنَا﴾ الكلام فيك ﴿كذلك كِدْنَا﴾ [٧٥] كالكلام فيما كان قبلها أيك مثل ذلك الكيد العظيم، أيك كما فعلوا في الابتداء بيوسف من الكيد فعلنا بهمن وقد مقال يعقوب ليوسف صلوات الله وسلامه عليه ﴿فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً﴾ [يوسف: ٥] ، فكدنا ليوسف في أمرهم.
стр. 6673
فالمراد من هذا الكيد: هو أنَّهُ تعالى ألقى ف يقلب أخوته: أن احكموا بأنَّ جزاء السَّارق هو أن يسترقَّ، لا جرم لما ظهر الصُّواعُ في رحله؛ حكموا عليه بالاسترقاق؛ وصار ذلك سبباً لتمكُّنِ يوسف صلوات الله وسلام عليه من إمساكِ أخيه عند نفسه.
واعلم أنَّ الكيد يشعر بالحِيلةِ، والخَديعة، وذلك في حقل الله تعالى محال إلا أنَّه قد تقدم أصل معتبر في هذا الباب، وهو أنَّ أمثال هذه الألفاظ في حق الله تعالى تحمل على نهايات الأغراض، لا على بداياتها، وتقرَّر ذلك عند قوله: ﴿إِنَّ الله لَا يَسْتَحْى﴾ [البقرة: ٢٦] فالكيدُ: السَّعي في الحلية، والخديعة، ونهايته اشتغال الإنسان من حيث لا يشعر في أمرٍ مكروهٍ، ولا سبيل له إلى دفعه، فالكَيْدُ في حقِّ اله محمولٌ على هذا المعنى.
وقيل: المرادُ بالكيد ههنا: أنَّ أخوة يوسف سعوا في إبطال أمره، والله نصرهُ وقوَّاه، وأعلى أمرهُ.
قال القرطبي: قال ابن عبَّاسٍ ﵄: «كِدْنَا» معناه: صنعنا. وقال القتبيُّ: دبَّرنا. وقال ابنُ الأنباري: أردنا؛ قال الشاعر: [الكامل]
٣١٢٦ - كَادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيرٌ إرَادَةٍ ... لَوْ مِنْ عَهْدِ الصِّبَا ما قَدْ مَضَى
قوله: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ﴾ تفسير للكيد، وبيان له، وذلك أنه كان في زمان ملك مصر أن يغرَّم السَّارق مثلي ما أخذ لا أنه يستعبد.
فصل
قال القرطبيُّ: «في الآية دليلٌ على جواز التَّوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تخالف شريعة، ولا هدمت أصلاً خلافاً لأبي حنيفة ﵁ في تجويز الحيل وإن خالفت الأصول، وخرمت التحليل، وأجمعوا على أنَّ للرَّجُلِ التَّصرف في ماله قبل حُلولِ الحوْلِ بالبيع، والهبةِ إذا لم ينوا الفرارَ من الزَّكاةِ، وأجمعوا على أنَّه إذا حال الحولُنو أظلَّ السَّاعِي أنه لا يحلّ له التّحيل، ولا النُّقصانُ ولا أن يفرق بين مجتمع ولا أن يجمع بين متفرق» .
فصل
قال ابنُ العربيّ: قال بعضُ الشَّافيعة: في قوله تعالى: ﴿وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض﴾ [يوسف: ٢١] دليل على وجه الحيلة إلى المباح، واستخراجِ الحقوق، وهذا وهمٌ عظيم، وقوله
стр. 6674
تعالى: ﴿وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض﴾ [يوسف: ٢١] قيل فيه: لمَّا مكَّنا ليوسف ملك نفسه عن امرأة العزيز مكَّنَّا له ملك الأرض عند العزيز، وهذا لا يشبهُ ما ذكروهُ.
قال الشعفوي: ومثله قوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فاضرب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] هذا ليس حيلة، إنما هو حمل [اليمين] على الألفاظ، أو على المقاصد.
قوله: ﴿إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه استنثاءٌ منقطعٌ تقديره: ولكن بمشيئة الله أخذه في دينٍ غير دينِ الملكِ، وهو دينُ آلِ يعقوب أنَّ الاسترقاق جزاءُ للسَّارقِ.
قال ابن عبَّاس ﵁: «فِي دِين الملِكِ» أي في سلطانه.
﴿إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله﴾ أي: أنَّ يوسف لم يتمكن من حبس أخيه في حكم الملك لولا ما كدنا له بلطفنا، حتى وجد السبيل إلى ذلك، وهو ما جرى على [السنة] الإخوة أنَّ جزاء السارق الاسترقاق فحصل مراد يوسف بمشيئة الله.
والثاني: أنَّه مفرغ من الأحوال العامَّة، والتقدير: ما كان ليأخذه من كلِّ حالٍ إلا في حال التباسه بمشيئة الله أي: إذنه في ذلك.
وكلاُ ابن عطيَّة محتملٌ فإنه قال والاستثناء حكاية حال، والتقدير: إلَاّ أن يشاء ما وقع من هذه الحيلة.
قوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ تقدَّم القراءتان فيها في الأنعام [الأنعام: ٨٣] .
وقرأ يعقوب بالياء من تحت «يَرْفعُ:، و» يَشاءُ «والفاعل الله تعالى.
وقرأ عيسى البصري» نَرْفَعُ «بالنون» دَرجَاتٍ «منونة، و» يَشَاءُ «بالياء.
قال صاحبُ اللَّوامحُ:» وهذه قراءة مرغوبٌ عنها تلاوة، وجملة، وإن لم يمكن إنكارها «.
قال شهابُ الدِّين ﵀:» وتوجيهها: أنَّهُ التفت في قوله «يَشَاءُ» من التَّكلُّم إلى الغيبةِ، والمراد واحدٌ «.
قوله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قرأ عبد الله بن مسعود: (وفوق كل ذي عالم) . وفيها ثلاثة أوجه:
стр. 6675
أحدها: أن يكون» عَالِم «هنا مصدراً، قالوأ: مثل الباطل فإنَّهُ مصدر فهي كالقراءة المشهورة.
الثاني: أنَّ ثمَّ مضافاً محذوفاً، تقديره: وفوق كل ذي مسمى عالمٍ؛ كقوله: [الطويل]
٣١٢٧ - إلى الحَوْلِ ثمَّ اسْمُ السَّلامِ عَليْكُمَا ... أي: مُسمَّى السِّلام.
الثالث: أنَّ» ذو «زائدة؛ كقوله الكميت: [الطويل]
٣١٢٨ - ... ... . ذَوِي آلِ النَّبيِّ ... ... . ..... ... ... ... ... ...
فصل
قوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ بالعلم كما رفعنا درجة يوسف على إخوته والمعنى: أنه خصَّه بأنواع العلوم.
وهذه الآية تدلُّ على أنَّ العلم أشرف المقامات، وأعلى الدَّرجات لأنه تعالى لما هدى يوسف إلى هذه الحيلة مدحه لأجل ذلك فقال: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ .
ثم قال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عبَّاسٍ ﵄: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ على إلى أن ينتهي العلم إلى الله فالله فوق كلِّ عالمٍ.
والمعنى: أنَّ إخوة يوسف كانوا علماء فضلاء، إلَاّ أنَّ يوسف كان زائداً عليهم في العلم.
واحتجَّ المعتزلةُ بهذه الآيةِ على أنَّهُ تعالى عالم لذاته؛ لأنَّه لو كان عالماً بالعلم، لكان ذا علم، ولو كان كذلك لحصل فوقه عليهم تمسكاً بهذه الآية.
قال ابن الخطيب:» وهذا باطلٌ؛ لأن أصحابنا قالوا: دلَّت سائر الآيات على إثبات العلم باللهِ تعالى وهو قوله: ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ [لقمان: ٣٤] ﴿أَنزَلَهُ
стр. 6676
بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] ، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، ﴿وَلَا تَضَعُ إِلَاّ بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١] وإذا وقع التَّعارضُ، فنحن نحملُ الآية التي تمسَّك بها الخصمُ على واقعة يوسف وإخوته، غاية ما في الباب أنه يوجب تخصيص عموم إلا أنَّه لا بد من المصير إليه؛ لأن العالم مشتقٌّ من العلم، والمشتقُّ منه مفردٌ، وحصول المركب بدون حصول المفرد محالٌ في بديهة العقلِ، فكان التَّرجيحُ من جانبنا «.
قوله: ﴿فَقَدْ سَرَقَ﴾ الجمهور على «سرقَ» مخففاً مبنيًّا للفاعل، وقرأ أحمدُ بن جبير الأنطاكيُّ، وابن شريحٍ عن الكسائيِّ، والوليد بن حسان عن يعقوب في آخرين: «سُرِّقَ» مشدداً مبينًّا للمفعول أي: نسب إلى السرقة؛ لأنَّهُ ورود في التَّفسيرِ: أنَّ عمته ربته، فأخذاهُ أبوه منها؛ فشدت في وسطه منطقة كانوا يتوارثونها من إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه ففتشوا فوجودها تحت ثيابه، فقالت: هو لي، فأخذته كما في شريعتهم، ومن هنا تعلم يوسف وضع السِّقاية في رحل أخيه، كما فعلت به عمَّتهُ، وهذه القراءة منطبقةٌ على هذا.
وقال سعيدُ بن جبيرٍ: كان لجدِّهِ أبي أمه صنمٌ يعبده، فأخذه سراً، وكسره وألقاهُ في الطَّريق.
وقال مجاهدٌ: أخذ بيضةً من البيتِ فأعطاها سائلاً. وقيل: دجاجة وقال وهبٌ ﵀: كان يُخبىءُ الطَّعام من المائدة للفقراء فقالوا للملك: إنَّ هذا ليْسَ بغَريبٍ منهُ، فإنَّ أخاهُ الَّذي هلك كان أيضاً سارقاً، أي إنَّا لسنا على طريقته، ولا على سيرته، وهو وأخوه مختصان بهذه الطَّريقةِ؛ لأنهما من أم أخرى.
قوله: «فأسرَّها» قال بعضهم: الضَّمير المنصوب مفسَّر لسياق الكلام، أي: فأسرَّ الحزازة التي حصلت له من قولهم: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ﴾ ؛ كقوله: [الطويل]
٣١٢٩ - أمَاوِيَّ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتَى ... إذَا حَشْرجَتْ يَوْماً وضَاقَ بِهَا الصَّدرُ
فالضمير في «حَشْرَجَتْ» يعود على النَّفسِ، كذا ذكرهُ أبو حيَّان.
стр. 6677
وقد جعل بعضهم البيت ممَّا فُسِّر فيه الضمير بذكْرِ ما هُو كلُّ لصاحبِ الضَّمير، فلا يكُونُ ممَّا فُسِّر فيه بالسِّياقِ.
وقال الزخشريُّ إضمارٌ على شريطةِ التَّفسيرِ، يفسره «أنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً» وإنَّما أنَّث؛ لأن قوله: «شَرٌّ مَكَاناً» جملة، أو كلمة على تسميتهم الطَّائفة من الكلام كلمة، كأنَّه قيل: فأسر الجملة، أو الكلمة التي هي قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً﴾ قال: لأن قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً﴾ بدل من «أسَرَّها» .
قال شهابُ الدِّينك وهذا عند من يبلد الظاهر من المضمر في غير المرفوع؛ نحو ضَرَبتهُ زيداً، والصحيح وقوعه؛ كقوله: [الرجز]
٣١٣٠ - فَلَا تَلُمْهُ أنْ يَخَافَ البَائِسَا ... وقرأ عبد الله وابنُ أبِي عبلة: «فأسَرَّهُ» بالتَّذكيرِ قال الزخشريُّ «يريد القول، أو الكلام» .
وقيل: في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، وتقديره: قال في نفسه: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً﴾ وأسرَّها أي هذه الكلمة.
قال شهاب الدين: ومثل هذا ينبغي ألَاّ يقال، فإنَّ القرآن ينزَّهُ عنه و «مَكَاناً» تتميز، أي: منزلة من غيركم، والمعنى: أنتم شرٌّ منزلاً عند الله ممن رميتموه بالسَّرقةِ في صنيعكم بيوسف؛ لأنه لم يكن من يوسف سرقة حقيقة، وخيانتكم حقيقة.
وقد طعن الفارسيُّ ﵀ على كلام الزمخشريِّ من وجهين:
الأول: قال الإضمارُ على شريطة التفسير يكون على ضربين:
أحدهما: أن يفسَّر بمفردٍ، كقولنا: نِعْمَ رجُلاً زيدٌ، ففي: «نعم» ضمير فاعلها و «رَجُلاًُ» تفسير لذلك الفاعل المضمر.
والآخر: أن يفسر بجملة، وأصلُ هذا يقع به الابتداء، كقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ
стр. 6678
أَبْصَارُ الذين كَفَرُواْ﴾ [الأنبياء: ٩٧] و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] والمعنى: القصَّة شاخصة أبصار الذين كفروا والأمر: الله أحد، ثمَّ إنَّ العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر تدخل عليه أيضاً، كقوله ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ [طه: ٧٤] ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأبصار﴾ [الحج: ٤٦] .
وإذا عرفت هذا فنقول: نفس المضمر على شريطة التَّفسير في كلا الجملتين متَّصلٌ بالجملة التي فهيا الإضمار، ولا يكون خارجاً عن تلك الجملة، ولا مبايناً لها، وههنا التفسير منفصل عن الجملة الَّتي حصل فيها الإضمار؛ فوجب ألَاّ يحسن.
والثاني: أنَّهُ تعالى قال: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً﴾ وذلك يدل على أنه ذكر ذكر ذلك الكلام، ولو قلنا: إنَّهُ صلوات الله وسلامه عليه أضمر هذا الكلام لكان قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً﴾ كذباً.
قال ابن الخطيب: «وهذا الطَّعنُ ضعيفٌ من وجوه:
الأول: لا يلزمُ من حسن القسمين الاولين قبح قسمٍ ثالثٍ.
وأما الثاني: فلأنا نحملُ ذلك على أنه صلوات الله وسلامه عليه قال ذلك على سبيل الخفيبة، وبهذا [التقسيم] سقط السُّؤالُ.
والوجه الثاني: وهو أنَّ الضمير في قوله:» فأسَرَّهَا «عائدٌ إلى الإجابة، كأنَّهم لما قالوا: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ أسرَّ يوسف ﵇ إجابتهم في نفسه في ذلك الوقت، ولم يبدها لهم في تلك الحالة إلى وقتٍ ثانٍ، ويجوز أن يكون إضماراً للمقالة، والمعنى: أسرَّ يوسف مقالتهم، والمراد من المقالةِ متعلق تلك المقالة؛ كما يرادُ بالخلقِ الملخوقُ، وبالعِلْمِ المَعْلُوم، يعني: أسرَّ يوسف كيفية تلك السَّرقة، ولم يبين لهم أنها كيف وقعت، وأنه ليس فيها ما يوجب الطَّعن» .
رُوِيَ عن ابن عبَّاس ﵁ أنه قال: عُوقِبَ يوسف ثلاث مرَّاتِ: لأجْلِش همِّه بها؛ فعُوقِبَ بالحَبْسِ، وبقوله: ﴿اذكرني عِندَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] ؛ عوقب بالحبل الطَّويل، وبقولهك «إنَّكُم لسَارقُونَ» ح عوقب بقوله: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ .
ثم قال: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً﴾ ، أي: أنتم شرٌّ منزلة عند الله، بما أقدمتم عليه من ظلم أخيكم، وعقوق أبيكم؛ ثم بعتموه بعشرين درهماً، ثمَّ بعد المدَّة الطويلة، والزَّمان المديد، ما زال الحقدُ والغضبُ عن قلوبكم؛ فرميتموه بالسَّرقة، ﴿والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ﴾ ، أي: إن سرقة يوسف كانت لله رضا؛ فلا توجب عود الذمِّ، واللَّوم إليه.
стр. 6679
قوله تعالى: ﴿يا أيها العزيز إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً﴾ الآية.
اعلم: أنهم لمَّا قالوا: ﴿إن سرق فقد سرق أخ له من قبل﴾ ، أحبُّوا موافقته، والعدول إلى طريق الشَّفاعة، وأنهم، وإن كانوا قد اعترفوا بأن حكم الله في السارق أن يستعبد، إلَاّ أنَّ العفو وأخذ الفداء كان أيضاً جائزاً؛ فقالوا: ﴿يا أيها العزيز إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً﴾ ، في السنِّ، ويجوز أن يكون في القدر، والدِّين؛ لأن قولهم: «شَيْخاً» يعلم منه كبر سنه، وإنَّما ذكروا ذلك؛ لأنَّ كونه ابناً لرجلٍ كبير القدرِ يوجب العفو [والصفح] .
قوله: مَكانَهُ «فيه وجهان:
أظهرهما: أنَّ» مَكَانهُ «: نصب [على الظرف] ، والعامل فيه:» خُذْ «.
والثاني: أنه ضمَّن» خُذْ «معنى:» اجْعَلْ «، فيكونُ:» مَكَانهُ «في محلٌ المفعول الثاني.
واقل الزمخشريُّ:» فخُذْ بدله على جهةِ الاسترهانِ؛ حتَّى نردّ الفداء إليك، أو الاستعباد «.
ثم قالوا: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين﴾ ، لو فعلت ذلك.
وقيل: من المحسنين إلينا في توفية الكيل، وحسن الضِّيافة، وردِّ البضاعة.
وقيل: من المحسنين في أفعالك، وقيل: لما اشتدّ القحطُ على القوم، ولم يجدوا ما يشترون به من الطَّعام، وكانوا يبيعون أنفسهم، فصار ذلك سبباً لصيرورة أكثر أهل مصر عبيداً له، ثم أعتق الكُلّ قالوا: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين﴾ إلى عامة النَّاس بالإعتاق، فكن محسناً أيضاً إلى هذا الإنسان بالإعتاق من هذه المحنة.
فقال يوسف: ﴿مَعَاذَ الله﴾ أي أعوذ بالله معاذاً ﴿أَن نَّأْخُذَ إِلَاّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ﴾ أي أعوذُ باللهِ أن نأخذ بريئاً بمذنب.
قال الزجاج:» موضع «إنْ» نصب، والمعنى: أعوذُ باللهِ من أخذِ أحدٍ بيغره، فلمَّا سقطت كلمة: «مَنْ» تعدَّى الفعل «.
وقوله: ﴿إِنَّآ إِذاً﴾ حرف جواب وجزاء، تقدَّم الكلام [النساء: ٦٧ البقرة: ١٤] على أحكامها.
والعنى: لقد تعدّيت، وظلمت، إن إخذت بريئاً بجُرمٍ صدر من غيره، فقال:
стр. 6680
﴿مَعَاذَ الله أَن نَّأْخُذَ إِلَاّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ﴾ ولم يقل:» مَنْ سَرَقَ «تحرُّزاً من الكذب.
فإن قيل: هذه الواقعةُ من أوَّلها إلى آخرها، تزوير وكذب، فكيف يجوز ليوسف مع رسالته الإقدام على التَّزوير، وإيذاء النَّاس من غير ذنب لا سيَّما ويعلم أنَّهُ إذا حبس أخاه عنده بهذه التُّهمةِ فإنه يعظمُ حزنُ إبيه، ويشتدُّ غمُّه، فكيف يليقُ بالرسول المعصوم المباغلة في التَّزويرِ إلى هذا الحدّ؟! .
فالجواب: لعلَّه تعالى أمره بذلك تشديداً للمحنة على يعقوب، ونهاه عن العفوِ والصَّفح، وأخذ البدل، كما أمر تعالى صاحب موسى ﵊ ُ بقتل من لو بَقِي لَطَغَى وكفَر.
قوله
: ﴿فَلَمَّا
استيأسوا
﴾ «اسْتَفْعَلَ» هنا بمعنى «فَعِلَ» المجرَّد يقال: يَئِسَ، واسْتَيْأس [بمعنى] نحو «عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، وسَخِرَ، واسْتَخَرَ.
وقال الزمخشري: وزيادة التَّاء والسِّين في المبالغة نحو ما مرَّ في:» اسْتَعْصَمَ «وقرأ البزيُّ عن ابن كثير بخلاف عنه:» اسْتَأيَسُوا «بألف بعد التاء ثم ياء وكذلك في هذه السورة: ﴿وَلَا تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله﴾ [يوسف: ٨٧] إنَّه لا يَيْأسُ ﴿حتى إِذَا استيأس الرسل﴾ [يوسف: ١١٠] ، وفي الرعد: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ [الرعد: ٣١] الخلاف واحد.
فأمَّا قرأءة العامة: فهي الأصل، إذ يقال: يَئِسَ، فالفاء ياء، والعين همزة وفيه [لغة] أخرى، وهي القلبُ [الرعد: ٣١] بتقديم العين على الفاءِ، فيقال: أيِسَ، ويدلُّ على ذلك شيئان:
أحدهما: المصدر الذي هو اليأسُ.
والثاني: أنَّه لو لم يكن مقلوباً للزم قلبُ الياءِ ألفاً، لتحركها، وانفتاح ماقبلها، ولكن منع من ذلك كون الياءِ في موضع لا تعلُّ فيه ما وقعت موقعه، وقراءة ابن كثير من هذا، ولما قلب الكلمة أبدل من الهمزة ألفاً لسكونها بعد فتحة، إذ صارت كهمزة رأس، وكأس، وإن لم يكن من أصله قلب الهمزة السَّاكنة حتىعلَّةِ وهذا كما تقدَّم أنه يقرأ»
стр. 6681
القرآن «بالألف، وأنَّه يحتملُ أن يكون نقل حركة الهمزة، وإن لم يكن من أصله النقل.
قال أبو شامة بعد أن ذكر هذه الكلمات الخمسِ الَّتي وقع فيها الخلافُ» وكذلك رسمت في المصحف، يعني كما قرأها البزيُّ يعنى بالألف مكان الياءِ، وبياء مكان الهمزة «.
وقال أبو عبد الله: واختلفت هذه الكلمات في الرَّسم، فرسم:» يَأيَس «،» ولا تَأيسُوا «بألف، ورسم الباقي بغير ألف.
قال شهابُ الدين:» وهذا هو الصَّوابُ، وكأنَّه غفلة من أبي شامة «.
ومعنى الآية:» فلمَّا أيسُوا من يوسف أن يجيبهم إلى ما سألوا «.
وقال أبو عبيدة:» اسْتَيْأسُوا «: استيقنوا أنَّ الأخ لا يرد إليهم.
قوله: ﴿خَلَصُواْ نَجِيّاً﴾ قال الواحديُّ: يقال: خلص الشَّيء يخلصُ خلوصاً إذا انفصل من غيره، ثم فيه وجهان:
أحدهما: قال الزجاج، خلصوا: أي: انفردوا، وليس معهم أخوهم.
وقال الباقون: تميزوا عن الأجانب، وهذا هو الأظهر، أي: خلا بعضهم ببعضٍ يتناجون ويتشاورون لا يخالطهم غيرهم.
وأمَّا قوله:» نَجِيًّا «حال من فاعل:» خَلصُوا «أي: اعتزلوا في هذه الحالِ وإنَّما أفردت الحال، وصاحبها جمع، إمَّا لأن النَّجيَّ فعيلٌ بمعنى مفاعل كالعشير والخليط بمعنى المُخالِط والمُعاشِر، كقوله ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ [مريم: ٥٢] أي: مناجياً وهذا في الاستعمال يفرد مطلقاً، يقال: هُم خَليطُكَ وعَشِيرتُك، أي: مخالطوك ومعاشروك وإما لأنَّه صفة على فعيل بمنزلة صَدِيق، وبابه يوحد، لأنه يزنة المصارد كالصَّهيل، والوجيب والذَّميل، وإمَّا لأنه مصدرٌ بمعنى التَّناجي كما قيل: النَّجْوى بمعناه، قال تعالى:
﴿وَإِذْ هُمْ نجوى﴾ [الإسراء: ٤٧] ، وحينئذ يكون فيه التأويلات المذكورات في: «رجُلٌ عدلٌ» وبابه، ويحمع على «أنْجِيَة» ، وكان من حقِّه إذا جعل وصفاً أن يجمع على «أفْعِلاء» ، ك «غَنِيّ» ، وأغْنِيَاء «و» شَقِيّ، وأشْقِيَاء «؛ ومن مجيئه على» أنجِيَة «قول الشاعر: [الرجز]
٣١٣١ - إنِّي إذَا ما القَوْمُ كَانُوا أنْجِيَهْ ... واضْطَرَبَ القَوْمُ اضطِرابَ الأرْشِيَهْ
هناك أوصيني ولا تُوصِي بِيَهْ ... وقول لبيد: [الكامل]
стр. 6682
٣١٣٢ - وشَهِدْتُ أنْجِيةً الأفَاقةِ عَالِياً ... كَعبي وَأرْدَافُ المُلوكِ شُهُودُ
وجمعه كذلك يقوي كونه جامداً، إذ يصيرُ كرغيب، وأرغِفَة.
وقال البغويُّ: النَّجِي يصلحُ للجماعة، كما قال ههنا، وللواحد كما قال: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ [مريم: ٥٢] وإنما جاز للواحد والجمع؛ لأنه مصدر جعل نعتاً كالعدل، ومثله النَّجوى يكونُ اسماً، ومصدراً، قال تعالى ﴿وَإِذْ هُمْ نجوى﴾ [الإسراء: ٤٧] أي: مُتنَاجِين، وقال حل ذكره ﴿مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧] وقال في المصدر ﴿إِنَّمَا النجوى مِنَ الشيطان﴾ [المجادلة: ١٠] .
قال ابن الخطيب:» وأحسنُ الوجوه أن يقال: إنَّهم تمحَّضُوا تناجياً؛ وأنَّ من كمل حصول أمرٍ من الأمُورِ فيه وصف بأنَّه صار غير ذلك الشَّيء فلما أخذوا في التَّناجي على غاية الجدِّ؛ صاروا كأنهم في أنفسهم صاروا نفس التَّناجِي في الحقيقة «.
» قالَ كَبيرُهمْ «في العقل، والعلم لا في السنِّ، وهو» يَهُوذَا «، قاله ابن عباسٍ، والكلبي.
وقال مجاهدٌ: شمعون، وكانت له الرِّئاسةُ على إخوته.
وقال قتادة، والسديُّ، والضحاك: وهو روبيلُ، كان أكبرهم في السنِّ، وهو الذي نهاهم عن قتل يوسف ﵇.
﴿أَلَمْ تعلموا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً﴾ : عهداً: ﴿مِّنَ الله﴾ ، وأيضاً: نحنُ متَّهمُونَ بواقعة يوسف.
قوله ﴿وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ﴾ في هذه الآية وجوه ستة:
أظهرها: أنَّ» مَا «مزيدة فيتعلَّق الظَّرف بالعفل بعدها، والتقدير: ومن قبل هذا فرَّطتم، أي: قصَّرتم في حقِّ يوسف، وشأنه، وزيادة» مَا «كثيرة، وبه بدأ الزمخشري وغيره.
الثاني: أن تكون» مَا «مصدرية في محلِّ رفع بالابتداء، والخبر الظَّرف المتقدم قال الزمخشريُّ: على أنَّ محل المصدر الرَّفع بالابتداء، والخبر الظرف وهو» مِنْ قَبْلُ «،
стр. 6683
والمعنى: وقع من قبل تفريطكم في يوسف ﵊ ُ وإلى هذا نحا ابنُ عطيَّة أيضاً فإنَّه قال: ولا يجوز أن يكون قوله:» مِنْ قَبْلُ «متعلقاً ب:» مَا فَرَّطْتُمْ «، وأنَّ» مَا «تكون على هذا مصدرية، والتقدير: ومن قَبْلِ تفريطكم في يوسف واقعٌ، أو مستقرٌ وبهذا المقدر يتعلق قوله:» مِنْ قَبْلُ «.
قال أبو حيَّان: هذا وقول الزمخشريُّ راجعان إلى معنى واحد، وهو أن» مَا فرَّطتُمْ «يقدَّرُ بمصدرٍ مرفوع بالابتداء، و:» مِنْ قَبْلُ «في موضع الخبر وذهلا عن قاعدة عربيَّة، وحقَّ لهما أن يذهلا وهي أنَّ هذه الظروف التي هي غايات إذا بُنيت لا تقع أخباراً للمبتدأ جرَّت، أو لم تجرَّ، تقول: يومُ السَّبت مُباركٌ والسَّفر بعدهُ، ولا تقول: والسَّفر بَعد و» عَمْرٌو وزيْدٌ خَلفهُ «ولا يجوز: عمرٌو وزيدٌ خلف، وعلى ما ذكراه يكون:» تَفْريطُكُم «مبتدأ، و» مِنْ قَبْلُ «خبر وهو مبنيُّ وذلك لا يجوز، وهو مقررٌ في علم العربيِّة» .
قال شهابُ الدِّين: «قوله:» وحُقًّ لهُمَا أنْ يَذْهَلا «تحامل على هذين الرجلين، وموضعهما من العلم معروفٌ، وأمَّا قوله:» إنَّ الظرف المقطوع لا يقعُ خبراً «، فمسلَّم، قالوا: لأنَّه لا يفيد، وما لا يفيد، لا يقع خبراً، ولذا لا يقع صفة، ولا صلة، ولا حالاً والآية الكريمةُ من هذا القبيل لو قلت:» جاء الذي قبل «أو» مررت برجل قبل «لم يجز لما ذكرت.
ولقائلٍ أن يقول: إنَّما امتنع ذلك؛ لعدم الفائدة، وعدم الفائدة لعدم العلم بالمضافِ إليه المحذوف، فينبغي إذا كان المضاف إليه معلوماً مدلولاً عليه أن يقع ذلك الظَّرف المضاف إلى ذلك المحذوف خبراً، وصفة، وصلة، وحالاً والآية الكريمة من هذا القبيل، أعني ممَّا علم فيه المضاف إليه كما مرَّ تقريره» .
ثمَّ هذا الرَّد الذي ردّ به أبو حيَّان سبقه إليه أبو البقاءِ، فقال: «وهذا ضعيف؛ لأن» قَبْل «إذا وقعت خبراً أو صلة لا تقطع عن الإضافة لئلا تبقى ناقصة» .
الثالث: أنها مصدرية أيضاً، في محل رفع بالابتداء، والخبر هو قوله «فِي يُوسفَ» أي: وتفريطكم كائن، أو مستقر في يوسف، وإلى هذا ذهب الفارسي كأنه استشعر أن الظرف المقطوع لا يقعُ خبراً؛ فعدل إلى هذا، وفيه نظر؛ لأنَّ السِّياق، والمعنى يجريان إلى تعلق: «فِي يُوسفَ» ب «فَرَّطْتُمْ» ، فالقولُ بما قاله الفارسي يؤدِّي إلى تهيئة العامل [للعمل] ، وقطعه عنه.
الرابع: أنَّها مصدرية أيضاً، ولكن محلها النَّصب على أنَّها منسوقة على «إنَّ أباكُمْ قد أخَذَ» أي: ألم تعلموا أخذ أبيكم الميثاق، وتفريطكم في يوسف.
стр. 6684
قال الزمخشري: «كأنه قيل: ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقاً، وتفريطكم من قبل في يوسف» وإلى هذا ذهب ابن عطية أيضاً.
قال أبو حيَّان: «وهذا الذي ذهبا إليه ليس بجيِّد؛ لأنَّ فيه الفصل بالجار والمجرور بين حرف العطف الذي هو حرفٍ واحدٍ، وبين المعطوف؛ فصار نظير: ضَربْتُ زيداً، وبِسَيفٍ عمراً، وقد زعم الفارسيُّ أنه لا يجوز ذلك إلَاّ في ضرورة الشِّعر» .
قال شهابُ الدِّين: هذا الرَّدُّ سبقه إليه أبُو البقاءِ، ولم يرتضه وقال: «وقيل: هو ضعيفٌ؛ لأنَّ فيه الفصل بين حرفِ العطفِ، والمعطوفِ، وقد بينا في سورة النِّساء أن هذا ليس بشيء» .
قال شهاب الدين: «يعني أنَّ منع الفصل بين حرفِ العطفِ، والمعطوفِ ليس بشيءِ، وقد تقدَّم إيضاحُ هذا، وتقريره في سورة النساء، كما أشار إليه أبو البقاء» .
ثمَّ قال أبو حيَّان: «وأمَّا تقديرُ الزمخشري: وتفريطكم من قبل في يوسف؛ فلا يجوز؛ لأن فيه تقديم معمول المصدر المنحل لحرف مصدري، والفعل عليه، وهو لا يجوز» .
وقال شهابُ الدِّين: «ليس في تقدير الزمخشريِّ شيء من ذلك؛ لأنَّه لمَّا صرح بالمقدر أخَّر الجارين، والمجرورين عن لفظ المصدر المقدَّر كما ترى، وكذا هو في سائر النسخ، وكذا ما نقله عنه الشيخ بخطهِ، فأين تقديمُ المعمولِ على المصدر ولو رد عليه، وعلى ابن عطيَّة بأنه يلزمُ من ذلك تقديمُ معمولِ الصِّلةِ على الموصول لكان ردًّا واضحاً، فإنَّ:» مِنْ قَبْلُ «متعلق» فَرَّطْتُمْ «، وقد تقدَّم الكلامُ على ما المصدرية، وفيه خلافٌ مشهورٌ» .
الخامس: أن تكون مصدرية أيضاً، ومحلها النصب عطفاً على اسم: «أنَّ» أي: ألم تعلموا أنَّ أباكم، وأن تفريطكم من قبل في يوسف، وحينئذٍ يكون في خبر «أنَّ هذه المقدرة وجهان:
أحدهما: هو:» مِنْ قَبْلُ «.
والثاني: هو» فِي يُوسَفُ «واختاره أبو البقاء، وقد تقدَّم ما في كلِّ منهما، ويردُّ على هذا الوجه الخامس ما ردَّ به على ما قبله من الفصل بين حرف العطف، والمعطوف، وقد عرف ما فيه.
السادس: أن تكون موصولة اسمية، ومحلُّها الرفع، والنَّصب علكى ما تقدَّم في المصدريَّة.
стр. 6685
قال الزمخشريُّ: يعنى ومن قبل هذا ما فرطتموه، أي: قدَّمتموهُ في حقِّ يوسف من الجنايةِ، ومحلُّها الرَّفع، أو النَّصب على الوجهين.
يعنى بالوجهين رفعها بالابتداء، وخبرها» مِنْ قبل «، ونصبها على مفعولِ» ألمْ تَعْلمُوا «، فإنَّهُ لم يذكر في المصدرية غيرهما، وقد تقدَّم ما اعترض به عليهما، وما قيل في جوابه.
فتحصل في» مَا «ثلاثة أوجه:
الزيادة، وكونها مصدرية، أو بمعنى الذي، وأن في محلها وجهين: الرفع، أو النصب.
قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض﴾ برح هنا تامة، ضمنت معنى أفارقُ ف:» الأرْضَ «معفول به، ولا يجوز أن تكون تامَّة من غير تضمين؛ لأنها إذا كانت كذلك؛ كان معناها: ظهر أو ذهب، ومنه: بَرحَ الخفاءُ، أي: ظهر، أو ذهب، ومعنى الظهور لا يليق، والذهابُ لا يصلُ إلى الظَّرف المخصوص إلَاّ بواسطةِ» في «: تقول:» ذَهَبْتُ في الأرضِ «ولا يجوز ذهبتُ الأرْضَ، وقد جاء شيءٌ لا يقاس عليه.
وقال ابو البقاء: «ويجوز أن يكون ظرفاً» .
قال شهابُ الدِّين: «يحتمل أن يكون سقط من النُّسخِ لفظ» لَا «، كان:» ولا يجوز أن يكون ظرفاً «.
واعلم أنه لا يجوز في» أبْرَحَ «هنا أن تكون ناقصة؛ لأنَّه لا ينتظم من الضمير الذي فيها، وما» من الأرض «مبتدأ أو خبرٌ، ألا ترى أنَّك لو قلت: أنَا الأرض لم يجز من غير» فِي «بخلاف» أنَا في الأرْضِ وزيدٌ في الأرْضِ «.
قوله: ﴿أَوْ يَحْكُمَ الله﴾ في نصبه وجهان:
أظهرهما: عطفه على:» يَأذَنَ «.
والثاني: أنه منصوبٌ بإضمار» أنْ «في جواب النَّفي، وهو قوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض﴾ أي: لنْ أبْرحَ الأرْضَ إلَاّ أن يحكم، كقولهم: لالزَمنَّكَ أوْ تَقْضِيَنِي حقِّي، أي: إلا أن تَقْضِيَنِي.
قال أبو حيَّان:» ومَعْنَاهُ ومعنى الغية مُتقَارِبَان «.
стр. 6686
قال شهابُ الدِّين:» وليْسَ المعنى على الثَّاني، بل سِياقُ المعنى على عطفه على «بَأذَنَ» فإنه غيًّا الأمر بغايتين: أحداهما خاصة، وهي إذْنُ أبيه والثانية عامة؛ لأنَّ إذن أبيه له في الانصراف هو من حكم الله «.
فصل
اعلم أنَّهم لما أيسوا من تخليصه، وتناجوا فميا بينهم، قال كبيرهم: ﴿أَلَمْ تعلموا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً﴾ أي: عهداً ﴿مِّنَ الله وَمِن قَبْلُ﴾ هذا فرَّطتم في شأن يوسف، ولم تحفظوا عهد أبيكم، ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض﴾ التي أنا بها، وهي أرض مصر، فلن أفارق أرض مصر ﴿حتى يَأْذَنَ لي أبيا﴾ في الانصراف إليه والخروج مهنا ﴿أَوْ يَحْكُمَ الله لِي﴾ بالخروج منها بردّ أخي إليّ، أو خروجي، وترك أخي، أو بالانتصاف ممَّن أخذ أخي.
وقيل: أو يحكم الله لي بالسَّيفن وأقاتلهم واسترد أخي ﴿وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين﴾ ؛ لأنه لا يحكم إلا بالعدل، والحق، فحينئذ تفكَّروا في الأصوب ماهو؟ فظهر لهم أنَّ الأصوب هو الرُّجوع، وأن يذكروا لأبيهم كيفية الواقعة، فقال الأخ المحتبس بمصر لإخوته: ﴿ارجعوا إلى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ ياأبانا إِنَّ ابنك﴾ بنيامين» سَرَقَ «.
قرأ العامة:» سَرَقَ «مبنيًّا للفاعل مخففاً، وابن عباس، وأبو رزين، والضحاك، والكسائي في رواية» سُرِّقَ «بضمِّ السِّين، كسر الرَّاء مشدداً مبنيًّا للمفعول يعني: نسب إلى السَّرقة، كما يقال: خَوَّنته، أي: نسبته إلى الخِيانةِ، قال الزجاج:» سُرِّقَ «يحتمل معنيين:
أحدهما: علم منه السرقة، والآخر: اتهم بالسَّرقة.
قال الجوهريُّ:» والسَّرِق والسَّرِقة بكسر الراء فيهما هو اسم الشيء المسروق، والمصدر: سَرَق، يَسْرِق، َرَقاً بفالتح «.
وقرأ الضحاك:» سَارِق «جعله اسم فاعل.
﴿وَمَا شَهِدْنَآ إِلَاّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ فإنَّا رأينا أخراج صاع من متاعه. وقيل: معناه ﴿وَمَا شَهِدْنَآ﴾ أي: ما كانت منَّا شهادة في عمرنا على الشَّيء إلَاّ بما علمنا، وليست هذه الشَّهادة منَّا، إنَّما هو خبرٌ عن صنيعِ ابنكَ بزعمهم.
فإن قيل: كيف حكموا عليه بأنَّه سرق من غير بينة، لا سيَّما وقد أجابهم بالنَّفي فقال: الذي جعل الصَّواع في رحلي، وهو الذي جعل البضاعة في رحالكم؟ فالجواب من وجوهٍ:
أحدها: أنهم شاهدوا أنَّ الصواع كان موضوعاً في [محلٍّ] لم يدخله غيرهم،
стр. 6687
فلمَّا شاهدوا إخراج الصواع من رحله؛ غالب على ظنهم أنَّه هو الذي أخذ الصواع.
وأما قوله: «وضَعَ الصُّواعَ في رحْلِي الذي وضع البِضاعَة في رحالكم» فالفرق ظاهرٌ؛ لأنهم لمَّا رجعوا بالبضاعة إليهم اعتروفا بأنهم هم الذين وضعوها في رحالهم، وأمَّا الصُّواع، فلم يعترف أحدٌ بأنه هو الذي وضع الصُّواعَ؛ فلهذا غلب على ظنونهم أنه سرق؛ فشهدوا بناء على غلبة الظَّنِّ، ثمَّ بينوا أنهم غيرُ قاطعين بهذا الأمر بقوله: ﴿وَمَا شَهِدْنَآ إِلَاّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ .
وثانيها: تقدير الكلام: ﴿إِنَّ ابنك سَرَقَ﴾ في قول الملك، وأصحابه، ومثله كثيرٌ في القرآن، قال تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٩] أي: عند نفسك وأمَّا عندنا فلا فكذا هاهنا.
وثالثها: أنَّ ابنك ظهر عليه ما يشبه السَّرقة، ومثل هذال المعنى قد يسمَّى سرقة، فإن إطلاق أحد الشَّيئين على الشبيه الآخر جائزٌ، مثله في القرآن ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] .
ورابعها: أنهم ما كانوا أنبياء في ذلك الوقت، فلا يبعد أن يقال: إنهم ذكروا هذا الكلام على سبيل المجازفة، لا سيَّما، وقد شاهد سائرهم ذلك.
وخامسها: قراءة ابن عبَّاسٍ ﵁ المتقدمة «سُرِّقَ» أي: نسب إلى السَّرقة، فهذه لا تحتاجُ إلى تأويلٍ، إلَاّ أنه تقدَّم أنَّ أمثال هذه القراءة لا تدفعُ السَّؤال؛ لأنَّ الإشكال إنَّما يندفعُ إذا كانت القراءة الأولى باطلة، وهذه القراءة حقّ أمَّا إذا كانت الأولى حقّ، كان الإشكال باقياً صحَّت القراءة، أو لم تصحّ، فلا بدّ من الرجوعِ إلى أحدِ الوجوه المذكورة.
فصل
دلَّ قولهم: ﴿وَمَا شَهِدْنَآ إِلَاّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ على أنَّ الشَّهادة غير العلم؛ لأن هذا الكلام يقتضي كون الشَّهادةِ مغايرة للعلم، ولقوله ﵊ ُ: «إذَا عَلمْتَ مثلَ الشَّمْسِ فاشْهَدْ» ... وليست الشَّهادةٌ عبارةً عن قوله «اشْهَد» ؛ لأنه إخبار عن الشَّهادة، والأخبار عن الشَّهادة غير الشهادة.
وإذا ثبت هذا؛ فنقول: الشَّهادةُ عبارةٌ عن الحكم الذِّهنيِّ وهو الذي يسميه المتكلمون ب «الكلام» النفسي «.
فصل
قال القرطبيُّ: تضمنت هذه الآية جواز الإشهاد بأيّ [وجه] حصل العلمُ بها
стр. 6688
فإنَّ الشَّهادة مرتبطةٌ بالعلم عقلاً وشرعاً، فلا تسمعُ إلَاّ ممَّن علم، ولا تقبلُ إلَاّ منهم، وهذا هو الأصل في الشَّهادات.
ولهذا قال أصحابنا: شهادة الأعمى جائزة، وشهادة المستمع جائزةٌ، وشهادة الأخرس إذا فهمت إشارته جائزة، وكذلك الشَّهادة على الخطّ أي: إذا تبيَّن أنه خطُّه، أو خطُّ فلان صحيحةٌ، فكلُّ من حصل كله العلم بشيء؛ جاز أن يشهد به، وإن لم يشهدهُ المشهودُ عليه. قال الله تعالى: ﴿إِلَاّ مَن شَهِدَ بالحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] وقال ﵊ ُ: «ألَا أخْبِرُكمْ بِخيْرِ الشُّهداءِ؟ الذي يأتِي بشهادة قَبْل أنْ يُسْألَها» .
قوله تعلى: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ قال مجاهدٌ وقتادة: وما كنا نعلم أنَّ ابنك يسرق، ويصيِّر أمرنا إلى هذا، ولو علمنا بلك ما ذهبنا به معنا، وإنَّما قلنا: ونحفظ أخانا مما لنا إلى حفظه من سبيل.
وقال عكرمة: لعلَّ الصُّواع دفن في اللَّيلِ، فإنَّ الغيب هو اسم لليل على بعض اللغات.
وقيل: رأيناهم أخرجوا الصواع من رحله، أمَّا حقيقة الحالِ، فغير معلومة لنا، فإن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى.
وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ ما كنا لليله، ونهاره، ومجيئه، وذهابه حافظين.
وقيل: إنَّ يعقوب ﵊ ُ قال لهم: فهبْ أنه سرق، ولكن كيف علم الملكُ أن شرع بني إسرائيل أنَّه من سرقَ يُسترقُّ بل أنتم ذكرتموه له لغرض لكم، فقالوا عند ذلك: إنَّا ذكرنا له هذا الحكم قبل أن نعلم أنّ هذه الواقعة نقع فيها، فوله: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ أي: ما كنا نعلم أن الواقعة تصبينا.
فإن قيل: فهل يجوز من يعقوب أن يخفي حكم الله؟ .
فالجواب: لعلَّ ذلك الحكم كان مخصوصاً بما إذا كان المسروق منه مسلماً، فلهذا أنكر ذلك الحكم عند الملك الذي ظنَّه كافراً.
стр. 6689
قوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ يحتمل ثلاثة أوجهٍ:
أشهرها: أنه على حذف مضافٍ، أي: واسألْ أهل القرية، وأهل العِير، وهو مجازٌ شائعٌ، قاله ابن عطيِّة وغيره.
وقال أبو عليِّ الفارسي: ودافع جواز هذا في اللغةِ كدافعِ الضَّرورات، وجاحد المحسوسات، وهذا على خلافٍ في المسألةِ، هل الإضمار من باب المجازِ، أو غيره؟ المشهور أنه قسم منه، وعليه اكثر النَّاسِ.
قال أبو المعالي: قال بعض المتكلمين: «هذا من الحذف، وليس من المجاز إنَّما المجازُ لفظة استعيرت لغير ما هي له، قال: وحذف المضاف هو عينُ المجاز وعظمه، هذا مذهب سيبويه وغيره، وحكي أنَّه قول الجمهور» .
وقال ابن الخطيب: إن الإضمار، والمجاز [قسمان لا قسيمان] ، فهما متباينان.
الثاني: أنَّه مجاز، ولكنه من باب إطلاق اسم المحل على الحال للمجاورة كالرواية.
الثالث: أنَّه حقيقة لا مجاز فيه، ولذلك قال أبو بكر الأنباري:
المعنى: واسْألِ القرية والعير؛ فإنَّها تجيبك، وتذكر لك صحَّة ما ذكرنا؛ لأنك من أكابر الأنبياء، فيجوز أن ينطق الله لك الجماد، والبهائم.
وقيل: إنَّ الشيء إذا ظهر ظهوراً تامًّا كاملاً فقد يقال فيه: سل السماءَ والأرض وجميع الأشياء عنه، والمراد أنه بلغ في الظُّهور إلى الغاية حتَّى لم يبق للشكِّ فيه مجالٌ، والمراد من القرية: مصر، وقيل: قرية على باب مصر قال ابن عباس ﵁: هي قرية من قرى مصر، كانوا ارتحلوا منها.
وأما قوله: ﴿والعير التي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أي القافلة التي كُنَّا فيها.
قال المفسِّرون: كان صحبهم قوم من الكنعانيين من جيران يعقوب.
قال ابنُ إسحاق: عرف الأخ المحتبس بمصر أنَّ إخوته أهل تهمة عند أبيهم لمَا كانوا صنعوا في أمر يوسف ﵇، فأمرهم أن يقولوا هذا لأبيهم.
ثم إنَّهم لما بالغوا في التَّأكيد، والتقرير قالوا: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ يعنى سواء نسبتنا إلى التُّهمة، أم لم تنسب؛ فنحن صادقون، وليس غرضهم أن يثبتوا صدق أنفسهم؛ لأنَّ هذا يجري جرى إثبات الشيء بنفسه، بل الإنسان، إذا قدم ذكر الدَّليل القاطع على صحَّة الشيء، فقد يقول بعده: وأنَّا صادق في ذلك، يعني فتأمل فيما ذكرته من الدَّلائل، والبينات.
стр. 6690
فصل
قال القرطبي: «دلَّت هذه الآية على أنَّ كل من كان على حقٍّ، وعلم أنه قد يظن به أنَّه على [خلاف] ما هو عليه، أو يتوهم أن يرفع التُّهمة، وكلَّ ريبةٍ عن نفسه ويصرِّح بالحق الذي هو عليه، حتَّى لا يبقى متكلِّم، وقد فعل هذا نبينا ﵊ ُ بقوله للرجلين اللَّذين مرًّا، وهو قد خرج مع صفيَّة بن حييّ من المسجد:» على رسلكما، إنّما هي صفيّة بن حييّ «؛ فقالا: سبحان الله! وكبر علهيما، فقال رسول الله ﷺ َ:» إنَّ الشَّيطَان يَجْرِي مِنَ آدم مُجْرَى الدَّم، وإِنِّي خَشِيتُ أن يَقْذِفَ في قُلوبِكُمَا شرًّا، أو قال: شَيْئاً «متفرقٌ عليه.
فإن قيل: كيف استجاز يوسف أن يعمل هذا بأبيه، ولم يخبره بمكانه، ويحبس أخاه مع علمه بشدّة وجد أبيه عليه، ففيه معنى العقوق، وقطيعة الرَّجمِ، وقلَّة الشَّفقةِ؟ .
فالجواب: أنَّه فعل ذلك بأمر الله أمره به ليزيد في بلاءِ يعقوب، فيضاعف له الأجر، ويلحقه في الدَّرجةِ بآبائه الماضين.
وقيل: إنَّه لم يظهر نفسه لإخوته؛ لأنَّه لم يأمن أن يدبِّروا في أمره تدبيراً، فيكتموه عن أبيه، والأول أصح.
следующие страницы →