← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.

стр. 8471

وهي حال مؤكدة إذ يلزم من كونهم «حنفاء» عدم الإشراك أي مخلصين له، أي تمسكوا بالأوامر والنواهي على وجه العبادة لله وحده لا على وجه إشراك غير الله به، فلذلك قال ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ . ثم قال: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء﴾ أي: سقط من السماء إلى الأرض. قوله: «فَتَخْطَفُهُ» . قرأ نافع بفتح الخاء والطاء مشددة، وأصلها تختطفه فأدغم. وباقي السبعة «فتَخْطَفُه» بسكون الخاء وتخفيف الطاء. وقرأ الحسن والأعمش وأبو رجاء بكسر التاء والخاء والطاء مع التشديد. وروي عن الحسن أيضاً بفتح الطاء مشددة مع كسر التاء والخاء. وروي عن الأعمش كقراءة العامة إلا أنه بغير فاء «تخطفه» وتوجيه هذه القراءات قد تقدم في أوائل البقرة عند قوله: ﴿يَكَادُ البرق يَخْطَفُ﴾ [البقرة: ٢٠] . وقرأ أبو جعفر «الرياح» جمعاً. وقوله: «خَرّ» في معنى (تخر) ، ولذلك عطف عليه المستقبل وهو «فتَخْطَفُه» . ويجوز أن يكون على بابه ولا يكون «فَتَخْطَفُهُ» عطفاً عليه بل هو خبر مبتدأ مضمر أي: فهو تخطفه. قال الزمخشري: يجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق فإن كان تشبيهاً مركباً، فكأنه قال: من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكاً ليس وراءه إهلاك بأن صور حاله بصورة حال مَنْ خَرّ من السماء فاختطفته

стр. 8472

الطير فتفرق مُزَعاً في حواصلها، أو عصفت به الرياح حتى هوت به في بعض المطاوح البعيدة. وإن كان مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوّه بالسماء، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط من السماء والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يطوح به في وادي الضلال بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة. والسحيق البعيد، ومنه: سَحَقَهُ الله، أي: أبعده، ومنه قول ﵇: «سُحْقاً سُحْقاً» أي بُعْداً بُعْداً. والنخلة السحوق الممتدة في السماء من ذلك. قوله تعالى: ﴿ذلك وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله﴾ الآية. إعراب «ذَلِك» كإعراب «ذَلِكَ» المتقدم وتقدم تفسير الشعيرة واشتقاقها في المائدة. والمعنى: ذلك الذي ذكرت من اجتناب الرجس، وقول الزور، وتعظيم شعائر الله من تقوى القلوب. قال ابن عباس: شعائر الله البُدْن والهدايا. وأصلها من الإشعار وهو إعلامها لتعرف أنها هَدْي، وتعظيمها استحسانها واستسمانها. وقيل: شعائر الله أعلام دينه. وقيل: مناسك الحج.

стр. 8473

قوله: ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب﴾ . أي: فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات، ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها، لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى (من) ليرتبط به، وإنما ذكرت القلوب، لأن المنافق قد يظهر التقوى من نفسه وقلبه خال عنها، فلهذا لا يكون مجدّاً في الطاعات، وأما المخلص الذي تمكنت التقوى من قلبه فإنه يبالغ في أداء الطاعات على سبيل الإخلاص. واعلم أن الضمير في قوله: ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه ضمير الشعائر على حذف مضافه، أي: فإن تعظيمها من تقوى القلوب. والثاني: أنه ضمير المصدر المفهوم من الفعل قبله، أي: فإن التعظيم من تقوى القلوب والعائد على اسم الشرط من هذه الجملة الجزائية مقدر تقديره: فإنها من تقوى القلوب منهم. ومن جوَّز إقامة (أل) مقام الضمير - وهم الكوفيون -، أجاز ذلك هنا، والتقدير: من تقوى قلوبهم كقوله: ﴿فَإِنَّ الجنة هِيَ المأوى﴾ [النازعات: ٤١] . والعامة على خفض «القلوب» ، وقرئ برفعها، فاعلة للمصدر قبلها وهو «تقوى» .

стр. 8474

قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ أي: في الشعائر بمعنى الشرائع، أي: لكم في التمسك

стр. 8475

بها. وقيل: في بهيمة الأنعام، وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك. ورواه مقسمٌ عن ابن عباس. وعلى هذا فالمنافع درها ونسلها وأصوافها وأوبارها وركوب ظهرها إلى أجل مسمى، وهو أن يسميها ويوجبها هدياً؛ فإذا فعل ذلك لم يكن له شيء من منافعها. وروي عن ابن عباس أن في البدن منافع مع تسميتها هدياً بأن تركبوها إن احتجتم إليها، وتشربوا لبنها إن احتجتم إليه، إلى أجل مسمّى إلى أن تنحروها. وهذا اختيار الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق، وهو أَوْلى؛ لأن النبي ﷺ َ - «مَرَّ برجلٍ يَسُوقُ بَدَنَةً وهو في جهد، فقال ﵇:» ارْكَبْهَا «. فقال يا رسول الله إنها هدي. فقال:» ارْكَبْهَا ويلك «قال ﵇:» اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهراً «واحتج أبو حنيفة على أنه لا يملك من منافعها بأنه لا يجوز له أن يؤجرها للركوب فلو كان مالكاً لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها كمنافع سائر المملوكات. وأجيب بأن هذا قياس في معارضة النص فلا عبرة به، وأيضاً فإن أم الولد لا يملك بيعها ويمكنه الانتفاع بها فكذا ههنا. ومن حمل المنافع على سائر الواجبات يقول:» لَكُمْ فِيهَا «أي: في التمسك بها منافع إلى أجل ينقطع التكليف عنده. والأول قول جمهور المفسرين لقوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق﴾ أي: لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم وأعظم هذه المنافعِ محلها إلى البيت العتيق، أي: وقت وجوب نحرها منتهية إلى البيت كقوله ﴿هَدْياً بَالِغَ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥] . وقوله:» مَحِلُّهَا «يعني حيث يحل نحرها، وأما» البيت العتيق «فالمراد به الحرم كله لقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا﴾ [التوبة: ٢٨] أي: الحرم كله، فالمنحر على هذا القول مكة، ولكنها نزهت عن الدماء إلى منى، ومنى من مكة قال ﵇:»

стр. 8476

كل فجاج مكة منحر، (وكل فجاج منى منحر) «قال القفال: هذا إنما يختص بالهدايا التي تبلغ منى، فأما الهدي المتطوع به إذا عطب قبل بلوغ مكة فإن محلها موضعه. ومن قال: الشعائر المناسك فإن معنى قوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق﴾ أي: محل الناس من إحرامهم إلى البيت العتيق أن يطوفوا به طواف الزيارة (يوم النحر) . قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً﴾ الآية. قرأ الأخوان هذا وما بعده» منسِكاً «بالكسر. والباقون بالفتح. فقيل: هما بمعنى واحد، والمراد بالمنسك مكان النسك أو المصدر. وقيل: المكسور مكان، والمفتوح مصدر. قال ابن عطية: والكسر في هذا من الشاذ ولا يسوغ فيه القياس، ويشبه أن يكون الكسائي سمعه من العرب. قال شهاب الدين: وهذا الكلام منه غير مرضي، كيف يقول: ويشبه أن يكون الكسائي سمعه. والكسائي يقول: قرأت به. فكيف يحتاج إلى سماع مع تمسكه بأقوى السماعات، وهو روايته لذلك قرأنا متواتراً. وقوله: من الشاذ: يعني قياساً لا استعمالاً فإنه فصيح في الاستعمال، وذلك أن فعل يفعُل بضم العين في المضارع قياس الفعل منه أن يفتح عينه مطلقاً، أي: سواء أريد به الزمان أم المكان أم

стр. 8477

المصدر، وقد شذت ألفاظ ضبطها النحاة في كتبهم مذكورة في هذا الكتاب. فصل «وَلِكُلِّ أُمَّةٍ» (أي: جماعة مؤمنة سلفت قبلكم من عهد إبراهيم ﵇ «جَعَلْنَا مَنْسَكاً» ) أي ضرباً من القربان، وجعل العلة في ذلك أن يذكر اسمه عند ذبحها ونحرها فقال: ﴿لِّيَذْكُرُواْ اسم الله على مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الأنعام﴾ أي: عند الذبح والنحر لأنها لا تتكلم. وقال: «بَهِيمة الأَنْعَام» قيد بالنعم، لأن من البهائم ما ليس من الأنعام كالخيل والبغال والحمير لا يجوز ذبحها في القرابين، وكانت العرب تسمي ما تذبحه للصَّنَم العتر والعتيرة كالذبح والذبيحة. قوله: ﴿فإلهكم إله وَاحِدٌ﴾ في كيفية النظم وجهان: الأول: أن الإله واحد، وإنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف المصالح. والثاني: ﴿فإلهكم إله وَاحِدٌ﴾ لا تذكروا على ذبائحكم غير اسمه. «فَلَهُ أَسْلِمُوا» انقادوا وأطيعوا، فمن انقاد لله كان مخبتاً فلذلك قال بعده «وَبَشِّر المُخْبِتِينَ» . قال ابن عباس وقتادة: المخبت المتواضع الخاشع وقال مُجاهد: المطمئن إلى الله. والخبت المكان المطمئن من الأرض. قال أبو مسلم: حقيقة المخبت من صار في خبت من الأرض تقول: أخبت الرجل إذا صار في الخبت كما يقال: أنجد وأَتْهَمَ وأشَأم.

стр. 8478

وقال الكلبي: هم الرقيقة قلوبهم. وقال عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون وإذا ظُلِموا لم ينتصروا. قوله: ﴿الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ . يجوز أن يكون هذا الموصول في موضع جر أو نصب أو رفع، فالجر من ثلاثة أوجه: النعت للمخبتين، أو البدل منهم، أو البيان لهم. والنصب على المدح. والرفع على إضمارهم وهو مدح أيضاً، ويسميه النحويون قطعاً. والمعنى: إذا ذكر الله ظهر عليهم الخوف من عقاب الله والخشوع والتواضع لله، والصابرين على ما أصابهم من البلايا والمصائب من قبل الله، لأنه الذي يجب الصبر عليه كالأمراض والمحن، فأما ما يصيبهم من قبل الظَّلَمة فالصبر عليه غير واجب بل لو أمكنه دفع ذلك لزمه الدفع ولو بالمقاتلة. قوله: «والمُقِيْمي الصَّلَاةِ» في أوقاتها. والعامة على خفض «الصَّلَاة» بإضافة المقيمين إليها. وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية بنصبها على حذف النون تخفيفاً كما تحذف النون لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن مسعود والأعمش بهذا الأصل «والمُقِيْمِينَ الصَّلاة» بإثبات النون ونصب الصلاة. وقرأ الضحاك: «والمُقِيْم الصَّلَاة» بميم ليس بعدها

стр. 8479

شيء. وهذه لا تخالف قراءة العامة لفظاً وإنما يظهر مخالفتها لها وقفاً وخطاً. ثم قال: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ أي: يتصدقون فهم خائفون خاشعون متواضعون لله مشتغلون بخدمة ربهم بالبدن والنفس والمال. قوله تعالى : ﴿والبدن جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ الله﴾ الآية. العامة على نصب «البُدْنَ» على الاشتغال، ورجح النصب وإن كان محوجاً للإضمار على الرفع الذي لم يحوج إليه، لتقدم جملة فعلية على جملة الاشتغال وقرئ برفعها على الابتداء والجملة بعدها الخبر والعامة أيضاً على تسكين الدال. وقرأ الحسن ويروى عن نافع وشيخه أبي جعفر بضمها، وهما جمعان لبدنة نحو ثَمَرة وثُمُر وثُمْر، فالتسكين يحتمل أن يكون تخفيفاً من المضموم وأن يكون أصلاً وقيل: البُدُن والبُدْنِ جمع بَدَن، والبَدَن جمع بَدَنَة نحو خشبة وخشب ثم يجمع خشباً على خُشْب وخُشُب. وقيل: البُدْن اسم مفرد لا جمع يعنون اسم الجنس. وقرأ ابن أبي إسحاق: «البُدُنّ» بضم الباء والدال وتشديد النون وهي تحتمل وجهين: أحدهما: أنه قرأ كالحسن فوقف على الكلمة وضعف لامها، كقولهم: هذا فرج ثم أجري الوصل مجرى الوقف في ذلك ويحتمل أن يكون اسماً على فُعُلّ كعُتُلّ.

стр. 8480

وسميت البدنة بدنة، لأنها تبدن أي تسمن. وهل تختص بالإبل؟ الجمهور على ذلك، قال الزمخشري: والبدن جمع بدنة سميت لعظم بدنها وهي الإبل خاصة لأن رسول الله ﷺ َ - ألحق البقر بالإبل حين قال: «البَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، والبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ» فجعل البقر في حكم الإبل، فصارت البدنة متناولة في الشريعة للجنسين عند أبي حنيفة وأصحابه، وإلا فالبدن هي الإبل، وعليه تدل الآية. وقيل: لا تختص بالإبل، فقال الليث: البدنة بالهاء تقع على الناقة والبقرة والبعير، وما يجوز في الهدي والأضاحي، ولا تقع على الشاة. وقال عطاء وغيره: ما أشعر من ناقة أو بقرة، لقول النبي ﷺ َ - حين سئل عن البقر فقال: «وهَلْ هِيَ إِلَا مِنَ البُدْن» (وقيل: البدن يراد به العظيم السن من الإبل والبقر) . ونقل النووي في تحرير ألفاظ التنبيه عن الأزهري أنه قال: البدنة تكون من الإبل والبقر والغنم. ويقال للسمين من الرجال، وهو اسم جنس مفرد. قوله: ﴿مِّن شَعَائِرِ الله﴾ هو المفعول الثاني للجعل بمعنى التصيير. وقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ الجملة حال من هاء «جَعَلْنَاهَا» ، وإما من «شَعَائِرِ اللَّهِ» وهذان مبنيان على أن الضمير في «فِيْهَا» هل هو عائد على «البُدْن» أو على «شعائر الله» ، والأول قول الجمهور. قوله: ﴿فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾ . نصب «صَوَافَّ» على الحال، أي مصطفة جنب بعضها إلى بعض. وقرأ أبو موسى الأشعري والحسن ومجاهد وزيد بن أسلم «صَوَافِي» جمع صافية، أي: خالصة لوجه الله تعالى. وقرأ عمرو بن عبيد كذلك إلا أنه نون الياء فقرأ «صَوَافِياً» . واستشكلت من حيث إنه جمع متناه، وخرجت على وجهين: أحدهما: ذكره الزمخشري: وهو أن يكون التنوين عوضاً من حرف الإطلاق عند

стр. 8481

الوقف، يعني أنه وقف على «صَوافِي» بإشباع فتحة الياء فتولد منها ألف، يسمى حرف الإطلاق، ثم عوض عنه هذا التنوين، وهو الذي يسميه النحويون تنوين الترنم. والثاني: أنه جاء على لغة من يصرف ما لا ينصرف. وقرأ الحسن «صَوَافٍ» بالكسر والتنوين، وجهها أنه نصبها بفتحة مقدرة فصار حكم هذه الكلمة كحكمها حالة الرفع والجر في حذف الياء وتعويض التنوين نحو هؤلاء جوار، ومررت بجوار وتقدير الفتحة في الياء كثير كقولهم: ٣٧٦٥ - أَعْطِ القَوْسَ بَارِيْهَا ... وقوله: ٣٧٦٦ - كَأَنَّ أَيْدِيْهِنَّ بِالقَاعِ القَرِقْ ... أَيْدِي جَوَارٍ يَتَعَاطَيْنَ الوَرِقْ

стр. 8482

وقول الآخر: ٣٧٦٧ - وَكَسَوْتُ عَارٍ لَحْمَه ... ويدل على هذه قراءة بعضهم «صَوَافِيْ» بياء ساكنة من غير تنوين نحو رأيت القاضي يا فتى. بسكون الياء. ويجوز أن يكون سكن الياء في هذه القراءة للوقف ثم أجرى الوصل مجراه. وقرأ العبادلة ومجاهد والأعمش «صَوَافِنَ» بالنون جمع صافنة، وهي التي تقوم على ثلاثة وطرف الرابعة أي: على طرف سنبكه، لأن البدنة تعلق إحدى يديها، فتقوم على ثلاثة إلا أن الصوافن إنما يستعمل في الخيل كقوله: «الصَّافِنَاتُ الجِيَاد» كما سيأتي، فيكون استعماله في الإبل استعارة. فصل سميت البدنة بدنة لعظمها يريد الإبل العظام الصحاح الأجسام، يقال: بَدَنَ الرجل بُدْناً وبَدَانَةً: إذا ضَخُم، فأما إذا أسن واسترخى يقال: بَدَّنَ تَبْدِيْناً. ﴿جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ الله﴾ أي: من أعلام دينه، سميت شعائر، لأنها تشعر، وهو أن تطعن بحديدة في سنامها فيعلم أنها هَدْي. ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ النفع في الدنيا والأجر في العقبى. ﴿فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا﴾ عند نحرها «صَوَافَّ» أي قياماً على ثلاث قوائم قد صفت رجليها وإحدى يديها ويدها اليسرى معقولة فينحرها كذلك لما روى زياد بن جبير

стр. 8483

قال: رأيت ابن عمر أتى على رجل قد أناخ بدنة ينحرها فقال: ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد ﷺ َ -. وقال مجاهد: الصواف إذا علقت رجلها اليسرى وقامت على ثلاث. قال المفسرون: قوله: ﴿فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا﴾ فيه حذف أي اذكروا اسم الله على نحرها، وهو أن يقال عند النحر: باسم الله والله أكبر ولا إله إلا الله والله أكبر اللهم منك وإليك. والحكمة في اصطفافها ظهور كثرتها للناظر فتقوى نفوس المحتاجين، ويكون التقرب بنحرها عند ذلك أعظم أجراً، وإعلاء اسم الله وشعائر دينه. فصل إذا قال: لله عليَّ بدنة، هل يجوز نحرها في غير مكة؟ قال أبو حنيفة ومحمد يجوز وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بمكة. واتفقوا في من نذر هدياً أن عليه ذبحه بمكة. ومن قال: لله عليَّ جزور أنه يذبحه حيث شاء. وقال أبو حنيفة: البدنة بمنزلة الجزور، فوحب أن يجوز له نحرها حيث يشاء، بخلاف الهدي فإنه قال: ﴿هَدْياً بَالِغَ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥] فجعل بلوغ الكعبة من صفة الهدي. واحتج أبو يوسف بقوله: ﴿والبدن جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ الله﴾ فكان اسم البدنة يفيد كونها قربة فكان كاسم الهدي. وأجاب أبو حنيفة بأنه ليس كل ما كان ذبحه قربة اختص بالحرم، فإن الأضحية قربة وهي جائزة في سائر الأماكن. قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ أي سقطت بعد النحر فوقعت جنوبها على الأرض. وأصل الوجوب السقوط، يقال: وجبت الشمس إذا سقطت للمغيب، ووجب الجدار: أي سقط، ومنه الواجب الشرعي كأنه وقع علينا ولزمنا. قال أوس بن حجر: ٣٧٦٨ - أَلَمْ تُكْسَفِ الشَّمْسِ شَمْسُ النَّهَا ... ر والبَدْرُ لِلْجَبَلِ الوَاجِبِ

стр. 8484

قوله: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ القانع والمعتر﴾ أمر إباحة ﴿وَأَطْعِمُواْ القانع والمعتر﴾ اختلفوا في معناهما، فقال عكرمة وإبراهيم وقتادة: القانع الجالس في بيته المتعفف يقنع بما يعطى ولا يسأل. والمعتر الذي يسأل. قال الأزهري: قال ابن الأعرابي: يقال: عَرَوْتُ فلاناً وأعْتَرَيْتُه وعَرَرْتَه واعْتَرَرْته: إذا أتيته تطلب معروفه ونحوه. قال أبو عبيدة: روى العوفي عن ابن عباس: القانع الذي لا يتعرض ولا يسأل، والمعتر الذي يريك نفسه ويتعرض ولا يسأل. فعلى هذين التأويلين يكون القانع من القناعة، يقال: قَنِعَ قَنَاعَةً: إذا رضي بما قسم له. وقال سعيد بن جبير والحسن والكلبي: القانع الذي يسأل، والمعتر الذي يتعرض ولا يسأل. وقيل: القانع الراضي بالشيء اليسير من قَنِعَ يَقْنَعُ قَنَاعَةً فهو قانع. والقنع بغير ألف هو السائل. ذكره أبو البقاء. وقال الزمخشري القانع السائل من قَنَعْتُ وكَنَعْتُ إذا خضعت له وسألته قنوعاً، والمُعتَرّ: المتعرض بغير سؤال أو القانع الراضي بما عنده وبما يعطى من غير سؤال من قَنِعْتُ قَنَعاً وقَنَاعَةً، والمعتر المتعرض للسؤال. انتهى. وفرق بعضهم بين المعنيين بالمصدر فقال: «قَنَعَ يَقْنَع قُنُوعاً» أي: سأل، وقناعةً أي: تعفف ببلغته واستغنى به، وأنشد للشماخ: ٣٧٦٩ - لَمَالُ المَرْءِ يُصْلِحه فيُغْنِي ... مَفَاقِرهُ أَعَفُّ مِنَ القُنُوْعِ وقال ابن قتيبة: المعتر المتعرض من غير سؤال، يقال: عَرّهُ واعْتَرّهُ وَعَرَاهُ واعْتَرَاهُ أي: أتاه طالباً معروفه، قال:

стр. 8485

٣٧٧٠ - لَعَمْرُكَ مَا المُعْتَرُّ يَغْشَى بِلَادَنَا ... لِنَمْنَعَهِ بِالضَّائِعِ المُتَهَضِّمِ وقول الآخر. ٣٧٧١ - سَلِي الطَّارِقَ المُعْتَرَّ يا أُمَّ مَالِكٍ ... إِذَا ما اعْتَرَانِي بَيْنَ قِدْرِي وَمَجزَرِي وقرأ أبو رجاء: «القَنِعَ» دون ألف، وفيها وجهان: أحدهما: أن أصلها القانع فحذف الألف كما قالوا: مِقْوَل، ومِخْيَط وجَنَدِل وعُلَبِط في مِقْوَال، ومِخْيَاط، وجَنَادِل، وعُلَابِط. والثاني: أن القانع هو الراضي باليسير، والقَنِع السائل كما تقدم تقريره. قال الزمخشري: والقنع الراضي لا غير. وقرأ الحسن: «والمُعْتَرِي» اسم فاعل من اعْتَرَى يَعْتَرِي وقرأ إسماعيل ويروى عن أبي رجاء والحسن أيضاً «والمُعْتَرِ» بكسر الراء اجتزاء بالكسر عن لام الكلمة. وقرئ «المُعْتَرِي» بفتح التاء، قال أبو البقاء: وهو في معناه أي: في معنى «المُعْتَر» في قراءة العامة. قال بعضهم: والأقرب أن

стр. 8486

القانع هو الراضي بما يدفع إليه من غير سؤال وإلحاح، والمعتر: هو الذي يعترض ويطالب ويعتريهم حالاً بعد حال فيفعل ما يدل على أنه لا يقنع بما يدفع إليه أبداً. وقال ابن زيد: القانع المسكين، والمعتر الذي ليس بمسكين، ولا يكون له ذبيحة، ويجيء إلى القوم فيتعرض لهم لأجل لحمهم. قوله: «كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا» . الكاف نعت مصدر أو حال من ذلك المصدر، أي مثل وصفنا ما وصفنا من نحرها قياماً سخرناها لكم نعمة منا لتتمكنوا من نحرها. «لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون» لكي تشكروا إنعام الله عليكم. قوله: ﴿لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا﴾ العامة على القراءة بياء الغيبة في الفعلين، لأن التأنيث مجازي، وقد وجد الفصل بينهما. وقرأ يعقوب بالتاء فيهما اعتباراً باللفظ. وقرأ زيد بن عليّ ﴿لُحُومَهَا وَلَا دِمَاءَها﴾ بالنصب والجلالة بالرفع، «وَلكِنْ يُنَالُهُ» بضم الياء على أن القائم مقام الفاعل «التَّقْوَى» . و «مِنْكُم» حال من التقوى، ويجوز أن يتعلق بنفس «يناله» . فصل لما كانت عادة الجاهلية إذا نحروا البدن لطخوا الكعبة بدمائها قربة إلى الله فأنزل الله هذه الآية ﴿لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا﴾ . قال مقاتل: لن يرفع إلى الله لحومها ولا دماؤها. ﴿ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ﴾ أي ولكن يرفع إليه منكم الأعمال الصالحة، وهي التقوى والإخلاص وما أريد به وجه الله. فصل قالت المعتزلة: دلَّت هذه الآية على أمور: أحدها: أن الذي ينتفع به فعله دون الجسم الذي ينحره. وثانيها: أنه سبحانه غني عن كل ذلك وإنما المراد أن يجتهد العبد في امتثال أمره.

стр. 8487

وثالثها: أنه لما لم ينتفع بالأجسام التي هي اللحوم والدماء وانتفع بتقواه، وجب أن يكون تقواه فعلاً له، وإلا كان تقواه بمنزلة اللحوم. ورابعها: أنه لما شرط القبول بالتقوى، وصاحب الكبيرة غير مُتَّقٍ، فوجب أن لا يكون عمله مقبولاً وأنه لا ثواب له. والجواب: أما الأولان فحقان، وأما الثالث فمعارض بالداعي والعلم. وأما الرابع: فصاحب الكبيرة وإن لم يكن متقياً مطلقاً، ولكنه مُتَّقٍ فيما أتى به من الطاعة على سبيل الإخلاص، فوجب أن تكون طاعته مقبولة، وعند هذا تنقلب الآية حجة عليهم. قوله: «كَذَلِكَ سَخَّرهَا» الكاف نعت مصدر أو حال من ذلك المصدر «وَلِتُكَبِّرُوا» متعلق به أي إنما سخرها كذلك لتكبروا الله، وهو التعظيم بما يفعله عند النحر وقبله وبعده. و ﴿على مَا هَدَاكُمْ﴾ متعلق بالتكبير، عُدِّي بعلى لتضمنه معنى الشكر على ما هداكم أرشدكم لمعالم دينه ومناسك حجه، وهو أن يقول: الله أكبر ما هدانا والحمد لله على ما أبلانا وأولانا، ثم قال بعده على سبيل الوعد لمن امتثل أمره «وَبَشِّر المُحْسِنِيْن» كما قال من قبل «وَبَشِّر المُخْبِتِيْن» قال ابن عباس: المحسنين الموحدين. والمحسن الذي يفعل الحسن من الأعمال فيصير محسناً إلى نفسه بتوفير الثواب عليه.

стр. 8488

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين آمنوا﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو «يَدْفَعُ» ، والباقون «يُدَافِع» . وفيه وجهان: أحدهما: أن (فَاعِل) بمعنى (فَعَل) المجرد نحو جاوزته وجزته وسافرت وطارقت.

стр. 8489

والثاني: أنه أُخرج على زنة المفاعلة مبالغة فيه لأن فعل المبالغة أبلغ من غيره. وقال ابن عطية: يحسن «يُدَافِع» لأنه قد عن للمؤمنين من يدفعهم ويؤذيهم فتجيء مقاومته ودفعه عنهم مدافعة. يعني فتختلط فيها المفاعلة. فصل لما بيَّن الحج ومناسكه، وما فيه من منافع الدنيا والآخرة، وذكر قبل ذلك صد الكفار عن المسجد الحرام، أتبع ذلك ببيان ما يزيل الصد ويؤمن معه التمكن من الحج فقال: ﴿إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين آمنوا﴾ قال مقاتل: إن الله يدفع كفار مكة عن الذين آمنوا بمكة، وهذا حين أمر المؤمنين بالكف عن كفار مكة قبل الهجرة حين آذوهم، فاستأذنوا النبي ﷺ َ - في قتلهم سراً فنهاهم. والمعنى: أن الله يدفع غائلة المشركين عن المؤمنين ويمنعهم من المؤمنين ولم يذكر ما يدفعه حتى يكون أفخم وأعظم وأعم، وإن كان في الحقيقة أنه يدافع بأس المشركين، فلذلك قال بعده ﴿إِنَّ الله لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ فنبه بذلك على أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذا صفته وهذه بشارة للمؤمنين بإعلائهم على الكفار، وهو كقوله ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَاّ أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١] وقوله ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ﴾ [غافر: ٥١] وقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون﴾ [الصافات: ٧٢] . ﴿إِنَّ الله لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ﴾ في أمانة الله «كَفُوْرٍ» لنعمته. قال ابن عباس: خافوا الله فجعلوا معه شركاء وكفروا نعمه. قال الزجاج: من تقرب إلى الأصنام بِذَبِيحَتِهِ وذكر عليها اسم غير الله فهو خوان كفور. قال مقاتل: أقروا بالصانع وعبدوا غيره فأي خيانة أعظم من هذه. قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ . قرأ «أُذِنَ» مبنياً للمفعول نافع وأبو عمرو وعاصم،

стр. 8490

والباقون قرأوه مبنياً للفاعل. قال الفراء والزجاج: يعني أذن الله للذين يحرصون على قتال المشركين في المستقبل. وأما «يقاتلون» فقرأه مبنياً للمفعول نافع وابن عامر وحفص، والباقون مبنياً للفاعل. وحصل من مجموع الفعلين أن نافعاً وحفصاً بنياهما للمفعول. وأن ابن كثير وحمزة والكسائي بنوهما للفاعل، (وأن أبا عمرو) وأبا بكر بنيا الأول للمفعول والثاني للفاعل، وأن ابن عامر عكس هذا. فهذه أربع رتب والمأذون فيه محذوف للعلم به أي للذين يقاتلون في القتال. و «بأَنَّهُم ظُلِمُوا» متعلق ب «أُذِنَ» ، والباء سببية، أي بسبب أنهم مظلومون. فصل قال المفسرون: «كان مشركو مكة يؤذون أصحاب رسول الله ﷺ َ - فلا يزالون يجيئون بين مضروب ومشجوج يشكون ذلك إلى رسول الله ﷺ َ - فيقول لهم:» اصْبِرُوا فَإِنِّي لَمْ أُوْمَرْ بِالقِتَال « حتى هاجر رسول الله ﷺ َ - فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهي أول آية أذن الله فيها بالقتال، ونزلت هذه الآية بالمدينة. وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في قوم بأعيانهم خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة، فكانوا يمنعون، فأذن الله لهم في قتال الكفار الذي يمنعونهم من الهجرة «بأنَّهُم ظُلِمُوا» أي بسبب ما ظلموا واعتدوا عليهم بالإيذاء. ﴿وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وهذا وعد منه تعالى بنصرهم، كما يقول المرء لغيره: إن أطعتني فأنا قادر على مجازاتك، لا يعني بذلك القدرة بل يريد أنه سيفعل ذلك. قوله: ﴿الذين أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ يجوز أن يكون «الذين» في محل جر نعتاً للموصول الأول، أو بياناً له، أو بدلاً منه وأن يكون في محل نصب على المدح، وأن يكون في محل رفع على إضمار مبتدأ.

стр. 8491

فصل لما بين أنهم إنما أذنوا في القتال لأجل أنهم ظُلموا، فسر ذلك الظلم بقوله ﴿الذين أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَاّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا الله﴾ ، فبين تعالى ظلمهم لهم بهذين الوجهين: الأول: أنهم أُخرجوا من ديارهم. والثاني: أخرجوهم بسبب قولهم: «رَبُّنَا اللَّه» . وكل واحد من الوجهين عظيم في الظلم. قوله: ﴿إِلَاّ أَن يَقُولُواْ﴾ . فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على الاستثناء المنقطع، وهذا مما يُجمع العرب على نصبه، لأنه منقطع لا يمكن توجه العامل إليه، وما كان كذا أجمعوا على نصبه نحو: ما زاد إلا ما نقص، وما نفع إلا ما ضر. فلو توجه العامل جاز فيه لغتان: النصب وهو لغة الحجاز، وأن يكون كالمتصل في النصب والبدل نحو ما فيها أحد إلا حمار. وإنما كانت الآية الكريمة من الذي لا يتوجه عليه العامل، لأنك لو قلت: الذين أخرجوا من ديارهم إلا أن يقولوا ربنا الله لم يصح. الثاني: أنه في محل جر بدلاً من «حَقّ» . قال الزمخشري: أي بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب الإقرار والتمكين لا موجب الإخراج والتسيير، ومثله ﴿هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَاّ أَنْ آمَنَّا بالله﴾ [المائدة: ٥٩] انتهى. وممن جعله في موضع جر بدلاً مما قبله الزجاج. إلا أن أبا حيان رد ذلك فقال: ما أجازاه من البدل لا يجوز، لأن البدل لا يجوز إلا حيث سبقه نفي أو نهي

стр. 8492

أو استفهام في معنى النفي (نحو: ما قام أحد إلا زيد، ولا يضرب أحد إلا زيد، وهل يضرب أحد إلا زيد) وأما إذا كان الكلام موجباً أو أمراً فلا يجوز البدل (لا يقال: قام القوم إلا زيد، على البدل، ولا يضرب القوم إلا زيد، على البدل) لأن البدل لا يكون إلا حيث يكون العامل يتسلط عليه، ولو قلت: قام إلا زيد، وليضرب إلا عمرو لم يجز. ولو قلت في غير القرآن: أخرجِ الناس من ديارهم إلا أن يقولوا لا إله إلا الله لم يكن كلاماً، هذا إذا تخيل أن يكون ﴿إِلَاّ أَن يَقُولُواْ﴾ في موضع جر بدلاً من «غَيْر» المضاف إلى «حَقّ» ، وأما إذا كان بدلاً من «حق» كما نص عليه الزمخشري فهو في غاية الفساد، لأنه يلزم منه أن يكون البدل يلي غيراً فيصير التركيب: بغير إلا أن يقولوا؛ وهذا لا يصح، ولو قدرنا (إلا) بغير كما نقدر في النفي ما مررت بأحد إلا زيد، فنجعله بدلاً لم يصح، لأنه يصير التركيب: بغير قولهم ربنا الله، فيكون قد أضيف غير إلى غير، وهي هي، فيصير بغير غير، ويصح في ما مررت بأحد إلا زيد، أن تقول: ما مررت بغير زيد، ثم إن الزمخشري حين مثل البدل وقدره بغير موجب سوى التوحيد، وهذا تمثيل للصفة جعل (إلا) بمعنى سوى، ويصح على الصفة، فالتبس عليه باب الصفة بباب البدل، ويجوز أن تقول: ما مررت بالقوم إلا زيد على الصفة لا على البدل. قوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ الله﴾ تقدم الخلاف فيه في البقرة وتوجيه القراءتين. وقرأ نافع وابن كثير «لَهُدِمَتْ» بالتخفيف، والباقون بتثقيل الدال على التكثير، لأن المواضع كثيرة متعددة، والقراءة الأولى صالحة لهذا المعنى أيضاً. قوله: ﴿صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ العامة على «صَلَوات» بفتح الصاد واللام جمع صلاة وقرأ جعفر بن محمد «وصُلُوَات» بضمّهما. وروي عنه أيضاً بكسر الصاد وسكون اللام. وقرأ الجحدري بضم الصاد وفتح اللام. وأبو العالية بفتح

стр. 8493

الصاد وسكون اللام، والجحدري أيضاً «وصُلُوت» بضمهما وسكون الواو بعدهما تاء مثناة من فوق مثل صَلْب وصُلُوب والكلبي والضحاك كذلك إلا أنهما أعجما التاء بثلاث من فوقها. والجحدري أيضاً وأبو العالية وأبو رجاء ومجاهد كذلك إلا أنهم جعلوا بعد الثاء المثلثة ألفاً فقرءوا «صُلُوثا» ، وروي عن مجاهد في هذه التاء المثناة من فوق أيضاً، وروي عن الجحدري أيضاً «صُلْوَاث» بضم الصاد وسكون اللام وألف بعد الواو والثاء مثلثة. وقرأ عكرمة «صِلْوِيثا» بكسر الصاد وسكون اللام وبعدها واو مكسورة بعدها ياء مثناة من تحت بعدها ثاء مثلثة بعدها ألف وحكى ابن مجاهد أنه قرئ «صِلْوَاث» بكسر الصاد وسكون اللام بعدها واو بعدها ألف بعدها ثاء مثلثة. وقرأ الجحدري «وصُلُوْب» مثل كعوب بالباء الموحدة وجمع صليب وفُعُول جمع فَعِيل شاذ نحو ظَرِيف وظُرُوف وأَسينَة وأُسُون. وروي عن أبي عمرو «صَلَوَاتُ» كالعامة إلا أنه لم ينون، منعه الصرف للعلمية والعجمة، كأنه جعله اسم موضع فهذه أربع عشرة قراءة المشهور منها واحدة وهي هذه الصلوات المعهودة. ولا بد من حذف مضاف ليصح تسلط الهدم أي مواضع صلوات، أو تضمن «هُدِّمَتْ» معنى عطلت، فيكون قدراً مشتركاً بين المواضع والأفعال فإن تعطيل كل شيء بحسبه، وأخر المساجد لحدوثها في الوجود أو الانتقال إلى الأشرف. والصلوات في الأمم الملتين صلاة كل

стр. 8494

ملة بحسبها. وظاهر كلام الزمخشري أنها بنفسها اسم مكان فإنه قال: وسميت الكنيسة صلاة لأنها يصلى فيها، وقيل: هي كلمة معربة أصلها بالعبرانية صلوتا انتهى. وأما غيرها من القراءات، فقيل: هي سريانية أو عبرانية دخلت في لسان العرب ولذلك كثر فيها اللغات والصوامع: جمع صومعة، وهي البناء المرتفع الحديد الأعلى من قولهم رجل أصمع، وهو الحديد القول، ووزنها فَوْعَلة كدَوْخَلة، وهي متعبد الرهبان لأنهم ينفردون. وقال قتادة: للصابئين. والبيع جمع بيعة وهي متعبد النصارى قاله قتادة والزجاج. وقال أبو العالية هي كنائس اليهود. وقال الزجاج: الصوامع للنصارى، وهي التي بنوها في الصحارى، والبيع لهم أيضاً وهي التي بنوها في البلد، والصلوات لليهود. وقال الزجاج: وهي بالعبرانية صَلُوْثا. والمساجد للمسلمين. وهذا هو الأشهر. وقال أبو العالية: الصلوات للصابئين. وقال الحسن: إنها بأسرها أسماء المساجد، أما الصوامع فلأن المسلمين قد يتخذون الصوامع، وأما البيع فأطلق هذا الاسم على المساجد على سبيل التشبيه، وأما الصلوات فالمعنى أنه لولا ذلك الدفع لانقطعت الصلوات ولخربت المساجد. فصل معنى ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي بالجهاد وإقامة الحدود كأنه قال: ولولا دفع الله أهل الشرك بالمؤمنين من حيث يأذن لهم في جهادهم وينصرهم على أعدائهم لاستولى أهل الشرك على أهل الإيمان وعطلوا ما يبنونه من مواضع العبادة. وقال الكلبي: يدفع بالنبيين عن المؤمنين وبالمجاهدين عن القاعدين عن الجهاد.

стр. 8495

وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس: يدفع الله بالمحسن عن المسيء، وبالذي يصلي عن الذي لا يصلي، وبالذي يتصدق عن الذي لا يتصدق، وبالذي يحج عن الذي لا يحج. وعن ابن عمر عن النبي ﷺ َ -: «إِنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِالمُسْلِمِ الصَّالِحِ عَنْ مِائَةٍ مِنْ أَهْلِ بيْتِهِ وَمِنْ جِيْرَانِهِ» ثم تلا هذه الآية. وقال الضحاك: يدفع بدين الإسلام وبأهله عن أهل الذمة. وقال مجاهد: يدفع عن الحقوق بالشهود، وعن النفوس بالقصاص. فإن قيل: لماذا جمع الله بين مواضع عبادات اليهود والنصارى وبين مواضع عبادة المسلمين؟ فالجواب أما على قول الحسن: فالمراد بهذه المواضع أجمع مواضع المؤمنين وإن اختلفت العبارات عنها. وأما على قول غيره فقال الزجاج: المعنى ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدم في شرع كل نبي المكان الذي يتعبد فيه، فلولا الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس التي كانوا يصلون فيها في شرعه، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع وفي زمن نبينا المساجد. فعلى هذا إنما دفع عنهم حين كانوا على الحق قبل التحريف وقبل النسخ. فإن قيل: كيف تهدم الصلوات على تأويل من تأوله على صلاة المسلمين؟ فالجواب من وجوه: الأول: المراد من هدم الصلاة إبطالها وإهلاك من يفعلها كقولهم هدم فلان إحسان فلان، إذا قابله بالكفر دون الشكر. الثاني: ما تقدم من باب حذف المضاف كقوله: «واسْأَلِ القَرْيَة» أي أهلها، فالمراد مكان الصلاة. الثالث: لما كان الأغلب فيما ذكر ما يصح أن يهدم جاز ضم ما لا يصح أن يهدم إليه كقولهم: متقلداً سيفاً ورمحاً. وإن كان الرمح لا يتقلد. فإن قيل: لم قدم الصوامع والبيع في الذكر على المساجد؟ فالجواب لأنها أقدم في الوجود. وقيل أخر المساجد في الذكر كما في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات﴾ [فاطر: ٣٢] . قال ﵇: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُون» .

стр. 8496

قوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله﴾ يجوز أن يكون صفة للمواضع المتقدمة كلها إن أعدنا الضمير من «فِيهَا» عليها. قال الكلبي ومقاتل: يعود إلى الكل لأن الله تعالى يذكر في هذه المواضع كلها. ويجوز أن يكون صفة للمساجد فقط إن خصصنا الضمير في «فِيهَا» بها تشريفاً لها. ثم قال ﴿وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ﴾ أي: ينصر دينه ونبيه. وقيل: يتلقى الجهاد بالقبول نصرة لدين الله. ﴿إِنَّ الله لَقَوِيٌّ﴾ أي: على هذه النصرة التي وعدها المؤمنين. «عَزِيْزٌ» وهو الذي لا يضام ولا يمنع مما يريده. قوله: ﴿الذين إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ﴾ يجوز في هذا الموصول ما جاز في الموصول قبله ويزيد هذا عليه بأنه يجوز أن يكون بدلاً من «مَنْ يَنْصُرُه» ذكره الزجاج أي: ولينصرن الله الذين إن مكناهم، و «إنْ مَكَّنَّاهم» شرط و «أقاموا» جوابه، والجملة الشرطية بأسرها صلة الموصول. فصل لما ذكر الذين أذن لهم في القتال وصفهم في هذه الآية فقال: ﴿الذين إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض﴾ والمراد من هذا التمكن السلطنة ونفاذ القول على الخلق أي: نصرناهم على عدوهم حتى تمكنوا من البلاد. قال قتادة: هم أصحاب محمد ﷺ َ - المهاجرون لأن الأنصار لم يخرجوا من ديارهم فوصفهم بأنهم أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ثم قال ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمور﴾ أي: آخر أمور الخلق ومصيرهم أي: يبطل كل ملك سوى ملكه، فتصير الأمور له بلا منازع.

стр. 8497

قوله تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ الآية. لما بيَّن إخراج الكفار المؤمنين من ديارهم بغير حق، وأذن في مقاتلتهم، وضمن للرسول النصرة، وبين أن لله عاقبة الأمور، أردفه بما يجري مجرى التسلية للرسول بالصبر على أذيته بالتكذيب وغيره، فقال: وإن يكذبوك قومك فقد كذبت قبلهم سائر الأمم أنبياءهم، وذكر الله تعالى سبعة منهم. فإن قيل: فلم قال: وكذب موسى. ولم يقل: وقوم موسى؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن موسى ما كذبه قومه بنو إسرائيل، وإنما كذبه غير قومه وهم القبط. الثاني: كأنه قيل بعدما ذكر تكذيب كل قوم رسولهم، وكُذِّب موسى أيضاً مع وضوح آياته وعظم معجزاته فما ظنك بغيره. «فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِيْنَ» أي: أمهلتهم إلى الوقت المعلوم عندي «ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ» عاقبتهم ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعذاب، وهذا استفهام تقرير، أي؛ أليس كان واقعاً قطعاً، أبدلتهم بالنعمة نقمة، وبالكثرة قلة، وبالحياة موتاً، وبالعمارة خراباً؟ وأعطيت الأنبياء جميع ما وعدتهم من النصر على أعدائهم والتمكين لهم في الأرض، فينبغي أن تكون عادتك يا محمد الصبر عليهم، فإنه تعالى إنما يمهل لمصلحة، فلا بد من الرضا والتسليم، وإن شق ذلك على القلب. والنكير: مصدر بمعنى الإنكار كالنذير بمعنى الإنذار. وأثبت يا نكيري حيث وقعت ورش في الوصل وحذفها في الوقف، والباقون بحذفها وصلاً ووقفاً. قوله: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ﴾ يجوز أن تكون «كأين» منصوبة المحل على الاشتغال بفعل مقدر يفسره (أَهْلَكْتُهَا) وأن تكون في محل رفع بالابتداء، والخبر (أَهْلَكْتُهَا) . وتقدم تحقيق القول فيها. قال بعضهم: المراد من قوله: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ﴾ وكم، على وجه التكثير.

стр. 8498

وقيل: معناه: ورب قرية. والأول أولى، لأنه أوكد في الزجر. وقوله: «أَهْلَكْتُهَا» قرأ أبو عمرو ويعقوب «أَهْلَكْتُها» بالتاء، وهو اختيار أبي عبيد لقوله: ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ وقرأ ابن كثير وأهل الكوفة والمدينة «أَهْلَكْنَاهَا» . قوله: ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ جملة حالية من هاء «أَهْلَكْنَاهَا» . وقوله: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ عطف على «أَهْلَكْتُها» ، فيجوز أن تكون في محل رفع لعطفها على الخبر على القول الثاني، وأن لا تكون لها محل لعطفها على الجملة المفسرة على القول الأول. وهذا عنى الزمخشري بقوله: والثانية - يعني قوله: «فَهِيَ خَاوِيَةٌ» - لا محل لها، لأنها معطوفة على «أَهْلَكْنَاهَا» وهذا الفعل ليس له محل. تفريعاً على القول بالاشتغال، وإلا إذا قلنا إنه خبر لكان له محل ضرورة. فصل المعنى: وكم من قرية أهلكتها (أي أهلها) لقوله: «وَهِيَ ظَالِمَةٌ» ، أي: وأهلها ظالمون، «فَهِيَ خَاوِيَةٌ» ساقطة «عَلَى عُرُوشِهَا» على سقوفها. قال الزمخشري: كل مرتفع أظلك من سقف بيت أو خيمة أو ظلة فهو عرش، والخاوي: الساقط من خوى النجم: إذا سقط، أو من خوى المنزل: إذا خلا من أهله. فإذا فسرنا الخاوي بالساقط كان المعنى أنها ساقطة على سقوفها، أي: خرت سقوفها على الأرض، ثم تهدمت حيطانها، فسقطت فوق السقوف. وإن فسرناه بالخالي كان المعنى أنها خلت من الناس مع بقاء عروشها وسلامتها ويمكن أن يكون خبراً بعد خبر، أي: هي خالية وهي على عروشها، يعني أن السقوف سقطت على الأرض فصارت في قرار الحيطان، وبقيت الحيطان قائمة، فهي مشرفة على السقوف الساقطة. قوله: «وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ» عطف على «قَرْيَةٍ» ، وكذلك «قَصْرٍ» أي: وكأيٍّ من بئر وقصر أهلكناهما. وقيل: يحتمل أن تكون معطوفة وما بعدها على «عُرُوشِها» أي: خاوية على بئر وقصر أيضاً، وليس بشيء.

стр. 8499

والبئر: من بأرت الأرض، أي: حفرتها ومنه التأبير، وهو شق كيزان الطلع، والبئر: فعل بمعنى مفعول كالذِّبح بمعنى المَذْبُوح، وهي مؤنثة وقد تذكر على معنى القليب. وقوله: ٣٧٧٢ - وَبِئْرِي ذُو حَفَرْتُ وَذُو طَوَيْتُ ... يحتمل التذكير والتأنيث. والمُعَطَّلَةُ: المهملة، والتعطيل: الإهمال. وقرأ الحسن: «مُعْطَلَةٍ» بالتخفيف، يقال: أَعْطَلَتِ البئرُ وعَطَلْتُهَا فعَطَلَتْ بفتح الطاء، وأما عَطِلَتِ المرأة من الحُلِيّ فبكسر الطاء. والمعنى: وكم من بئر معطلة متروكة مخلاة عن أهلها. والمَشيدُ: المرتفع، قال قتادة والضحاك ومقاتل: رفيع طويل. وقال سعيد بن جُبير وعطاء ومجاهد: المُجصص من الشِّيد وهو الجص. وإنما بني هنا من شاده، وفي النساء من شَيَّدَهُ، لأنه هناك بعد جمع فناسب التكثير، وهنا بعد مفرد فناسب التخفيف، ولأنه رأس آية وفاصلة. فصل المعنى أنه تعالى بيَّن أن القرية مع تكليف بنيانهم لها واغتباطهم بها جعلت لأجل كفرهم بهذا الوصف وكذلك البئر التي تكلفوها وصارت شربهم صارت معطلةً بلا شارب، ولا وارد، والقصر الذي أحكموه بالجصِّ وطولوه صار خالياً بلا

стр. 8500

ساكن، وجعل ذلك عبرة لمن اعتبر، وهذا يدل على أن تفسير «على» ب «مع» أولى، لأن التقدير: وهي خاوية مع عروشها. قيل: إنَّ البئر المعطلة والقصر المشيد باليمن، أما القصر على قُلَّة جبل والبئر في سفحه، ولكل واحد منهما قوم في نعمة فكفروا فأهلكهم الله، وبقي البئر والقصر خاليين. وروى أبو روق عن الضحاك: أن هذه البئر بحضرموت في بلدة يقال لها حاضوراء وذلك أن صالحاً مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به أتوا حضرموت، فلما نزلوها مات صالح فسميت بذلك لأن صالحاً حين حضرها مات، فبنوا قوم صالح حاضوراء، وقعدوا على هذه البئر، وأمروا عليهم جلهس بن جلاس، وجعلوا وزيره سنحاريب، فأقاموا بها زماناً ثم كفروا وعبدوا صنماً، فأرسل الله إليهم حنظلة بن صفوان، وكان حمّالاً فيهم، فقتلوه في السوق، فأهلكهم الله وعطّل بئرهم وخرب قصورهم. قال الإمام أبو القاسم الأنصاري: وهذا عجيب، لأني زرت قبر صالح بالشام في بلدة يقال لها: عكا، فكيف يقال: إنه بحضرموت. قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض﴾ الآية. يعني كفار مكة أفلم يسيروا في الأرض فينظروا إلى مصارع المكذبين من الأمم الخالية، فذكر ما يتكامل به الاعتبار، لأن الرؤية لها حظّ عظيم في الاعتبار، وكذلك سماع الأخبار ولكن لا يكمل هذان الأمران إلا بتدبير القلب، لأن من عاين وسمع ولم يتدبر ولم يعتبر لم ينتفع، فلهذا قال: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور﴾ . قوله: «فَتَكُونَ» منصوب على جواب الاستفهام، وعبارة الحوفي على جواب التقرير. وقيل: على جواب النفي وقرأ مبشر بن عبيد: «فَيَكُونَ» بالياء من

стр. 8501

تحت لأن التأنيث مجازي. ومتعلق العقل محذوف أي: ما حل بالأمم السالفة. ثم قال: ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ﴾ أي: يعلمون بها، وهذا يدل على أن العقل العلم، وعلى أن محل العلم هو القلب، لأنه جعل القلب آلة لهذا العقل، فيكون القلب محلاً للعقل، ولهذا سمي الجهل بالعمى، لأن الجاهل لكونه متحيراً يشبه الأعمى. ثم قال: ﴿أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ أي: ما يذكر لهم من أخبار القرون الماضية يعتبرون بها. قوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى﴾ الضمير للقصة، و ﴿لَا تَعْمَى الأبصار﴾ مفسرة له، وحسن التأنيث في الضمير كونه وليه فعل بعلامة تأنيث، ولو ذكر في الكلام فقيل: «فإنه» لجاز، وهي قراءة مروية عن عبد الله بن مسعود، والتذكير باعتبار الأمر والشأن. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً يفسره «الأبصار» وفي «تعمى» ضمير راجع إليه. قال أبو حيان: وما ذكره لا يجوز، لأن الذي يفسره ما بعده محصور وليس هذا واحداً منه وهو في باب (رُبَّ) ، وفي باب نعم وبئس، وفي باب الإعمال، (وفي باب البدل) ، وفي باب المبتدأ والخبر على خلاف في بعضها، وفي باب ضمير الشأن، والخمسة الأُول تفسر بمفرد إلا ضمير الشأن فإنه يفسر بجملة، وهذا ليس واحداً من الستة. قال شهاب الدين: بل هذا من المواضع المذكورة، وهو باب المبتدأ غاية ما في ذلك أنه دخل عليه ناسخ وهو «إنَّ» فهو نظير قولهم: هي العرب تقول ما شاءت، و: ٣٧٧٣ - هِيَ النَّفْسَ تَحْمِلُ مَا حُمِّلَت ... وقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَاّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ [الأنعام: ٢٩] وقد جعل الزمخشري جميع ذلك مما يفسر بما بعده، ولا فرق بين الآية الكريمة وبين هذه الأمثلة إلا دخول الناسخ، ولا أثر له، وعجيب من غفلة الشيخ عن ذلك. قوله: ﴿التي فِي الصدور﴾ صفة أو بدل أو بيان، وهل هو توكيد كقوله: «يَطِيرُ

стр. 8502

بِجَنَاحَيْهِ» لأن القلوب لا تكون في غير الصدور، أو لها معنى زائد كما قال الزمخشري: الذي قد تعورف واعتقد أنَّ العمى في الحقيقة مكانه البصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها، واستعماله في القلب استعارة وَمَثلٌ، فلما أريد إثبات ما هو خلاف المعتقد من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الأبصار، احتاج هذا التصوير إلى زيادة تعيين وفضل تعريف لتقرر أن مكان العمى هو القلوب لا الأبصار كما تقول: ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك الذي بين فكيك. (فقولك: الذي بين فكيك) تقرير لما ادعيته للسان وتثبيت لأن محل المضاء هو هو لا غير، وكأنك قلت: ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك فلتة مني ولا سهواً، ولكن تعمدت به إياه بعينه تعمداً. وقد رد أبو حيان على الزمخشري قوله: تعمدت به إياه، وجعل هذه العبارة عجمة من حيث إنه فصل الضمير، وليس من مواضع فصله، وكان صوابه أن يقول تعمدته به. كما تقول: السيف ضربتك به، لا ضربت به إياك. وقد تقدم نظير هذا الرد والجواب عنه بما أجيب عن قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرسول وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [النساء: ١٣١] وهو أنه مع قصد تقديم غير الضمير عليه لغرض يمنع اتصاله. قال شهاب الدين: وأي خطأ في مثل هذا حتى يدعي العجمة على فصيح شهد له بذلك أعداؤه وإن كان مخطئاً في بعض الاعتقادات مما لا تعلق له بما نحن بصدده. وقال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، وهو أن القلب قد يجعل كناية عن الخاطر والتدبر كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] ، وعند قوم أن محل الفكر هو الدماغ، فالله تعالى بين أن محل ذلك هو الصدر. وفي محل العقل خلاف مشهور، وإلى الأول مال ابن عطية قال: هو مبالغة كما تقول: نظرت إليه بعيني، وكقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم﴾ [آل عمران: ١٦٧] . وقد تقدم أن في قوله: «بِأَفْوَاهِهِمْ» فائدة زيادة على التأكيد.

стр. 8503

قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ﴾ الآية. نزلت في النضر بن الحارث حيث قال: «إنْ كَان هَذَا هُوَ الحَقّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاء» . وهذا يدل على أنه ﵇ كان يخوفهم بالعذاب إن استمروا على كفرهم، ولهذا قال: ﴿وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ﴾ ، فأنجز ذلك يوم بدر. ثم بين أن العاقل لا ينبغي له أن يستعجل عذاب الآخرة فقال: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ﴾ أي فيما ينالهم من العذاب وشدته ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ ، فبين تعالى أنهم لو عرفوا حال عذاب الآخرة وأنه بهذا الوصف لما استعجلوه. قاله أبو مسلم وقيل: المراد طول أيام الآخرة في المحاسبة. وقيل: إن اليوم الواحد وألف سنة بالنسبة إليه على السواء، لأنه القادر الذي لا يعجزه شيء، فإذا لم يستبعدوا إمهال يوم فلا يستبعدوا إمهال ألف سنة «مِمَّا تَعُدُّون» قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «يَعُدُّون» بياء الغيبة، لقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ وقرأ الباقون بالتاء، لأنه أعمّ، ولأنه خطاب للمسلمين. واتفقوا في «تنزيل» السجدة بالتاء. قال ابن عباس: يعني يوماً من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض وقال مجاهد وعكرمة: يوماً من أيام الآخرة، لما روى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ َ -: «أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ صَعَالِيكِ المُهاجِرِينَ بالفَوْزِ التَّام يَوْمَ القِيَامَة تَدْخلونَ الجَنَّة قَبْلَ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ بِنِصْفِ يَوْم، وذَلِكَ قَدر خَمْسمائةِ سَنَة» .

стр. 8504

قوله: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: أمهلتها مع استمرارهم على ظلمهم، فاغتروا بذلك التأخير، «ثُمَّ أَخَذْتُهُم» بأن أنزلت العذاب بهم ومع ذلك فعذابهم مدخر، وهو معنى قوله «وَإليَّ المَصِير» . فإن قيل: ما الفائدة في قوله أولاً «فكأين» بالفاء، وهاهنا قال «وكأين» بالواو؟ فالجواب: أن الأولى وقعت بدلاً من قوله ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] ، وأما هذه فحكمها ما تقدمها من الجملتين المعطوفتين بالواو، أعني قوله: ﴿وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ . قوله: ﴿قُلْ يا أيها الناس إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أمر رسوله بأن يديم لهم التخويف والإنذار، وأن لا يصده استعجالهم للعذاب على سبيل الهزء عن إدامة التخويف والإنذار، وأن يقول لهم: إنما بعثت للإنذار فاستهزاؤكم بذلك لا يمنعني منه. قوله: ﴿فالذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ . لما أمر الرسول بأن يقول لهم: إني نذير مبين أردف ذلك بأن أمره بوعدهم ووعيدهم، لأن هذه صفة المنذر، فقال: ﴿فالذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ فجمع بين الوصفين، وهذا يدل على أن العمل خارج عن مسمى الإيمان، وبه يبطل قول المعتزلة ويدخل في الإيمان كل ما يجب من الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان، ويدخل في العمل الصالح كل واجب وترك المحظور، ثم بين تعالى أن من جمع بينهما فالله تعالى يجمع له بين المغفرة والرزق الكريم، فالمغفرة عبارة عن غفران الصغائر، أو عن غفران الكبائر بعد التوبة، أو عن غفرانها قبل التوبة، والأولان واجبان عند الخصم، وأداء الواجب لا يسمى غفراناً فبقي الثالث وهو العفو عن أصحاب الكبائر من أهل القبلة. وأما الرزق الكريم فهو إشارة إلى الثواب، والكريم: هو الذي لا ينقطع أبداً وقيل: هو الجنة. قوله: ﴿والذين سَعَوْاْ في آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ أي: اجتهدوا في ردها والتكذيب بها وسموها سحراً وشعراً وأساطير الأولين، يقال لمن بذل جهده في أمر: إنه سعى فيه توسعاً، كما إذا بلغ الماشي نهاية طاقته فيقال: إنه سعى، وذكر الآيات وأراد التكذيب بها مجازاً، قال الزمخشري: يقال: سعيت في أمر فلان إذا أصلحه أو أفسده بسعيه. قوله: «مُعَجِّزِينَ» قرأ أبو عمرو وابن كثير بتشديد الجيم هنا وفي حرفي سبأ.

стр. 8505

والباقون: «مُعَاجِزِين» في الأماكن الثلاثة. والجحدري كقراءة ابن كثير وأبي عمرو في جميع القرآن. وابن الزبير «مُعْجِزِين» بسكون العين فأما الأولى ففيها وجهان: أحدهما: قال الفارسي: معناه ناسبين أصحاب النبي ﷺ َ - إلى العجز نحو: فسقته، أي: نسبته إلى الفسق. والثاني: أنها للتكثير ومعناها مثبطين الناس عن الإيمان. وأما الثانية فمعناها ظانين أنهم يعجزوننا، وقيل: معاندين. وقال الزمخشري: عاجَزَه: سَابَقَه، لأن كل واحد منهما في طلب إعجاز الآخر عن اللحاق به، فإذا سبقه قيل: أَعْجَزَه وعَجَّزَه. فالمعنى: سَابِقِين أو مُسَابقين في زعمهم وتقديرهم طامعين أن كيدهم للإسلام يتم لهم والمعنى: سعوا في معناها بالفساد. وقال أبو البقاء: إن «مُعَاجِزِين» في معنى المُشَدَّد مثل: عَاهَد: عَهَّد، وقيل: عاجَزَ سَابَق، وعَجَّز: سَبَق. فصل اختلفوا في المراد هل معاجزين لله أو الرسول والمؤمنين، والأقرب هو الثاني لأنهم إن أنكروا الله استحال منهم أن يطمعوا في إعجازه، وإن أثبتوه فيبعد أن يعتقدوا أنهم يُعْجِزُونه ويغلبونه، ويصح منهم أن يظنوا ذلك في الرسول بالحيل والمكايد. فأما القائلون بالأول فقال قتادة: ظانين ومقدرين أنهم يعجزوننا بزعمهم وأن لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار، أو يعجزوننا: يفوتوننا فلا نقدر عليهم كقوله تعالى ﴿أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات أَن يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: ٤] ، أو يعجزون الله بإدخال الشُّبَهِ في قلوب الناس.

стр. 8506

وأما معاجزين فالمغالبة في الحقيقة ترجع إلى الرسول والأمة لا إلى الله تعالى. ثم قال: ﴿أولئك أَصْحَابُ الجحيم﴾ أي: أنهم يدومون فيها.

стр. 8507

قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية. قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي، وغيرهما من المفسرين: لما رأى رسول الله ﷺ َ - إعراض قومه عنه وشق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه لحرصه على إيمانهم، فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش، وأحب يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء يُنَفِّر عنه، وتمنى ذلك فأنزل الله سورة ﴿والنجم إِذَا هوى﴾ [النجم: ١] ، فقرأها رسول الله ﷺ َ - حتى بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللات والعزى وَمَنَاةَ الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] ، ألقى الشيطان على لسانه لما كانت تحدثه به نفسه ويتمنّاه: تلك الغَرَانِيق العُلَى منها الشفاعة ترتجى. فلما سمعت قريش ذلك فرحوا به، ومضى رسول الله ﷺ َ - في قراءته، وقرأ السورة كلها وسجد في آخر السورة، فسجد المسلمون لسجوده، وسجد جميع من في المسجد من المشركين، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة وأبا أحيحة سعيد بن العاص، فإنهما أخذا حِفْنَةً من

стр. 8508

البطحاء ورفعاها إلى جبهتهما لأنهما كانا شيخين كبيرين، فلم يستطعا السجود، وتفرقت قريش، وقد سرهم ما سمعوا وقالوا قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذِّكر، وقالوا قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، فإن جعل لها محمد نصيباً فنحن معه فلما أمسى رسول الله ﷺ َ - أتاه جبريل، فقال: يا محمد مَاذَا صَنَعْتَ تَلَوْتَ عَلَى النَّاسِ ما لم أنزل به عن الله ، وقُلْتَ مَا لَمْ أَقُلْ لَكَ؟ فحزن رسول الله ﷺ َ - حزناً شديداً، وخاف من الله خوفاً عظيمً فأنزل الله هذه الآية يعزيه، وكان به رحيماً. قال ابن الخطيب: وأما أهل التحقيق فقالوا: هذه الرواية باطلة موضوعة لوجوه من القرآن والسنة والمعقول: أما القرآن فقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦] ، وقوله: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نفسي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يوحى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥] ، وقوله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يوحى﴾ [النجم: ٣ - ٤] . فلو أنه قرأ عقيب هذه الآية قوله: تلك الغرانيق العلى لكان قد ظهر كذب الله في الحال، وذلك لا يقوله مسلم. وقوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٣] وكلمة «كاد» عند بعضهم قريب أن يكون الأمر كذلك مع أنه لم يحصل، وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ٧٤] وكلمة «لَوْلَا» لانتفاء الشيء لانتفاء غيره، فذلك دل على أن الركون القليل لم يحصل، وقوله: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢] ، وقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تنسى﴾ [الأعلى: ٦] وأما السنة: فروي عن محمد بن إسحاق أنه سئل عن هذه القصة فقال: هذا من وضع الزنادقة وصنف فيه كتاباً. وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل ثم قال: رواة هذه القصة مطعونون. وروى البخاري في صحيحه أنه ﵇ قرأ سورة النجم وسجد فيها المسلمون والمشركون والجن والإنس وليس فيه ذكر الغرانيق.

стр. 8509

وروي هذا الحديث من طرق كثيرة، وليس فيها البتة ذكر الغرانيق. وأما المعقول فمن وجوه: أحدها: أن من جوَّز على الرسول تعظيم الأوثان فقد كفر، لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان. وثانيها: أنه ﵇ ما كان عليه في أول الأمر أن يصلي ويقرأ القرآن عند الكعبة أمناً لأذى المشركين له حتى كانوا ربما مدوا أيديهم إليه، وإنما كان يصلي، إذا لم يحضروا ليلاً أو في أوقات خلوة، وذلك يبطل قولهم. وثالثها: أن معاداتهم للرسول كانت أعظم من أن يقروا بهذا القدر من غير أن يقفوا على حقيقة الأمر، فكيف أجمعوا على أنه عظم آلهتهم حتى خروا سُجَّداً مع أنه لم يظهر عندهم موافقته لهم. ورابعها: قوله: ﴿فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِي الشيطان ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ﴾ وذلك لأن إحكام الآيات بإزالة ما يلقيه الشيطان عن الرسول أقوى من نسخه بهذه الآيات التي تبقى الشبهة معها، فإذا أراد الله تعالى إحكام الآيات لئلا يلتبس القرآن بغيره، فبأن يُمْنع الشيطان من ذلك أصلاً أولى. وخامسها: أنا لو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه، وجوزنا في كل الشرائع أن يكون كذلك، ويبطل قوله تعالى: ﴿بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس﴾ [المائدة: ٦٧] فإنه لا فرق في العقل بين النقصان عن الوحي وبين الزيادة فيه. فبهذه الوجوه عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة، أكثر ما في الباب أن جمعاً من المفسرين ذكروها لكنهم ما بلغوا حد التواتر، وخبر الواحد لا يعارض الدلائل العقلية والنقلية المتواترة. وأما من جهة التفصيل فالتمني جاء في اللغة لأمرين: أحدهما: تمني القلب. والثاني: القراءة، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الكتاب إِلَاّ أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] أي: إلا قراءة، لأن الأمي لا يعلم القرآن من المصحف، وإنما يعلمه من القراءة. وقال حسان: ٣٧٧٤ - تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ ... وآخِرَها لاقَى حَمَام المَقَادِرِ

стр. 8510

وقيل: إنما سميت القراءة أمنية لأن القارئ إذا انتهى إلى آية رحمة تمنى حصولها وإذا انتهى إلى آية عذاب تمنى أن لا يُبْتلى بها. وقال أبو مسلم: التَّمَنِّي هو التقدير، وتَمَنَّى هو تَفَعَّل من مَنَيْتُ، والمَنِيَّة وفاة الإنسان للوقت الذي قدره الله، ومَنَّى الله لك أي: قدَّر لك، وإذا تقرر ذلك فإن التالي مقدر للحروف يذكرها شيئاً فشيئاً. فالحاصل أن الأمنية إما القراءة وإما الخاطر، فإن فسرناها بالقراءة ففيه قولان: الأول: أنه تعالى أراد بذلك ما يجوز أن يسهو الرسول فيه ويشتبه على القارئ ما رووه من قوله: تلك الغرانيق العُلَى. والثاني: المراد منه وقوع هذه الكلمة في قراءته، ثم اختلف القائلون بهذا على وجوه: الأول: أن النبي ﷺ َ - لم يتكلم بقوله: تلك الغرانيق العلى، ولا الشيطان تكلم به، ولا أحد تكلم به لكنه ﵇ لما قرأ سورة النجم اشتبه الأمر على الكفار فحسبوا بعض ألفاظه ما رووه من قولهم: تلك الغَرَانِيقُ العُلَى. وذلك على حسب ما جرت العادة به من توهم بعض الكلمات على غير ما يقال، قاله جماعة وهو ضعيف لوجوه: أحدها: أن التوهم في مثل ذلك إنما يصح فيما جرت العادة بسماعه، فأما غير المسموع فلا يقع ذلك فيه. وثانيها: أنه لو كان كذلك لوقع هذا التوهم في بعض هذا لتوهم بعض السامعين دون البعض فإن العادة مانعة من اتفاق الجمع العظيم في الساعة الواحدة على خيال واحد فاسد في المحسوسات. وثالثها: لو كان كذلك لم يكن مضافاً إلى الشيطان. الوجه الثاني: قالوا: إن ذلك الكلام كلام الشيطان وذلك بأن يلفظ بكلام من تلقاء
следующие страницы →