← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.

стр. 6896

فإن قلت: جرت الياء الأولى مجرى الحرف الصحيح لأجل الإدغام، فكأنها ياء وقعت بعد حرف صحيح ساكن فحركت بالكسر على الأصل. قلت: هذا قياس حسنٌ، ولكن الاستعمال المستفيض الذي هو بمنزلة الخبر المتواتر تتضاءل إليه القياسات. قال أبو حياان رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: «أما قولهن: واستشهدوا لها ببيت مجهول، فقد ذكر غيره أنه للأغلب العجلي، وهي لغة باقية في أفواه كثير من النَّاس إلى اليوم، يقولون: ما فيِّ أفعلُ كذا بكسر الياء» . قال شهابُ الدِّين: الذي ذكره صاحب هذا الرجز هو الشيخ أو شامة قال ورأيته أنا في أوَّل ديوانه، وأول هذا الرجز: ٣٢١٠ - أقْبَلَ فِي ثَوْبٍ مَعَافِريِّ ... عِنْدَ اختلاطِ اللَّيْلِ والعَشِيَّ ثم قال أبوة حيان: «وأما التقدير الذي ذكره فهو توجيه الفراء نقله عن الزجاج وأما قوله: في غضون كلامه حيثُ قبلها ألف، فلا أعلم» حيث «يضاف إلى الجملة المصدرة بالظرف، نحو:» قعد زيد حيث أمام عمرو بكر، فيحتاج هذا التركيب إلى سماع «. قال شهابُ الدين ﵀:» إطلاق النحاة قولهم: إنها تضاف إلى الجمل كاف في هذا، ولا يحتاج تتبع كلَّ فرد فرد مع إطلاقهم القوانين الكلية «. ثم قال: وأما قوله: لأن ياء الإضافة إلى آخره، قد روي بسكون الياء بعد الألف، وقد قرأ بذلك القراء، نحو: ﴿وَمَحْيَايَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] . قال شهاب الدين: مجيء السُّكون في هذه الياء لا يفيده ههنا، وإنَّما كان يفيده لو جاء بها مكسورة بعد الألف فإنهن محل البحث، وأنشد النحاة بيت الذبياني بالكسر والفتح، وهو قوله: [الطويل] ٣٢١١ - عَليَّ لِعمْرٍو نِعْمةٌ بَعْندَ نِعْمةٍ ... لِوالِدهِ ليْسَتْ بِذاتِ عَقارِبِ وقال الفراء في كتاب» المَعانِي «له:» وقد خفض الياء من «مصرخي» الأعمش

стр. 6897

ويحيى بن وثاب جميعاً حدّثني بذلك القاسم بن معنٍ عن الأعمش، ولعلها من وهنم القراء فِإنه قلَّ من سلم منهم من الوهم، ولعله ظن أنَّ الياء في ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ خافضة للفظ كله، والياء للمتكلم خارجة عن ذلك؟ قال: ومما [نرى] أنهم وهموا فيه قوله ﴿نُوَلِّهِ مَا تولى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥] بالجزم في الهاء «، ثمَّ ذكر غير ذلك. وقال أبوعبيدٍ: أمَّا الخفض فإنا نراه غلطاً؛ لأنَّهم ظنوا أنَّ الياء تكسر كل ما بعدها، وقد كان في القراء من يجعله لحناً، ولا أحبُّ أن أبلغ به هذا كله، ولكن وجه القراءة عندنا غيرها. وقال الأخفش:» ما سمعت بهذا من أحد من العرب ولا من أحد من النحويين «. قال النحسا: فصار هذا إجماعاً، ولا يجوز، فقد تقدَّم ما حكاهُ النَّاس من أنها لغة ثابتة لبعض العرب. وقد انتدب لنصرة هذه القراءة أبو علي الفارسي قال في حجَّته:» وجه ذلك أن الياء ليست تخلو من أن تكون في موضع نصب أو جر، فالياء في النصب والجر كالهاء فيهما وكالكاف في «أكْرَمْتُكَ» وهذا لك، فكما أنَّ الهاء قد لحقها الزيادة في «هذال لهو، وضربهو» ، ولحق الكاف أيضاً الزيادة في قول من ق ل: «أعْطَاكهُ» و «أعْطَيْتكَهُ» فيما حكاهُ سيبويه وهما أختا الياء، ولحقت الياء الزيادةم في قول الشاعر: [الهزج] ٣٢١٢ -، رَمَيْتِيهِ فأصْمَيْتِ ... ومَا أخْطَأتِ [في] الرَّميَه كذلك الحقوا الياء الزائدة من المد، فقالوا: فيِّ، ثمَّ حذفت الياء الزائدة على الياء كما حذفت الزيادة من الهاء في قول من قال: [الطويل] ٣٢١٣ - ... ... ... ... ... ... ... ... ..... ... ... ... ... ... ... . . لَهْ أرِقَانِ وزعم أبو الحسن: أنَّها لغة «. ومراد أبي علي بالتنظير بالبيت في قوله:» له أرِقَانِ «حذف الصلة، واتفق أن في البيت أيضاً حذف الحركمة ولو مثل بنحو» عَليْهِ «و» فِيهِ «لكان أولى. ثمَّ قال الفارسي: كما حذفت الزيادة من الكاف فقيلك أعطيتكه، وأعطيتكيه كذلك حذفت الياء اللاحقة للياء كما حذفت من أختها، وأقرت الكسرة التي كانت تلي

стр. 6898

الياء المحذوفة فبقيت الياء على ما كانت عليه من الكسرِ. قال\: فإذا كانت الكسرة في الياء على هذه اللغةِ، وإن كان من غيرها أفشى منها، وعضده من القياس ما ذكرنا ما لم يجز. لقائل أن يقول: إنَّ القراءة بذلك لحن، [لاستقامة] ذلك في السَّماع والقياس، وما كان كذلك لا يكون لحناً، وهذا [التوجيه] يوضح التوجيه الثاني الذي تقدَّم ذكره، وأما التوجيه الأول فأوضحه الفراء أيضاً. قال الزجاج:» أجاز الفراء على وجه ضعيف الكسر؛ لأن أصل التقاء السكانين الكسر «. قال الفراء:» ألا ترى أنهم يقولون: مذُ اليوم، ومُذِ اليوم، والرفع في الذال هو الوجه؛ لأنه أصل حركة «مُذْ» والخفض جائز، فكذلك الياء من «مُصرخِيِّ» خفضت ولها أصل في النصب «. قال شهاب الدين: تشبيه الفراء المسألة ب» مُذُ اليَوْم «فيه نظر؛ لأن الحرف الأول صحيح لم يتوالى قبله كسر، بخلاف ما نحن فيه، وهذا هو الذي عناه الزمخشريُّ قوله المتقدم: فكأنَّها وقعت فبعد حرف صحيح، وقد اضطرب النقل عن الفراء في هذه المسألة كما ترى من [نقل] بعضهم عنه، التخطئة مرة [والتصويب] أخرى، ولعل الأمر كذلك فإنَّ العلماء يسألون فيجيبون مما يحضرهم حال السؤال، وهني مختلفة التوجيه. الثالث: أن الكسر للإتباع لما بعدها، وهو كسر الهمزة من» إنِّي «كقراءة» الحَمْدِ للهِ «وكقولهم: بِعِير وشِعِير، وشِهِيد، سكر أوائلها إتباعاً لما بعدها وهو ضعيف جدًّا. التوجيه الرابع: أنَّ المسوغ لهذا الكسر في الياء، وإن كان مستقلاً أنها لما أدغمت فيها التي قبلها قويت بالإدغام، فأشبهت الحروف الصحاح فاحتملت الكسر لأنه إنما يستثقل فيها إذا حذفت، وانكسر ما قبلها، ألا ترى أن حركات الإعراب تجري على المشدد، ما ذاك إلا إلحاقه بالحروف الصحاح. والمُصْرِخ: المُغِيثُ: يقال: استصرختُه فأصرخني، أي: فأغَاثِني فكأن همزة للسكت، أي: أزَالَ صُراخِي. والصَّارخُ: هو المُسْتَغِيثُ، قال: [الطويل] ٣٢١٤ - فَلَا تَجْزَعُوا إنِّي لَكُمْ غَيْرُ مُصْرِخٍ ... ولَيْسَ لَكُمْ عِنْدِي غَنَاءُ ولا نَصْر ويقال: صَرَخَ يَصْرخُ صَرْخاً وصرخة؛ قال: [البسيط]

стр. 6899

٣٢١٥ - كُنَّا إذَا مَا أتَانَا صَارِخٌ فَزِعٌ ... كَانَ الصُّرَاخُ لَهُ قرْعَ الظَّنَابِيبِ يريد: كان [الصراخ] ، فحذف المضاف، وأقام المصدر الثلاثي مقام المصدر الرباعي، نحو ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧] . والصَّريخُ: القومُ المُسْتَرخُونَ، قال: [الكامل] ٣٢١٦ - قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصَّريخَ رأيْتهُمْ ... مَا بَيْنَ مُلْجمِ مُهرهِ أو سَافِعِ والصَّريخُ: أيضاً: المعينون، فهو من الأضداد، وهو محتملٌ أن يكون [وصفاً] على «فَعِيل» كالخليطِ، وأن يكو مصدراً في الأصل، قال «فَلا صَريخَ لَهُمْ» ، فهذا يحتمل، وأن يكون فعيلاً بمعنى المفعل، أي: فلا مُصْرِخَ لهم، أي: ناصر وتصرَّخَ تكلَّف الصُّراخ. قوله: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ يجوز في «ما» وجهان: [أحدهما: أن يكون بمعنى الذي، ثمَّ في المراد بعد الموصول وجهان:] أحدهما: أنه الأصنام، تقديره: بالصَّنم الذي أشركتموني به، أي: بالصنم الذي «اطعتموني كما أطعتموه، كذا قال أبو البقاء، والعائد محذوف، فقدره أبو البقاء: بما أشركتموني به، ثم حذف يعني بعد حذف الجار، ووصول العفل إليه، ولا حاجة إلى تقديره مجروراً بالياء؛ لأن هذا الفعل متعدّ لواحد، نحو: شركتُ زيداً، فلما دخلت همزة الفعل أكسبته ثانياً، هو العائد، تقول: أشْرَكْتُ زيْداً عَمْراً، أي جعلتهُ شريكاً له. الثاني: أنه الباري تعالى، أي: بما أشركتموني به، أي: بالله تعالى. قال القرطبي: المعنى: أن إبليس قال: إني كفرت بالله الذي أشركتموني به من قبل كفركم، أي: أنَّ كفره كان قبل كفر أتباعه، وتكون» مَا «بمعنى» مَنْ «والكلام في العائد كما تقدَّم، إلا أن فيه إيقاع» مَا «على العاقل والمشهور أنَّها لغير العاقل. قال الزمخشري:» ونحو «مَا» هذه «مَا» في قوله: «سُبْحانَ مَا سخَّركُنَّ لنَا» ومعنى إشراكهم الشيطان بالله تعالى طاتهم له فيما كان يزينه لهم من عبادة الأوثان «. قال أبو حيان:» ومن منع ذلك جعل سبحان هنا علماً على معنى التَّسبيح، كما

стр. 6900

جعل «برَّة» علماً للمبرة، و «ما» مصدرية ظرفية «، أي: فيكون على حذف مضاف أي: سبحان صاحب تسخيركن؛ لأن التسبيح لا يليقُ إلا بالله . . الوجه الثاني: أن» ما «مصدرية، اي: بإشراككم إياي مع الله، لي الطاعة. قوله» مِنْ قَبْلُ «متعهلق ب» كَفرْتُ «على القول الأوَّل؛ أي كفرت من قبل حين أبَيْتُ السجود لآدم ﵇ بالذي أشركتموني وهو الله ، وب» أشْرَكْتُ «على الثاني، أي: كفرت اليوم بإشراككم إيَّاي من قبل هذا اليوم أي: في الدنيا، كقوله ﴿وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] ، هذا قول الزمخشري ﵀. وجوَّز أبو البقاء متعلقه ب» كَفرْتُ «وب» أشْرَكْتمُونِي «من غير ترتيب على كون:» مَا «مصدرية أوموصولة. فقال: و «مِنْ قَبْلُ» متعلق ب «أشْرَكْتمُونِي» ، أي: كفرت الآن بما أشركتموني من قبل. وقيل: هي متعلقة ب «كَفرْتُ» أي: كفرت من قبل إشراككم، فلا أنفعكم شيئاً. وقرأ ابو عمرو بإثبات الياء في «أشْرَكْتمُونِي» وصلاً، وحذفها وقفاً، وحذفها الباقون وصلاً ووقفاً، وهنا تم كلام الشيطان. وقوله ﴿إِنَّ الظالمين﴾ من كلام الله تعالى، ويجوز أن يكون من كلام الشيطان. و «عَذابٌ» يجوز رفعه بالجار قبله على أنَّه الخبر، وعلى الابتداء وخبره الجار. قوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ الآية لما شرح حال الأشقياء شرح أحوال السُّعداءِ فقال، ﴿وَأُدْخِلَ الذين آمَنُواْ﴾ قرأ العامة «أدْخِلَ» ماضياً مبنياً للمفعول، والفاعل الله أو الملائكة. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: «أدخلُ» مضارعاً مستنداً للمتكلم وهو الله تعالى فمحل الموصول على الأولى رفع، وعلى الثانية نصبٌ. قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ في قراءة العامة يتعلق ب «أدْخِلَ» أي: أدخلوا بأمره، وتيسيره. ويجوز تعلقه بمحذوف على أنَّه حال، أي: ملتبسين بأمر ربهم. وجوز أبو البقاء ِأن يكون من تمام: «خَالِدينَ» يعني: أنه متعلق به، وليس بممتنع، وكذا على قراءة الشَّيخين.

стр. 6901

فقال الزمخشريُّ: فإن قلت: «فَبِمَ يتعلَّق في القراءةِ الأخرى، وقولك: وأدخل أنا بإذن ربهم كلام غير ملتئم؟ . قلت: الوجه في هذه القراءة أنَّه يتعلق بما بعده، أي: تحيتهم فيها سلام بإذنِ ربهم» . ورد عليه أبو حيَّان هذا بأنه لا يتقدم معمول المصدر عليه. وقد علقه غير الزمخشريِّ ب «أدْخِلَ» ، ولا تنافر في ذلك؛ لأنَّ كلَّ أحد يعلم أنَّ المتكلم في قوله: «وأدْخِلَ» أنه هو الله تعالى. وأحسن من هذين أن يتعلق بما بعده، أي: تحيتهم فيها سلامٌ بإن ربهم ورد في هذه القراءة بمحذوف على أنَّه حال كما تقدَّم تقديره. و «تَحِيَّتُهُمْ» مصدر مضاف لمفعوله، أي: يحييهم الله تعالى، أو ملائكته، ويجوزم أن يكون مضافاً لفاعله، أي: يحيى بعضهم بعضاً. ويعضد الأول ﴿وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤] و ﴿فِيهَا﴾ متعلق به. فصل أعلم أنَّ الثَّواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فأشار بقوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ إلى المنفعة الخالصة واشار بقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ إلى دوامها، وأشار إلى كونها مقرونة بالتعظيم بقوله ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بإذن الله وأمره، وبقوله ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [يونس: ١٠] أي: أنهم يحيى بعضهم بعضاً بهذه الكلمة، أو الملائكة يحيونهم بها، كما قال تعالى: ﴿وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤] والرَّب الرحيم أيضاً يحييهم [بهذه الكلمة] ﴿سَلَامٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] والسلام مشتقش من السلامة، أي: أنهم سلموا من آفات الدنيا آمنوا من أمرضها وأسقامها.

стр. 6902

قوله تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ﴾ لما شرح

стр. 6903

أحوال الأشقياء، وأحوال السعداء ذكر مثالاً للقسمين وف «ضَرَبَ» أوجه: أحدها: أنه متعد لواحد بمعنى اعتمد مثلاً ووضعه، و «كَلِمةً» على منصوبة بمضمر، أي: جعل كلمة طيبة كشجرة طييبة، وهو تفسير لقوله: «ضَربَ اللهُ مَثلاً» كقولك: شَرفَ الأمير زيْداً كَساهُ حُلَّةً، وحلمه على ضربين، وبه بدأ الزمخشريُّ. قال أبو حيان ﵀: «وفيهن تكلف إضمار، ولا ضرورة تدعو إليه» . قال شهاب الدين: «بل معناه محتاج إليه فيضطر إلى تقديره محافظة على لمح هذا المعنى الخاص» . الثاني: أنَّ «ضَرَبَ» متعدية لاثنين؛ لأنها بمعنى «صَيَّرَ» لكن مع لفظ المثل خاصة، وقد تقدَّم تقرير هذا أوَّل الكتاب، فيكون «كَلمَةٌ» مفعولاً أولا، و «مَثلاً» هوالثاني مقدم. الثالث: أنَّه متعدٍّ لواحد، وهو «مَثَلاً» ، و «كَلمَةً» بدل منه، و «كَشجَرةٍ» خبر مبتدأ مضمر، أي: هي كشجرة طيبة وعلى الوجهين قبله يكون «كَشجَرةٍ» نعتاً ل: «كَلِمَةً» . وقرىء «كَلِمةٌ» بالرفع، وفيه وجهان: أحدهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هو، أي: المثل كلمة طيبة، ويكون «كَشجَرة» على هذا نعتاً ل «كَلِمَةٍ» . والثاني: أنَّها مرفوعة بالابتداء، و «كَشجَرةٍ» خبر. وقرأ أنس بن مالكٍ ﵁ «ثَابِتٌ أصْلُهَتا» . قال الزمخشريُّ: فِإن قلت: أي فربق بين القراءتين؟ قلت: قراءة الجماعة أقوى معنى؛ لأنَّ قراءة أنس أجرت الصفة على الشجرة، ولو قلت: مررتُ برجُلٍ أبُوهُ قَائِمٌ، فهو أقوى من «رَجُل قَائِم أبوهُ» ؛ لأنَّ المخبر عنه إنَّما هو الأب، لا «رجل» . والجملة من قوله: «أصْلُهَا ثَابتٌ» في محلِّ جرٍّ نعتاً ل «شَجَرةٍ» . وكذلك «تُؤتِي أكلها» ويجوز فيهما أن يكونا مستأنفين، وجواز أبو البقاء في «تُوتِي» أن يكون حالاً من معنى الجملة التي قبلها، أي: ترتفع مؤتية أكلها، وتقدم الخلاف في «أكُلَهَا» . فصل المعنى: ألم تعلم، والمثل: قول سائر كتشبيه شيء بشيء: «كَلِمة طَيِّبةً» هي قول: لا إله إلا الله «كَشجَرةٍ طَيِّبةٍ» وهي النَّخلةُ يريد: كشجرة طيبة الثمر.

стр. 6904

وقال أبو ظيبان عن ابن عباسٍ ﵁: هي شجرة في الجنَّة أصلها ثابت في الأرض، وفرعها أعلاها في السماء، كذلك أصل هذه الكلمة راسخ في قلب المؤمن بالمعرفة، والتصديق، فإذا تكلَّم بها عرجت، فلا تحجب حتى تنتهي إلى الله قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] . ووصف الشجرة بكونها طيبة وذلك يشمل طِيبَ الصورة والشكل والمنظر، والطعم، والرائحة والمنفعة ويكون أصلها ثابت، اي: راسخٌ آمن من الانقطاع، والزوال ويكون فرعها في السماء؛ لأن ارتفاع الأغصان يدلُّ على ثبات الأصل، وأنَّها متى ارتفعت كانت عبدية عن عفونات الأرض، فكانت ثمارها نقيّة طاهرة عن جميع الشَّوائبِ، ووصفها أيضاً بأنها: «تُؤتِي أكلها كُلَّ حينٍ بإذنِ ربِّها» والحين في اللغة هو الوقت، والمراد أنَّ ثمار هذه الشجرة تكون أبداً حاضرة دائمة في كلِّ الأوقات ولا تكون مثل الأشجار التي تكون ثمارها حضارة في بعض الأوقات دون بعض. وقال مجاهد وعكرمة: والحين: سنة كاملة؛ لأنَّ النخلة تثمر كلَّ سنةٍ. وقال سعيد بن جبير، وقتادة والحسن: ستة أشهر من وقت إطلاعها إلى حين صرامها وروي ذلك عن ابن عبَّاسٍ ﵁. وقيل: أربعة أشهر من حين ظهورها إلى إدراكها. وقال سعيد بن المسيب: شهران من حين أن يؤكل منها إلى الصرام. وقال الربيع بن أنس ﵁: كل حين، أي: كل غدوة، وعشية، لأن ثمرة النخل تؤكل أبداً ليلاً ونهاراً صيفاً وشتاء إما تمراً رطباً أو بسراً، كذلك عمل المؤمن يصعد أوَّل النهار وآخره، وبركة إيمانه لا تنطقع أبداً، بل تتصل في كلِّ وقت. والحكمةٌ في تمثيل الإيمان بالشجرة، وهي أن الشجرة لا تكون إلا ثلاثة أشياء:

стр. 6905

عِرقٌ رَاسخٌ، وأصلٌ قَائِمٌ، وفَرعٌ عالٍ، كذلك الإيمان لا يتمُّ إلا بثلاثة أشياء: تصديق بالقلب وقول باللسان، وعمل بالأبدان. ثم قال تعالى جل ذكره ﴿وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ والمعنى: أن في ضرب الأمثال زيادة إفهام، وتذكير وتصوير للمعاني. وقوله: ﴿وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ قرىء بنصب «مثَل» عطفاً على: «مَثلَ» الأوَّلِ. و «اجْتُثَّتْ» «صفة ل» شَجَرَةٍ «، ومعنى:» اجْتُثَّتْ «قلعت جثتها، أي: شخصها والجثة شخص الإنسان قاعداً أو قائماً ويقال: اجتث الشيء أي اقتلعه، فهو افتعال من لفظ الجثة، وجَثَثْتُ الشيء: قلعتهُ. قال لقيط الإيادي: [البسيط] ٣٢١٧ - هذَا الجَلاءًُ الَّذي يَجْتَثُّ أصْلَكُمُ ... فمَنْ رأى مِثْلَ ذَا يَوْماً ومنْ سَمِعَا وقال الراغب:» جُثَّةٌ الشيء: شخصه النَّاتىء، والمُجَيَّةُ: ما يجثُّ بِهِ والجَثِيثَةُ لما بَانَ جُثَّتهُ بعد طَبْخهِ، والجَثْجَاثُ: نَبْتٌ «. و» مِنْ قرارٍ «يجوز أن يكون فاعلاً بالجار قبله لاعتماده على النَّفي، وأن يكون مبتدأ، والجملة المنفية إمَّا نعت ل» شَجَرةٍ «وإمَّا حال من ضمير:» اجْتُثَّتْ «. فصل في المراد بالشجرة الخبيثة الكلمة الخبيثة هي الشرك:» كَشجَرةٍ خَبِيثةٍ «وهي الحنظلُ وقيل: هي الثوم. وقيل: هي الكشوث وهل العسَّة، وهي شجرةٌ لا ورق لها، ولا عروق في الأرض. [قال الشاعر:] [البسيط] ٣٢١٨ - ... ... ... ... ... ... ... ... ..... وهيَ كَشُوثٌ فلا أصْلٌ ولا ثَمَر وعن ابن عبَّاسٍ ﵁ أنَّها شجرة لم تخلق على وجهِ الأرض. «اجْتُثَّت» اقتلعت من فوق الأرض «مَا لهَا من قرارٍ» ثابت، أي: ليس لها أصلٌ ثابتٌ في الأرض ولا فرع صاعد إلى السماء، كذلك الكافر لا خير فيه، ولا صعد له قولٌ طيب، ولا عمل صالح.

стр. 6906

فصل قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ الله الذين آمَنُواْ بالقول الثابت﴾ كلمة التوحيد، وهي قوله: لا إله إلا الله ﴿فِي الحياة الدنيا﴾ يعني قبل الموت، ﴿وَفِي الآخرة﴾ يعني في القبر هذا قول أكثر المفسرين. وقيل: ﴿فِي الحياة الدنيا﴾ في القبر عند السؤال ﴿وَفِي الآخرة﴾ عند البعث، والأول أصح، لما روى البراء بن عازب أنَّ رسول الله ﷺ َ قال: «المُسْلِمُ إذَا سُئِلَ في القَبْرِ يَشهَدُ أنَّ لا إلهَ إلَاّ اللهُ، وأنَّ مُحمَّداً رَسُولُ اللهِ، فذَلِكَ قولهُ سُبحانَهُ ﴿يُثَبِّتُ الله الذين آمَنُواْ بالقول الثابت فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة﴾ قال حين يُقالُ لَهُ: مَن ربُّكَ؟ ومَا دِينُكَ؟ ومَنْ نَبيُّكَ؟ فيقول: الله ربِّي، ودينِي الإسلامُ، ونَبِيِّي مُحمَّدٌ» واالمشهور أن هذه الآية وردت في سؤال الملكين في القبر، فيلقّن الله المؤمن لكمة الحق في القبر عند السؤال، ويثبته على الحق. ومعنى «الثَّابِتِ» هو أنَّ الله تعالى إنَّما يثبتهم في القبر لمواظبتهم في الحياة الدنيا على هذا القول. قوله: «بالقَوْلِ» فيه وجهان: أحدهما: تعلقه ب «يُثَبِّتُ» . والثاني: أنه متعلق ب «آمنُوا» . وقوله تعالى: ﴿فِي الحياة﴾ متعلق ب «يُثَبِّتُ» ويجوز أن يتعلق ب «الثَّابتِ» . ثمَّ قال تعالى: ﴿وَيُضِلُّ الله الظالمين﴾ أي: لايهدي المشركين للجواب بالصواب في القبر ﴿وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَآءُ﴾ من التوفيق والخذلان والتثبيت، وترك التثبيت.

стр. 6907

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً﴾ الآية اعلم أنَّه تعالى عاد إلى وصف الكافرين فقال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ﴾ . قال ابن عبَّاس ﵄: ﴿الذين بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً﴾ هم والله كفار قريش «بدَّلُوا» أي: غيروا «نعِْمةَ اللهِ» عليم في محمد صلوات الله وسلامه عليه حيث ابتعثه الله

стр. 6908

منهم كفروا به: «أحَلُّوا» أنزلوا: «قَوْمهُمْ» من على كفرهم: «دَارَ البَوارِ» الهلاك. ثم بيَّن دار البوار فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ القرار﴾ المستقر، وقال عليٌّ: هم كفار قريش نُحروا يوم بدرٍ. وقال عمر بن الخطاب ﵁ هم الأفجران من قريش بنو أمية وبنو [مخزوم] ، فأما بنو أمية فمُتِّعُوا إلى حين، وأما بنو مخزوم، [فأهلكوا] يوم بدر قاله على ابن أبي طالب، وعمر بن الخطاب ﵄. وعن ابن عباس وقتادة ﵄: نزلت في منتصري العرب جبلة بن الأيهم وأصحابه. وقال الحسنُ ﵁: هي عامَّة في جميع المشركين. قوله تعالى: ﴿بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً﴾ فيه أوجه: أحدها: أن الأصل: بدلوا شكر نعمة الله كفراً، كقوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣] أي شكر رزقكم؛ وجب عليهم الشكر؛ فوضعوا موضعه الكفر. والثاني: أنَّهم بدلوا نفس النعمة كفراً على أنَّهم لما كفروها سلبوها، فبقوا مسلوبي النعمة موصوفين بالكفر حاصلاً لهم، قالهما الزمخشريُّ، وعلى هذا فلا يحتاج إلى حذف مضاف، وقد تقدَّم أن «بدَّل» يعتدى لاثنين: أولهما: من غير حرف. والثاني: بالباء، وأن الجمهور هو المتروكم والمنصوب هو الحاصل، ويجوز حذف الحروف فيكون المجرور بالباء هنا هو «نِعْمَةٌ» ؛ لأنها المتروكة. وإذاً عرف أنَّ قول الحوفي، وأبي البقاءِ: أن «كُفْراً» هو المفعولُ الثاني ليس بجيد؛ لأنه هو الَّذي يصلُ إليه الفعل بنفسه لا بحرف الجر، ما كان كذا فهو المفعول الأول. قوله: ﴿جَهَنَّمَ﴾ فيه ثلاثة أوجه:

стр. 6909

أحدها: أنه بدلٌ من «دَارَ» . الثاني: أنه عطف بيان لها، وعلى هذين الوجهين؛ فالإحلال يقع في الآخرة. الثالث: أن ينتصب على الاشتغل بفعل مقدر، وعلى هذا، فالإحلال يقع في الدُّنيا، لأن قوله: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ أي: واقع في الآخرة. ويؤيَّدُ هذا التأويل: قراءة ابن أبي عبلة «جَهَنَّمُ» بالرفع على أنها مبتدأ، والجملة بعده الخبر. وتحتمل قراءة ابن أبي عبلة وجهاً آخر: وهو أن ترتفع على خبر [مبتدأ] مضمر. و «يَصْلونهَا» حال إمَّا من: «قَوْمَهُمْ» ، وإمَّا من «دَارَ» ، وإمَّا من: «جَهنَّمَ» . وهذا التوجيه أولى من حيث إنه لم يتقدم ما يرجح النصب، ولا ما يجعله مساوياً والقراء الجماهير على النصب، فلم يكونوا ليتركوا الأفصح؛ إلا لأنَّ المسألة ليست من الاشتغال في شيء، وهذا الذي ذكرناه أيضاً مرجح لنصبه على البديلة أو البيان على انتصابه على الاشتغال. و «البَوار» : الهلاكُ؛ قال الشاعر: [الوافر] ٣٢١٩ - فَلمْ أرَ مِثْلهُم أبْطالَ حَربٍ ... غَداةَ الرَّوْع إذْ خِيفَ البَوارُ وأصله من [الكساد] كما قيل: كَسَدَ حتَّى فسَدَ، ولما كان الكَسَاد يُؤدِّي إلى الفَساد والهلاك أطلق عليه البوار. ويقال: بَارَ يَبُورُ بُوراً وبَوَاراً، ورجُلُ جَائِرٌ بائِرٌ، وقوله : ﴿وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ [الفتح: ١٢] ويحتمل أن يكون مصدراً وصف به الجمع، وأن يكون جمع بائرٍ في المعنى، ومن وقوع «بُور» على الواحد قوله: [الخفيف] ٣٢٢٠ - يَا رسُولُ المَلِيكِ إنَّ لِسَانِي ... رَائِقٌ ما فَتقْت إذْ أنَا بُورُ أي: هَالِكٌ. قوله: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ﴾ والمراد بهذا الجعل: الحم والاعتقاد، والفعل، والأنداد الأشباه، والشركاء.

стр. 6910

«لِيُضلُّوا» قرأ ابن كثير وأبو عمرو هنا: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ﴾ بفتح الياءِ والباقون بضمها من أصله، واللام هي لام الجر مضمرة: «أنْ» بعدها، وهي لام العاقبة لما كان مآلهم إلى ذلك ويجز أن تكون لللتعليل. وقيل: هي مع فتح الياء للعاقبة فقط، ومع ضمها محتملة للوجهين كأنَّ هذا القائل توهم أنهم لم يجعلوا الأنداد لضلالهم، وليس كما زعم، لأن منهم من كفر عناداً واتخذ الآلهة ليضل بنفسه. قوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُواْ﴾ عيشوا في الدنيا: ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار﴾ ﴿إِلَى النار﴾ خبر «إنَّ: والمصير مصدر، و» صَارَ «التامة، أي: فإنَّ مرجعكم كائن إلى النَّار. وأجاز الحوفيُّ أن يتعلق ﴿إِلَى النار﴾ ب» مَصِيرَكُمْ «. وقد ردَّ هذا بعضهم: بأنَّه لو جعلناه مصدراً صَارَ بمعنى انتقل، و ﴿إِلَى النار﴾ متعلق به، بقيت» إنَّ «بلا خبر، لا يقال: خبرها حينئذ محذوف؛ لأنَّ حذفه في مثل هذا يقلُّ، وإنَّما يكثر حذفه إذا كان الاسم نكرة، والخبر ظرفاً أو جارًّا، كقوله: [المنسرح] ٣٢٢١ - إنَّ مَحَلا وإنَّ مُرْتَحَلَا ... وإنَّ في السَّفْرِ ما مضَى مَهَلا

стр. 6911

لما هدد الكفار، وأوعدهم بالتَّمتُّع بنعيم الدنيا أمر المؤمنين بترك التمتع في الدنيا، والمبالغة في الجهاد بالنفس والمال. وفي «يُقِيمُوا» أوجه:

стр. 6912

أحدها: أنه مجزومٌ بلام محذوفة، تقديره: ليقيموا، فحذفت وبقي عملها، كما يحذف الجار ويبقى عمله، كقوله: [الوافر] ٣٢٢٢ - مُحَمَّدُ تَفْدِ نفْسكَ كُلُّ نَفْسٍ ... إذَا مَا خِفْتَ من شَيءٍ تَبَالا يريد: لتفدِ. وأنشده سيبويه إلا أنَّه خصه بالشعرِ. قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون:» يُقِيمُوا، و «يُنْفِقُوا» بمعنى: ليقيموا ولينفقوا، وليكون هذا هو المقولُ، قالوا: وإنَّما جَازَ حذف اللَاّم؛ لأنَّ الأمر الذي هو «قُلْ» عوض منها، ولو قيل: يقيموا الصلاة، وينفقوا بحذف اللَاّم لم يجز «. ونحا ابنُ مالكٍ ﵀ إلى قريب من هذا، فإنَّه جعل محذف هذه اللَاّم على أضربٍ: قليل، وكثير ومتوسط. فالكثير: أن يكمون قبله قول بصيغة الأمر، كلآية الكريمة. والقليل: ألا يتقدم قول؛ كقوله: [الوافر] ٣٢٣٣ - مُحَمَّدُ تَفْدِ ... ... ... . ..... ... ... ... ... ... ... . . والمتوسطُ: أن يتقدَّم بغير صيغة الأمر، كقوله: [الرجز] ٣٢٢٤ - قُلْتُ لبَوَّابٍ لَديْهِ دَرُهَا ... تِيذَنْ فإنِّي حَمؤُهَا وجَارُهَا الثاني: أن» يُقِيمُوا «مجزوم على جواب:» قُلْ «، وإليه نحا الأخفش والمبرد. وقد رد النَّاس عليهما هذا؛ بأنه لا يلزمُ من قوله لهم: أقيموا أن يفعلوا ذم من تخلف عن هذا الأمر. وقد أجيب عن هذا: بأنَّ المراد بالبعادِ المؤمنون، ولذلك أضافهم إليه تشريفاً والمؤمنون متى أمروا؛ امتثلوا. الثالث: أنه مجزومٌ على جواب المقولِ المحذوفِ، تقديره: قل لعبادي أقيموا وأنفقوا، أي: يقيموا وينفقوا، قاله أبو البقاء ﵀ وعزاه للمبرّد، كذا ذكره جماعةٌ ولم يتعرّضوا لإفساده، وهو فاسدٌ من وجهين: أحدهما: أن جواب الشَّرط يخالف الشَّرط إما في الفعل، وإما في الفاعل، أو

стр. 6913

فيهما وأمَّا إذا كان مثله في الفعل والفاعل، فهو خطأ، كقولك: قُمْ يَقُمْ، والتقدير على ما ذكره في وهذا الوجه: أن يُقِيمُوا يُقِيمُوا. والوجه الثاني: أنَّ الأمر المقدر للمواجهة، و» يُقِيمُوا «على لفظ الغيبة، وهو خطأ إذا كان الفاعل واحداً. قال شهاب الدين:» أمَّا الإفساد الأوَّل فقريب، وأمَّا الثاني، فليس بشيء لأنَّه يجوز أن يقول: قل لعبدي أطعني يطعك، وإن كان للغيبة بعد الموجهة باعتبار حكاية الحال «. الرابع: أن التقدير: أن يقول هلم: أقيموا يقيموا، وهذا مروي عن سيبويه فيما حكاه ابن عطية، وهذا هو القول الثاني. الخامس: قال ابن عطية:» يحتمل أن يكون «يُقِيمُوا» جواب الأمر الذي يعطينا معناه قوله «قُلْ» وذلك أن تجعل «قُلْ» في هذه الآية بمعنى بَلَّغ وَأدِّ الشَّريعة يقيموا الصَّلاة «. السادس: قال الفراء: الأمر معه شرط مقدر، تقولُ: أطِعِ الله يُدخِلْكَ الجنَّة والفرق بين هذا، وبين ما قبله: أنَّ ما قبله ضمن فيه الأمر نفسه معنى الشَّرط، وفي هذا قدر فعل الشرط بعد فعل الأمر من غير تضمينٍ. السابع: قال الفارسي إنَّه مضارع صرف عن الأمر إلى الخبر، ومعناه: أقيموا. وهذا مردودٌ؛ لأنه كان ينبغي أن تثبت نونه الدالةٌ على إعرابه. وأجيب عن هذا: بأنه بني لوقوعه موقع المبني، كما بني المنادى في نحو: يَا زَيْدُ لوقوعه موضع الضمير. ولو قيل: بأنَّه حذفت نونه تخفيفاً على حد حذفها في قوله: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابروا» . وفي معمول «قُلْ» ثلاثة أوجه: الأول: الأمر المقدر، أي: قل لهم أقيما يقيموا. الثاني: أنه نفس «يُقِيمُوا» على ما قاله ابن عطية. الثالث: أنَّه الجملة من قوله: ﴿الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض﴾ إلى أخره، قاله ابن عطية؟ وفيه تفكيك النَّظم، وجعل الجملة: ﴿يُقِيمُواْ الصلاة﴾ إلى آخرها مفلتاً مما قبله وبعده، أو يكون جواباً فصل به بين القولين، ومعموله، لكنه لا يترتب على قوله ذلك: إقامة الصلاة، والإنفاق إلا بتأويل بعيد جدًّا.

стр. 6914

وقرأ حمزة والكسائي: «لِعبَادِيْ» بسكون الياء، والباقون بفتح الياءِ لالتقاءِ الساكنين. قوله: ﴿سِرّاً وَعَلانِيَةً﴾ في نصبهما ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّهما حالان مما تقدجم، وفيهما الثلاث التأويلات في: زيْدٌ عدْلٌ، أي: ذَوِي سرٍّ، وعلانيةٍ، أو مُسرِّينَ مُعلِنينَ، أو جعلوا نفس السر والعلانية مبالغة. الثاني: أنهما منصوبان على الظرف، أي: وقتي سر وعلانية. الثالث: أنهما منصوبان على المصدر، أي: إنفاق سرِّ، وإنفاق علانية. قوله: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ متعلق ب: «يُقِيمُوا» و «يُنْفِقُوا» أي: يفعلون ذلك قبل هذا اليوم. وقد تقدَّم خلاف القراء في: «لا بيعٌ فيه ولا خلالٌ» . والخِلال المُخالة، وهي المُصاحبة، يقال: خاللته خِلالاً، ومخالَّة؛ قال طرفة: [السريع] ٣٢٢٥ - كُلُّ خَليلٍ كُنْتُ خَالَلْتُهُ ... لا تَراكَ اللهُ لَهُ وَاضِحَه وقال امرؤ القيس: [الطويل] ٣٢٢٦ - صَرْتُ الهَوَى عَنْهُنَّ مِنْ خَشْيةِ الرَّدَى ... وَلسْتُ بِمقْليِّ الخِلالِ ولا قَالِ وقال الأخفش: خِلال جمع ل «خلة» ، نحو «بُرمَة وبِرَام» . فصل قال مقاتلٌ: يوم لا بيع فيه، ولا شراء، ولا مخالفة، ولا قرابة. وقد تقدَّم الكلام على نحو هذه الآية في البقرة [٢٥٤] . فإن قيل: كيف نفى الخلة هاهنا وأثبتها في قوله: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَاّ المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧] ؟ . فالجواب: أن الآية الدَّالة على نفي المخالة محمولة على نفي المُخَاللَة بسبب ميل الطبع، ورغبة النفس، والآية الدَّالة على حصول المُخَاللَة، محمولة على الخُلَّة الحاصلة بسبب عبودية الله تعالى ومحبَّتهِ. قوله تعالى: ﴿الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض﴾ الآية لما وصف أحوال السعداء،

стр. 6915

وأحوال الأشقياء، وكانت العمدة العظمى في حصول السَّعادة معرفة الله تعالى بذاته وصفاته، وحصول الشقاوة فقدان هذه المعرفة لا جرم ختم الله تعالى هذين الوصفين بالدَّلائل الدالة على وجود الصَّانع، وكمل عمله وقدرته وذكر ههنا عشرة أنواع من الدلائل: أولها: خلق السَّموات. وثانيها: خلق الأرض. وثالثها: قوله: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ﴾ . «مِنَ السَّماءِ: يجوز أني تعلق ب» أنْزلَ «، و» من «لابتداءِ الغايةِ، وأن يتعلق بمحذوف على أنَّه حال من» مَاءٍ «؛ لأ، هـ صفته في الأصل، وكذلك» مِنَ الثَّمراتِ «في الوجهين. وجوَّز الزمخشري وابن عطية: أن تكون:» مِنْ «لبيان الجنس، أي: ورزقاً هو الثمرات. وردت عليهما بأن التي للبيان إنَّما تجيء بعد المبهم، وقد يجاب عنهما؛ بأنهما أرادا ذلك من حيث المعنى لا الإعراب، وقد تقدم ذلك في البقرة [البقرة ٢٣، ٢٥] . ورابعها: قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الفلك لِتَجْرِيَ فِي البحر بِأَمْرِهِ﴾ يجوز أن يتعلق» بأمْرهِ «ب» تَجْرِي «أي: بسببه، أو بمحذوف على أنَّها للحال، أي: ملتبسة به. وخامسها: قوله ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنهار﴾ . وسادسها، وسابعها: ﴿وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَآئِبَينَ﴾ دائبين حال من» الشمسِ والقَمرِ «، وتقدم اشتقاق الدَّأبِ. وثامنها وتاسعها: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الليل والنهار﴾ . وعاشرها: قوله تعالى: ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ العكامة على أضافة:» كُلِّ «إلى ما. وفي» مِنْ «قولان: أحدهما: أنَّها زائدة في المفعول الثاني، أي: كل ما سألتموه وهذا إنَّما يتأتَّى على قول الأخفشِ. والثاني: أن تكون تبعيضية، أي: آتاكم بعض جميع ما سألمتوه نظراً لكم ولمصالحكم وعلى هذا فالمفعول محذوف، تقديره: وآتاكم من كل ما سألتموه، وهو رأي سيبويه و» مَا «يجوز فيها أن تكون موصولة اسمية، أو حرفية، أو نكرة موصوفة، والمصدر واقع موقع المفعول، أي: مسئولكم، فإن كانت مصدرية فالضمير في:» سَألتُموهُ «عائد على الله تعالى وإن كانت موصولة، أو موصوفة كان عائداً عليها، ولا يجوز أن يكون عائداً على الله تعالى، وعائد الموصول أو الموصوف محذوف، لأنه إما

стр. 6916

أن يقدر متصلاً سألتموهوه، أو منفصلاً سألتموه إيَّاه، وكلاهما لا يجوز فيه الحذف لما تقدم أول البقرة في قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ . وقرأ ابن عباس، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، والحسن، والضحاك، وعمرو بن فائد وقتادة، وسلام، ويعقوب، ونافع رضشي الله عنهم في رواية:» مِنْ كُلِّ «منونة، وفي» مَا «على هذه القراءة وجهان: أحدهما: أنَّها نافية، وبيه بدأ الزمخشري، فقال: و» مَا سَألتْمُوهُ «نفي ومحله النَّصب على الحال، أي: آتاكم من جميع ذلك غير سائلين. قال شهاب الدين: ويكون المفعول الثاني هو الجار من قوله: «مِنْ كُلِّ» كقوله تعالى ﴿وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ١٦] . والثاني: أنها موصولة يمعنى الذي، وهي المفعول الثاني ل «آتَاكُمْ:. وهذا التخريج الثاني أولى؛ لأنَّ في الأول منافاة ف يالظ اهر لقراءة العامة. قال أبو حيَّان: ِ» ولما أحس الزمخشري بظهور التنافي بين هذه القراءة، وبين تلك قال: ويجوز أن تكون: «مَا» موصولة على: وآتاكم من كلِّ ذلك ما احتجتم إليه، ولم تصلح أحوالكم ولا معايشكم إلا به، فكأنكم طلبتموه، وسألتموه بلسان الحالِ فتأول: «مَا سَألتْمُوهُ» بمعنى ما احتجتم إليه «. فصل اعلم أنَّه تعالى بدأ بذكر خلق السموات، والأرض، لأنهما الأصلان اللذان يتفرع عليهما سائر الأدلة المذكورة بعده. ثمَّ قال: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ﴾ فإنَّه لولا السماء لم يصحّ إنزال الماء منها، ولولا الأرض لم يوجد ما يستقر الماء فيه، فلا بد من وجودهما حتى يصح هذا المقصود. واعلم أنَّ الماء إنمّا ينزلُ من السَّحاب إلى الأرض، وسمي السحاب سماء اشتقاقاً من السمو؛ وقيل: ينزل من السماء إلى السحاب، ثم ينزل من السحاب إلى الأرض ثم قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ﴾ . قال أبو مسلم ﵀: لفظ» الثَّمراتِ «يقع في الاغلب على ما يحصل من الأشجار، ويقع أيضاً على الزَّرعِ والنبات، كقوله تعالى: ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] .

стр. 6917

ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الفلك لِتَجْرِيَ فِي البحر بِأَمْرِهِ﴾ [إبراهيم: ٣٢] نظره ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الجوار فِي البحر كالأعلام﴾ [الشورى: ٣٢] . واعلم أنَّ الانتفاع بما ينبت من الأرض إنَّما يكمل بوجود الفلك؛ لأنَّ الله تعالى خص كل طرف من أطراف الأرض بنوع آخر من النعم حتى إن نعمة هذا الطرف إذا نقلت إلى الطرف الآخر من الأرض، وبالعكس، كثرت الأرباح في التجارات وهذا الفعل لا يمكن إلا بسفن البرّ، وهي الجمال، أو بسفن البحر، وهي الفلك. فإن قيل: ما معنى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الفلك﴾ منع أنَّ تركيب السفينة من أعمال العبادِ؟ . فالجوابُ: أنَّ فعل العبد خلقُ الله تعالى عند أهنل السُّنَّة، فلا سؤال. وأمَّا عند المعتزلة: فأنه تعالى خلق الأشجار التي تركب منها السُّفن وخلق الحديد، وسائر الآلات، وعرف العباد صنعه التركيب، وخلق الرياح، وخلق الحركات القوية فيها، ووسّع الأنهار وعمقها تعميقاً لجري السفن فيها، ولولا ذلك لما حصل الانتفاع بالسفن. وأضاف التسخير إلى أمره؛ لأنَّ الملك العظيم لا يوصف بأنَّه فعل، وإنَّما يقال: أمر، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] وسخر الفلك مجازاً؛ لأنها جمادات، ولما كانت تجري على وجه الماء، وعلى وفق إرادة الملاح صارت كأنها حيوان مسخَّر. ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنهار﴾ ، لأنَّ ماء البحر لا ينتفع به في الزراعات، فأنعم الله تعالى على الخلق بتفجير الأنهار، والعيون حتى انبعث الماء منها إلى موضع الزرع والنبات، وأيضاً: فماء البحر لا يصلحُ للشرب، وإنَّما يصلح له مياه الأنهار. ثم قال ﴿وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر﴾ والانتفاع بهما عظيم قال الله ﴿وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً﴾ [نوح: ١٦] ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ [الفرقان: ٦١] ﴿هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب﴾ [يونس: ٥] ، وتأثيرهما في إزالة الظلمة، وإصلاح النبات والحيوان، فالشمس سلطان النهار، والقمر سلطان الليل، فلولا الشمس لما حصلت الفصول الأربعة، ولولاها لاختلت مصالح العالم بالكليِّة. ثم قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الليل والنهار﴾ ومنافعهما مذكورة في القرآن، كقوله ﴿وَجَعَلْنَا الليل لِبَاساً وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً﴾ [النبأ: ١٠، ١١] ، وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] . قال المتكلمون: تسخير الليل، والنهار مجاز؛ لأنهما عرضٌ، والأعراض لا تسخَّر.

стр. 6918

ثم قال : ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ أي: أنه لم يقتصر على هذه النعم بل أعطى عباده من المنافع مالا يأتي على بعضها التَّعداد. ثمَّ قال ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لَا تُحْصُوهَا﴾ قال الواحديُّ: «النِّعْةُ ههنا أسم أقسم مقام المصدر، يقال: أنْعَمَ اللهُ عليْهِ ينعم إنْعَاماً، ونِعْمةً، أقيم الاسم مقام الإنعام، كقوله: أنْفَقتُ عليْكَ إنْفَاقاً ونَفقَةً شيئاً واحداً، ولذلك يجمع لأنَّهُ في معنى المصدر» . وقال غيره: «النِّعمة هنا بمعنى المُنْعَم به» . وخُتِمَت هذه الآية ب ﴿إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ﴾ ونظيرها في النحل ب ﴿إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] لأن في هذه تقدم قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً﴾ [إبراهيم: ٢٨] وبعده ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾ [أبراهيم: ٣٠] فجاء قوله ﴿إِنَّ الإنسان﴾ شاهداً بقبح من فعل ذلك فناسب ختمها بذلك. والتي في النَّحل ذكر فيها عدة تفضيلات، وبالغ فيها، وذكر قوله جلّ ذكره ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَاّ يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] أي: من أوجد هذه النعم السابق ذكرها كمن لم يقدر منها على شيء، فذكر أيضاً أن من جملة تفضلاته اتصافه بهاتين الصفتين. وقال ابن الخطيب: «كأنه يقول: إذا حصلت النعم الكثيرة؛ فأنت الذي أخذتها وأنا الذي أعطيتها؛ فحصل لك عند أخذها وصفان: وهما: كونك ظلوماً كفاراً، ولي وصفان عند أعطائها وهما: كوني غفوراً رحيماً، فكأنه تعالى يقول: إن كنت ظلوماً فأنا غفورٌ، وإنت كنت كفاراً فأنا رحيم، أعلم عجزك، وقصورك، فلا أقابل جفاك إلا بالوفاء» .

стр. 6919

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً﴾ الآية لما استدل على أنَّه لا معبود إلا الله تعالى وأنَّه لا يجوز عبادة غير الله تعالى ألبتَّة، وحكة عن إبراهيم ﵇ أنَّه طلب من الله تعالى أشياء:

стр. 6920

أحدها: قوله: ﴿رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً﴾ ، وتقدَّم تحريه في البقرة «وهذا البلد آمناً» ، ومسوِّل الجعل التَّصيير. قال الزمخشري: «فإن قلت: فرق بين قوله: ﴿اجعل هذا البلد آمِناً﴾ وبين قوله ﴿هذا بَلَداً آمِناً﴾ [البقرة: ١٢٦] . قلت: قد سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها، ولا يخافون، في الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمناً» . قوله «واجْنُبْنِي» ، يقال: جنَّبهُ شرًّا، وأجْنَبهُ إيَّاه ثلاثياً، ورباعياً، وهي لغة نجد وجنَّبهُ إيَّاهُ مشدَّداً، وهي لغة الحجاز وهو المنعُ، وأصله من الجانب. وقال الراغب: «قوله تعالى: ﴿واجنبني وَبَنِيَّ﴾ من جَنَبْتهُ عن كذا، أي: أبْعدتهُ منه، وقيل: من جَنَبْتُ الفرس، [كأنَّما] سألهُ أن يقُودَهُ عن جانبِ الشِّرك بألطافِ منهُ وأسبابٍ خفيَّة» . و «أنْ نعبد» على حذف الحرف، أي: عن أن نَعْبُد. وقرأ الجحدري وعيسى الثقفي رحمهما الله «وأجْنِبْنِي» بطقع الهمزة من «أجَنَبَ» . قال بعضهم: يقال: جَنَبْتهُ الشَّيء، وأجْنَبْتُه تَجَنُّباً، وأجْنبتهُ إجْنَاباً، بمعنى واحد. فإن قيل: ههنا إشكالٌ من وجوه: أحدهما: أن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه دعا ربَّه أن يجعل مكَّة بلداً آمناً وقد خرب جماعة الكعبة، وأغاروا على مكَّة. وثانيها: أن الأنبياء ﵊ ُ معصومون من عبادة الأصنام، فما فائدة هذا الدعاء. وثالثها: أنَّ كثيراً من أبنائه عبدوا الأصنام؛ لأنَّ كفَّار قريش كانوا من أولاده وكانوا يعبدون الأصنام فأين الإجابة؟ . فالجواب عن الأوَّل من وجهين: الأول: أنه نقل عن إبراهيم ﵊ ُ أنه لما فرغ من بناء الكعبة دعا بأن يجعل الله الكعبة، وتلك البلدة آمنة من الخراب. والثاني: أنَّ المراد جعل أهلها آمنين، كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] والمراد أهلها، وعلى هذا أكثر المفسرين، وعلى هذا التقدير، فالمراد بالأمن ما

стр. 6921

اختصت به مكة من زيادة الأمن، وهو أنَّ من التجأ إلى مكَّة أمن، وكان النَّاس مع شدة عداوتهم إذا التقوا بمكَّة لا يخاف بعضهم بعضاً، ولذلك أمن الوحش، فإنهم يقربون إذا كانوا بمكة ويستوحشون من النَّاس إذا كاناو خارج مكَّة. وعن الثاني قال الزجاج: معناه: ثَبِّتْنِي على اجتناب عبادتها، كما قال: ﴿واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] أي: ثبتنا على الإسلام. ولقائل أن يقول: السؤال باقٍ، لأنه من المعلوم أنَّ الله ﵎ ثبت الأنبياء على الإسلام، واجتناب عبادة الأصنام، فما الفائدةٌ من هذا السؤال؟ . قال ابن الخطيب: والصحيح عندي في الجواب وجهان: الأول: أنه صلوات الله وسلامه عليه وإن كان يعلم أنَّ الله تعالى يصعمه من عبادة الأصنام، إلاّ أنه ذكر ذلك للنفس وإظهاراً للحاجة والفاقة إلى فضل الله تعالى في كل المطالب. والثاني: أنَّ الصوفية يقولون: إنَّ الشرك نوعان: شركٌ ظاهرٌ، وهو الذي يقوله المشركون، وشرك خفي، وهو تعلق القلب بالأسباب الظاهرة. والتوحيد هو أن يقطع نظره عن الوسائط، وأن لا يرى متوسطاً سوى الحق فيحتمل أن يكون قوله ﴿واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام﴾ المراد أن يعصمه عن هذا الشرط الخفي، والله تعالى أعمل. والجواب عن الثالث من وجوه: أحدها: قال الزمخشري: «قوله» وبَنِيَّ: أراد بنيه [من صلبه] «. والفائدة في هذا الدعاء غير الفائدة التي ذكرناها في قوله:» واجْنُبْنِي وبَنِيََّ «. وثانيها: قال بعضهم: أراد من أولاده، وأولاد أولاده كل من كان موجوداً حال الدُّعاء، ولا شك أنَّ دعوته مجابة فيهم. وثالثها: قال مجاهد: لم يعبد أحد من ولد إبراهيم ﵊ ُ صنماً، والصنم هو التمثال المصور، وما ليس بصنم هو من الوثن، وكفَّار قريش ما عبدوا التمثال، وإنما كانوا بعبدون أحجاراً مخصوصة. وهذا الجواب ليس بقوي؛ لأنَّه صلوات الله وسلامه معليه لا يجوز أن يريد بهذا الدعاء إلا عبادة غير الله، والحجر كالصَّنم في ذلك. واربعها: أنًَّ هذا الدعاء مختص بالمؤمنين من أولاده، بدليل قوله في آخر الآية

стр. 6922

﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ ، وذلك يفيد أنَّ من لم يتبعه على دينه فإنه ليس منه، وقوله ﵎ لنوح ﵊ ُ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] . وخامسها: لعلَّه، وإن كان عمّ في الدعاء إلَاّ أنَّه تعالى أجاب دعاءه في حق البعض دون البعض، وذلك لا يوجب تحقير الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ونظيره قوله تعالى في حق إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ [البقرة: ١٢٤] . قوله: ﴿واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام﴾ دليل على أن الكفر، والإيمان من الله تعالى لأنًَّ إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه طلب من الله تعالى أن يجنبه، ويجنب أولاده من الكفر. والمعتزلة يحملون ذلك على الإلطاف، وهو عدول عن الظَّاهر، وتقدم فسادهذا التأويل. قوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً﴾ الضمير في:» إنَّهُنَّ «و» أضْلَلْنَ «عائد على الأصنام، لأنها جمع تكسير غير عاقل. وقوله: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ أي: من أشياعي، وأهل ديني. وقوله ﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ شرط، ومحل «مَنْ» الرفع بالابتداء، الجواب: ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ والعائد محذوف، أي: لهخ. فصل قال السديُّ: ومن عصاني ثمَّ تاب. وقال مقاتلٌ: ﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ فيما دون الشرط. وقيل: قال ذلك قبل أن يعلمه الله أنَّهُ لا يغفر الشرك، وهذه الآية تدلُّ على إثبات الشَّفاعة في أهل الكبائر؛ لأنَّه طلب المغفرة، والرَّحمة لأولئك العصاة، ولا تخلو هذه الشفاعة من أن تكون للكفار [أو للعصاة، ولا يجوز أن تكون للكفار] ؛ لأنه تبرَّأ منهم بقوله: ﴿واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام﴾ . وقوله: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ فإنه يدلُّ بمفهومه على أنَّ من لم يتعبه على دينه، فليس منه، والأمة مجتمعة على أنَّ الشفاعة في حق الكفَّار غير جائزة؛ فثبت أن قوله: م ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ شفاعة في العصاة غير الكفَّار. ووتلك المعصية: إمَّا أن تكون من الصغائر، أو من الكبائر بعد التَّوبة [أو من الكبائر

стр. 6923

قبل التوبة، والأول والثاني بطلان؛ لأن وقوله: ﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ اللفظ فيه مطلق، فتخصيصه بالصغيرة عدول عن الظاهر، وأيضاً فالصغائر والكبائر بعد التوبة] وجبة الغفران عند الخصوم، فلا يمكن حمل اللفظ عليه، فثبت أنَّ هذه الشفاعة في إسقاط العقاب عن أهل الكبائر قبل التَّوبة. وإذا ثبت حصول الشفاعة لإبراهيثم صلوات الله وسلامه عليه ثبت حصولها لمحمَّد عليه أفضل الصلاة والسلام لأنه لا قائل بالفرق، ولأنََّ الشفاعة أعلى المناصب، فلو حصلت لإبراهيم ﵊ ُ مع أنَّها لم تحصل لمحمَّد ﷺ َ كان ذلك نقصاً في حقِّ محمدٍ صلوات الله وسلامه عليه. قوله: ﴿رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ يجوز أن يكون هذا الجار صفة لمفعول محذوف، أي: أسكنت ذرية من ذريتي، ويجوز أن تكون «مِنْ» مزيدة عند الأخفش. «بوَادٍ» أي: في وادٍ، وهو مكّة؛ لأن مكَّة وادٍ بين جبلين. وقوله: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ كقوله ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] . قوله: ﴿عِندَ بَيْتِكَ المحرم﴾ يجوز أن تكون صفة ل «وَادٍ» . وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون بدلاً منه، يعني أنَّه يكون بدل بعضه من كل؛ لأنَّ الوادي أعم من حضرة البيت. وفيه نظرٌ، من حيث أن «عِنْدَ» لا يتصرف. فصل سماه محرّماً؛ لأنه يحرم عنده ما لا يحرم عند غيره. وقيل: لأنَّ الله حرم التعرض له، والتهاون به. قيل: لأنه لم يزل ممتنعاً عزيزاً يهابه كل جبَّار كالشيء المُحرَّم الذي يجب أن يجتنب. وقيل: لأنه حُرِّمَ من الطوفان، أي: منع منه، كما يسمى عتيقاً؛ لأنه أعْتِقَ من الطوفان وقيل: لأن موضع البيت حرم يوم خلق الله السموات، والأرض وحفَّ بسبعة من الملائكةِ وجعل مثل البيت المعمور الذي نباه آدم صلوات الله وسلامه عليه فرفع إلى السَّماءِ. وقيل: إنَّ الله حرَّم على عباده أن يقربوه الدماء، والأقذار وغيرها. قوله: «لِيُقِيمُوا» : يجوز أن تكون هذه اللام لام الأمر، وأن تكون لام علة، وفي متعلقها حينئذ [وجهان] : أحدهما: أنها متعلقة ب «أسْكَنْتُ» وهو ظاهنر، ويكون النداء معترضاً.

стр. 6924

الثاني: أنَّها متعلقة ب «ألأجْنُبْنِي» أي: أجنبهم الأصنام. ليقيموا. وفيه بعد. قوله: ﴿اجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس﴾ العامة على: «أفْئِدةً» جمع فؤاد، ك «غُرَاب وأغْرِبَة» وقرأ هشام عن بان عامر بياء بعد الهمزة، فقيل: إشباع؛ كقوله: [الطويل] ٣٢٢٧ - ... ... ... ... ... ... ... ... ... يُحِبَّكَ عَظْمٌ فِي التُّرابِ تَرِيبُ أي: ترب؛ وكقوله: [الرجز] ٣٢٢٨ - أعُوذُ باللهِ مِنَ العَقْرَابِ ... الشَّائلاتِ عُقدَ الأذْنَابِ وقد طعن جماعة على هذه القراءة، وقالوا: الإشباعُ من ضرائر الشعر، فكيف يجعل في أفصح الكلام؟ . وزعم بعضهم: أنَّ هشاماً إنَّما قرأ بتسهيل الهمزة بين بين فظنها الراوي [أنها زائدة] ياء بعد الهمزة، قال: كما توهم عن أبي عمرو اختلاسه في: «بَارِئكُمْ» ، و «يَأمُرُكمْ» أنه سكن. وهذا ليس بشيءٍ، فإنَّ الرُّواة أجلُّ من هذا. وقرأ زيد بنُ عليِّ: «إفادة» بزنة «رِفادة» ، وفيها وجهان: أحدهما: أن يكون مصدراً ل «أفَادَ» ك «أقَامَ إقَامَة» أي: ذوي إفادَةِ، وهم النَّاس الذين ينتفع بهم. والثاني: أن يكون أصلها: «وفَادة» فأبدلت الواو همزة، نحو إشاح وإعَاء. وقرأت أم الهيثم: «أفْوِدَة» بكسر الواو وفيها وجهان: أحدهما: أن يكون جمع: «فُؤاد» المُسَهَّل وذلك أنَّ الهمزة المفتوحة المضموم ما قبلها يطرد قبلها واواً، نحو «جُون» ففعل في: «فُؤاد» المفرد ذلك فأقرت في الجمع على حالها. والثاني: قال صاحب اللَّوامح ﵀: هي جمع «وَفْد» . قال شهاب الدين: «فكان ينبغكمي أن يكون اللفظ» أوْفِدَة «يتقدم الواو؛ إلا أن

стр. 6925

يقال: إنه جمع» وَفْداً «على» أوْفِدَة «، ثم قبله فوزنه» أعْفِلَة «كقولهم: آرام» في «أرْآم» وبابه، إلَاّ أنَّه جمع «فَعْل» على «أفْعِلَة» نحو: «نَجْد وأنْجِدَة» و «وَهْي وأوْهِيَة» وأم الهيثم امرأة نقل عنها شيء من اللغةِ. وقرىء «آفِدة» بزنة ضاربة وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون مقلوبة من «أَفْئِدَة» بتقديم الهمزة على الفاء، فقلبت الهمزة ألفاً فوزنه: «أعْفِلَة» ك «آرام» في «أرآم» . والثَّاني: أنها اسم فاعل: من «أَفَدَ يَافَدُ» ، أي: «قَرُبَ ودَنَا» . المعنى: جماعمةٌ آفدة أو جماعات آفدة. وقرِىء: أَفِدَة «بالقصر، وفيها وجهان أيضاً: أحدهما: أن تكون اسم فالع على» فَعِل «ك» فَرِح فهو فَرِحٌ «، وأن تكون مخففة من» أفْئِدَة «بنقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، وحذف الهمزة. و» مِنْ «في» مِنَ النَّاسِ «فيها وجهان: أحدهما: أنها لابتداء الغاية. قال الزمخشريُّ:» ويجوز أن يكون «مِن» الابتداء الغاية، كقولك: القلبُ منِّي سقيمٌ، تريد: قَلْبي، كأنه قال: أفْئدةُ ناسٍ، وإنَّما نكرت المضاف إليه في هذا التمثيل، لتنكير «أفْئِدَة» لأنَّها في الآية نكرة ليتناول بعض الأفئدة «. قال أبو حيَّان:» ولا ينظر كونها للغاية؛ لأنَّه ليس لنا فعل يبتدأ فيه بغاية ينتهي إلهيا، إذ لا يصح حعل ابتداء الأفئدة من الناس «. والثاني: أنها للتعبيض، وفي التفسير: لو لم يقل من النَّاس لحج النَّاس كلهم. قوله: تَهْوِي» هذا هو المفعول الثاني للجعل، والعامة على: «تَهْوِي» بكسر العين، بمعنى تسرع وتطير شوقاً إليه؛ قال: [الكامل] ٣٢٢٩ - وإذَا رَمَيْتَ بِهِ الفِجَاجَ رَأيْتَهُ ... يَهْوِى مَخَارِمَها هُويَّ الأجْدلِ وأصله أن يتعدى باللام، كقوله: [البسيط] ٣٢٣٠ - حتَّى إذَا ما هَوتْ كفُّ الوَليدِ بِهَا ... طَارتْ وفِي كفِّه مِنْ رِشهَا بِتَكُ وإنَّما عدي بإلى؛ لأ، هـ ضمن معنى تميلُ، كقوله: [السريع]

стр. 6926

٣٢٣١ - يَهْوِي إلى مكَّة يَبْغِي الهُدَى ... ما مُؤمِنُ الجِن ككُفَّارِهَا وقرأ أمير المؤمنين علي، وزيد بن علي ومحمد بن علي وجعفر بن محمد، ومجاهدٌ ﵃ بفتح الواو، وفيه قولان: أحدهما: أن «إلى» زائدة، أي: تهواهم. والثاني: أنه ضمن معنى تنزع وتميل، ومصدر الأول على «هُوّى» ؛ كقوله: [الكامل] ٣٢٣٢ - ... ... ... ... ... ... ... . ... يَهْوِي مَخارِمَها هُوي الأجْدلِ ومصدر الثاني على «هَوًى» . وقال أبو البقاء: «معناهما متقاربان، إلا أنَّ» هوى «يعني بفتح الواو متعمد بنفسه، وإنَّما عدِّي ب:» إلَى «حملاً على تميلُ» . وقرأ مسلمة بن عبد الله: «تُهْوى» بضم التاءِ، وفتح الواو مبنياً للمفعول، من «أهْوى» المنقول من «هَوَى» اللازم، أي: يسرع بها إليهم. فصل قال المفسرون: قوله ﴿أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ أدخل «مِنْ» للتعبيض، والمعنى: أسكنت من ذريتي ولداً: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ وهو مكة؛ لأنَّ مكَّة وادٍ بين جبلين: ﴿عِندَ بَيْتِكَ المحرم﴾ . روي عن ابن عبَّاسٍ، ﵄: أول ما أتَّخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل صلوات الله وسلامه عليه اتخذت منطلقاً لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه وبابنها إسماعيل، وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت، وليس بمكَّة يومئذ أحد، وليس فيها ماء، ووضع عندها إناء فيه تمرٌ، وسقاء فيه

стр. 6927

ماء ثمَّ قال إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه منطلقاً، فتبعته هاجر، فقالت: يا إبراهيم إلى من تكلنا؟ فقال صلوات الله وسلامه عليه إلى الله، فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا، ثمَّ رجعت، فانطلق إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه حتَّى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثمَّ دعا الله بقوله: ﴿رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ الآية ثمَّ إنها عطشت وعطش الصبي؛ فجعل يتلوى، وهي تنظر إليه، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثمَّ استقبلت الوادي تنظر أحداً، فلم تر أحداً، وهبطت من الصَّفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثمَّ سمعت سعي المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقالت عليها ونظرت هل ترى أحداً؟ فمل ترا أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس ﵄: قال النبي ﷺ َ: «فلِذلِكَ سَعَى النَّاسُ بَيْنَهمَا» فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً، فقالت: صه ﴿تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت، فقالت: قد أسمعتن إن كان عندك غواث﴾ فإذا هي بالملك عند مضع زمزم؛ فضرب بعقبه حتَّى ظهر الماء، أو قال: فضرب بجناحه فغارت عينها، قال رسول الله ﷺ َ: «رَحِمَ الله أمَّ إسْمَاعِيلَ لَولا أنَّها عَجلتْ لكَانَتْ زَمْزمُ عَيْناً مَعيناً» . ثمَّ إنَّ إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه عاد بعد كبر إسماعيل، وأقرَّاهو وإسماعيل قواعد البيت. قال القاضي: «أكثر الأمور المذكورة في هذه القصَّة بعيدة؛ لأنه لا يجوز لإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أن ينقل ولده حيث لا طعام ولا ماء معه مع أنه كان يمكنه أن ينقلهما إلى بلدة أخرى من بلاد الشام لأجل قول سارة إلا إذا قلنا: إنَّ الله أعلمه أنه يجعل هناك ماء وطعام» . وقوله: ﴿مِن ذُرِّيَّتِي﴾ ، أي إسماعيل وأولاده بهذا الوادي الذي لا زرع فيه. ﴿لِيُقِيمُواْ الصلاة فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس﴾ قال المفسرون: جمع، وقد تهوى: تحن وتشتاقُ إليهم. قال السدي: معناه: وأمل قلوبهم إلى هذا الموضع. قال مجاهدٌ: لو قال: أفئدة النَّاس لزاحمكم فارس والروم والترك والهند.

стр. 6928

وقال سعيد بن جبير: لحجَّتِ اليهود، والمجوس، ولكنه قال: ﴿أَفْئِدَةً مِّنَ الناس﴾ فهم المسلمون. ﴿ارزقهم مِّنَ الثمرات﴾ ممَّا رقزت سكان القرى ذوات الماء: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ وذلك يدعل على أن المقصود من منافع الدنيا: أن يتفرغ لأداء العبادات. ثم قال صلوات الله وسلامه عليه: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ ما أمرونا. قال ابن عباس ومقاتل: من الوجد بإسماعيل، وأمه حيث أسكنهما بوادٍ غير ذي زرع. ﴿وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شَيْءٍ فَي الأرض وَلَا فِي السمآء﴾ . قيل: هذا كله قول إبراهيم ﵇، وقال الأكثرون: قول الله تعالى؛ تصديقاً لقول إبراهيم ﷺ َ. قوله تعالى: ﴿الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر﴾ وجهان: أحدهما: أن «عَلَى» على بابها من الاستعلاء المجازي. والثاني: أنها معنى «مع» كقوله: [المنسرح] ٣٢٣٣ - إنِّي على مَا تَريْنَ مِنْ كِبَرِي ... أعْلَمُ من حَيْثُ تُؤكَلُ الكَتِفُ قال الزمخشري: «ومحلّ هذا [الجار] النصب على الحال من الياء في» وهَبَ لِي «» . الآية تدلُّ على أنه تعالى أعطى إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق صلوات الله وسلامه عليهم على الكبر والشيخوخة فأمَّا مقدار السنة فغير معلوم من القرآن، فالمرجعُ فيه إلى الروايات. فروي لما ولدت إسماعيل كمان سن إبراهيم صولات الله وسلامه عليه تسعاً وتعسين سنة، ولما ولد إسحاق ك ان سنة مائة واثنتي عشرة سنة. وقيل: ولد إسماعيل لأربع وستين سنة، وولد إسحاق [لتسعين] سنة. وعن سعيد بن جبير ﵁ لم يولد لإبراهيم ﷺ َ إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة، [وإنما ذكر هذا الكبر؛ لأن المنة بهبة الولد في هذا السن أعظم؛] لأنه زمن اليأس من الولد.

стр. 6929

فإن قيل: إن إبراهيم صلوت الله وسلامه عليه إنَّما دعا بهذا الدُّعاء عندما أسكن هاجر وابنها إسماعيل في ذلك الوادي، وفي ذلك الوقت لم يكن ولد إسحاق فيكف قال: ﴿الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ؟ . فالجواب: قال القاضي ﵀: «هذا الدَّليل يقتضي أن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، إنَّما ذكر هذا الكلام في زمان آخر لا عقيب ما تقدَّم من الدعاء ويمكن إيضاً أنه صلوت الله وسلامه عليه إنَّما ذكر هذا [الدعاء] بعد كبر إسماعيل وظهرو إسحاق صلوات الله وسلامه عليهما وإن كان ظاهر الروايات بخلافه» . فصل المناسبة بين قوله ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شَيْءٍ فَي الأرض وَلَا فِي السمآء﴾ وبين قوله ﴿الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ، وذلك أنه كان في قلبه أن يطلب من الله إعانتهما، وإعانة ذريتهما بعد موته، ولكنَّه لم يصرِّح بهذا المطلوب بل قال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ أي: تلعم ما في قلوبنا وضمائرنا، فقوله: ﴿الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ يدلُّ ظاهراً على أنَّهما يبقيان بعد موته على سبيل الرمز والتعريض، وذلك يدلُّ على أن الاشتغال بالثناء عند الحاجة إلى الدعاء أفضل من الدعاء. قال صلوات الله وسلامه عليه حاكياً عن ربِّه أنه قال: «مَنْ شَغلهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألتِي أعْطَيتهُ أفْضَل ما أعْطِي السَّائلينَ» . ثم قال: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدعآء﴾ لما ذكر الدعاء على سبيل التعريض لا على وجه التصريح، قال: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدعآء﴾ من قولك: «سَمِعَ الأميرُ كلامَ فلانٍ» إذا اعتدَّ بِهِ وقلبهُ، ومنه «سَمِعَ اللهُ لمَنْ حَمدَهُ» . قوله: ﴿لَسَمِيعُ الدعآء﴾ فيه أوجه: أحدهما: أن يكون «فَعِيل» مثال مبالغة مضافاً إلى مفعوله وإضافته من نصب، وهذا دليل سيبويه على أن «فعيلاً» يعمل عمل اسم الفاعل، ون كان قد خالفهُ جمهور البصريين والكوفيين. الثاني: أنَّ الإضافة ليست من نصب، وإنَّما هو كقولك: «هذا ضَارِب ازيد أمس» . الثالث: أن «سميعاً» مضاف لمرفوعه، ويجعل دعاء الله سميعاً على المجاز والمراد: سماع الله، قاله الزمخشريُّ. قال أبو حيَّان: «وهو بعيد لاستلازمه أن يكون من الصفة المشبهة والصفة متعدية

стр. 6930

وهذا إنما يتأتى على قول الفارسي رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى فإنه يجيز أن تكون المشبهة من الفعل المتعدي بشرط أمن اللبس، نحو: زيدٌ ظالم العبيدَ، إذا علم أنَّ له عبيد ظالمين، وأما ههنا فاللبس حاصل، إذ الظاهر من إضافته المثل للمفعول لا الفاعل» . قال شهاب الدين: «واللَّبس أيضاً هنا منتف؛ لأنَّ المعنى على الإسناد المجازي كما تقرر» . قوله: ﴿رَبِّ اجعلني مُقِيمَ الصلاة﴾ أي: من المحافظين عليها. واحتجُّوا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى لأنَّ قول إبراهيم عليه الصلاة والسلا م ﴿واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام﴾ يدلُّ على أنت ترك المنيهات لا يحصل إلا من الله تعالى. وقوله: ﴿رَبِّ اجعلني مُقِيمَ الصلاة وَمِن ذُرِّيَتِي﴾ يدل على أن فعل المأمورات لا يحصل إلا من الله تعالى. قوله: ﴿وَمِن ذُرِّيَتِي﴾ «عطف على المفعول الأول ل» اجْعَلْنِي «أي: واجعل بعض ذريتي مقيم الصلاة، وهذا الجار في الحقيقة صفةٌ لذلك المفعول المحذوف، أي: وبعضاً من ذريتي» . وإنَّما ذكر هذا التعبيض؛ لأنه علم بإعلام الله أنَّه يكون في ذريته جمعاً من الكفار لقوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ [البقرة: ١٢٤] . وقوله ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ﴾ قرأ ابو عمرو، وحمزة وورش، والبزي بإثبات الياء وصلَا وحذفها وقفاً، والباقون بحذفها وصلاً ووقفاً، ووقد روى بعضهم بإثباتها وقفاً أيضاً. قال ابن عباس ﵁: معناه: تتقبل عملي، وعبادتي، سمى العبادة دعاء. قال صلوات الله وسلامه عليه «الدُّعَاءُ مُخٌّ العِبادَةِ» . وقال إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ [مريم: ٤٨] وقيل: معناه: استجب دعائي. قوله: ﴿رَبَّنَا اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ العامة على «والديَّ» بالألف بعد الواو وتشديد الياء،

стр. 6931

وإبن جبير كذلك إلا أنه سكن الياء أراد والده وحده، كقوله ﴿واغفر لأبي﴾ [الشعراء: ٨٦] . وقرأ الحسين بن علي، ومحمد بن زيد ابنا علي بن الحسين وابن يعمر ﵃: «ولِولدَيَّ» ودمن ألف، تثنية «وَلد» ، ويعنى بهما: إسماعيل، وإسحاق وأنكرها الجحدري بأن في مصحف أبي «ولأبويَّ» فهي مفسرة لقراءة العامة. وروي عن ابن يعمر أنه قرأ: «وَلِوُلدِي» بضم الواو، وسكون الياء، وفيها تأويلان: أحدهما: أنه جمع ولد كأسْد في أسَد. وأن يكون لغة في الولد، الحُزْنِ والحَزَن، والعُدْمِ والعَدَم، والبُخْلِ والبَخَل، وعليه قول الشاعر: [الطويل] ٣٢٣٤ - فَليْتَ زِيَاداً كَان فِي بَطْنِ أمِّهِ ... وليْتَ زِيَاداً كَانَ وُلْدَ حِمَارِ وقد قرىء بذلك في مريم، والزخرف، ونوح في السبعة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. و «يَوْمَ» [نصب] ب «اغْفِرْ» . فِإن قيل: طلب المغفرة إنَّما يكون بعد الذنب، وهو صلوات الله وسلامه عليه كان قاطعاً بأن الله يغفر له، فكيف طلب ما كان قاطعاً بحصوله؟ . فالجواب: المقصود منه الالتجاء إلى الله، وقطع الطَّمع إلَاّ من فضل الله تعالى وكرمه. فإن قيل: كيف جاز أن يستغفر لأبويه، كانا كافرين؟ . فالجواب: من وجوه: الأول: أن المنع لا يعلم إلا بالتوقيف، فلعله لم يجد [منعاً] ، فظن جوازهن. الثاني: أراد بالوالدين آدم وحواء صلوات الله وسلامه عليهما. الثالث: كان ذلك بشرط الإسلام. فإن قيل: لو كان الأمر كذلك لما كان ذلك الاستغفار باطلاً، ولو لم يكن باطلاً لبطل قوله: ﴿إِلَاّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة٤] .

стр. 6932

فالجواب: أن الله تعالى بين عذر خليله في استغفاره لأبيه في سورة التوبة. وقال بعضهم: كانت أمه مؤمنة، ولهذا خص أباه بالذكر في قوله: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الحسابيوم يَقُومُ الحساب﴾ قولان: الأول: يقوم إلى بيت المقدس، وهو مشتقّ من قيام القائم على الرجل، كقولهم: قَامِتِ الحرُ على ساقها، ونظيره: قوله: قامت الشمس أي: اشتعلت، وثبت ضوؤها كأنَّها قامت على رجل. الثاني: أن يسند إلى الحساب قيام أهله على سبيل المجاز، كقوله: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] ٍ.

стр. 6933

قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ لما بين دلائل التَّوحيد ثمَّ حكاى عن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أنه طلب من الله العظيم أن يصونه عن الشرك، وأن يوفقه للأعمال الصَّالحة، وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة، ذكر بعده ما يدل على وجود القيامة، فهو قوله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ وذلك تنبيه على أنَّه ﵎ لو لم ينتقم للمظلوم من الظَّالم للزم إمَّا أن يكون غافلاً عن ذلك الظَّالم، أو عاجزاً عن الانتقام، أو كان راضياً بذلك الظُّلم ولما كانت الغفلة، والعجز، والرِّضا بالظُّلم محالاً على الله امتنع أن لاينتقم من الظَّالم للمظلوم. فإن قيل: كيف يليقُ بالرَّسُول صلوات الله وسلامه عليه أن يحسب الله موصوفاً بالغفلةِ؟ .

стр. 6934

فالجواب من وجوه: الأول: المراد به التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب إن كان غافلاً، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [الأنعام: ١٤] ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨] . والثاني: المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الانتقام لأجل غفلته عن ذلك الظالم، ولما كان امتناع هذه الغفلة معلوماً للك أحد لا جرم كان عدمُ الانتقام محالاً. الثالث: أنَّ المراد: ولا تحسبنه يعاملهم الله معاملة الغافل عمَّا يعملون، ولكن معالمة الرَّقيب عليهم المحاسب على النقير، والقطمير. الرابع: أنَّ هذا الخطاب، وإن كان خطاباً للنبِّ ﷺ َ في الظاهر إلا أنه خطاب مع الأمَّة. قال سفيان بن عيينة ﵁: هذا تسلية للمظلوم، وتهديد للظَّالم. قوله: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أي: لأجل يوم، فاللام للعلَّة. وقيل: بمعنى «إلى» أي: للغاية. وقرأ العامة «يُؤخِّرهُمْ» بالياء، لتقدم اسم الله تعالى. وقرأ الحسن والسلمي، والأعرج، [وخلائق] ﵃: «نُؤخِّرهُم» بنون العظمة. ويروى عن أبي عمرو «نُؤخِّرُهمْ» بنون العظمة. و «تَشْخَصُ» صفلة ل «يَوْمِ» . ومعنى شُخُوصِ البصرِ حدَّةُ النَّظر، وعدم استقراره في مكانه، ويقال: شَخَصَ سَمْعُه، وبَصَرُه، وأشْخَصَهُمَا صَاحِبهُما، وشَخَصَ بَصَره، أي: لم يطرف جفنهُ، وشخوص البصر يدلُّ على الحيرة والدهشة، ويقال: شخص من بلده أي: بعد والشخصُ: سواد الإنسان المرئيّ من بعيد. قوله: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ حالان من المضاف المحذوف إذا التقدير: أصحاب الأبصار، إذا يقال: شَخَسَ زَيْدٌ بصرهُ، أو تكون الأبصار دلَّت على أربابها فجاءت الحال من المدلول عليه، قالهما أبو البقاءِ. وقيل: «مُهْطِعين» منصوب بفعل مقدر، أي: تبصرهم مهطعين، ويجوز في «مُقْنِعِي» أن يكون حالاً من الضمير في: «مُهْطِعِينَ» فيكون حالاً، وإضافة: «مُقْنِعِي» غير حقيقة؛ فلذلك وقع حالاً. والإهْطَاعُ: قيل: الإسرْاعُ في المشيِ؛ قال: [البسيط]

стр. 6935

٣٢٣٥ - إذَا دَعانَا فأهْطَعْنَا لِدَعْوتهِ ... دَاعٍ سَمِيعٌ فَلفُّونَا وسَاقُونَا وقال: [الكامل] ٣٢٣٦ - وبِمُهْطِعٍ سُرُحٍ كأنَّ عِنانَهُ ... فِي رَأْسِ جِذْعٍ ... ... ... ... ... ... ... وقال أبو عبيدة: قد يكون الإسراع [مع] إدامة النَّظر. وقال الراغب: «هَطَعَ» الرَّجلُ بِبصَرهِ إذَا صَوَّبهُ، وبَعِيرٌ مُهْطِعٌ إذا صوَّب عُنُقهُ «. وقال الأخفش: هُو الإقْبَالُ على الإصغاءِ، وأنشد: [الوافر] ٣٢٣٧ - بِدجْلةَ دَراهُم ولقَدْ أرَاهُمْ ... بِدجْلةَ مُهْطِعينَ إلى السَّماعِ والمعنى: مُقبلينَ برءوسهم إلى سماعِ الدَّاعِي. وقال ثعلبٌ:» هَطَعَ الرَّجلُ إذا نظرَ بذُلِّ وخُشوعٍ لا يقلع بِبصَره إلى السماء «. وهذا موافقٌ لقول أبي عبيدة؛ فقد سمع فيه:» أهْطََعَ وهَطَعَ «رباعيًّا وثلاثيًّا. والإقناعُ: رفع الرَّأسِ، وإدامة النَّظر من غير التفات إلى شغيره، قاله القتبيُّ، وابنُ عرفة. ومنه قوله يصف إبلاً ترعى أعالي الشَّجر؛ فترفع رءوسها: [الوافر] ٣٢٣٨ - يُبَاكِرْنَ العِضاهَ بِمُقنَعَاتٍ ... نَواجِذُهُنَّ كالحِدَإ الوَقِيعِ ويقال: أقْنَعَ رأسه، أي: طأطأها، ونكَّسها فهو من الأضداد، والقَناعةُ: الاجتزاءُ باليسيرِ، ومعنى قَنَعَ عن كذا: أي: رفع رأسه عن السؤال. وفَمٌ مُقَنَّعٌ: معطوف الأسنان إليه داخلة، ورجُلٌّ مُقنَّعٌ بالتشديد، ويقال: قَنِعَ يَقْنَعُ قَناعَةً، وقَنَعاً، إذا رَضِيَ، وقنع قُنُوعاً، إذا سَألَ، [فوقع] الفرق بالمصدر. وقال الراغب: قال بعضهم: أصل هذه الكلمة من القناعِ، وهو ما يُغطِّي الرَّأس
следующие страницы →