Полный текст (12 961 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.
стр. 6966
الذين يقولون: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة﴾ [الحجر: ٧] ، فلو أنزلنا الملائكة «،» فظلُّوا فيه «أي: فظلت الملائكة فيها» يَعْرجُونَ «، وزهم يرونها عياناً.
و» ظلَّ «هذه الناقصة، والضمير في» فظَلُّوا «يعود على الملائكةِ، وهو الصحيح وقال الحسن ﵁: يعود على الكفَّار المفتح لهم الباب.
وقرأ الأعمش، وأبو حيوة» يَعْرجُونَ «بكسر الراء؛ وهي لغةُ هذيل في عَرَجَ: يَعْرِجُ، أي: صعد.
قوله
: ﴿لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ قرأ ابن كثير:» سُكِرَتْ «مبنياً للمعفول، مخفَّف الكاف، وباقي السبعة كذلك إلا أنهم شدَّدوا الكاف، والزهري: بفتح السين، وكسر الكاف خفيفة مبنياً للفاعل.
فأما القراءة الأولى: فيجوز أن تكون بمعنى المشددة؛ فإن التخفيف يصلح للقليل والكثير، وهما مأخوذتان من: السِّكر، بكسر السين، هو السَّدُّ.
والمعنى: حُبِسَتْ أبصارنا، وسُدَّت، وقيل: بمعنى: أخذت، وقيل: بمعنى: سُحِرَت، وقيل المشدد من: سَكِرَ الماءُ بالكسر، والمخفف من سَكُرَ الشَّراب بالضم.
والمشهور أن» سَكِرَ «لا يتعدى فيكف بُنِي للمفعول؟ .
فقال أبو علي:» يجوز أن يكون سمع متعدِّياً في البصر «.
والذي قاله المحقِّقون من أهل اللغةِ: أنَّ» سَكِر «إن كان من:» سَكِرَ الشَّرابُ، أو مِنْ سَكِرَ الرِّيحشُ «فالتضعيف فيه للتعدية، وإن كان من» سَكِرَ الماءً «فالتضعيف فيه للتكثير؛ لأنه متعد مخفَّفاً، وذلك أنه يقال: سَكرَت الرِّيحُ تَسْكرُ سَكْراً، إذا رَكدَت، وسَكِرَ الرَّجلُ منَ الشِّرابِ سَكْراً، ذا رَكَدَ، ولم ينقد لحاجته.
فهذان قاصران فالتضعيف فيها للتعدية، ويقال: سَكِرتُ الماء في مجاريه: إذا منعتهُ من الجَرِّي، فهذا متعدِّ، فالتضعيف فيه للتكثير.
وأما قراءةٌ ابن كثير: فإن كانت من «سَكِرَ الماءًُ» فهي واضحةٌ؛ لأنه متعدِّ، وإن كانت من «سَكُرَ الشَّرابُ أو سَكِرَ الرِّيحُ» فيجوز أن يكون الفعل استعمل لازماً تارة، ومتعدياً أخرى، نحو: «رَجَعَ زيْدٌ» ، ورَجَعه غَيْرُه، وسَعِندَ وسَعِدَه غَيْرُه «وقال الزمخشريُّ:»
стр. 6967
وسُكِّرَتْ: حُيِّرت أو حبست من السِّكرِ أو السُّكر، وقرىء: «سُكرَتْ» بالتخفيف، أي: حُبسَتْ كمَا يُحْبَسًُ المُهْرُ عنِ الجري «، فجعل قراءة التشديد محتملة لمعنيين، وقراءة التخفيف محمتلة لمعنى واحدٍ.
وأما قراءة الزهريِّ، فواضحةٌ، أي: غطيت، وقيل: هي مطاوع: اسْكرتُ المكان فَسَكرَ: أي: سَددْتهُ فانْسَدَّ.
﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ ، أي عمل فينا السِّحْرُ، وسحرنا محمَّدٌ ﷺ َ.
فإن قيل: كيف يجوزز من الجماعة العظيمة أن يكونوا شاكِّين في وجود ما يشهدونه بالعين السليمة في النهار الوضاح؛ ولو جاز حصول الشكِّ في ذلك، ك انت السَّفسطةٌ لازمة، ولا يبقى حنيئذٍ اعتمادٌ على الحس والمشاهدة؟ .
أجاب القاضي رحمهن الله: بأنه تعالى ما وصفهم بالشكِّ فيما يبصرون، وإنما وصفهم بأنهم يقولون هذا القول، وقد يجوز أن يقدم الإنسانُ على الكذب على سبيل العنادِ والمكابرة، ثم سأل نفسه، أيصحُّ من الجمع العظيم أن يظهر الشك في المشاهدات؟ .
وأجاب: بأنه يصحُّ ذلك، إذا جمعه٩م عليه غرضٌ صحيحٌ معتبر من مواطأةٍ على دفع حجَّةٍ أو غلبة خصم، وأيضاً: فهذه الحكاية إنما وقعت عن قوم مخصوصين، سألُوةا الرسول ﷺ َ إنزال الملائكةِ، وهذا السؤال إنما كان من رؤساءِ القوم، وكانوا قليلي العددِ، وإقدامُ العددِ القليلِ على ما يجري مجرى المكابرة، جائزٌ.
قوله:» فظلُوا «يقال: ظلّ فُلانٌ نَهارهُ يفعل كذا: إذا فعلهُ بالنَّهارِ، ولا تقول العربُ:» ظَلّ يَظَلْ «إلَاّ لكلِّ عملٍ بالنهارِ؛ كما لا يقولون: بَاتَ يَبِيتُ إلا بالليل، والمصدر الظُّلُول.
والعُروجُ: الصُّعودُ، يقال: عَرَج يَعْرجُ عُرُوجاً، ومنه: المَعَارجُ، وهي المصاعدُ التي يصعد عليها.
فإن قلنا: إن الضمير في:» فَظلُّوا «للملائكة، فقد تقدم بيانه، وإن قلنا: يعود على المشركين، فقال ابن عباسٍ ﵄:» فظلَّ المشركون يصعدون في تلك المعارج، وينظرون إلى ملكوتِ الله وقدرته، وسلطانه، وإلى عباده، وملائكته ﵈ لشكُّوا في تلك الرؤية، وأصرُّوا على جهلهم وكفرهم؛ كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاقِ القمرِ، ومجيء القرآن الذي لا يستطيع الجنُّ والإنس أن يأتوا بمثله «.
стр. 6968
قوله: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السماء بُرُوجاً﴾ الأية، «جَعلْنَا» : يجوز أن يكون بمعنى «خَلقْنَا» فيتعلق به الجارُّ، وأن يكون بمعنى صيِّرنا؛ فيكون مفعلوه الأول: «بُرُوجاً» ومفعوله الثاني: الجارَّ، فيتعلق بمحذوفٍ، و «للنَّاظِرينَ» متعلق ب «زَينَّاهَا» ، والضمير ل «السَّماءِ» أي: زيَّناها بالشَّمس، والقمرِ، والنجوم.
وقيل: للبروج: وهي الكواكب، زَّنَّاها بالضوءِ، والنظر عينيّ.
وقيل: قلبي وحذف متعلقة؛ ليعُمَّ.
فصل في دلائل التوحيد السماوية والأرضية
لما أجاب عن منكري النبوة، وقد ثبت أنَّ القول بالنبوةِ فرعٌ على القول بالتوحيد، أتبعه تعالى بدلائل التوحيد وهي: منها سماويَّة، ومنها أرضية، فبدأ بذكر السماوية، فقال وعَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السماء بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ .
قال اللَّيثُ ﵀: البُرُوج واحدها بُرْج من بُروجِ الفلك، والبُرُوج: هي النجوم الكبار، مأخوذة من الظهور، يقال: بَرجَتِ المرأةُ، أي: ظهرت، وأراد بها المنازل التي تنزلها الشمس، والقمر، والكواكب السيارة.
والعرب تعدُّ المعرفة بمواقعِ النُّجوم، وأبوابها من أجلِّ العُلومِ، ويستدلُّون بها على الطُّرقاتِ، والأوقاتِ، والخصب، والحدْبِ، وقالوا: الفلكُ: اثنَا عشر بُرْجاً، كلُّ برجٍ ميلان، ونصر للقمر.
وقال ابن عطية: هي قصورٌ في السماءِ، وعليها الحرسُ.
﴿وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾ مَرجُومٍ، وقيل: ملعُون.
قال ابنُ عباسٍ ﵁ كانت الشياطين لا يحجبون عن السمواتِ، وكانوا يدخلونها، ويأتون بأخبارها؛ فيلقون على الكهنة، فلما ولد عيسى صلوات الله وسلامه عليه منعوا من ثلاث سماواتٍ، فلما ولد محمدٌ ﷺ َ من السموات أجمع، فما منهم من أحدٍ يريد استراق السمع، "إلَاّ رمي بشهابٍ.
стр. 6969
فلمَّا منعُوا من تلك المقاعد، ذكروا ذلك لإبليس، فقال: حدث في الأرض حدثٌ، قال: فبعثهم، فوجد رسول الله صلواتالله وسلامه عليه يتلوا القرآن، فقالوا والله حدث.
فإن قيل: ما معنى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾ والشيطانُ لا قدرة له على هدم السماء، فإيُّ حاجة إلى حفظ السماء منه؟ قلنا: لما منعمه من القرب منها، فقد حفظ السماء من مقاربة الشيطان، فحفظ الله السماء منهم، كما قد يحفظ منازلنا ممَّن يخشى منه الفساد.
والرَّميُ في اللغة: الرميُ بالحجارة، والرَّجمُ أيضاً: السبُّ والشتمُ؛ لأنه رميٌ بالقولِ القبيح، والرجمُ: القول بالظنِّ؛ ومنه قوله تعالى: ﴿رَجْماً بالغيب﴾ [الكهف: ٢٢] ؛ لأنه يرميه بذلك الظنِّ، والرجم أيضاً: اللَّعن، والطَّرد.
قوله: ﴿إِلَاّ مَنِ استرق﴾ فيه خمسة أوجه:
أحدهما في محل نصب على الاستثناء المتصل، والمعنى: فإنها لم تحفظ منه؛ قاله غير واحدٍ.
الثاني: منقطعٌ ومحله النصب أيضاً، أي: لكن من استرق السمع. قال الزجاج ﵀.
موضع «» مَنْ «نصبٌ على التقدير، قال:» وجاز أن يكون في موضع خفض، والتقدير: إلا ممَّن «.
الثالث: أنه بدلاٌ من» كُلِّ شَيطانٍ «فيكون محله الجرَّ، قاله الحوفي، وأبو البقاءِ، وتقدم عن الزجاج، وفيه نظر؛ لأن الكلام موجبٌ.
الرابع: أنه نعتٌ ل» كُلِّ شَيْطانٍ «فيكون محله الجر، على خلاف في هذه المسألة.
الخامس: أنَّه في محلِّ رفع بالابتداءِ، وخبره الجملة من قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ ، وإنما دخلت الفاء؛ لأنَّ» مَنْ «إمَّا شرطيةٌ، وإمَّا موصولةٌ، مشبهةٌ بالشرطية. قاله أبو البقاء وحينئذٍ يكونُ من باب الاستثناءِ المنقطعه.
والشِّهَابُ: الشُّعلةُ مِنَ النَّارِ، وسُمِّي بها الكوكبُ؛ لشدَّة ضَوئِه، وبَريقه، وكذلك سُمَّي السِّنانُ شِهَاباً، ويجمع على:» شُهُبٍ «في الكثرةِ، و» أشْهُبٍ «في القلَّة، والشُّهْبَةُ: بياضٌ مختلطٌ بسوادٍ؛ تَشْبِيهاً بالشِّهاب؛ لاختلاطه بالدُّخانِ، ومنه: كَتيبةٌ شهباءُ لسوادِ القَوْمِ، وبياض الحديدِ، ومِنْ ثمَّ غلط الناس في إطلاقهم الشُّبهة على البياضِ الخالص.
وقال القرطبيُّ:» أتْبَعَه «: أدركهُ ولَحِقهُ، شهابٌ مُبِينٌ، أي: كوكبٌ مُضيءٌ، وكذلك: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] أي: شُعلة نارٍ في رَأسِ عُودٍ، قاله ابن عزيزٍ؛ وقال ذُو الرُّمَّ: [البسيط]
стр. 6970
٣٢٧٠ - كَأنَّه كَوكَبٌ فِي إثْرِ عِفْريَةٍ ... مُسَوَّمٌ فِي سَوادِ اللَّيْلِ مُنْقَضبُ
وسُمِّي الكَوكَبُ شِهَاباً، لأنَّ بَريقَهُ يُشْبِه النَّار.
وقيل: شهابٌ شُعلة من نار تبين لأهل الأرضِ، فتحرقهم ولا تعود إذا أحرقتهم، كما إذا أحرقت النارُ، لم تعد، بخلاف الكواكب فِإنه إذا أحرق، عاد إلى مكانه.
فصل
قال ابن عبَّاسٍِ ﵁:» إلَاّ مِنَ اسْترقَ السَّمْعَ «يريد الخفطة اليسيرة، وذلك أن الشياطين يركبُ بعضهم بعضاً إلى سماء الدنيا يسترقون السمع من الملائكة، فيُرمون من الكواكب، فلا تخطيء أبداً، فمنهم من يقتله، منهم من يحرقُ وجهه وجنبه ويده حيث يشاء الله، ومنهم من تخبله؛ فيصير غولاً؛ فيقتل الناس في البراري.
روى أبو هريرة ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ َ» إذَا قَضَا اللهُ الأمْرَ فِي السَّماءِ، ضَربَتِ المَلائِكةُ بأجْنِحَتهَا خضعاناً لقوله كَأنَّه سِلسِلَةٌ على صِنْوانٍ، فإذَا فزعَ عَنْ قُلوبِهمْ، قالوا: مَاذَا قَال ربُّكُمْ؟ قَالُوا: الَّذي قَالَ الحَقُّ وهُوَ العليُّ الكَبيرُ، فَيُسْمعها مُسْترِقُ السَّمع، مُسْترِقُ السمعِ هَكَّذَا بَعضهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ووَصفَ سُفْيَانُ بِكفِّه فحرَّقها وبدَّدَ بيْنَ أصَابعهِ، فيَسْمَعُ الكَلِمة، فيُلْقِهَا إلى مَنْ تَحْتهُ ثُمَّ يُلْقيها الآخرُ إلى مَنْ تَحْتهُ، حتَّى يُلقِيهَا على لِسانِ السَّاحر، والكَاهنِ، ورُبّضما أدْركهُ الشِّهابُ قبْلَ ِِأنْ يلقِيهَا، ورُبَّما ألْقَاهَا قبلَ أن يُدرِكَهُ، فيَكذِب مَعَهَا مِائةَ كِذْ، فيقالُ: ألَيْس قد قَالَ لَنَا اليَوْمَ كَذَا وكَذَا، فيصدق بتِلْكَ الكَلمةِ الَّتي سُمِعَتْ مِنَ السَّماءِ «.
وهذا لم يكن ظاهراً قبل أن يبعث الرسول ﷺ َ ولم يذكره شاعر من العرب قبل زمانه ﵇ وإنما ظهر في بدء أمره وكان ذلك أساساً لنبوته ﷺ َ.
قال يعقوب من عتبة بن المغيرة بن الأخنسِ بن شريق: إنَّ أول من قرع للرَّمي بالنجوم، هذا الحيُّ من ثقيف، وأنهم جاءوا إلى رجُلٍ منهم يقال له: عمر بنُ امَّة، أحدُ بني علاج، وكان أدْهَى العرب، فقالوا له: ألَمْ تَرَ مَا حَدثَ في السماء من القذف بالنُّجُومِ؟ قال: بلى فانظروا، فإن كانت معالمُ النجوم التي يُهْتدَى بها في البرِّ، والبَحْر، ويعرف بها الأنواءُ من الصيف، والشتاء، لما يصلحُ الناس من معايشهم، هي التي يرمى بها، فهي والله طيُّ الدنيا، وهلاك الخلق الذين فيها، وإن كان نجوماً غيرها، وهي ثابتة على حالها، فهذا الأمر أراد
الله لهذا الخلق.
قال معمرٌ: قلت للزهريِّ: أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم، قال:
стр. 6971
أفرأيت قوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن: ٩] الآية قال: وقد غلظتْ، وشدِّد أمرها حيث بعث رسول الله ﷺ َ.
قال ابن قتيبة: إنَّ الرجم كان قبل مبعثه، ولكن لم يكن في شدة الحراسة بعد مبعثه ﷺ َ.
وقيل: إن النجم ينقضُّ، ويرمي الشيطان، ثم يعود إلى مكانه.
فصل
قال القرطبي: «اختلفوا في الشِّهاب: هل يقتل أم لا؟ .
فقال ابن عباس ﵄ الشِّهاب يَجرح، ويَحرِقُ، ويُخْبلُ، ولا يَقْتلُ.
وقال الحسنُ، وطائفةٌ: يقتل، فعلى هذا في قتلهم بالشهب قبل إلقائها السمع إلى الجنِّ قولان:
أحدهما: يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم من الجن، ولذلك ما يعودون إلى استراقه.
والثاني: أنهم يقتلون بعد إلقائهم، ولو لم يصل لا نقطع الاستراق، وانقطع الاحراقُ، ذكره الماوردي» .
قال القرطبي: «والقول الأول أصح؛ على ما يأتي بيانه في» الصافات «» .
فصل
قال ابن الخطيب: «في هذا الموضع أبحاثٌ دقيقة على ما ذكرناها في سورة الملك، وفي سورة الجن، ونذكر ههنا إشكالاً واحداً وهو: أنّ لقائل أن يقول: إذا جوَّزتم في الجملة، أن يصعد الشيطان إلى السماوات، ويختلط بالملائكةِ، ويسمع أخبار الغيوب منهم، ثم إنه ينزل، ويلقي تلك الغيوب، فعلى هذا يجب أن يخرج الإخبار عن المغيَّبات عن كونه معجزاً، لأنَّ كل غيبٍ يخبر عنه الرسول ﷺ َ يقوم فيه هذا الاحتمال؛ فيخرجُ عن كونه معجزاً دليلاً عل الصدقِ، ولا يقال: إن الله تعالى أخبر عنهم أنَّهم عجزوا بعد مولد النبي ﷺ َ؛ لأنَّا نقول: هذا العجز لا يمكن إثباته إلا بعد القطع بكون محمدٍ ﷺ َ وبكون القرآن الكريم حقًّا، والقطع بهذا، لا يمكن إلَاّ بواسطة المعجز، وكون الإخبار عن الغيب معجزاً، ولا يثبت إلا بعد إبطال هذا الاحتمال، وحينئذٍ يلزم الدور، وهو محالٌ باطلٌ.
ويمكن أن يجاب عنه: بانا نثبت كون محمدٍ ﷺ َ رسولاً، بسائر المعجزات، ثم بعد
стр. 6972
العلم بنبوته، نقطع بأن الله عَجَّزَ الشياطين عن تلقف الغيب، وبهذا الطريق يندفع الدَّور «.
قوله: ﴿والأرض مَدَدْنَاهَا﴾ » الأرْضَ «: نصبٌ على الاشتغال، ولم يقرأ بغيره؛ لأنه أرجع من حيث العطف على جملة فعلية قبلها، وهي قوله: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السماء بُرُوجاً﴾ [الحجر: ١٦] .
وقال أبو حيَّان:» ولما كانت هذه الجملة بعدها جملة فعلية، كان النَّصب أرجح من الرفع «.
قال شهاب الدين: لَمْ يعدُّوةا هذا من القرائن المرجحة للنصب، إنما عندو عطفها على جملة فعلية قبلها، لا عطف جمعلة فعلية عليها، ولكنه القياس، إذ يعطف فيه فعلية على مثلها، بخلاف ما لو رفعت، إذ تعطف فعلية على اسمية، لكنهم لم يعتبروا ذلك.
والضمير في» فِيهَا «: للأرض. وقيل: للرَّواسي. وقيل: لهما.
فصل
لما شرح الدلائل السماوية في تقرير التَّوحيد، أتبعها بذكر الدلائل الأرضية وهي أنواع:
الأول: قوله: ﴿والأرض مَدَدْنَاهَا﴾ قال ابن عباسٍ: بسطناها على وجه الماءِ، وبسطت من تحته الكعبة.
النوع الثاني: قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ وهي الجبال الثوابت واحدها راسٍ، والجمع راسية وجم الجمع رواسي، قال ابن عباسٍ: لما بسط الله الأرض على الماء، مالت بأهلها كالسفينة؛ فأرساها الله بالجبال؛ لكيلا تميل بأهلها.
النوع الثالث: قوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾ ، يجوز فِي» مِنْ «أن تكمون تبعيضية، وهو الصحيح، وأن تكون مزيدة عند الكوفيين، والأخفش، والضمير في قوله:» فِيهَا «يحتمل أن يكون راجعاً إلى الأرض، وأن يكون راجعاً إلى الجبال الرواسي، إلَاّ أنَّ رجوعها إلى الأرض أولى؛ لأن أنواع النبات المنتفع بها، إنما تتولَّد في الأرض، وأما الجبلية، فقليلة النفع.
وقيل: رجوع الضمير إلى الجبال أولى؛ لأنَّ المعادن من الذهب، والفضة، والحديد، والنحاس، وغيرها؛ إنَّما تتولد في الجبال، والأشياء الموزونة في العرف والمعادة، هي المعادن لا النبات.
وفي المراد بالموزون وجوه:
قيل: المقَّدر بقدر الحاجة، أي: أنَّ الله تعالى يثبت ذلك المقدر بقدر ما يحتاج
стр. 6973
إليه الناس؛ لقوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨] وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَاّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] .
وقيل: المناسب المطابق للحكمة كقولهم: كلامٌ موزونٌ، أي: متناسب بعيد عن اللغو، والمعنى: موزونٌ بميزان الحكمة، والعقل.
وقيل: موزونٌ؛ بمعنى أنَّ الذي تنبته الأرض نوعان: المعادنُ، والنباتُ، أما المعادن: فهي بأسرها موزنة، وأما النبات: فيرجع عاقبته إلى الوزنِ، كالمخترف، والفواكة في الأكثر.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ جحمع معيشة، أراد الله بها المطاعم، والمشارب، والملابس، وقيل: ما يعيش به المرءُ في الدنيا، وقد تقدَّم الكلام على المعايش في الأعرافِ.
قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ ، يجوز في خمسة أوجه:
أحدها: قول الزجاج: أنه منصوب بفعلٍ مقدرٍ، تقديره: وأغنينا من لستم له برازقين، كالعبد، والدَّواب، والوحوش.
الثاني: أنه منصوب عطفاً على «مَعايِشَ» ، أي: وجعلنا لكم فيها معايش ومن لسْتُمْ له برازقين من الدَّواب المنتفع بها.
الثالث: أنه منصوب عطفاغً على محل «لَكُمْ» .
الرابع: أنه مجرور عطفاً على «كُمْ» المجرور بها اللام؛ وجاز ذلك من غير إعادة الجار على رأي الكوفيين، وبعض البصريين، وتقدم تحقيقه في البقرة، عند قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد الحرام﴾ [البقرة: ٢١٧] .
الخامس: أنه مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، أي: ومن لستم له برازقين، جعلنا له فيها معايش، وسمع من العرب: ضربت زيداً، وعمروا، برفع «عمرو» ؛ مبتدأ محذوف الخبر، اي: وعمرو ضربته، و «مَنْ» يجوز أن يراد بها العقلاء، أي: من لستم له برازقين من مواليكم الذين تزعمون أنكم ترزقونهم، أو يراد بها غير العقلاء، أي: من لستم له برازقين من الدوابِّ، وإن كنتم تزعمون أنكم ترزقونهم؛ قال الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي على رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على أَرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥] ، وقال سبحانه: ﴿يا أيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨] فذكرها بصيغة جمع العقلاء، ويجوز أن يراد بها النوعان؛ وهو حسنٌ لفظاً ومعنًى.
قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ﴾ ، و «إنْ» : نافية، و «مِنْ» مزيدة في المبتدإ، و «عِنْدَنَ» خبره، و «خَزائِنهُ» فاعل به؛ لاعتماده على النَّفي، ويجوز أن يكون «عِندَنَا» خبراً ل «ما» بعده، والجملة خبر الأولى، والأولى أولى؛ لقرب الجارِّ من المفرد.
стр. 6974
قال الواحدي: «الخَزائِنُ: جمع الخِزانَة، وهي اسمُ المكمان الذي يُخْزنُ فيه الشيء، أي: يحفظ، والخِزانةٌ أيضاً عمل الخازن، ويقال: خَزَنَ الشَّيء يَخْزنهُ، إذ أحْرزَهُ» .
و «خَزَائِنهُ» هو المطر؛ لأنه سبب الأرزاق، والمعايش لبني آدم، وسائر الحيوانات.
قوله: «إلَاّ بقدَرٍ معلوم» يجوز أن يتعلق بالفعل قبله، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنهخ حالٌ من المفعول، اي: إلا ملتبساً بقدرٍ.
قال ابن عباس ﵁: يريد: قدر الكفايةِ، لكل ارضِ حدُّ مقدرٌ، وقال الحكم: ما من عامٍ بأكثر مطرٍ، من عام آخر؛ ولكنه يمطر قومٌ، ويحرمُ آخرون، وربما كان في البرح، يعني أنه تعالى ينزل المطر كلَّ عامٍ بقدرٍ معلومٍ، غير أنَّه يصرفه إلى من يشاء حيث يشاء.
ولقائل أن يقول: لفظ الآية لا يدلُّ على هذا المعنى، فإن قوله تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَاّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ ، لا يدلُّ على أنه تعالى ينزله في جميع الأعوامِ على قدر واحد، فتفسير الآية بهذا المعنى تحكُّمٌ بغير دليلٍ.
وقال ابنُ الخطيب: «وتخصيص قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَاّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ بالمطر تحكم محضٌ؛ لأن قوله: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ﴾ يتناول جميع الأشياء، إلا ما خصه الدليل» .
روى جعفر، عن محمدٍ، عن أبيه، عن جده، قال: في العرش مثال جميع ما خلق الله في البر، والبحر، وهو تأويل قوله: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَاّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ .
قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ﴾ الآية «لَواقِحَ» : حاتلٌ مقدرة من «الرِّياحِ» ، وفي اللواقح أقوال:
أحدها: أنها جميع «مُلْقِح» ؛ لأنه من ألْقَحَ يُلقحُ، فهو ملقحٌ، وجمعه مَلاقح، فحذفت اليمم؛ تخفيفاً، يقال: ألْقحَتِ الريحُ السَّحاب، كما يقال: ألْقحَ الفَحْلُ الأنثَى؛ ومثله: الطَّوائِحشُ، وأصله المطارحُ؛ لأنه من أطَاحَ يُطِيحُ، قال: [الطويل]
٣٢٧١ - لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخصًومَةٍ ... ومُخْتَبِطٌ ممَّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ
وهذا قول أبي عبيدة.
والثاني: أنه جمع لَاقِح، يقال: لقَحَتِ الريحُ: إذا حملتِ الماء، وقال الأزهري: حَوامِلُ تَحْمِلُ السَّحابَ؛ كقولك: ألقحتِ الناقةُ، فلَقِحتْ، إذا حملتِ الجَنين: َ في بَطْنِهَا، فشُبِّهتِ الريحُ بِهَا؛ ومنه قوله: [الطويل]
стр. 6975
٣٢٧٢ - إذّا لَقِحَتْ حَرْبٌ عَوانٌ مُضرَّةٌ ... ضَرُوسٌ تُهِرُّ النَّاس أنْيَابُهَا عُصْلُ
الثالث: أنَّها جمع لاقحٍ، على النسب؛ كالابنِ وتامرِ، أي: ذات لقاحٍ، لأنَّ الرِّحَ إذا مَرَّت على الماءِ، ثُم مرَّت على السَّحابِ، والماءِ، كان فيها لقاحٌ قاله الفراء.
فصل
قال ابن عباس ﵄: الرياحُ لوَاقِحُ الشَّجر والسَّحاب؛ وهو قول الحسن، وقتادة، والضحاك؛ لأنها تحمل الماء إلى السحاب؛ وأصله من قولهم: لقَحتِ الناقة، وألْقَحَهَا الفحلُ، إذا ألقى الماء فيها فحملت.
قال ابن مسعودٍ في تفسير هذه الآية: بعث الله الرياحَ؛ لتلقيح السحاب، فتحمل الماغء، وتمجّه في السحاب، ثم إنه يعصرُ السحاب، ويدره كما يدر اللقحة.
وقال عبيدٌ بن عيمر: يبعثُ الله الريح المبشرة، فتقم الأرض قماً، ثم يبعث المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث المؤلفة، فتؤلف السحاب بعضه إلى بعضٍ، فتجعله ركاماً، ثم ثبعث اللوَاقِحُ الشَّجر ثم تلا عبيد: «وأرسلنا الرياح لواقح» قال أبو بكر بنِ عيَّاشٍ ﵁: لا تقطر القطرةُ من السماء إلا بعد أن تعمل الرياحُ الأربعة فيها، فالصَّبا تُهيِّجه، والشَّمالُ تَجمعُه والجَنوبُ تُدرُّه، والدَّبُور تُفرِّقه.
فصل
قال القرطبيُّ: «روي عن مالك ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ﴾ ، أي: ذوات لقح، فلقاحُ القمح عندي أن يحبب ويسنبل، ولقاح الشَّجر كُلها: أن تثمر ويسقط منها ما يسقط، ويثيبت منها ما يثبت» .
قال ابن العربيِّ ﵀: إنما عوَّل مالكٌ على هذا التفسير على تشبيه الشجر بلقاح الجملِ، وإنَّ الولد إذا عقد وخلق ونفخ فيه من الروحُ، كان بمنزلةِ تحبب الثَّمر، وتسنبله؛ لأنه سمِّي باسم تشتركُ فيه كلُّ حاملةٍ، وهو اللِّقاحُ، وعليه جاء الحديث:
«نَهَى النبيُّ ﷺ َ عَنْ بَيْعِ الحبِّ حتَّى يَشْتد» .
قال ابن عبد البرِّ: «الإبارُ عند أهل العلم في النخل: التَّلقيحُ، وهو أن يأخذ شيئاً
стр. 6976
من طَلع ذكور النخلِ؛ فيدخله بين ظهراني طلع الإناث، [ومعنى] ذلك في سائر الثمار [ظهور الثمرة] من التِّين، وغيره، حتَّى تكون الثَّمرة مرئية، حين ينظر إليها، والمعتبر عند مالك ﵁ وأصحابه فيما يذكر من الثِّمار التذكر، وفيما لا يذكر أن يثبت من نواره ما يثبت ويسقط ما يسقط، وفي الزروع ظهوره من الأرض» .
فصل
قال عليه الصلاة ولاسلام «مِنَ ابتَاعَ نَخْلاً بَعْندَ أن تُؤبَّر، فَثمَرتُهَا لِلبَائعِ، إلَاّ أن يَشْترِطَ المُبتَاعُ» فلا يدخل الثمر المؤبَّر مع الأصولِ ف يالبيع إلا بالشرط؛ لأنها موجودة يحاطُ بها أَمَنَةً من السقوط غالباً، بخلاف التي لم تؤبَّر، إذ ليس سقوطها غالباً، بخلاف التي لم تؤبر، إذ ليس سقوطها مأموناً، فلم يتحقق لها وجود، فلم يجز للبائع اشتراطها، ولا استثناؤها؛ لِأنها كالجنين.
فصل هل يجوز لمن اشترى النخل فقط أن يشتري الثمر قبل طيبه؟
اشترى النَّخل، وبقي الثمر للبائع، جاز لمشتري الأصل شراءُ الثمرة قبل طيبها، في المشهور عن مالكٍ ﵀ ويرى لها حكم التعبيةِ، وإن انفردت بالعقدِ، وعنه في رواية أنه لا يجوز، وبه قال الشافعيُّ، وأبو حنيفة، والثَّوريُّ، وأهل الظاهر.
فصل في النهي عن بيع الملاقح والمضامين
نهي النبي ﷺ َ عن بَيعِ المَلاقحِ والمَضامِنيِ والمَلاقِحُ: الفحول من الإبلن، الواحد مقلحٌ، والمَلاقِحُ ما في بطون النوقِ من الأجنَّة، الواحدة: مَلْقُوحةٌ، من قولهم: لَقحْتُ، كالمَحْمُومِ من حَمّ، والمَجْنُون من جنّ، وفي هذا جاء النَّهيُ.
قال أبو عبدية: المَضامِينُ ما في البطونِ وهي الأجنَّةِ، والمَلاقِيحُ: ما في أصلابِ الفحُولِ، وهو قول سعيد بن المُسيَّبِ، وغيره.
وقيل: بالعكسِ.
стр. 6977
ونهى النبي ﷺ َ عن بيع [المَجْر] وهو بيع ما في بطُونِ الأمَّهاتِ.
قال ابن عابس ﵄ ما هَبَّتْ ريح قَطُّ إلَاّ جَثَا النبيُّ ﷺ َ عَلى رُكْبتَيْهِ، وقال: «اللَّهُمَّ اجْعلهَا رحْمةتً، ولا تَجْعلهَا عَذاباً، اللَّهُمَّ اجْعَلهَا رِيَاحاً ولا تَجْعلهَا رِيحاً» قال ابن عباس ﵄ في كتاب الله : ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً﴾ [القمر: ١٩] ، ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الريح العقيم﴾ [الذاريات: ٤١] وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقال تعالى: ﴿يُرْسِلَ الرياح مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦] .
قوله تعالى: ﴿فَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ ، قد تقدّم أنَّ الماء: هل ننزل من السماء أو من السحاب.
وقوله: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ ، قال الأزهريُّ: «تَقُولُ العربُ لِكُلِّ ما فِي بُطونِ الأنْعَامِ، ومِنَ السَّماءِ، أو نهْرٍ يَجْري: أسْقَيْتُه، أي: جعلته شَرْباً له، وجعلتُ له منها مَسْقى لشرب أرضه أو ماشيته، فإذا كانت السُّقْيَا لِسقْيهِ، قالوا: سَقاهُ، ولم يقولوا: أسْقَاه» .
ويؤكده اختلاف القراء في قوله: ﴿نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦] ، فقرؤا باللغتين، وسيأتي بيانهما في السورة التي بعدها، ولم يختلفوا في قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [الإنسان: ٢١] ، وفي قوله: ﴿والذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩] .
قال أبو علي: سَقَيْتُه حتَّى رَوِيَ، وأسْقَيتهُ نَهْراً، جعلتهُ شُرْباً، وقوله: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ جعلناه سُقْياً لكم، وربما قالوا في «أسْقَى» سَقَى؛ كقول لبيدٍ يصفُ سحاباً: [الوافر]
٣٢٧٣ - أقُولُ وصَوْبُهُ منِّي بَعِيدٌ ... يَحُطُّ السَّيْبُ مِنْ قُللِ الجِبَالِ
سَقَى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وأسْقَى ... نُمَيْراً والقَبائِلَ مِنْ هِلالِ
فقوله: «سَقَى قَوْمي» ليس يريد به ما يروى عطاشهم، ولكن يريد رزقهم سَقْياً لبلادهم، يخصبون بِها، وبعيدٌ أن يَسْألَ لِقومِهِ ما يروي العطاش به ولغيرهم ما يخصبون به، فأما سَقَيَا السَّقيَّة، فلا يقال فيها: أسْقاهُ. وأما قول ذي الرُّمة: [الطويل]
٣٢٧٤ - وأسْقِيهِ حتَّى كَادَ ممَّا أبُثُّهُ ... تُكلِّمُنِي أحْجَارهُ ومَلاعِبُه
[يريد بقوله: «أسقيه» : أدعو له بالسقاء، وأقول: سقاه الله] .
стр. 6978
واتَّصل الضميران هنا: لاختلافهما ربتة، ولو فصل ثانيهما، لجاز عند غير سيبويه وهذا كما تقدم في قوله تعالى: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ [هود: ٢٨] .
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ جملة مستأنفة، و «لَهُ» متعلق ب «خَازِنينَ» ، والمعنى: أنَّ المطر في خَزائِننِا، ولا في خَزائِنكُمْ. [وقال سفيان: لستم بمانعين] .
قوله تعالى: ﴿وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ الآية، هاذ النَّوع السادس من دلائل التوحيد، وهو الاستدلال بالإحياء، والإماتةِ على وجودِ الإلهِ القادر المختار.
قوله: «لَنَحْنُ» يجوز أن يكون مبتدأ، و «نُحْيِي» خبره، والجملة خبر «إنا» ويجحوز أن يكون تأكيداً ل «إنَّا» ، ولا يجوز أ، يكون فصلاً؛ لأ، هـ لم يقع بين اسمين، وقد تقدم نظيره [الحجر: ٩] .
وقال أبو البقاء: لا يكون فصلاً لوجهين:
أحدهما: أن بعده فعلاً.
والثاني: أنَّ معه اللام.
قال شهابُ الدِّين ﵀: «الوجه الثاني: غلطٌ؛ فشإن لام التوكيد لا يمنع دخولها على الفصل، نصَّ النحاة على ذلك، ومنه قوله ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ القصص الحق﴾ [آل عمران: ٦٢] ٍ، جوَّزوا فيه الفصل مع إقرانه باللام» .
فصل
من العلماءِ من حمل الأحياء على القدرِ المشتركِ بين إحياءِ النبات والحيوان، ومنهم من قال: وصف النبات بالإحياء مجاز؛ فوجب تخصيصه بإحياء الحيوان، وقوله جل ذكره: ﴿وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ يفيد الحصر، أي: لا قدرة على الإحياء والإماتة إلا لنا، «ونَحْنُ الوَارثُونَ» إذا مات جميع الخلائق، فحينئذٍ يزول الملك كلِّ أحدٍ، ويكون الله سبحانه هو الباقي المالك لكلِّ المملوكات، وحده لا شريك له، فكان شبيهاً بالإرثِ.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستقدمين مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستأخرين﴾ قال ابن عباس ﵄ المستقدمين: الأموات، والمستأخرين: الأحياءُ.
وقال الشعبيُّ ﵁: الأولين، والآخرين.
وقال عكرمة: المستقدمون: من خلق الله، والمستأخرون: من لم يخلق.
стр. 6979
وقيل: المستقدمين: القرون الأولى، والمستأخرين: أمة محمدٍ ﷺ َ.
وقال الحسن: المستقدمين: في الطَّاعة والخير، والمستأخرين: في صفِّ القتال.
وقال ابن عيينه: أراد من سلم، ومن لم يسلم.
وقال الأوزاعيُّ: أراد المصلِّين في أول الوقت، المؤخِّرين إلى آخره.
روى أبو الجوزاء، عن ابن عباس: كانت امرأةٌ حسناء تصلِّي خلق النبي ﷺ َ فكان قومٌ يتقدمون إلى الصف الأول؛ لئلا يرونها، وآخرون يتأخَّرون، ليرونها.
وفي رواية: أنَّ النساء كنَّ يخرجن إلى الجماعة، فيقفن خلف الرجال، من النساء من في قلبها ريبة، فتقدم إلى أول صفِّ النساء؛ لتقرب من الرجال؛ فنزلت الآية، فقال النبي ﷺ َ: «خَيْرُ صُفوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرُّها أخرُهَا، وخَيْرُ صُفوفِ النِّساءِ آخرُهَا وشَّرُّهَا أوَّلُهَا» .
وروري أنَّ النبي ﷺ َ رغَّب في الصف الأول في الصلاة [فازدحم] النس عليه؛ فأنزل الله ﵎ هذه الآية.
والمعنى: إنَّا نجزيهم على قدر نيَّاتهم.
فصل
قال القرطبي: «الآية تدلُّ على فضل أول الوقت في الصلاة، وعلى فضل الصف الأوَّل، كما تدل على فضل الصف الأول في الصَّلاة، كذلك تدلُّ على فضل الصفِّ الأول في القتال‘ فإنَّ القيام في وجه العدوِّ، وبيع العبد نفسه من الله تعالى لا يوازيه عملٌ، ولا خلاف في ذلك» .
واعلم أنَّ ظاهر الآية يدل على أنه لا يخفى على الله شيء من أحوالهم؛ فيدخل فيه
стр. 6980
علمه بتقدّمهم، وتأخرهم، في الحدوثِ، الوجود في الطاعات وغيرها؛ فلا ينبغي أن تخص بحالةٍ دون حالةٍ.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾ على ما علم منهم، وذلك تنبيه على أنَّ الحشر، والنشر، البعث، والقيامة، أمرٌ واجبٌ ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أي: أنَّ الحكمة تقتضي وجوب الحشر، والنشر، وعلى ما تقرر في أول سورة يونس ﵇.
стр. 6981
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ﴾ الآية هذا هو النوع السابع من دلائل التوحيد؛ لأنه ثبت بالدلائل القاطعه أنه يمتنع القول بوجود حوادث لا أوَّل لها، وإذا ثبت هذا وجب انتهاء الحوادث إلى حادث أوَّل، هو أولُ الحوادث، وإذا كان كذلك، وجب انتهاء الناس إلى إنسانٍ هو أول الناس، وذلك الإنسان الأول، غير مخولقٍ من الأوبين؛ فيكون مخلوقاً لا محالة بقدرة الله تعالى.
فقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ إشارة إلى ذلك الإنسان الأول، وأجمع المفسرون على أن المراد آدمُ صلوات الله وسلامه عليه.
ونقل في كتب الشِّيعة، عن محمد بن علي الباقر، أنَّه قال: قد انقضى قبل آدم صلوات الله عليه الذي هو أبونا ألف ألف آدم، أو أكثر.
قال ابنُ الخطيب ﵀: «وها لا يقدحُ في حدوث العالم، بل الأمر كيف كان لا بدَّ من الانتهاء إلى إنسانٍ أول، هو أول الناس، فأما أن ذلك الإنسان الأول هو أبونا آدم، فلا طريق له إلَاَّ من جهة السمع» .
стр. 6982
واعلم أنه تعالى قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] ، وقال تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ﴾ [ص: ٧١] ، وقال هاهنا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ ، فطريقُ الجمع أنه جعل التُّرابَ طيناً، ثم تركه حتَّى صار حمأ مسنوناً، ثم خلقه منه، وتركه حتى جفّ، ويبس وصار له صلصلة.
واعلم أنه تعالى قادر على خقله من أي جنس أراد، بل هو قادرٌ على خلقه ابتداء، وإنما خلقه على هذا الوجه؛ إما لمحض المشيئة، أو لما فيه من دلالة الملائكة؛ لأنَّ خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلقِ الشَّيءِ من جنسه.
وسمِّي إنساناً: إما لظهوره وإدراك البصر إياه، وإمَّا من النسيان؛ لأنه عهد إليه فنسِي.
عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: بعث الله تعالى جِبْريلَ عليه السلا إلى الأرض؛ ليأتيه بطينٍ منها، فقالت الأرض: أعوذ بالله منك أن تنقص منِّي؛ فرجع ولم يأخذ، فقال يا ربِّ: أنها عاذتْ بك، فأعذتها، فبعث ميكايئيل صلوات الله عليه فعاذت منه، فأعاذها؛ فرجع، فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموتِ، فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذُ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخلطه، لم يأخذ من مكان واحدٍ، وأخذ من تربةٍ حمراء، وبيضاء، وسوجحاء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين.
وسُمِّي آدم؛ لأنه خلق من أديم الإرض، وصعد به، فقال الله ﵎: «أما رَحِمْتَ الأرض حين تضرعت إليك» ؟ فقال: رأيتُ أمرك وأوجب من قولها، فقال جل ذكره: «أنت تقبض أرواح ولده قبل التراب حتى عاد طيناً لازباً، وهو يلتصُ بعضه ببعضٍ، ثم ترك، حتى أنتن، وصار حمأ مسنوناً، وهو المنتنُ.
ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ، فخلقه الله بيده؛ لئلا يتكبَّر إبليس عليه، لقوله الله تعالى: أتتكبَّر على ما علمت بيدي، ولم أتكبر أنا عليه؟ .
فخلقه فكان جسداً من طينٍ أربعين عاماً، فلما رأتهُ الملائكة، فزعوا منه، وكان أشدَّهم منه فزعاً إبليسُ فكان يمرُّ به، فيضربه؛ فيصوتُ الجسدُ كما يصوتُ الفخَّار، وتكون له صلصلةٌ؛ فذلك قوله: ﴿مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ [الرحمن: ١٤] ، ويقول: لأمر ما خلقت! ويدخل في فيه، ويخرج من دبره، ويقول للملائكة: لا ترهبوا منه؛ فإنه أجوف، ولئن سُلِّطت عليه، لأهلكنَّه، فلمَّا نفخ فيه الروح، ووصل إلى رأسه، عطس، فقالت الملائكة ﵇: قُل: الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال الله له: رحمك ربُّك، فلما دخل الروح في عينيه، نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخلت الروحُ
стр. 6983
جوفه، اشتهى الطعام؛ فوثب قبل أن تبلغ الورح رجليه؛ عجلان إلى ثمار الجنَّة، فذلك قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] .
قوله تعالى: ﴿مِن صَلْصَالٍ﴾ ، «مِنْ» : لابتداء الغاية، أو للتبعيضن، والصلصالُ: قال أبو عبيده هو الطين المختلط بالرمل، ثم يجفُّ؛ فسمع له صلصلةٌ، أي: تصويت، قال: والصلصلةُ: الصَّوتُ؛ وأنشدوا: [الكامل]
٣٢٧٥ - شَرِبَتْ أسَاوِيُّ القُطاةِ مِنَ الكَدرْ ... وسَرَتْ فَتَرْمِي أحْيَاؤهَا بِصَلاصِلِ
أراد: صوتَ أجْنحَةِ أفراخِهَا، حين تطيرُ، أو أصواتَ أفراخها.
وقال الزمخشريُّ: «الطِّينُ اليابس الذي يُصلصِلُ من غير طبخٍ، فإذا طبخ، فهو فخار» .
وقال أبو الهيثم: «هو صوتُ اللِّجامِ، وما أشبهه؛ كالقعقعة في الثوب» .
وقال الزمخشري أيضاً: قالوا: إذا توهَّمت في صوته مدًّا، فهو صليلٌ، وإن توهمت فيه خفاءً، فهو صلصلةٌ، وقيل: هو من تضعيف «صَلَّ» ، إذا أنتن أنتهى.
و «صَلْصَالٍ» هنا، بمعنى مُصَلْصِل؛ كزَلْزالٍ، بمعنى مُزَلْزِل، ويكون «فَعْلال» أيضاً مصدراً، ويجوز كسره أيضاً، وفي هذا النَّوع، أي: ما تكررت فاؤه، وعينه خلافٌ.
فقيل: وزنه: فَعْفَع؛ كُرِّرتِ الفاء والعين، ولا لام للكلمة؛ قاله الفراء، وغيره. وهو غلطٌ؛ لأنَّ أقلَّ الأصول ثلاثة: فاءٌ، وعينٌ، ولامٌ.
والثاني: أنَّ وزنه «فَعْفَل:؛ وهو قول الفرَّاء.
الثالث: أنه» فَعَّل «بتشديد العين، وأسله» صَلَّل «فلما اجتمع ثلاثة أميالٍ، أبدل الثاني من مجنس فاء الكلمة، وهومذهب كوفيٌّ، خصَّ بعضهم هذا لخلاف بما إذا لم يختل المعنى، بسقوطِ الثالث، نحو» لَمْلَمَ «و» كَبْكَبَ «فإنَّك تقول فيهما:» لَمَّ «، و» كَبَّ «، فول لم يصحَّ المعنى بسقوطه؛ نحو: سَمْسَمَ» ، قال: فلا خلافَ في أصالة الجميع.
قوله تعالى: ﴿مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ فيه وجهان:
أحدهما أنه في محلِّ جر صفة ل «صَلْصَالِ» ؛ فيتعلق بمحذوف.
والثاني: أ، هـ بدل من «صَلْصالٍ» بإعادة الجارِّ. والحَمَأ: الطِّينُ الأسودُ المنتنُ.
стр. 6984
قال الليث ﵀: واحده «حَمَأة» بتحريك العين جمعله اسم جنسٍ؛ وقد غلط في ذلك؛ فإن أهل اللغة قالوا: لا يقال إلَاّ «حَمْأة» [بالإسكان] ، ولا يعرف التحريك؛ نصَّ عليه أبو عبيدة، وجماعة؛ وأنشدوا لأبي الأسودِ: [الوافر]
٣٢٧٦ - تَجِيءُ بمِلْئِهَا طُوْراً وطَوْراً ... تَجِيءُ بِحَمْأةٍ وقَلِيلِ مَاءِ
فلا يكون «الحَمَأة» واحدة «الحَمْأ» ؛ لاختلاف الوزنين.
والمَسْنُون: المَصْبُوب؛ من قولهم: سَنَنتُ الشَّرابَ، كأنَّه لِرُطُبتهِ جعل مَصْبُوباً، كغيره من المائعات، فكأن المعنى: أفرغ صورة إنسانٍ، كما تفرغ الجواهر المذابة.
قال الزمخشريُّ: وحقُّ «مَسْنُونٍ» بمعنى مصور: أن يكون صفة ل «صَلْصالٍ» ؛ كأنه أفرغ الحمَأ، فصوَّر منه تمثال شخصٍ. يعني أنه يصيرُ التقدير: من صلصالٍ مصوَّرٍ، ولكن يلزم تقديم الوصف المؤول على الصَّريح؛ إذا جعلنا: «مِنْ حَمَأ» صفة ل «صَلْصَالٍ» ، أمَّا إذا جعلناه بدلاً منه؛ فلا.
وقيل: مسنونٌ: مصوَّرٌ من سنَّة الوجه، وهي صورته؛ قال الشاعر: [البسيط]
٣٢٧٧ - تُرِيكَ سُنَّة وجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ..... ... ... ... ... ... ... ... ... .
وقال الزمخشريُّ: والمَسْنُونُ: المَحْكُوكُ، مأخوذٌ من سننت الحجر، إذا حككته به، فالذي يسيل بينهما سَنَنٌ ولا يكون إلَاّ مُنْتِناً.
ومنه يسمَّى المسَن مسَنًّا؛ لأنَّ الحديد يحكُّ عليه.
وقيل: المسنونُ: المنسوب إليه، والمعنى ينسب إليه ذريته، وكأن هذا القائد أخذه من الواقع، وقيل: هو من أسنَّ الماء إذا تغيَّر، وهذا غلط؛ لاختلافِ المادتين.
رُوِيَ أنَّ الله تعالى خمَّر طينة آدم، وتركه حتى صار متغيِّراً أسود، ثم خلق منه آدم صلوات الله وسلامه عليه.
قوله: ﴿والجآن خَلَقْنَاهُ﴾ منصوب على الاشتغال، ورجَّح نصبه؛ لعطف جملة على جملة فعليةٍ.
стр. 6985
والجَّانُّ: أبُو الجنّ، هو إبليس؛ كآدم أبي الإنسِ، وقيل: هو اسمٌ لجنسِ الجن.
وقرأ الحسن: «والجَأن» بالهمز، وقد تقدّم الكلام في ذلك في أواخر الفاتحة.
فصل
قال ابن عباسٍ ﵄: الجان ِأبو الجن؛ كما أن آدم أبو البشر، وهو قول الأكثرين.
وروي أيضاً عن ابن عباسٍ، والحسن، ومقاتل، وقتادة ﵃: هو إبليس، خلق قبل آدم.
وقيل: الجانُّ أبو الجن: وإبليس أبو الشياطين، وفي الجنِّ: مسلمون، وكافرون، ويحيون ويموتون، وأما الشيَّاطين؛ فليس سفهم مسلمون، ويموتون إذا مات إبليس.
وذكر وهبٌ: أنَّ من الجن من يولد له، ويأكلُونَ، ويشربون بمنزلة الآدميِّين، ومن الجن من هم بمنزلةِ الرِّيح: لاتوالدون، ولا يأكلون، ولا يشربون.
قال ابن الخطيب: «والأصحُّ أن الشياطين قسمٌ من الجن، فمن كان منهم مؤمنٌ فإنه لا يسمَّى بالشيطان، ومن كان منهم كافرٌ، سمِّي بهذا الاسم. وسمُّوا جنًّا؛ لاستتارهم عن الأعين، ومنه يسمَّى الجنينُ؛ لاستتاره عن الإعين، في بطن أمِّه، والجنَّةُ: ما تَقِي صابحها، وتستره، ومنه سمِّيت الجنة؛ لا ستتارها بالأشجار» .
قوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ ، و «مِن نَارٍ» متعلقان ب: خَلَقْنَاهُ «؛ لأنَّ الأولى لابتداءِ الغاية، والثانية للتعبيض، وفيه دليلٌ على أنَّ» مِنْ «لابتداءِ الغاية في الزمان، وتأويل البصريين له، ولنظائره بعيد.
فصل
قال ابن عباس ﵄:» يريد قبل خلق آدم صلوات الله وسلامه عليه «ز والسَّمومُ: ما يقتل من إفراطِ الحرّ من شمس، أو ريح، أو نار؛ لأنها تدخل المسامَّ فتَقْتلُ.
قيل: سُمِّيت سمُوماً؛ لأنها بلطفها تدخل في مسامِّ البدن، وهي الخروقُ الخفيَّة التي تكون في جلد الإنسان، يبرز منها عرقه وبخار بطنه.
стр. 6986
وقيل: السَّمومُ ما كان ليلاً، والحرورُ ما كان نهاراً. وعن ابن عباس: نارٌ لا خانلها.
قال أبو صالح: والصَّواعِقُ تكون منها، وهي نار بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمراً، خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت به، فالهَدَّةُ التي تسمعون؛ خرق ذلك الحجاب.
وقيل: نار السموم: لهب النَّار. وقيل: نارُ جهنَّم.
وروى الضحاك، عن ابن عباسٍ ﵄: كان إبليس من جنسِ من الملائكة، يقال لهم الجن، خلقوا من نارِ السَّمومِ، وخلقت الجنُّ الذين ذكروا من مارج من نارِ، والملائكة خلقوا من نورٍ.
وقيل: ﴿مِن نَّارِ السموم﴾ من إضافةِ الموصوف لصفته.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ﴾ الآية، لما استدلَّ بحدوثِ الإنسان؛ على وجود الإله القادر المختار؛ ذلك بعده واقعته، وهو أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود له، والمراد بكونه بشراً، أي: جسماً يباشر ويلاقى، والملائكة، والجن لا يبشارون؛ للطف أجسامهم، والبشرة: ظاهر الجِلدِ مِنْ كُلِّ حيوانٍ، وتقدَّم ذكر الصلصالِ، والحَمأ المَسْنُونِ.
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ أي: شكلته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية.
وقيل: سوَّيتُ أجزاء بدنه: باعتدالِ الطَّبائعِ، وتناسب الأمشاجِ، نَفخْتُ فيه من روحي؛ فصار بشراً حيًّا.
والرُّوحُ: جسمٌ لطيفٌ، يحيا به الإنسان، وقيل: الرُّوحُ: هي الرِّيح؛ لأنَّ النَّفخ أخذ الريح في تجاويف جسم آخر؛ فظاهر قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ يشعر بأنَّ الروح هي الريح، وإلا لما صحَّ وصفها بالنَّفخ، وسيأتي بقيةُ الكلام على الروح عند قوله: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] ، وأضاف روح آدم صلوات الله وسلامه عليه إلى نفسه تشريفاً وتكريماً.
قوله تعالى: ﴿فَقَعُواْ لَهُ﴾ ، يجوز أن تتعلق اللام بالفعل قبلها، وأن تتعلق ب» سَاجِدينَ «.
فصل
ظاهر قوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ يدل على وجوب
стр. 6987
السجود على الملائكة؛ لأنه مذكمور بفاء التَّعقيب؛ وذلك يمنُ التَّراخي.
قوله «أجْمَعُونَ» تأكيد ثانٍ، ولا يفيد الاجتماع في الوقت؛ خلافاً لبعضهم.
وقال سيبويه: قوله: ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ «توكيدٌ بعد توكيدٍ» . وسئل المبرد عن هذه الآية فقال: لو قال: فَسجَدَ الملائِكَةُ «احتمل أن يكون سجد بعضهم فلما قال: كُلُّهم زال هذا الاحتمال، فظهر أنهم بأسرهم سجدوا، ثم بعد هذا بقي احتمال وهو أنَّهم: هل سجدوا دفعة واحدة؟ أو سجد كل واحدٍ في وقت؟ . فلما قال: أجْمَعُون ظهر أن الكلَّ سجدوا دفعةً واحدةً. ولما حكى الزجاج هل القول، عن المبرد، قاتل:» وقول الخليل، وسيبويه أجودُ؛ لأن «أجْمَعِينَ» معرفةٌ؛ فلا يكون حالاً «.
قال أبو البقاء:» لكان حالاً لا توكيداً «. يعنى أنَّه يفيد إفادة الحال مع أنه توكيدٌ؛ وفيه نظر؛ إذ لا منافاة بينهما بالنسبة إلى المعنى، ألا ترى أنه يجوز:» جاؤوني جَمِيعاً «مع إفادته، وقد تقدم تحريرُ هذا [البقرة: ٣٨] ، وحكاية ثعلب مع ابن قادم.
قوله: ﴿إِلَاّ إِبْلِيسَ أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين﴾ تقدَّم الكلام على هذا الاستثناء في البقرة.
قال القرطبيُّ ﵀:» الاستثناء من الجنس غير الجنس صحيح عند الشافعي ﵁، حتَّى ولو قال له: عليَّ دينارٌ إلا ثوباً، أو عَشْرة أثْوابٍ، إلَاّ قفيز حِنظَةٍ، وما جانس ذلك يكون مقبُولاً، ويسقط عنه من المبلغ قيمة الثوبِ، والحِنْطةِ ويستوي في ذلك: المكِيلات، والمَوزونَات، والمُقدَّرات «.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفة رضي الهل عنهما: استثناء المكيل من الموزون، والموزون من المكيل جائزٌ؛ حتى لو ساتثنى الدَّراهم من الحنطةِ، والحنطة من الدراهم، قُبِلَ، أمَّا إذا استثنى المقوَّماتِ من المكيلاتِ، أو الموزوناتِ، والمكيلاتِ من المقوماتِ؛ فلا يصحُّ؛ مثمل أن يقول: له عشرة دنانير إلَاّ ثوباً، أو عشرة أثواب إلَاّ ديناراً، فيلزم المقرُّ جميع المبلغ.
قوله تعالى: ﴿أبى أَن يَكُونَ﴾ ، استئنافٌ؛ وتقديره: أنَّ قائلاً قال: هلَاّ سجد؟ فقيل: أبي ذلك، واستكبر عنه.
قوله تعالى: ﴿قَالَ ياإبليس مَا لَكَ أَلَاّ تَكُونَ مَعَ الساجدين قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ قال بعض المتكلمين: إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس، على لسان بعض رسله؛ وهذا ضعيف؛ لأنَّ إبليس قال في الجواب: ﴿لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ﴾ ، فقوله:» خَلَقْتهُ «خطاب الحضورِ، لا خطاب الغيبة؛ فظاهره يقتضي أنَّ الله تعالى تكلم مع إبليس بعغير واسطة.
стр. 6988
فإن قيل: كيف يعقل هذا؛ مع أنَّ مكالمة الله تعالى من غير واسطةٍ من أعظم الناصب، وأعلى المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأسِ الكفرِةِ؟ .
فالجواب: أنَّ مكالمة الله إنما تكون منصباً عالياً، إذا كان على سبيل الإكرامِ والإعظام، فأما إذا كان على سبيل الإهانة، والإذلال، فلا.
وقوله: ﴿لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ﴾ لتأكيد النَّفي، معناه: لا يصحُّ منَّي أن أسجد لبشر.
وحاصل كلامه: أن كون بشراً يشعر بكمونه جسماً كثيفاً، وهو كان روحانيًّا لطيفاً، فكأنه يقول: البشر جسماني كثيف، وأنا روحاني لطيف، والجسماني الكثيف أدون حالاً من الروحاني اللطيف، فيكف يكون للأدنى سجود للأعلى؟ .
وأيضاً: فآدم مخلوقٌ من صلصالٍ، تولَّد من حمأ مسنون، وهذا الأصل في غاية الدناءة، وأصل «إبْليسَ» : هو النار، والنار هي أشرف العناصر فكان أصل إبليس أشرف من أصل آدم؛ فوجب أن يكون إبليس أشرف من آدم، والأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدنى؛ فهذا مجموع [شبهة] إبليس.
﴿قَالَ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ، وهذا ليس جواباً عن الشُّبهة على سبيل التصريح، بل جواب على سبيل التنبيه.
وتقديره: أن الذي قاله الله تعالى نصٌّ، والذي قاله إبليس قياس، ومن عارض النصَّ بالقياس، كان رجيماً ملعوناً، وتمام الكلام في هذا المعنى مذكور في سورة الأعراف.
والضمير في: «مِنْهَا» : قيل: من جنَّة عدنٍ، وقيل: من السمواتِ، وقيل: من زمرة الملائكةِ.
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة إلى يَوْمِ الدين﴾ قال ابن عباسٍ ﵁: يريد يوم الجزاء حيث يجازى العبادُ بأعمالهم.
و ﴿إلى يَوْمِ﴾ يجوز أن يتعلق بالاستقرار في: «عَليْكَ» ، ويجوز أن يتعلق بنفس اللعنة.
فإن قيل: كلمة «إلى» تفيد انتهاء الغايةِ؛ فهذا يشعر بأنَّ اللعن لا يحصل إلَاّ يوم الدِّين، وعند القيامة يزول اللَّعن.
فالجواب من وجوه:
الأول: أن المراد التأبيد، وذكر القيامة أبعد غاية تذكرها الناس في كلامهم؛ كقولهم: ﴿مَا دَامَتِ السماوات والأرض﴾ [هود: ١٠٨] في التَّأيد.
والثاني: أنك مذموم مدعو عليك باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الدين،
стр. 6989
من غير أن يعذب، فإذا جاء ذلك اليوم، عذِّب عذاباً [ينسى] اللعن معه، فيصير اللَّعن حنيئذٍ كالزائلِ؛ بسبب أنَّ شدّضة العذاب تذهل عنه.
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وهذا متعلق بما تقدم، والتدقير: إذا جعلتني رجيماً إلى يوم القيامة؛ فأنظريني، أراد ألَاّ يموت، والمراد من قوله: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ، يوم البعثِ، والنُّشورِ، وهو يوم القيامة؛ فقال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ قيل: وقت النفخةِ الأولى حين يموت الخلائق؛ لأن من المعلوم أن تموت الخلائق فيه.
وقيل: سمِّي معلوماً؛ لأنه لا يعلمه إلا الله تعالى؛ لقوله : ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ [لقمان: ٣٤] .
وقيل: يوم الوقت المعلوم: يوم القيامة.
فإن قيل: لمَّا أجابه الله إلى مطلوبه لزم ألَاّ يموت إلى وقت قيام القيامة، [و] وقت قيام القيامة لا موت، فلزم ألا يموت بالكلية فالجواب: يحمل قوله ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ : إلى ما يكون قريباً منه، و [الوقت] الذي يموت فيه كلُّ المكلفين قريبٌ من يوم البعث.
وقيل: ﴿يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ لا يعلمه إلا الله.
قيل: لم تكن إجابة الله تعالى له في الإمهالِِ إكرماً له، بل كان زيادة في بلائه وشقائه.
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ الباء للقسم، و «مَا» مصدرية، وجواب القسم ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ والمعنى: أقسم بإغوائك إيايّ، لأزينن؛ كقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] إلَاّ أنه في هذا الموضع أقسم بعزة الله تعالى وهي من صفاتِ الذات، وفي قوله: ﴿بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ ، أقسم بإغواء الله، وهو من صفات الأفعال، والفقهاء قالوا: القسم بصفاتِ الذَّات صحيحٌ، واختلفوا في القسم بصفاتِ الأفعال.
ونقل الواحديُّ هنا عن بعضهم: أنَّ الباء هاهنا سببية، أي: بسبب كوني غاوياً، لأزيننَّ؛ كقول القائل: «أقْسمَ فُلانٌ بِمعْصِيتهِ، ليَدْخُلنَّ النَّار، وبِطاعَتهِ ليَدْخُلنَّ الجَنَّة» .
ومعنى: ﴿أَغْوَيْتَنِي﴾ : أضْللْتَنِي، وقيل: خَيَّبْتَنِي من رحمتك، ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض﴾ حبَّ الدنيا، ومعاصيك.
والضمير في: «لَهُمْ» لذرية آدم ﵇ وإن لم يجر لهم ذكر؛ للعلم بهم.
و «لإْغْوِيَنَّهُمْ» : لأضلَّنَّهُم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين قرأ ابن كثير،
стр. 6990
وابن عامر، وأبو عمرو: «المُخْلصِينَ» بكسر اللام، والباقون: بفتح اللَاّم.
ومعنى القراءة الأولى: أنهم أخلصوا دينهم عن الشَّوائب؛ ومن فتح اللَاّم، فمعناه: الذين أخلصهم الله بالهداية.
فصل
قال ابن الخطيب: «واعلم أنَّ الذي حمل» إبليس «على ذكر هذا الاستثناء ألَاّ يصير كاذباً في دعواه، فلما احترز» إبليس «عن الكذب، علمنا أنَّ الكذب في غاية الخساسةِ» .
فصل
قال رويمٌ: «الإخلاص في العمل: وهو الأَّ يريد صاحبه عليه عوضاً في الدَّارين، ولا عوضاَ من المكلفين» .
وقال الجندي ﵁: الإخلاص: سرُّ بين العبد، وبين الله تعالى لا يعلمه ملكٌ فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوًى فيمليه.
وذكر القشيريُّ، وغيره عن النبي صلى الله علي هوسلم أنه قال: «سَألتُ جِبْريلَ ﵇ عن الإخْلاًِ ما هُو؟ فقالَ: سَألتُ ربَّ العِزَّةِ عَنِ الإخْلاصِ ما هُو؟ فقال: سِرِّي اسْتودَعْتهُ قلبَ مَنْ أحْبَبْتهُ مِنْ عِبَادي» .
قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ﴾ «هَذَا» إشارة إلى الإخلاص المفهوم من المخلصين.
وقيل: إلى انتفاء تزْيينه، وأغوائهه على من مرَّ عليه، أي: على رضواني، وكرامتي.
وقيل: «عَلى» بمعنى: «إلَى» ، نقل عن الحسنِ.
وقال مجاهدٌ: الحقُّ يرجع إلى الله تعالى وعليه طريقة، لا تعرج على شيءٍ.
وقال الأخفش: يعني عليَّ الدَّلالةُ على الصراطِ المستقيم.
وقال الكسائي: هذا على التّهديد والتوعيد؛ كما يقول الرجل لمن يخاصمه: طريقتك علي أن لا تفلت منِّي، قال تعالى: ﴿لبالمرصاد﴾ [الفجر: ١٤] .
وقرأ الضحاك، وقتادة، وأبو رجاء، وأبن سيرين، ويعقوب في آخرين: «عليُّ» ، أي: عالٍ مرتفعٌ.
وعبَّر بعضهم عنه: رفيع أن ينال «مُسْتقِيمٌ» أن يمال.
стр. 6991
قوله تعالى: ﴿عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أعلم أن إبليس لما قال ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ أوهم أنَّ له سلطاناً على غير المخلصين، فبيَّن الله تعالى في هذه الآية أنه ليس له سلطانٌ على أحد م نعبيد الله سواء كان مخلصاً أو غير مخلص، لكن من اتبع منهم إبليس باختياره؛ ونظيره قوله حكاية عن إبليس: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: ٢٢] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩، ١٠٠] فعلى هذا يكون استثناء منقطعاً.
قال الجبائيُّ: «هذه الآية تدلُّ على بطلان قول من زعم أنَّ الشيطان، والجنَّ يمكنهم صرع الناس، وإزالة عقولهم» .
وقيل: الاستثناء متصلٌ؛ لأنَّ المراد ب «عِبَادي» العموم، طائعهم، وعاصيهم وحينئذ يلزم استثناء الأكثر من الأقلِّ.
وأراد بالعباد الخلَّص؛ لأنه أضافهم إليه إضافة تشريفٍ، فلم يندرج فيه الغوون؛ للضمير في موعدهم.
قال القرطبي: «قال العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ : يعني على قلوبهم» .
وقال ابن عيينة: «يلقيهم في ذنب ثم أمنعهم بعفوي: أو: هم الذين هداهم الله، واجتباهم، وأختارهم، واصطفاهم» .
فإن قيل: قد أخبر الله تعالى، عن آدم، وحواء صلوات الله وسلامه عليهما بقوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشيطان﴾ [البقرة: ٣٦] وعن جلمة من أصحاب نبيَّه ﴿إِنَّمَا استزلهم الشيطان بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ [آل عمران: ١٥٥] .
فالجواب: أنه ليس له سلطان على قلوبهم، ولا موضع إيمانهم، ولا يلقيهمخ في ذنب يؤول إلى عدم العفو، بل يزيله بالتوبة، ولم يكن خروج آدم عقوبة على ما تقدم بيانه في البقرة.
وأما أصحاب النبيِّ ﷺ َ فقد مضى القول عليه في «آل عمران» ، ثم إنَّ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ يحتمل أن يكون حاصلاً فيمن حفظ الله، ويحتمل أن يكون في أكثر الأوقات، وقد يكون ي تسليطه تفريج كربه، وإزالة عمه؛ كما فعل ببلالٍ، إذْ أتاه يهديه، كما يهدَّى الصبيُّ حتى نام، ونام النبي ﷺ َ، فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس، وفزعوا، وقالوا: ما كفَّارةُ ما صَنعنَا في تَفْريطِنَا في صَلاتِنَا؟ فقال لهُم النبيُّ صلى الله عليه سلم «ليْسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ» ؛ ففرَّج عَنْهُم.
стр. 6992
وقال ابن عطيَّة: تأكيد فيه معنى الحال من الضمير في «مَوْعِدهُم» ، والعامل فيه معنى الإضافة، قاله أبو البقاء «.
وفي مجىء الحال من المضاف إليه، خلافٌ، ولا يعمل فيها الموعد، إن أريد به الكان، فإن أريد به المصدر، جاز أن يعمل؛ لأنه مصدرٌ، ولكن لا بدَّ من حذف مضاف، عي: مكان موعدهم.
قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ يجوز في هذه الجملة أن تكون مستأنفة، وهو الظاهر، ويجوز أن تكمون خبراً ثانياً، ولا يجوز أن تكون حالاً من» جَهنَّم «؛ لأن» إنَّ: «لا تعمل في الحال، قال ابو البقاء. وقياس ما ذكروه في» لَيْتَ، وكأنَّ، ولعلَّ «من أخواتها من أعمالها في لحال؛ لأنَّها بمعنى: تمنيَّتُ وشبهت، وترجيت أ، تعمل فيها» إنَّ «أيضاً؛ لأنَّها بمعنى أكدتُ، ولذلك عملت عمل الفعل، وهي أصل الباب.
فصل
قال عليٌّ كرم الله وجهه: هل تدرون كيف أبوا النًَّار؟ ووضع أحدى يديه على الأخرى، أي: سبعةٌ أبوابٍ، بضعها فوق بعض، وأنَّ الله تعالى وضع الجنان على العرض، ووضع النِّيران بعضها على بعض.
قال ابن جريج: النار سبع دركاتٍ: أولها جهنَّم، ثمَّ لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم الجحيم، ثم الهاوية.
قال الضحاك: الطبقة الأولى: فيها أهل التوحيد، يعذَّبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون منها، والثانية: لليهود والثالثة: للنَّصار، والرابعة: للصابئين، وروي أن الثانية: للنصارى، والثالثة: لليهودِ، والرابعة للصابئين، والخامسة: للمجوسِِ، والسادسة: للمشركين، والسابعة: للمنافقين؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار﴾ [النساء: ١٤٥] .
قوله:» مِنهُمْ «يجوز أن يكون حالاً من» جُزءٌ «؛ لأنَّه في الأصل صفة له، فلما قدمت، انتصبت حالاً، ويجوز أن يكون حالاص من الضمير المستتر في الجارِّ، وهو:» لكُلِّ بابٍ «، والعامل في هذه الحال، ما عمل في هذا الجارِّ، ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في:» مَقسُومٌ «؛ لأنَّ الصفة لا تعمل فيها قبل الموصوف، ولا يجوز أن تكون صفة ل» بابٍ «؛ لأنَّ الباب ليس من النَّاس.
وقرأ أبو جعفر:» جُزٌّ «بتشديد الزَّاي من غير همزٍ، فكأنه ألقى حركة الهمزة على الزَّاي، ووقف عليها فشدَّدها؛ كقولك:» خَبّ «في» خبءُ خالد «ثم أجري الوصل مجرى الوقف.
стр. 6993
الجُزِْءُ: بعض الشيء، والجمع: أجزاء، وجَزَّأتهُ: جعلته أجزاء. والمعنى: أنه تعالى يُجزِّىء أبتاع إبليس أجزاءَ، أي: يجعلهم أقساماً، ويدخل في كل باب من أبواب جهنَّم طائفة؛ والسبب في ذلك: أنَّ مراتبَ الكفر مختلفةٌ بالغلظةِ والخفة.
стр. 6994
قوله تعالى: ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ الآياتِ، لمَّا شرح أحوال أهل العقاب، أتبعه بصفة أهل الثَّواب.
وروي أنَّ سلمان الفارسيِّ ﵁ لما سمع قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] مَرَّ ثلاثةُ أيَّام من الخوفِ لا يعقلُ، فَجيء به إلى رسول الله صلى لله عليه وسلم فسأله، فقال: يا رسول الله، نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] : فوالذي بعثك بالحق نبيًّا، لقد قطعت قلبي فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ .
قال ابن عباس ﵄: [أراد] بالمتقين: الذين اتقوا الشِّرك بالله تعالى، والكفر به، وبه قال جمهور الصحابة، والتَّابعين.
وهو الصحيح؛ لأنَّ المتقي هو الآتي بالتقوى مرة واحدة، كما أن الضَّارب هو الآتي بالضرب، والقاتل هو الآتي بالقتل مرة واحدة، فكما أنه ليس من شرط صدق الوصف بكونه ضارباً، وقاتلاً، أن يكون آتياً بجميع أنواع الضرب والقتل، ليس من شرط صدق الوصف بكونه متَّقياً كونه آتياً بجميع أنواع التقوى؛ لأنَّ الآتي بفردِ واحدٍ من أفراد التقوى، يكون آتياً بالتقوى؛ لأنَّ كل فردٍ من أفراد الماهية، يجب كونه مشتملاً على تلك الماهيَّة، وبهذا التحقيق استدلُّوا على أنَّ الأمرَ لا يفيد التَّكرار.
وإذا ثبت هذا فنقول: أجمعت الأمة على أنَّ التقوى عن الكفر شرط في حصول المحكم بدخول الجنة.
وقال الجبائي، وجمهور المعتزلةِ: المتقين: هم الَّذين اتَّقوا جميع المعاصي، قالوا: لأنه اسم مدحٍ، فلا يتناولُ إلَاّ من [كان] كذلك.
واعلم أنَّ الجنات أربعةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ثم قال: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فيكمن [المجموع] أربعة.
قوله: «وعُيُونٍ» : قرأ ابن كثيرٍ، والأخوان، وأبو بكر، وابن ذكوان: بكسر عين «
стр. 6995
عِيُونٍ» منكراً، والعينُّ معرف حيث وقع؛ والباقون: بالضمِّ، وهو الأصل.
فصل
الجنَّاتُ: البَساتِينُ، والعُيونُ: يحتمل أن يكون المراد بها الأنهار المذكمورة في قوله تعالى: ﴿فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] ، ويحتمل أن يكمون امراد من هذه العيون منافع مغايرة لتلك الأنهار.
قوله: ﴿ادخلوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ العامة على وصل الهمزة من: دَخَلَ يَدخُل، وقد تقدم خلاف القراء في حركة هذا التنوين، لالتقاءِ السَّاكنين في البقرة: [١٧٣] .
وقرأ يعقوب ﵀ بفتح التنوين وكسر الخاء، وتوجيهها: أنَّه أمرٌ من: أدْخَلَ يَدْخلُ فلما وقع بعد «عُيونِ» ألقى حركة الهمزة على التنوين؛ لأنها همزة قطع ثمَّ حذفها، والأمر من الله تعالى، للملائكةِ، أي: أدخلوها أيَّاهم.
وقرأ الحسن، ويعقوب أيضاً: «أُدخِلُوها» ماضياً مبنياً للمفعول، إلا أنَّ يعقوب ضمَّ التنوين ووجهه: أنه أخذه من أدخل رباعياً، فألقى حركة همزة القطع على التنوين كما ألقى حركة المفتوحةِ في قراءته الأولى، والحسن كسرهُ على أصل التقاءِ الساكنين، ووجهه: أن يكون أجرى همزة القطع مجرى همزة الوصل في الإسقاط.
وقراءة الأمر على إضمار القول، أي: يقال لأهل الجنَّة: أدخلوها، أو يقال للملائكة: أدخلوها إياهم، وعلى قراءة الإخبار يكون مستأنفاً من غير إضمارٍ، وقوله «بِسَلامٍ» حالٌ: أي: ملتبسين بالسلامة أو مسلماً عليكم.
و «آمنِينَ» حال أخرى، وهي بدلٌ مما قبلها، إما بدل كلُ من كلِّ وإما بدل اشتمالِ؛ لأن الأمن مشتملٌ على التحية أو بالعكسٍ، والمعنى: أمنين من الموت، والخورج، والآفات.
فإن قيل: إن الله تعالى [حكم] قبل هذه الآية بأنهم في جنات وعيون، وإذا كانوا فيها فكيف يقال لهم: «ادْخُلُوها» ؟ .
فالجواب: أنَّهم لما ملكوا جنات كثيرة، فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم: ﴿ادخلوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ .
قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الشَّحناءُ، والعداوة الحقد الكامن
стр. 6996
في القلب، مأخوذ من قولهم: أغلَّ في جوفه، وتغلغل.
قوله: «إخْوَاناً» يجوز أن يكون حالاً من «هُمْ» في «صُدُورهِمْ» ، وجاز ذلك‘ لأنَّ المضاف جزءُ المضاف إليه.
وقال أبو البقاءِ: والعامل فيها معنى الإلصاق، ويجوز أن يكون حالاً من فاعل «ادْخُلوهَا» على أنها حال مقدرة، قاله أبو البقاء. ولا حاجة إليه بل هو حال مقارنة.
ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في قوله: «جَنَّاتٍ» .
قوله «على سُررٍ» ، يجوز أن يتعلق بنفس «إخواناً» ، لانه بمعنى متصافين، أي: متصافين على سُررٍ، قاله أبو البقاء؛ وفيه نظر؛ حيث تأويل جامدٍ بمشتقٍّ، بعيد منه.
و «مُتَقابِلينَ» على هذا حالٌ من الضمير في «إخْواناً» ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف، على أنه صفة ل «إخْواناً» ، وعلى هذا ف «مُتقَابِلينَ» حالٌ من الضمير المستطنِّ في الجارِّ، ويجوز أن يتعلق ب «مُتَقَابلينَ» ، أي: متقابلين على سررٍ، وعلى هذا ف «مُتَقَابلينَ» من الضمير في «إخْواناً» أو صفة ل «إخْوَاناً» .
ويجوزم نصبه على المدحِ، يعني: أنه لا يمكن أن يكون نعتاً للضمير فلذلك قطعَ.
والسُّررُ: جمع سَريرٍ، وهو معروفٌ، ويجوز في «سُررٍ» ، ونحوه مما جمع على هذه الصيغةِ من مضاعف «فَعِيل» فتح العين؛ تخفيفاً؛ وهي لغة بني كلبٍ وتميم، فيقولون: سُرَرٌ وجُدَدٌ، وذلك في جمع سرير وجديد.
قال المفضل: لأنَّهم يستثقلون الضمتين المتوالتين في حرفين من جنس واحد.
فصل
قال بعض أهل المعاني: السَّريرُ: مجلسٌ رفيعٌ مهيَّأ للسُّرورِ، وهو مأخوذ منه؛ لأنه مجلس سرورٍ. متقابلينَ: يقالب بعضهم بعضاً، ولا ينظر أحد منهم إلى قفا صاحبه، والتَّقابلُ: التواجه، وهو نقيضُ التَّدابر.
قوله: ﴿يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ يجوز أن تكون هذه مستأنفة، ويجوز أن تكون حالاً من الضمير في «مُتَقَابلينَ» .
والنَّصَبُ: التَّعَبُ، يقال منه: نَصِبض يَنْصَبُ فهو نَصِبٌ ونَاصِبٌ، أنصبني كذا، قال: [الطويل]
٣٢٧٨ - تَأوَّبَنِي هَمٌّ مَعَ اللَّيْلِ مُنصِبُ..... ... ... ... ... ... ... ...
وهمَّ ناصبٌ، أي: ذُو نصبٍ، كلابن وتامر؛ قال النابغة: [الطويل]
стр. 6997
٣٢٧٩ - كِلينِي لِهَمِّ يَا أمَيْمة نَاصبٍ ... ولْلٍ أقَاسيهِ بَطيءٍ الكَواكِبِ
و «مِنْهَا» متعلقه «بمُخْرجين» .
وهذه الآية أنصُّ آيةٍ في القرآن على الخلود.
стр. 6998
قوله تعالى: ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغفور الرحيم﴾ أثبت الهمزة الساكنة في «نَبِّىء» صورة، وما أثبت في قوله: «دِفْءٌ» ؛ لأنَّ ما قبلها ساكنٌ، فهي تحذف كثيراً، وتلقى حركتها على الساكن قبلها ف «نَبِّىءْ» في الخط على تحقيق الهمزة، وليس قبل همزة «نَبِّىْ» ساكن؛ فأخَّروها على قياس الأصل.
وقوله: أنَا الغَفورُ «يجوز في» أنَا «أن يكون تأكيداً، أن يكون فصلاً» .
وقوله: ﴿هُوَ العذاب﴾ يجوزم في «هُوَ» الابتداء، والفصل، ولا يجوز التوكيد؛ إذ المظهر لا يؤكَّد بالمضمر.
فصل
ثبت في أصول الفقه أنَّ ترتيب الحكم على الوصف المناصب يشعر بغلبةِ ذلك الوصف، فهاهنا وصفهم بكونهم عباده، ثم ذكر عقب هذا الوصف الحكم بكونه غفوراً رحيماً، وهذا يدلُّ على أنَّ كلَّ من اعترف بالعبودية، وكان في حقِّه غفوراً رحيماً، ومن أنكر ذلك، كان مستوجباً للعذاب الأليم.
وفي الآية لطائف: أولها: أنه أضاف العباد إلى نفسه بقوله: «عِبَادي» وهذا تشريفٌ عظيمٌ، ويدل عليه قوله: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] .
وثانيها: أنه لما ذكر المغفرة، والرحمة بالغ في التَّأكيدات بألفاظٍ ثلاثة:
أولها: قوله: «أنِّي» .
وثانيها: «أنَا» .
وثالثها: إدخال الألف واللام على قوله: «الغَفُور الرَّحيمُ» ، ولما ذكر العذاب، لم يقول: إني إنا ولَمْ يَصفْ نفسهُ بِذلكَ، بل قال : ﴿عَذَابِي هُوَ العذاب الأليم﴾ .
وثالثها: أنه تعالى أمر رسوله صلوات الله وسلامه عليه أن يبلغ إليهم هذا المعنى، فكأنه أشهد رسوله على نفسه بالتزام المغفرة، والرحمة.
ورابعها: أنه تعالى لمَّا قال: ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي﴾ كان معناه: كلّ من اعترف
стр. 6999
بعبوديَّتي، وهنذا يشمل المؤمن، والعاصي، وكذلك يدل على تغليب جانب الرحمة من الله تعالى.
قال قتادة: بلغنا أن نبيَّ الله ﷺ َ قال: «لَو يَعْلمشُ العَبدُ قَدْرِ عَفْوِ الله لمَا تورَّع عن حرامٍ، ولوْ عَلِمَ قدر عِقابِهِ لبَخَعَ نَفْسَهُ» أي: قتلها.
وعن النبيِّ ﷺ َ أنَّه مرَّ بِنفَرٍ من أصحابه، وهم يضحكُون، فقال: أتَْضحَكُون وبيْنَ أيديكمُ النَّارُ «فنزَل جِبريلُ صلوات الله وسلامه عليه بِهذِهِ الآية، وقال:» يقول لك يا محمَّد: لِمَ تقنط عِبادِي «.
وقال بان عبَّاسِ ﵄: معنى: ﴿أَنَا الغفور الرحيم﴾ لمن تاب منهم.
стр. 7000
قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ القصَّة: لما قرَّر أمر النبوة، أردفه بدلائل
стр. 7001
التوحيد، ثمَّ عقبه بذكر أحوال القيامةِ، وصفة الأشقياء، والسعداء، أتبعه بذكر قصص الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ليكن سماعها مرغِّباً للعبادة الموجبة للفوز بدرجاتِ الأولياءِ، ومحذراً عن المعصية الموجبةِ لاستحقاقِ دركاتِ الأشقياءِ.
فقوله: «ونَبِّئْهُم» ، هذا الضمير راجعٌ إلى قوله : عِبَادِي «، أي: ونبِّىء عبادي، يقال: أنْبأتُ القوم إنباءً ونَبَّأتهُم تَنْبئةً إذا أخبرتهم.
قوله:» عَن ضَيْفِ «، أي [أضياف إبراهيم] ، والضَّيْفُ في الأص مصدر ضَافَ يضيفُ: إذا أتى إنساناً يطلب القوى، وهو اسمٌ يقع على الواحدِ، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنَّث.
فِإن قيل: كيف سمَّاهم ضيفاً، مع امتناعهم من الأكلِ؟ .
فالجواب: لمن ظنَّ إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أنَّهم إنَّما دخلوا عليه لطلب الضِّيافة، جاز تسميتهم ذلك.
وقيل: من دخل [دار] إنسان، والتجأ إليه سمِّي ضيفاً، ون لم يأكل، وكان إبراهيم صلوات الله وسلامه علثيه يكنَّىأبا الضيفان، كان لقصره أربعة أبوابٍ، لكي لا فوته أحدٌ.
وسمِّي الضيف ضيفاً؛ لإضافته إليك، ونزوله عليك.
قال القرطبي ﵀:» ضَافهُ مَالَ إليه، وأضَافهُ: [أماله] ، ومنه الحديث: حِينَ تضيفلإ الشَّمسُ للغُروبِ. وضَيفُوفَةُ السَّهم، والإضافةُ النَّحوية «.
قوله: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ في» إذْ «وجهان:
أحدهما: أنه مفعول لفعل مقدر، أي: اذكر إذ دخلوا.
والثاني: أنه ظرف على بابه، وفي العامل فيه وجهان:
أحدهما: أنه محذوف، تقديره: خبر ضيف.
والثاني: أنه نفس» ضَيْفِ «، وفي توجيه ذلك وجهان:
أحدهما: أنه لما كان في الأصل مصدراً اعتبر ذلك فيه، ويدلُّ على اعتبار مصدريته بعد الوصف به: عدم مطابقته لما قبله تثنية، وجمعاً وتأنيثاً في الأغلب، ولأنه قائم مقام وصفه، والوصف يعمل.
والثاني: أنه على حذف مضاف، أي: أصحاب ضيف إبراهيم، أي: ضيافته، فالمصدر باقٍ على حاله، فلذلك عمل.
стр. 7002
قال أبو البقاء بعد أن قدر أصحاب ضياتفه: والمصدر على هذا مضاف إلى المفعول.
قال شهابُ الدِّين: وفيه نظر، إذ الظَّاهر إضافته لفاعله؛ لأنه النبي ﷺ َ.
قوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ سَلاماً﴾ ، أي نُسلِّم لك سلاماً أو سلَّمتُ سلاماً، أو سلمُوا سَلاماً، قاله القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى.
قال: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي: خائفون؛ لأنهم لم يأكلوا طعامه، وقيل: لأنهم دخلوا بغير إذن، وبغير وقت.
قوله:» لا تَوجَلْ «العامة على فتح التاء من» وجِلَ «ك:» شَرِبَ «يَشربُ، والفتح قياس» فَعِلَ «إلا أن العرب آثرت [يفعل بالكسر] في بعض الألفاظ إذا كانت واواً، نحو:» نَبِقَ «وقرأ الحسن:» لا تُوجَل «مبنياً للمفعول من الإيجال.
وقرىء: «لا تَأجَلْ» ، والأصل: «تَوْجل» كقراءة العامة، إلَاّ أبدل من الواو ألفاً لانفتاح ما قبلها، وإن لم تتحرَّك كقولهم: «تَابةٌ» ، و «صَامةٌ» في «تَوْبة» ، و «صَوْمة» وسمع: اللَّهُم تقبَّل تَابتِي، وصَامتِي. وقرىء أيضاً: «لا تُواجِل» من المواجلة.
ومعنى الكلام: لاتخف؛ «إنَّا نَبشِّرُكَ» ، قرأ حمزة: «إنَّا نَبْشُركَ» بفتح النون وتخفيف الباء، والباقون بضم النون، وفتح الباء، و «إنَّا نُبشِّركَ» استئناف بمعنى التعليل للنهي عن الوجل، والمعنى إنَّك بمثابة الآمن المبشر فلا توةجل.
واعلم أنَّهم بشروهن بأمرين:
أحدهما: أنَّ الولد ذكرٌ، والثاني: أنه عليمٌ.
فقيل: بشَّروه بنبوته بعده، وقيل: عليم بالدِّين، فعجب إبراهيم أمره و ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي على أَن مَّسَّنِيَ الكبر﴾ قرأ الأعرج: «بشَّرتُمونِي» بإسقاط أداة الاستفهام، فيحتمل الأخبار، ويحتمل الاستفهام، وإنما حذفت أدلته للعلم به.
وِ «على أنْ مسَّنيَ» في محل نصبٍ على الحال.
وقرأ ابن محيصن: «الكُبْر» بزنة «فُعْقولهخ:» فبمَ تبشّرون «» بِمَ «متعلقٌ ب» تُبشِّرُون «، وقدم وجوباً؛ [لأنه] استفهام وله صدر الكلام.
стр. 7003
وقرأ العامة: بفتح النون مخففة على أنها نون الرفع؟ ولم يذكر مفعنول التبشير، وقرأ نافع بكسرها، والأصل: تبشروني فحذف الياء مجتزئاً عنها بالكسرة.
وقد غلطه أبو حاتم، وقال: هذا يكون في الشعر اضطراراً.
وقال مكي:» وقد طعن في هذه القراءة قومٌ لبُعدِ مخرجِها في العربيَّة؛ لأنَّ حذف النون التي تصحبُ الياء لا يحسنُ إلَاّ في الشِّعر، وإن قُدِّر حذف النون الأولى حذفت [علم] الرفع من غير ناصب، ولا جازم؛ ولأنَّ نون الرفع كسرها قبيحٌ، إنَّما حقُّها الفتح «.
وهذا الطعن لا يتلفت إليه، لأنَّ ياء المتكلم قد كثر حذفها مجتزءاً عنها بالكسرة، وقد قرىء بذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمرونيا﴾ [الزمر: ٦٤] كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ووجهه: أنَّه لما اجتمع نونان أحدهما نون الرفع، والأخرى نون الوقاية استثقل اللفظ، فمنهم من أدغم، ومنهم من حذف، ثم اختلف في المحذوفة، هل هي الأولى، أو الثانية، وتقدَّم الكلام على ذلك في سورة الأنعام [الأنعام: ٨٠] .
وقرأ ابن كثير بتشديدها مكسورة، أدغم الأولى في الثانية، وحذف ياء الإضافة، والحسن: أثبت الياء مع تشديد النون، ورجح قراءة من أثبت مفعول:» يُبشِّرُون «وهو الياء.
قوله: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بالحق﴾ » بَشَّرناكَ «، و» بالحقِّ «متعلق بالفعل قبله، وضعف أن يكون حالاً، أي: قالوا بَشَّرنَاكَ.
ومعنى:» بالحَقِّ «هنا استفهام بمعنى التعجُّب، كأنه قيل: بأيَّ أعجوبةٍ تبشروني؟ .
فِإن قيل: كيف استبعد قدرة الله تعالى على خلقِ الولدِ منه في زمانِ الكبرِ؟ وما فائدة هذا الاستفهام مع أنهم قد بينوا ما بشَّروا به؟ .
فِأجاب القاضي: بأنه أراد أن يعرف أنه تعالى هل يعطيه الولد مع أنه يبقيه على سفة الشيخوخة، أو يقلبه شابًّا، ثم يعطيه الولد؟ .
وسبب هذا الاستفهام: أن العادة جارية بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامَّة، وإنما يحصل في حال الشَّبابِ.
فإن قيل: فإذا كان معنى الكلام ما ذكرتم، فلم قالوا: ﴿بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلَا تَكُن مِّنَ القانطين﴾ ؟ .
стр. 7004
قلنا: إنهم بيَّنوا أنه تعالى بشَّرهُ بالولد مع إبقائه على صفة الشَّيخوخَةِ، وقولهم ﴿بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلَا تَكُن مِّنَ القانطين﴾ لايدل على أنه كان كذلك بدليل أنه صرَّح في جوابهم بما يدلُّ على أنَّه ليس كذلك فقال: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَاّ الضآلون﴾ .
وأجاب غيره: بأن الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شيءٍ، وفاته الوقت الذي يغلب على ظنِّه حصول المراد فيه، فإذا بشِّر بعد ذلك بحصوله عظم فرحه، وسروره، ويصير ذلك الفرحُ القويُّ كالمدهش له، والمزيل لقوَّة فهمه، وذكائه، فربَّما تكلم بكلماتٍ مضطربة في ذلك الوقت.
وقيل أيضاً: إنه يستطيب تلك البشارة، فربَّما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرَّة أخرى ومرتين وأكثر طلباً للالتذاذ بسماع تلك البشارة، أو طلباً لزيادة الطمأنينة والوثوق، كقوله: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] وقيل أيضاً: استفهم: أبأمرِ الله تبشروني، أم من عند أنفسكم، واجتهادكم.
قوله: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بالحق﴾ قال ابن عبَّاسٍ ﵄ يريد بما قضى الله تعالى.
وقوله: ﴿فَلَا تَكُن مِّنَ القانطين﴾ نهي لإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه عن القنوطِ، وقد تقدَّم أنَّ النهي لإنسان عن الشَّيء لا يدل على كون المنهي فاعلاً للمنهيّ عنه، كقوله جلَّ وعزَّ ﴿وَلَا تُطِعِ الكافرين والمنافقين﴾ [الأحزاب: ٤٨] ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [القصص: ٧٨] .
قوله: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ﴾ هذا استفهام معناه النفي، ولذلك وقع بعد الإيجاب ب «إلَا» .
وقرأ أبو عمرو، والكسائي: «يَقْنِطُ» بكسر عين هذا المضارع حيث وقع، والباقون بفتحها وزيد بن علي والأشهب بضمها، وفي الماضي لغتان «قنط» بكسر النون، «يَقنَطُ» بفتحها، وقنط «يقْنطُ» بكسرها، ولولا أن القراءة سنة متبعة، لكان قياس من قرأ ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ [الشورى: ٢٨] وافلتح في الماضي هو الأكثر، ولذلك أجمع عليه.
قال الفارسي: فتح النون في الماضي، وكسرها في المستقبل من أعلى اللغات، ويرجحُ قراءة «يَقْنَطُ» بالفتح قراءة أبي عمرو في بعض الروايات «فلا تكن من القنطين» كفَرِحشَ يفرح فهو فَرِحٌ.
стр. 7005
والقُنُوط: شدَّة اليأسِ من الخَيرٍ، وحكى أبو عبيدة: «قَنُطَ» يَقْنُطُ بضمِّ النون.
قال ابن الخطيب: «وهذا يدلُّ على أنَّ» قَنَطَ «بفتح النون أكثر؛ لأن المضارع من» فَعَل «يجيء على» يَفْعِلُ ويَفْعُل «مثل: فَسقَ: ويَفْسُقُ، لا يجيء مضارع فَعَلَ على يَفْعَلُ» .
فصل
جواب إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه حق؛ لأنَّ الفنوط من رحمة الله تعالى لا يحصل إلَاّ عند الجهل بأمور:
أحدها: أن يجهل كونه تعالى قادراً عليه.
وثانيها: أن يجهل كونه تعالى عالماً باحتياج ذلك العبد إليه.
وثالثها: أ، يحجهل كونه تعالى، منزّهاً عن البخل، والحاجة.
والجهل بكلِّ هذه الأمور سبب للضَّلالِ، القُنوط من رحمة الله كبيرة، كالأمن من مكرهِ.
قوله تعالى: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ الخطب: الشأن، والأمر، سألهم عمَّا لأجله أرسلهم الله تعالى.
فِإن قيل: إنَّ الملائكة لما بشَّروه بالولد الذَّكر العليمِ، كيف قال لهم بعد ذلك «فَمَا خَطْبُكمُ» ؟ .
فالجواب: قال الأصم: معناه: ما الذي وجتهم له سوى البُشْرَى؟ .
وقال القاضي: إنه علم أنه لو كان المقصود أيضاً البشارة، لكان الواحد من الملائكة كافياً، فلمَّا رأى جمعاً من الملائكة؛ علم أنَّ لهم غرضاً آخر سوى إيصال البشارة، فلا جرم قال: «فَما خَطْبكُمْ» ؟ .
قيل: إنَّهم قالوا: إنَّا نُبشِّركَ بغُلامٍ عَليم لإزالة الخوف، والوجل، ألا ترى أنّه لما قال: ﴿إنا منكم وجلون﴾ قالوا له: ﴿لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم﴾ ، فلو كان المقصود من المجيء هو البشارة؛ كانوا ذكروا البشارة في أوَّل دخولهم، فلمَّا لم يكن الأمر كذلك علم إبراهيم صلوات الله وسلام عليه أنَّ مجيئهم ما كان لمجرَّد البشارة، بل لغرض آخر فلا جرم سألهم عن ذلك الغرض، قال: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ﴾ مشركين، وإنَّما اقتصوار على هذا القدر، لعلم إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بأنَّ الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين، كان ذلك لأهلاكهم.
ويدل ع لى ذلك قوله: ﴿إِلَاّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قوله «إلا آل لُوطٍ» فيه وجهان:
следующие страницы →