← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.

стр. 8331

والضحاك والكلبي وهو رواية العوفي عن ابن عباس: يقال: قدّر الله شيئاً تقديراً، وقدر يقدر قدرً بمعنى واحد. ومنه قوله: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت﴾ [الواقعة: ٦٠] في قراءة من خفّفها دليل هذا التأويل قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري «فَظَنَّ أَن لَّن نُّقَْدِّرَ عَلَيْهِ» بالتشديد. وقال عطاء وكثير من العلماء: معنا فظن أن لن نضيق عليه الحبس من قوله تعالى: ﴿الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] أي: يضيق. وقال ابن زيد: هو استفهام معناه أفظن أنه يعجز ربه فلا يقدر (عليه؟) وعن الحسن قال: بلغني أنَّ يونس لما أصاب الذنب انطلق مغاضباً لربه، واستزله الشيطان حتى ظن أن لن نقدر عليه، وكان له سلف وعبادة، فأبى الله أن يجعله للشيطان، فقذفه في بطن الحوت، فمكث فيه أربعين من بين يوم وليلة. وقال عطاء: سبعة أيام، وقيل: ثلاثة أيام. وقيل: إن الحوت ذهب به مسيرة ستة آلاف سنة. وقيل: بلغ به تخوم الأرض السابعة، فتاب إلى ربه في بطن الحوت، وراجع نفسه، فقال: ﴿لَاّ إله إِلَاّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ حين عصيتك، وما صنعت من شيء، فلم أعبد غيرك، فأخرجه الله من بطن الحوت برحمته. فصل احتج القائلون بجواز الذنب على الأنبياء بهذه الآية من وجوه: أحدها: أن أكثر المفسرين على أنه ذهب يونس مغاضباً لربه، قيل: هذا قول ابن مسعود وابن عباس والحسن والشعبي وسعيد بن جبير ووهب، واختيار ابن قتيبة ومحمد بن جرير، وإذا كان كذلك فمغاضبة الله من أعظم الذنوب، ثم على تقدير أن هذه المغاضبة لم تكن مع الله بل كان مع ذلك الملك، أو مع القوم، فهو أيضاً محظور لقول الله تعالى: ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ [القلم: ٤٨] وذلك يقتضي أن ذلك الفعل من يونس محظور.

стр. 8332

وثانيها: قوله: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ وذلك يقتضي كونه شاكاً في قدرة الله. وثالثها: قوله: ﴿إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ والظلم مذموم قال تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ [هود: ١٨] . ورابعها: أنه لو لم يصدر منه الذنب، فلم عاقبه الله بان ألقاه في البحر في بطن الحوت. وخامسها: قوله: ﴿فالتقمه الحوت وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] والمليم هو ذو الملامة ومن كان كذلك فهو مذنب. وسادسها: قوله: ﴿وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ [القلم: ٤٨] فإن لم يكن صاحب ذنب ولم يجز النهي عن التشبّه به وإن كان مذنباً فهو المطلوب. وسابعها: قوله: ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ [القلم: ٤٨] وقاتل: ﴿فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم﴾ [الأحقاف: ٣٥] وهذا يقتضي أنّ ذلك الفعل مخرج أن يكون يونس من أولي العزم. والجواب: أنه ليس في الآية من غاضبة، فلا نقطع على نبي الله بأنه غاضب ربه، لأنّ ذلك صفة من يجهل كون الله مالكاً للأمر والنهي، والجاهل بالله لا يكون مؤمناً فضلاً عن أن يكون نبياً. وأما ما روى من أنه خرج مغاضباً لأمر يرجع إلى الاستعداد فمما يرتفع حال الأنبياء عنه، لأنّ الله تعالى إذا أمرهم بشيء فلا يجوز أن يخالفوه، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: ٦٥] . فإذا كان في الاستعداد مخالفة لم يجز أن يقع ذلك منهم. وإذا ثبت أنه لا يجوز صرف هذه المغاضبة إلى الله وجب أن يكون المراد أنه خرج مغاضباً لغير الله، والغالب أنه إنما يغاضب من يعصه فيما يامره به، فيحمل على مغاضبة قومه، أو الملك، أو هما جميعاً ومعنى مغاضبته لقومه أنه غاضبهم لمفارقته لخوف حلول العذاب بهم، وقرئ «مغضباً» كما تقدن وأما قولهم: مغاضبة القوم أيضاً محظورة لقوله: ﴿وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ [القلم: ٤٨] .

стр. 8333

فالجواب لا نسلم أنها كانت محرمة، أما الذهاب، فلأن الله أمره بتبليغ الرسالة إليهم، وما أمره بأن يبقى معهم أبداً، فظاهر الأمر لا يقتضي التكرار، فلم يكن خروجه من بينهم معصية. وأما الغضب لما لم يكن منهياً عنه قبل ذلك ظن أن ذلك جائز من حيث أنه لم يفعله إلا غضباً لله وأنفة لدينه، بل كان الأولى أن يصابر وينتظر من الله الأمر بالمهاجرة عنهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ [القلم: ٤٨] كأن الله تعالى أراد لمحمد ﷺ َ - أفضل المنازل وأعلاها. وأما الجواب عن قوله: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ فنقول من ظن عجز الله فهو كافر، ولا خلاف أنه لا يجوز نسبة ذلك إلى آحاد المؤمنين فكيف إلى الأنبياء، فإن لا بدَّ فيه من التأويل، وفيه وجوه: الأول: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ نضيق عليه كقوله: ﴿الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي: ضيق، وكذا قوله: ﴿وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] أي: ضيق، فمعناه: أن لن نضيق عليه، وهلى هذا فالآية حجة لنا، لأن يونس ظن أنه مخير إن شاء أقام وإن شاء خرج وأنه تعالى لا يضيق عليه في اختياره، وكان في المعلوم أنَّ الصلاح في تأخير خروجه، وهذا من الله بيان لما يجري مجرى العذر له من حيث خرج لا على تعمد المعصية لكن ظن أنَّ الأمر في خروجه موسع يجوز أن يقدم ويؤخر، وكان الصلاح خلاف ذلك. والثاني: أن يكون هذا من باب التمثيل، أي: فكانت حاله مماثلة لحال من ظن أن لن نقدر عليه في خروجه عن قومه من غير انتظار لأمر الله. الثالث: أن يفسر القدر بالقضاء، والمعنى فظن أن لن نقدر عليه بشدة. قال مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي، ورواية العوفي عن ابن عباس واختيار الفراء والزجاج: يقال: قَدَرَ الله الشيء قَدْراً وقَدَّرَهُ تَقْدِيراً فالقدر بمعنى التقدير، وتقدم قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري بضم النون والتشديد من التقدير.

стр. 8334

وروي أنه دخل عن ابن عباس على معاوية، فقال معاوية: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة، فغرقت فيها، فلم أجد لنفسي خلاصاً إلا بك. فقال: وما هي؟ قال: ظن نبي الله أن لن يقدر الله عليه. فقال ابن عباس: هذا من القدر لا من القدرة. الرابع: فظن أن لن (نقدر، أي: فظن أن لن نفعل لأن) بين القدرة والفعل مناسبة، فلا يبعد جعل أحدهما مجازاً عن الآخر. الخامس: أنه استفهام بمعنى التوبيخ كما تقدم عن ابن زيد. السادس: قول من قال إن هذه الواقعة كانت قبل رسالة يونس، فيكون هذا الظن حاصلاً قبل الرسالة، وإذا كان كذلك فلا يبعد في حق غير الأنبياء أن يسبق ذلك إلى وهمه بوسوسة الشيطان، ثم إنه يرده بالحجة والبرهان. وأما الجواب عن قوله ﴿إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ فنقول: إن حملناه على ما قبل النبوة فلا كلام، وإن حملناه على ما بعدها فيجب تأويله، لأنا لو أجريناه على ظاهره، لاستحق اللعن، وهذا لا يقوله مسلم، وإذا وجب التأويل فنقول: لا شك أنه كان تاركاً للفضيلة مع القدرة على تحصيل الأفضل، فكان ذلك ظلماً. وأما الجواب عن إلقائه في البحر في بطن الحوت، وأن ذلك عقوبة، فلا نسلم أنَّ ذلك عقوبة، إذ الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا بل المراد المحنة. وأما الجواب عن الملامة فإنما كان بسبب ترك الأفضل. فصل قوله ﴿فنادى فِي الظلمات﴾ قال الزمخشري: أي: في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كقوله: ﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٧] وقوله: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور﴾ [البقرة: ٢٥٧] . وقيل: أراد ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت. ﴿أَن لَاّ إله إِلَاّ أَنتَ سُبْحَانَكَ﴾ نزه ربه عن كل النقائض، ومنها العجز، وهذا يدلّ على أنه ما كان مراده من قوله: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أنه ظن العجز، وإنما قال: «سُبْحَانَكَ» ، لأنّ معناه سبحاتنك أن تفعل جوراً أو شهوة الانتقام أو عجزاً عن تخليصي عن هذا الحبس، بل فعلته بحق الإلهية وبمقتضى الحكمة ﴿إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾

стр. 8335

أي: ظلمت نفسي بفراري من قومي بغير إذنك كأنه قال: كنت من الظالمين، وأنا الان من التائبين النادمين فاكشف عني المحنة. روى أنس عن النبي ﷺ َ - «مَا من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له» . قوله: ﴿فاستجبنا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغم﴾ أي: من غمه بسبب كونه في بطن الحوت وبسبب خطيئته. قوله: ﴿وكذلك نُنجِي المؤمنين﴾ : الكاف نعت لمصدر أو حال من ضمير المصدر أي: كما أنجينا يونس من كرب الحوت إذ دعانا، أو كإنجائنا يونس كذلك ننجي المؤمنين من كربهم إذا استغاثوا بنا. وقرأ العامة «نُنْجِي» بضم النون الأولى وسكون الثانية من أنجي ينجي. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم «نُجِّي» بتشديد الجيم وسكون الياء وفيها أوجه: أحسنها: أن يكون الأصل «نًنْجِي» بضم الأولى وفتح الثانية وتشديد الجيم فاستثقل توالي مثلين، فحذفت الثانية كما حذفت في قوله «مَا نُنَزِّلُ المَلَائِكَةَ» في قراءة من قرأه كما تقدم، وكما حذفت التاء الثانية في قوله: «تَذَكَّرَونَ» و «تَظَاهَرُونَ» وبابه. ولكن أبو البقاء استضعف هذا التوجيه بوجهين فقال: أحدهما: أنَّ النون الثانية أصل، وهي فاء الكلمة، فحذفها يبعد جداً. والثاني: أنَّ حركتها غير حركة النون الأولى، ولا يستثقل الجمع بينهما بخلاف «تظاهرون» ألا ترى أنك لو قلت: تتحامى المظالم لم يَسُغْ حذف الثانية. أما كون الثانية أصلاً فلا أثر له في منع الحذف، ألا ترى أن النحويين اختلفوا

стр. 8336

في إقامة واستقامة، أي الألفين المحذوفة من أنَّ الأولى هي الأصل، لأنها عين الكلمة وأما اختلاف الحركة فلا أثر له أيضاً، لأن الاستثقال باتحاد لفظ الحرفين على أي حركة كانا. الوجه الثاني: أنّ «نُجِّي» فعل ماض مبني للمفعول، وإنما سكنت لامه تخفيفاً، كما سكنت في قوله: «مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا» في قراءة شاذّة تقدمت، قالوا: وإذا كان الماضي الصحيح قد سكن نخفيفاً فالمعتل أولى، ومنه: ٣٧٣٢ - إنَّمَا شِعْرِي قَنْدٌ ... قَدْ خُلِطَ بِجُلْجُلَانِ وتقدم منذ لك جملة وأسند هذا الفعل إلى ضمير المصدر مع وجود المفعول الصريح كقراءة أبي جعفر «لِيُجْزَى قَوْماً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» وهذا رأي الكوفيين والأخفش، وتقدمت شواهد ذلك، والتقدير: نُجِّي النجاة، قال أبو البقاء: وهو ضعيف من وجهين:

стр. 8337

أحدهما: تسكين آخر الفعل الماضي. والآخر: إقامة المصدر مع وجود المفعول الصريح. وقد عرف جوابهما مما تقدم. الوجه الثالث: أن الأصل «نُنْجِي» كقراءة العامة إلا أن النون الثانية قلبت جيماً وأدغمت في الجيم بعدها. وهذا ضعيف جداً، لأن النون لا تقارب الجيم فتدغم فيها. الوجه الرابع: أنه ماض مسند بضمير المصدر أي: نُجِّي النجاءُ كما تقدم في الوجه الثاني، إلا أنَّ «المُؤْمِنِينَ» ليس منصوباً ب «نُجِّي» بل بفعل مقدر. وكأن صاحب هذا الوجه فرَّ من إقامة غير المفعول به من وجوده فجعله من جملة أخرى. وهذه القراءة متواترة، ولا التفات على من طعن على قارئها، وإن كان أبو علي قال: هي لحن. وهذه جرأة منه، وقد سبقه إلى ذلك أبو إسحاق الزجاج. وأما الزمخشري فإنما طعن على بعض الأوجه المتقدمة، فقال: ومن تمحل لصحته فجعله فُعِّل، وقال: نُجِّي النجاء المؤمنين، وأرسل الياء وأسنده إلى مصدره، ونصب المؤمنين فمتعسف بارد التعسف. فلم يرتض هذا التخريج بل للقراءة عنده تخريج آخر، وقد يمكن أن يكون هو المبتدأ به لسلامته مما تقدم من الضعف.

стр. 8338

قوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّآ إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً﴾ الآية. اعلم أنه تعالى بين

стр. 8339

هاهنا انقطاع زكريا إلى ربه لما مسه الضر بتفرده، وأحب من يؤنسه ويقويه على أمر دينه ودنياه، ويقوم مقامه بعد موته، فدعا الله تعالى دعاء مخلص عارف بقدرة ربه على ذلك، وانتهت به الحال وبزوجه من الكبر وغيره ما يمنع من ذلك بحكم العادة فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً﴾ وحيداً لا ولد لي، وارزقني وارثاً، ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين﴾ ثناء على الله بأنه الباقي بعد فناء الخلق، وأنه أفضل من بقي حياً. ويحتمل أن يكون المعنى: إن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي فإنك خير الوارثين. قال ابن عباس: كان سنه مائة سنة، وسن زوجته تسعاً وتسعين، ﴿فاستجبنا لَهُ﴾ أي: فعلنا ما أراده بسؤاله، ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى﴾ ولداً صالحاً ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ أي: جعلناها ولوداً بعد ما كانت عقيماً. قاله أكثر المفسرين وقيل: كانت سيئة الخلق سلطة اللسان فأصلح الله خلقها. وقيل: جعلها مصلحة في الدين، فإن صلاحها في الدين من أكبر أعوانه، لأنه يكون إعانة في الدين والدنيا واعلم أنَّ قوله ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ يدل على أن الواو لا تفيد الترتيب، لأنَّ إصلاح الزوج مقدم على هبة الولد مع أنه تعالى أخره في اللفظ. ثم قال: «إنَّهُمْ» يعني الأنبياء الذين سماهم في هذه السورة. وقيل: زكريا وولده وأهله ﴿كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الخيرات﴾ ، والمسارعة في طاعة الله من أكبر ما يمدح المرء به، لأنه يدل على حرص عظيم على الطاعة. قوله: ﴿وَيَدْعُونَنَا﴾ العامة على ثبوت نون الرفع قبل (ن) مفكوكة منها وقرأت فرقة ﴿﴾ بحذف نون الرفع. وطلحة بإدغامها فيها. وهذا الوجهان فيهما إجراء نون (ن) مجرى نون الوقاية. وقد تقدم. قوله: ﴿رَغَباً وَرَهَباً﴾ يجوز أن ينتصبا على المفعول من أجله، وأن ينتصبا على أنهما مصدران واقعان موقع الحال، أي: راغبين راهبين، وأن ينتصبا على المصدر الملاقي لعامله

стр. 8340

في المعنى دون اللفظ، لأن ذلك نوع منه. والعامة على فتح الغين والهاء. وابن وثاب والأعمش ورويت عن أبي عمرو بسكون الغين والهاء، ونقل عن الأعمش وهو الأشهر عنه بضم اراء وما بعدها. وقرأت فرقة بضمة وسكون فيهما. فصل ومعنى «رَغَباً» : طمعاً «وَرَهَباً» : خوفاً، أي: رغباً في رحمة الله، ورهباً من عذاب الله. ﴿وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ﴾ أي: متواضعين، قال قتادة: ذلك لأمر الله. وقال مجاهد: الخشوع هو الخوف اللازم في القلب. قوله تعالى : ﴿والتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ الآية. يجوز أن ينتصب قوله: «وَالَّتِي» نسقاً على ما قبلها، وأن ينتصب بإضمار اذكر، وأن يرتفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: وفيما يتلى عليكم التي أحصنت. ويجوز أن يكون الخبر «فَنَفَخْنَا» وزيدت الفاء على رأي الأخفش نحو زيد فقائم. وفي كلام الزمخشري: نفخنا الروح في عيسى فيها. قال أبو حيان مؤاخذاً له: فاستعمل «نفخ» متعدياً والمحفوظ أنه لا يتعدى فيحتاج في تعديه إلى سماع، وغير متعد استعمله هو في قوله؛ أي: نفخت في المزمار. انتهى ما آخذه به. قال شهاب الدين: وقد سمع «نفخ» متعدياً، ويدل على ذلك ما قرئ في الشاذ «فانفخها فَيَكُونُ طَائِراً» ، وقد حكاها هو قراءة، فكيف ينكرها. فعليك بالالتفات إلى ذلك. وقال ابن الخطيب: جعلنا النفخ في مريم من جهة روحنا وهو جبريل - عليه

стр. 8341

السلام - لأنه نفخ في جيب درعها، فوصل النفخ إلى جوفها أي: أمرنا جبريل فنفخ في جيب درعها، وأحدثنا بذلك النفخ المسيح في بطنها وأضاف الروح إليه تشريفاً لعيسى (﵇) . ومعنى «أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا» أي: إحصاناً كلياً من الحلال والحرام جميعاً كما قالت: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾ [مريم: ٢٠] . وقيل: منعت جبريل جيب درعها قبل أن تعرفه. والأول أولى لأنه الظاهر من اللفظ. قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وابنهآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ أما مريم فآياتها كثيرة: إحداها: ظهور الحبل فيها لا من ذكر، وذلك معجزة خارجة عن العادة. وثانيها: أنَّ رزقها كان يأتيها به الملائكة من الجنة لقول زكريا: ﴿أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله﴾ [آل عمران: ٣٧] . وثالثها: ورابعها: قال الحسن: أنها لم تلتقم ثدياً قط، وتكلمت هي أيضاً في صباها كما تكلم عيسى. وأما آيات عيسى ﵇ فقد تقدم بيانها فإن قيل: هلا قيل آيتين كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا الليل والنهار آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢] ليطابق المفعول؟ فالجواب: أنَّ كلاًّ منهما آية بالآخر فصارا آية واحدة، لأنّ حالهما بمجموعهما آية واحدة، وهي ولادتها إياه من غير فحل. أو تقول: حذف من الأول لدلالة الثاني، أو بالعكس أي: وجعلنا ابن مريم آية وأمه كذلك، وهو نظير الحذف في قوله: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] وقد تقدم. أو أنّ معنى الكلام: جعلنا شأنهما وأمرهما آية.

стр. 8342

قوله تعالى: ﴿ق إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية. قرأ العامة على رفع «أُمَّتُكُمْ» خبراً ل «إنَّ» ، ونصب «أُمَّةً واحِدَةً» على الحال، وقيل: على البدل من «هَذِهِ» فيكون قد فصل بالخبر بين البدل والمبدل فيه نحو: إنَّ زيداً قائمٌ أخاك. وقرأ الحسن «أمَّتَكُمْ» بالنصب على البدل من «هَذِهِ» ، أو عطف البيان. وقرأ أيضاً هو وابن أبي إسحاق والأشهب العقليل وأبو حيوة وابن أبي عبلة وهارون عن أبي عمرو «أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ» بالرفع على خبر «إنَّ» و «أُمَّتُكُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ» برفع الثلاث على أن يكون «أُمَّتُكُمْ» خبر «إنَّ» كما تقدم و «أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ» بدل منها بدل نكرة من معرفة، أو يكون «أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ» خبر مبتدأ محذوف ومعنى «أُمَّتُكُمْ» قال الزمخشري: الأمة الملة، وأشار إلى ملة الإسلام. «أمَّةً وَاحِدَةً» أي: ديناً واحداً وهو الإسلام غير مختلف، فأبطل ما سوى الإسلام من الأديان. وأصل الأمة الجماعة التي هي على مقصد واحد، فجعلت الشريعة أمة لاجتماع أهلها على مقصد واحد. ثم قال: «وَأَنَا رَبُّكُمْ» أي: إلهكم فَاعْبدُونِ. قوله: «وَتَقَطّعُوا» أي: اختلفوا، والأصل: وتقطعتم إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريق الالتفاف، وكأنه ينفي عهم ما أفسدوه إلى آخرين ويقبح عندهم فعلهم، ويقول لهم: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء، والمعنى: اختلفوا في الدين فصاروا فرقاً وأحزاباً.

стр. 8343

قال الكلبي: وفرقوا دينهم بينهم يلعن بعضهم بعضاً ويتبرأ بعضهم من بعض. والتقطع هاهنا بمعنى: التقطيع. قوله: «أَمَرَهُمْ» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منصوب على إسقاط الخافض، أي: تفرقوا في أمرهم. الثاني: أنه مفعول به، وعدى «تَقَطعُوا» لأنه بمعنى: قطعوا. الثالث: أنه تمييز، وليس بواضح معنى، وهو معرفة، فلا يصح من جهة صناعة البصريين. قال أبو البقاء: وقيل: هو تمييز أي: تقطع أمرهم. فجعله منقولاً من الفاعلية. و «زُبُراً» يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً على أن تضمن (تقطعوا) معنى (صيروا) بالتقطيع. وإمَّا أن ينصب على الحال من المفعول، أي: مثل زبر، أي: كتب، فإنّ الزبر جمع زَبُور كرُسُل جمع رَسُول. أو يكون حالاً من الفاعل، نقله أبو البقاء في سورة المؤمنين. وفيه نظر إذ لا معنى له، وإنما يظهر كونه حالاً من الفاعل في قراءة «زُبَراً» بفتح الباء أي فرقاً. والمعنى: صيروا أمرهم زبراً أي تقطعوه في هذه الحال، والوجهان مأخوذان من تفسير الزمخشري، لمعنى الآية الكريمة، فإن قال: والمعنى جعلوا أَمْرَ دِينهم فيما بينهم قطعاً كما يتوزع الجماعة، ويقتسمونه، فيصير لهذا نصيب، ولذلك نصيب تمثيلاً لاختلافهم فيه وصيرورتهم فرقاً وأحزاباً وفي الكلام التفاف من الخطاب وهو قوله: «أُمَّتُكُمْ» إلى الغيبة تشنيعاً عليهم بسوء صنيعهم. وقرأ الأعمش: «زُبَراً» بفتح الباء جمع زُبْرَة، وهي قطعة الحديد في الأصل

стр. 8344

ونصبه على الحال من ضمير الفاعل «تَقَطَّعُوا» كما تقدم. ولم يتعرض له أبو البقاء في هذه السورة، وتعرض له في المؤمنين، فذكر فيه الأوجه المتقدمة، وزاد أنه قرئ «زُبْراً» بسكون الباء وهو بمعنى المضمومة. قوله: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ توعدهم بأن هذه الفرق المختلفة إليه يرجعون فيحاسبهم ويجازيهم بأعمالهم، قال ﵇: «تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، فهلك سبعون وخلصت فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، تهلك إحدى وسبعون فرقة وتخلص فرقة، وقالوا: يا رسول الله من تلك الفرقة. قال:» الجماعة الجماعة الجماعة «وبهذا الخبر بيّن أن المراد بقوله: ﴿إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ﴾ الجماعة المتمسكة بما بينه الله تعالى في هذه السورة من التوحيد والنبوات، وأن قول الرسول في الناجية إنّها الجماعة ليس تعريفاً للفرقة الناجية، إذ لا فرقة تمسكت بباطل أو بحق إلا وهي جماعة من حيث العدد، ولهذا طعن بعضهم في صحة الخبر، فقال: إنْ أراد بالاثنين وسبعين فوقة أصول الأديان فلن يبلغ هذا القدر، وإن أراد الفروع فإنَّها تتجاوز هذا القدر إلى أضعاف ذلك. وقيل أيضاً ضد ذلك، وهو أنها كلها ناجية إلا فرقة واحدة. والجواب: قال ابن الخطيب: المراد ستفترق أُمتي في حال وليس فيه دلالة على افتراقها في سائر الأحوال، ولأنه لا يجوز أن يزيد وينقص.

стр. 8345

قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الآية. لمَّا ذَكَرَ أَمْرَ الأُمَّةِ وتفرقهم، وأنهم راجعون إلى حيث لا أمر إلا له أتبع ذلك بقوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ لا نجحد ولا نبطل سعيه. والكفران مصدر بمعنى الكفر، قال: ٣٧٣٣ - رَأَيْتُ أُنَاسَاً لَا تَنَامُ خُدُودُهُمْ ... وَخَدِّي وَلَا كُفْرَانَ لِلَّهِ نَائِمُ و «لِسَعْيِهِ» متعلق بمحذوف، أي: نكفر لسعيه، ولا يتعلق ب «كُفْرَانَ» لأنه يصير مطولاً، والمطول ينصب وهذا مبني. والضمير في «لَهُ» يعود على السعي. والمعنى: لا بطلان لثواب عمله، وهو كقوله: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخرة وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً﴾ [الإسراء: ١٩] . فالكفران مثل في حرمان الثواب، والشكر مثل في إعطائه. فقوله: «فَلَا كُفْرَانَ» المراد نفي الجنس للمبالغة، أنَّ نفي الماهية يستلزم نفي جميع أفرادها. ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ أي: لسعيه كاتبون إمَّا في أم الكتاب، أو في الصحف التي تعرض يوم القيامة، والمراد من ذلك ترغيب العباد في الطاعات. قوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ﴾ قرأ الأخوان وأبو بكر ورويت عن أبي عمرو «

стр. 8346

وَحِرْمُ» بكسر الحاء وسكون الراء وهما لغتان كالحِلّ والحَلَال. وقرأ ابن عباس وعكرمة «وحَرِمَ» بكسر الحاء وسكون الراء وفتح الميم على أنه فعل ماض وروي عنهما أيضاً وعن أبي العالية بفتح الحاء والميم وضم الراء بزنة كَرُم، وهو فعل ماض أيضاً. (وروي عن ابن عباس أيضاً فتح الجميع وهو فعل ماض أيضاً) . وعن اليماني بضم الحاء وكسر الراء (مشددة وفتح الميم ماضياً مبنياً للمفعول. وروى عكرمة بفتح الحاء وكسر الراء) وتنوين الميم. فمن جعله اسماً ففي رفعه وجهان: أحدهما: أنه مبتدأ، وفي الخبر حينئذ ثلاثة أوجه: أحدها: قوله: «لا يَرْجِعُونَ» وفي ذلك حينئذ أربعة تأويلات: التأويل الأول: أن «لا» زائدة، والمعنى: وممتنع على قرية قدرنا إهلاكها لكفرهم رجوعهم إلى الإيمان إلى ان تقوم الساعة. وممن ذهب إلى زيادتها أبو عمرو مستشهداً عليه بقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] يعني أحد القولين. التأويل الثاني: أنها غير زائدة، وأن المعنى: أنهم غير راجعين عن معصيتهم وكفرهم.

стр. 8347

التأويل الثالث: أنَّ الحرام قد يراد به الواجب، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَاّ تُشْرِكُواْ﴾ [الأنعام: ١٥١] وترك الشرك ويدل عليه قول الخنساء: ٣٧٤٣ - وَإِنَّ حَرَاماً لا أَرَى الدَّهْرَ بَاكِيَاً ... عَلَى شَجْوَةِ إلَاّ بَكَيْتُ عَلَى صَخْر أي: واجباً. وأيضاً فمن الاستعمال إطلاق أحد الضدين على الآخر، وهو مجاز مشهور قال تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ومن ثم قال الحسن والسدي: لا يرجعون عن الشرك. وقال قتادة: لا يرجعون إلى الدنيا. التأويل الرابع: قال مسلم بن بحر: حرام ممتنع، وأنهم لا يرجعون، فيكون عدم رجوعهم واجباً، وإذا امتنع الانتفاء وجب الرجوع، فيكون المعنى: إن رجوعهم إلى الحياة في الدار الآخرة واجب، ويكون الغرض منه إبطال قول من ينكر البعث، وتحقيقه ما تقدم أنه لا كفران لسعي أحد وأنه - تعالى - مجازيه يوم القيامة. وقول ابن عطية قريب من هذا فإنه قال: وَمُمْتَنِعٌ على الكفرة المهلكين أنهم لا يرجعون (بل هم راجعون) إلى عذاب الله وأليم عقابه، فتكون «لَا» على بابها والحرام على بابه. الوجه الثاني: أن الخبر محذوف، تقديره: وحرام توبتهم أو رجاء بعضهم، ويكون ﴿أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ علة لما تقدم من معنى الجملة. فيكون حينئذ في «لَا» احتمالان: الاحتمال الأول: أن تكون زائدة، ولذلك قال أبو البقاء في هذا الوجه بعد تقديره الخبر المتقدم: إذ جعلت (لا) زائدة. قلت: والمعنى عنده لأنهم يرجعون إلى الأخرة وجزائها. الاحتمال الثاني: أن تكون غير زائدة بمعنى ممتنع توبتهم، أو رجاء بعثهم لأنهم لا يرجعون إلى الدنيا فيستدركوا فيها ما فاتهم من ذلك. الوجه الثالث: أن يكون هذا المبتدأ لا خبر له لفظاً ولا تقديراً، وإنما وقع شيئاً

стр. 8348

يقوم مقام خبره من باب أقائم أخواك، قال أبو البقاء: والجيد أن يكون (أنهم) فاعلاً سد مسد الخبر. وفي هذا نظر، لأنَّ ذلك يشترك فيه أن يعتمد الوصف على نفي أو استفهام وهنا لم يعتمد المبتدأ على شيء من ذلك اللهم إلا أن ينحو نحو الأخفش فإنه لا يشترط ذلك، وهو الظاهر، وحينئذ يكون في (لا) الوجهان المتقدمان من الزيادة وعدمها باختلاف معنيين، أي: امتنع رجوعهم إلى الدنيا أو عن شركهم، إذا قدرتها زائدة، أو امتنع عدم رجوعهم إلى عقاب الله في الآخرة، إذا قدرتها غير زائدة. الوجه الثاني: من وجهي رفع «حَرَامٌ» : أنه حبر مبتدأ محذوف، فقدره بعضهم: الإقالة والتوبة حرام، وقدره أبو البقاء: أي: ذلك الذي ذكر من العمل الصالح حرام وقال الزمخشري: وحرام على قرية أهلكناها ذاك، وهو المذكور في الآية المتقدمة من العمل الصالح، والسعي المشكور غير المكفور، ثم علل فقيل: إنَّهم لا يرجعون عن الكفر، فيكف لا يمتنع ذلك. وقرأ العامة «أَهْلَكْنَاهَا» بنون العظمة. وقرأ أبو عبد الرحمن وقتادة «أَهْلَكْتُهَا» بتاء المتكلم. ومن قرأ «حَرِمٌ» بفتح الحاء وكسر الراء وتنوين الميم فهو في قراءة صفة على فَعِل نحو حَذِر، وقال: ٣٧٣٥ - وَإِنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مِسْأَلَةٍ ... يَقُولُ لَا غَائِبٌ مَالِي ولَا حَرِمُ

стр. 8349

ومن قرأه فعلاً ماضياً فهو في قراءته مسند ل «أن» وما في حيزها، ولا يخفى الكلام في (لا) بالنسبة إلى الزيادة وعدمها، فإن المعنى واضح مما تقدم. وقرئ «إِنَّهُمْ» بالكسر على الاستئناف، وحينئذ فلا بُدَّ من تقدير مبتدأ يتم به الكلام تقديره: ذلك العمل الصالح حرام، وتقدم تحرير ذلك. قوله تعالى: ﴿حتى إِذَا فُتِحَتْ﴾ الآية. تقدم الكلام على (حَتَّى) الداخلة على (إذا) مشبعاً. وقال الزمخشري هنا: فإن قُلْت: بم تعلقت (حَتَّى) واقعة غاية له وأية الثلاث هي؟ قلت: هي متعلقة ب «حَرَام» وهي غاية له، لأن امتناع رجوعهم لا يزول حتى الشرط والجزاء أعني: إذا وما في حيزها. وأبو البقاء نحا هذا النحو، فقال: و «حَتَّى» متعلقة في المعنى ب «حَرَام» . أي: يستمر الامتناع إلى هذا الوقت، ولا عمل لها في «إذَا» . قال الحوفي: هي غاية، والعامل فيها ما دل عليه المعنى من تأسفهم على ما فرطوا فيه من الطاعة حين فاتهم الاستدراك. وقال ابن عطية: «حَتَّى» متعلقة بقوله: «وَتَقَطَّعُوا» ، ويحتمل على بعض التأويلات المتقدمة أن تتعلق ب «يَرْجِعُونَ» ، ويحتمل أن تكون حرف ابتداء، وهو الأظهر بسبب (إذا) لأنها تقتضي جواباً للمقصود ذكره. قال أبو حيان: وكون (حَتَّى) متعلقة ب «تَقَطَّعُوا» فيه من بعد حيث كثرة الفصل لكنه من حيث المعنى جَيِّد، وهو أنهم لا يزالون مختلفين على دين الحق إلى قرب مجيء الساعة، فإذا جاءت الساعة انقطع ذلك كله. وتلخص في تعلق (حَتَّى) أوجه: أحدها: أنها متعلقة ب «حَرَام» .

стр. 8350

والثاني: أنها متعلقة بمحذوف دلَّ عليه المعنى، وهو قول الحوفي. الثالث: أنها متعلقة ب «تَقَطَّعُوا» . الرابع: أنها متعلقة ب «يَرْجِعُونَ» . وتلخص في (حتى) وجهان: أحدها: أنَّها حرف ابتداء، وهو قول الزمخشري وابن عطية فيما اختاره. والثاني: إنها حرف جر بمعنى (إلى) . وقرأ «فُتِّحَتْ» بالتشديد ابن عامر، والباقون بالتخفيف. وتقدم ذلك أول الأنعام وفي جواب «إذَا» أوجه: أحدها: أنه محذوف، فقدره أبو إسحاق: قالوا يا ويلنا، وقدره غيره، فحينئذ يبعثون، وقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾ عطف على هذا المقدر. والثاني: أنَّ جوابها الفاء في قوله: «فَإِذَا هِيَ» قاله الحوفي والزمخشري وابن عطية، فقال الزمخشري: و «إذا» هي للمفاجأة، وهي تقع في المجازاة سادة مسد الفاء كقوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] ، فَإِذَا جاءت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد، ولو قيل: (إذَا هِيَ شَاخِصَةٌ) كان سديداً. وقال ابن عطية: والذي أقول: إنَّ الجواب في قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾ وهذا هو المعنى الذي قصد ذكره، لأنه رجوعهم الذي كانوا يكذبون به وحرم عليهم امتناعه. وقوله: «يَأْجُوج» هو على حذف مضاف، أي سدّ يأجوج ومأجوج، وتقدم

стр. 8351

الكلام فيهما وهما قبيلتان من جنس الإنس، يقال: الناس عشرة أجزاء تسعة أجزاء منها يأجوج ومأجوج يخرجون حيت يفتح السد. قيل: السد يفتحه الله ابتداء. وقيل: بل إذا جعل الله الأرض دكاً زالت تلك الصلابة من أجزاء الأرض فحينئذ ينفتح السد. قوله: «وَهُمْ» قال أكثر المفسرين: «هُم» كناية عن «يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ» . وقال مجاهد: كناية عن جميع العالم بأسرهم أي: يخرجون من قبورهم، ومن كل موضع، فيحشرون إلى موقف الحساب. والأول أظهر وإلا لتكلف النظم، ولأنه روي في الخبر أن يأجوج ومأجوج لا بدَّ وأن يسيروا في الأرض، ويقبلوا على الناس من كل موضع مرتفع. وقرأ العامة «يَنْسِلُونَ» بكسر السين. وأبو السمال وابن أبي إسحاق بضمها. والحَدَب: النشز من الأرض. أي: المرتفع، ومنه الحدب في الظهر، وكل كُدْيَة أو أَكْمَةٍ فهي حدبة، وبها سمي القبر لظهوره على وجه الأرض والنَّسَلَانُ: مقاربة الخطا مع الإسراع كالرملِ يقال: نَسَلَ يَنْسِلُ وَيَنْسُلُ بالفتح في الماضي والكسر والضمّ في المضارع، ونَسَلَ وعَسَلَ واحد قال الشاعر: ٣٧٣٦ - عَسَلَانَ الذئبِ أَمْسَى قَارِباً ... بَرَدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ والنَّسْلُ من ذلك، وهو الذُّرّيةُ، أطلق المصدر على المفعول، ونَسَلْتُ ريشَ الطائِر من ذلك. وقدم الجار على متعلقة لتراخي رؤوس الآي.

стр. 8352

وقرأ عبد الله وابن عباس: «جَدَث» بالثاء المثلثة والجيم اعتباراً بقوله: ﴿فَإِذَا هُم مِّنَ الأجداث إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] . وقرئ بالفاء، وهي بدل منها قال الزمخشري: الثاء للحجاز، والفاء لتميم. وينبغي أن يكونا أصلين، لأنَّ كلاّ منهما لغة مستقلة، ولكن كثر إبدال الثاء من الفاء، قالوا مغثور في مغفور، وقالوا فُمَّّ في ثُمَّ، فأبدلت هذه من هذه تارة، وهذه من هذه أخرى. « (روى حذيفة بن أسد الغفاري قال: اطلع النبي ﷺ َ - علينا ونحن نتذاكر، فقال:» مَا تَذْكُرُونَ؟ «قالوا: نذكر الساعة قال: إنها لن تقوم حَتى تَرَوْا قَبْلَهَا عَشْرَ آيات فذكر الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف، خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم) .» قوله: ﴿واقترب الوعد الحق﴾ . المراد بالوعد وهو يوم القيامة. (وسمي الموعود وعداً تجوّزا. قال الفراء وجماعة: الواو في قوله: «وَاقْتَرَبَ» مقحمة معناه: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق، كقوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ﴾ [الصافات: ١٠٣، ١٠٤] أي: ناديناه. ويدل عليه ما روى حذيفة قال: لو أنَّ رجلاً اقتنى فُلُّوا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة.

стр. 8353

وقال قوم: لا يجوز طرح الواو، وجعلوا جواب ﴿حتى إِذَا فُتِحَتْ﴾ في قوله: «يَا وَيْلَنَا» يكون مجازاً لأنّ التقدير: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد الحق قالوا يا ويلنا قد كنا في غفلة) . قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ﴾ «إذَا» هنا للمفاجأة، و «هِيَ» فيها أوجه: أجودها: أن يكون ضمير القصة، و «شَاخِصَةٌ» خبر مقدم، و «أَبْصَارُ» مبتدأ مؤخر، والجملة خبر ل «هِيَ» ، لأنها لا تفسر إى بجملة مصرح بخبرها، وهذا مذهب البصريين. الثاني: أن تكون «شَاخِصَةٌ» مبتدأ، و «أَبْصَارُ» فاعل سد مسد الخبر، وهذا يتمشى على رأي الكوفيين، لأن ضمير القصة يفسر عندهم بالمفرد العامل عمل الفعل فإنه في قوة الجملة. الثالث: قال الزمخشري: «هِيَ» ضمير مبهم يوضحه الأبصار ويفسره كما فسر «الَّذِينَ ظَلَمُوا» «وَأَسَرُّوا» . ولم يذكر غيره. قال شهاب الدين: وهذا قول الفراء، فإنه قال في ضمير الأبصار: تقدمت لدلالة الكلام ومحيء ما يفسرها، وأنشد شاهداً على ذلك: ٣٧٣٧ - فَلَا وَأَبِيهَا لا تَقُولُ خَلِيلَتِي ... أَلَا فَرَّ عَنِّي مَالِكُ بْنُ أَبِي كَعْبِ الرابع: أن تكون «هِيَ» عماداً، وهو قول الفراء أيضاً قال: لأنه يصلح موضعها

стр. 8354

هو، فتكون كقوله: ﴿إِنَّهُ أَنَا الله﴾ [النمل: ٩] ومثله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأبصار﴾ [الحج: ٤٦] وأنشد: ٣٧٣٨ - بِثَوب ودينارٍ وشاة ودرهم ... فَهَلْ هُوَ مَرْفُوع بِمَا هَاهُنَا رَاس وهذا لا يتمشى إلا على أحد قولي الكسائي، وهو أنه يجيز تقدم الفصل مع الخبر المتقدم نحو: هو خير منك زيد. الأصل زيد هو خير منك. وقال أبو حيان: أجاز هو القائم زيد، على أنَّ زيداً هو المبتدأ، والقائم خبره، وهو عماد، وأصل المسألة: زيد هو القائم. قال شهاب الدين: وفي التمثيل نظر، لأنّ تقديم الخبر هنا ممتنع لاستهوائهما في التعريف بخلاف المثال المتقدم. فيكون أصل الآية الكريمة: فإذا أبصار الذين كفروا هي شاخصة، فلما قدم الخبر، «شَاخِصَة» ، قدم معها العماد. وهذا أيضاً إنما يجيء على مذهب من يرى وقوع العماد قبل النكرة غير المقارنة للمعرفة. الخامس: أن تكون «هِيَ» مبتدأ وخبره مضمر، فيتم الكلام حينئذ على «هِيَ» ويبتدأ بقوله: «شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ» ، والتقدير: فإذا هي بارزة، أي: الساعة بارزة أو حاضرة و «شَاخِصَةٌ» خبر مقدم، و «أَبْصَارُ» مبتدأ مؤخر. ذكره الثعلبي.

стр. 8355

وهو بعيد جداً لتنافر التركيب، وهو التعقيد عند علماء البيان. قوله: «يَا وَيْلَنَا» معمول لقول محذوف، أي: يقولون يَا وَيْلَنَا. وفي هذا القول المحذوف وجهان: أحدهما: أنه جواب «حتى إذا» كما تقدم. والثاني: في محل تصب على الحال من ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ قاله الزمخشري. قوله: ﴿قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هذا﴾ يعني في الدنيا حيث كذبناه وقلنا: إنه غير كائن، بل كنا ظالمين أنفسنا بتلك الغفلة وتكذيب محمد، وعبادة الأوثان.

стр. 8356

قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ أتى هنا ب «مَا» وهي لغير العقلاء، لأنه متى اختلط العاقل بغيره يُخَيّر الناطق بين (مَا) ، و «مَنْ) . وقرأ العامة:» حَصَبُ «بالمهملتين والصاد مفتوحة، وهو ما يحصب أي: يرمى في النار ولا يقال له حصب إلا وهو في النار، فأما قبل ذلك فهو حطب وشجر وغير ذلك. وقيل: يقال له حصب قبل الإلقاء في الناء. قيل: هو الحطب بلغة أهل اليمن. وقال عكرمة: هو الحطب بالحبشية. وقرأ ابن السميفع وابن أبي عبلة ورويت عن ابن كثير بسكون الصاد، وهو مصدر، فيجوز أن يكون واقعاً موقع المفعول،

стр. 8357

أو على المبالغة، أو على حذف مضاف. وقرأ ابن عباس بالضاد معجمة مفتوحة أو ساكنة وهو أيضاً ما يرمى به في النار، ومنه المِخْضَبِ عُودٌ يُحَرَّك به النار لتوقد، وأنشد: ٣٧٣٩ - فَلَا تَكُ في حَرْبِنَا مِحْضَباً ... فَتَجْعَلَ قَوْمَكَ شَتَّى شُعُوبَا وقرأ أمير المؤمنين وأبيّ وعائشة وابن الزبير» حَطَبُ «بالطاء، ولا أظنها إلا تفسيراً لا قراءة. فصل المعنى» إِنَّكُمْ «أيُّهَا المشركون ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ يعني الأصنام» حَصَبُ جَهَنَّم «أي: وقودها، وهذا تشبيه. وأصل الحصب الرمي، قال تعالى: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً﴾ [القمر: ٣٤] أي: ريحاً ترميهم بالحجارة. قوله: ﴿أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ . جوز أبو البقاء في هذه الجملة ثلاثة أوجه: أحداه: أن تكون بدلاً من» حَصَبُ جَهَنَّم «. يعني: أن الجملة بدل من المفرد الواقع خبراً، وإبدال الجملة من المفرد إذا كان أحدهما بمعنى الآخر، جائز، إذ التقدير: إنكم أنتم لها واردون.

стр. 8358

والثاني: أن تكون الجملة مستأنفة. والثالث: أن تكون في محل نصب على الحال من» جَهَنَّمَ «وفيه نظر من حيث مجيء الحال من المضاف إليه في غير مواضع المستثناة. ومعنى ﴿أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ أي: فيها داخلون. وإنما جاءت اللام في» لَهَا «لتقدمها تقول: أنت لزيد ضارب. كقوله تعالى: ﴿والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨، المعارج: ٣٢] والمعنى: أنه لا بُدَّ وأن تردوها، ولا معدل لكم من دخولها. فصل » روى ابن عباس أنه ﵇ دخل المسجد وصَنَادِيد قريش في الحَطِيم. وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فجلس إليهم، فعرض له النضر بن الحرث فكلمه رسول الله ﷺ َ - حتى أفحمه، ثم تلا عليهم ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ الآية. فأقبل عبد الله بن الزَّبَعْرَى فرآهم يتهامسون، فقال: فيم خوضكم؟ فأخبره الوليد بن المغيرة بقول رسول الله. فقال ابن الزبعرى: انت قلت ذلك؟ قال نعم. قال: خصمتك ورب الكعبة، أليس اليهود عُزَيْراً، والنصارى عبدوا المسيح، وين مليح عبدو الملائكة. فسكت رسول الله ﷺ َ - ولم يجب، فضحك القوم « ، ونزل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وقالوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَاّ جَدَلَا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٧، ٥٨] . ونزل في عيسى والملائكة ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى﴾ [الأنبياء: ١٠١] . وفي رواية

стр. 8359

أخرى أنه ﵇ قال: «بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك» فأنزل - تعالى - ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى﴾ [الأنبياء: ١٠١] يعني عزيراً والمسيح والملائكة. قال ابن الخطيب: واعم أنَّ سؤال ابن الزبعرى غير متوجه من وجوه: أحدها: أنَّ ذلك الخطاب كان مع مشركي مكة، وهم كانوا يعبدون الأصنام فقط. وثانيها: أنه لم يقل: ومن تعبدون بل قال: «وَمَا تَعْبُدُونَ» . كلمة «مَا» لا تتناول العقلاء، وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] وقوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] فحمول على الشيء، ونظيره هاهنا أن يقال: إنكم والشيء الذي تعبدون من دون الله، لكن لفظ الشيء لا يفيد العموم فلا يتوجه سؤال ابن الزبعرى. وثالثها: أنَّ مَنْ عَبَدَ الملائكة لا يَدَّعِي أنهم آلهة وقال سبحانه ﴿لَوْ كَانَ هؤلاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا﴾ . ورابعها: أنه ثبت العموم لكنه مخصوص بالدلائل العقلية والسمعية في حق الملائكة والمسيح وعزير لبراءتهم من الذنوب والمعاصي، ووعد الله إياهم بكل مكرمة، وهو المراد بقوله سبحانه ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى﴾ [الأنبياء: ١٠١] . وخامسها: الجواب الذي ذكره رسول الله ﷺ َ - وهو أنهم كانوا يعبدون الشياطين. فإن قيل: الشياطين عقلاء ولفظ «مَا» لا يتناولهم، فكيف قال ذلك؟ قلنا: كأنه ﵇ قال: لو ثبت لكم أنه يتناول العقلاء فسؤالكم أيضاً غير لازم من هذا الوجه. فإما ما قيل: إنه ﵇ سكت عن إيراد ابن الزبعرى هذا السؤال، فهو خطأ، لأنه لا أقل من أنه ﵇ كان يتنبّه لهذه الأجوبة التي ذكرها المفسرون، لأنه أعلم منهم باللغة وبتفسير القرآن، فكيف يجوز أن تظهر هذه الأجوبة لغيره، ولم يظهر له منها شيء. فإن قيل: يجوز أن يسكت ﵇ انتظاراً للبيان. قلنا: كان البيان حاضراً معه، فلم يجز عليه السكوت، لكي لا يتوهم عليه الانقطاع من سؤالهم.

стр. 8360

ومن الناس من أجاب عن سؤال ابن الزبعرى، فقال: إن الله - تعالى - يُصَوِّر لهم في النار ملكاً على صورة مَنْ عبدوه وحينئذ تبقى الآية على ظاهرها وهذا ضعيف من وجهين: الأول: أنَّ القوم لم يعبدوا تلك الصورة وإنما عبدوا شيئاً آخر لم يحصل معهم في النار. الثاني: أنَّ الملك لا يصير حصب جهنم في الحقيقة، وإن صح أن يدخلها، فإنَّ خزنة النار يدخلونها مع أنهم ليسوا حصب جهنم. فصل الحكمة في أنهم بآلهتهم أمور: أحدها: أنَّهم لا يزالون بمقارنتهم في زيادة غم وحسرة لأنهم ما وقعوا في ذلك العذاب إلا بسببهم، والنظر إلى وجه العدوّ باب من العذاب. وثانيها: أنّهم قَدَّرُوا أن يشفعوا لهم في الآخرة، فإذا وجدوا الأمر على عكس ما قَدَّرُوا لم يكن شيء أبغض إليهم منهم. وثالثها: أنَّ إلقاءها في النار يجري مجرى الاستهزاء بها. ورابعها: قيل ما كان منها حجراً أو حديداً يحمى فيعذب بعبادها، وما كان خشباً يجعل جمرة يعذب بها صاحبها. قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هؤلاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا﴾ اعلم أنّ قوله: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ بالأصنام أليق، لدخول لفظ «مَا» وهذا الكلام بالشياطين أليق، لقوله: «هَؤُلَاءِ» ويحتمل أن يريد الشياطين والأصنام وغلب العقلاء ونبه الله - تعالى - على أنه مَنْ يرمي في النار لا يمكن أن يكون ذكرها لنفسه أو لغيره، فإن ذكرها لنفسه فلا فائدة فيه، لأنه كان عالماً بأنها ليست آلهة، وإن ذكرها لغيره فإما أن ي١كرها لمن يُصَدق بنبوته، (أو ذكرها لمن يُكَذّب بنبوته) فإن ذكرها لِمَنْ يُصَدّق بنبوته فلا حاجة إلى هذه الحجة، لأنّ كل مَنْ صدق بنبوته لم

стр. 8361

يقل بالإهية هذه الأصنام، وإن ذكرها لمن كذب بنبوته فذلك المكذب لا يسلم أنّ تلك الآلهة يردون النار، فكان ذكر هذه الحجة لا فائدة فيه كيف كان. وأيضاً فالقائلون بإلاهيتها لم يعتقدوا إلا كونها تماثيل الكواكب أو صورة الشفعاء، وذلك لا يمنع من دخولها النار. وأجيب عن ذلك بأن المفسرين قالوا: المعنى لو كان هؤلاء - يعني الأصنام - آلهة على الحقيقة ما وردوها، أي: ما دخل عابدوها النار. قوله: «آلِهَةٌ» العامة على النصب خبراً ل «كَانَ» . وقرأ طلحة بالرفع وتخريجها كتخريج قوله: ٣٧٤٠ - إذَا مُتَّ كَانَ النَّاسُ صِنْفَانِ ... ففيها ضمير الشأن. قوله: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يعني: العابدين والمعبودين، وهو تفسير لقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ . وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ قال الحسن: الزفير هو اللهيب، أي: يرتفعون بسبب لهب النار حتى إذا ارتفعوا وأرادوا الخروج ضربوا بمقامع الحديد، فهوَوا إلى أسفلها سبعين خريفاً. قال الخليل: الزفير أن يملأ الرجل صدره غماً ثم يتنفس.

стр. 8362

قال أبو مسلم: قوله: «لَهُمْ» عام لكل مُعَذب، فيقول: لهم زفير من شدة ما ينالهم والضمير في قوله: «وَهُمْ فِيهَا» يرجع إلى المعبودين أي: لا يسمعون صراخهم وشكواهم، ومعناه أنهم لا يغيثونهم، وشبهه: (سمع الله لمن حمده، أي: أجاب الله دعاه. وقوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ على قول أبي مسلم محمول على الأنام. ومن حمله على الكفار فيحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّ الكفار يحشرون صماً كما يحشرون عمياً زيداة في عذابهم. والثاني: لا يسمعون ما ينفعهم، لأنهم إنما يسمعون أصوات المعذبين، أو كلام مَنْ يتولى تعذيبهم من الملائكة. والثالث: قال ابن مسعود ﵁: إنَّ الكفار يجعلون في توابيت (من نار، ثم يجعل تلك التوابيت في توابيت أخر، ثم تلك التوابيت في توابيت) أخر من نار عليها مسامير من نار، فلذلك لا يسمعون شيئاً، ولا يرى أحد منهم أنَّ أحداً يعذب غيره. والأول ضعيف، لأنَّ أهل النار سمعون كلام أهل الجنة، فلذلك يستغيثون بهم على ما ذكره الله تعالى في سورة الأعراف.

стр. 8363

قوله: ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى﴾ الآية. قال بعض أهل العلم «إنَّ» ههنا بمعنى (إلا) أي: إلا الذين سبقت لهم منا الحسنى. قال ابن الخطيب: قد بينا فساد هذا القول، وذكرنا أنَّ سؤال ابن الزبعرى لم يكن وارداً، فلم يبق إلا أحد أمرين:

стр. 8364

الأول: أن يقال: إنَّ عادة الله تعالى أنه متى شرح عقاب الكفار أردفه بشرح ثواب الأبرار، فلهذا ذكر هذه الآية عقيب تلك الآية فهي عامة في حق كل المؤمنين. الثاني: أن هذه الآية نزلت في تلك الواقعة لتكون كالتأكيد في دفع سؤال ابن الزبعرى ثم قال: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا هو الحق، أجراها على عمومها، فتكون الملائكة والمسيح وعزير ﵈ داخلين فيها، لا أنّ الآية مختصة بهم. ومَنْ قال العبرة بخصوص السبب خصص قوله: «إنَّ الَّذِينَ» بهؤلاء فقط. قوله: «مِنَّا» يجوز أن يتعلق ب «سَبَقَتْ» ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «الحُسْنَى» قال الزمخشري: «الحُسْنَى» الخصلة المفضلة في الحسن تأنيث الأحسن وهي إما السعادة، وإما البشرى بالثواب، وإما التوفيق للطاعة ثم شرح أحوال ثوابهم فقال: ﴿أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ . قال أهل العفو معناه: أولئك عنها مخرجون، واحتجوا بوجهين: الأول: قوله ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَاّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] أثبت الورود، والورود الدخول، فدل على أن هذا الإبعاد هو الإخراج. والثاني: أن إبعاد الشيء لا يصح إلا إذا كانا متقاربين لأنهما لو كانا متباعدين استحال إبعاد أحدهما عن الآخر، لأنّ تحصيل الحاصل محال. وقال المعتزلة: ﴿أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ لا يدخلون النار ولا يقربونها ألبتة. واحتج القاضي عبد الجبار على فساد الأول بأمور: أحدها: أنَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى﴾ يقتضي أنّ الوعد بثوابهم قد تقدم في الدنيا، وليس هذا حال من يخرج من النار. وثانيها: أنه تعالى قال: ﴿أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ فكيف يدخل في لك من وقع فيها. وثالثها: قوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا﴾ وقوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر﴾ يمنع من ذلك. والجواب عن الأول لا نسلم أنّ المراد من قوله ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى﴾ هو أن الوعد بثوابهم قد تقدم، ولم لم يجوز أن يكون المراد من «الحُسْنَى» تقدم الوعد بالثواب، (لكن لم قلتم إن الوعد بالثواب لا) يليق بحال من يخرج من النار فإن عنده المحابطة باطلة، ويجوز الجميع بين استحقاق الثواب والعقاب. وعن الثاني: أنا

стр. 8365

بينا أنّ قوله: ﴿أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ لا يمكن إجراؤه على ظاهره إلا في حق من كان في النار. وعن الثالث: أن قوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا﴾ مخصوص بما بعد الخروج. وعلى قول المعتزلة بأن المراد بقوله: ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ أنهم لا يدخلون النار ولا يقربونها، يبطل القول بأن جميع الناس يردون النار، ثم يخرجون إلى الجنة، فيجب التوفيق بينه وبين قوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَاّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] وقد تقدم. قوله: ﴿وَهُمْ فِي مَا اشتهت﴾ إلى قوله: وَيَتَلَقاهُك «كل جملة من هذه الجمل يجتمل أن تكون حالاً مما قبلها، وأن تكون مستأنفة، وكذلك الجملة المضمرة من القول العامل في جملة قوله:» هذا يَوْمُكُمُ «إذ التقدير: وتتلقاهم الملائكة يقولون هذا يومكم. فصل معنى ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا﴾ أي: صوتها وحركة تلهبها إذا نزلوا منازل لهم في الجنة. والحس والحسيس: الصوت الخفي. ﴿وَهُمْ فِي مَا اشتهت أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ مقيمون كقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس﴾ [الزخرف: ٧١] ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر﴾ النفخة الأخيرة لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض﴾ [النمل: ٨٧] . وقال الحسن: حين يؤمر بالعبد إلى النار. وقال ابن جريج: حين يذبح الموت وينادي يا أهل الجنة خلود فلا موت. وقال سعيد بن جبير والضحاك: هو أن تطبق جهنم، وذلك بعد أن يخرج الله منها من يريد أن يخرجه. ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الملائكة﴾ . أي: تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة يقولون ﴿هذا يَوْمُكُمُ الذي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ . فإن قيل: أي: بشارة في أنهم لا يسمعون حسيسها؟ فالجواب: المراد منه تأكيد بعدهم عنها، لأن من قرب منها قد يسمع حسيسها فإن قيل: أليس أهل الجنة يرون أهل النار، فكيف لا يسمعون حسيس النار؟ فالجواب: إذا حملناه على التأكيد زال هذا السؤال.

стр. 8366

قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السمآء﴾ الآية. في «يَوْمَ نَطْوِي» أوجه: أحدهما: أنه منصوب ب «لَا يَحْزُنْهُمْ» . الثاني: أنه منصوب ب «تَتَلَقاهُم» . الثالث: أنه منصوب بإضمار (اذكر) أو (أعني) . الرابع: أنه بدل من العائد المقدر تقديره: توعدونه يوم نطوي، ف «يَوْمَ» بدل من الهاء، ذكره أبو البقاء وفيه نظر، إذ يلزم من ذلك خلو الجملة الموصول بها من عائد على الموصول، ولذلك منعوا جاء الذي مررت به أبي عبد الله، على أن يكون (أبي عبد الله) بدلاً من الهاء لما ذكر، وإن كان في المسألة خلاف. الخامس: منصوب بالفزع، قاله الزمخشري، وفيه نظر من حيث إنه أعمل المصدر الموصوف قبل أخذه معموله. وقد تقدم أن نافعاً يقرأ «يُحْزنُ» بضم ايلاء إلا هنا، وأن شيخه ابن القعقاع يقرأ «يُحْزنُ» بضم الياء إلا هنا، وأن شيخه ابن القعقاع يقرأ «يَحْزُنُ» بالفتح إلا هنا.

стр. 8367

وقرأ العامة «نَطْوِي» بنون العظمة. وشيبة بن نصاح في آخرين «يَطوي» بياء الغيبة، والفاعل هو الله تعالى. وقرأ أبو جعفر في آخرين «تُطْوَى» بضم التاء المثناة من فوق وفتح الواو مبنياً للمفعول. وقرأ العامة «السِّجِلِّ» بكسر السين والجيم وتشديد اللام كالطَّمرّ. وقرأ أبو هريرة وصاحبه أبو زُرْعَة بن عمرو بن جرير بضمهما واللام مشددة أيضاً بزنة «عُتُلٍّ» . ونقل أبو البقاء تخفيفها في هذه القراءة أيضاً فتكون بزنة عُنْقٍ. وأبو السمال وطلحة والأعمش بفتح السين. والحسن وعيسى بن عمر بكسرها. والجيم في هاتين القراءتين ساكنة واللام مخففة. قال أبو عمرو: قراءة أهل مكة مثل قراءة الحسن. والسِّجل الصحيفة مطلقاً وقيل: مخصوص بصحيفة العهد، وهي من المساجلة وهي المكاتبة. والسَّجْلُ: الدلو المَلأى. وقال بعضهم: هو فارسيّ معرب فلا اشتقاق له و «طَيّ» مصدر مضاف للمفعول، والفاعل محذوف، تقديره: كما يطوي الرجل الصحيفة ليكتب فيها، أو لما يكتبه فيها من المعاني، والفاعل يحذف مع المصدر باطراد

стр. 8368

والكلام في الكاف معروف أعني: كونها نعتاً لمصدر مقدر أو حالاً من ضميره. وأصل «طَيّ» طَوْي، فأعلّ كنظائره. وروي عن علي وابن عباس: أنّ السجل اسم ملك يطوي كتب أعمال بني آدم. وروى ابن الجوزاء عن ابن عباس: أنّ السجل اسم رجل كان يكتب لرسول الله ﷺ َ -. وعلى هذين القولين يكون المصدر مضافاً لفاعله، والكتاب اسم الصحيفة المكتوبة. قال بعضهم: وهذا القول بعيد، لأنّ كُتَّاب رسول الله ﷺ َ - كانوا معروفين وليس فيهم من سُمِّيَ بهذا. قال أبو إسحاق الزجاج: السجل بلغة الحبشة. وقال الزمخشري: كما يطوى الطُّومَار للكتابة، أي: ليكتب فيه، أو لما يكتب فيه، لأنَّ الكتاب أصله المصدر كالبناء، ثم يوقع على المكتوب. فقدره الزمخشري من الفعل المبني للمفعول، وقد عرف ما فيه من الخلاف واللام في «الكتاب» إما مزيدة في المفعول إنْ قلنا: إنَّ المصدر مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف، والتقدير: كطي الطاوي السجل وهذا قول الأكثرين. وقيلأ: اللام بمعنى (على) ، وهاذ ينبغي أن لا يجوز لبعد معناه على كل قول.

стр. 8369

والقراءات المذكورة في السجل كلها لغات فيه. وقرأ الأخوان وحفص «لِلْكُتُبِ» جمعاً. والباقون «لِلْكِتَابِ» مفرداً. والرسم يحتملهما فالإفراد يراد به الجنس والجمع للدلالة على الاختلاف، والمعنى المكتوبات، أي: لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة. فيكون معنى طي السجل للكتابة، كون السجل ساتراً لتلك الكتابة ومخفياً لها، لأنّ الطي هو الدرج ضد النشر الذي يكشف. قوله: «كَمَا بَدَأْنَا» في متعلق هذه الكاف وجهان: أحدهما: أنها متعلقة ب «نُعِيدُهُ» و «مَا» مصدرية، و «بَدَأْنَا» صلتها، فهي وما في حيزها في محل جر بالكاف. و «أَوَّلَ خَلْقٍ» مفعول «بَدَأْنَا» ، والمعنى: نعيد أوّل خلق إعادة مثل بدأتنا له، أي: كما أبرزناه من العدم إلى الوجود نعيده من العدم إلى الوجود وإلى هذا نحا أبو البقاء فإنه قال: الكاف نعت لمصدر محذوف أي: نعيده عوداً كمثل بدئه. وفي قوله: عوداً نظر إذ الأحسن أن يقول: إعادة. والثاني: أنّها تتعلق بفعل مضمر. قال الزمخشري: ووجه آخر، وهو أنْ ينتصب الكاف بفعل مضمر يفسره «نُعِيدُهُ» و «ما» موصولة، أي: نعيد مثل الذي بدأنا نعيده و «أَوَّلَ خَلْقٍ» ظرف ل «بَدَأْنَا» أي: أول ما خلق، أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ الثابت في المعنى. قال أبو حيَّان: وفي تقديره تهيئة «بَدَأْنَا» لأنْ ينصب «أَوَّلَ خَلْقٍ» على المفعولية وقطعه عنه من غير ضرورة تدعو إلى ذلك، وارتكاب إضمار (نعيد) مفسراً ب «نُعِيدُهُ» وهذه عجمة في كتاب الله، وأما قوله: ووجه آخر وهو أن ينتصب الكاف بفعل مضمر يفسره «نُعِيدُهُ» فهو ضعيف جداً، لأنه مبني على أن الكاف اسم لا حرف، وليس مذهب الجمهور، وإنما ذهب إلى ذلك الأخفش، وكونها اسماً عند اسم لا حرف، وليس مذهب الجمهور، وإنما ذهب إلى ذلك الأخفش، وكونها اسماً عند البصريين مخصوص بالشعر.

стр. 8370

قال شهاب الدين: كل ما قدره فهو جار على القواعد المنضبطة وقاده إلى ذلك المعنى الصحيح فلا مؤاخذة عليه، ويظهر ذلك بالتأمل لغير الفطن وأما «ما» ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها مصدرية. والثاني: أنها بمعنى الذي. وقد تقدم تقرير هذين. والثالث: أنها كافة للكاف عن العمل كما في قوله: ٣٧٤١ - كَمَا النَّاسُ مَجْرومٌ عَلَيْهِ وجَارِم ... فيمن رفع (النَّاس) قال الزمخشري: «أوَّلَ خَلْق» مفعول نعيد الذي يفسره «نُعِيدُهُ» والكاف مكفوفة ب «ما» والمعنى: نعيد أول الخلق كا بدأناه تشبيهاً للإعادة بالابتداء في تناول القدرة لها على السواء، فإنْ قُلْتَ: ما أول الخلق حتى يعيده كما بدأه قُلْتُ: أوله إيجاده من العدم، فكما أوجده أولاً من يعدم يعيده ثانياً من عدم. وأما «أَوَّلَ خَلق» فيحصل فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه مفعول «بَدَأْنَا» . والثاني: أنه ظرف ل «بَدَأْنَا» . زالثالث: أنه منصوب على الحال من ضمير الموصول كما تقدم تقريره. والرابع: أنه حال من مفعول «نُعِيدُهُ» قاله أبو البقاء، والمعنى: مثل أول خلقه
следующие страницы →