← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.

стр. 7176

الثاني بقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ الأنعام بُيُوتاً﴾ وأشار إلى القسم الثالث بقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالاً﴾ فإن المسافر إذا لم يكن له خيمة يستظل بها، فإنَّه لا بد وأن يستظلَّ إما بجدار أو شجرٍ أو بالغمامِ؛ كما قال - سبحانه -: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغمام﴾ [الأعراف: ١٦٠] . قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الجبال أَكْنَاناً﴾ جمع «كِنّ» ؛ وهو ما حفظ من الرِّيحِ والمطرِ، وهو في الجبل: الغار، وقيل: كلُّ شيءٍ وقَى شيْئاً، ويقال: اسْتكن وأكَنّ، إذا صار في كنٍّ. واعلم أبلاد العرب شديدة الحرِّ، وحاجتهم إلى الظلِّ ودفع الحرِّ شديدة؛ فلهذا ذكر الله - تعالى - هذه المعاني في معرض النِّعمة العظيمة، وذكر الجبال ولم يذكر السهول وما جعل لهم من السهول أكثر؛ لأنهم كانوا أصحاب جبال، كما قال - تعالى -: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ﴾ ؛ لأنَّهم كانوا أصحاب وبر وشعر، كما قال : ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣] وما أنزل من الثلج أكثر لكنهم كانوا لا يعرفون الثَّلج. وقال ﴿تَقِيكُمُ الحر﴾ وما يَقِي من البرد أكثر؛ لأنهم كانوا أصحاب حرٍّ. ولمَّا ذكر الله - تعالى - أمر المسكن، ذكر بعده أمر الملبُوسِ؛ فقال - جل ذكره -: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ والسَّرابيل: القُمص واحدها سربال. قال الزجاج ﵀: «كل ما لبسته فهو سِرْبال، من قميصٍ أو دِرْعٍ أو جَوشنٍ أو غيره» ؛ وذلك لأن الله - تعالى - جعل السَّرابيل قسمين: أحدهما: ما يقي الحرَّ والبرد. والثاني: ما يتقى به من البأسِ والحروب. فإن قيل: لم ذكر الحرَّ ولم يذكر البرد؟ . فالجواب من وجوه: أحدها: قال عطاء الخراساني: المخاطبون بهذا الكلام هم العرب، وبلادهم حارَّة [يابسة] ، فكانت حاجتهم إلى ما يدفع الحرَّ أشدَّ من حاجتهم إلى ما يدفع البرد: كما قال ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ﴾ وسائر أنواع الثياب أشرف، إلا أنه - تعالى - ذكر هذا النَّوع؛ لأن عادتهم بلبسها أكثر. والثاني: قال المبرِّد: ذكر أحد الضِّدَّين تنبيه على الآخر؛ كقوله: [الطويل] ٣٣٥٨ - كَأنَّ الحَصَى من خَلْفِهَا وأمَامِهَا ... إذَا حَذفَتْهُ رجْلُهَا خَذفُ أعْسَرَا لمَّا ثبت في العلوم العقليَّة أن العلم بأحد الضِّدين يستلزم العلم بالضدِّ الآخر، فإنَّ

стр. 7177

الإنسان إذا خطر بباله الحر، خطر بباله البرد أيضاً وكذا القول في النُّور والظلمة، والسَّواد والبياض. الثالث: قال الزجاج: «وما وقَى من الحرِّ وقى من البرد، فكان ذكر أحدهما مغنياً عن الآخر» . فإن قيل: هذا بالضدِّ أولى؛ لأن دفع الحرِّ يكفي فيه السَّرابيل التي هي القُمص دون تكلُّف زيادة، أما البرد فإنَّه لا يندفع إلا بزيادة تكلُّف. فالجواب: أن القميص الواحد لمَّا كان دافعاً للحر، كانت السَّرابيل التي هي الجمع دافعة للبرد. قوله: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ﴾ ، أي: مثل ذلك الإتمام السابق، ﴿يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ في المستقبل. وقرأ ابنُ عباس ﵄: «تَتِمُّ» بفتح التاء الأولى، «نِعْمَتُهُ» بالرفع على الفاعلية، وقرأ أيضاً: «نِعَمَهُ» جمع نعمة مضافة لضمير الله - تعالى -، وقرأ أيضاً: «لعلكم تَسْلَمُونَ» بفتح التاء واللام مضارع سَلِمَ من السلامة، وهو مناسب لقوله: «تَقِيكُم بَأسكُمْ» ؛ فإنَّ المراد به الدُّروع الملبوسة في الحبب، أو تؤمنوا فتسلموا من عذاب الله. قوله: «فإنْ تَولَّوا» يجوز أن يكون ماضياً، ويكون التفاتاً من الخطاب المتقدِّم، وأن يكون مضارعاً، ولأصل: تتولَّوا، قحذف نحو: «تَنزَّلُ وتَذَّكرُونَ» ولا التفات على هذا، بل هو جارٍ على الخطاب السَّابق. ومعنى الكلام: فإن أعرضوا، فلا يلحقك في ذلك عتب ولا تقصير، وليس عليك إلَاّ ما فعلت من التَّبليغ التَّام. قوله: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ﴾ هو جواب الشَّرط، وفي الحقيقة جواب لشرط محذوف، أي: فأنت معذور، وأتى ذلك على إقامة السَّبب مقام المسبب؛ وذلك لأن تبليغه سبب في عذره، فأقيم السَّبب مقام المسبب، ثمَّ ذمَّهم بأنهم يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها، وذلك نهاية في كفران النِّعمة، وجيء ب طثُمَّ «هنا للدَّلالة أن إنكارهم أمر مستبعد بعد حصول المعرفة؛ لأنَّ من عرف النِّعمة حقُّه أن يعترف لا أن ينكر، وفي المراد بالنِّعمة وجوه: قال القاضي: هي جميع ما ذكر الله تعالى في الآيات المتقدِّمة، ومعنى إنكارهم:

стр. 7178

أنهم ما أفردوه - تعالى - بالشُّكر والعبادة، بل شكروا غيره وقالوا: إنما حصلت هذه النعمة بشفاعة الأصنام. وقيل: المراد بالنِّعمة هنا: نُبوَّة محمد ﷺ َ عرفوا أنَّها حق ثمَّ أنكروها، ونبوته نعمة عظيمة؛ كما قال - تعالى -: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] . وقيل: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ ، أي: لا يستعملونها في طلب رضوان الله، ثم قال جل ذكره: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون﴾ . فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون﴾ مع أنَّهم كلهم كافرون؟ . فالجواب من وجوه: الأول: إنما قال ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون﴾ ؛ لأنه كان فيهم من لم تقم عليه الحجَّة؛ كالصَّبي وناقص العقل، فأراد بالأكثر؛ البالغين الأصحاء. والثاني: أن المراد بالكافر: الجاحد المعاند، فقال: «وأكْثَرهُم» ؛ لأنه كان فيهم من لم يكن معانداً، بل جاهلاً بصدق الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - ولم يظهر له كونه نبيًّا حقًّا من عند الله. الثالث: ذكر الأكثر وأراد الجميع؛ لأن أكثر الشيء، يقوم مقام الكل؛ كقوله: ﴿الحمد لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥] .

стр. 7179

قوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾ الآية لما بيَّن أنهم عرفوا نعمة الله ثمَّ أنكروها، وذكر أن أكثرهم كافرون أتبعه بذكر الوعيد؛ فذكر حال يوم القيامة. قوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ﴾ فيه أوجه: أحدها: منصوب بإضمار «اذْكُرْ» . الثاني: بإضمار «خوفهم» . الثالث: تقديره: ويوم نبعث، وقعوا في أمر عظيم. الرابع: أنه معطوف على ظرف محذوف، أي: ينكرونها اليوم ويوم نبعث. والمراد بأولئك الشهداء: الأنبياء - صلوات الله عليهم؛ كما قال - سبحانه

стр. 7180

وتعالى -: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] . قوله: ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ قال الزمخشري: «فإن قلت: ما معنى» ثُمَّ «هذه؟ قلت: معناه: أنهم يُمْنَعُونَ بعد شهادة الأنبياء ﵇ بما هو أطمّ منه، وهو أنهم يمنعون الكلام، فلا يؤذن لهم في إلقاء معذرة ولا [إدلاء] حجة:. انتهى. ومفعول الإذن محذوف، أي: لا يؤذن لهم في الكلام؛ كما قال - تعالى -: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] أي: في الرُّجوع إلى الدنيا. وقيل: لا يؤذنُ لهم في الكلام أصلاً، ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا تزال عتابهم وهي ما يعتبون عليها ويلامون؛ يقال: اسْتَعْتَبْتُ فلاناً بمعنى: أعْتَبْتُه، أي: أزلت عُتْبَاه، و» اسْتَفْعَل «بمعنى:» أفْعَلَ «غير مستنكرٍ، قالوا: اسْتدنَيتُ فلاناً وأدْنَيتهُ بمعنًى واحد. وقيل: السِّين على بابها من الطَّلب، ومعناه: أنهم لا يسألون أن يرجعوا عما كانوا عليه في الدُّنيا، فهذا استعتاب معناه طلب عتابهم. وقال الزمخشري» ولا هم يسترضون، أي: لا يقال لهم: أرضوا ربكم؛ لأن الآخرة ليست بدار عمل «. وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله - تعالى - في سورة حم السجدة؛ لأنه أليق لاختلاف القراء فيه. ثم إنَّه - تعالى - أكَّد هذا الوعيد فقال: ﴿وَإِذَا رَأى الذين ظَلَمُواْ العذاب﴾ أي: أن هؤلاء المشركين إذا رأوا العذاب ووصلوا إليه، فعند ذلك ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ ولا يؤخِّرون ولا يمهلون؛ لأن التوبة هناك غير موجودة. قوله:» فَلا يُخَفَّفُ «هذه الفاء وما حيِّزها جواب» إذَا «، ولا بدَّ من إضمار مبتدأ قبل هذه الفاء، أي: فهو لا يخفف؛ لأن جواب» إذا «متى كان مضارعاً، لم يحتج إلى فاء سواء كان موجباً؛ كقوله - تعالى -: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ﴾ [الحج: ٧٢] أم منفيًّا؛ نحو:» إذَا جَاءَ زَيْدٌ لا يكرمك «. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأى الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ﴾ وهذا من بقيَّة وعيد المشركين، وفي الشركاء قولان: الأول: أن الله - تعالى -: يبعث الأصنام فتكذِّب المشركين، ويشاهدونها في غاية الذُّلِّ والحقارة، وكل ذلك مما يوجب زيادة الغمِّ والحسرة في قلوبهم. والثاني: أن المراد بالشركاء: الشَّياطين الذين دعوا الكفَّار إلى الكفر؛ قاله الحسن ﵁، وإنَّما ذهب إلى هذا القول؛ - لأنه - تعالى - حكى عن الشركاء أنَّهم كذَّبوا الكفار، والأصنام جمادات فلا يصحُّ منهم هذا القول. وهذا بعيد؛ لأن الله - تعالى - قادرٌ على خلق الحياة في الأصنام وعلى خلق العقل والنُّطق فيها.

стр. 7181

قوله: ﴿وَأَلْقَوْاْ إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم﴾ العامة على فتح السين واللام. وقرأ أبو عمرو في رواية بسكون اللام، ومجاهد بضمِّ السين واللام، وكأنَّه جمع سلام؛ نحو: قُذال وقُذُل، والسَّلَمُ واحد، وقد تقدَّم الكلام عليهما في سورة النساء. فصل والمعنى: أن المشركين إذا رأوا تلك الشُّركاء، ﴿قَالُواْ رَبَّنَا هؤلاءآء شُرَكَآؤُنَا الذين كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِك﴾ ، وفائدة هذا القول من وجهين: الأول: قال أبو مسلم ﵀: «مقصود المشركين إحالةُ الذَّنب على الأصنام؛ ظنًّا منهم أن ذلك ينجيهم من عذاب الله، أو ينقص من عذابهم، عند هذا تكذِّبهم تلك الأصنام» . قال القاضي: «هذا بعيدٌ؛ لأن الكفار يعلمون علماً ضروريًّا في الآخرة أنَّ العذاب ينزل بهم، ولا ينفعهم فدية ولا شفاعة» . والثاني: أن المشركين يقولون هذا الكلام تعجُّباً من حضور تلك الأصنام، مع أنه لا ذنب لها، واعترافاً بأنَّهم كانوا مخطئين في عبادتها. ثم حكى - تعالى - انَّ الأصنام يكذبونهم، فقال: ﴿فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ، والمعنى: أنه - تعالى - يخلق الحياة والعقل والنطق في تلك الأصنام فيلقوا إليهم، أي: يقولون لهم: «إنَّكُم لكَاذِبُونَ» . فإن قيل: إن المشركين لم يقولوا، بل أشاروا إلى اًنام، فقالوا: هؤلاء شركاؤنا الذين كنَّا ندعو من دونك، وقد كانوا صادقين في كلِّ ذلك، فكيف قالت الأصنام طإنَّكم لكَاذبُونَ «؟ . فالجواب من وجوه: أصحها: أن المراد من قولهم:» هؤلاء شُركاؤنَا «، أي: أنَّ هؤلاء هم الَّذين كنَّا نقول: إنهم شركاء الله في المعبودية، فالأصنام كذَّبوهم في إثبات هذه الشركة. وقيل: المراد: إنَّهم لكاذبون في قولهم: إنَّا نستحقُّ العذاب بدليل قوله - تعالى - ﴿كَلَاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ [مريم: ٨٢] . ثم قال: ﴿وَأَلْقَوْاْ إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم﴾ قال الكلبي: استسلم العابد والمعبود، وأقرُّوا لله بالرُّبوبية وبالبراءة عن الشركاء والأنداد.

стр. 7182

وقيل: استسلم المشركون يومئذ إلى الله تعالى وإنفاذ الحكمة فيهم ولم تغنِ عنهم آلهتهم شيئاً، ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ : زال عنهم ما كانوا يفترون من أنَّها تشفع لهم عند الله، وقيل: ذهب ما زيَّن لهم الشيطان من أن لله صاحبة وشريكاً. وقوله: ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ يجوز أن يكون مبتدأ، والخبر» زِدنَاهُم «وهو واضح، وجوَّز ابن عطية أن يكون» الَّذينَ كَفروا «بدلاً من فاعل» يَفْترُونَ «، ويكون» زِدْناهُم «مستأنفاً. ويجوز أن يكون «الَّذينَ كَفرُوا» نصباً على الذَّمِّ أو رفعاً عليه، فيضمر النَّاصب والمبتدأ وجوباً. فصل لما ذكر وعيد الذين كفروا، أتبعه ب «وعيد» من ضمَّ إلى كفره صدَّ الغير عن سبيل الله، وهو منعهم عن طريق الحقِّ. وقيل: صدهم عن المسجد الحرام، ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ العذاب﴾ ؛ لأنهم زادوا على كفرهم صَدَّ الغير عن الإيمان. قال ﵊ ُ -: «مَنْ سَنَّ سُنَّة سَيِّئةً فعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ من عَمِلَ بِهَا » . «قال ابن عباس ﵁[ومقاتل] :» المراد بتلك الزيادة خمسة أنهار من صفر مذابٍ؛ تسيل من تحت العرش، يعذَّبون بها ثلاثة بالليل واثنان بالنَّهار «. وقال سعيد بن جبير: زدناهم عذاباً بحيّات كالبخت، وعقارب كالبغال تلسعهم، وقيل: يخرجون من حرِّ النار إلى زمهرير. وقيل: يضعَّف لهم العذاب بما كانوا يفسدون، أي: بذلك الصَّد.

стр. 7183

قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.

стр. 7184

وهذا نوع آخر من التَّهديد، والأمة عبارة عن القرن والجماعة، والمراد أن كلَّ نبيٍّ شاهدٌ على أمَّته؛ لأن الأنبياء كانت تبعث إلى الأمم من أنفسهم لا من غيرهم. وقيل: المراد أن كل جمع وقرن يحصل في الدنيا، فلا بدَّ وأن يحصل فيهم واحداً يكون شهيداً عليهم، أمَّا الشَّهيد على الذين كانوا في عصر الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - فهو الرسول؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: ١٤٣] وقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً على هؤلاءآء﴾ . وقال الأصم: المراد بالشَّهيد هو أنَّه - تعالى - ينطق عشرة من أعضاء الإنسان تشهد عليه، وهي: الأذنان، والعينان، والرجلان، واليدان، والجلد واللسان. قال: والدَّليل عليه أنه قال في صفة الشّهيد أنَّه من أنفسهم، وهذه الأعضاء لا شكَّ أنها من أنفسهم. وأجاب القاضي عنه: بأنه - تعالى - قال: ﴿شَهِيداً عَلَيْهِمْ﴾ ، أي: على الأمَّة، فيجب أن يكون غيرهم، وأيضاً قال: «مِنْ كل أمةٍ» فيجب أن يكون ذلك الشَّهيد من الأمَّة، وآحاد الأعضاء لا يصح وصفها أنها من الأمة، وأما حمل الشهداء على الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - فبعيد؛ لأن كونهم مبعوثين إلى الخلق أمر معلوم بالضَّرورة، فلا فائدة في حمل هذه الآية عليه. قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَاناً﴾ يجوز أن يكون «تِبْيَاناً» في موضع الحال، ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله، وهو مصدر ولم يجئ من المصادر على هذه الزِّنة إلا لفظتان: هذا والتِّلقاء، وفي الأسماء كثيراً، نحو «التِّمساح والتِّمثال» وأما المصادر فقياسها فتح الأول؛ دلالة على التكثير ك «التَّطوافِ» و «التَّجْوالِ» . وقال ابن عطية: إنَّ «التِّبْيَان» اسمٌ وليس بمصدر والنحويُّون على خلافه. قال شهاب الدين ﵀: وقد رَوَى الواحديُّ بإسناده، عن الزجاج أنه قال: «التِّبيان» اسمٌ في ممعنى البيان. وجه تعلُّق هذا الكلام بما قبله: أنه - تعالى - قال: ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً على هؤلاءآء﴾ أي: أنه أزاح علتهم فميا كلِّفوا، فلا حجَّة لهم ولا معذرة. وقال نفاةُ القياس: دلَّت هذه الآية على أنَّ القرآن تبْيَانٌ لكل شيءٍ، والعلوم إمَّا دينية، أو غير دينية، فالتي ليست دينية، لا تعلُّق لها بهذه الآية؛ لأنَّا نعلمُ بالضرورة أنه تعالى إنما مدح القرآن بكونه مشتملاً على علوم الدين، وأمَّا غير ذلك، فلا التفاتَ إليه، وأما علومُ الدِّين: فإمَّا الأصول، وإما الفروع.

стр. 7185

فأما علم الأصول: فهو بتمامه موجوٌ في القرآن. وأما علم الفروع: فالأصل براءة الذِّمَّة، إلا ما ورد على سبيل التفصيل في هذا الكتاب، وذلك يدلُّ على أنه لا تكليف من الله إلَاّ ما ورد في هذا القرآن، وإذا كان كذلك، كان القول بالقياس باطلاً، وكان القرآن وافياً بتبيان كل الأحكام. قال الفقهاء: إنَّما كان القرآن «تِبياناً لكل شَيْءٍ» ؛ لأنه دلَّ على أنَّ الإجماع حجةٌ، وبر الواحد، والقياس حجة، فإذا ثبت حكم من الأحكام بأحد هذه الأصولِ، كان ذلك الحكم ثابتاً بالقرآن، وقد تقدمت هذه المسألة في سورة الأعراف. قال المفسرون: «تِبْياناً لكُلِّ شَيْءٍ» يحتاج إليه الأمرِ، والنهيِ والحلالِ، والحرامِ، والحدودِ، والأحكامِ، «وهُدًى» من الضَّلالةِ، «ورحْمَةٌ» و «بشرى» وبشارة «للمسلمين» ، قوله: «للمسلمين» متعلق ب «بشرى» ، وهو متعلق من حيث المعنى ب «هدى ورحمة» أيضاً. وفي جواز كون هذا من التنازع، نظر، من حيث لزوم الفصل بين المصدر، ومعموله بالظرف، حال إعمالك غير الثالث؛ فتأمَّلهُ. وقياس من جوَّز [التنازع] في فعل التعجب، والتزام إعمال الثاني؛ لئلَاّ يلزم الفصل أن يجوم هذا على هذه الحالة.

стр. 7186

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان﴾ الآية لما شرح الوعد، والوعيد، والتَّرغيب، والتَّرهيب، أتبعه بقوله: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان﴾ فجمع في هذه الآية ما

стр. 7187

يتصل بالتكاليف؛ فرضاً، ونفلاً، وما يتصل بالأخلاق، والآداب: عموماً وخصوصاً. روى ابن عباس ﵁: أن عثمان بن مظعون الجمحيَّ قال: ما أسلمتُ أولاً إلَاّ حياء من محمد - صلوات الله وسلامه عليه - ولم يتقرر الإسلام في قلبي فحضرته ذات يوم، فبينما هو يحدِّثني، إذ رأيت بصره شخص إلى السماءِ، ثم خفضه عن يمينه، ثم عاد لمثل ذلك؛ فسألته - صلوات الله وسلامه عليه - فقال: «بينما أنا أحدِّثك إذ بجبريل - صلوات الله وسلامه عليه - ينل عن يميني، فقال: يا محمد، إنَّ الله - تعالى - يأمرك بالعدل: شهادة أن لا إله إلا الله، والإحسان: القيام بالفرائض، وإيتاء ذي القربى، أي: صلة القربى، وينهى عن الفحشاء: الزِّنا، والمنكرِ: ما لا يعرف في شريعة، ولا سنة، والبغي: الاستطالة» . قال عثمان: فوقع الإيمان في قلبي، فأتيت أبا طالب؛ فأخبرته، فقال: يا معشر قريش، أتَّبعُوا ابن أخي؛ ترشدوا، ولئن كان صادقاً أو كاذباً، فإنه ما يأمركم إلا بمكارم الأخلاق، فلما رأى الرسول ﷺ َ من عمه اللِّين قال: يا عمَّاه، أتأمر الناس أن يتَّبعوني، وتدع نفسك! وجهد عليه؛ فأبى أن يسلم؛ فنزل: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] . وعن ابن مسعود ﵁ «إنَّ أجمع آيةٍ في القرآن لخيرٍ وشرٍّ هذه الآية» . وعن قتادة: ليس في القرآن من خلقٍ حسنٍ، كان في الجاهلية يعمل، ويستحسن، إلَاّ أمر الله - تعالى - به في هذه الآية، وليس من خلقٍ سيِّءٍ، إلَاّ نهى عنه في هذه الآية. وعن عليٍّ ﵁ أنه قال: طأمر الله - تعالى - نبيَّهُ أن يعرض نفسه على قبائل العرب؛ فخرج، وأنا معه وأبو بكرٍ ﵁ فوقفنا على مجلسٍ عليهم الوقارُ، فقال أبُو بكر ﵁: ممَّن القوم؟ فقالوا: من شيبان، فدعاهم رسول الله ﷺ َ إلى الشهادتين إلى أن ينصروه؛ فإنَّ قريشاً كذَّبوه، فقال مقرون بن عمرو: إلام تدعونا، أخا قريش؟ فقال رسول الله ﷺ َ: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان﴾ الآية فقال

стр. 7188

مقرون: دعوت والله، إلى مكارم [الأخلاق] ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قومٌ كذَّبوك، وظاهروا عليك «. فصل قال ابن عباسٍ ﵁: العدلُ: التوحيدُ، والإحسانُ: أداءُ الفرائضِ، وعنه: العدلُ: الإخلاصُ في التوحيد، وهو معنى قوله ﷺ َ: «أنْ تَعْبُدَ الله كأنَّكَ تَراهُ» وسمِّي هذا إحساناً؛ لأنه محسن إلى نفسه. وقيل: العدلُ: في الأفعال، والإحسان: في الأقوال؛ فلا تفعل إلَاّ ما هو عدلٌ، ولا تقل إلَاّ ما هو إحسانٌ. قوله: ﴿وَإِيتَآءِ ذِي القربى﴾ مصدرٌ مضافٌ لمفعوله، ولم يذكر متعلقات العدلِ والإحسان والبغي؛ ليعمَّ جميع ما يعدل فيه، ويحسن به وإليه ويبغي فيه، ولذلك لم يذكر المفعول الثاني للإيتاء، ونصَّ على الأول حضًّا عليه؛ لإدلائه بالقرابة، فإنَّ إيتاءه صدقة وصلة. قال - صلوات الله وسلامه عليه -: «إنَّ أعجلَ الطَّاعةِ ثَواباً صِلةُ الرَّحمِ» . وقوله: ﴿وينهى عَنِ الفحشاء﴾ قيل: الزِّنا، وقيل: البُخل، وقيل: كل [ذنب] صغيرة كانت أو كبيرة، وقيل: ما قبح من القول أو الفعل، وأما المنكر فقيل: الكفر بالله، وقيل: ما لا يعرف في شريعة ولا سنة، والبغي: التَّكبر والظُّلم. فصل قال ابن الخطيب - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى - كلاماً حاصله: «إنَّ في المأمورات كثرة، وفي المنهيَّات كثرة، وإنتما يحسن في تفسير لفظ بمعنًى إذا كان بين ذلك اللفظ والمعنى مناسبة، وألا يكون ذلك التفسير فاسداً، فإذا فسَّرنا العدل بشيء مثلاً، وجب أن يتبيَّن مناسبة العدل لذلك المعنى، وألَاّ يكون مجرَّد تحكم، فنقول: إنه - تعالى - أمر في هذه الآية بثلاثة أشياء؛ وهي: العدل والإحسان وإيتاءِ ذي القربى، ونهى عن ثلاثة أشياء؛ وهي: الفحشاء والمنكر والبغي، فوجب أن يكون كل ثلاثة منها متغايرة؛ لأن العطف

стр. 7189

يوجب المغايرة، فنقول: العدل عبارة عن الأمور المتوسِّطة بين طرفي الإفراط والتَّفريط، وذلك واجب الرِّعاية في جميع الأشياء، فنقول: التَّكليف إمَّا في الاعتقادات وإما في أعمال الجوارح. أما الاعتقاد فنذكر منه أمثلة: أحدها: ما قاله ابن عبَّاس ﵄: إن العدل هو قولنا: لا إله إلَاّ الله، وتحقيقه: أنَّ نفي الإله تعطيلٌ محضٌ، وإثبات أكثر من إله واحد إشراك وتشبيه، وهما مذمومان، والعدل هو إثبات إلهٍ واحد. وثانيها: أن القول بأنَّ الإله ليس بموجود ولا شيء تعطيل محضٌ، والقول بأنه جسم مركب ومتحيِّز تشبيه محضٌ، والعدل: إثبات إلهٍ واحدٍ موجودٍ منزَّه عن الجسميَّة والأجزاء والمكان. وثالثها: أن القول بأنَّ الإله غير موصوف بالصِّفات من العلم والقدرة تعطيل محضٌ، والقول بأنَّ صفاته حادثة متغيِّرة تشبيه محض، العدل: إثبات أن الإله عالم قادرٌ حيٌّ، وأن صفاته ليست محدثة ولا متغيرة . ورابعها: أن القول بأن العبد ليس له قدرة ولا اختيار جبر محضٌ، والقول بأن العبد مستقلٌّ بأفعاله قدر محضٌ؛ وهما مذمومان، والعدل أن يقال: إن العبد يفعل الفعل بواسطة قدرة وداعية يخلقهما الله فيه. وأما رعاية العدل في أفعال الجوارح فنذكر منه أمثلة: أحدها: قال قوم: لا يجب على العبد شيء من الطَّاعات، ولا يجب عليه الاحتراز عن شيء من المعاصي، ونفورا التَّكاليف أصلاً. وقال المانويَّة وقوم من الهند: إنه يجب على الإنسان أن يجتنب الطيِّبات، ويحترز عن كل ما يميل الطَّبع إليه، ويبالغ في تعذيب نفسه، حتى إن المانويَّة يخصُّون أنفسهم ويحترزون عن التزوج، ويحترزون عن أكل الطَّعام الطيِّب، والهند يحرقون أنفسهم، ويرمون أنفسهم من شاهق الجبل، فهذان الطريقان مذمومان، والعدل هو شرعنا. وثانيها: قيل: إنه كان في شرع موسى - صلوات الله وسلامه عليه - في القتلِ العمد استيفاءُ القصاص لا محالة، وفي شرع عيسى - صلوات الله وسلامه عليه - العَفو، وأمَّا في شرعنا: فإن شاء استوفى القصاص، وإن شاء عفا عن الدِّية، وإن شاء عفا مطلقاً. وقيل: كان في شرع موسى - صلوات الله وسلامه عليه - الاحتراز العظيم عن الحائض؛ حتَّى إنَّه يجب إخراجها من الدَّار، وفي شرع عيسى ﷺ َ حلُّ وطئها، والعدل ما حكم به شرعنا؛ وهو تحريم وطئها فقط. وثالثها: قال - تعالى -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: ١٤٣] وقال - جل

стр. 7190

ذكره -: ﴿والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان: ٦٧] وقال - جل ذكره -: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط﴾ [الإسراء: ٢٩] ، وقال ﷺ َ: «خَيْرُ الأمُورِ أوْسَطُهَا» . ورابعها: أن شريعتنا أمرت بالختان، والحكمة فيه: أن رأس الذَّكر جسم شديد الإحساس، فلو بقيت القلفة، لبقي العضو على كمال قوَّته، فيعظم الالتذاذ، أمَّا إذا قطعت الجلدة، بقي العضو عارياً، فيلقى الثياب وسائر الأجسام، فيتصلب فيضعف حسُّه ويقل شعوره، فيقلُّ الالتذاذُ بالوقاع، فتقلُّ الرغبة فيه، فأمرت الشريعة بالختان؛ سعياً في تقليل تلك اللذة، حتَّى يصير ميلُ الإنسان إلى الوقاع معتدلاً، وألاّ تصير الرَّغبة فيه داعية غالبة على الطَّبع. فالذي ذهب إليه المانويَّة من الإخصاء وقطع الآلات مذموم؛ لأنه إفراطٌ، وإبقاء تلك الجلدة مبالغة في تقوية تلك اللذة، والعدل الوسط هو الختانُ. واعلم أن الزِّيادة على العدل قد تكون إحساناً، وقد تكون إساءة؛ فالعدل في الطاعات هو أداءُ الواجبات، والزيادة على الواجبات طاعاتٌ، فهي من جملة الإحسانِ؛ ولهذا قال - صلوات الله وسلامه عليه - لجبريل - صلوات الله وسلامه عليه - حين سأله عن الإحسان: «أنْ تَعْبُدَ الله كأنَّك تَراهُ فإن لَمْ تَكُنْ تَراهُ فإنَّه يَراكَ» . وسمِّي هذا المعنى بالإحسان؛ لأنه بالمبالغة في الطاعة، كأنه يحسن إلى نفسه بإيصالِ الخير والفعل الحسن، ويدخل في الإحسان التعظيم لأمر الله، والشَّفقة على خلق الله، ويدخل في الشَّفقة على خلق الله أقسامٌ كثيرة، وأعظمها: صلة الرحم؛ فلهذا أفرده - تعالى - بالذِّكر، فقال - تعالى -: ﴿وَإِيتَآءِ ذِي القربى﴾ وأما الثَّلاثة التي نهى الله عنها؛ وهي: «الفحشاء والمنكر والبغي» فنقول: إنه - تعالى - أودع في النَّفس البشرية قوى اربعة؛ وهي: الشَّهوانيَّة البهيميَّة، والغضبية والسبعيَّة، والوهميَّة الشيطانية، والعقلية الملكية. فالعقلية الملكيَّة لا يحتاج الإنسان إلى تهذيبها؛ لأنه من جوهر الملائكة. وأما القوَّة الشهوانية فرغبتها في تحصيل اللذَّات الشهوانية، وهذا النَّوع مخصوص بالفحشاءِ، ألا ترى أنه - تعالى - سمى الزنا فاحشة؛ فقال - جل ذكره -: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢] ، وقوله - تعالى -: ﴿وينهى عَنِ الفحشاء﴾ المراد منه: المنع من تحصيل اللذات الشهوانيَّة. وأما القوَّة الغضبية السبعية: فهي أبداً تسعى في إيصال الشرور والأذى إلى سائر النَّاس، وهذا ممَّا ينكره الناس، فالمنكر عبارةٌ عن الإفراطِ الحاصل من آثار القوَّة الغضبيَّة. وأما القوة الوهمية الشيطانية: فهي أبداً تسعى في الاستعلاء على الناس، والترفع

стр. 7191

وإظهار الرِّياسة والتكبُّر، وذلك هو المراد من البغي؛ فإنه لا معنى للبغي إلا التَّطاول على الناس والترفُّع عليهم. قوله: «يَعِظُكمْ» يجوز أن يكون مستأنفاً في قوَّة التعليل للأمر بما تقدم، أي: أن الوعظ سبب في أمره لكم بذلك، وجوَّز أبو البقاء أن يكون حالاً من الضمير في «يَنْهَى» . وفي تخصيصه الحال بهذا الفاعل فقط نظر؛ إذ يظهر جعله حالاً من فاعل «يَأمرُ» أيضاً، بل أولى؛ فإنَّ الوعظ يكون بالأوامر والنَّواهي، فلا خصوصية له بالنَّهي. ثم قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ قال الكعبي: دلَّت الآية على أنَّه - تعالى - لا يخلق الجور والفحشاء من وجوه: الأول: أنه - تعالى - كيف ينهاهم عما يخترعه فيهم، وكيف ينهى ويريد تحصيله فيهم؟ ولو كان الأمر ما قالوه، لكان كأنَّه - تعالى - قال: إنَّما يأمركم بخلاف ما خلقه فيكم، وينهاكم عن أفعال خلقها فيكم، وذلك باطلٌ في بديهة العقل. الثاني: أنه - تعالى - أمر بالعدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى، ونهى عن الفحشاء والمنهكر والبغي، فلو أنَّه - تعالى - أمر بتلك الثلاثة، ثم إنه - تعالى - ما فعلها، لدخل تحت قوله - تعالى -: ﴿أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] ، وقوله : ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣] . الثالث: أن قوله - تعالى -: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ليس المراد منه الترجِّي والتَّمني؛ فإن ذلك محالٌ على الله - تعالى -، فوجب أن يكون معناه: أنه - تعالى - يعظكم لإرادة أن يذكروا طاعته، وذلك يدلُّ على أنه يريد الإيمان من الكلِّ. الرابع: أنه - تعالى - لو صرَّح وقال: إن الله يأمر بالعدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى، ولكنَّه يمنع منه ويصدُّ عنه، ولا يمكن العبد منه، ثم قال - تعالى -: ﴿وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغي﴾ ، ولكنَّه يوجد كل هذه الثلاثة في العبد شاء أم أبى، وأراده منه ومنعه من تركه، ومن الاحتراز عنه؛ لحكم كل واحدٍ عليه بالرَّكاكة وفساد النظم والتركيب، وذلك يدلُّ على كونه - تعالى - منزَّهاً عن فعل القبائح. والمعتمد في الجواب مسألة العلم والدَّاعي. فصل اتَّفق المتكلِّمون من أهل السنَّة ومن المعتزلة على أن تذكُّر الأشياء من فعل الله - تعالى - لا من فعل العبد؛ لأنَّ التذكُّر عبارة عن طلب المتذكر، فحال الطَّلب إمَّا أن يكون لديه شعور أو لا يكون؛ فإن كان له شعور به، فذلك الذِّكر حاصلٌ، والحاصل لا يطلب تحصيله، وإن لم يكن له به شعور، فكيف يطلبه بعينه؛ لأنَّ توجيه الطلب إليه بعينه حال ما لا يكون بعينه متصوراً محال.

стр. 7192

إذا ثبت هذا، فقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ معناه: أن المقصود من هذا الوعظ أن يقدموا على تحصيل ذلك التذكُّر، فإذا لم يكن التذكر فعلاً له، فكيف طلب منه تحصيله؟ وهذا هو الذي يحتجُّ به أهل السنَّة على أنَّ قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ لا يدلُّ على أنه - تعالى - يريد ذلك منه. قوله - تعالى -: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ الآية لما جمع المأمورات والمنهيَّات في الآية الأولى على سبيل الإجمال، ذكر في هذه الآية بعض تلك الأقسام، فبدأ بذكر الوفاء بالعهد. قال الزمخشري: عهد الله: هي البيعة لرسول الله ﷺ َ على الإسلام؛ لقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾ [الفتح: ١٠] ، ﴿وَلَا تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ وقيل: كل عهدٍ يلتزمه الإنسان باختياره. قال ابن عبَّاس ﵁: والوَعْدُ من العهد. وقال ميمون بن مهران: من عاهدته، أوْفِ بعهده مسلماً كان أو كافراً، فإنَّماوفاء العهد لله - تعالى -. وقال الأصم: المراد منه الجهاد، وما فرض الله في الأموال من حق، وقيل: عهد الله هو اليمين بالله. قال الشعبي: العهد يمين الله، وكفَّارته كفارة يمين، وإنما يجب الوفاء باليمين إذا لم يكن الصلاح في خلافه؛ لقوله ﵊ ُ -: «مَنْ حَلفَ علَى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرهَا خَيْراً مِنْها فلْيَأتِ الَّذي هُوَ خَيْرٌ وليكفرْ عن يَمينهِ» . واعلم أن قوله - تعالى -: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ يجب أن يكون مختصًّا بالعهود التي يلتزمها الإنسان باختيار نفسه، ويؤيِّده قوله بعد ذلك: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ ، وأيضاً: يجب ألا يحمل العهد على اليمين؛ لأنَّا لو حملناه على اليمين، لكان قوله بعد ذلك: ﴿وَلَا تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ تكرار؛ لأنَّ الوفاء بالعهد والمنع من النقض متقاربان؛ لأن الأمر بالفعل يستلزم النَّهي عن التَّرك؛ إلَاّ إذا قلنا: إن الوفاء بالعهد عامٌّ يدخل تحته اليمين، ثم إنَّه تعالى - خصَّ اليمين بالذِّكر؛ تنبيهاً على أنَّه أولى أنواع العهد على ما اتقدَّم، يلتزمه الإنسان باختياره، ويدخل فيه عهد الجهاد، وعهد الوفاءِ بالملتزمات من المنذورات والمؤكدات بالحلف. قوله: «بَعْدَ تَوكِيدهَا» متعلق بفعل النَّهي، والتَّوكيد مصدر وكَّد يُوكِّدُ بالواو وفيه لغة أخرى: أكَّد يُؤكِّدُ بالهمز، ومعناه: التقوية؛ وهذا كقولهم: أرَّخْتُ الكتابَ ووَرَّخْتهُ،

стр. 7193

وليست الهمزة بدلاً من واو كما زعم أبو إسحاق؛ لأن الاستعمالين في المادَّتين متساويان، فليس ادِّعاء كون أحدهما أصلاً أولى من الآخر، وتبع مكي الزجاج - رحمهما الله تعالى - في ذلك، ثم قال: طولا يحسن أن يقال: الواو بدل من الهمزة، كما لا يحسن أن يقال ذلك في «أحد» ، إذ أصله «وحَد» فالهمزة بدلٌ من الواو «يعني: أنه لا قائل [بالعكس] . وكذلك تبعه في ذلك الزمخشري أيضاً، و» تَوْكيدِهَا «مصدر مضافٌ لمفعوله، وأدغم أبو عمرو الدَّال في التَّاء، ولا ثاني له في القرآن، أعني: أنه لم يدغم دال مفتوحة بعد ساكنٍ إلَاّ في هذا الحرف. قوله تعالى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله﴾ الجملة حال: إمَّا من فاعل» تَنْقضُوا «، وإمَّا من فاعل المصدر وإن كان محذوفاً. فصل المعنى: ولا تنقضوا الأيمان بعد تشديدها فتحنثوا فيها، و ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ : شهيداً عليكم بالوفاء. ﴿إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ قالت الحنفيَّة: يمين اللَّغو هي يمين الغموس؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَلَا تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ فنهى عن نقض الأيمان فوجب أن يكون كل يمين قابلاً للبر والحنث، ويمين الغموس غير قابلة للبر والحنث، فوجب ألا يكون من الأيمان. وقال غيرهم: هي قول الإنسان في معرض حديثه: لا والله، وبلى والله؛ لأن قوله - تعالى - ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ إنما تقال للفرق بين الأيمان المؤكَّدة بالعزم وبالعقد، وبين غيرها. واعلم أن قوله - تعالى -: ﴿وَلَا تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ عامٌّ دخله التخصيص؛ لما تقدَّم من قوله ﵊ ُ -:» مَنْ حَلفَ على يمينٍ فَرأى غَيْرهَا خيْراً منهَا، فليَأتِ الَّذِي هو خَيْرٌ وليُكفر عن يَمينهِ «. ثم إنه - تعالى - ضرب مثلاً لنقض العهد، فقال - جل ذكره -: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ ، أي: من بعد إبرامه وإحكامه. قال الكلبيُّ ومقاتل - رحمهما الله تعالى -: هي امرأة خرقاء حمقاء من قريش، يقال لها: ريطة بنت عمرو بن سعد بن كعب بن زبد مناة بن تميم، وتلقب ب» جعراء «، وكانت بها وسوسة وكانت اتخذت مغزلاً بقدر ذراع، وصنَّارة مثل الأصبع، وفلكة عظيمة

стр. 7194

على قدرها، وكانت تغزل الغزل من الصوف أو الشعر والوبر هي وجواربها، فكُنَّ يغزلنَ إلى نصف النَّهار، فإذا انتصف النَّهار، أمرتهنَّ بنقض جميع ما غزلن، فكان هذا دأبها. والمعنى: أنَّها لم تكلَّ عن العمل، ولا حين عملت كفَّت عن النقض، فكذلك أنتم إذا نقضتم العهد لا كفَّيتم عن العهد، ولا حين [عهدتم] وفيتم به. وقيل: المراد بالمثل: الوصف دو التَّعيين؛ لأن القصد بالأمثال صرف المكلَّف عن الفعل إذا كان قبيحاً، والدُّعاء إليه إذا كان حسناً، وذلك يتم دون التَّعيين. قوله تعالى: «أنكاثاً» فيه وجهان: أظهرهما: أنه حال من «غَزلِهَا» ، والأنْكَاثُ: جمع نِكْث بمعنى منكُوث، أي: منقوض. والثاني: أنه مفعول ثان لتضمين «نَقضَتْ» معنى صيَّرت؛ كما تقول: فرقته أجزاء. وجوَّز الزجاج فيه وجهاً ثالثاً، وهو النصب على المصدرية؛ لأنَّ معنى نكثت: نقضت، ومعنى نقضت: نكثت؛ فهو ملاق لعامله في المعنى. قيل: وهذا غلط منه؛ لأنَّ الأنكاث جمع نكث، وهو اسمٌ لا مصدر، فكيف يكون قوله: «أنْكَاثاً» بمعنى المصدر؟ . والأنْكَاث: الأنقاض، واحدها نِكْث؛ وهو ما نقض بعد الفتل غزلاً كان أو حبلاً. فصل قال ابن قتيبة: هذه الآية متَّصلة بما قبلها، والتقدير: وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها، فإنَّكم إن فعلتم ذلك، كنتم مثل امرأة غزلت غزلاً وأحكمته، فلما استحكم، نقضته فجعلته أنكاثاً. قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ﴾ يجوز أن يكون الجملة حالاً من واو «تكونوا» ، أو من الضمير المستتر في الجارِّ؛ إذ المعنى: تكونوا مشبهين كذا حال كونكم متَّخذين، وهذا استفهام على سبيل الإنكار. قوله: «دَخَلاً بَيْنكُمْ» هو المفعول الثاني ل «تَتَّخِذُونَ» ، والدَّخلُ: الفساد والدَّغل. وقيل: «دَخَلاً» مفعول من أجله، وقيل: الدَّخل: الدَّاخل في الشيء ليس منه. قال الواحدي - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: «الدَّخلُ والدَّغلُ: الغِشُّ والخِيانةُ» . وقيل: الدَّخل: ما أدخل في الشيء على فسادٍ، وقيل: الدَّخل والدَّغل: أن يظهر الوفاء به ويبطن الغدر والنقض.

стр. 7195

وقوله تعالى: «أنْ تَكُونَ» أي: بسبب أن تكون، أو مخافة أن تكون، و «تكون» يجوز أن تكون تامة؛ فتكون «أمَّةٌ» فاعلها، وأن تَكُونَ ناقصة، فتكون «أمَّةٌ» اسمها وهي مبتدأ، و «أرْبَى» خبره، والجملة في محلِّ نصب على الحال على الوجه الأول، وفي موضع الجر على الوجه الثاني، وجوَّز الكوفيون أن تكون «أمَّةٌ» اسمها، و «هِيَ» عماد، أي: ضمير فصل، و «أرْبَى» خبر «تَكونُ» ، والبصريُّون لا يجيزون ذلك؛ لأجل تنكير الاسم، فلو كان الاسم معرفة، لجاز ذلك عندهم. فصل قال مجاهد ﵀: كانوا يحالفون الحلفاء، فإذا وجدوا قوماً أكثر منهم وأعزَّ، نقضوا حلف هؤلاء، وحالفوا الأكثر، فالمعنى: طلبتم العز بنقص العهدِ؛ بأن كانت أمة أكثر من أمةٍ، فنهاهم الله - تعالى - عن ذلك. ومعنى «أرْبَى من أمَّةٍ» ؛ أي: أزيدُ في العدد، والقوَّة، والشَّرف. ثم قال - جل ذكره -: ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ الله بِهِ﴾ ، أي يختبركم الله بأمره إيَّاكم بالوفاءِ بالعهد. والضمير في «به» يجوز أن يعود على المصدر المنسبك من «أنْ تَكُونَ» ، تقديره: إنَّما يَبلُوكمُ الله بكون أمَّة، أي: يختبركم بذلك. وقيل: يعود على الرِّبا المدلول عليه بقوله: «هي أرْبَى» . وقيل: على الكثرة؛ لأنَّها في معنى الكثير. قال ابن الأنباري رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: ملا كان تأنيثها غير حقيقي، حملت على معنى التَّذكير؛ كما حملت الصَّيحة على الصِّياح ولم يتقدم للكثرة للفظ، وإنما هي مدلول عليها بالمعنى من قوله تعالى: ﴿هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ . ثم قال: ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القيامة مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ في الدُّنيا، فيميِّز المحقَّ من المبطل. قوله - تعالى -: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية لما أمر القوم بالوفاء بالعهد وتحريم نقضه، أتبعه ببيان أنه - تعالى - قادرٌ على أن يجمعهم على هذا الوفاء، وعلى سائر أبواب الإيمان، ولكنَّه جل ذكره - بحكم الألوهية يضلُّ من يشاء ويهدي من يشاء. والمعتزلة حملوا ذلك على الإلجاء، أي: لو أراد أن يلجئهم إلى الإيمان أو إلى

стр. 7196

الكفر، لقدر عليه، إلَاّ أنَّ ذلك يبطل التَّكليف، فلا جرم ما ألجأهم إليه، وفوَّض الأمر إلى اختيارهم، وقد تقدَّم البحث في ذلك. وروى الواحدي ﵀: أنَّ عزيراً قال: ربِّ، خلقت الخلق فتضلُّ من تشاء وتهدي من تشاء، فقال: يا عزير، أعرض عن هذا، فأعاده ثانياً، فقال: يا عزير أعرض عن هذا، فأعاده ثالثاً، فقال: أعرض عن هذا وإلا محوتُ اسمك من [ديوان] النبوَّة. قالت المعتزلة: ومما يدلُّ على أن المراد من هذه المشيئة مشيئته الإلجاء أنه - تعالى - قال بعده: ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فلو كانت أعمال العباد بخلق الله - تعالى -، لكان سؤالهم عنها عبثاً، وتقدَّم جوابه. قوله تعالى -: ﴿وَلَا تتخذوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾ وليس المراد منه التَّحذير عن نقض مطلق الأيمان، وإلَاّ لزم التكرار الخالي عن الفائدة في موضع واحد، بل المراد نهي أولئك الأقوام المخاطبين بهذا الخطاب عن بعض أيمان مخصوصة أو أقدموا عليها. فلهذا قال المفسرون: المراد: نهي الذين بايعوا الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - عن نقض عهده؛ لأن قوله: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ لا يليق بنقض عهد قبله، وإنما يليق بنقض عهد رسول الله ﷺ َ على الإيمان به وبشرائعه. وقوله - تعالى -: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ منصوب بإضمار «أنْ» على جواب النهي. وهذا مثل يذكر لكل من وقع في بلاءٍ بعد عافيةٍ، أو سقط في ورطة بعد سلامة، أو محنة بعد نعمة. قوله: ﴿بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ الله﴾ «مَا» مصدرية، و «صَددتُّمْ» يجوز أن يكون من الصُّدود، وأن يكون من الصدِّ، ومفعوله محذوف، ونكِّرت «قدم» ؛ قال الزمخشري «فإن قلت: لِمَ وحِّدث القدم ونكِّرت؟ . قلت: لاستعظام أن تزلَّ قدم واحدة عن طريق الحقِّ بعد أن ثبتت عليه، فكيف بأقدام كثيرة؟» . قال أبو حيَّان: «الجمع تارة يلحظ فيه المجموع من حيث هو مجموع، وتارة يلحظ فيه اعتبار كل فرد فرد، فإذا لوحظ فيه المجموع، كان الإسناد معتبراً فيه الجمعيَّة، وإذا لوحظ فيه كل فردٍ فردٍ، فإنَّ الإسناد مطابق للفظ الجمع كثيراً، فيجمع ما أسند إليه، ومطابق لكل فردٍ فرد فيفرد؛ كقوله: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً وَآتَتْ﴾ [يوسف: ٣١] لما كان

стр. 7197

لوحظ في قوله:» لَهُنَّ «معنى لكل واحدة، ولو جاء مراداً به الجمعيَّة أو على الكثير في الوجه الثاني، لجمع المتَّكأ؛ وعلى هذا يحمل قول الشاعر: [الطويل] ٣٣٥٩ - فإنِّي رأيْتُ الضَّامرينَ مَتاعهُمْ ... يَموتُ ويَفْنَى فَارضِخِي مِنْ وِعَائيَا أي: رأيت كلَّ ضامرٍ، ولذلك أفرد الضمير في» يَموتُ ويَفْنَى «، ولمَّا كان المعنى: لا يتخذ كل واحدٍ منكم جاء» فتَزلَّ قدَمٌ «مراعاةً لهذا المعنى. ثم قال:» وتَذُوقُوا السوء «مراعاة للمجموع أو للفظ الجمع على الوجه الكثير، إذا قلنا: إنَّ الإسناد لكل فرد فرد، فتكون الآية قد تعرَّضت للنَّهي عن اتِّخاذ الأيمان دخلاً باعتبار المجموع، وباعتبار كل فرد فرد، ودلَّ على ذلك بإفراد» قَدمٌ «وبجمع الضمير في» وتَذُوقُواْ «. قال شهاب الدين ﵁: وبهذا التقدير الذي ذكره أبو حيان يفوت المعنى الجزل الذي اقتنصه الزمخشري من تنكير» قَدمٌ «وإفرادها، وأمَّا البيت المذكور، فإن النحويين خرَّجوه على أن المعنى: يَموتُ من ثم ومن ذكر، وأفرد الضمير لذلك لا لما ذكر. فصل المعنى: وتذوقوا العذاب بصدِّكم عن سبيل الله، وقيل: معناه: سهَّلتم نقض العهد على النَّاس بنقضكم العهد، ﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ، أي: ذلك السوء الذي تذوقونه» عَذابٌ عَظيمٌ «. ثم أكَّد هذا التَّحذير فقال - جل ذكره -: ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ الله ثَمَناً قَلِيلاً﴾ أي: لا تنقضوا عهودكم تطلبون بنقضها عرضاً قليلاً من الدنيا، ولكن أوفوا بها فإنَّ ما عند الله من الثَّواب لكم على الوفاء ﴿هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فضل ما بين العوضين. ثم ذكر الدَّليل القاطع على أنَّ ما عند الله خير فقال: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ﴾ ، أي الدنيا وما فيها تفنى، ﴿وَمَا عِندَ الله بَاقٍ﴾ فقوله: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ﴾ مبتدأ وخبر، والنَّفادُ: الفَناءُ والذهاب، يقال:» نَفِدَ «بكسر العين» يَنْفَدُ «بفتحها نفَاداً ونُفوداً، وأما نقذَ بالذَّال المعجمة ففعله نَفَذَ الفتح ينفذُ بالضمِّ، وسيأتي. ويقال: أنفد القوم إذا فَنِيَ زادهم، وخَصْمٌ مُنافِدٌ لينفد حجة صاحبه، يقال: نافدته فنفدته. وقوله: «بَاقٍ» تقدَّم الكلام عليه في الوقف في سورة الرعد، وهذه الآية حجة عليه.

стр. 7198

قوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الذين صبروا﴾ قرأ ابن كثيرٍ، وعاصم وابن ذكوان: «وَلنَجْزينَّ» بنون العظمة التفاتاً من الغيبة إلى التكلُّم، وتقدم تقرير الالتفات. والباقون بياء الغيبة رجوعاً إلى الله - تعالى -؛ لتقدم ذكره العزيز في قوله: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ﴾ . قوله: ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ﴾ يجوز أن يكون [ «أفعل» ] على بابها من التفضيل، وإذا جازاهم بالأحسن، فلأن يجازيهم بالحسن أولى. وقيل: ليست للتَّفضيل، وكأنهم فرُّوا من مفهوم أفعل؛ إذ لا يلزم من المجازاة بالأحسن المجازاة بالحسن، وهو وهمٌ، لما تقدَّم من أنَّه من مفهوم الموافقة بطريق الأولى، والمعنى: ولنجزين الذين صبروا على الوفاءِ في السَّراء والضَّراء ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . ثم إنه رغَّب المؤمنين في الإتيان بكلِّ ما كان من شرائع الإسلام؛ فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ وفيه سؤالٌ: وهو أن لفظة «مَنْ» في قوله: «مَن عَملَ» تفيد العموم، فما الفائدة في ذكر الذَّكر والأنثى؟ . والجواب: أن هذه الآية للوعد بالخيراتِ، والمبالغة في تقرير الوعد من أعظم دلائل الكرم والرَّحمة، فأتى بذكر الذَّكر والأنثى للتأكيد، وإزالة الوهم بالتخصيص. قوله: «مِنْ ذَكرٍ» «مِنْ» للبيان، فتتعلق بمحذوف، أعني: من ذكرٍ، ويجوز أن يكون حالاً من فاعل «عَمِلَ» ، وقوله: «وهُوَ مُؤمِنٌ» جملة حاليَّة أيضاً. وهذه الآية تدلُّ على أن الإيمان مغاير للعمل الصالح؛ لأنه - تعالى - جعل الإيمان شرطاً في كون العمل الصَّالح موجباً للثَّواب، وشرط الشيء مغاير لذلك الشيشء. فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي أنَّ الإتيان بالعمل الصَّالح إنما يفيد الأثر بشرط الإيمان، وظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] يدل على أن العمل الصالح يفيد الأثر سواء كان مع الإيمان أو عدمه. فالجواب: أن إفادة العمل الصالح للحياة الطيبة مشروط بالإيمان، أمَّا إفادته لأثرٍ غير هذه الحياة الطيبة وهو تخفيف العذاب؛ فإنَّه لا يتوقف على الإيمان. فصل قال سعيد بن جبير ﵀ وعطاء: «الحياة الطَّيِّبة: هي الرِّزقُ الحلال»

стр. 7199

وقال الحسن: هي القناعة، وقال مجاهد وقتادة: هي الجنة. قال القاضي: الأقرب أنها تحصل في الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ والمراد: ما [لا] يكون في الآخرة. قوله: «ولنَجْزِينَّهُمْ» راعى معنى «مَنْ، فجمع الضمير بعد أن راعى لفظها، فأفرد في» لنحيينه «وما قبله، وقرأ العامة:» ولنجزينه «بنون العظمة؛ مراعاة لما قبله، وقرأ ابن عامر في رواية بياء الغيبة، وهذا ينبغي أن يكون على إضمار قسم ثان، فيكون من عطف جملة قسميَّة على جملة قسمية مثلها، حذفتا وبقي جوابهما، ولا جائز أن يكون من عطف جواب على جواب؛ لإفضائه إلى [إخبار] المتكلم عن نفسه إخبار الغائب، ولا يجوز؛ لو قلت:» زيد قال: والله لأضربن هِنْداً وليَنْفِينَّهَا زَيْدٌ «لم يجز، فإن أضمرت قسماً آخر، جاز، أي: وقال: والله لينفينَّها فإن لك في مثل هذا التركيب أن تحكي لفظه، ومنه ﴿وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَاّ الحسنى﴾ [التوبة: ١٠٧] وأن يحكي معناه، ومنه ﴿يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ﴾ [التوبة: ٧٤] ولو جاء على اللفظ، لقيل ما قلنا.

стр. 7200

قوله - تعالى - ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القرآن﴾ الآية لما قال - تعالى -: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] ، أرشد إلى العمل الذي به يخلِّص أعماله من الوساوس، فقال - جل ذكره -: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القرآن﴾ أي: فإذا أردت، فأضمر الإرادة. قال الزمخشري: «لأنَّ الفعل يوجد عند القصد والإرادة من غير فاصل، على حسبه، فكان منه بسببٍ قويٍّ وملابسة ظاهرة» . وقال ابن عطيَّة: «» فإذَا «وصلة بين الكلامين، والعرب تستعملها في هذا، وتقدير الآية: فإذا أخذت في قراءة القرآن، فاستعذ» . وهذا مذهب الجمهور من القرَّاء والعلماء، وقد أخذ بظاهر الآية - فاستعاذ بعد أن قرأ - من الصحابة - أبو هريرة ﵁، ومن الأئمة: مالكوابن سيرين وداود، ومن القرَّاء حمزة ﵃؛ قالوا: لأنَّ الفاء في قوله: ﴿فاستعذ بالله﴾ للتعقيب، والفائدة فيه: أنه إذا قرأ القرآن يستحقُّ به ثواباً عظيماً، فإذا لم يأت بالاستعاذة، وقعت الوسوسة في قلبه، وذلك الوسواس يحبط ثواب القراءة، فإذا استعاذ بعد القراءة، اندفعت تلك الوساوس، وبقي الثَّواب مصوناً عن الانحطاط. وذهب الأكثرون: إلى أنَّ الاستعاذة مقدمة على القراءة، والمعنى: إذا أردت أن تقرأ القرآن، فاستعذ؛ كقوله: إذَا أكلت، فقل: بِسْم الله، وإذا سافرت، فتأهَّب، وقوله - تعالى - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ، وأيضاً: قد ثبت أن الشَّيطان ألقى الوسوسة في أثناء قراءة الرَّسول ﷺ َ -؛ بدليل قوله : ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَاّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] ، ومن الظاهر أنه - تعالى - إنما أمر الرَّسول - صلوات الله وسلامه عليه - بالاستعاذة عند القراءة؛ لدفع تلك الوساوس، وهذا المقصود إنَّما يحصل عند تقديم الاستعاذة. وذهب عطاء إلى أنَّ الاستعاذة واجبة عند قراءةِ القرآن، كانت في الصَّلاة أو غيرها. ولا خلاف بين العلماء في أن التَّعوذ قبل القراءة في الصَّلاة أوكد. واعلم أنَّ هذا الخطاب للرسول - صلوات الله وسلامه عليه -، والمراد منه الكلُّ؛ لأن الرَّسُول ﵊ ُ - إذا كان محتاجاً للاستعاذة عند القراءةِ، فغيره أولى، والمراد بالشيطان في هذه الآية: قيل: إبليس، وقيل: الجنس؛ لأنَّ جميع المردة لهم حظٌّ في الوسوسة.

стр. 7201

ولما أمر رسوله - صلوات الله وسلامه عليه - بالاستعاذة من الشيطان، وكان ذلك يوهم أنَّ للشيطان قدرة على التصرُّف في أبدان النَّاس، فأزال الله تعالى هذا الوهم وبيَّن أنه لا قدرة له ألبتَّة على الوسوسة؛ فقال - تعالى -: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ويظهر من هذا أنَّ الاستعاذة إنما تفيد إذا حضر في قلب الإنسان كونه ضعيفاً، وأنَّه لا يمكنه التحفُّظ عن وسوسة الشيطان إلا بعصمة الله تعالى، ولا قوَّة على طاعة الله إلا بتوفيق الله، والتَّفويض الحاصل على هذا الوجه هو المراد من قوله: ﴿وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ، والاستعاذة بالله هي الاعتصام به. ثم قال: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ قال ابن عبَّاس ﵄: «يطيعونه، يقال: توليته، أي: أطعته، وتولَّيت عنه، أي: أعرضت عنه. قوله: ﴿والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ الضمير في» بِهِ «الظاهر عوده على الشيطان، لتتحد الضمائر، والمعنى: والذين هم به مشركون بسببه؛ كما تقول للرجل إذا تكلَّم بكلمة مؤدِّية إلى الكفر: كفرت بهذه الكلمة، أي: من أجلها؛ فكذلك قوله: ﴿والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ والمعنى: من أجل حمله إيَّاهم على الشِّرك صاروا مشركين. وقيل: والذين هم بإشراكهم إبليس مشركون بالله، ويجوز أن يعود على» ربِّهِمْ «. قوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ﴾ والتَّبدِيل: رفع الشيء مع وضع غيره مكانه، وهو هنا النسخ. قوله: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ في هذه الجملة وجهان: أظهرهما: أنها اعتراضٌ بين الشرط وجوابه. والثاني: أنَّها حاليَّة؛ فعلى الأول يكون المعنى: والله أعلم بما ينزِّل من الناسخ والمنسوخ، والتغليظ والتخفيف، أي: هو أعلم بجميع ذلك في مصالح العباد، وهذا توبيخٌ للكفار على قولهم:» إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ «، أي: إذا كان هو أعلم بما ينزِّل، فما بالهم ينسبون محمداً إلى الافتراء؛ لأجل التَّبديل والنسخ، وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون حقيقة القرآن، وفائدة النسخ والتبديل، وأن ذلك لمصالح العباد، وقولهم:» إنَّما أنْتَ مُفتَرٍ «نسبوا إليه ﷺ َ الافتراء بأنواع من المبالغات وهي الحصر

стр. 7202

والخطاب، واسم الفاعل الدال على الثُّبوت والاستقرار، ومفعول» لا يعلمون «محذوف للعلم به، أي: لا يعلمون أنَّ في نسخ الشَّرائع وبعض القرآن حكماً بالغة. قوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس﴾ تقدَّم تفسيره في البقرة. قال الزمخشري ﵀:» رُوحُ القدس: جبريل - صلوات الله وسلامه عليه - أضيف إلى القدس وهو الطُّهْر؛ كما تقول: حاتم الجُودِ، وزيد الخَيْرِ، والمراد: الرُّوح المقدس، وحاتم الدواد، وزيد الخيِّر «. و» مِنْ «في قوله:» مِن رَّبِّكَ «صلة للقرآن، أي أن جبريل نزَّل القرآن من ربك؛ ليثبِّت الذين آمنوا، أي: ليبلوهم بالنسخ، حتَّى إذا قالوا فيه: هو الحقُّ من ربِّنا، حكم لهم بثبات القدم في الدِّين، وصحَّة اليقين بأن الله حكيم فلا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب. قوله تعالى: ﴿وَهُدًى وبشرى﴾ يجوز أن يكون عطفاً على محلِّ» لِيُثبِّتَ «فينصبان، أو على لفظه باعتبار المصدر المؤوَّل؛ فيجران، والتقدير: تثبيتاً لهم، وإرشاداً وبشارة، وقد تقدم كلام الزمخشري في نظيرهما وما ردَّ به أبو حيَّان عليه وجوابه. وجوَّز أبو البقاء ارتفاعهما خبر مبتدأ محذوف، أي: وهو هدى، والجملة حال وقرئ: «لِيُثبتَ» مخففاً من «أثْبَت» . فصل قد تقدَّم أن أبا مسلم الأصفهاني ينكر النسخ في هذه الشريعة، فقال: المراد ههنا: وإذا بدَّلنا آية مكان آية، أي: في الكتب المتقدمة؛ مثل آية تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الككعبة، قال المشركون: أنت مفترٍ في هذا التبديل، وأكثر المفسرين على خلافه، وقالوا: إن النسخ واقعٌ في هذه الشريعة. فصل قال الشافعي ﵁: القرآن لا ينسخ بالسنة؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ﴾ وهذا يقتضي أن الآية لا تنسخ إلا بآية أخرى، وهذا ضعيف؛ لأن هذه الآية تدلُّ على أنَّه - تعالى - يبدِّل آية بآيةٍ أخرى، ولا دلالة فيها على أنه - تعالى - لا يبدِّل آية إلا بآيةٍ، وأيضاً: فجبريل ﵇ قد ينزل بالسنة كما ينزل بالآية. قوله - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ الآية هذه حكاية شبهة أخرى من شبهات منكري نبوَّة محمد ﷺ َ؛ وذلك لأنهم ك انوا يقولون: إن محمَّداً - صلوات الله وسلامه عليه - إنَّما يذكر هذه القصص، وهذه الكلمات إنما يستفيدها من إنسان آخر ويتعلمُّها منه.

стр. 7203

واختلفوا في ذلك البشر: فقال ابن عباس ﵁: كان رسول الله ﷺ َ يعلِّم فتى بمكة اسمه «بلْعَام» ، وكان نصرانيًّا أعجمي اللسان يقال له: أبو ميسرة، وكان يتكلم بالروميَّة، فكان المشركون يرون رسول الله ﷺ َ يدخل عليه ويخرج، فكانوا يقولون: إنما يعلمه «بلعام» . وق لعكرمة: كان رسول الله ﷺ َ - يقرئ غلاماً لبني المغيرة، يقال له: «يَعِيش» ، وكان يقرأ الكتب، فقالت قريش: إنما يعلمه «يَعِيش» . وقال الفراء: كان اسمه «عائش» مملوك لحويطب بن عبد العزى، وكان قد أسلم وحسن إسلامه، وكان أجميًّا، وقيل: اسمه «عدَّاس» غلام «عتبة بن ربيعة» . وقال ابن إسحاق: كان رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه - كثيراً ما يجلس عند المروة إلى غلام روميٍّ نصراني عبد لبني الحضرمي، يقال له: «جَبْر» ، وكان يقرأ الكتب، وقال عبد الله بن مسلم الحضرمي: كان لنا عبدان من أهل عين التَّمر، يقال لهما: يسار ويكنى: أبا فكيهة، وجبر، وكانا يصنعان السيوف بمكَّة، وكانا يقرآن التوراة والإنجيل، فربما مر بهما النبي ﷺ َ وهما يقرآن، فيقف ويسمع. قال الضحاك: وكان - صلوات الله وسلامه عليه - إذا آذاه الكفَّار يقعد إليهما، فيستروح بكلامهما، فقال المشركون: إنما يتعلَّم محمد منهما فنزلت الآية. وقيل: سلمان الفارسي ﵁، فكذبهم الله - تعالى - بقوله: ﴿لِّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ . قوله تعالى: ﴿لِّسَانُ الذي﴾ العامة على إضافة «لِسانُ» إلى ما بعده، والمراد باللسان هنا: القرآن، والعرب تقول للغة: لسان. وقرأ الحسن ﵁: اللِّسان معرفاً ب «أل» ، و «الَّذِي» نعت له وفي هذه الجملة وجهان: أحدهما: لا محلَّ لها؛ لاستئنافها، قاله الزمخشري. والثاني: أنَّها حال من فاعل «يَقُولونَ» ، أي: يقولون ذلك والحال هذه؛ أي: علمهم بأعجميَّة هذا البشر، وإبانة عربيَّة هذا القرآن كان ينبغي أن يمنعهم من تلك

стр. 7204

المقالة؛ كقولك: تَشْتمُ فلاناً وهُو قَدْ أحْسنَ إليْكَ، أي: وعلمك بإحسانه إليك كان يمنعك من شتمه، قاله أبو حيان ﵀. ثم قال: «وإنَّما ذهب الزمخشري إلى الاستئناف لا إلى الحال؛ لأن من مذهبه أنَّ مجيء الحال جملة اسميَّة من غير واو شاذٌّ، وهو مذهب مرجوح تبع فيه الفراء» . و «أعجَميٌّ خبر على كلتا القراءتين، والإلحاد في اللغة: الميل، يقال: لَحَدَ وألْحَدَ؛ إذا مال عن القصد، ومنه يقال للعادل عن الحقِّ: مُلِْد. وقرأ حمزة والكسائي:» يَلْحَدُونَ «بفتح الايء والحاء، والباقون بضم الياء وكسر الحاء. قال الواحدي ﵀: والألى ضم الياء؛ لأنه لغة القرآن، ويدلُّ عليه قوله - تعالى -: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج: ٢٥] وتقدَّم خلاف القراء في المفتوح في الأعراف. والإلحاد قد يكون بمعنى الإمالة؛ ومنه يقال: الْحَدت له لَحْداً؛ إذا حفرت له في جانب القبر مائلاً عن الاستواء، وقبر مُلْحَد ومَلْحُود، ومنه المُلْحِد؛ لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلِّها، لم يمله عن دينٍ إلى دينٍ، وفسِّر الإلحاد في هذه الآية بالقولين. قال الفراء: يَمِيلُون من المَيْلِ. وق لالزجاج: يَمِيلُونَ من الإمالةِ، أي: لسان الذي يميلون القول إليه أعجمي. والأعجمي: قال أبو الفتح الموصلي:» تركيب «» ع ج م «وضع في كلام العرب للإبهام والإخفاء، وضدُّه البيان والإيضاح؛ ومنه قولهم: رَجُلٌ أعجم وامْرأةٌ عَجماء؛ إذا كانا لا يفصحان، والأعجمي: من لم يتكلم بالعربية. وقال الراغب: العجم خلاف العرب، والعجم منسوب إليهم، والأعجم: من في لسانه عجمه عربيًّا كان أو غير عربي؛ اعتباراً بقلَّة فهمه من العجمة. والأعجمي منسوب إليه، ومنه قيل للبهيمة: عجماء؛ لأنها لا تفصح عما في نفسها، وصلوات النَّهار عجماء، أي: لا يجهر فيها، والعجَمُ: النَّوى لاختفائه. قال بعضهم: معناه أن الحروف المجرَّدة لا تدلُّ على م اتدلُّ عليه الموصولة وأعْجَمتُ الكتابَ ضد أعربتهُ، وأعجمتهُ: أزلت عمتهُ؛ كأشْكَيتهُ: أزلتُ شِكايَتهُ. قال الفراء وأحمد بن يحيى: الأعجم: هو الذي في لسانه عجمة، وإن كان من العرب، والأعجمي والعجمي: الذي أصله من العجم قال أبو علي الفارسي: الذي لا

стр. 7205

يفصح سواءٌ كان من العرب أو من العجم؛ ألا ترى أنهم قالوا: زياد الأعجم؛ لأنه كانت في لسانه عجمة مع أنَّه كان عربيًّا؟ وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى في «الشعراء» ، و «حم السجدة» . وق لبعضهم: العجمي منسوب إلى العجم وإن كان فصيحاً، والعربي منسوب إلى العرب وإن لم يكن فصيحاً. فصل المعنى: إنَّ لسان الذي ينسبون التعلّم منه أعجمي، وهذا القرآن عربي فصيح، فتقرير هذا الجواب كأنه قال: هب أنه يتعلَّم المعاني من ذلك الأعجمي، إلا أنَّ القرآن إنَّما كان معجزاً لما في ألفاظه من الفصاحة، فبتقدير أن تكونوا صادقين في أن محمَّداً ﵊ ُ - يتعلم تلك المعاني من ذلك الرجل، إلا أن ذلك لا يقدح في المقصود؛ لأن القرآن إنما كان معجزاً لفصاحته اللفظيَّة. ولما ذكر - تعالى - هذا الجواب، أردفه بالتهديد؛ فقال : ﴿إِنَّ الذين لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله لَا يَهْدِيهِمُ الله﴾ قال القاضي: لا يهديهم إلى طريق الجنَّة لقوله بعده: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: أنهم لما تركوا الإيمان بالله، لا يهديهم الله إلى الجنَّة، بل يسوقهم إلى النَّار، ثم إنه - تعالى - بين كونهم كاذبين في ذلك القول، فقال - تعالى -: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الكذب الذين لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله وأولئك هُمُ الكاذبون﴾ والمقصود منه أنه - تعالى - بيَّن في الآية السابقة أن الذي قالوه بتقدير أن يصح لم يقدح في المقصود، ثم بين في هذه الآية أن الذي قالوه لم يصحَّ، وهم كذبوا فيه، والدليل على كذبهم وجوه: أحدها: أنهم لا يؤمنون بآيات الله تعالى وهم كافرون، وإذا كان الأمر كذلك، كانوا أعداء للرسول - صلوات الله وسلامه عليه - وكلام العدو ضرب من الهذيان ولا شهادة لمتَّهم. وثانيها: أن التعلُّم لا يتأتَّى في جلسه واحدة ولا يتم بالخفية، بل التعلُّم إنما يتمُّ إذا اختلف المتعلِّم إلى المعلِّم أزمنة متطاولة، وإذا كان كذلك، اشتهر فيما بين [الخلق] أن محمداً - صلوات الله وسلامه عليه - يتعلم العلوم من فلان ومن فلان. وثالثها: أن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة، وتعلُّمها لا يتأتى إلا إذا كان المعلم في غاية الفضل والتحقيق، فلو حصل فيهم إنسان بلغ في العلم والتحقيق إلى هذا الحد، لكان مشاراً إليه بالأصابع في التحقيق والتدقيق في الدنيا، فكيف يمكن تحصيل هذه العلوم العالية الشريفة والمباحث النفيسة من عند فلان وفلان؟ وإذا كان الأمر كذلك، فالطَّعن في نبوة محمد ﷺ َ بأمثال هذه الكلمات الرَّكيكة يدلُّ

стр. 7206

على أن الحجة لرسول الله ﷺ َ كانت ظاهرة باهرة، وهذه الآية تدلُّ على أن الكذب من أكبر الكبائر وأفحش الفواحش؛ لأن كلمة «إنَّما» للحصر، والمعنى: أن الكذب والفرية لا يقدم عليهما إلا من كان غير مؤمن بآيات الله - تعالى -. فإن قيل: قوله ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله﴾ فعل، وقوله تعالى: ﴿وأولئك هُمُ الكاذبون﴾ اسم وعطف الجملة الاسميَّة على الجملة الفعلية قبيح فما السَّبب في حصولها ههنا؟ . فالجواب: الفعل قد يكون لازماً وقد يكون مفارقاص، ويدلُّ عليه قوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥] ذكره بلفظ الفعل تنبيهاً على أن ذلك الحبس لا يدوم. وقال فرعون لموسى: ﴿لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين﴾ [الشعراء: ٢٩] ذكره بصيغة الاسم تنبيهاً على الدَّوام، وقالوا في قوله - تعالى -: ﴿وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى﴾ [طه: ١٢١] لا يجوز أن يقال: إن آدم - صلوات الله وسلامه عليه - عاصٍ وغاوٍ؛ لأن صيغة الفعل لا تفيد الدَّوام، وصيغة الاسم تفيده. إذا عرفت هذه المقدمات، فقوله - تعالى -: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الكذب الذين لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله﴾ تنبيه على أنَّ من أقدم على الكذب فإنه دخل في الكفر. ثم قال - جل ذكره - ﴿وأولئك هُمُ الكاذبون﴾ ؛ تنبيهاً على أن صفة [الكذب] فيهم ثابتة [راسخة] دائمة؛ كما تقول: كذبت، وأنت كاذب، فيكون قولك: «وأنت كاذب» زيادة في الوصف بالكذب، ومعناه: إنَّ عادتك أن تكون كاذباً. واعلم أن الآية تدلُّعلى ان الكاذب المفتري هو الذي لا يؤمن بآيات الله، والأمر كذلك؛ لأنه لا معنى للكفر إلا إنكار الإلهيَّة ونبوَّة الأنبياء، ولا معنى لهذا الإنكار. روي أن النبي ﷺ َ قيل له: هَلْ يَكْذبُ المُؤمِنُ؟ قال: «لَا» ثم قرأ هذه الآية. قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بالله﴾ يجوز فيه أوجه: أحدهما: أن يكون بدلاً من «الَّذينَ لا يُؤمِنُونَ» ، أي: إنَّما يفتري الكذب من كفر، واستثنى منهم المكره، فلم يدخل تحت الافتراء. الثاني: أنه بدل من «الكَاذبُونَ» . الثالث: أنه بدلٌ من «أوْلئِكَ» ، قاله الزمخشري. فعلى الأول يكون قوله: ﴿وأولئك هُمُ الكاذبون﴾ جملة معترضة بين البَدَل والمُبْدَل منه.

стр. 7207

واستضعف ابو حيَّان الأوجه الثلاثة؛ فقال: «لأن الأوَّل يقتضي أنه لا يفتري الكذب إلا من كفر بالله من بعد إيمانه، والوجود يقتضي أن المفتري هو الذي لا يؤمن بالله سواء كان ممن كفر بعد إيمانه أو كان ممن لم يؤمن قطّ؛ بل الأكثر الثاني، وهو المفتري. قال: وأما الثاني: فيؤول المعنى إلى ذلك؛ إذ التقدير: وأولئك، أي: الذين لا يؤمنون هم من كفر بالله من بعد إيمانه، والذين لا يؤمنون هم المفترون. وأما الثالث: فكذلك؛ إذ التقدير: أن المشار إليهم هم من كفر بالله من بعد إيمانه، مخبراً عنهم بأنهم الكاذبون «. الوجه الرابع: قال الزمخشري:» أن ينتصب على الذَّمِّ «. قال ابن الخطيب: وهو أحسن الوجوه عندي وأبعدها من التَّعسُّف. الخامس: أن يرتفع على أنه خبر مبتدأ مضمر على الذَّمِّ. السادس: أن يرتفع على الابتداء، والخبر محذوف، تقديره: فعليهم غضب؛ لدلالة ما بعد» مَنْ «الثانية عليه. السابع: أنها مبتدأ أيضاً، وخبرها وخبر» مَنْ «الثانية قوله:» فَعَليْهم غَضب «. قال ابن عطية ﵀:» إذ هو واحد بالمعنى؛ لأنَّ الإخبار في قوله - تعالى -: ﴿مَن كَفَرَ بالله﴾ إنَّما قصد به الصنف الشارح بالكفر «. قال أبو حيَّان:» وهذا وإن كان كما ذكر، إلا أنَّهما جملتان شرطيتان، وقد فصل بينهما بأداة الاستدراك، فلا بدَّ لكل واحدة منهما على انفرادها من جواب لا يشتركان فيه، فتقدير الحذف أجرى على صناعة الإعراب، وقد ضعَّفوا مذهب الأخفش في ادِّعائه أن قوله - تعالى -: ﴿فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليمين﴾ [الواقعة: ٩١] وقوله - جل ذكره -: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] جواب ل «أمَّا» و «إنْ» ، هذا، وهما أداتا شرط وليست إحداهما الأخرى «. الثامن: أن تكون» مَنْ «شرطية، وجوابها مقدَّر، تقديره: فعليهم غضبٌ؛ لدلالة ما بعد» مَنْ «الثانية عليه، وقد تقدَّم أن ابن عطيَّة جعل الجزاء لهما معاً، وتقدم الكلام معه فيه. قوله تعالى: ﴿إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه مستثنى مقدم من قوله:» فأولئك عليهم غضب «وهذا يكون فيه منقطعاً؛ لأن المكره لم يشرح بالكفر صدراً. وقال أبو البقاء: وقيل: ليس بمقدَّم؛ فهو كقول لبيد: [الطويل]

стр. 7208

٣٣٦٠ - ألَا كُلُّ شَيءٍ ما خَلا اللهَ بَاطلُ..... ... ... ... ... ... . فظاهر كلامه يدلُّ على أن بيت لبيد لا تقديم فيه، وليس كذلك؛ فإنه ظاهر في التقديم جدًّا. الثاني: أنه مستثنى من جواب الشرط، أو من خبر المبتدأ المقدَّر، تقديره: لعليهم غضب من الاه إلا من أكره، ولذلك قدر الزمخشري جزاء الشَّرط قبل الاستثناء وهو استثناء متصل؛ لأنَّ الكفر يكون بالقول من غير اعتقاد كالمكره، وقد يكون - والعياذ بالله - باعتقاد، فاستثنى الصنف الأول. ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ﴾ جملة حاليَّة ﴿إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ﴾ في هذه الحالة، وهذا يدلُّ على أن محلَّ الإيمان القلب، والذي [محله] القلب إما الاعتقاد، وإما كلام النَّفس؛ فوجب أن يكون الإيمان عبارة: إما عن المعرفة، وإما عن التصديق بكلام النَّفس. قوله تعالى: ﴿ولكن مَّن شَرَحَ﴾ الاستدراك واضح؛ لأن قوله: ﴿إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ﴾ قد يسبق الوهم إلى الاستثناء مطلقاً، فاستدرك هذا، وقوله: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ﴾ لا ينفي ذلك الوهم، و» مَنْ «إما شرطية أو موصولة، ولكن متى جعلت شرطية، فلا بدَّ من إضمار مبتدأ قبلها، لأنه لا يليها الجمل الشرطيَّة، قاله أبو حيَّان؛ ثم قال: ومثله: [الطويل] ٣٣٦١ - ... ... ... ... ... ... ..... ولكِنْ مَتى يَسْترفِدِ القَوْمُ أرْفدِ أي: ولكن أنا متى يسترفد القوم. وإنَّما لم تقع الشرطية بعد «لكِنْ» ؛ لأنَّ الاستدراك لا يقع في الشروط، هكذا قيل، وهو ممنوع. وانتصب «صَدْراً» على أنه مفعول للشرح، والتقدير: ولكن من شرح بالكفر صدره، وحذف الضمير؛ لأنه لا يشكل بصدر غيره؛ إذ البشر لا يقدر على شرح صدر غيره، فهو نكرةٌ يراد بها المعرفة، والمراد بقوله: ﴿مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ ، أي: فتحه ووسعه لقبُول الكفر. فصل قال ابن عبَّاس ﵄: نزلت هذه الآية في عمَّار بن ياسر؛ وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسر وأمَّه سميَّة وصهيباً وبلالاً وخبَّاباً وسالماً فعذبوهم. وأما سميَّة: فإنها ربطت بين بعيرين ووجئ في قُبُلها بحربة، فقتلت وقتل زوجها، وهما أول قتيلين في الإسلام ﵄.

стр. 7209

وقال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله ﷺ َ وأبو بكر، وخبَّاب، وصهيب، وبلال، وعمَّار، وسميَّة ﵃. أما الرَّسول ﷺ َ فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر ﵁ فمنعه قومه، وأخذ الآخرون، وألبسوا الدروع الحديد، ثم أجلسوهم في الشمس، فبلغ منهم الجهد لحرِّ الحديد والشمس، وأتاهم أبو جهل يشتمهم ويشتم سميَّة، ثم طعنها في فرجها بحربة. وقال آخرون: ما نالوا منهم غير بلال؛ فإنهم جعلوا يعذِّبونه، ويقول: أحَدٌ أحَدٌ، حتى ملوه فتركوه. وقال خبَّاب: ولقد أوقدوا لي ناراً ما أطفأها إلا ودك ظهري، وقال مقاتل: نزلت في جبر مولى عامر الحضرمي، أكرهه سيِّده على الكفر، فكفر مكرهاً وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان، ثم أسلم مولى جبر وحسن إسلامهما، وهاجر جبر مع سيِّده. فصل الإكراه الذي يجوز عنده التلفُّظ بكلمة الكفر: هو أن يعذِّب بعذابٍ لا طاقة له به؛ مثل: التَّخويف بالقتل؛ ومثل الضَّرب الشَّديد، والإتلافات القويَّة، وأجمعوا على أن عند ذكر كلمة الكفر يجب عليه أن يبرئ قلبه عن الرِّضا، وأن يقتصر على التَّعريضات؛ مثل أن يقول: إن محمداً كذَّاب، ويعني عند الكفار أو يعني به محمَّداً آخر، أو يذكره على نيَّة الاستفهام بمعنى الإنكار، وهنا بحثان: الأول: أنه إذا أعجله من أكرهه عن إحضار هذه النيَّة، أو لأنه لمَّا عظم خوفه زال عن قلبه ذكر هذه النيَّة كان ملوماً وعفو الله متوقَّع. البحث الثاني: لو ضيَّق المكره الأمر عليه وشرح له أقسام التَّعريضات، وطلب منه أن يصرِّح بأنه ما أراد شيئاً منها، وما أراد إلَاّ ذلك المعنى - فههنا يتعيَّن إما التزام الكذب، وإما تعريض النفس للقتل، فمن الناس من قال: يباح له الكذب ههنا، ومنهم من قال: ليس له ذلك، وهو الذي اختاره القاضي؛ قال: لأن الكذب إنما يقبح لكونه كذباً، فوجب أن يقبح على كل حال، ولو جاز أن يخرج عن القبح لرعاية بعض المصالح، لم يمنع أن يفعل الله الكذب لرعاية بعض المصالح، وحينئذٍ لا يبقى وثوق بوعد الله ولا وعيده؛ لاحتمال أنَّه فعل ذلك الكذب لرعاية بعض المصالح التي لا يعرفها إلا الله - تعالى -. فصل أجمعوا على أنه لا يجب عليه التكلم بكلمة الكفر، ويدل عليه وجوه: أحدها: أن بلالاً صبر على العذاب، وكان يقول: أحد أحد، ولم يقل رسول الله ﷺ َ

стр. 7210

بئس ما صنعت، بل عظَّمه عليه، فدل ذلك على أنه لا يجب التكلُّم بكلمة الكفر. وثانيها: ما روي أن مسيلمة الكذَّاب أخذ رجلين، فقال لأحدهما: ما تقول في محمَّد؟ فقال: رسول الله ﷺ َ، فقال: ما تقول فيَّ؟ قال: أنت أيضاً فتركه، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، فقال: ما تقول فيَّ؟ قال: أنا أصمُّ، فأعاد عليه ثلاثاً، فأاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ َ فقال: أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني: فقد صدع بالحقِّ، فهنيئاً له فسمَّى التلفظ بكلمة الكفر رخصة، وعظَّم حال من أمسك عنه حتى قتل. وثالثها: أن بذل [النفس] في تقرير الحق أشق، فوجب أن يكون أكثر ثواباً؛ لقوله - صلوات الله وسلامه عليه -: «أفْضَلُ العِبادَاتِ أحْمزُهَا» أي: أشقُّها. ورابعها: أن الذي أمسك عن كلمة الكفر طهَّر قلبه ولسانه عن الكفر، وأمَّا الذي تلفَّظ بها فهب أن قلبه طاهرٌ، إلا أنَّ لسانه في الظاهر قد تلطخ بتلك الكلمة الخبيثة؛ فوجب أن يكون حال الأول أفضل. فصل الإكراه له مراتب: أحدها: أن يجب الفعل المكروه عليه؛ كما لو أكره على شرب الخمر، وأكل الخنزير، وأكل الميتة، فإذا أكره عليه بالسَّيف فهاهنا، يجب الأكل؛ وذلك لأن صون الرُّوح عن الفواتِ واجبٌ، ولا سبيل إليه في هذه الصورة إلا بالأكل، وليس في هذا

стр. 7211

الأكل ضررٌ على حيوان، وإلا إهانةٌ لحقِّ الله، فوجب أن يجب؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥] . المرتبة الثانية: أن يصير ذل كالفعل مباحاً ولا يصير واجباص؛ كما لو أكره على التلفُّظ بكلمة الكفر، فههنا يباح له ذلك، ولكنه لا يجب. المرتبة الثالثة: أنه لا يجب ولا يباح، بل يحرم؛ كما لو أكرهه إنسان على قتل إنسان، أو على قطع عضو من أعضائه، فههنا يبقى الفعل على الحرمةِ الأصلية، وهل يسقط القصاص عن المكره أم لا؟ . قال الشافعي ﵁ في أحد قوليه: يجب القصاص؛ لأنَّه قتله عمداً عدواناً، فوجب عليه القصاص؛ لقوله - تعالى -: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى﴾ [البقرة: ١٧٨] ، وأيضاً: أجمعنا على أن المكره إذا قصد قتله فإنَّ له أن يدفعه عن نفسه ولو بالقتل، فلما كان يوهم إقدامه على القتل، أوجب إهداء دمه، فلأن يكون عند صدور القتل عنه حقيقة يصير دمه مهدراً أولى. فصل من الأفعال ما يمكن الإكراه عليه كالقتل والتكلم بكلمة الكفر، ومنها ما لا يقبل الإكراه، قيل: وهو الزِّنا؛ لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد، وذلك يمنعُ من انتشار الآلة، فحيث دخل الزِّنا في الوجود، دل على أنَّه وقع بالاختيار لا على سبيل الإكراه. وقيل: الإكراه على الزِّنا مقصور؛ كما لو انتشر ذكره وهو نائمٌ فاستدخلته المرأة في تلك الحالة، أو كان به مرض الانتصاب، فلا يزال منتشراً، أو علم أنَّه لا يخلص من الإكراه إلا باستحضار الأسباب الموجبة للانتشار. فصل قال القرطبي - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: ذهب بعض العلماء إلى أنَّ الرُّخصة إنما جاءت في القول، وأما في الفعل فلا رخصة فيه؛ مثل أن يكره على السُّجود لغير الله تعالى أو الصَّلاة لغير القبلة، أو قتل مسلم، أو ضربه، أو أكل ماله، أو الزِّنا، أو شرب الخمر، أو أكل الرِّبا، روي ذلك عن الحسن البصري، وهو قول الأوزاعي والشافعي وبعض المالكيَّة - رضي الله تعالى عنهم -. فصل قال القرطبي: وأما بيع المكره والمضغوط فله حالتان: الأول: أن يبيع ماله في حق وجوب عليه، فذلك ماضٍ سائغ لا رجوع فيه؛ لأنَّه

стр. 7212

يلزمه أداء الحقِّ من غير المبيع، وأما بيع المكره ظلماً أو قهراً، فذلك لا يجوز عليه، وهو أولى بمتاعه يأخذه بلا ثمن، ويتبع المشتري بالثَّمن ذلك الظالم فإنْ فات المتاع، رجع بثمنه أو بقيمته بالأكثر من ذلك على الظالم إذا كان المشتري غير عالم لظلمه، وأما يمين المكره فغير لازمةٍ عند مالك والشافعي ﵄ وأكثر العلماء، قال ابن العربي: «واختلفوا في الإكراه على الحنث هل يقع أم لا؟» . قال ابن العربي ﵀: «وأي فرقٍ بين الإكراه على اليمين في أنَّها لا تلزم، وبين الحنث في أنه لا يقع» . فصل إذا أكره الرَّجل على أن يحلف وإلَاّ أخذ ماله، فقال مالك: لا تقيَّة في المال، فإنَّما يدرأ المرء بيمينه عن بدنه. وقال ابن الماجشون: «لا يحنث وإن درأ عن ماله أيضاً» . قال القرطبي: وأجمع العلماء على أنَّ من أكره على الكفر فاختار القتل، أنَّه يكون أعظم أجراً عند الله ممَّن اختار الرخصة «. فصل قال الشافعي وأحمد ﵄: لا يقع طلاق المكره، وقال أبو حنيفة ﵁: يقع. واستدلَّ الشافعي ﵁ بقوله - تعالى -: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدين﴾ [البقرة: ٢٥٦] ، ولا يمكن أن يكون المراد نفي ذاته؛ لأن ذاته موجودة؛ فوجب حمله على نفي آثاره، أي: لا أثر له ولا عبرة به، وقال - صلوات الله وسلامه عليه -: «رُفِعَ عن أمَّتي الخَطأ والنِّسيَانُ وما اسْتكْرِهُوا عليْهِ» . وقال ﵊ ُ -: «لا طَلاقَ في إغلاقٍ» ، أي: إكراه. فإن قالوا طلقها، فيدخل تحت قوله - تعالى -: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] . فالجواب: لمَّا تعارضت الدلائل، وجب أن يبقى ما كان على ما كان هو لنا. فصل قال القرطبي ﵀: «وأما نكاح المكره: فقال سحنون: أجمع أصحابنا على إبطال نكاح المكره والمكرهة وقالوا: لا يجوز المقام عليه؛ لأنَّه لم ينعقد، فإن وطئها المكره على النِّكاح، لزمه المسمَّى من الصَّداق ولا حد عليه» .

стр. 7213

قوله: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله﴾ أي: إنه - تعالى - حكم عليهم بالعذاب، ثم وصف ذلك العذاب فقال - تعالى -: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . قوله: ﴿ذلك بِأَنَّهُمُ﴾ مبتدأ وخبره؛ كما تقدم، والإشارة ب «ذلك» إلى ما ذكر من الغضب والعذاب؛ ولذلك وحَّد، كقوله: «بين ذلك» و: [الرجز] ٣٣٦٢ - كَأنَّهُ في الجِلْدِ..... ... ... ... ... قوله: ﴿استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة﴾ أي: ذلك الارتداد وذلك الإقدام على الكفر؛ لأجل أنَّهم رجَّحوا الدنيا على الآخرة، ﴿وَأَنَّ الله لَا يَهْدِي القوم الكافرين﴾ أي: ذلك الارتداد إنما حصل لأجل أنه - تعالى - ما هداهم إلى الإيمان، وما عصمهم عن الكفر. قال القاضي: المراد أن الله تعالى لا يهديهم إلى الجنَّة، وهذا ضعيف؛ لأن قوله - تعالى -: ﴿وَأَنَّ الله لَا يَهْدِي القوم الكافرين﴾ معطوف على قوله: ﴿ذلك بِأَنَّهُمُ استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة﴾ فوجب أن يكون قوله: ﴿وَأَنَّ الله لَا يَهْدِي القوم الكافرين﴾ علَّة وسبباً موجباً لإقدامهم على ذلك الارتداد، وعدم الهداية يوم القيامة إلى الجنة ليس سبباً لذلك الارتداد ولا علَّة، بل كسباً عنه ولا معلولاً له، فبطل هذا التَّأويل. ثم أكد أنه - تعالى - صرفهم عن الإيمان؛ فقال : ﴿أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ قال القاضي: الطبع ليس يمنع من الإيمان لوجوه: الأول: أنه - تعالى - أشرك ذكر ذلك في معرض الذَّم، ولو كانوا عاجزين عن الإيمان به لما استحقوا الذَّم بتركه. الثاني: أنه - تعالى - أشرك بين السَّمع، والبصر، والقلب في هذا الطبع، ومعلوم أن مع فقد السمع والبصر قد يصحُّ أن يكون مؤمناً، فضلاً عن طبع يلحقهما في القلب. الثالث: وصفهم بالغفلة، ومن منع من الشيء لا يوصف بأنه غافل عنه، فثبت أن المراد بهذا الطَّبع السِّمة والعلامة التي يخلقها في القلب، وتقدَّم الجواب في أول سورة البقرة. ثم قال - تعالى -: ﴿وأولئك هُمُ الغافلون﴾ قال ابن عباس ﵄: أي: عما يراد بهم في الآخرة. ثم قال: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الخاسرون﴾ ، أي: المغبونون، والموجب لهذا الخسران أنه - تعالى - وصفهم بصفاتٍ ستة:

стр. 7214

أولها: أنهم استوجبوا غضب الله. وثانيها: أنَّهم استحقُّوا العذاب الأليمَ. وثالثها: أنَّهم استحبُّوا الحياة الدُّنيا على الآخرة. ورابعها: أنه - تعالى - حرمهم من الهِدايةِ. وخامسها: أنه - تعالى - طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم. وسادسها: أنه - تعالى - جعلهم من الغافلين عما يراد بهم من العذاب الشديد يوم القيامة، فكل واحد من هذه الصِّفات من أعظم الموانع عن الفوز بالسعادات والخيرات، ومعلوم أنه - تعالى - إنما أدخل الإنسان في الدنيا؛ ليكون كالتَّاجر الذي يشتري بطاعته سعادات الآخرة، فإذا حصلت هذه الموانع العظيمة، عظم خسرانه؛ فلهذا قال - تعالى -: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الخاسرون﴾ أي هم الخاسرون لا غيرهم. قوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ﴾ الآية لما ذكر في الآية المتقدمة حال من كفر بالله من بعد إيمانه، وحال من أكره على الكفر ذكر [بعده] حال من هاجر من بعد ما فتن. في خبر «إنَّ» هذه ثلاثة أوجه: أحدها: قوله - تعالى -: ﴿لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ، و «إنَّ ربَّكَ» الثانية، واسمها تأكيد للأولى واسمها؛ فكأنه قيل: ثمَّ إنَّ ربّك إنَّ ربَّك لغفور رحيم، وحينئذ يجوز في قوله: «للَّذِينَ» وجهان: أحدهما: أن يتعلق بالخبرين على سبيل النتازع، أو بمحذوف على سبيل البيان؛ كأنه قيل: الغفران والرحمة للَّذين هاجروا. الثاني: أن الخبر هو نفس الجار بعدها؛ كما تقول: إنَّ زيداً لك، أي: هو لك لا عليك، بمعنى: هو ناصرهم لا خاذلهم، قال معناه الزمخشري، ثم قال: «كما يكون الملك للرجل لا عليه، فيكون محميًّا منفُوعاً غير مضرورٍ» . قال شهاب الدِّين: «قد يتوهَّم أن قوله:» مَنْفُوعاً «استعمال غير جائز؛ لما قاله الأهوازي عليه رحمة الله في شرح موجز الرماني: إنَّه لا يقال: مَنْفُوع» اسم مفعول من نفعته، فإن الناس قد ردُّوا على الأهوازي «. الثالث: أن خبر الأولى مستغنًى عنه بخبر القانية، يعني: أنه محذوف لفظاً؛ لدلالة ما بعده عليه، وهذا معنى قول أبي البقاء:» وقيل: لا خبر ل «إنَّ» الأولى في اللَّفظ؛ لأنَّ خبر الثانية أغنى عنه «. وحينئذ لا يحسن ردُّ أبي حيَّان عليه بقوله: «وهذا ليس بجيّد؛ لأنه ألغى حكم الأولى، وجعل الحكم للثانية، وهو عكس ما تقدَّم، وهو لا يجوز» .

стр. 7215

قوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ﴾ قرأ ابن عامر: «فَتَنُوا» مبنيًّا للفاعل، أي: فتنوا أنفسهم فإن عاد الضمير على المؤمنين، فالمعنى: فتنوا أنفسهم بما أعطوا المشركين من القول ظاهراً، أو أنهم صبروا على عذاب المشركين، فكأنهم فتنوا أنفسهم. وإن عاد على المشركين، فهو واضح، أي: فتنوا المؤمنين. والباقون «فُتِنُوا» مبنياً للمفعول، والضمير في «بَعْدهَا» للمصادر المفهومة من الأفعال المتقدمة، أي: من بعد الفتنة، والهجرة، والجهاد. وقال ابن عطيَّة: «عائدٌ على الفتنة، أو الفتنة والهجرة أو الجهاد أو التوبة» . فصل وجه القراءة الأولى أمور: الأول: أن يكون المراد أنَّ أكابر المشركين - وهم الذين آذوا فقراء المسلمين - لو تابوا وهاجروا وصبروا، فإنَّ الله يقبل توبتهم. والثاني: أن «فَتَن» و «أفْتنَ» بمعنى واحد؛ كما يقال: مَانَ وأمَان بمعنى واحد. والثالث: أن أولئك الضعفاء لما ذكروا كلمة الكفر على سبيل التقيَّة؛ فكأنهم فتنوا أنفسهم؛ لأن الرخصة في إظهار كلمة الكفر ما نزلت في ذلك الوقت. وأما وجه القراءة الثانية فظاهر؛ لأن أولئك المفتونين هم المستضعفون الذين حملهم المشركون على الرجوع عن الإيمان، فبين - تعالى - أنهم إذا هاجروا وجاهدوا وصبروا، فإن الله تعالى يغفر لهم تكلمهم كلمة الكفر. فصل يحتمل أن يكون المراد بالفتنةِ: هو وأنهم عذِّبوا، وأنهم خوِّفوا بالتَّعذيب، ويحتمل أن يكون المراد: أن أولئك المسلمين ارتدُّوا. وقال الحسن ﵁: هؤلاء الذين هاجروا من المؤمنين كانوا بمكَّة، فعرضت لهم فتنة فارتدُّوا، وشكُّوا في الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - ثم أسلموا وهاجروا، ونزلت هذه الآية فيهم. وقيل: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان يكتب للنبي ﷺ َ فاستزلَّه الشيطان فلحق بالكفَّار، فأمر النبي ﷺ َ يوم فتح مكَّة بقتله، فاستجار له عثمان، وكان أخاهُ
следующие страницы →