← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 8121–8160 · переход к 8126.

стр. 8121

بالإيمان، نظيره قوله: ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصالحات﴾ [طه: ٧٥] . قوله: «وَهُوَ مُؤْمِنٌ» جملة حالية. «فَلَا يَخَافُ» قرأ بن كثير (بجزمه) على النهي، والمعنى: أَمِنَ، والنهي عن الخوف أمر بالأمن. والباقون: برفعه على النفي والاستئناف، أي: فهو لا يخاف. والهضم: النقصُ تقول العرب: هَضَمَتْ لزيدٍ مِنْ حَقِّي أي: نقصتُ منه، ومنه: هَضِيمُ الكَشْحَيْن أي: ضامُرُها، ومن ذلك أيضاً، «طَلْعُهَا هَضِيمٌ» أي: دقيق متراكب كأنَّ بعضه يظلم بعضاً فينتقصه حقه. ورَجلٌ هضيمٌ أي مظلوم. وهضمته واهتضمته وتَهَّضمتُه عليه بمعنى، قال المتوكل الليثي: ٣٦٩٤ - إنَّ الأذلَّةَ واللِّئَامَ لمِعْشَرٍ ... مَوْلَاهُم المُتَهَضَّم المَظْلُومُ قيل: والظلم والهضم متقاربتان وفرَّق القاضي الماوردي بينهما فقال: الظلم من جميع الحق، والهضم منع بعضه. والظلمُ هنا هو أن يعاقب لا على جريمةٍ

стр. 8122

أو يمنع من الثواب على الطاعة. والهضم هو أن ينقص من ثوابه. وقال أبو مسلم: الظلم أن ينقص من الثواب، والهضم أن لا يوفي حقه.

стр. 8123

قوله: «وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ» نسق على «كَذَلِكَ نَقُصُّ» قال الزمخشري «ومثل ذلك الإنزال وكما أَنْزَلْنَا عليك هؤلاء الآيات أنزلنا القرآن كلَّه على هذه الوتيرة. وقال غيره: والمَعْنَى كما قدَّرنا هذه الأمور وجعلناها حقيقة بالمرصاد للعباد كذلك حذَّرْنَا هؤلاء أمرها، ﴿أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ لتفهمه العرب فيقفوا على إعجازه ونظمه، وخروفه عن الكلام البشري. ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد﴾ أي: كرَّرْنَاهُ وفصَّلْنَاهُ. قوله:» مِنَ الوَعِيدِ «صفة لمَفْعُولٍ محذوف، أي: صرَّفنا في القرآن وعيداً من الوعيد، والمراد به الجنس. ويجوز أن تكون» مِنَ «مزيدة على رأي الأخفش في المفعول به، والتقدير: وصرَّفنا فيه الوعيد» لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون «أي يجتنبون الشرك. ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ أي: يجدد لهم القرآن عبرة وعظة. وقرأ الحسن:» أَوْ يُحْدِثْ «كالجماعة إلا أنه سكَّن لام الفعل وعبد الله والحسن أيضاً في رواية ومجاهد وأبو حيوة» نُحْدِثْ «بالنون، وتسكين اللام أيضاً. (وخُرِّجَ علَى) إجراء الوصل مجرى الوقف، أو على تسكين الفعل استثقالاً للحركة، كقول امرئ القيس:

стр. 8124

٣٦٩٥ - فَاليَوْمَ أَشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ... وقول جرير: ٣٦٩٦ - أَوْ نَهْرُ تِيرَى فَلَا تَعْرِفُكُمُ العَربُ ... وقد فعله كما تقدم أبو عمر في الراء خاصة نحو» يَنْصُرُكُم «. وقرئ:» تُحدث «بتاء (الخطاب) أي: تُحدث أنتَ. (قوله:» أَوْ يُحْدِثُ «) فيه سؤالات: الأول: كيف يكون محدثاً للذكر؟ والجواب: لمّا حصل الذكر عند قراءته أضيفَ إليه. الثاني: لِمَ أضيفَ الذكر إلى القرآن، وما أضيفت التقوى إليه؟ والجواب: أنَّ التقوى عبارة عن أن لا يفعل القبيح، وذلك استمرار على العدم الأصلي، فلم يجز إسناده إلى القرآن، وأمَّا حدوث الذكر فأمر حدث بعد أن لم يكن، فجازت إضافته إلى القرآن. الثالث: كلمة» أو «للمنافاة بين التقوى وحدوث الذكر، ولا يصح الاتقاء إلا مع الذكر، فما معناه؟ والجواب: هذا كقول» جَالِس الحسن أو ابنَ سِيرين، أي: (لا تكن خالياً منهما) ، فكذا ههنا.

стр. 8125

وقيل: معنى الكلام أنا أنزلنا القرآن ليتَّقوا، فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يحدث القرآن لهم ذكراً وشرفاً وصيتاً حسناً، وعلى التقديرين يكون إنزاله تقوى. قوله تعالى: ﴿فتعالى الله الملك الحق﴾ لما عظم أمر القرآن أردفه بأن عظم نفسه وذلك تنبيه على أنَّه يجب على خلقه تعظيمه، وإنما وصف مُلكَه بالحَقِّ، لأن ملكه لا يزول ولا يتغير، وليس بمستفاد من قبل الغير ولا غيره أولى به، ولهذا وصف بذلك. و «تَعَالَى» تفاعل من العُلُوّ، وقد ثبت أن علوه وعظمته لا تكيّفه الأوهام ولا تقدره العقول. ثم قال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ . قال أبو مسلم: إن من قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال﴾ [طه: ١٠٥] إلى هنا يتم الكلام وينقطع، ثم قوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بالقرآن﴾ (خطاب مستأنف كأنه قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ ... وَلَا تَعْجَلْ بالقرآن﴾ [طه: ١٠٥ - ١١٤] وقال غيره: إن النبي ﷺ َ - كان إذا أنزل عليه جبريل ﵇ بالقرآن يبادر فيقرأ معه قبل أن يفرغ جبريل من التلاوة مخافة الانفلات والنسيان فنهاه الله عن ذلك، وأمره أن يسكت حال قراءة المَلَك، يقرأ بعد فراغه من (القراءة) . فكأنه تعالى ما شرح نفع القرآن للمكلفين، وتبين أنه سبحانه متعال عن كل ما لا ينبغي، ومن كان كذلك يجب أن يصون رسوله عن السهو والنسيان (في أمر الوحي، فإذا حصل الأمان عن السهو والنسيان) فلا تعجل بالقرآن فقوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بالقرآن﴾ يحتمل أن يكون المراد لا تعجل بقراءته في نفسك. لما روى عطاء عن ابن عباس: أن يكون أخذُك القرآن على تثبيت وسكون. ويحتمل لا تعجل في تأديته إلى غيرك، قال مجاهد وقتادة: لا تقرأ به أصحابك ولا تُمْله عليهم حتى يتبين لك معانيه. ويحتمل في اعتقاد ظاهرهن ويحتمل في تعريفه الغير ما يقتضيه ظاهرهن أي: حتى يتبين لك بالوحي

стр. 8126

تمامه أبو بيانه أو هما جميعاً، لأنه يجب التوقف في معنى الكلام إلى أن يفرغ لجواز أن يحصل عقبيه استثناء أو شرط، أو غيرهما من المخصصات. فإن قيل: الاستعجال لذي نُهِي عنه إن كان فعلُه فكيف نهي عنه؟ فالجواب لعله فعل باجتهاد، وكان الأولى تركه فلهذا نهِي عنه. قوله: ﴿قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ العامة على بناء «يُقْضَى» للمفعول ورفع «وَحْيُه» لقيامه مقام الفاعل. والجحدري وأبو حيوة والحسن، وهي قراءة عبد الله «تَقْضِي» بنون العظمة مبنيًّا للفاعل، «وَحْيَه» مفعول به. وقرا الأعمش كذلك إلَاّ أنَّه سكن (لام الفعل) ، استثقل الحركة وإن كانت خفيفة على حرف العلة، وقد تقدم شواهد عند قراءة ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهالِيكُمْ﴾ . قوله: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ أي: بالقرآن ومعانيه، وقيل: «عِلماً» أي ما علمت. وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه قال: اللهم زدْنِي إيماناً ويقيناً.

стр. 8127

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إلىءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ الآية. في تعليق هذه الآية بما قبلها وجوه:

стр. 8128

الأول: أنه تعالى لما قال ﴿كذلك نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩] ثم إنه عظَّم أمر القرآن ذكر القصة إنجازاً للوعد في قوله: ﴿كذلك نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [طه: ٩٩] . الثاني: أنه لما قال: ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ [طه: ١١٣] أردفه بقصة آدم ﵇ كأنَّه قال: إنَّ طاعة بني آدم للشياطين، وتركهم التحفظ من الوساوِسِ أمر قديم، فإنَّا عهدنا إلى آدم من قبل، أي: من قبل هؤلاء الذين صرَّفنا لهم الوعيد، (وبالغنا في تنبيهه) ، فقلنا له: ﴿إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ ، ثم إنه مع ذلك نسي وترك ذلك العهد، فأمر البشر في ترك التحفظ أمر قديم. الثالث: أنه لمَّا قال لِمُحمَّد ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: ١١٤] ذكر بعده قصة آدم، فإنه عهد إليه وبالغ في تحذيره من العود، فدل ذلك على ضعف البشرية عن التحفظ فيحتاج حينئذ إلى الاستعانة بربه في أن يوقفه لتحصيل العلم ويجنبه عن السهو والنسيان. الرابع: أن محمداً ﵇ لما قيل له: «وَلَا تَعْجَلْ» دل على أنه كان في أمر الدين بحيث زاد على قدر الواجب فلما وصفه بالإفراط، وصف آدم بالتفريط في ذلك، فإنه تساهَلَ ولم يتحفظ حتى نسي، فوصف الأول بالتفريط والآخر بالإفراط، ليعلمه أن البشر لا ينفك عن نوع زلة. الخامس أن محمداً لما قيل به: «وَلَا تَعْجَلْ» ضاق قلبه، وقال في نفسه: لولا أني أقدمت على ما لا ينبغي، وإلا لما نهيت عنه، فقيل له: يا محمد إن كنت فعلتَ ما نُهِيتَ عنه فإنما فعلته حرصاً منك على العبادة، وحفظاً لأداء الوحي وإن أباك أقدم على ما لا ينبغي لتساهله، وترك التحفظ فكان أمرك أحسن من أمره. والمراد بالعهد هنا أمر الله، أي: أمرنا وأوصينا إليه أن لا يأكل من الشجرة من قبل هؤلاء الذين صرفنا لهم الوعيد في القرآن فتركوا الإيمان. وقال ابن عباس: من قبل أن يأكل من الشجرة عَهِدْنَا إليه أن لا يأكل

стр. 8129

منها. وقال الحسن: من قل محمد والقرآن. قوله: «فَنَسِيَ» قرأ اليماني بضم النون وتشديد السين بمعنى نَسَّاه الشيطان. وعلى هذه القراءة يحتمل أن يقال: أقدم على المعصية من غير تأويل، وأن يقال: أقدم عليها مع التأويل. وعلى القراءة المشهورة يحتمل أن يكون المراد بالنسيان نقيض الذكر، وإنما عوقب على ترك التحفظ، والمبالغة في الضبط حتى تولد منه النسيان، ويحتمل أن يكون المراد بالنسيان الترك، وأنه ترك ما عهد إليه من ترك أكل ثمرتها. قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ يجوز أن تكون (وجد) علمية، فتتعدى لاثنين، وهما «لَهُ عَزْمًا» . وأن تكون بمعنى الإصابة فتتعدى لواحد، وهو «عَزْمًا» (و «لَهُ» ) متعلق بالوجدان، أو بمحذوف على أنه حال من «عَزْمًا» إذ هم في الأصل صفة له قدمت عليه. والعازم: هو المصمم، فقوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ يحتمل: ولم نجد له عزماً على ترك المعصية، أو على التحفظ والاحتراز عن الغفلة، أو على الاحتياط في كيفية الاجتهاد إذا قلنا: إنه ﵇ إنما أخطأ بالاجتهاد. وقال الحسن: ولم نجدْ له صبراً عما نُهي عنه. وقال عطية: حفظاً لما أمر به. وقال ابن قتيبة: رأياً معزوماً. حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد لهز والعزم في اللغة: هو توطين النفس على الفعل. قال أبو أمامة الباهليّ: لو وُزِنَ حلمُ آدم بحلم ولده لرجح عليه وقد قال الله تعالى ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ . فإن قيل: أتقولون إن آدم كان ناسياً لأمر الله حين أكل من الشجرة. قيل: يجوز أن يكون نَسِي أمره، ولم يكن النسيان في ذلك الوقت

стр. 8130

مرفوعاً عن الإنسان بل كان مؤاخذاً به، وإنما رفع عنا. وقيل: نَسِيَ عقوبة الله، وظن أنَّه نَهي تنزيه. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسجدوا لآدَمَ﴾ تقدَّم الكلام على ذلك مفصَّلاً في سورة البقرة. وقوله: «أَبَى» جملة مستأنفة، لأنها جواب سؤال مقدر، أي: ما منعه من السجود؟ فأجيب بأنه أبَى واستكبر. ومفعول الإباء يجوز أن يكون مراداً، وقد صرَّح به في الآية الأخرى في قوله: ﴿أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين﴾ [الحجر: ٣١] وحسن حذفه هنا كون العامل رأس فاصلة. ويجوز أن لا يراد ألبتة، وأن المعنى: أنه من أهل الإباء والعصيان من غير نظر إلى متعلق الإباء ما هو. قوله: ﴿فَقُلْنَا ياآدم إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ وسبب تلك العداوة من وجوه: الأول: أن إبليس كان حسوداً، فلمَّا رأة آثار نِعَم الله تعالى في حق آدم حسده فصار عدواً له. الثاني: أن آدم ﵇ كان شاباً عالماً لقوله تعالى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسمآء كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] ، وإبليس كان شيخاً جاهلاً، لأنه أثبت فضيلته بفضيلة أصله، وذلك جهل والشيخ أبداً يكون عدواً للشَّاب العالم. الثالث: أن إبليس مخلوق من النار وآدم من الماء والتراب، فبين أصليهما عداوة، فبقيت تلك العداوة.

стр. 8131

فإن قيل: لم قال: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة﴾ مع أن المخرج لهم من الجنة هو الله تعالى؟ فالجواب لما كان بوسوسته هوة الذي فعل ما ترتب عليه الخروج صح ذلك. قوله: «فَتَشْقَى» منصوب بإضمار (أنْ) في جواب النهي، والنهي في الصورة لإبليس والمراد به هما، أي لا تَتَعَاطَيَا أسباب الخروج (فيحصل لكما الشقاء) ، وهو الكد والتعب الدنيوي خاصة. ويجوز أن يكون مرفوعاً على الاستئناف، أيك فأنت تشقى، كذا قدره أبو حيان. وهو بعيد أو ممتنع، إذ ليس المقصود الإخبار بأنه يشقى بل إن وقع الإخراج لهما من إبليس حصل ما ذكر. وأسند الشقاء إليه دونها، لأن الأمور معدوقة برؤوس الرجال، وحسن ذلك كونه رأس فاصلة، ولأنَّه إن أريد بالشقاء التعب في طلب القوت فذلك على الرجل دون المرأة. قوله: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَاّ تَجُوعَ﴾ خبر «إنَّ» ، و «ألَاّ تَجُوعَ» في محل نصب اسماً لها، (والتقدير: إنَّ لَكَ عدم الجوع والعُرْي) و «تَعْرَى» منصوب تقديراً نسقاً على «تَجُوع» (والعُرْيُ تجرد الجلد عن شيء يقيه، يقال منه: عَرِيَ يَعْرَى عَرْياً) قل الشاعر: ٣٦٩٧ - فَإنْ يَعْرَيْنَ إنْ كُسِيَ الجَوَارِي ... فتَنْبُو العينُ عَنْ كَرَم عِجَافِ «وأنَّكَ لَا تَظْمَأ» قرأ نافع وأبو بكر «وإنَّك بكسر الهمزة. والباقون بفتحها.

стр. 8132

فمن كسر يجوز أن يكون ذلك استئنافاً، وأن يكون نسقاُ على» إنَّ «الأولى. ومن فتح فلأنه عطف مصدراً مؤولاً على اسم» إنَّ «الأولى، والخبر» لَكَ «المتقدم. والتقدير: إنَّ لَكَ عدم الجوع، وعدم العري، وعدم الظمأ والضحى. وجاز أن يكون» أنَّ «بالفتح اسماً ل» إنَّ «بالكسر للفصل بينهما، ولولا ذلك لم يجز. لو قلت: إنَّ أنَّ زيداَ حق لم يجز، فلما وصل بينهما جاز. وتقول: إنَّ عندِي أنَّ زيداً قائمٌ، فعندي هو الخبر على الاسم وهو أنَّ وَمَا في تأويلها لكونه ظرفاً، والآية من هذا القبيل إذ التقدير: فإن لك أنَّك لا تَظْمَأ وقال الزمخشري: فإن قلت:» إنَّ «لا تدخل على» أنَّ «، فلا يقال: إنَّ أنَّ زيداً منطلقٌ، والواو نائبة عن» إنَّ «وقائمة مقامها، فلم دخلت عليها؟ قلت: الواو لم توضع لتكون أبداً نائبة عن» إنَّ «إنما هي نائبة عن كل عاما، فلمَّا لم تكن حرفاً موضوعاً للتحقيق خاصة كإن لم يمتنع اجتماعهما كما اجتمع» إنَّ «و» أنَّ «وضَحِيَ يَضْحَى أي: برز للشمس، قال عمر بن أبي ربيعة: ٣٦٩٨ - رَأَتْ رَجُلاً أمَّا إذَا الشَّمْسَ عَارَضَتْ ... فَيَضْحَى وَأَمَّا بالعَشِيَّ فَيَخْصَرُ

стр. 8133

وذكر الزمخشري هنا معنى حسَناً في كونه تعالى ذكر هذه الأشياء بلفظ النفي دون أن يذكر أضدادها بلفظ الإثبات، فيقول: إنَّ لَكَ الشبع والكسوة والري والاكتنان في الظل، فقال: وذكرها بلفظ النفي لنقائضها التي هي الجوع والعُرِي، والظمأ، والصّحو ليطرق سمعه بأسامي أصناف الشقوة التي حذره منها حتى يتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها.

стр. 8134

قوله: «فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ» أي: أنهى إليه الوسوسة، وأمَّا وَسوَسَ له فمعناه: لأجله قال الزمخشري: فإن قلت: كيف عدّى وَسْوَسَ باللام في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان﴾ [الأعراف: ٢٠] وأخرى بإلى؟ قلت: وَسْوَسَةُ الشيطان كَوَلْوَلَةِ الثكلى ووَقْوَقَة الدجاجة في أنها حكايات الأصوات، فحكمُها حكمُ صوت أو جرس، ومنه: وسوسة المُبْرسَم وهو مُوَسْوس بالكسر، والفتح لحسن، وأنشد ابن الأعرابي: ٣٦٩٩ - وَسْوَسَ يدعُو مُخْلصاً رَبَّ الفَلَقْ ... فإذا قلت: وسوس له فمعناه لأجله كقوله: ٣٧٠٠ - أجْرِسْ لَهَا يَا ابْنَ أبِي كِبَاشِ ...

стр. 8135

ومعنى وسوس إليه أنهى الوسوسة كقوله: حدث إليه. وقال أبو البقاء: عُدّي «وَسْوَسَ» ب «إلى» لأنه بمعنى أسرَّ، وعداه في موضع آخر باللام، لكونه بمعنى ذَكَرَ له، أو تكون بمعنى لأجله. قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد﴾ يعني على شجرة إن أكلتَ منها بَقيتَ مخلداً، ﴿وَمُلْكٍ لَاّ يبلى﴾ أي مَنْ أكل هذه الشجرة دام ملكه. قال ابن الخطيب: واقعة آدم عجيبة، وذلك لأن الله تعالى رغَّبه في دوام الراحة وانتظام المعيشة بقوله: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى إِنَّ لَكَ أَلَاّ تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تعرى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تضحى﴾ [طه: ١١٧ - ١١٩] ورغَّبه إبليس أيضاً في دوام الراحة بقوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد﴾ وفي انتظام المعيشة بقوله: ﴿وَمُلْكٍ لَاّ يبلى﴾ فكان الشيء الذي رغَّب (الله تعالى آدم) فيه هو الذي رغبه إبليس فيه إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراس عن تلك الشجرة، وإبليس وقعه على الإقدام عليها، ثم إن آدم ﵇ مع كمال عقله وعلمه (بان الله تعالى مولاه وناصره ومريبه، وأعلمه) بأن عدوه حيث امتنع من السجود له، وعرض نفسه للعنة بسبب عداوته، كيف قبل في الواقعة الواحدة والمقصود الواحد قول إبليس مع علمه بعداوته له، وأعرض عن قول الله تعالى مع علمه بأنه هو الناصر والمولى. ومن تأمل هذا الباب طال تعجبه، وعرف آخر الأمر أنّ هذه القصة كالتنبيه على أنه لا دافع لقضاء الله، ولا مانع منه، وأن الدليل وإن كان في غاية الظهور ونهاية القوة فإنه لا يحصل النفع به إلا إذا قضى الله ذلك وقدره.

стр. 8136

روى البخاريُّ ومسلم أن النبي ﷺ َ - قال: «احتجَّ آدمُ وموسى عند ربهما، فحَجَّ آدمُ موسى، قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكتك وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض، فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق، قال موسى: بأربعين عاماً، قال آدم: فهل وجدت فيها ﴿وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى﴾ ؟ قال نعم، قال أفتلومني على أن عملت عملاً كتب الله عليّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال رسول الله ﷺ َ - فحَجَّ آدمُ مُوسَى» . وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ َ -: «كَتَبَ الله مَقَادِير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال وعَرْشُهُ على الماء» وقال: «كل شيء خلقه بقدر حتى العَجْز والكَيْسُ» قوله: «فَأكَلَا مِنْهَا» يعني آدم وحواء. ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ . قال ابن عباس: عريا من النور الذي كان الله ألبسهما حتى بدت فروجهما. وإنما جمع «سَوْآتِهِمَا» كما قال «» صَغَتْ قُلُوبُكُمَا «. ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة﴾ قال الزمخشري: طَفِقَ بفعل كذا مثل

стр. 8137

جعل يفعَلُ وأخَذَ وأنْشَأ، وحكمها حكم كاد في وقوع الخبر فعلاً مضارعاً وبينها وبينه مسافة قصيرة. وقرئ» يُخَصِّفان «للتكثير والتكرير من خصف النعل، وهو أن يخرز عليها الخصاف، أي: يلزقان الورق بسوآتهما للتستر، وهو ورق التين. قوله: ﴿وعصىءَادَمُ رَبَّهُ﴾ بأكل الشجرة» فَغَوى «أي» فعل (ما لم يكن له فعله) . وقيل: أخطأ طريق الجنة وضلَّ حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عن أكله فخاف ولم ينل مراده. وقال ابن الأعرابي: أي: فسد عليه عيشه وصار من العز إلى الذل، ومن الراحة إلى التعب. قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال: عَصَى آدمُ، ولا يجوز أن يقال: آدم عاصٍ ولا يقال: هو خياط (حتى يعاوده ويعتاده) . قوله: «فَغَوَى» الجمهور على فتح الواو بعدها ألف وتقدم تفسيرها. وقيل: معناه بشم من قولهم: غوي البعير بكسر الواو والياء إذا أصابه ذلك. وحكى أبو البقاء هذه قراءة وفسروها بهذا المعنى.

стр. 8138

قال الزمخشري: زعم بعضهم «فَغَوى» فَبَشَم من كثرة الأكل، وهذا وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسور ما قبلها ألفاً، فيقول في فَنِيَ، وبَقِيَ: فَنَا وَبَقَا، وهم بنو طيئ تفسير خبيث. قال شهاب الدين: كأنه لم يطلع على أنه قرئ بكسر الواو، ولو اطلع عليها لردها، وقد فرَّ القائل بهذه المقالة من نسبة آدم ﵇ إلى الغي. فصل تمسك بعضهم بقوله: ﴿وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى﴾ في صدور الكبيرة عنه من وجهين: أحدهما: أن العاصي اسم للذمِّ فلا يطلق إلا على صاحب الكبيرة، ولقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ﴾ [الجن: ٢٣] ولا معنى لصاحب الكبيرة إلا من فَعَل فِعْلاً يُعَاقَبُ عليه. الثاني: أن الغواية والضلالة اسمان مترادفان، والغي ضد الرشد، ومثل هذا لا يتناول إلا الفاسق المنهمك في فسقه. وأجيب عن الأول: بأن المعصية مخالفة الأمر، والأمر قد يكون بالواجب وبالندب، فإنك تقول: أمرته فعَصَاني، وأمرته بشرب الدواء فَعَصَاني وإذا كان كذلك لم يمتنع إطلاق اسم العصيان على آدم بكونه تاركاً للمندوب فأجاب المستدل بأنا قد بيّنّا أن ظاهر القرآن يدل على أنَّ العاصي يستحق العقاب، والعرف يدل على أنه اسم ذم، فوجب تخصيص اسم العاصي بتارك الواجب، ولأنه لو كان تارك المندوب عاصياً لوجب وصف الأنبياء بأسرهم بأنهم عصاة، لأنهم لا ينفكون من ترك المندوب. فإن قيل: وصف تارك المندوب بأنه عاص مجاز والمجاز لا يطرد.

стр. 8139

قلنا: لما سلمت كونه مجازاً فالأصل عدمه، وأما قوله: يقال أمرته بشرب الدواء فَعَصَاني، قلنا: لا نُسَلِّم أن هذا الاستعمال مروي عن العرب، ولئن سلَّمنا ذلك لكنهم إنما يطلقون ذلك إذا أجزموا عليه بالفعل. وحينئذ يكون معنى الإيجاب حاصلاً، وإن لم يكن الوجوب حاصلاً، وذلك يدل على أنَّ لفظ العصيان لا يجوز إطلاقه إلا عند تحقق الإيجاب، لكنا أجمعنا على أن الإيجاب من الله تعالى يقتضي الوجوب، فيلزم أن يكون إطلاق لفظ العصيان على آدم ﵇ إنما كان لكونه تاركاً للواجب ومن الناس من سلَّم أن الآية تدل على صدور المعصية منه، لكنه زعم أن المعصية كانت من الصغائر لا من الكبائر، وهذا قول عامة المعتزلة. وهذا أيضاً ضعيف، لأنا بينا أن اسم العاصي اسم للذم، وأن ظاهره يدل على أنه يستحق العقاب، وذلك لا يليق بالصغيرة، وأجاب أبو مسلم: بأنه عَصَى في مصالح الدنيا لا فيما يتصل بالتكاليف، وكذا القول في «غَوَى» . وهذا أيضاً بعيد، لأن مصالح الدنيا مباحة، من تركها لا يوصف بالعصيان الذي هو اسم ذم، ولا يقال: ﴿فَدَلَاّهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢] . وأما التمسك بقوله: «فَغَوَى» فأجابوا عنه من وجوه: أحدها: أنه خابَ من نعيم الجنة، لأنه إنما أكل من الشجرة ليدومَ مُلْكه، فلما أكل زال، فلما خاب سَعْيه قيل: إنَّه غَوَى. وتحقيقه أن الغَيَّ ضدُّ الرشد، والرشد هو أن يتوصل بشيء إلى شيء فيصل إلى المقصود، ومن توصل بشيء إلى شيء فحصل ضد مقصوده كان ذلك غياً. وثانيها: قال بعضهم غَوَى أي: بَشَم من كثرة الأكل. قال ابن الخطيب: والأولى عندي في هذا الباب أن يقال: هذه الواقعة كانت قبل النبوة، وقد تقدم شرح ذلك في البقرة. وهاهنا بحث لا بد منه، وهو أن ظاهر القرآن وإن دلَّ على أن آدم عصى وغوى، ولكن ليس لأحد أن يقول: إن آدم كان عاصياً غاوياً. ويدل على صحة هذا القول أمور:

стр. 8140

أحدها: قال العُتبي: يقال للرجل يخيط ثوبه خاط ثوبه، ولا يقال: هو خياط حتى يعاوده ويعتاده، ويصير معروفاً بالخياطة. وهذه الزلة لم تصدر عن آدم أن تكون هذه الواقعة إنما وقعت قبل النبوة، لم يجز بعد أن قبل الله توبته وشرَّفه بالرسالة والنبوة إطلاق هذا الاسم عليه كما لا يقال لمن أسلم بعد الكفر أو شرب أو زنا ثم تاب وحسنت توبته لا يقال له بعد ذلك كافر أو شارب أو زانٍ فكذا هنا. وثالثها: أن قولنا: عاصٍ وغاوٍ يُوهِمُ كونه عاصياً في أكثر الأشياء، (وغاوياً عن معرفة الله تعالى) ولم ترد هاتان اللفظتان في القرأن مطلقتين بل مقرونتين بالقصة التي عَصَى فيها، فكأنه قال: عصى في كيت وكيت، وذلك لا يوهم ما ذكرنا. ورابعها: أنه يجوز من الله ما لا يجوز من غيره، كما يجوز للسيد من ولده وعبده عند معصيته من إطلاق القول ما لا يجوز لغيره. قوله: ﴿ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ﴾ أي: اختاره واصطفاه، «فَتَابَ عَلَيْه» بالعفو وهداه إلى التوبة حين قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣] . قال ﵇: لو جُمِع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود لكان بكاؤه أكثر ولو جمع ذلك إلى نوح لكان بكاؤه أكثر، وإنما سمي نوحاً لنوحه على نفسه. ولو جمع ذلك كله إلى بكاء آدم على خطيئته كان بكاؤه أكثر. قال وهب: لمّا كثر بكاؤه أمره الله تعالى أن يقول: «لَا إلَه إلَاّ أنْتَ سُبْحَانَكَ وبحمدِك عَملتُ سوءاً وظَلَمْتُ نفسي فاغفر لي فإنَّكَ خَيْرُ الغَافِرِينَ» فقالها آدم، ثم قال: قل «سُبْحَانَكَ لَا إلَهَ إلَاّ أنْتَ عِمِلْتُ سوءاً وظلَمْتُ نلَفْسِي فتُبْ عليَّ إنَّكَ أنْتَ التَوَّابُ» . قال ابن عباس: هذه الكلمات التي تلقاها آدم من ربه.

стр. 8141

قوله: ﴿قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً﴾ هنا سؤال وهو أن قوله: «اهْبِطَا» إما أن يكون خطاباً مع شخصين أو أكثر، فإن كان خطاباً مع شخصين فكيف قال بعده: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم﴾ وهو خطاب الجمع؟ وإن كان خطاباً مع شخصين فكيف قال: «اهْبِطَا» ؟ وأجاب أبو مسلك: بأن الخطاب لآدم ومعه ذريته، ولإبليس ومعه ذريته، ولكونهما جنسين صح قوله: «اهْبِطَا» ولأجل اشتكال كل من الجنسين على الكثرة صح قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ . وقال الزمخشري: لما كان آدم وحواء ﵉ أصل البشر اللذين منهما تفرعوا أنفسُهُما، فخوطِبَا مخاطبتهم، فقيل: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم﴾ على لفظ الجماعة. ومن قال: بأنَّ أقَلَّ الجمع اثنان، أو بأنه يعبر عن الاثنين بلفظ الجمع، كقوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] فلا يحتاج إلىلتأويل. قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ تقدم تفسيره. ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتبع هُدَايَ﴾ وهذا يدل على أن المراد الذرية والمراد بالهدى الرسل، وقيل: الآيات والأدلة، وقيل: القرآن. «فَلَا يَضِلُّ» في الدُّنيا، «وَلَا يشقى» في الآخرة، لأنه تعالى يهديه إلى الجنة.

стр. 8142

وقيل: لا يَضِلُّ ولا يَشْقَى في الدُّنْيَا. فإن قيل: المتبع لهدى الله قَدْ يَشْقَى في الدنيا. فالجواب: أن المراد لا يضل في الدين، ولا يشقى بسبب الدين، فإن حصل بسبب آخر فلا بأس. ولما وعد الله تعالى من يتبع الهُدَى أتْبَعه بالوعيد لمن أعرض فقال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾ والذكر يقع على القرآن وعلى سائر كتبق الله تعالى على ما تقدم. قوله: «ضَنْكاً» صفة لمعيشة، وأصله المصدر، فكأنه قال: معيشة ذات ضنك، فلذلك لم يؤنث ويقع للمفرد والمثنى والمجموع بلفظ واحد. وقرأ الجمهور «ضَنْكاً» بالتنوين وصلاً وإبداله ألفاًَ وقفاً كسائر المعربات. وقرأت فرقة «ضنكى» بالف كسكرى. وفي هذه الألف احتمالان: أحدهما: أنها بدل من التنوين، وإنما أجري الوصل مجرى الوقف كما تقدم في نظائره، وسياتي منها بقية إن شاء الله تعالى. والثاني: أن تكون ألف التأنيث، بُنِي المصدر على (فَعَلَى) نحو دَعْوَى. والضنك الضيق والشدة، يقال منه: ضَنُكَ عيشُه يَضْنَكُ ضَنَاكَةً وَضَنْكاً، وامرأة ضنَاكٌ كثير لحم البدن، كأنهم تخيلوا ضيق جلدها به. فصل قال جماعة من المفسرين: الكافر بالله يكون حريصاً على الدنيا طالباً للزيادة فعيشه ضَنْكٌ، وأيضاً فمن الظلمة مَنْ ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة بكفره قال تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة﴾ [البقرة: ٦١] وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ

стр. 8143

لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ [المائدة: ٦٦] ، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء والأرض﴾ [الأعراف: ٩٦] وقال ابن مسعود وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري - ﵃ -: المراد بالعيشة الضنكى عذاب القبر. وقال الحسن وقتادة والكلبي: هو الضيق في الآخرة في جهنم، فإن طعامهم الضريع والزقوم، وشرابُهُم الحميم والغِسْلِين، فلا يموتون فيها ولا يَحْيُون. وقال ابن عباس: المعيشة الضنك هو ان يضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدي لشيء منها. وعن عطاء: المعيشةُ الضَّنك هي معيشة الكافر، لأنه غير موقِنٍ بالثواب والعقاب. وروي عنه ﵇ أنَّه قال: عقوبة المعصيةِ ثلاثة ضيقُ النعيشة والعُسْرُ في اللذة، وأن لا يتوصل إلى قوته إلا بمعصية الله (تعالى) . قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى﴾ قرأ العامة «وَنَحْشُرُهُ» بالنون ورفع الفعل على الاستئناف. وقرأ أبان بن تغلب في آخرين بتسكين الراء، وهي محتملة لوجهين: أحدهما: أن يكون الفعل مجزوماً نسقاً على محل جزاء الشرط، وهو الجملة من قوله: «فَإنَّ لَهٌ مَعِيشَةً» فإنَّ محلها الجزم، فهي كقراءة: «مَنْ يُضْلِل اللهُ

стр. 8144

فَلَا هَادِي لَهُ وَيَذَرْهُم» بتسكين الراء. والثاني: أنْ يكون السكون سكون تخفيف (نحو «يَأْمُرْكُم» وبابه) . وقرأت فرقة بياء الغيبة، وهو الله تعالى أو الملك. وأبان بن تغلب في رواية «وَنَحْشُرُهْ» بسكون الهاء وصلاً، وتخريجها إما على لغة بني عقيل وبني كلاب وإمَّا على إجراء الوصل مجرى الوقف. و «أعْمَى» نصب على الحال. فصل قال ابن عباس: أعمى البصر. وقال مجاهد والضحاك ومقاتل: أعمى عن الحجة، وهو رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال القاضي: وهذا ضعيف، لأن في القيامة لا بد أن يُعْلِمهم اله بطلان ما كانوا عليه حتى يتميز لهم الحق من الباطل، ومن هذا حاله لا يوصف بذلك إلا مجازاً،

стр. 8145

ولا يليق بهذا قوله: «وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً» ، ولم يكن كذلك في حال الدنيا. ومما يؤيد ذلك أنه تعالى علَّل ذلك العمى بأن المكلف نَسِي الدلائل فلو كان العمى الحاصل في الآخرة عين ذلك النِّسيان لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر. قوله: ﴿لِمَ حشرتني أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً﴾ اعلم أنَّ الله - تعالى - جعل هذا العمى جزاءً على تركه اتباع الهدى. وقوله: «وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً» جملة حالية من مفعول «حَشَرْتَنِي» . وفتح الياءَ من «حَشَرْتَنِي» قبل الهمزة نافع وابن كثير. قوله: «كذلك أَتَتْكَ» قال أبو البقاء: «كَذَلِكَ» في موضع نصب أي: حَشَرْنَا مثل ذلك أو فَعَلْنَا مثل ذلك أو إتياناً مثل ذلك أو جزاءً مثل إعراضِك أو نسياناً وهذه الأوجه التي ذكرها تكون الكاف في بعضها نصباً (على المصدر، وفي بعضها نصباً) على المفعول به. ولم يذكر الزمخشري في غير المفعول به فقال: أي: مثل ذلك فعلتَ أنْتَ، ثم فُسِّر بأنَّ آياتنَا أتتك واضحة مستنيرة فلم تنظر إليها بعين المعتبر، فتركتَها وأعرضتَ عنها. ﴿وكذلك اليوم تنسى﴾ تُتْرَك في النار. قوله: ﴿وكذلك نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ أي ومثل ذلك الجزاء نجزي «مَنْ أسْرَفَ» أي: أشرك، ﴿وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَدُّ وأبقى﴾ مما يعذبهم في الدنيا (والقبر، «وَأبْقَى» وأدْوَمُ) .

стр. 8146

قوله: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ في فاعل (يَهْدِ) أوجه: أحدها: أنه ضمير الباري تعالى، ومعنى (يَهْدِي) يُبَيِن، ومفعول (يَهْدِي)

стр. 8147

محذوف تقدره: أفلم يُبَيِّن اللهُ لهم العبرَ وفعله بالأمم المكذبة. قال أبو البقاء: وفي فاعله وجهان: أحدهما: ضمير اسم الله تعالى وعلَّق (بَيَّن) هنا، إذا كانت بمعنى أعلم كما علقه في قوله تعالى ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] . قال أبو حيَّان: و «كَمْ» هنا خبرية، والخبرية لا تعلِّق العامل (عنها) . وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون فيه ضمير الله، أو الرسول، ويدل عليه القرءان بالنون. الوجه الثاني: أنَّ الفاعل مضمر يفسره ما دلَّ عليه من الكلام بعده، قال الحوفي: «كَمْ أهْلَكْنَا» قد دَلَِّ على هلاك القرون التقدير: أَفَلَمْ نُبَيِّن لَهُمْ هَلَاكَ من أهلكنا من القرون ومَحْونا آثارَهم فيتعِظُوا بذَلِك. وقال أبو البقاء: الفاعل ما دَلَّ عليه «اهْلَكْنا» أي إهْلَاكنا والجملة مفسرة له. الوجه الثالث: أنَّ الفاعل نفس الجملة بعده. قال الزمخشري: فاعل «لَمْ يَهْدِ» الجملة بعد يريد: أَلَمْ يَهْدِ لَهُم هذا بمعناه ومضمونه، ونظيره قوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سَلَامٌ على نُوحٍ فِي العالمين﴾ [الصافات: ٧٨، ٧٩] أي: تركنا عليه هذا الكلام. قال أبو حيَّان: وكونُ الجملة فاعل «يَهْدِ» هو مذهب كوفيّ، وأما تشبيهه وتنظيره بقوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سَلَامٌ على نُوحٍ فِي العالمين﴾ [الصافات: ٧٨، ٧٩] فإن «تَرَكْنَا» معناه هذا القول فحكيتْ به الجملة، فكأنه قيل: وقُلْنَا عليه، وأطلقنا عليه هذا اللفظ، (والجملة تُحكَى بمعنى القول كما تُحْكَى بالقول) .

стр. 8148

الوجه الرابع: أنه ضمير الرسول ﷺ َ - لأنه هو المبيّن لهم بما يوحى إليه من أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية، وهذا الوجه تقدم نقلُه عن الزمخشري. الوجه الخامس: أنَّ الفاعلَ محذوف، نقل ابن عطية عن بعضهم: أنَّ الفاعل مقدر تقديره: الهُدَى أو الأمرُ أو النَّظَرُ والاعتبارُ. قال ابن عطيَّة: وهذا عندي أحسن التقادير. قال أبو حيان: وهو قول المبرِّد، وليس بجيد إذ فيه حذف الفاعل، وهو لا يجوز عند البصريين، وتحسينه أن يقال: الفاعل مضمرٌ تقديره: يَهْدِ هُوَ أي: الهُدَى قال شهاب الدين: ليسَ في هذا القول أن الفاعل محذوف بل فيه أنه مقدر، ولفظ مقدَّر كثيراً ما يستعمل في المضمر. وأما مفعول «يَهْدِ» ففيه وجهان: أحدهما: أنه محذوف. والثاني: أن يكون الجملة من «كَمْ» وما في خبرها، لأنها معلقة له، فهي سادة مسد مفعوله.

стр. 8149

الوجه السادس: أن الفاعل «كَمْ» - قاله الحوفي، وأنكره على قائله لأن «كَمْ» استفهام لا يعمل فيها ما قبلها. قال أبو حيَّان: وليست «كَمْ» هنا استفهامية بل هي خبرية. واختار أن يكونَ الفاعل ضمير الله تعالى، فقال: وأحسَنُ التخاريج أن يكون الفاعلُ ضميراً عائداً على الله تعالى، كأنَّه قال أَفَلَمْ يبيَّن الله، ومفعول يبين محذوف، أي العبرَ بإهلاك القرون السابقة، ثم قال: «كَمْ اهْلَكْنَا» أي: كثيراً أهلكنَا، ف «كَمْ» مفعولة ب «أهْلَكْنَا» والجملة كأنها للمفعول المحذوف ل «يَهْدِ» . قال القفَّال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبيِّناً لهم كما جعل مثل ذلك واعظاً لهم وزاجراً. وقرأ ابنُ عباس وأبو عبد الرحمن السلمي «أَفَلَمْ نَهْدِ» بالنون المؤذنة بالتعظيم. قال الزجاج: يعني أفَلَمْ نبيَِّن لهم بياناً يهتدون به لو تدبروا وتفكروا. وقوله: «كَمْ أَهْلَكْنَا» فالمراد به المبالغة في كثرة مَنْ أهلكه الله تعالى من القرون الماضية. قوله: «مِنَ القُرونِ» في مجحل نصب (نعت ل «كَمْ» ) لأنَّها نكرة ويضعف جعلُه حالاً من النكرة، ولا يجوز أن يكون تمييزاً على قواعد البصريين

стр. 8150

و «مِن» داخلة عليه على حد دخولها على غيره من التمييزات لتعريفه. قوله: «يَمْشُونَ» حال من «القُرونِ» ، أو من مفعول «أَهْلَكْنَا» والضمير على هذين عائد على القرون المهلكة، ومعناه: إنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ وَهُمْ في حال أمنٍ وَمَشْيٍ وتقلُّب في حاجاتهم كقوله: ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤] ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في «لَهُمْ» ، والضمير في «يَمْشُونَ» على هذا عائد على مَنْ عادَ عليه الضمير في «لَهُمْ» وهم المشركون المعاصرون لرسول الله - صلى الله عيله وسلم - والعامل فيها «يَهْدِ» . والمعنى: إنَّكم تَمْشُون في مساكن الأمم السالفة وتتصرفون في بلادهم فينبغي أن تعتبروا لئلا يحلّ بكُم ما حلَّ بهم. وقرأ ابن السميفع «يُمَشَّوْنَ» مبنيًّا للمفعول مضعفاً، لأنه لما تعدَّى بالتضعيف جاز بناؤه للمفعول. فصل المعنى: أَو لَمْ نبيِّن القرآن أو مَا تقدم من المقادير لكفَّار مكة ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ القرون يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ديارهم إذا سافَرُوا. والخطاب لقريش كانوا يسافرون إلى الشام، فيروْنَ ديار المهلكين من أصحاب الحِجْر، وثَمُود، وقرى لوط ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النهى﴾ لذوي العقول. ثم بيَّن تعالى الوجه الذي لأجله لا ينزل العذاب معجلاً على من كفر بمحمد ﵇ فقال: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ (وفيه تقديم وتأخير) ، والتقدير: ولولا كلمةٌ سبقت من ربك وأجل مسمى لكانَ لزاماً. والكلمة في الحكم بتأخير العذاب عنهم أي: وَلَوْلَا حكمٌ سبقت بتأخير العذاب عنهم «وَأَجَلٌ مًسَمًّى» هو القيامة، (وقيل: يَوْمَ بَدْر) . قوله: «وَأَجَلٌ مُسَمًّى» في رفعه وجهان:

стр. 8151

أظهرهما: عطفه على «كَلِمَةٌ» ، أي: ولوْلَا أجلٌ مُسَمًّى لكان العذاب لزاماً لهم. والثاني: جوَّزه الزمخشري، وهو أن يكون مرفوعاً عطفاً على الضمير المستتر، والضمير عائد على الأخذ العاجل المدلول عليه بالسياق، وقام الفصل بالخبر مقام التأكيد، والتقدير: ولوْلَا كلمة سبقت من ربك لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعادٍ وثمود، ولم ينفرد الجل المسمى دون الأخذ العاجل، فقد جعل اسم «كَانَ» عائداً على ما دلَّ عليه السياق، إلا أنَّه قد يشكل عليه مسألة وهي أنه قد جوَّز في (لزاماً) وجهين: أحدهما: أن يكونَ مصدرَ (لازم) كالخصام، ولا إشكال على هذا. والثاني: أن يكون وصفاً على (فِعَال) بمعنى مُفْعِل أي: ملزم، كأنه ىلة اللزوم، لفرط لزومه، كما قالوا: لِزَازٌ خَصِمٌ، وعلى هذا فيقال: كان ينبغي أن يطابق في التثنية، فيقال: لزامين بخلاف كونه مصدراً فإنه يفرد على كل حال. وجوَّز أبو البقاء أن يكون «لِزَاماً» جمع «لَازِم» كقيام جمع قائِم.

стр. 8152

فصل والمراد انَّ أمة محمد ﵇ وإن كذَّبُوا فسيؤخرون ولا يفعل بهم ما فعل بغيرهم من الاستئصال، وذلك لأنَّه عَلِم أن فيهم من يؤمن. وقيل: علم أنَّ في نسلِهِم من يؤمن، ولو نزل بهم العذاب لعمهم الهلاك. وقيل: المصلحة فيه خفية لا يعلمها إلا الله تعالى. وقال أهل السنة: له بحكم المالكية أن يخص مَنْ يشاء بفضله ومَن شاء بعذابه من غير علة، إذ لو كان فعله لعلة لكانت تلك العلة إن كانت قديمة لزم قدوم الفعل، وإن كانت حادثة افتقرت إلى علة أخرى ولزم التسلسل. ثم إنَّه تعالى لما أخبر نبيَّه بأنه لا يُهْلِكُ أحداً قبل استيفاء أجله أمره بالصبر فقال: ﴿فاصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ أي من تكذيبهم النبوة، وقيل: تركهم القبول. قال الكلبي ومقاتل: هذه الآية منسوخة بآية القتال. ثم قال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: صَلِّ بأمر ربك. وقيل: صَلِّ لله بالحمْدِ له، والثناء عليه، ونظيره قوله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ [البقرة: ٤٥] . قوله: «بِحَمْدِ رَبِّك» حال أي: وأنتَ حامدٌ لربِّك على أنه وفقك للتسبيح وأعانك عليه. واختلفوا في التسبيح على قوليْن، فالأكثرون على أن المراد منه الصلاة وهؤلاء اختلفوا على ثلاثة أوجه: الأول: أنَّ المراد الصلوات الخمس، قال ابن عباس: دخلت الصلوات الخمس فيه، ف ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشمس﴾ هو الفجر، وقيل؛ «غروبها» الظهر والعصر، لأنهما جميعاً قبل الغروب ﴿وَمِنْ آنَآءِ الليل فَسَبِّحْ﴾ يعني المغرب والعتمة، ويكون قوله: «

стр. 8153

وَأطْرَافَ النَّهَار» كالتوكيد للصَّلاة بين الوقتين في طرفي النهار، وهما صلاة الفجر وصلاة المغرب، كما اختصت الوسطى بالتوكيد. الثاني: أنَّ المرادَ الصلوات الخمس والنوافل، لأن الزمان إما أن يكون قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها، فالليل والنهار داخليْن في هاتيْن العبادتين وأوقات الصلاة الواجبة دخلت فيها، ففي قوله: ﴿وَمِنْ آنَآءِ الليل فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النهار﴾ للنوافل. الثالث: أن المراد أربع صلوات، فقوله: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشمس﴾ للفجر «وَقَبْلَ غُرُوبِهَا» للعصر، ﴿وَمِنْ آنَآءِ الليل﴾ المغرب والعتمة، بقي الظهر خارجاً. وعلى هذا التأويل يمكن أن يستدل بهذه الآية على أن المراد بالصَّلاة الوُسْطى صلاة الظهر، لأن قوله: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصلوات﴾ [البقرة: ٢٣٨] المراد به هذه الأربع، ثم أفرد الوسطى بالذكر، والتأسيس أوْلَى من التأكيد، والأول أولى. هذا إذا حَمَلْنَا التسبيح على الصلاة. وقال أبو مسلم: لا يبعد حمله على التنزيه والإجلال، والمعنى اشتغل بتنزيه الله تعالى في هذه الأوقات. فإن قيل: النهار له طرفان، فكيف قال: «وَأَطْرَافَ النهار» ؟ بل الأولى أن يقول كما قال: ﴿وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار﴾ [هود: ١١٤] . فالجواب: من الناس من قال أقل الجمع اثنان فسقط السؤال ومنهم من قال: إنما جمع لأنه يكرر في كل نهار ويعود. وقوله: ﴿مِنْ آنَآءِ الليل﴾ متعلق ب «سَبِّحْ» الثانية. قوله: «وَأَطْرَافَ» العامة على نصبه، وفيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على محل ﴿وَمِنْ آنَآءِ الليل﴾ . والثاني: انه عطف على «قَبْل» . وقرأ السحن وعيسى بن عمر «وأطرافِ» بالجر عطفاً على «آناءِ اللَّيل» وقوله هنا «أطْرَافَ» وفي هود «طَرَفَيْ النَّهَارِ» ، فقيل: هو من وضع الجمع موضع التثنية كقوله:

стр. 8154

٣٧٠١ - ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْن ... وقيل: هو على حقيقته، والمراد بالأطراف الساعات. قوله: «تَرْضَى» قرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم «تُرْضَى» مبنيًّا للمفعول. والباقون مبنيًّا للفاعل، وعليه ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ [الضحى: ٥] والمعنى: ترضى ما تنال من الشفاعة، أو ترضى بما تنال من الثواب على ضم التاء كقوله: ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ [مريم: ٥٥] .

стр. 8155

قوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ﴾ قيل: المراد منه نظر العين، وهؤلاء قالوا: مَدَّ النظر تطويله، وأن لا يكاد يرده استحساناً للمنظور وإعجاباً به، كما فعل نظارة قارون حيث قالوا: ﴿ياليت لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: ٧٩] حتى واجههم أولو العِلْم والإيمان فقالوا: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ الله خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [القصص: ٨٠] وفيه أن النظر غير الممدود يعفى عنه كنظر الإنسان إلى الشيء مرةً ثم

стр. 8156

يغض. ولما كان النظر إلى الزخارف كالمركوز في الطبائع قيل: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أي: لا تفعل ما أنت معتاد له. ولقد شدد المتقون في وجوب غضِّ البصر عن ابنية الظلمة، ولباس الفسقة، ومراكبهم وغير ذلك، لأنهم اتَّخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة، فالناظر إليها محصل لغرضهم، وكالمغرى لهم على اتخاذها. قال أبو مسلم: ليس المنهي عنه هنا هو النظر بل هو الأسف، أي لا تأسف على ما فاتك مما نالوه من حظ الدنيا. قال أبو رافع: نزل ضيفٌ بالرسول ﵇ فبعثني إلى يهوديٍّ، فقال قل له: إن رسول الله يقول: يعني كذا وكذا من الدقيق، وأسلفني إلى هلال رجب، فأتيته، فقلت له ذلك، فقال: والله لا ابيعه ولا أسلفه إلا بهن، فأتيت رسول الله ﷺ َ - فأخبرته بقوله فقال: «والله لَئِنْ باعَنِي وأسْلَفَنِي لقضيتُهُ، وَإنِّي لأَمشينٌ فِي السَّمَاءِ وَآمِينٌ فِي الأَرْضِ اذْهَبْ بِدِرْعِي الحديد إليه» فنزلت هذه الآية. وقال ﵇: «إنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إلَى صُوَرِكُمْ وَلَا إلَى أَمْوَالِكُمْ ولكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ وَأعْمَالِكُمْ» . وقال أبو الدرداء: الدنيا دارُ مَنْ لا دارَ له، ومالُ مَنْ لا مالَ له، ولها يجمع من لا عقلَ له. وعن الحسن: لَوْلَا حمقُ الناس لخربت الدُّنيا. وعن عيسى ابن مريم ﵇ لا تَتَّخِذُوا داراً فتتخذكم لها عبيداً.

стр. 8157

وعن عروة بن الزبير كان إذَا رَأى ما عِنْدَ السلطان يتلو هذه الآية، وقال: الصلاة يرحمكم الله قوله: «أزواجاً» في نصبه وجهان: أحدهما: أنَّه منصوبٌ على المفعول به. والثاني: أنَّه منصوب على الحال من الهاء في «بِهِ» . راعى لفظ «مَا» مرده فأفرد، ومعناها أخرى فلذلك جمع. قال الزمخشري: ويكون الفعل واقعاً على «مِنْهُم» كأنه قال: إلى الذين متَّعْنا به وهو أصناف منهم. قال ابن عباس: أناساً منهم. قال الكلبي والزجاج: رجالاً منهم. قوله: «زَهْرَة» في نصبه تسعة أوجه: أحدها: أنَّه مفعول ثانٍ، لأنه ضَمَّن «مَتَّعْنَا» معنى أعطينا، ف «أزْوَاجاً» مفعول أول، و «زَهْرَةَ» هو الثاني. الثاني: أن يكون بدلاً من «أزواجاً» ، وذلك إما على حذف مضاف أي ذوي زهرة، وإمَّا على المبالغة جعلوا نفس الزهرة. الثالث: أن يكون منصوباً بفعل مضمرٍ دلَّ عليه «مَتَّعْنَا» تقديره: جَعَلنَا لهم زهرة الرابع: نصبه على الذم، قال الزمخشري: وهو النصب على الاختصاص. الخامس: أن يكون بدلاً من موضع الموصول، قال أبو البقاء: واختاره

стр. 8158

بعضهم، وقال آخرون: لا يجوز، لأن قوله: لِنَفْتِنَهُمْ «من صلة» مَتَّعْنَا «فيلزم الفصل بين الصلة والموصول بالأجنبي. وهو اعتراض حسن. السادس: أن ينتصب على البدل من محل» بِهِ «. السابع: أن ينتصب على الحال من» مَا «الموصولة. الثامن: أنه حالٌ من الهاء في» بِهِ «، وهو ضمير الموصول، فهو كالذي قبله في المعنى. فإن قيل: كيف يقع الحال معرفة؟ فالجواب: أن تجعل» زَهْرَة «منونة نكرة، وإنما حذف التنوين للالتقاء الساكنين نحو: ٣٧٠٢ - وَلَا ذَاكِرَ اللهَ إلَاّ قَلِيلا ... وعلى هذا: فبم (جُرَّت» الحَيَاةِ «؟ فقيل: على البدل من» مَا «الموصولة) . التاسع: أنه تمييز ل» مَا «أو الهاء في» بِهِ «وقد ردوه عليه بأنه

стр. 8159

معرفة والمميز لا يكون معرفة، وهذا غير لازم، لأنه يجوز تعريف التمييز على أصول الكوفيين. والعاشر: أنه صفة ل» أزْوَاجاً «بالتأويلين المذكورين في نصبه حالاً وقد منعه أبو البقاء يكون الموصوف نكرة والوصف معرفة، وهذا يجاب عنه بما أجيب في تسويغ نصبه حالاً أعني حذف التنوين للالتقاء الساكنين. والعامة على تسكين الهاء، وقرأ الحسن وأبو البرهسم وأبو حَيْوة بفتحها، فقيل: بمعنى كَجَهْرَة وجَهْرَة. وأجاز الزمخشري أن يكونَ جمع زاهر كفَاجِر وفَجَرة وبَارّ وبَرَرَة وروى الأصمعي عن نافع» لِنُفْتِنهُمْ «بضم النون من أقتنه إذا اوقعه في الفتنة والزَّهْرة بفتح الحاء وسكونها كَنَهر ونهْر ما يروق من النور وسراج زاهر لبريقه ورجل أزهر وامرأة زهراء من ذلك والأنجم الزهرُ هي المضيئة. فصل معنى» مَتَّعْنَا «ألذَذَْنَا به، والإمتاع: الإلذاذ بما يدرك من المناظر الحسنة ويسمع من

стр. 8160

الأصوات المطربة، ويشم من الروائح الطيبة، وغير ذلك من الملابس والمناكح، يقال: أَمْتَعَه ومتَّعه تمتيعاً، والتفعيل يقتضي التكثير. ومعنى الزهرة فيمن حرَّك الزينة والبهجة، كما جاء في الجهرة قرئ» أَرِنَا الله جَهْرَةً﴾ . وقيل: جمع زاهر وصفاً لهم بأنهم زَهْرَة هذه الحياة الدنيا لصفاء ألوانهم وتهلُّلِ وجوههم بخلاف ما عليه الصُّلحاء من شُحُوب الألوان والتقشف في الثياب. ومعنى «نَفْتِنَهُمْ» نُعَذِّبَهُم كقوله: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا﴾ [التوبة: ٥٥] . وقال ابن عباس: لنجعل ذلك فتنةً لهم بأن أزيد لهم في النعمة فيزيدوا كفراً وطغياناً. ثم قال: «وَرِزْقُ رَبِّك» في المعاد يعني في الجنة «خَيْرٌ وَأَبْقَى» أي: خير من مطلبوبهم وأبقى، لأنه يدوم ولا ينقطع، وليس كذلك حال ما أتوه في الدنيا. ويحتمل أن ما أوتيته من يسير الدنيا إذا قرنته بالطاعة، ورضيت به، وصبرت عليه كانت عاقبته خيراً لك. ويحتمل أن يكون المراد ما أعطي من النبوة والدرجات الرفيعة. قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة﴾ أي: قَوْمك. وقيل: مَنْ كان على دينك كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة﴾ [مريم: ٥٥] وحمله بعضهم على أقاربه. «واصْطَبِرْ عليها» أي: اصبِرْ على الصلاة وحافظ عليها فإنها تَنْهى عن الفحشاء والمنكر. وكان رسولُ الله ﷺ َ - بعدَ نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعليّ ﵉ في كلِّ صباحٍ ويقول: «الصَّلاة» . ثم بيَّن تعالى أنَّما أمرهم بذلك لنفعهم وأنه متعال عن المنافع، فقال: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً﴾ أي: لا نكلفك أن ترزق أحداً من خلقنا، ولا أن ترزق نفسَك، وإنما نكلفُكَ عَمَلاً فَفَرِّغْ بالَك لأمر الآخرة،
следующие страницы →