← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 8401–8440 · переход к 8406.

стр. 8401

عن المبرد أنه قال: هو جمع واحدته ترابة، والنسبة إلى التراب ترابي. وذكر النحاس في كتابه صناعة الكتاب: في التراب خمس عشرة لغة فقال يقال: تراب وتَوْرب على وزن جعفر، وتَوْرَاب، وتَيْرب - بفتح أولهما - والإِثلب والأَثلَب الأول بكسر الهمزة واللام، والثاني بفتحهما، والثاء مثلثة فيهما ومنه قولهم: بفيه الأثلب، وهو الكَثْكَث - بفتح الكافين وبالثاء المثلثة المكررة، والكثكث - بكسر الكافين - والدِّقعِم - بكسر الدال والعين - والدَّقعاء بفتح الدال والمد، والرَّغام - بفتح الراء والغين المعجمة - ومنه: أرغم الله أنفه، أي: ألصقه بالرغام وهو البرا مقصور مفتوح الباء الموحدة كالعصا، والكِلْخِم بكسر الكاف والخاء المعجمة وإسكان اللام بينهما، والكِلْخ بكسر الكاف واللام وإسكان الميم بينهما والخاء أيضاً معجمة، والعِثْير بكسر العين المهملة وإسكان الثاء المثلثة وبعدها مثناة من تحت مفتوحة. قوله: ﴿ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ والنطفة اسم للماء القليل، أي ماء كان، وهو هنا ماء الفحل، وجمعها نطاف، فكأنه سبحانه يقول: أنا الذي قلبت ذاك التراب اليابس ماء لطيفاً مع أنه لا مناسبة بينهما. والمراد من الخلق من النطفة الذرية. قوله: ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ والعلقة قطعة الدم الجامدة، وجمعها عَلَق ولا شك أن بين الماء وبين الدم الجامد مباينة شديدة. وعن بعضهم وقد سئل عن أصعب الأشياء فقال: وقع الزلق على العلق، أي: على دم القتلى في المعركة. قوله: ﴿ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ﴾ المُضْغَة: القطعة من اللحم قدر ما يمضغ نحو الغُرْفَة، والأكْلَة بمعنى المغروفة والمأكولة.

стр. 8402

قوله: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ العامة على الجر في «مُخَلَّقةٍ» وفي «غَيْر» على النعت. وقرأ ابن أبي عبلة بنصبهما على الحال من النكرة، وهو قليل جداً، وإن كان سيبويه قاسه. والمُخَلَّقَة: الملساء التي لا عيب فيها من قولهم: صخرة خلقاء، أي: ملساء وخَلَّقْتُ السواك: سوَّيْتُه ومَلَّسْتُه. وقيل: التضعيف في «مُخَلَّقَةَ» دلالة على تكثير الخلق؛ لأن الإنسان ذو أعضاء متباينة وخلق متفاوتة. قاله الشعبي وقتادة وأبو العالية وقال ابن عباس وقتادة: «مُخَلَّقة» تامة الخلق، و «غير مخلقة» أي ناقصة الخلق. وأبو مجاهد: مصورة وغير مصورة، وهو السقط. وقيل: المُخَلَّقَة من تمت فيه أحوال الخلق، وغير المخلقة من لم يتم فيه أحوال الخلق قاله قتادة والضحاك. وقيل: المُخَلَّقة الولد الذي تأتي به المرأة لوقته، وغير المخلقة السقط. وروى علقمة عن ابن مسعود قال: «إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه، وقال: أي رب مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال: غير مخلقة قذفها في الرحم دماً ولم يكن نسمة، وإن قال: مخلقة، قال الملك: أي رب أذكر أم أنثى أشقي أم سعيد، ما الأجل ما العمل ما الرزق وبأي أرض تموت؟ فيقال له: اذهب إلى أم الكتاب فإنك تجد فيها كل ذلك، فيذهب فيجدها في أم الكتاب فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفته» . قوله: «لِنُبَيِّنَ لَكُم» أي: لنبين لكم كمال قدرتنا وحكمتنا في تصريف أطوار خلقكم لتسدلّوا بقدرته في ابتداء الخلق على قدرته على الإعادة وقيل: لنبين لكم أن تغيير الصفة والخلقة هو اختيار

стр. 8403

من الفاعل المختار، ولولاه لما صار بعضه مخلقاً وبعضه غير مخلق وقيل: لنبين لكم ما تأتون وما تذرون وما تحتاجون إليه في العبادة. قوله: ﴿وَنُقِرُّ فِي الأرحام مَا نَشَآءُ﴾ على رفع «وَنُقِرُّ» ، لأنه مستأنف، وليس علة لما قبله فينصب نسقاً على ما تقدم. وقرأ يعقوب، وعاصم في رواية بنصبه. قال أبو البقاء: على أن يكون معطوفاً في اللفظ والمعنى مختلف، لأن اللام في «لِنُبَيِّنَ» للتعليل واللام المقدرة مع «نُقِرُّ» للصيرورة. وفيه نظر، لأن قوله: معطوفاً في اللفظ. يدفعه قوله: واللام المقدرة. فإن تقدير اللام يقتضي النصب بإضمار (إن) بعدها لا بالعطف على ما قبله. وعن عاصم أيضاً: «ثُمَّ نُخْرِجَكُمْ» بنصب الجيم. وقرأ ابن أبي عبلة «لِيُبَيِّن» و «يُقِرُّ» بالياء من تحت فيهما، والفاعل هو الله تعالى كما في قراءة النون. وقرأ يعقوب في رواية «ونَقُرُّ» بفتح النون وضم القاف ورفع الراء من قرَّ الماء يقرُّه أي: صبَّه. وقرأ أبو زيد النحوي «ويَقر» بفتح الياء من تحت وكسر القاف ونصب الراء أي: ويقر الله وهو من قَرَّ الماء إذا صبه. وفي الكامل لابن جبارة «لنبين، ونقر، ثم نخرجكم» بالنصب فيهن يعني بالنون في الجميع، المفضل بالياء فيهما مع النصب أبو حاتم، وبالياء والرفع عن عمر بن شبة. انتهى. وقال الزمخشري: والقراءة بالرفع إخبار بأنه تعالى: يقر في الأرحام ما يشاء أن يقره. ثم قال: والقراءة بالنصب تعليل معطوف على تعليل ومعناه: جعلناكم مدرجين هذا التدريج لغرضين:

стр. 8404

أحدهما: أن نبين قدرتنا. والثاني: أن نقر في الأرحام من نقر حتى يولدوا وينشئوا ويبغلوا حد التكليف فأكلفهم، ويعضد هذه القراءة قوله: ﴿ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ﴾ . قال شهاب الدين: تسميته مثل هذه الأفعال المسندة إلى الله تعالى غرضاً لا يجوز. وقرأ ابن وثاب «نِشَاء» بكسر النون وهو كسر حرف المضارعة كما تقدم في قوله: «نسْتَعِينُ» . والمراد بالأجل المسمى يعني نقر في الأرحام ما نشاء فلا نمحه ولا نسقطه إلى أجل مسمى وهو حد الولادة، وهو آخر ستة أشهر أو تسعة أشهر أو أربع سنين كما شاء وقدر تام الخلق والمدة. قوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ أي: تخرجون من بطون أمهاتكم، «طِفْلاً» حال من مفعول «نُخْرِجُكُم» ، وإنما وحِّدَ، لأنه في الأصل مصدر كالرضا والعدل، فيلزم الإفراد والتذكير، قاله المبرد، وإما لأنه مراد به الجنس، ولأنه العرب تذكر الجمع باسم الواحد قال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] وإما لأن المعنى نخرج كل واحد منكم، نحو: القوم يشبعهم رغيف، أي: كل واحد منهم. وقد يطابق به ما يراد به فيقال: طفلان وأطفال، وفي الحديث: «سُئِلَ عَنْ أَطْفَالِ المُشْرِكِينَ» . والطفل يطلق على الولد من حين الانفصال إلى البلوغ. وأما الطفل - بالفتح - فهو الناعم، والمرأة طفلة، قال:

стр. 8405

٣٧٤٦ - وَلَقَدْ لَهَوْتُ بِطَفْلَةٍ ميَّالةٍ ... بَلْهَاءَ تُطْلِعُنِي عَلَى أَسْرَارِهَا وقال: ٣٧٤٧ - أَحْبَبْتُ فِي الطَّفْلَةِ القُبَلَا ... لَا كَثِيراً يُشْبِه الحولا أما الطَّفَل: بفتح الفاء والطاء - فوقت (ما بعد العصر، من قولهم: طفلت الشمس: إذا مالت للغروب، وأطفلت المرأة أي صارت ذات طفل) . قوله: ﴿ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ﴾ الأَشُدُّ: كمال القوة والعقل، وهو من ألفاظ الجموع التي لا واحد لها، فبنيت لذلك على لفظ الجمع، والمعنى: أنه سهل في تربيتكم وأغذيتكم أموراً كثيراً إلى بلوغ أشدكم، فنبه بذلك على الأحوال التي بين خروج الطفل من بطن أمه وبين بلوغ الأشد، لأن بين الحالتين وسائط. قوله: ﴿وَمِنكُمْ مَّن يتوفى﴾ العامة على ضم الياء من «يُتَوَفَّى» وقرأت فرقة «يَتَوفَّى» بفتح الياء، وفيه تخريجان: أحدهما: أن الفاعل ضمير الباري تعالى، أي: يتوفاه الله تعالى. كذا قدره الزمخشري. الثاني: أن الفاعل ضمير «من» أي: يتوفى أجله وهذه القراءة كالتي في البقرة ﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي: مدتهم. ومعنى الآية: ﴿وَمِنكُمْ مَّن يتوفى﴾ على قوته وكماله، ﴿وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر﴾ وهو الهرم والخوف فيصير كما كان في أوان الطفولية ضعيف البنية سخيف العقل قليل الفهم. وروي عن أبي عمرو ونافع

стр. 8406

أنهما قرآ «العُمْر» بسكون الميم وهو تخفيف قياسي نحو عُنْق في عُنُق. قوله: «لِكَيْلَا يَعْلَم» هذا الجار يتعلق ب «يرد» وتقدم نظيره في النحل والمعنى يبلغ من السن ما يغير عقله فلا يعقل شيئاً. فإن قيل: إنه يعلم بعض الأشياء كالطفل فالجواب: المراد أنه يزول عقله فيصير كأنه لا يعلم شيئاً. لأن مثل ذلك قد يذكر في النفي مبالغة. ومن الناس من قال هذه الحال لا تحصل للمؤمنين لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَاّ الذين آمَنُواْ﴾ [التين: ٥ - ٦] وهو ضعيف، لأن معنى قوله «ثُمَّ رَدَدْنَاهُ» دلالة على الذم، فالمراد ما يجري مجرى العقوبة، ولذلك قال ﴿إِلَاّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] وهذا تمامِ الاستدلال بخلقة الحيوان. وأما الاستدلال بخلقة النبات فهو قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الأرض هَامِدَةً﴾ فنصب «هَامِدَةً» على الحال، لأن الرؤية بصرية. والهمود: الخشوع والسكون، وهمدت الأرض: يبست ودرست، وهمد الثوب: بلي، قال الأعشى: ٣٧٤٨ - فَالَتْ قُتَيْلَة مَا لجِسْمِكَ شَاحِباً ... وَأَرَى ثِيَابَكَ بَاليَاتٍ هُمَّدَا والاهتزاز التحرك، وتجوز به هنا عن إنبات الأرض نباتها بالماء. والجمهور على «رَبَتْ» أي: زادت من ربا يربو. وقرأ أبو جعفر وعبد الله بن جعفر وأبو

стр. 8407

عمرو في رواية «وربأت» بالهمز أي ارتفعت. يقال: ربأ بنفسه عن كذا، أي: ارتفع عنه، ومنه الربيئة، وهو من يطلع على موضع عال لينظر للقوم ما يأتيهم، وهو عين القوم، ويقال له: ربيء أيضاً قال الشاعر: ٣٧٤٩ - بَعَثْنَا رَبيْئاً قَبْلَ ذَلِكَ مُخْملا ... كَذِئْبِ الغَضَا يَمْشِي الضّراءَ وَيَتَّقِي قوله: ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ . فيه وجهان: أحدهما: أنه صفة للمفعول المحذوف، تقديره: وأنبتت ألواناً أو أزواجاً من كل زوج. والثاني: أن (من) زائدة، أي أنبتت كل زوج، وهذا ماش عند الكوفيين والأخفش والبهيج: الحسن الذي يسر ناظره، وقد بَهُج بالضم بهاجة وبَهْجَةً أي حسن وأبهجني كذا أي: سرني بحسنه. فصل المعنى: ﴿وَتَرَى الأرض هَامِدَةً﴾ يابسة لا نبات فيها، ﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء﴾ المطر «اهْتَزَّت» تحركت بالنبات، والاهتزاز الحركة على سرور، ورَبَتْ أي: ارتفعت وزادت، وذلك أن الأرض ترتفع وتنتفخ، فذلك تحركها. وقيل: فيه تقديم وتأخير معناه: ربت واهتزت. قال المبرد: أراد اهتزت وربا نباتها فحذف المضاف. والاهتزاز في النبات أظهر يقال: اهتز النبات، أي: طال، وإنما أنث لذكر الأرض. ﴿وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ وهذا مجاز لأن الأرض لا تنبت وإنما المنبت هو الله تعالى، لكنه يضاف إليها توسعاً. ومعنى من كل نوع من أنواع النبات والبهجة: حسن

стр. 8408

الشيء ونضارته، ثم إنه تعالى لما قرر هذين الدليلين رتب عليهما ما هو المطلوب وذلك قوله تعالى ﴿ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق﴾ الآية. «ذلك» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مبتدأ والخبر الجار بعده، والمشار إليه ما تقدم من خلق بني آدم وتطويرهم، والتقدير: ذلك الذي ذكرنا من خلق بني آدم وتطويرهم حاصل بأن الله هو الحق وأنه إلى آخره. الثاني: أن «ذلك» خبر مبتدأ مضمر أي: الأمر ذلك. الثالث: أن «ذلك» منصوب بفعل مقدر، أي: فعلنا ذلك بسبب أن الله تعالى هو الحق فالباء على الأول مرفوعة المحل، وعلى الثاني والثالث منصوبة. قوله: ﴿وأن الساعة آتية﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على المجرور بالباء، أي: ذلك بأن الساعة. والثاني: أنه ليس معطوفاً عليه، ولا داخلاً في حيز السببية، وإنما هو خبر والمبتدأ محذوف لفهم المعنى، والتقدير: والأمر أن الساعة آتية و ﴿لَاّ رَيْبَ فِيهَا﴾ يحتمل أن تكون هذه الجملة خبراً ثانياً، وأن تكون حالاً. فصل المعنى: ذلك لتعلموا أن الله هو الحق، والحق هو الموجود الثابت فكأنه تعالى بَيَّن أن هذه الوجوه المتنافية وتواردها على الأجسام يدل على وجود الصانع. ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِي الموتى﴾ وهذا تنبيه على أنه لما لم يستبعد من الإله إيجاد هذه الأشياء، فكيف يستبعد منه إعادة الأموات. ﴿وَأَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: وأن الذي يصح منه إيجاد هذه الأشياء لا بد وأن يجب اتصافه بهذه القدرة لذاته، ومن كان كذلك كان قادراً على الإعادة. ﴿وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور﴾ والمعنى: أنه تعالى

стр. 8409

لما أقام الدلائل على أن الإعادة في نفسها ممكنة، وأنه سبحانه قادر على كل الممكنات وجب القطع بكونه قادراً على الإعادة وإذا ثبت الإمكان والصادق أخبر عن وقوعه، فلا بد من القطع بوقوعه.

стр. 8410

قوله تعالى: ﴿ومِنَ الناس مَن يُجَادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية، جعل ابن عطية هذه الواو للحال، فقال: وكأنه يقول هذه الأمثال في غاية الوضوح، ومن الناس مع ذلك من يجادل (فكان الواو واو الحال والآية المتقدمة الواو فيها واو عطف. قال أبو حيان: ولا يتخيل أن الواو في ﴿ومِنَ الناس مَن يُجَادِلُ﴾ ) واو حال، وعلى تقدير الجملة التي قدرها قبله لو كان مصرحاً بها فلا تتقدر ب (إذ) ، فلا تكون للحال، وإنما هي للعطف. قال شهاب الدين: ومنعه من تقديرها ب (إذ) فيه نظر، إذ لو قدر لم يلزم منه محذور. قوله: «بِغَيْرِ عِلْم» يجوز أن يتعلق ب «يُجَادِل» ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل «يُجَادِلُ» أي: يجادل ملتبساً بغير علم، أي: جاهلاً. قوله: «ثَانِيَ عِطْفِه» : حال من فاعل «يُجَادِل» أي: مُعْرِضاً، وهي إضافة لفظية نحو «مُمْطِرُنَا» . والعامة على كسر العين، وهو الجانب كني به عن التكبر.

стр. 8411

والحسن بفتح العين، وهو مصدر بمعنى التعطف، وصفه بالقسوة. قوله: «لِيُضلَّ» متعلق إما ب «يُجَادِلُ» ، وإما ب «ثاني عِطْفِه» وقرأ العامة بضم الياء في «يُضِلّ» والمفعول محذوف أي: ليضل غيره. وقرأ مجاهد وأبو عمرو في رواية بفتحها، أي: ليضل هو في نفسه. قوله: ﴿لَهُ فِي الدنيا خِزْيٌ﴾ هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً مقارنة أي: مستحقاً ذلك، وأن تكون حالاً مقدرة، وأن تكون مستأنفة. وقرأ زيد بن علي «وأُذِيْقُه» بهمزة المتكلم، و «عَذَابَ الحَرِيْق» يجوز أن يكون من باب إضافة الموصوف لصفته إذ الأصل العذاب الحريق أي: المحرق كالسميع بمنع المسمع. فصل قال أبو مسلم: الآية الأولى واردة في الأتباع المقلدين، وهذه الآية ورادة في المتبعة عن المقلدين، فإن كلا المجادلين جادل بغير علم وإن كان أحدهما تبعاً والآخر متبوع، وبين ذلك قوله: ﴿وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ فإن مثل ذلك لا يقال في المقلد وإنما يقال فيمن يخاصم بناء على شبهة. فإن قيل: كيف يصح ما قلتم والمقلد لا يكون مجادلاً؟ قلنا: يجادل تصويباً لتقليده، وقد يورد الشبهة الظاهرة إذا تمكن منها وإن كان معتمده الأصلي هو التقليد. وقيل: إن الآية الأولى نزلت في النضر بن الحارث، وهو قول ابن عباس وفائدة التكرير المبالغة في الذم، وأيضاً: قد ذكر

стр. 8412

في الآية الأولى اتباعه تقليداً بغير حجة، (وفي الثانية مجادلته في الدين، وإضلاله غيره بغير حجة) . والأول أقرب لما تقدم. ودلت الآية على أن الجدال مع العلم والهدى والكتاب حق حسن. والمراد بالعلم العلم الضروري، وبالهدى الاستدلال والنظر؛ لأنه يهدي إلى المعرفة، وبالكتاب المنير الوحي. والمعنى يجادل من غير مقدمة ضرورية، ولا نظريَّة ولا سمعيَّة فهو كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الحج: ٧١] ثم قال ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله﴾ ثني العطف عبارة عن التكبر والخيلاء قال مجاهد وقتادة: لاوي عنقه. وقال عطية وابن زيد: معرضاً عما يدعى إليه تكبراً. والعطف الجانب وعطفا الرجل: جانباه عن يمين وشمال، وهو الموضع الذي يعطفه الإنسان أي: يلويه ويمليه عند الإعراض عن الشيء، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا ولى مُسْتَكْبِراً﴾ [لقمان: ٧] وقوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٥] . ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله﴾ فمن ضم الياء فمعناه: ليضل غيره عن طريق الحق، فجمع بين الضلال والكفر وإضلال الغير. ومن فتح الياء فالمعنى: ليضل هو عن دين الله. ﴿لَهُ فِي الدنيا خِزْيٌ﴾ عذاب وهون، وهو القتل ببدر، فقتل النضر، وعقبة بن أبي معيط يوم بدر صبراً. ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القيامة عَذَابَ الحريق﴾ ويقال له: ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلَاّمٍ لِّلعَبِيدِ﴾ والكلام في قوله: ﴿ذلك بِأَنَّ الله﴾ [الحج: ٦] كالكلام في قوله: ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ﴾ وكذا قوله «وأنَّ اللَّهَ» يجوز عطفه على السبب، ويجوز أن يكون التقدير والأمر أن الله، فيكون منقطعاً عما قبله. قوله: «ظَلَاّم» مثال مبالغة. فإن قيل: إذا قلت: إن زيداً ليس بظلام لا يلزم منه نفي أصل الظلم، فإن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم. فالجواب: أن المبالغة إنما جيء بها لتكثير محلها فإن العبيد جمع، وأحسن

стр. 8413

هذا أن فَعَّالاً هنا للنسب أي: بذي ظلم لا للمبالغة. فصل قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على مطالب: الأول: دلت على أن العبد إنما وقع في ذلك العذاب بسبب عمله فلو كان فعله خلقاً لله تعالى لكان حين خلقه استحال منه أن لا يتصف به فلا يكون ذلك العقاب بسبب فعله، فإذا عاقبه عليه كان ذلك محض الظلم وذلك خلاف النص. الثاني: أن قوله: ﴿وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلَاّمٍ لِّلعَبِيدِ﴾ يدل على أنه سبحانه إنما لم يكن ظالماً بفعل ذلك العذاب، وهذا يدل على أنه لو عاقبه لا بسبب فعل يصدر من جهته لكان ظالماً، وهذا يدل على أنه لا يجوز تعذيب الأطفال لكفر آبائهم. الثالث: أنه سبحانه تمدح بأنه لا يفعل الظلم فوجب أن يكون قادراً عليه خلاف ما يقوله النَّظَّام، وأن يصح ذلك منه خلاف ما يقوله أهل السنة. الرابع: أنه لا يجوز الاستدلال بهذه الآية على أنه تعالى لا يظلم، لأن عندهم صحة نبوة النبي ﵇ موقوفة على نفي الظلم، فلو أثبتنا ذلك بالدليل السمعي لزم الدور. وأجاب ابن الخطيب عن الكلّ بالمعارضة بالعلم والداعي.

стр. 8414

قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ﴾ الآية. قال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة: نزلت في قوم من الأعراب كانوا يقدمون المدينة مهاجرين من باديتهم، فكان أحدهم إذا قدم المدينة فصحَّ بها جسمه، ونتجت فرسه مهراً حسناً، وولدت امرأته غلاماً، وكثر ماله قال: هذا دين حسن، وقد أصبت فيه خيراً واطمأن إليه، وإن أصابه مرض وولدت امرأته جارية وأجهضت رماكه، وقَلَّ مالُه قال ما أصبت منذ دخلت هذا الدين إلا شراً فينقلب عن

стр. 8415

دينه، وذلك الفتنة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ﴾ . قال أكثر المفسرين: أي: على شك، وأصله من حرف الشيء، وهو طرفه. وقيل: على انحراف، أو على طرف الدين لا في وسطه كالذي يكون في طرف العسكر إن رأى خيراً ثبت وإلا فرَّ. و «عَلَى حَرْف» حال من فاعل «يَعْبُد» أي: متزلزلاً. ومعنى «عَلَى حَرْفٍ» أي على شك أو على انحراف أو على طرف الدين لا في وسطه. فصل لما بين حال المظهرين للشرك المجادلين فيه أعقبه بذكر المنافقين فقال: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ﴾ ، وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم لا على سكون وطمأنينة، كالذي يكون على طرف العسكر، فإن أحس بغنيمة قرّ وإلا فَرّ، وهذا هو المراد بقوله ﴿فَإن أصَابَهُ خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجه﴾ . قال الحسن: هو المنافق يعبد الله بلسانه دون قلبه، ﴿فإن أصابه خير﴾ صحة في جسمه وسَعَة في معيشته «اطمأن به» وسكن إليه، ﴿وإن أصابته فتنة﴾ بلاء في جسده وضيق في معيشته ﴿انقلب على وجهه﴾ ارتد ورجع إلى ما كان عليه من الكفر. فصل ذكروا في السبب وجوهاً: الأول: ما تقدم. والثاني: قال الضحاك: نزلت في المؤلفة قلوبهم منهم عيينة بن بدر والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس، قال بعضهم لبعض ندخل في دين محمد فإن أصابنا خير عرفنا أنه حق، وإن كان غير ذلك عرفنا أنه باطل. الثالث: قال أبو سعيد الخدري: «أسلم رجل من اليهود، فذهب بصره وماله وولده، فقال: يا رسول الله أقلني فإني ما أصبت من ديني هذا خيراً ذهب بصري

стр. 8416

ومالي وولدي. فقال ﵇:» إنَّ الإسْلَامَ لَا يُقَالُ، إنَّ الإسْلَامَ يَسْبِكُ كَمَا تَسْبِكُ النَّارُ خَبَثَ الحَدِيد والذَّهَبَ والفِضَّةَ «ونزلت هذه الآية. وهاهنا إشكال، وهو أن المفسرين أجمعوا على أن هذه السور مكيَّة إلا ست آيات ذكروها أولها ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا﴾ [الحج: ١٩] إلى قوله ﴿صِرَاطِ الحميد﴾ [الحج: ٢٤] ولم يعدوا هذه الوقائع (التي ذكروها في سبب نزول هذه الآية مع أنهم يقولون إن هذه الوقائع) إنما كانت بالمدينة كما تقدم النقل عنهم. فإن قيل: كيف قال: ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقلب﴾ والخير أيضاً فِتْنَةٌ، لأنه امتحان. قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] . فالجواب: مثل هذا كثيرٌ في اللغة، لأن النعمة بلاء وابتلاء قال تعالى ﴿فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ [الفجر: ١٥] ولكن إنما يطابق اسم البلاء على ما يثقل على الطبع، والمنافق ليس عنده الخير إلا الخير الدنيوي، وليس عنده الشر إلا الشر الدنيوي، لأنه لا دين له؛ فلذلك وردت الآية على ما يعتقده. فإن قيل: إذا كانت الآية في المنافق فما معنى قوله ﴿انقلب على وَجْهِهِ﴾ وهو في الحقيقة لم يسلم حتى ينقلب. فالجواب أنه أظهر بلسانه خلاف ما كان أظهره، فصار يذم الدين عند الشدة وكان من قبل يمدحه وذلك انقلاب على الحقيقة. فإن قيل: مقابل الخير هو الشر فلما قال ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأن بِهِ﴾ كان يجب أن يقول: وَإِنْ أَصَابَهُ شَرٌّ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ. فالجواب: لما كانت الشدة ليست بقبيحة لم يقل تعالى: وإن أصابه شرٌّ بل وصفه بما لا يفيد فيه القبح. قوله: ﴿خَسِرَ الدنيا والآخرة﴾ قرأ العامة «خسر» فعلاً ماضياً، وهو يحتمل ثلاثة أوجه: الاستئناف، والحالية من فاعل «انْقَلَبَ» ، ولا حاجة إلى إضمار (قد) على الصحيح.

стр. 8417

والبدلية من قوله «انقلب» كما أبدل المضارع من مثله في قوله ﴿يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩] . وقرأ مجاهد والأعرج وابن محيصن والجحدري في آخرين «خَاسِر» بصيغة اسم الفاعل منصوب على الحال، وهو توكيد كون الماضي في قراءة العامة حالاً وقرئ برفعه، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون فاعلاً ب «انقلب» ، ويكون من وضع الظاهر موضع المضمر، أي: انقلب خاسر الدنيا والآخرة، والأصل: انقلب هو. الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هو خاسر. وهذه القراءة تؤيد الاستئناف في قراءة المضي على التخريج الثاني. وحق من قرأ «خاسر» رفعاً ونصباً أن يجر «الآخرة» لعطفها على «الدنيا» المجرورة بالإضافة. ويجوز أن يبقى النصب فيها، إذ يجوز أن تكون الدنيا منصوبة، وإنما حذف التنوين من «خاسر» لالتقاء الساكنين نحو قوله: ٣٧٥٠ - وَلَا ذَاكِرَ اللَّهَ إِلَاّ قَلِيلا ... فصل معنى خسرانه الدنيا هو أن يخسر العز والكرامة وإصابة الغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء، ولا يبقى ماله ودمه مصوناً، وأما خسران الآخرة فيفوته الثواب

стр. 8418

الدائم، ويحصل له العقاب الدائم، و ﴿ذلك هُوَ الخسران المبين﴾ . قوله: ﴿يَدْعُو مِن دُونِ الله مَا لَا يَضُرُّهُ﴾ إن عصاه ولم يعبده، ﴿وَمَا لَا يَنفَعُهُ﴾ إن أطاعه وعبده، و ﴿ذلك هُوَ الضلال البعيد﴾ عن الحق والرشد وهذه الآية تدل على أن الآية الأولى لم ترد في اليهود؛ لأنهم ليس ممن يدعو من دون الله الأصنام. والأقرب أنها واردة في المشركين الذين انقطعوا إلى الرسول على وجه النفاق. قوله: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ﴾ . فيه عشرة أوجه، وذلك أنه إما أن يجعل «يَدْعُو» متسلطاً على الجملة من قوله: ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ﴾ أو لا، فإن جعلناه متسلطاً عليها كان فيه سبعة أوجه: الأول: أنّ «يَدْعُو» بمعنى يقول، واللام للابتداء و «من» موصولة في محل رفع بالابتداء، و «ضَرُّه» مبتدأ ثان، و «أَقْرَب» خبره، وهذه الجملة صلة للموصول، وخبر الموصول محذوف تقديره: يقول للذي ضره أقرب من نفعه: إله، أو إلهي، ونحو ذلك، والجملة كلها في محل نصب ب «يَدْعُو» لأنه بمعنى يقول، فهي محكية به. وهذا قول أبي الحسن وعلى (هذا فيكون قوله: «لَبِئْسَ المَوْلَى» مستأنفاً ليس داخلاً في المحكي قبله، لأن الكفار لا يقولون في أصنامهم ذلك) . (ورد بعضهم هذا الوجه بأنه فاسد المعنى) إذ الكافر لا يعتقد في الأصنام أنَّ ضرّها أقرب من نفعها البتة. الثاني: أنَّ «يَدْعُو» مشبه بأفعال القلوب، لأن الدعاء لا يصدر إلا عن اعتقاده وأفعال القلوب تعلق ف «يَدْعُو» معلق أيضاً باللام، و «لَمَنْ» مبتدأ موصول، والجملة بعدة صلة، وخبره محذوف على ما مر في الوجه قبله، والجملة في محل نصب كما يكون كذلك بعد أفعال القلوب. الثالث: أن يضمن «يَدْعُو» معنى يزعم، فتعلق كما تعلق، والمعنى. والكلام فيه كالكلام في الوجه الذي قبله.

стр. 8419

الرابع: أنَّ الأفعال كلها يجوز أن تعلق قلبية كانت أو غيرها، فاللام معلقة ل «يَدْعُو» وهو مذهب يونس، فالجملة بعده والكلام فيها كما تقدم. الخامس: أن «يَدْعُو» بمعنى يسمي، فتكون اللام مزيدة في المفعول الأول، وهو الموصول وصلته، ويكون المفعول الثاني محذوفاً تقديره: يسمي الذي ضره أقرب من نفعه إلهاً ومعبوداً ونحو ذلك. السادس: أن اللام مزالة من موضعها، والأصل: يدعو من لضره أقرب، فقدمت من تأخر. وهذا قول الفراء. ورد هذا بأن ما في صلة الموصول لا يتقدم على الموصول. السابع: أن اللازم زائدة في المفعول به وهو «من» التقدير: يدعو من ضره أقرب، ف «من» موصولة والجملة بعدها صلتها، والموصول هو المفعول ب «يدعو» زيدت فيه اللام كزيادتها في قوله: «رَدِفَ لَكُمْ» في أحد القولين ورد هذا بأن زيادة اللام إنما تكون إذا كان العامل فرعاً أو تقدم المفعول. وقرأ عبد الله «يَدْعُو مَنْ ضَرُّهُ» بغير لام الابتداء، وهي مؤيدة لهذا الوجه. وإن لم نجعله متسلطاً على الجملة بعده كان فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أن «يَدْعُو» الثاني توكيد ل «يدعو» الأول فلا معمول له، كأنه قيل: (يدعو يدعو) من دون الله الذي لا يضره ولا ينفعه، فعلى هذا تكون الجملة من قوله ﴿ذلك هو الضلال﴾ معترضة بين المؤكد والمؤكد، لأن فيها تشديداً وتأكيداً، ويكون

стр. 8420

قوله: «لَمَنْ ضَرُّهُ» كلاماً مستأنفاً، فتكون اللام للابتداء، و «مَنْ» موصولة، و «ضَرُّهُ» مبتدأ، و «أقرب» خبره، والجملة صلة، و «لَبِئْسَ» جواب قسم مقدر، وهذا القسم المقدر وجوابه خبر للمبتدأ الذي هو الموصول. الثاني: أن يجعل «ذلك» موصولاً بمعنى الذي، و «هو» مبتدأ، و «الضلال» خبره، والجملة صلة له، وهذا الموصول مع صلته في محل نصب مفعولاً ب «يَدْعُو» ، أي: يَدْعُو الذي هو الضلال وهذا منقول عن أبي علي الفارسي. وليس هذا ماش على رأي البصريين إذ لا يكون عندهم من أسماء الإشارة موصول إلا «ذا» بشروط تقدم ذكرها. (وأما الكوفيون فيجيزون في أسماء الإشارة مطلقاً) أن تكون موصولة، وعلى هذا فيكون ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ﴾ مستأنفاً على ما تقدم. الثالث: أن يجعل «ذَلِكَ» مبتدأ و «هُوَ» جوزوا فيه أن يكون بدلاً أو فصلاً أو مبتدأ، و «الضلال» خبر «ذَلِكَ» أو خبر «هُوَ» على حسب الخلاف في «هُوَ» و «يَدْعُو» حال، والعائد منه محذوف تقديره: يدعوه وقدروا هذا الفعل الواقع موقع الحال ب «مدعوًّا) . قال أبو البقاء: وهو ضعيف، ولم يبين وجه ضعفه. وكأن وجهه أن» يدعو «مبني للفاعل فلا يناسب أن يقدر الحال الواقعة موقعه اسم مفعول بل المناسب أن يقدر اسم فاعل، فكان ينبغي أن يقدروه داعياً، ولو كان التركيب يدعى مبنياً للمفعول لحسن تقديرهم: مدعو، ألا ترى أنك إذا قلت: جاء زيد

стр. 8421

يضرب، كيف يقدرونه بضارب لا بمضروب. فصل اختلفوا في المراد بقوله: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ﴾ . قيل: المراد رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم، لأنه يصح منهم أن يضروا، ويؤيد هذا أن الله تعالى بين في الآية الأولى أن الأوثان لا تضرهم ولا تنفعهم، وهذ الآية تقتضي كون المذكور فيها ضاراً نافعاً، فلو كان المذكور في هذه الآية هو الأوثان لزم التناقض. وقيل المراد الأوثان، ثم أجابوا عن التناقض بوجوه: أحدها: أنها لا تضر ولا تنفع بأنفسها، ولكن عبادتها سبب الضرر، وذلك يكفي في إضافة الضرر إليها كقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس﴾ [إبراهيم: ٣٦] فأضاف الإضلال إليهم من حيث كانوا سبباً للضلال، فكذلك هنا نفى الضرر عنهم في الآية الأولى، بمعنى كونها فاعلة، وأضاف الضرر إليهم في هذه الآية بمعنى أن عبادتها سبب الضرر. وثانيها: كأنه سبحانه بيَّن في الآية الأولى أنها في الحقيقة لا تضر ولا تنفع ثم قال في الآية الثانية: ولو سلمنا كونها ضارة نافعة لكان ضرها أكثر من نفعها. وثالثها: أن الكفار إذا أنصفوا علموا أنه لا يحصل منها لا نفع ولا ضرر في الدنيا، ثم إنهم في الآخرة يشاهدون العذاب العظيم بسبب عبادتها، فكأنهم يقولون لها في الآخرة إن ضركم أعظم من نفعكم. قوله: ﴿لَبِئْسَ المولى وَلَبِئْسَ العشير﴾ المولى هو الناصر، والعشير الصاحب والمعاشر. والمخصوص بالذم محذوف تقديره: لبئس المولى ولبئس العشير ذلك المدعو. واعلم أن هذا الوصف بالرؤساء أليق، لأنه لا يكاد يستعمل في الأوثان، فبين تعالى أنهم يعدلون عن عبادة الله الذي هو خير الدنيا والآخرة إلى عبادة الأصنام وإلى طاعة الرؤساء بقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ المولى﴾ والمراد ذم ما انتصروا بهم.

стр. 8422

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين آمَنُواْ﴾ الآية. لما بين في الآية السالفة حال عباده المنافقين وحال معبودهم، وأن معبودهم لا ينفع ولا يضر بين هاهنا صفة عباده المؤمنين وصفة معبودهم، وأن عبادتهم حقيقة، ومعبودهم يعطهم أعظم المنافع وهو الجنة، التي من كمالها جمعها بين الزرع والشجر وأن تجري من تحتها الأنهار، وبين أنه يفعل ما يريد بهم من أنواع الفضل والإحسان زيادة على أجورهم كما قال تعالى ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣] . واحتج أهل السنة في خلق الأفعال بقوله: ﴿إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ قالوا: أجمعنا على أنه تعالى يريد الإيمان، ولفظة «ما» للعموم فوجب أن يكون فاعلاً للإيمان لقوله: ﴿إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ . وأجاب عنه الكعبي بأن الله تعالى يفعل ما يريد أن يفعله (لا ما يريد أن يفعله) غيره. وأجيب: بأن هذا تقييد للعموم وهو خلاف النص. قوله: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ﴾ . «مَنْ» يجوز أن تكون شرطية وهو الظاهر، وأن تكون موصولة، والضمير في «يَنْصُرَهُ» الظاهر عوده على «مَنْ» ، وفسر النصر بالرزق، وقيل يعود على الدين والإسلام فالنصر على بابه. قال ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي واختيار الفراء والزجاج: أن الضمير في «يَنْصُرَهُ» يرجع إلى محمد ﵇ يريد أن من ظن أن لن ينصر الله محمداً في الدنيا بإعلاء كلمته وإظهار دينه، وفي الآخرة بإعلاء درجته، والانتقام ممن كذبه، والرسول ﵇ وإن لم يجر له ذكر في هذه

стр. 8423

الآية ففيها ما يدل عليه وهو ذكر الإيمان في قوله: ﴿إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ ، والإيمان لا يتم إلا بالله ورسوله. قوله: «فَلْيَمْدُد» إما جزاء للشرط، أو خبر للموصول، والفاء للتشبيه بالشرط. والجمهور على كسر اللام من «ليَقْطَعْ» ، وسكنها بعضهم كما يسكنها بعد الفاء والواو لكونهن عواطف، ولذلك أجروا «ثم» مجراهما في تسكين هاء (هو) و (هي) بعدها، وهي قراءة الكسائي ونفاع في رواية قالون عنه. قوله: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ﴾ الجملة الاستفهامية في محل نصب على إسقاط الخافض، لأن النظر تعلق بالاستفهام، وإذا كان بمعنى الفكر تعدى ب «في» . وقوله: ﴿مَا يَغِيظُ﴾ «ما» موصولة بمعنى الذي، والعائد هو الضمير المستتر، و «ما» وصلتها مفعول بقوله: «يُذْهِبَنَّ» أي: هل يذهبن كيده الشيء الذي يغيظه، فالمرفوع في «يغيظه» عائد على الذي والمنصوب على ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ﴾ . وقال أبو حيان: و «ما» في «مَا يَغِيظُ» بمعنى الذي والعائد محذوف أو مصدرية. قال شهاب الدين: كلا هذين القولين لا يصح، أما قوله: العائد محذوف فليس كذلك بل هو مضمر مستتر في حكم الموجود كما تقدم تقريره قبل ذلك، وإنما يقال: محذوف فيما كان منصوب المحل أو مجروره، وأما قوله: أو مصدرية فليس كذلك أيضاً، إذ لو كانت مصدرية لكانت حرفاً على الصحيح، وإذا كانت حرفاً لم يعد عليها ضمير وإذا لم يعد عليها ضمير بقي الفعل بلا فاعل، فإن قلت: أضمر في «يَغِيْظ» ضميراً فاعلاً يعود على ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ﴾ .

стр. 8424

فالجواب: أن من كان يظن في المعنى مغيظ لا غائظ. وهذا بحث حسن. فصل المعنى: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه ﷺ َ - في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء، والسبب الحبل، والسماء سقف البيت هذا قول الأكثرين، أي: ليشدد حبلاً في سقف بيته فليختنق به حتى يموت، ثم ليقطع الحبل بعد الاختناق. وقيل: سمي الاختناق قطعاً. وقيل: ليقطع، أي: ليمد الحبل حتى ينقطع فيموت مختنقاً ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ صنيعه وحيلته، أي: هل يذهبن كيده وحيلته غيظه. والمعنى: فليختنق غيظاً حتى يموت، وليس هذا على سبيل الحتم أن يفعل لأنه لا يمكنه القطع والنظر بعد الاختناق والموت، ولكنه كما يقال للحاسد إذا لم ترض بهذا فاختنق ومت غيظاً. وق ابن زيد: المراد من السماء: السماء المعروفة. ومعنى الآية: من كان يظن أن لا ينصر الله نبيه، ويكيد في أمره ليقطعه عنه، فليقطعه من أصله، فإن أصله من السماء، فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع عن النبي ﷺ َ - الوحي الذي يأتيه فلينظر هل يقدر على إذهاب غيظه بهذا الفعل. فصل روي أن هذه الآية نزلت في قوم من أسد وغطفان دعاهم النبي ﷺ َ - إلى الإسلام، وكان بينهم وبين اليهود حلف، وقالوا: لا يمكننا أن نسلم لأنا نخاف أن لا يُنصر محمد ولا يظهر أمره فينقطع الحلف بيننا وبين اليهود فلا يميروننا ولا يؤوونا فنزلت هذه الآية وقال مجاهد: النصر يعني الرزق، والهاء راجعة إلى «مَنْ» ومعناه من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة: نزلت فيمن أساء الظن بالله وخاف أن لا يرزقه ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السمآء﴾ أي: سماء البيت، ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ﴾ فعله ذلك ما يغيظ وهو خِيفَة أن لا يُرزق. وقد يأتي النصر بمعنى الرزق تقول العرب: من ينصرني نصره الله، أي من يعطيني أعطاه الله. قال أبو عبيدة: تقول العرب: أرض منصورة، أي ممطورة وعلى كل الوجوه فإنه زجر للكفار عن الغيظ فيما لا فائدة فيه.

стр. 8425

قوله: ﴿وكذلك أَنزَلْنَاهُ﴾ الكاف إما حال من ضمير المصدر المقدر، وإما نعت لمصدر محذوف على حسب ما تقدم من الخلاف، أي: ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله «آيَاتٍ بَيِّنَات» ف «آيات» حال. قوله: ﴿وَأَنَّ الله يَهْدِي﴾ يجوز في «أن» ثلاثة أوجه: أحدها: أنها منصوبة المحل، عطفاً على مفعول «أنزلناه» ، أي: وأنزلنا أن الله يهدي من يريد، أي: أنزلنا هداية الله لمن يريد هدايته. الثاني: أنها على حذف حرف الجر، وذلك الحرف متعلق بمحذوف والتقدير: ولأن الله يهدي من يريد أنزلناه، فيجيئ في موضعها القولان المشهوران أفي محل نصب هي أم جر؟ وإلى هذا ذهب الزمخشري، وقال في تقديره: ولأن الله يهدي به الذين يعلم أنهم يؤمنون أنزله كذلك مبيناً. الثالث: أنها في محل رفع خبراً لمبتدأ مضمر تقديره: والأمر أن الله يهدي من يريد. فصل قال أهل السنة: المراد من الهداية إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة، أما الأول فغير جائز؛ لأنه تعالى فعل ذلك في حق كل المكلفين، ولأن قوله: ﴿يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ دليل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي متعلقة بمشيئته سبحانه، ووضع الأدلة عند الخصم واجب، فيبقى أن المراد منه خلق المعرفة. قال القاضي عبد الجبار في الاعتذار: هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: يكلف من يريد لأن من كلف أحداً شيئاً فقد وصفه له وبينه. وثانيها: أن يكون المراد يهدي إلى الجنة والإنابة من يريد ممن آمن وعمل صالحاً. وثالثها: أن يكون المراد أن الله يلطف بمن يريد ممن علم أنه إذا هدي ثبت على إيمانه كقوله تعالى: ﴿والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧] . وهذا الوجه هو الذي أشار الحسن إليه بقوله: إن الله يهدي من قَبِلَ لا من لم يقبل، والوجهان الأولان ذكرهما أبو علي. وأجيب عن الأول بأن الله تعالى ذكر ذلك بعد بيان الأدلة، وعن الثاني، من الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف، وأما الوجهان الأخيران فمدفوعان

стр. 8426

لأنهما عند الخَصْم واجبان على الله، وقوله: ﴿يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ يقتضي عدم الوجوب.

стр. 8427

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ﴾ الآية. لما قال: ﴿وَأَنَّ الله يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ [الحج: ١٦] أتبعه ببيان من يهديه ومن لا يهديه. واعلم أن (إن) الثانية واسمها وخبرها في محل رفع خبراً ل «أن» الأولى قال الزمخشري: وأدخلت «إنَّ» على كل واحد من جزأي الجملة لزيادة التأكيد ونحوه قول جرير: ٣٧٥١ - إنَّ الخَلِيفَة إنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ ... سِرْبَالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجَى الخَوَاتِيم قال أبو حيان: وظاهر هذا أنه شبه البيت بالآية، وكذلك قرنه الزجاج بالآية، ولا يتعين أن يكون البيت كالآية، لأن البيت يحتمل أن يكون (إن الخليفة) خبره (به ترجى الخواتيم) ويكون (إنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ) جملة اعتراض بين اسم (إنَّ) وخبرها بخلاف الآية فإنه يتعين قوله: ﴿إِنَّ الله يَفْصِلُ﴾ وحسن دخول «إن» على الجملة الواقعة خبراً لطول الفصل بينهما بالمعاطيف. قال شهاب الدين: قوله: فإنه يتعين قوله: ﴿إِنَّ الله يَفْصِلُ﴾ يعني أن يكون خبراً. ليس كذلك، لأن الآية محتملة لوجهين آخرين ذكرهما الناس:

стр. 8428

الأول: أن يكون الخبر محذوفاً تقديره: يفترقون يوم القيامة ونحوه، والمذكور تفسير له كذا ذكره أبو البقاء. والثاني: أن «إن» الثانية تكرير للأولى على سبيل التوكيد، وهذا ماش على القاعدة وهو أن الحرف إذا كرر توكيداً أعيد معه ما اتصل به أو ضمير ما اتصل به، وهذا قد أعيد معه ما اتصل به أولاً، وهي الجلالة المعظمة فلم يتعين أن يكون قوله ﴿إِنَّ الله يَفْصِلُ﴾ خبراً ل «إنَّ» الأولى كما ذكر. واختلف العلماء في المجوس، فقيل: قوم يعبدون النار، وقيل: الشمس والقمر وقيل: اعتزلوا النصارى ولبسوا المسوح، وقيل: أخذوا من دين النصارى شيئاً ومن دين اليهود شيئاً، وهم القائلون بأن للعالم أصلان، نور وظلمة، وقيل هم قوم يستعملون النجاسات، والأصل: نجوس - بالنون - فأبدلت ميماً. ومعنى ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ أي: يحكم بينهم، ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: عالم بما يستحقه كل منهم، فلا يجري في ذلك الفصل ظلم ولا حيف. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ﴾ الآية. قيل المراد بهذه الرؤية العلم، أي: ألم تعلم، وقيل: ألم تر بقلبك. والمراد بالسجود: قال الزجاج: أنها مطيعة لله تعالى كقوله تعالى للسماء والارض ﴿ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] ، ﴿أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله﴾ [البقرة: ٧٤] ، ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ

стр. 8429

بِحَمْدَهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] ، ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] . والمعنى أن هذه الأجسام لما كانت قابلة لجميع ما يحدثه الله تعالى فيها من غير امتناع أشبهت الطاعة والانقياد وهو السجود. فإن قيل: هذا التأويل يبطله قوله تعالى ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس﴾ ، فإن السجود بالمعنى المذكور عام في كل الناس، فإسناده إلى كثير منهم يكون تخصيصاً من غير فائدة. فالجواب من وجوه: الأول: أن السجود بالمعنى المذكور وإن كان عاماً في حق الكل إلا أن بعضهم تكبر وترك السجود في الظاهر، فهذا الشخص، وإن كان ساجداً بذاته لا يكون ساجداً بظاهره، وأما المؤمن فإن ساجد بذاته وبظاهره، فلأجل هذا الفرق حصل التخصيص بالذكر. وثانيها: أن نقطع قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس﴾ عما قبله، ثم فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن تقدير الآية: ولله يسجد من في السموات ومن في الأرض ويسجد له كثير من الناس فيكون السجود الأول بمعنى الانقياد، والثاني بمعنى العبادة، وإنما فعلنا ذلك لقيام الدلالة على أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في معنييه جميعاً. الثاني: أن يكون قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس﴾ مبتدأ وخبره محذوف وهو مثاب، لأن خبر مقابله يدل عليه وهو قوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِ العذاب﴾ . والثالث: أن يبالغ في تكثير الحقوق بالعذاب، فيعطف «كثير» على كثير ثم يخبر عنهم بحق عليهم العذاب. وثالثها: أن من يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهومية جميعاً يقول: المراد بالسجود في حق الأحياء العقلاء العبادة، وفي حق الجمادات الانقياء (ومن ينكر ذلك فيقول: إن الله تكلم بهذه اللفظة مرتين، فعنى بها في حق العقلاء الطاعة، وفي حق الجمادات الانقياد) فإن قيل: قوله: ﴿وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ [الرعد: ١٥] عام فيدخل فيه الناس، فلم قال ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس﴾ مرة أخرى؟ فالجواب: لو اقتصر على ما تقدم لأوهم أن كل الناس يسجدون كما أن كل الملائكة يسجدون فبين أن كثيراً منهم يسجد طوعاً دون كثير منهم فإنه يمتنع من ذلك، وهم الذين حق عليهم العذاب وقال القفال: السجود هاهنا هو الخضوع والتذلل،

стр. 8430

بمعنى كونها معترفة بالفاقة إليه والحاجة إلى تخليقه وتكوينه، وعلى هذا تأولوا قوله: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] . وقال مجاهد: إنَّ سجود هذه الأشياء سجود ظلها لقوله تعالى: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ اليمين والشمآئل سُجَّداً لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨] . وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع ساجداً حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين حين يرجع إلى مطلعه. قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنه مرفوع بفعل مضمر تقديره: ويسجد له كثير من الناس، وهذا عند من يمنع استعمال المشترك في معنييه، والجمع بين الحقيقة والمجاز في كلمة واحدة، وذلك أن السجود المسند لغير العقلاء غير السجود المسند للعقلاء فلا يعطف ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس﴾ على ما قبله لاختلاف الفعل المسند إليهما في المعنى، ألا ترى أن سجود غير العقلاء هو الطواعية والإذعان لأمره، وسجود العقلاء هو هذه الكيفية المخصوصة. الثاني: أنه معطوف على (ما تقدمه) وفي ذلك ثلاث تأويلات: أحدها: أن المراد بالسجود القدر المشترك بين الكل العقلاء وغيرهم، وهو الخضوع والطواعية، وهو من باب الاشتراك المعنوي. والتأويل الثاني: أنه مشترك اشتراكاً لفظياً، ويجوز استعمال المشترك في معنييه. والتأويل الثالث: أن السجود المسند للعقلاء حقيقة ولغيرهم مجاز، ويجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز على خلاف في هذه الأشياء مذكور في كتب الأصول. الثالث من الأوجه المتقدمة: أن يكون «كَثِيرٌ» مرفوعاً بالابتداء، وخبره محذوف وهو مثاب لدلالة خبر مقابله عليه وهو قوله: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب﴾ كذا قدره الزمخشري، وقدره أبو البقاء مطيعون أو مثابون أو نحو ذلك.

стр. 8431

الرابع: أن يرتفع «كثير» على الابتداء أيضاً ويكون خبره «مِنَ النَّاسِ» أي من الناس الذين هم الناس على الحقيقة، وهم الصالحون والمتقون. الخامس: أن يرتفع بالابتداء أيضاً ويبالغ في تكثير المحقوقين بالعذاب فيعطف «كَثِيرٌ» على «كثير» ثم يخبر عنهم ب ﴿حَقَّ عَلَيْهِ العذاب﴾ ، ذكر ذلك الزمخشري كما تقدم. قال أبو حيان بعد أن حكى عن الزمخشري الوجهين الأخيرين قال: وهذان التخريجان ضعيفان. (ولم يبين وجه ضعفهما) . قال شهاب الدين: أما أولهما فلا شك في ضعفه إذ لا فائدة طائلة في الإخبار بذلك، وأما الثاني فقد يظهر، وذلك أن التكرير يفيد التكثير وهو قريب من قولهم: عندي ألف وألف، وقوله: ٣٧٥٢ - لَوْ عُدَّ قَبْرٌ وَقَبْرٌ كُنْتَ أَكْرَمَهُمْ ... وقرأ الزُّهري «وَالدَّواب» مخفف الباء، قال أبو البقاء: ووجهها أنَّه حذف الباء الأولى كراهية التَّضعيف والجمع بين ساكنين. وقرأ جناح بن حبيش: «وكَبِيرٌ» بالباء الموحدة. وقرئ «وَكَثِيرٌ حَقًّا» بالنصب، وناصبه محذوف وهو الخبر تقديره: وكثير حق عليه العذاب حقاً، و «العَذَابُ» مرفوع بالفاعلية. وقرئ «حُقَّ» مبنياً للمفعول. وقال ابن عطية: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب﴾ يحتمل أن يكون معطوفاً على ما تقدم أي: وكثير حق عليه العذاب يسجد أي كراهية وعلى رغمه إما بظله وإما بخضوعه عند المكاره. فقوله: معطوف على ما تقدم يعني عطف الجمل لا أنه هو وحده عطف على ما قبله بدليل أنه قدره المبتدأ وخبره قوله: يسجد.

стр. 8432

فصل قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس﴾ يوحده، ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب﴾ ممن لا يوحده، وروي عنه أنه قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس﴾ في الجنة. وهذه الرواية تؤكد أن قوله ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس﴾ مبتدأ وخبره محذوف. وقال آخرون الوقف على قوله ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس﴾ ثم استأنف بواو الاستئناف فقال: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب﴾ . (وأما قوله تعالى ﴿وَمَن يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ فالمعنى أن الذين حق عليهم العذاب) ليس لهم أحد يقدر على إزالة ذلك الهوان عنهم مكرماً لهم. ثم بين بقوله ﴿إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ أنه الذي يصح منه الإكرام والهوان يوم القيامة بالثواب والعقاب. قوله تعالى : ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبِّهِمْ﴾ الآية. لما بين أن الناس قسمان منهم من يسجد لله، ومنهم من حق عليه العذاب ذكر هاهنا كيفية اختصامهم. والخصم: في الأصل مصدر ولذلك يوحد ويذكر غالباً، وعليه قوله تعالى ﴿نَبَأُ الخصم إِذْ تَسَوَّرُواْ﴾ [ص: ٢١] . ويجوز أن يثنى ويجمع ويؤنث، وعليه هذه الآية. ولما كان كل خصم فريقاً يجمع طائفة قال «اختصموا بصيغة الجمع كقوله: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: ٩] فالجمع مراعاة للمعنى وقرأ ابن أبي عبلة» اختصما «مراعاة للفظ وهي مخالفة للسواد. وقال أبو البقاء: وأكثر الاستعمال توحيده فيمن ثناه وجمعه حمله على الصفات والأسماء. و» اخْتَصَمُوا «إنما جمع حملاً على المعنى لأن كل خصم تحته أشخاص.

стр. 8433

وقال الزمخشري: الخَصْم صفة وصف بها الفوج أو الفريق، فكأنه قيل: هذان فوجان أو فريقان يختصمان، وقوله:» هَذَانِ «للفظ، و» اختَصَمُوا «للمعنى، كقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ﴾ [محمد: ١٦] ، ولو قيل: هؤلاء خصمان أو اختصما جاز أن يراد المؤمنون والكافرون. قال شهاب الدين: إن عنى بقوله: أن خصماً صفة بطريق الاستعمال المجازي فمسلم، لأن المصدر يكثر الوصف به، وإن أراد أنه صفة حقيقية فخطأه ظاهر لتصريحهم بأن نحو رجل خَصْم مثل رجل عَدْل، وقوله:» هذان «للفظ. أي: إنما أشير إليهم إشارة المثنى، وإن كان في الحقيقة المراد الجمع باعتبار لفظ الفوجين والفريقين ونحوهما. وقوله: كقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ﴾ [محمد: ١٦] إلى آخره فيه نظر، لأن في تيك الآية تقدم شيء له لفظ ومعنى وهو» من «، وهنا لم يتقدم شيء له لفظ ومعنى. وقوله تعالى: ﴿فِي رَبِّهِمْ﴾ أي: في دين ربهم،، فلا بد من حذف مضاف أي جادلوا في دينه وأمره. وقرأ الكسائي في رواية عنه» خصمان «بكسر الخاء. واحتج من قال أقل الجمع اثنان بقوله: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا﴾ . وأجيب بأن المعنى جمع كما تقدم. فصل اختلفوا في تفسير الخَصْمَيْن، فقيل: المراد طائفة المؤمنين وجماعتهم، وطائفة الكفار وجماعتهم، وأن كل الكفار يدخلون في ذلك، قال ابن عاس: رجع أهل الأديان الستة» في رَبِّهِم «أي في ذاته وصفاته. وقيل: إنّ أهل الكتاب قالوا: نحن أحق بالله، وأقدم منكم كتاباً، ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تكتمونه، وكفرتم به حسداً، فهذه خصومتهم في ربهم. وقيل: هو ما روى قيس بن عباد عن أبي ذر الغفاري

стр. 8434

أنه كان يحلف بالله أن هذه الآية نزلت في ستة نفر من قريش تبارزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن المغيرة. وقال علي ﵁ أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله. وقال عكرمة: هما الجنة والنار. قالت النار: خلقني الله لعقوبته، وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته، فقص الله على محمد خبرهما. والأقرب هو الأول؛ لأن السبب وإن كان خاصاً فالواجب حمل الكلام على ظاهره. وقوله: «هَذَانِ» كالإشارة إلى ما تقدم ذكره، وهم الأديان الستة المذكورون في قوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ [الحج: ١٧] . وأيضاً ذكر صنفين أهل طاعته وأهل معصيته ممن حق عليه العذاب، فوجب رجوع ذلك إليهما، فمن خص به مشركي العرب واليهود من حيث قالوا في نبيهم وكتابهم ما حكينا فقد أخطأ، وهذا هو الذي يدل على أن قوله: ﴿إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج: ١٧] أراد به الحكم، لأن ذلك التخاصم يقتضي أن الواقع بعده حكماً. فبين تعالى حكمه في الكفار، وذكر من أحوالهم ثلاثة أمور: أحدها: قوله: ﴿فالذين كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ﴾ ، وهذه الجملة تفصيل وبيان لفصل الخصومة المعني بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج: ١٧] قاله الزمخشري. وعلى هذا فيكون «هَذَانِ خَصْمَانِ» معترضاً، والجملة من «اخْتَصَمُوا» حالية وليست مؤكدة لأنها أخص من مطلق الخصومة المفهومة من «خَصْمَان» وقرأ الزعفراني في اختياره «قُطِعَتْ» مخفف الطاء، والقراءة المشهورة تفيد التكثير وهذه تحتمله. والمراد بالثياب إحاطة النار بهم كقوله ﴿لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] ، وقال سعيد بن جبير: ثياب من نحاس مذاب. وقال بعضهم: يلبس أهل النار مقطعات من النار.

стр. 8435

قوله: «يُصَبُّ» هذه الجملة تحتمل أن تكون خبراً ثانياً للموصول، وأن تكون حالاً من الضمير في «لَهُمْ» ، وأن تكون مستأنفة. والحميم الماء الحار الذي انتهت حرارته، قال ابن عباس: لو قطرت منه قطرة على جبال الدنيا لأذابتها. قوله: «يُصْهَر» جملة حالية من الحميم، والصهر الإذابة، يقال: صَهَرْتُ الشحم، أي: أذبته، والصهارة الألية المذابة، وصهرته الشمس: أذابته بحرارتها، قال: ٣٧٥٣ - تَصْهَرُه الشَّمْسُ وَلَا يَنْصَهِر ... وسمي الصِّهْرُ صِهْراً لامتزاجه بأصهاره تخيلاً لشدة المخالطة. وقرأ الحسن في آخرين «يُصَهِّر» بفتح الصاد وتشديد الهاء مبالغة وتكثيراً لذلك، والمعنى: أن الحميم الذي يصب من فوق رؤوسهم يذيب ما في بطونهم من الشحوم والأحشاء. قوله: «والجُلُود» فيه وجهان: أظهرهما: عطفه على «ما» الموصولة، أي: يذيب الذي في بطونهم من الأمعاء، ويذاب أيضاً الجلود، أي يذاب ظاهرهم وباطنهم. والثاني: أنه مرفوع بفعل مقدر أي: يحرق الجلود. قالوا: لأن الجلد لا يذاب إنما ينقبض وينكمش إذا صلي بالنار، وهو في التقدير كقوله: ٣٧٥٤ - عَلَفْتُهَا تِبْناً (وَمَاءً بَارِداً)

стр. 8436

٣٧٥٥ - وَزَجَّجْنَ الحَوَاجِبَ والعُيُونَا ... ﴿والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان﴾ [الحشر: ٩] فإنه على تقدير: وسقيتها ماء، وكحلن العيون، واعتقدوا الإيمان. قوله: «وَلَهُمْ مَقَامِعُ» يجوز في هذا الضمير وجهان: أظهرهما: أنه يعود على «الذين كفروا» ، وفي اللام حينئذ قولان: أحدهما: أنها للاستحقاق. والثاني: أنها بمعنى (على) كقوله: «وَلَهُمُ اللَّعْنَة» وليس بشيء. والوجه الثاني: أن الضمير يعود على الزبانية أعوان جهنم، ودل عليهم سياق الكلام، وفيه بعد. «مِنْ حَدِيد» صفة ل «مَقَامِعُ» ، وهي مِقْمَعَة بكسر الميم، لأنها آلة القمع، يقال: قمعه يقمعه: إذا ضربه بشيء يزجره به، ويذله، والمقمعة: المطرقة، وقيل: السوط، أي: سياط من حديد، وفي الحديث «لَوْ وُضِعَتْ مِقْمَعَةٌ مِنْهَا في الأَرْضِ فَاجْتَمَعَ عَلَيْهَا الثَّقَلَانِ (مَا أَقَلّوهَا) » . قوله: «كُلَّمَا أَرَادُوا» . «كُلّ» نصب على الظرف، وتقدم الكلام في تحقيقها في البقرة، والعامل فيها هنا قوله: «أُعِيدُوا» . و «مِنْ غَمٍّ» فيه وجهان: أظهرهما: أنه بدل من الضمير في «منها» بإعادة العمل بدل اشتمال كقوله:

стр. 8437

﴿لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف: ٣٣] ، ولكن لا بد في بدل الاشتمال من رابط، فقالوا: هو مقدر تقديره: من غمها. والثاني: أنه مفعول له، ولما نقص شرط من شروط النصب جر بحرف السبب. وذلك الشرط هو عدم اتحاد الفاعل، فإن فاعل الخروج غير فاعل الغم، فإن الغم من النار والخروج من الكفار. واعلم أن الإعادة لا تكون إلا بعد الخروج، والمعنى: كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم فخرجوا أعيدوا فيها. ومعنى الخروج ما يروى عن الحسن: أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضُرِبُوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفاً. قوله: «وَذُوقُوا» منصوب بقول مقدر معطوف على «أُعِيدُوا» أي: وقيل لهم: ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾ ، أي: المُحْرِق مثل الأليم والوجيع. قال الزجاج: هو لأحد الخصمين، وقال في الخصم الآخر وهم المؤمنون: ﴿إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ . قوله: «يُحَلَّوْنَ» العامة على ضم الياء وفتح اللام مشددة من حلاه يُحَلِّيه إذا ألبسه الحليّ. وقرئ بسكون الحاء وفتح اللام مخففة، وهو بمعنى الأول كأنهم عدوه تارة بالتضعيف وتارة بالهمزة. قال أبو البقاء: من قولك: أُحْلي أي: أُلبس الحلي هو بمعنى المشدد. وقرأ ابن عباس بفتح الياء وسكون الحاء وفتح اللام مخففة، وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنه من حَلِيَت المرأة تَحْلَى فهي حال، وكذلك حَلِيَ الرجل فهو حال، إذا لبسا الحلي (أو صارا ذوي حليّ) .

стр. 8438

الثاني: أنه من حَلِيَ بعيني كذا يحلى إذا استحسنه، و «من» مزيدة في قوله «من أساور» قال: فيكون المعنى: يستحسنون فيها الأساور الملبوسة ولما نقل أبو حيان هذا الوجه عن أبي الفضل الرازي قال: وهذا ليس بجيد، لأنه جعل حلي فعلاً متعدياً، ولذلك حكم بزيادة (من) في الواجب، وليس مذهب البصريين، وينبغي على هذا التقدير أن لا يجوز، لأنه لا يحفظ بهذا المعنى إلا لازماً، فإن كان بهذا المعنى كانت «من» للسبب، أي بلباس أساور الذهب يُحَلّون بعين من رآهم أي يحلى بعضهم بعين بعض. وهذا الذي نقله عن أبي الفضل قاله أبو البقاء، وجوز في مفعول الفعل وجهاً آخر فقال: ويجوز أن يكون من حلي بعيني كذا إذا حسن، وتكون «من» مزيدة، أو يكون المفعول محذوفاً و «مِنْ أَسَاوِرَ» نعت له. فقد حكم عليه بالتعدي ليس إلا، وجوز في المفعول الوجهين المذكورين. والثالث: أنه من حلي بكذا إذا ظفر به، فيكون التقدير: يُحَلَّوْنَ بأساور، و «من» بمعنى الباء، ومن مجيء حلي بمعنى ظفر قولهم: لم يَحْلَ فلان بطائل أي: لم يظفر به. واعلم أن حلي بمعنى لبس الحلي أو بمعنى ظفر من مادة الياء لأنها من الحلية وأما حلي بعيني كذا، فإنه من مادة الواو؛ لأنه من الحلاوة، وإنما قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. قوله: ﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ . في من الأولى ثلاثة أوجه: أحدها: أنها زائدة كما تقدم تقريره عن الرازي وأبي البقاء، وإن لم يكن من أصول البصريين. الثاني: أنها للتبعيض أي: بعض أساور. الثالث: أنها لبيان الجنس قاله ابن عطية، وبه بدأ وفيه نظر، إذ لم يتقدم شيء

стр. 8439

مبهم وفي «مِنْ ذَهَبٍ» لابتداء الغاية، وهي نعت لأساور. كما تقدم. وقرأ ابن عباس «مِنْ أسور» دون ألف ولا هاء، وهو محذوف من «أساور» كما قالوا: جندل والأصل جنادل. قال أبو حيان: وكان قياسه صرفه، لأنه نقص بناؤه فصار كجندل لكنه قدر المحذوف موجوداً فمنعه الصرف. قال شهاب الدين: فقد جعل التنوين في جندل المقصور من جنادل تنوين صرف، وقد نصَّ بعض النحاة على أنه تنوين عوض، كهو في جوارٍ وغواشٍ وبابهما والأساور جمع سوار. قوله: «ولُؤْلُؤاً» قرأ نافع وعاصم بالنصب، والباقون بالخفض. فأما النصب ففيه أربعة أوجه: أحدها: أنه منصوب بإضمار فعل تقديره: ويؤتون لؤلؤاً، ولم يذكر الزمخشري غيره، وكذا أبو الفتح حمله على إضمار فعل. الثاني: أنه منصوب نسقاً على موضع «مِنْ أَسَاوِرَ» وهذا كتخريجهم «وَأَرْجُلَكُم» بالنصب عطفاً على محل «برؤوسكم» ، ولأن ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ في قوة: يلبسون أساور، فحمل هذا عليه. الثالث: أنه عطف على «أَسَاوِرَ» ، لأن «من» مزيدة فيها كما تقدم. الرابع: أنه معطوف على ذلك المفعول المحذوف، التقدير يحلون فيها الملبوس من أساور ولؤلؤاً ف «لُؤلُؤاً» عطف على الملبوس.

стр. 8440

وأما الجر فعلى وجهين: أحدهما: عطفه على «أَسَاوِر» . والثاني: عطفه على «مِنْ ذَهَب» ، (لأنَّ السوار يتخذ من اللؤلؤ أيضاً بنظم بعضه إلى بعض. فقد منع أبو البقاء أن يعطف على «ذَهَب» ) . قال: لأنَّ السوار لا يكون من اللؤلؤ في العادة. قال شهاب الدين: بل قد يتخذ منه في العادة السوار. واختلف الناس في رسم هذه اللفظة في الإمام فنقل الأصمعي أنها في الإمام «لؤلؤ» بغير ألف بعد الواو. ونقل الجحدري أنها ثابتة في الإمام بعد الواو وهذا الخلاف بعينه قراءة وتوجيهاً جارٍ في حرف فاطر أيضاً. وقرأ أبو بكر في رواية المعلى بن منصور عنه «لؤلؤاً» بواو أولاً وياء آخراً، والأصل «لؤلؤاً» أبدل الهمزتين واوين، فبقي في آخر الاسم واو بعد ضمة، ففعل فيها ما فعل بأدل جمع دلو بأن قلبت الواو ياء والضمة كسرة.
следующие страницы →