← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 8541–8580 · переход к 8546.

стр. 8541

الكلبي: تَعْرِف في وجوههم الكراهية للقرآن. وقال ابن عباس: التجبر والترفع. وقال مقاتل: أنكروا أن يكون من الله. قوله: «يَكَادُونَ يَسْطُونَ» هذه حال إما من الموصول، وإن كان مضافاً إليه لأن المضاف جزؤه وإما من الوجوه لأنها يُعَبَّرُ بها عن أصحابها كقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ثم قال: «أُولَئِكَ هُم» . و «يَسْطُونَ» ضُمن معنى يبطشون فتعدى تعديته، وإلا فهو متعدّ ب (على) . يقال: سطا عليه، وأصله القهر والغلبة، وقيل: إظهار ما يهول للإخافة، ولفلان سطوة أي تسلط وقهر. وقال الخليل والفراء والزجاج: السطو شدة البطش والمعنى يهمون بالبطش والوثوب تعظيماً لإنكار ما خوطبوا به. أي: يكادون يبطشون ﴿بالذين يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ أي بمحمد ﷺ َ - وأصحابه من شدة الغيظ، يقال: سطا عليه وسطا به إذا تناوله بالبطش والعنف ثم أمر رسوله بأن يقابلهم بالوعيد فقال: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذلكم﴾ أي بشر لكم وأكره إليكم من هذا القرآن الذي تسمعون. أو من غيظكم على التالين وسطوكم عليهم أو مما أصابكم من الكراهة والضجر بسبب ما تلي عليكم. قوله: «النار» تقرأ بالحركات الثلاث، فالرفع من وجهين: أحدهما: الرفع على الابتداء والخبر الجملة من «وعَدَهَا اللَّهُ» ، والجملة لا محل لها فإنها مفسرة للشر المتقدم كأنه قيل: ما شر من ذلك؟ (فقيل: النار وعدها الله. والثاني: أنها خبر مبتدأ مضمر كأنه قيل: ما شر من ذلك) فقيل: النار أي: هو النار وحينئذ يجوز في «وَعَدَهَا اللَّهُ» الرفع على كونها خبراً بعد خبر، وأجيز أن يكون بدلاً من النار. وفيه نظر من حيث إن المبدل منه مفرد، وقد يجاب عنه بأن الجملة في تأويل مفرد، ويكون بدل اشتمال، كأنه قيل: النار وعدها الله الكفار.

стр. 8542

وأجيز أن تكون مستأنفة لا محل لها. ولا يجوز أن تكون حالاً، قال أبو البقاء لأنه ليس في الجملة ما يصلح أن يعمل في الحال. وظاهر نقل أبي حيان عن الزمخشري أنه يجيز كونها حالاً فقال: وأجاز الزمخشري أن تكون «النَّارُ» مبتدأ و «وَعَدَها» خبر، وأن تكون حالاً على الإعراب الأول انتهى. والإعراب الأول هو كون «النار» خبر مبتدأ مضمر. والزمخشري لم يجعلها حالاً إلا إذا نصبت «النار» أو جررتها بإضمار قد. هذا نصه وإنما منع ذلك لما تقدم من قول أبي البقاء، وهو عدم العامل. وأما النصب فهو قراءة زيد بن علي وابن أبي عبلة. وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها منصوبة بفعل مقدر يفسره الفعل الظاهر، والمسألة من الاشتغال. الثاني: قال الزمخشري: إنها منصوبة على الاختصاص. الثالث: أن ينتصب بإضمار أعني، وهو قريب مما قبله أو هو هو. وأما الجر فهو قراءة ابن إبي إسحاق وإبراهيم بن نوح، على البدل من «شَرّ» والضمير في «وَعَدَهَا» قال أبو حيان: الظاهر أنه هو المفعول الأول، على أنه تعالى وعد النار بالكفار أن يطعمها إياهم، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] ، ويجوز أن يكون الضمير هو المفعول الثاني و «الَّذِينَ كَفَرُوا» هو المفعول الأول، كما قال: ﴿وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ والمنافقات والكفار نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٨] . قال شهاب الدين: وينبغي أن يتعين هذا الثاني، لأنه متى اجتمع بعد ما يتعدى إلى اثنين شيئان ليس ثانيهما عبارة عن الأول، فالفاعل المعنوي رتبته التقديم وهو المفعول الأول، ونعني بالفاعل المعنوي من يتأتى منه فعل، فإذا قلت: وعدت زيداً ديناراً. فالدينار هو المفعول، لأنه لا يتأتى منه فعل، وهو

стр. 8543

نظير أعطيت زيداً درهماً. فزيد هو الفاعل، لأنه آخذ للدرهم. وقوله: «وَبِئْسَ المَصِير» المخصوص بالذم محذوف تقديره: وبئس المصير هي النار. فصل والمعنى: أن الذي ينالكم من النار أعظم مما ينالكم عند تلاوة هذه الآيات من الغضب والغم، وهي النار وعدها الله الذين كفروا إذا ماتوا على كفرهم وبئس المصير هي. قوله تعالى : ﴿يا أيها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ﴾ الآية لما بين أنهم يعبدون من دون الله ما لا حجة لهم به ولا علم ذكر هاهنا ما يدل على إبطال قولهم. قوله: «ضُرِبَ مَثَلٌ» قال الأخفش: ليس هذا مثل وإنما المعنى جعل الكفارُ لله مثلاً. قال الزمخشري: فإن قلت: الذي جاء به ليس مثلاً، فكيف سماه مثلاً؟ قلت قد سميت الصفة والقصة الرائعة المتلقاة بالامتحان والاستغراب مثلاً تشبيهاً لها ببعض الأمثال المسيرة لكونها مستغربة مستحسنة. وقيل: معنى «ضَرَبَ» جعل، كقولهم: ضَرَبَ السلطان البَعْثَ، وضرب الجِزْيَة على أهل الذمة. ومعنى الآية: فجعل لي شَبَهٌ وشُبِّه بي الأوثان، أي: جعل المشركون الأصنام شركائي فعبدوها. وقيل: هو مثل من حيث المعنى، لأنه ضرب مثل من يعبد الأصنام بمن يعبد ما لا يخلق ذباباً. «فَاسْتَمِعُوا لَه» أي: فتدبروه حق تدبره لأن نفس السماع لا ينفع، وإنما ينفع بالتدبر. قوله: ﴿إِنَّ الذين تَدْعُونَ﴾ قرأ العامة «تَدْعُونَ» بتاء الخطاب والحسن ويعقوب وهارون ومحبوب عن أبي عمرو بالياء من تحت وهو في كلتيهما مبني للفاعل.

стр. 8544

وموسى الأسواري واليماني «يُدْعَوْنَ» بالياء من أسفل مبنياً للمفعول. والمراد الأصنام. فإن قيل: قول «ضُرِبَ» يفيد فيما مضى، والله تعالى هو المتكلم بهذا الكلام ابتداء فالجواب: إذا كان ما يورد من الوصف معلوماً من قبل جاز ذلك فيه، ويكون ذكره بمنزلة إعادة أمر تقدم. قوله: «لَنْ يَخْلُقُوا» . جعل الزمخشري نفي «لَنْ» للتأبيد وتقدم البحث معه في ذلك. والذباب معروف، وهو واحد، وجمعه القليل: أذِبَّة، وفيه الكسرة، ويجمع على ذِبَّان وذُبَّان بكسر الذال وضمها وعلى ذُبّ. والمِذَبَّة ما يطرد بها الذباب. وهو اسم جنس واحدته ذبابة تقع للمذكر والمؤنث فتفرد بالوصف. قوله: ﴿وَلَوِ اجتمعوا لَهُ﴾ قال الزمخشري: نصب على الحال كأنه قال يستحيل خلقهم الذباب حال اجتماعهم لخلقه وتعاونهم عليه فكيف حال انفرادهم. وقد تقدم أن هذه الواو عاطفة هذه الجملة الحالية على حال محذوفة، أي: انتفى خلقهم الذباب على كل حال ولو في هذه الحالة المقتضية لخلقهم، فكأنه تعالى قال: إن هذه الأصنام لو اجتمعت لا تقدر على خلق ذبابة على ضعفها فكيف يليق بالعاقل جعلها معبوداً.

стр. 8545

قوله: ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً﴾ السلب اختطاف الشيء بسرعة، يقال: سلبه نعمته. والسلب: ما على القتيل، وفي الحديث: «مَنْ قَتَل قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبه» . وقوله: ﴿لَاّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ الاستنقاذ: استفعال بمعنى الإفعال، يقال: أنقذه من كربته، أي: أنجاه منه وخلصه، ومثله: أَبَلَّ المريض واسْتَبَلّ. فصل كأنه تعالى قال: أترُكُ أمر الخلق والإيجاد وأتكلمُ فيما هو أسهل منه، فإن الذباب إذا سَلَبَ منها شيئاً فهي لا تقدر على استنقاذ ذلك الشيء من الذباب. واعلم أن الدلالة الأولى صالحة لأن يتمسك بها في نفي كون المسيح والملائكة آلهة، وأما الثانية فلا. فإن قيل: هذا الاستدلال إما أن يكون لنفي كون الأوثان خالقة عالمة حية مدبرة، وإما لنفي كونها مستحقة للتعظيم، والأول فاسد، لأن نفي كونها كذلك معلوم بالضرورة، فلا فائدة في إقامة الدلالة عليه. وأما الثاني فهذه الدلالة لا تفيده، لأنه لا يلزم من نفي كونها حيّة أن لا تكون معظمة، فإن جهات التعظيم مختلفة، فالقوم كانوا يعتقدون فيها أنها طلسمات موضوعة على صور الكواكب، أو أنها تماثيل الملائكة والأنبياء المتقدمين. فالجواب: أما كونها طلسمات موضوعة على الكواكب بحيث يحصل منها الضر والنفع، فهو يبطل بهذه الدلالة، فإنها لم تنفع نفسها في هذا القدر وهو تخليص النفس عن الذبابة فلأن لا تنفع غيرها أولى. وأما أنها تماثيل الملائكة والأنبياء المتقدمين، فقد تقرر في العقل أنَّ تعظيمَ غير الله ينبغي أن يكون أقل من تعظيم الله، والقوم كانوا

стр. 8546

يعظمونها نهاية التعظيم، وحينئذ كان يلزم التسوية بينها وبين الخالق سبحانه في التعظيم، فمن هاهنا استوجبوا الذم. فصل قال ابن عباس: كانوا يطلون الأصنام بالزعفران، فإذا جفَّ جاءت الذباب فاستلبته وقال السدي: كانوا يضعون الطعام بين يدي الأصنام فيقع الذباب عليه فيأكلن منه. وقال ابن زيد: كانوا يحلون الأصنام باليواقيت واللآلئ وأنواع الجواهر، ويطيبونها بأنواع الطيب، فربما يسقط منها واحدة فأخذها طائر وذباب فلا تقدر الآلهة على استردادها ﴿ضَعُفَ الطالب والمطلوب﴾ قيل: هو إخبار. وقيل: تعجب. والأول أظهر. قال ابن عباس: الطالب الذباب يطلب ما يسلب من الطيب عن الصنم، والمطلوب الصنم يطلب الذباب منه السلب. وقيل: العكس الطالب الصنم والمطلوب الذباب، فالصنم كالطالب لأنه لو طلب أن يخلقه ويستنقذ منه ما استلبه لعجز عنه، والذباب بمنزلة المطلوب. وقال الضحاك: الطالب العابد والمطلوب المعبود، لأن كون الصنم طالباً ليس حقيقة بل على سبيل التقدير. وقيل: المعنى ضعف أي ظهر قبح هذا المذهب كما يقال عند المناظرة: ما أضعف هذا المذهب، وما أضعف هذا الوجه. قوله: ﴿ما قدروا الله حق قدره﴾ أي: ما عظموه حق تعظيمه، حيث جعلوا هذه الأصنام على نهاية خساستها شركاء له في المعبودية. ﴿إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ : «قويّ» لا يتعذر عليه فعل شيء «عزيز» لا يقدر أحد على مغالبته، فأي حاجة إلى القول بالشريك. قال الكلبي: في هذه الآية وفي نظيرها في سورة الأنعام: أنها نزلت في مالك

стр. 8547

ابن الصيف وكعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وغيرهم من اليهود، حيث قالوا: إن الله تعالى لما فرغ من خلق السموات والأرض أعيا من خلقها، فاستلقى واستراح، ووضع إحدى رجليه على الأخرى، فنزلت هذه الآية تكذيباً لهم، ونزل قوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] .

стр. 8548

قوله تعالى: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلاً﴾ الآية لما ذكر ما يتعلق بالإلهيات ذكر هاهنا ما يتعلق بالنبوات. قال بعضهم: [تقدير الكلام: ومن الناس رسلاً. ولا حاجة لذلك، بل قوله «ومن الناس» مقدَّر التقديم، أي: يصطفي من الملائكة ومن الناس رسلاً] . قال مقاتل: قال الوليد بن المغيرة ﴿أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا﴾ ؟ [ص: ٨] فأنزل الله هذه الآية فإن قيل: كلمة «من» للتبعيض، فقوله «من الملائكة» يقتضي أن يكون الرسل بعضهم لا كلهم، وقوله: ﴿جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً﴾ [فاطر: ١] يقتضي كون كلهم رسلاً، فكيف الجمع؟ فالجواب: يجوز أن يكون المذكور ههنا من كان رسلاً إلى بني آدم، وهم أكابر الملائكة كجبريل وميكائيل وإسرافيل، والحفظة صلوات الله عليهم، وأما كل الملائكة فبعضهم رسل إلى البعض. فإن قيل: قوله في سورة الزمر ﴿لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ [الزمر: ٤] فدل على أن ولده يجب أن يكون مصطفى، وهذه الآية تدل على أن بعض الملائكة وبعض الناس من المصطفين، فلزم بمجموع الآيتين إثبات الولد. فالجواب: أن قوله: ﴿لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفى﴾ [الزمر: ٤] يدل على أن كل ولد

стр. 8549

مصطفى ولا يدل على أن كل مصطفى ولد، فلا يلزم من دلالة هذه الآية على وجود مصطفى كونه ولداً. وأيضاً فالمراد من هذه الآية تبكيت من عبد غير الله من الملائكة، كأنه سبحانه أبطل في الآية الأولى قول عبدة الأوثان، وفي هذه الآية أبطل قول عبدة الملائكة، فبين أن علو درجة الملائكة ليس لكونهم آلهة لأن الله اصطفاهم لمكان عبادتهم، فكأنه تعالى بيَّن أنهم ﴿مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الحج: ٧٤] إذ جعلوا الملائكة معبودة مع الله. ثم بين تعالى: بقوله: ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أنه يسمع ما يقولون، ويرى ما يفعلون ولذلك أتبعه بقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ . قال ابن عباس: ما قدموا وما خلفوا وقال الحسن: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ما عملوا، «وَمَا خَلْفَهُم» ما هم عاملون من بعد. ثم قال: ﴿وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ إشارة إلى القدرة التامة، والتفرد بالإلهية والحكم، ومجموعهما يتضمن نهاية الزجر عن الإقدام على المعصية. قوله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اركعوا واسجدوا﴾ إلى آخر السورة. لما ذكر الإلهيات ثم النبوات أتبعه بالكلام في الشرائع، وهو من أربعة أوجه: الأول: تعيين المأمور. والثاني: أقسام المأمور به. والثالث: ذكر ما يوجب تلك الأوامر. والرابع: تأكيد ذلك التكليف. فأما تعيين المأمور به فهو قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ﴾ وهذ خطاب للمؤمنين؛ لأنه

стр. 8550

صرح بهم، ولقوله: «هُوَ اجْتَبَاكُمْ» ، ولقوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ المسلمين﴾ ، وقوله ﴿وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾ . وقيل: خطاب لكل المكلفين مؤمناً كان أو كافراً؛ لأن التكليف بهذه الإشارة عامّ في كل المكلفين فلا معنى لتخصيص المؤمن بذلك. وأما فائدة التخصيص، فلأنه لما لم يقبله إلا المؤمنون خصهم بالذكر ليحرضهم على المواظبة على ما قبلوه، وكالتشريف لهم في ذلك الإفراد. وأما المأمور فأربعة أمور: الأول: الصلاة وهو المراد بقوله: «ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا» وذلك لأن أشرف أركان الصلاة هو الركوع والسجود، والصلاة هي المختصة بهذين الركنين، فجرى ذكرهما مجرى ذكر الصلاة، وذكر ابن عباس: أن الناس كانوا في أول إسلامهم يركعون ولا يسجدون حتى نزلت هذه الآية. والثاني: قوله: «وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ» قيل: وحدوه. وقيل: اعبدوا ربكم في سائر المأمورات والمنهيات. وقيل: افعلوا الركوع والسجود وسائر الطاعات بنية العبادة. الثالث: قوله: «وَافْعَلُوا الخَيْرَ» قال ابن عباس: هو صلة الرحم ومكارم الأخلاق «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» لكي تفوزوا بالجنة. وقيل: كلمة «لَعَلَّ» للترجي، فإن الإنسان قلما يخلو في أداء الفريضة من تقصير، فليس هو على يقين من أن الذي أتى به هل هو مقبول عند الله والعواقب مستورة «وكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِقَ له» فصل اختلفوا في سجود التلاوة عند قراءة هذه الآية، فذهب عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود وابن عباس: إلى أنه يسجد، وبه قال ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق لما روى عقبة بن عامر قال: «قلت: يا رسول الله فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين قال:» نعم، من لم يسجدهما فلا يقرأهما «وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي: لا يسجد هاهنا. وعدد سجود القرآن أربع عشرة سجدة عند أكثر أهل العلم منها ثلاث في المفصل، وروي عن أبيّ بن كعب وابن عباس: ليس في المفصل سجود، وبه قال مالك.

стр. 8551

وقد صح عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ َ - في» اقْرَأ «و ﴿إِذَا السمآء انشقت﴾ [الانشقاق: ١] . وأبو هريرة متأخر الإسلام. واختلفوا في سجدة ص فروي عن ابن عباس أنها سجدة شكر وهو مذهب الشافعي وعن عمر أنه يسجد فيها، وهو قول الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق. الرابع: قوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي الله حَقَّ جِهَادِهِ﴾ يجوز أن يكون «حَقَّ جِهَادِهِ» منصوباً على المصدر، وهو واضح. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون نعتاً لمصدر محذوف، أي جهاداً حق جهاده. وفيه نظر من حيث إن هذا معرفة فكيف يجعل صفة لنكرة. قال الزمخشري: فإن قلت: ما وجه هذه الإضافة، وكان القياس: حقّ الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه كما قال ﴿وَجَاهِدُوا فِي الله﴾ . قلت: الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص فلما كان الجهاد مختصاً بالله من حيث إنه مفعول من أجله ولوجهه صحت إضافته إليه، ويجوز أن يتسع في الظرف كقوله: ٣٧٧٩ - وَيَوْمٍ شَهِدْنَاهُ سُلَيْماً وَعَامِرا ... يعني بالظرف الجار والمجرور كأنه كان الأصل: حق جهاد فيه. فحذف حرف الجر وأضيف المصدر للضمير، وهو من باب هو حقّ عالم وجد، أي: عالم حقاً وعالم جداً. فصل المعنى: جاهدوا في سبيل الله «أعداء اللَّه حَقَّ جِهَادِهِ» هو استفراغ الطاقة فيه. قاله ابن عباس، وعنه قال: لا تخافون لومة لائم. وقال الضحاك ومقاتل: اعملوا لله حق عمله واعبدوه حق عبادته. وقال مقاتل بن سليمان: نسخها قوله: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾ [التغابن: ١٦] وهذا بعيد لأن التكليف شرطه القدرة لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ الله نَفْساً

стр. 8552

إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ﴾ [البقرة: ٧٨] و ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العسر﴾ [البقرة: ١٨٥] . فكيف يقول: ﴿وَجَاهِدُوا فِي الله﴾ على وجه لا يقدرون عليه؟ وقال أكثر المفسرين: حق الجهاد أن يكون بنية صادقة. وقيل: يفعله عبادة لا رغبة في الدنيا من حيث الاسم والغنيمة. وقيل: يجاهدوا آخراً كما جاهدوا أولاً، فقد كان جهادهم في الأول أقوى، وكانوا فيه أثبت نحو صنعهم يوم بدر، روي عن عمر أنه قال لعبد الرحمن بن عوف: أما علمت أنا كنا نقرأ «وَجَاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله» ؟ قال عبد الرحمن: ومتى ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا كانت بنو أمية الأمراء، وبنو المغيرة الوزراء. واعلم أنه يبعد أن تكون هذه الزيادة من القرآن، وإلا لنقل كنقل نظائره، ولعله إن صح ذلك عن الرسول فإنما قاله كالتفسير للآية. وروي عن ابن عباس أنه قرأ: «وَجَاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جَهَادِهِ كما جاهدتم أول مرة» فقال عمر ﵁: من الذي أمرنا بجهاده؟ فقال: قبيلتان من قريش مخزوم وعبد شمس، فقال: صدقت. وقيل: معنى الآية: استفرغوا وسعكم في إحياء دين الله، وإقامة حقوقه بالحرب واليد واللسان، وجميع ما يمكن، وردوا أنفسكم عن الهوى والميل وقال ابن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى، وهو الجهاد الأكبر [وهو حق الجهاد وقد روي أن رسول الله ﷺ َ - لما رجع من غزوة تبوك قال: «رجعنا من الجهاد والأصغر إلى الجهاد الأكبر» ] وأراد بالجهاد الأصغر الجهاد مع الكفار، وبالجهاد الأكبر الجهاد مع النفس. وأما بيان ما يوجب قبول هذه الأوامر، فهو ثلاثة: الأول: قوله: «هُوَ اجْتَبَاكُمْ» اختاركم لدينه، وهذه من أعظم التشريفات، فأي رتبة أعلى من هذه، وأي سعادة فوق هذا. ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ﴾ وهو كالجواب عن سؤال، وهو أن التكليف وإن كان تشريفاً لكنه شاق على النفس؟ أجاب بعضهم بقوله: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ﴾ ، [روي أن أبا هريرة - رَضِيَ

стр. 8553

اللَّهُ عَنْه قال: كيف قال الله ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ ] مع أنه منعنا عن الزنا؟ فقال ابن عباس: بلى، ولكن الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنّا. وهذا قول الكلبي، قال المفسرون: معناه لا يبتلى بشيء من الذنوب إلا جعل الله له منها مخرجاً بعضها بالتوبة، وبعضها برد المظالم والقصاص، وبعضها بالكفارات وليس في دين الله ذنب إلا يجد العبد سبيلاً إلى الخلاص من العذاب منه. وقال ابن عباس ومقاتل: هو الإتيان بالرخص، فمن لم يستطع أن يصلي قائماً فليصل جالساً، ومن لم يستطع ذلك فَلْيُوم، وإباحة الفطر في السفر للصائم، والقصر فيه والتيمم وأكل الميتة عند الضرورة. فصل استدلت المعتزلة بهذه الآية على المنع من تكليف ما لا يطاق، وقالوا: لما خلق الله الكفر والمعصية في الكافر والعاصي، ثم نهاه عنه كان ذلك من أعظم الحرج، وذلك منفي بصريح هذا النص. والجواب أنه لما أمره بترك الكفر، وترك الكفر يقتضي انقلاب علمه جهلاً، فقد أمر المكلف بقلب علم الله جهلاً، وذلك من أعظم الحرج، ولما استوعى العدمان زال السؤال. الموجب الثاني: قوله: «مِلَّةَ أَبِيكُمْ» فيه أوجه: أحدها: أنها منصوبة باتبعوا مضمراً. قاله الحوفي وتبعه أبو البقاء. الثاني: أنها منصوبة على الاختصاص، أي: أعني بالدين ملة أبيكم. الثالث: أنها منصوبة بمضمون ما تقدمها، كأنه قال: وسع دينكم توسعة ملة أبيكم، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. قاله الزمخشري. وهذا أظهرها. الرابع: أنها منصوبة بجعلها مقدراً. قاله ابن عطية.

стр. 8554

الخامس: أنها منصوبة على حذف كاف الجر، أي: كملة أبيكم. قاله الفراء، وقال أبو البقاء قريباً منه، فإنه قال: وقيل تقديره: مثل ملة، لأن المعنى سهل عليكم الدين مثل ملة أبيكم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقوله: «إبراهيم» بدل أو بيان أو منصوب بأعني. فصل والمقصود من ذكر «إِبْرَاهِيم» التنبيه على أن هذه التكاليف والشرائع هي شريعة إبراهيم والعرب كانوا محبين لإبراهيم ﵇ لأنهم من أولاده، فكان ذكره كالسبب لانقيادهم لقبول هذا الدين. فإن قيل: ليس كل المسلمين يرجع نسبه إلى إبراهيم. فالجواب: أن هذا خطاب مع العرب، وهم كانوا من نسل إبراهيم. وقيل: خاطب به جميع المسلمين، وإبراهيم أب لهم على معنى وجوب إكرامه وحفظ حقه كما يجب احترام الأب، فهو كقوله تعالى: «وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ» ، وقال النبي ﷺ َ - «إنما أنا لكم مثل الوالد» فإن قيل: هذا يقتضي أن تكون ملة محمد كملة إبراهيم سواء، فيكون الرسول ليس له شرع مخصوص، ويؤكده قوله: ﴿اتبع مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣] . فالجواب: إنما وقع هذا الكلام مع عبدة الأوثان، فكأنه قال: عبادة الله وترك الأوثان هي ملة إبراهيم، وأما تفاصيل الشرائع فلا تعلّق لها بهذا الموضع. قوله: «هُو سَمَّاكُمْ» في هذا الضمير قولان: أحدهما: أنه يعود على «إبْرَاهِيمَ» ، لأنه أقرب مذكور إلا أن ابن عطية قال: وفي هذه اللفظة يعني قوله: «وَفِي هَذَا» ضعف قول من قال: الضمير ل «إبراهيم» ولا يتوجه إلا بتقدير محذوف من الكلام مستأنف. انتهى. ومعنى ضعف من قال بذلك أن قوله: «وَفِي هَذَا» عطف على «مِنْ قَبْلُ» و «هَذَا» إشارة إلى القرآن، فيلزم أن «إبْرَاهِيمَ» سمّاهم المسلمين في القرآن، وهو غير واضح؛ لأن

стр. 8555

القرآن المشار إليه إنما أنزل بعد إبراهيم بمدد طوال، فلذلك ضعف قوله. قوله: إلا بتقدير محذوف الذي ينبغي أن يقدر: وسميتهم في هذا القرآن المسلمين وقال أبو البقاء: قيل: الضمير ل «إبْرَاهِيمَ» فعلى هذا الوجه يكون قوله «وَفِي هَذَا» أي: وفي هذا القرآن سبب تسميتهم وهو قول إبراهيم: ﴿رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] ، فاستجاب الله له، وجعلها أمة محمد ﷺ َ -. والثاني: أن الضمير يعود على الله تعالى، ويدلّ له قراءة أُبيّ «اللَّهُ سَمَّاكُمْ» بصريح الجلالة، أي سماكم في الكتب السالفة وفي هذا القرآن الكريم أيضاً. وهو مرويّ عن ابن عباس ويؤيده قوله: ﴿لِيَكُونَ الرسول شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾ . فبيّن أنه سمّاهم بذلك لهذا الغرض، وهذا لا يليق إلا بالله. فقوله: «لِيَكُونَ الرَّسُولُ» متعلق ب «سَمَّاكُمْ» فبيّن فضلكم على سائر الأمم، وسماكم بهذا الاسم لأجل الشهادة المذكورة، فلما خصكم بهذه الكرامة فاعبدوه ولا تردوا تكاليفه. وهذا هو الموجب الثالث لقبول التكليف، وتقدم الكلام في أنه كيف يكون الرسول شهيداً علينا وكيف تكون أمته شهداء على الناس في سورة البقرة. وأما ما يجري مجرى المؤكد لما مضى فهو قوله: ﴿فَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾ فهي المفروضات، لأنها المعهودة. واعتصموا بحبل الله أي بدلائله العقلية والسمعية. قال ابن عباس: سلو الله العِصمة عن كل المحرمات. وقيل: ثقوا بالله وتوكلوا عليه. وقال الحسن: تمسكوا بدين الله «هُوَ مَوْلَاكُمْ» سيدكم والمتصرف فيكم وناصركم وحافظكم. ﴿فَنِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير﴾ فكأنه تعالى قال: أنا مولاكم بل أنا ناصركم. وحسن حذف المخصوص بالمدح وقوع الثاني رأس آية وفاصلة. فصل احتجت المعتزلة بهذه الآية من وجوه:

стр. 8556

أحدها: أن قوله: «لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ» يدلّ على أنه تعالى أراد الإيمان من الكل؛ لأنه تعالى لا يجعل الشهيد على عباده إلا من كان عدلاً مرضياً، فإذا أراد أن يكونوا شهداء على الناس فقد أراد أن يكونوا جميعاً صالحين عدولاً، وقد علمنا أن منهم فسّاقاً، فدل ذلك على أن الله - تعالى - أراد من الفاسق كونه عدلاً. وثانيها: قوله: «وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ» وكيف يمكن الاعتصام به مع أن الشر لا يوجد إلا منه. وثالثها: قوله: «فَنِعْمَ المَوْلَى» فإنه لو كان كما يقوله أهل السنة من أنه خلق أكثر عباده ليخلق فيهم الكفر والفساد ثم يعذبهم لما كان نعم المولى، بل كان لا يوجد من شر المولى أحد إلا وهو شرٌّ منه، فكان يجب أن يوصف بأنه بئْس المولى. وذلك باطل فدل على أنه - سبحانه - ما أراد من جميعهم إلا الصلاح. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون نعم المولى للمؤمنين خاصة كما أنه نعم النصير لهم خاصة؟ قلنا: إنه - تعالى - مولى الكافرين والمؤمنين جميعاً، فيجب أن يقال: نعم المولى للمؤمنين وبئس المولى للكافرين، فإن ارتكبوا ذلك فقد ردوا القرآن والإجماع وصرحوا بشتم الله - تعالى - تعالى الله عند ذلك. ورابعها: أن قوله: ﴿سَمَّاكُمُ المسلمين مِن قَبْلُ﴾ يدل على إثبات الأسماء الشرعية وأنها من قبل الله - تعالى - لأنها لو كانت لغة لما أضيفت إلى الله تعالى على وجه الخصوص. والجواب عن الأول: وهو قولهم إن كونه - تعالى - مريداً لكونه شاهداً يستلزم كونه مريداً لكون عدلاً. فنقول: إن كانت إرادة الشيء مستلزمة لإرادة لوازمه فإرادة الإيمان من الكافر يوجب أن تكون مستلزمة لإرادة جهل الله، ويلزم كونه - تعالى - مريداً لجهل نفسه، وإن لم يكن ذلك واجباً فقد سقط الكلام. وأما قوله: «واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ» فيقال: هذا أيضاً وارد عليكم، فإنه - سبحانه - خلق الشهوة في قلب الفاسق وأكدها وخلق المشتهى وقربه منه ورفع المانع ثم سلط عليه شياطين الإنس والجن، وعلم لا محالة أنه يقع في الفجور والضلال، وفي الشاهد كل من فعل ذلك فإنه يكون بئس المولى. فإن صح قياس الغائب على الشاهد فهذا لازمٌ عليكم وإن بطل سقط كلامكم بالكلية والله أعلم. روى الثعلبي بإسناده عن أُبيّ بن كعب: قال: قال رسول الله ﷺ َ -: «من قرأ سورة الحج أعطي من الأجر كحجة حجها وعمرة اعتمرها بعدد من حج واعتمر فيما مضى وفيما بقي» .

стр. 8557

سورة المؤمنون

стр. 8558

مكية وهي مائة وثمان عشرة آية، وألف مائتان وأربعون كلمة، وعدد حروفها أربعة آلاف وثمانمائة وحرفان. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ الآيات العشر، روى ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: «كان إذا نزل على رسول الله ﷺ َ - الوحي يسمع عند وجهه كَدَوِيّ النحل فَمَكَثْنَا ساعة، وفي رواية: فنزل عليه يوماً فمكثنا ساعة، فَاسْتَقْبَلَ القبلة فرفع يديه، وقال:» اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقِصْنَا، وأكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا، وأعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وآثِرْنَا وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا وَارْضَ عَنَّا «ثم قال:» لَقَدْ أُنْزِلَ علينا عشر آيات مَنْ أَقَامَهُنَّ دخل الجنة «ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ عشر آيات» ورواه الإمام أحمد، وعلي بن المديني، وجماعة عن عبد

стр. 8559

الرزاق وقالوا: «وَأعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا وارْضَ عَنَّا» . قوله: «قَدْ» هنا للتوقع، قال الزمخشري: «قد» نقيضة «لَمَّا» قد تثبت المتوقع ولما تنفيه، ولا شك أنّ المؤمنين كانوا متوقعين لهذه البشارة، وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم، فخوطبوا بما دلّ على ثبات ما توقعوه. وقال البغوي: قد حرف تأكيد. وقال المحققون: قد يقرب الماضي من الحال يدل على أن الفلاح قد

стр. 8560

حصل لهم وأنهم عليه في الحال. وهو أبلغ من تجريد ذلك الفعل. والعامة على «أَفْلَحَ» مفتوح الهمزة والحاء فعلاً ماضياً مبنياً للفاعل، وورش على قاعدته من نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها وحذفها. وعن حمزة في الوقف خلاف، فروي عنه كورش وكالجماعة. وقال أبو البقاء: من أَلْقَى حركة الهمزة على الدال وحذفها فعلّته أنَّ الهمزة بعد حذف حركتها صُيِّرت ألفاً، ثم حذفت لسكونها (وسكون الدال قبلها في الأصل ولا يُعْتَدُّ بحركة الدال لأنها عارضة. وفي كلامه نظر من وجهين: أحدهما: أنَّ اللغة الفصيحة في النقل حذف الهمزة من الأصل فيقولون: المَرَة والكَمَة في المَرْأة والكَمْأَة، واللغة الضعيفة فيه إبقاؤها وتدبيرها بحركة ما قبلها، فيقولون: المَرَاة والكَمَاة بمدة بدل الهمزة ك (رَاس وفَاس) فيمن خففها، فقوله: صُيّرت ألفاً. ارتكاب لأضعف اللغتين. الثاني: أنه وإن سُلم أنها صُيّرت ألفاً فلا نُسلّم أنَّ حذفها) لسكونها وسكون الدال في الأصل بعد حذفها لساكن محقق في اللفظ، وهو الفاء من «أَفْلَحَ» ، ومتى وجد سبب ظاهر أُحيل الحكم عليه دون السبب المقدر. وقرأ طلحة بن مُصرّف وعمرو بن عبيد «أُفلح» مبنياً للمفعول، أي: دخلوا في الفلاح فيحتمل أن يكون من أَفْلَح متعدياً، يقال: أفلحه،

стр. 8561

أي: أصاره إلى الفلاح، فيكون «أَفْلَحَ» مستعملاً لازماً ومتعدياً. وقرأ طلحة أيضاً: «أَفْلَحُ» بفتح الهمزة واللام وضم الحاء، وتخريجها على أنّ الأصل أفلحوا المؤمنون، بإلحاق علامة جمع قبل الفاعل كلغة: أكلوني البراغيثُ، فيجيء فيها ما تقدم في قوله: ﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١] ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ﴾ [الأنبياء: ٣] . قال عيسى: سمعتُ طلحة يقرؤها فقلتُ له: أتلحن؟ قال: نعم كما لحن أصحابي، يعني أني اتّبعتهم فيما قَرَأْتُ به، فإن لَحِنُوا على سبيل فَرْض المحالِ، فأنا لَاحِنٌ تبعاً لهم. وهذا يدل على شدة اعتناء القدماء بالنقل وضبطه خلافاً لمن يُغلّط الرواة. وقال ابن عطية: وهي قراءة مردودة. قال شهاب الدين: ولا أدري كيف يُردُّونها مع ثبوت مثلها في القرآن بإجماع، وهما الآيتان المتقدمتان. وقال الزمخشري: وعنه أي: عن طلحة - «أَفْلَحُ» بضمة بغير واو اجتزاء بها عنها كقوله: ٣٧٨٠ - فَلَوْ أَنَّ الأَطِّبَّا كَانُ حَوْلِي ... وفيه نظر من حيث إن الواو لا تثبت في مثل هذا درجاً، لئلا يلتقي ساكنان فالحذف هنا لا بدّ منه، فكيف يقول اجتزأ بها عنها. وأما تنظيره بالبيت فليس بمطابق، لأنّ حذفها من الآية ضروري ومن البيت ضرورة، وهذه الواو لا يظهر لفظها في الدرج بل يظهر في الوقف وفي الخط. وقد اختلف النقلة لقراءة طلحة هل يثبت للواو صورة؟ ففي كتاب ابن خالويه مكتوباً بواو بعد الحاء، وفي اللوامح: وحذفت الواو بعد الحاء لالتقائهما في الدرج، وكانت الكتابة عليها محمولة على الوصل ﴿وَيَمْحُ الله الباطل﴾ [الشورى: ٢٤] . قال شهاب الدين: ومثله «

стр. 8562

سَندْعُ الزَّبَانِيَةَ» «لَصَالُ الجَحِيم» . قال المفسرون: والفلاح: النجاة والبقاء. قال ابن عباس: قد سعد المصدقون بالتوحيد وبقوا في الجنة. وتقدم الكلام في الإيمان في البقرة. قوله: ﴿الذين هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ الجار متعلق بما بعده، وقُدّم للاهتمام به، وحسنه كون متعلقه فاصلة، وكذا فيما بعده من أخواته، وأضيف الصلاة إليهم، لأنهم هم المنتفعون بها، والمُصلى له غَنِيٌّ عنها، فلذلك أضيفت إليهم دونه. فصل اختلفوا في الخشوع فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات ومنهم من جمع بين الأمرين، وهو الأولى. قال ابن عباس: مخبتون أذلاء. وقال الحسن وقتادة: خائفون. وقال مقاتل: متواضعون. وقال مجاهد: هو غض البصر وخفض الصوت، والخشوع قريب من الخضوع إلا أنّ الخضوع في البدن، والخشوع في القلب والبصر والصوت قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن﴾ [طه: ١٠٨] . وعن عليّ: هو أن لا يلتفت يميناً ولا شمالاً. وقال سعيد بن جبير: هو أن لا يعرف من على يمينه ولا من على يساره. وقال عطاء: هو أن تعبث بشيء من جسدك، لأن النبي ﷺ َ - أبصر رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» وقال ابن الخطيب: وهو عندنا واجب، ويدل عليه أمور: أحدها: قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ [محمد: ٢٤] . والتدبير لا يتصور بدون الوقوف على المعنى، وقوله تعالى: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً﴾ [المزمل: ٤] أي: قفوا على عجائبه ومعانيه.

стр. 8563

وثانيها: قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصلاة لذكريا﴾ [طه: ١٤] وظاهر الأمر للوجوب، والغفلة تضاد الذكر، فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيماً للصلاة لذكره. وثالثها: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِّنَ الغافلين﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وظاهره للتحريم، وقوله: ﴿حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] تعليل لنهي السكران، وهو مطرد في الغافل المستغرق في الدنيا. ورابعها: قوله - عليه الصلاة - «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً» وصلاة الغافل لا تمنع من الفحشاء، قال ﵇: «كم من قائم حظّه من قيامه التعب والنصب» وما أراد به ألا الغافل، وقال أيضاً: «ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل» ، وقالت عائشة ﵂ سألت رسول الله ﷺ َ - عن الالتفات في الصلاة، فقال: «هو اختلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ من صلاة العبد» وعن أبي ذر عن النبي ﷺ َ - قال: «لا يزال الله مُقْبِلاً على العبد ما كان في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت أعرض عنه» وذهب بعضهم إلى أنه ليس بواجب لأنّ اشتراط الخضوع والخشوع خلاف لإجماع الفقهاء فلا يلتفت إليه. وأُجيب بأن هذا الإجماع ممنوع، لأن المتكلمين اتفقوا على أنه لا بُدّ من الخضوع والخشوع، واحتجوا بأن السجود لله تعالى طاعة، وللصنم كفر، وكل واحد منهما

стр. 8564

يماثل الآخر في ذاته ولوازمه، فلا بُدّ من أمر لأجله يصير السجود في إحدى الصورتين طاعة، وفي الأخرى معصية، قالوا: وما ذاك إلا القصد والإرادة، والمراد من القصد: إيقاع تلك الأفعال لداعية الامتثال، وهذه الداعية لا يمكن حصولها إلا عند الحضور. قوله: ﴿والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: عن الشرك. وقال الحسن: عن المعاصي. وقال الزجاج: كل باطل، ولهو وما لا يجمل من القول والفعل. وقيل: هو معارضة الكفار بالشتم والسب، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾ [الفرقان: ٧٢] أي: إذا سمعوا الكلام القبيح أكرموا أنفسهم عن الدخول فيه. واعلم أن اللغو قد يكون كفراً كقوله تعالى: ﴿لَا تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] ، وقد يكون كذباً لقوله تعالى: ﴿لَاّ تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] ، وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً﴾ [الواقعة: ٢٥] . ولما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه بوصفهم بالإعراض عن اللغو ليجمع لهم الفعل والترك. قوله: ﴿والذين هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ اللام في قوله: «لِلزَّكَاةِ» مزيدة في المفعول لتقدمه على عامله، ولكونه فرعاً. والزكاة في الأصل مصدر، ويطلق على القدر المُخْرَج من الأعيان، وقال الزمخشري: اسم مشترك بين عين ومعنًى، فالعين القدر الذي يخرجه المزكي من النصاب، والمعنى فعل المزكي، وهو الذي أراده الله فجعل المزكين فاعلين له، ولا يسوغ فيه غيره، لأنه ما من مصدر إلا يعبر عنه بالفعل، ويقال لمحدثه فاعل، تقول للضارب: فاعل الضرب، وللقاتل: فاعل القتل، وللمزكي: فاعل التزكية، وعلى هذا الكلام كله، والتحقيق في هذا أنك تقول في جميع الحوادث: (من فعل هذا) فيقال لك: فاعله الله أو بعض الخلق، ولم يمتنع الزكاة الدالة على العين أن يتعلق بها (فاعلون) لخروجها من صحة أن يتناولها الفاعل، ولكن لأنّ الخلق ليسوا بفاعليها، وقد أنشدوا لأمية بن أبي الصلت:

стр. 8565

٣٧٨١ - المطعمُون الطَّعام في السنة ال ... أَزْمة والفاعلون للزكوات ويجوز أن يراد بالزكاة العين، ويقدر مضاف محذوف، وهو الأداء، وحمل البيت على هذا أصح، لأنها فيه مجموعة. قال شهاب الدين: إنما أحوج أبا القاسم إلى هذا أن بعضهم زعم أنه يتعين أنْ يكون الزكاة هنا المصدر؛ لأنه لو أراد العين لقال: مؤدون ولم يقل: فاعلون، فقال الزمخشري: لم يمتنع ذلك لعدم صحة تناول فاعلون لها بل لأنّ الخلق ليسوا بفاعليها، وإنما جعل الزكوات في بيت أمية أعياناً لجمعها، لأنّ المصدر لا يجمع، وناقشه أبو حيان وقال: يجوز أن يكون مصدراً وإنما جمع لاختلاف أنواعه. وقال أبو مسلم: إنّ فعل الزكاة يقع على كل فعل محمود مرضي، كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى﴾ [الأعلى: ١٤] ، وقوله: ﴿فَلَا تزكوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] ومن جملتهم ما يخرج من حق المال، وإنما سمي بذلك؛ لأنها تطهر من الذنوب، لقوله تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] . وقال الأكثرون: المراد بها هنا: الحق الواجب في الأموال خاصة؛ لأنّ هذه اللفظة قد اختصت في الشرع بهذا المعنى. فإنْ قيل: إن الله تعالى لم يفصل بين الصلاة والزكاة فَلِمَ فصل هنا بينهما بقوله: ﴿والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ﴾ ؟ فالجواب: لأنّ ترك اللغو من متمات الصلاة. قوله: ﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ الفرج اسم يجمع سوأة الرجل والمرأة، وحفظ الفرج التعفف عن الحرام. قوله: ﴿إِلَاّ على أَزْوَاجِهِمْ﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه متعلق ب «حَافِظُونَ» على التضمين معنى ممسكين أو قاصرين وكلاهما يتعدى بعلى قال تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] . الثاني: أنّ «عَلَى» بمعنى «مِنْ» أي: إلا من أزواجهم كما جاءت «مِنْ» بمعنى «

стр. 8566

عَلَى» في قوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ القوم﴾ [الأنبياء: ٧٧] وإليه ذهب الفراء. الثالث: أنْ يكون في موضع نصب على الحال، قال الزمخشري: إلَاّ وَالِينَ على أزواجهم أو قوّامين عليهنّ من قولك: كان فلان على فلانة فمات عنها فخلف عليها فلان، ونظيره: كان زياد على البصرة أي: والياً عليها، ومنه قولهم: فلانة تحت فلان، ومن ثمّ سميت المرأة فراشاً. الرابع: أنْ يتعلق بمحذوف يدل عليه «غَيْرُ مَلُومِينَ» قال الزمخشري: كأنه قيل: يلامون إلا على أزواجهم، أي: يلامون على كل مباشرة إلا على ما أطلق لهم فإنهم غير ملومين عليه. قال شهاب الدين: وإنما لم يجعله متعلقاً ب «مَلُومِينَ» لوجهين: أحدهما: أن ما بعد «إِنَّ» لا يعمل فيما قبلها. الثاني: أن المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف. الخامس: أن يجعل صلة لحافظين، قال الزمخشري: من قولك: احفظ عليّ عنان فرسي، على تضمينه معنى النفي كما ضمن قولهم: نشدتك بالله إلا فعلت معنى: ما طلبت منك إلا فعلك يعني أنّ صورته إثبات ومعناه نفي. قال أبو حيان بعدما ذكر ذلك عن الزمخشري: وهذه وجوه متكلفة ظاهر فيها العجمة. قال شهاب الدين: وأي عجمةٍ في ذلك على أنّ الشيخ جعلها متعلقة ب «حَافِظُونَ» على ما ذكره من التضمين، وهذا لا يصح له إلا بأن يرتكب وجهاً منها وهو التأويل بالنفي

стр. 8567

كنشدتك الله، لأنه استثناء مفرغ ولا يكون إلا بعد نفي أو ما في معناه. السادس: قال أبو البقاء: في موضع نصب ب «حَافِظُونَ» على المعنى؛ لأنّ المعنى صانوها عن كل فرج إلا عن فروج أزواجهم. قال شهاب الدين: وفيه سببان: أحدهما تضمين «حَافِظُونَ» معنى صانوا، وتضمين «على» معنى «عَنْ» . قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ﴾ «مَا» بمعنى: اللاتي، و «مَا» في محل الخفض يعني: أو على ما ملكت أيمانهم. وفي وقوعها على العقلاء وجهان: أحدهما: أنها واقعة على الأنواع كقوله: ﴿فانكحوا مَا طَابَ﴾ [النساء: ٣] أي: أنواع. والثاني: قال الزمخشري: أريد من جنس العقلاء ما يجري مجرى غير العقلاء وهم الإناث. قال أبو حيان: وقوله: وهم. ليس بجيد، لأنّ لفظ هُمْ مختص بالذكور فكان ينبغي أن يقول: «وَهُوَ» على لفظ «مَا» أو «هُنَّ» على معنى (ما) . وأجيب بأن الضمير عائد على العقلاء فقوله: «وَهُمْ» أي: العقلاء الإناث. وقال ابن الخطيب هلا قيل: مَنْ ملكت؟ فالجواب: لأنه اجتمع في السُّرِّيَّةِ وصفان: أحدهما: الأنوثة وهي مظنة نقصان العقل.

стр. 8568

والآخر: كونها بحيث تباع وتشترى كسائر السلع. فلهذين الوصفين فيها جعلت كأنها ليست من العقلاء. فصل هذه الآية في الرجال خاصة لأن المرأة لا يجوز لها أن تستمتع بفرج مملوكها. فإن قيل: أليست الزوجة والمملوكة لا تحل له الاستمتاع بها في أحوال كحال الحيض، وحال العدة، والصيام، والإحرام، وفي الأمة حال تزويجها من الغير وحال عدتها، وكذا الغلام داخل في ظاهر قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ؟ فالجواب من وجهين: الأول: أنّ مذهب أبي حنيفة أنّ الاستثناء من النفي لا يكون إثباتاً، لقوله ﵇: «لا صلاة إلا بطهور، ولا نِكَاحَ إِلَاّ بِوَليّ» فإن ذلك لا يقتضي حصول الصلاة بمجرد حصول الطهور، وحصول النكاح بمجرد حصول الولي. وفائدة الاستثناء صرف الحكم لا صرف المحكوم به فقوله: ﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَاّ على أَزْوَاجِهِمْ﴾ معناه أنه يجب حفظ الفرج عن الكل إلا في هاتين الصورتين فإني ما ذكرت حكمهما لا بالنفي ولا بالإثبات. الثاني: (أَنَّا إنْ) سلمنا أنّ الاستثناء من النفي إثبات فغايته أنه عام دخله التخصيص بالدليل فيبقى حجة فيما عداه. وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ يعني: يحفظ فرجه إلا من امرأته وأمته فإنه لا يلام على ذلك إذا كان على وجه أذن الشرع فيه دون الإتيان في غير المأتى، وفي حال الحيض والنفاس فإنه محظور ويلام على فعله. قوله: ﴿فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذلك﴾ أي: التمس وطلب سوى الأزواج والمملوكات ﴿فأولئك هُمُ العادون﴾ الظالمون المتجاوزون من الحلال إلى الحرام، وفيه دليل أنَّ الاستمناء باليد حرام قال ابن جريج: سألت عطاء عنه فقال: مكروه، سمعت أنّ قوماً يحشرون وأيديهم حُبالى فأظن أنهم هؤلاء. وعن سعيد بن جبير قال: عَذَّب الله أمة كانوا يعبثون

стр. 8569

بمذاكيرهم. قوله: ﴿والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ﴾ قرأ ابن كثير هنا وفي سأل «لأَمَانَتِهِم» بالتوحيد، والباقون بالجمع. وهما في المعنى واحد إذ المراد العموم والجمع أوفق. والأمانة في الأصل مصدر، ويطلق على الشيء المؤتمن عليه لقوله: ﴿أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] . «وتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ» ، وإنما يُؤدَّى ويُخان الأعيان لا المعاني، كذا قال الزمخشري. أما ما ذكره من الآيتين فمسلم، وأما هذه الآية فيحتمل المصدر ويحتمل العين، والعهد ما عقده على نفسه فيما يقربه إلى الله، ويقع أيضاً على ما أمر الله به كقوله: ﴿الذين قالوا إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ [آل عمران: ١٨٣] ، والعقود التي عاقدوا الناس عليها يقومون بالوفاء بها. فالأمانات تكون بين الله وبين العبد كالصلاة، والصيام، والعبادات الواجبة وتكون بين العبيد كالودائع والبضائع، فعلى العبد الوفاء بجميعها. وقوله: «رَاعُونَ» الراعي القائم على الشيء يحفظه ويصلحه كراعي الغنم، ومنه يقال: مَنْ راعي هذا الشيء؟ أي متوليه. وقوله: ﴿والذين هُمْ على صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قرأ الأخوان «عَلَى صَلَاتِهِمْ» بالتوحيد، والباقون «صَلَوَاتِهِمْ» بالجمع، وليس في المعارج خلاف.

стр. 8570

والإفراد والجمع كما تقدم في «أَمَانَتِهم) و (أَمَانَاتِهِمْ) . قال الزمخشري: فإنْ قُلْتَ: كيف كرر ذكر الصلاة أولاً وآخراً؟ قلت: هما ذكران مختلفان وليس بتكرير، وصفوا أولاً بالخشوع في صلاتهم، وآخراً بالمحافظة عليها. ثم قال: وأيضاً فقد وحدت أولاً ليفاد الخشوع في جنس الصلاة، أي صلاة كانت، وجمعت آخراً لتفاد المحافظة على أعدادها وهي الصلوات الخمس والوتر والسنن الراتبة، وهذا إنما يتجه في قراءة غير الأخوين وأما الأخوان فإنهما أفردا أولاً وآخراً على أنَّ الزمخشري قد حكى الخلاف في جمع الصلاة الثانية وإفرادها بالنسبة إلى القراءة. وقيل: كرر ذكر الصلاة ليبين أنّ المحافظة عليها واجبة كما أن الخشوع فيها واجب. ثم قال: ﴿أولئك هُمُ الوارثون﴾ «أُولَئِكَ» أي: أهل هذه الصفة «هُمُ الوارِثُونَ» فإن قيل: كيف سمى ما يجدونه من الثواب والجنة بالميراث؟ مع أنه سبحانه حكم بأنَّ الجنة حقهم في قوله: ﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة﴾ [التوبة: ١١١] . فالجواب من وجوه: الأول: روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ َ - «ما منكم من أحد إلَاّ وله منزلان منزل في الجنّة ومنزلٌ في النار، فإنْ مات ودخل النار وَرِثَ أهلُ الجنة مَنْزله» ، وذلك قوله: ﴿أولئك هُمُ الوارثون﴾ . وأيضاً: فقد قال الفقهاء إنه لا فرق بين ما ملكه الميت وبين ما يقدر فيه الملك في أنه يورث عنه، كذلك قالوا في الدية التي إنما تجب بالقتل إنها تورث مع أنه مالكها على التحقيق وهذا يؤيد ما ذكر فإن قيل: إنه تعالى وصف كل الذي يستحقونه إرثاً، وعلى ما قلتم فإنه يدخل في الإرث ما كان يستحقه غيرهم لو أطاع. فالجواب: لا يمتنع أنه تعالى جعل ما هو (منزلة) لهذا المؤمن بعينه منزلة لذلك الكافر لو أطاع لأنه عند ذلك كان يزيد في المنازل فإذا أمن هذا عدل بذلك إليه.

стр. 8571

الثاني: أنَّ انتقال الجنة إليهم من دون محاسبة ومعرفة بمقاديره يشبه انتقال المال إلى الوارث. الثالث: أنَّ الجنة كانت مسكن أبينا آدم ﵇ فإذا انتقلت إلى أولاده كان ذلك شبيهاً بالميراث. فإن قيل: كيف حكم على الموصوفين بالصفات السبعة بالفلاح مع أنه تعالى ما تمم ذكر العبادات الواجبة كالصوم والحج؟ فالجواب: أنَّ قوله: ﴿لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ يأتي على جميع الواجبات من الأفعال والتروك كما تقدم والطهارات دخلت في جملة المحافظة على الصلوات لكونها من شرائطها. واعلم أنَّ قوله: «هُمُ الوَارِثُونَ» يفيد الحصر لكنه يجب ترك العمل به، لأنه ثبت أنَّ الجنة يدخلها الأطفال والمجانين والولدان والحور، ويدخلها الفساق من أهل القبلة بعد العفو لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] ، وتقدم الكلام في الفردوس في سورة الكهف. قوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يجوز في هذه الجملة أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالاً مقدرة إما من الفاعل ب «يَرِثُونَ» وإما من مفعوله إذ فيها ذكر كل منهما ومعنى الكلام لا يموتون ولا يخرجون، وقد جاء في الحديث: «أن الله خلق ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس الفردوس بيده، ثم قال: وعزتي لا يدخلها مدمن خمر ولا ديوث» .

стр. 8572

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ﴾ الآيات لما أمر بالعبادات في

стр. 8573

الآيات المتقدمة بطريق الحث عليها والاشتغال بعبادة الله لا يصح إلا بعد معرفة الله، لا جرم عقّبها بذكر ما يدل على وجوده، واتصافه بصفات الجلال والوحدانية، فذكر أنواعاً من الدلائل: منها تقلب الإنسان في أدوار خلقته وهي تسعة: أولها: قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ قال ابن عباس وعكرمة وقتادة ومقاتل: المراد بالإنسان آدم ﵇ سُلَّ مِنْ كُلِّ تُرْبَةٍ، وخُلقتْ ذريته من ماء مهين. وقيل: الإنسان اسم جنس يقع على الواحد والجميع، والسلالة هي الأجزاء الطينية المبثوثة في أعضائه التي لما اجتمعت وحصلت في أوعية المني صارت منياً، وهذا مطابق لقوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ [السجدة: ٧ - ٨] . قال ابن الخطيب: وفيه وجه آخر: وهو أنّ الإنسان إنما يتولد من النطفة، وهي إنما تتولد من فضل الهضم الرابع وذلك إنما يتولد من الأغذية، وهي إما حيوانية أو نباتية، والحيوانية تنتهي إلى النباتية، والنبات إنما يتولد من صفو الأرض والماء، فالإنسان في الحقيقة يكون متولداً من سلالة من طين، ثم إن تلك السلالة بعد أن تواردت عليها أطوار الخلقة وأدوار الفطرة صارت منياً. (قوله) : «مِنْ سُلَالَةٍ» فيه وجهان: أظهرهما: أن يتعلق ب «خَلَقْنَا» ، و «مِنْ» لابتداء الغاية. والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «الإنسان» . والسُّلالة (فُعَالَة) ، وهو بناء يدل على القلة كالقُلَامة، وهي من سَلَلْتُ الشيءَ من الشيءِ أي استخرجْتهُ منه، ومنه قولهم: هو سُلَالَةُ أَبيهِ كأنه انسلّ من ظهره، وأنشد: ٣٧٨٢ - فَجَاءَتْ بِهِ عَضْبَ الأَدِيمِ غَضَنْفَراً ... سُلَالَةَ فَرْجٍ كَانَ غَيْرَ حَصِينٍ

стр. 8574

وقال أمية بن أبي الصلت: - ٣٧٨٣ خلق البرية من سلالة منتن ... وإلى السلالة كلها ستعود وقال عكرمة: هو الماء يسيل من الظهر. والعرب يسمون النطفة سُلَالَة، والولد سَلِيلاً وسُلَالة، لأنهما مَسْلُولَانِ منه. وقال الزمخشري: السلالة الخُلاصة، لأنها تسل من بين الكَدَر. وهذه الجملة جواب قسم محذوف، أي: والله لقد خلقنا، وعطفت على الجملة قبلها لما بينهما من المناسبة، وهو أنه لما ذكر أنّ المتصفين بتلك الأوصاف يرثون الفردوس فتضمن ذلك المعاد الأخروي ذكر النشأة الأولى ليستدل بها على المعاد، فإنّ الابتداء في العادة أصعب من الإعادة، لقوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] . وهذا أحسن من قول ابن عطية: هذا ابتداء كلام، والواو في أوله عاطفة جملة كلام على جملة كلام، وإن تباينتا في المعنى. وقد تقدم بيان وجه المناسبة. قوله: «مِنْ طِين» في «مِنْ» وجهان: أحدهما: أنها لابتداء الغاية. والثاني: أنها لبيان الجنس. قال الزمخشري: فإن قلت: ما الفرق بين «مِنْ» و «مِنْ» ؟ قلت: الأولى للابتداء، والثانية للبيان كقوله: «مِنَ الأَوْثَانِ» . قال أبو حيان: ولا تكون للبيان إلا إذا قلنا: إن السلالة هي الطين أما إذا قلنا: إنه من انسل من الطين ف «مِنْ» لابتداء الغاية وفيما تتعلق به «مِنْ» هذه ثلاثة أوجه:

стр. 8575

أحدها: أنها تتعلق بمحذوف إذ هي صفة ل «سُلَالَة» . الثاني: أنها تتعلق بنفس «سُلَالَة» لأنها بمعنى مسلولة. الثالث: أنها تتعلق ب «خَلَقْنَا» ، لأنها بدل من الأولى إذا قلنا: إنّ السلالة هي نفس الطين. قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ في هذا الضمير قولان: أحدهما: أنه يعود للإنسان، فإن أريد غير آدم فواضح، ويكون خلقه من سلالة الطين خلق أصله، وهو آدم (فيكون على حذف مضاف وإن كان المراد به آدم، فيكون الضمير عائداً على نسله، أي: جعلنا نسله) ، فهو على حذف مضاف أيضاً، ويؤيده قوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ [السجدة: ٧ - ٨] . أو عاد الضمير على الإنسان اللائق به ذلك، وهو نسل آدم، فلفظ الإنسان من حيث هو صالح للأصل والفرع، ويعود كل شيء لما يليق به وإليه نحا الزمخشري. قوله: «فِي قَرَارٍ» يجوز أنْ يتعلق بالجعل، وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل «نُطْفَة» . والقرار: المستقر، وهو موضع الاستقرار، والمراد بها الرحم، وصفت بالمكانة التي هي صفة المستقر فيها لأحد معنيين: إمَّا على المجاز كطريق سائر، وإنما السائر من فيه، وإِمّا لمكانتها في نفسها لأنها تمكنت بحيث هي وأحرزت. ومعنى جعل الإنسان نطفة أنه خلق جوهر الإنسان أولاً طيناً، ثم جعل جوهره بعد ذلك نطفة في أصلاب الآباء فقذفه الصلب بالجماع إلى رحم المرأة، فصار الرحم قراراً مكيناً لهذه النطفة تتخلق فيه إلى أن تصير إنساناً. قوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً﴾ وما بعدها ضمن «خَلَق» معنى «جَعَل» التصييرية فتعدت لاثنين كما يضمن «جَعَل» معنى «خَلَق» فيتعدى لواحد نحو ﴿وَجَعَلَ الظلمات والنور﴾ [الأنعام: ١] . والمعنى: حولنا النطفة عن صفاتها

стр. 8576

إلى صفات العلقة، وهي الدم الجامد ﴿فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً﴾ أي: جعلنا ذلك الدم الجامد مضغة، أي: قطعة لحم، كأنها مقدار ما يمضع كالغرفة، وهو ما يغترف. وسمى التحويل خلقاً، لأنه تعالى يفني بعض أعراضها، ويخلق أعراضاً غيرها، فسمى خلق الأعراض خلقاً لها، كأنه سبحانه يخلق فيها أجزاء زائدة. قوله: ﴿فَخَلَقْنَا المضغة عِظَاماً﴾ أي: صيرناها كذلك. وقرأ العامة: «عِظاماً» و «العِظَام» بالجمع فيهما، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «عَظْماً» و «العَظمَ» بالإفراد فيهما، والسلمي والأعرج، والأعمش بإفراد الأول وجمع الثاني، وأبو رجاء، ومجاهد، وإبراهيم بن أبي بكر بجمع الأول وإفراد الثاني عكس ما قبله. فالجمع على الأصل، لأنه مطابق لما يراد به، والإفراد للجنس كقوله: «وَالمَلَكُ صَفًّا» ، وكقوله: ﴿وَهَنَ العظم مِنِّي﴾ [مريم: ٤] . وقال الزمخشري: وضع الواحد موضع الجمع لزوال اللبس، لأنَّ الإنسان ذو عظام كثيرة. قال أبو حيان: وهذا عند سيبويه وأصحابه لا يجوز إلا (لضرورة) وأنشدوا: ٣٧٨٤ - كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُم تَعِفُّوا ...

стр. 8577

وإن كان معلوماً أن كل واحد له بطن. قال شهاب الدين: ومثله: ٣٧٨٥ - لا تُنْكِرُوا القَتْلَ وقَدْ سَبَيْنَا ... فِي حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وَقَدْ شَجَيْنَا يريد في حلوقكم ومثله قوله الآخر: ٣٧٨٦ - بِهَا جِيَفُ الحسْرَى فأَمَّا عِظَامُهَا ... فَبِيضٌ وأَمّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ يريد جلودها، ومنه «وعَلَى سَمْعِهِمْ» . قوله: ﴿فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً﴾ أي: ألبسنا، لأنّ اللحم يستر العظم فجعله كالكسوة (لها) قيل: بين كل خلقين أربعون يوماً. ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ أي: خلقاً مبايناً للخلق الأول مباينة ما أبعدها حيث جعله حيواناً، وكان جماداً، وناطقاً وكان أبكم وسميعاً وكان أصم وبصيراً وكان أكمه، وأودع باطنه وظاهره بل كل جزء من أجزائه عجائب فطرة، وغرائب حكمة لا يحيط بها وصف الواصفين. قال ابن عباس ومجاهد والشعبي وعكرمة والضحاك وأبو العالية: المراد بالخلق الآخر هو نفخ الروح فيه. وقال قتادة: نبات الأسنان والشعر، وروى ابن جريج عن مجاهد: أنه استواء الشباب. وعن الحسن قال: ذكر أو أنثى. وروى العوفي عن ابن عباس: أنّ ذلك تصريف أحواله بعد الولادة من الاستهلال إلى الارتفاع إلى القعود إلى القيام إلى المشي إلى أن يأكل ويشرب إلى أن يبلغ الحلم، وخلق الفهم والعقل ويتقلب في البلاد إلى ما بعدها إلى أنْ يموت. قالوا: وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول النظام أن الإنسان هو الروح لا البدن، فإنه سبحانه بَيَّن أنَّ الإنسان هو المركب من هذه الأشياء. وفيها دلالة أيضاً

стр. 8578

على بطلان قول الفلاسفة الذين يقولون: الإنسان شيء لا ينقسم وإنه ليس بجسم. وقال: «فَتَبَارَك اللَّهُ» أي: فتعالى الله، لأنَّ البركة يرجع معناها إلى الامتداد والزيادة وكل ما زاد على الشيء فقد علاه. ويجوز أن يكون المعنى البركات والخيرات كلها من الله. وقيل: أصله من البروك وهو الثبات، فكأنه قال: البقاء والدوام والبركات كلها منه، فهو المستحق للتعظيم والثناء بأنه لم يزل ولا يزال «أَحسَنُ الخَالِقِينَ» المصورين والمقدرين. والخلق في اللغة: التقدير، قال زهير: ٣٧٨٧ - ولأَنْتَ تَفْري مَا خَلقْتَ وَبَعْ ... ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي قوله: «أَحْسَنُ الخَالِقِينَ» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بدل من الجلالة. الثاني: أنه نعت للجلالة، وهو أولى مما قبله، لأنّ البدل بالمشتق يقل. الثالث: أنْ يكون خبر مبتدأ مضمر أي: هو أحسن، والأصل عدم الإضمار. وقد منع أبو البقاء أن يكون وصفاً، قال: لأنه نكرة وإن أضيف لمعرفة لأنّ المضاف إليه عوض عن «من» ، وهكذا جميع أفعل منك. قال شهاب الدين: وهذا بناء منه على أحد القولين في أفعل التفضيل إذا أضيف هل إضافته محضة أم لا، والصحيح الأول. والمميز لأفعل محذوف لدلالة المضاف إليه

стр. 8579

عليه، أي: أحسن الخالقين خلقاً المقدرين تقديراً كقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩] أي: في القتال حذف المأذون فيه لدلالة الصلة عليه. فصل قالت المعتزلة: لولا أن يكون غير الله قد يكون خالقاً لما جاز القول بأنه أحسن الخالقين، كما لو لم يكن في عباده من يحكم ويرحم لم يجز أن يقال فيه: «أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ» و «أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» . والخلق في اللغة: هو كل فعل وُجد من فاعله مقدّراً لا على سهو وغفلة، والعباد قد يفعلون ذلك على هذا الوجه. قال الكعبي: هذه الآية وإن دلت على أن العبد خالق إلا أن اسم الخالق لا يطلق على العبد إلا مع القيد، كما أنه يجوز أن يقال: رَبُّ الدار، ولا يجوز أن يقول: رب، ولا يقول العبد لسيده: هذا ربّي، ولا يقال: إنما قال الله سبحانه ذلك لأنه وَصفَ عيسى ﵇ بأنه يَخْلُق مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ. لأنا نجيب من وجهين: أحدهما: أن ظاهر الآية يقتضي أنه سبحانه «أَحسَنُ الخَالِقِينَ» الذين هم جمع فحمله على عيسى خاصة لا يصح. الثاني: أنه إذا صحّ وصف عيسى بأنه يخلق صحّ أنّ غيره سبحانه يخلق وصحّ أيضاً وصف غيره من المصورين بأنه يخلق. وأجيب بأن هذه الآية معارضة بقوله: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] فوجب حمل

стр. 8580

هذه الآية على أنه «أَحسَنُ الخَالِقينَ» في اعتقادكم وظنكم كقوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] . وجواب ثان، وهو أنّ الخالق هو المقدر، لأن الخلق هو التقدير، فالآية تدل على أنه تعالى أحسن المقدرين، والتقدير يرجع معناه إلى الظن والحسبان، وذلك في حق الله تعالى محال، فتكون الآية من المتشابه. وجواب ثالث: أنّ الآية تقتضي كون العبد خالقاً بمعنى كونه مقدراً لكن لم قلت إنه خالق بمعنى كونه موحداً. فصل قالت المعتزلة: الآية تدل على أنّ كل ما خلقه الله حسن وحكمة وصواب وإلا لما جاز وصفه بأنه أحسن الخالقين، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون خالقاً للكفر والمعصية، فوجب أن يكون العبد هو الموجد لهما. وأجيب بأنّ من الناس من حمل الحسن على الأحكام والإتقان في التركيب والتأليف، ثم لو حملناه على ما قالوه فعندنا أنه يحسن من الله كل الأشياء، لأنه ليس فوقه أمر ونهي حتى يكون ذلك مانعاً له عن فعل شيء. فصل روى الكلبي عن ابن عباس أنّ عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب هذه الآيات لرسول الله ﷺ َ فلما انتهى إلى قوله: «خَلْقاً آخَرَ» عجب من ذلك فقال: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحَسَنُ الخَالِقِينَ، فقال رسول الله ﷺ َ: «اكتبْ فَهكَذَا نزلت» فشك عبد الله وقال: إن كان محمد صادقاً فيما يقول، فإنه يُوحَى إليّ كما يُوحَى إليه، وإن كان كاذباً فلا خير في دينه، فهرب إلى مكة، فقيل: إنه مات على الكفر، وقيل: إنه أسلم يوم الفتح وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية قال عمر بن الخطاب: فتبارك اللَّهُ أحسن الخالقين. فقال رسول الله: «هكذا أُنزلَ يا عمر» . وكان عمر يقول: وافقني ربي في أربع: الصلاة خلف المقام، وضرب الحجاب على النسوة، وقولي لهنّ: أو ليُبْدِلَهُ اللَّهُ خيراً مِنْكُنّ، فنزل قوله: ﴿عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] ، والرابع قوله: ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ قال العارفون: هذه الواقعة
следующие страницы →