← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 9276–9315 · переход к 9281.

стр. 9276

قوله: ﴿أَمَّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ حين لم يتفكروا فيها، كأنه قال: ما لم تشتغلوا بذلك العمل المهم فأي شيء كنتم تعملونه بعد ذلك ثم قال: ﴿وَوَقَعَ القول عَلَيْهِم﴾ ، أي: وجب العذاب الموعود عليهم «بِمَا ظَلَمُوا» ، أي بسبب ظلمهم وتكذيبهم بآيات الله، ويضعف جعل «مَا» بمعنى الذي ﴿فَهُمْ لَا يُنطِقُونَ﴾ ، قال قتادة، كيف ينطقون ولا حجة لهم، نظيره قوله تعالى: ﴿هذا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٦] ، وقيل: «لَا يَنْطِقُونَ» لأن أفواههم مختومة. ثم إنه تعالى لما خوّفهم بأحوال القيامة ذكر كلاماً يصلح أن يكون دليلاً على التوحيد وعلى الحشر وعلى النبوة، مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر، فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا الليل لِيَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً﴾ مضيئاً يبصر فيه. قوله: «لِيَسْكُنُوا فِيهِ» قيل: فقيه حذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول، إذا التقدير: جعلنا الليل و «لتتصرفوا» لدلالة «ليسكنوا» . وقوله: «مُبْصِراً» كقوله: ﴿آيَةَ النهار مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] ، وتقدم تحقيقه في الإسراء، قال الزمخشري: فإن قلت: ما للتقاليل لم يراع في قوله: «لِيَسْكُنُوا» و «مُبْصِرَةٌ» حيث كان أحدهما علة، والآخر حالاً؟ قلت: هو مراعى من حيث المعنى وهكذا النظم المطبوع غير المتكلف يريد لم لا قال: والنهار لتتصرفوا فيها، وأجاب غيره بأن السكون في الليل هو المقصود (من الليل وأما الإبصار في النهار فليس هو المقصود) لأنه وسيلة إلى جلب المنافع الدينية والدنيوية. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدقون فيعتبرون، وخص المؤمنين بالذكر - وإن كانت الأدلة للكل - لأن المؤمنين هم المنتفعون، كقوله: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] .

стр. 9277

قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور﴾ هذه العلامة الثانية لقيام القيامة، والصور: قرن ينفخ

стр. 9278

فيه إسرافيل، فإذا سمع الناس ذلك الصوت يصيحون ثم يموتون، وهذا قول الأكثرين. وقال الحسن: الصور هو الصوَر، وأول بعضهم كلامه أن الأرواح تجتمع في القرن ثم ينفخ فيه فتذهب الأرواح إلى الأجساد، فتحيا الأجساد. قوله: ﴿فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض﴾ قال: «فَفَزَعَ» بلفظ الماضي ولم يقل فيفزع لتحققه وثبوته وأنه كائن لا محالة، لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل، كقوله: ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: ١] . والمعنى: يلقى عليهم الفزع إلى أن يموتوا، قيل: ينفخ إسرافيل في الصور ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعف، ونفخة القيام لرب العالمين. قوله: ﴿إِلَاّ مَن شَآءَ الله﴾ فالمراد إلا من ثبّت الله قلبه من الملائكة، قالوا: وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وجاء في الحديث: أنهم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش، قال سعيد بن جبير وعطاء عن ابن عباس هم الشهداء، لأنهم أحياء عند ربهم. وعن الضحاك: هم رضوان والحور وخزنة النار وحملة العرش. و «كُلٌّ أَتَوْهُ» أي الذين أُحْيُوا بعد الموت. قوله: «أَتَوْهُ» قرأ حمزة وحفص: «أَتَوْهُ» فعلاً ماضياً ومفعوله الهاء، والباقون: «آتوه» : اسم فاعل مضافاً للهاء، وهذا حمل على معنى «كُلّ» وهي مضافة تقديراً، أي: وكلهم. وقرأ قتادة: «أتَاهُ» ماضياً مسنداً لضمير «كلّ» على اللفظ، ثم حمل على معناها، فقرأ «دَاخِرِين» ، والحسن والأعرج «دَخِرِينَ» بغير ألف أي: صاغرين:

стр. 9279

قوله: ﴿وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا﴾ هذه العلامة الثالثة لقيام القيامة، وهي

стр. 9280

قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال﴾ [الكهف: ٤٧] «جَامِدَةً» قائمة واقعة، و «تَحْسَبُهَا جَامِدَةً» هذه الجملة حالية من فاعل «تَرَى» أو من مفعوله، لأن الرؤية بصرية. قوله: «وَهِيَ تَمُرُّ» الجملة حالية أيضاً، وهكذا الأجرام العظيمة تراها واقفة وهي مارة قال النابغة الجعدي يصف جيشاً كثيفاً: ٣٩٧٣ - بِأَرْعَنَ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسِبُ أَنَّهُمْ ... وُقُوفٌ لِحَاجٍ وَالرِّكَابُ تُهَمْلِجُ و «مَرَّ السَّحَابِ» : مصدر تشبيهي، قوله: «صُنْعَ اللَّهِ» مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة عامله مضمر، أي: صنع الله ذلك صنعاً، ثم أضيف بعد حذف عامله، وجعله الزمخشري مؤكداً للعامل في ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور﴾ [النمل: ٨٧] وقدره: ويوم ينفخ وكان كيت وكيت أثاب الله المحسنين وعاقب المسيئين في كلام طويل جرياً على مذهبه، وقيل منصوب على الإغراء، أي: انظروا صنع الله وعليكم به. والإتقان: الإتيان بالشيء على أكمل حالاته، وهو من قولهم: تقن أرضه إذا ساق إليها الماء الخاثر بالطين لتصلح للزراعة، وأرض تقنة، والتقن فعل ذلك بها، والتقن أيضاً: ما رمي به في الغدير من ذلك أو الأرض، ومعنى ﴿أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: أحكمه. ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ قرأ

стр. 9281

ابن كثير وأبو عمرو وهشام بالغيبة جرياً على قوله «وَكُلٌّ أَتَوْهُ» ، والباقون بالخطاب جرياً على قوله «وتَرَى» ، لأن المراد النبي ﷺ َ - وأمته.

стр. 9282

قوله: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ في «خَيْر» وجهان: أحدهما: أنها للتفصيل باعتبار زعمهم، أو على حذف مضاف، أي: خير من قدرها واستحقاقها «مِنْهَا» في محل نصب، وألا يكون للتفصيل، فيكون (مِنْهَا) في موضع رفع صفة لها. قوله ﴿وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ قرأ أهل الكوفة «مِنْ فَزَع» بالتنوين، «يَوْمَئِذٍ» بفتح الميم، وقرأ الآخرون بالإضافة، لأنه أعم فإنه يقتضي الأمن من جمع فزع ذلك اليوم وبالتنوين كأنه فزع دون فزع، ويفتح أهل المدينة الميم من «يومَئذ» وتقدم في هود فتح «يَوْم» وجره و «إِذْ» مضافة للجملة حذفت وعوض عنها التنوين، والأحسن أن تقدر يومئذ جاء بالحسنة، وقيل: يومئذ ترى الجبال، وقيل: يومئذ ينفخ في الصور، والأولى أولى، لقرب ما قدر منه. فصل لما تكلم في علامات القيامة شرح - بعد ذلك - أحوال المكلفين بعد قيام القيامة والمكلف إما أن يكوم مطيعاً أو عاصيا، أما (المطيع، فهو) الذي جاء بالحسنة وهي كلمة الإخلاص قال أبو معشر يحلف ما ساتثنى: إنّ الحسنة لا إله إلا الله وقيل: كل طاعة. ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ ، قال ابن عباس: يعني له من تلك الحسنة خير يوم القيامة، وهو: الأمن من العذاب، أما أن يكون له شيء خير من الإيمان، فإنه ليس شيء

стр. 9283

خيراً من قوله لا إله إلا الله، وقيل: خير منها يعني رضوان الله، قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] ، وقال محمد بن كعب وعبد الرحمن بن زيد: خير منها يعني الأضعاف، أعطاه الله بالواحد عشراً، فصاعداً، وهذا حسن، لأن للأضعاف خصائص وقيل: إن الثواب خير من العمل، لأن الثواب دائم والعمل منقض، ولأن العمل فعل العبد، والثواب فعل الله. ﴿وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ أي: آمنون من كل فزع، فإن قيل: أليس قال - في أول الآية - ﴿فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض﴾ ؟ [النمل: ٨٧] فكيف نفى الفزع ههنا؟ فالجواب: أن الفزع الأول ما لا يخلو منه أحد عند الإحساس بشدة تقع أو هول يفجأ، وإن كان المحسن يأمن وصول ذلك الضرر إليه، وأما الثاني: فهو الخوف من العذاب. وأما من قرأ «مِنْ فَزَع» بالتنوين، فهو محتمل معنيين: من فزع واحد، وهو خوف العذاب، وإما ما يلحق الإنسان من الرعب عند مشاهدته، فلا ينفك عند أحد. فإن قيل: الحسنة لفظة مفردة معرفة، وقد ثبت أنها لا تفيد العموم، بل يكفي في تحققها حصول فرد من أفرادها، وإذا كان كذلك فلنحملها على أكمل الحسنات شأناً، وأعلاها درجة وهو الإيمان، ولهذا قال ابن عباس: الحسنة كلمة الشهادة، وهذا يوجب القطع بأنه لا يعاقب أهل الإيمان، فالجواب: ذلك الخير هو أن لا يكون عقابه مخلداً. و «أمن» يتعدى بالجار وبنفسه، كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله﴾ [الأعراف: ٩٩] . قوله: ﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة﴾ يعني الإشراك ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾ ، يجوز أن يكون ذكر الوجه إيذاناً بأنهم يكبون على وجوههم فيها منكبين، يقال: كببت الرجل إذا ألقيته على وجهه فأكب وانكب. قوله: «هَلْ تُجْزُوْنَ» على إضمار قول، وهذا القول حال مما قبله، أي كُبَّتْ وجوههم مقولاً لهم ذلك القول.

стр. 9284

قوله: «إِنَّمَا أُمِرْتُ» أي: قل يا محمد إنما أمرت (أي: أمرت) أن اخص الله وحده بالعبادة، ثم إنه تعالى وصف نفسه بأمرين: أحدهما: أنه رب هذه البلدة، والمراد مكة، وإنما خصها من بين سائر البلاد بإضافة اسمه إليها لأنها احب بلاده ليه وأكرمها، عليه، وأشار إليها إشارة تعظيم لها دالاً على أنها وطن نبيه ومهبط وحيه. قوله: «الَّذِي حَرَّمَهَا» هذه قراءة الجمهور صفة للربِّ، وابن مسعود وابن عباس «الَّتِي» صفة للبلدة، والسياق إنما هو للرب لا للبلدة، فلذلك كانت قراءة العامة واضحة. والمعنى: جعلها الله حرماً آمناً لا سفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصطاد صيدها ولا يختلأ خلاؤها، وله كل شيء خلقاً وملكاً، وإنما ذكر ذلك لأن العرب كانوا معترفين بكون مكة محرمة، وعلموا أن تلك الفضيلة ليست من الأصنام بل من الله فكأنه قال: لما علمت وعلمتهم أنه سبحانه هو المتولي لهذه النعم وجب عليّ أن أخصه بالعبادات، و ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين﴾ لله. قوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ القرآن﴾ العامة على إثبات الواو بعد اللام، وفيها تأويلان: أظهرهما: أنه من التلاوة وهي القراءة، وما بعده يلائمه. والثاني: من التلو وهو الاتباع كقوله: ﴿واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ﴾ [يونس: ١٠٩] ، وقرأ عبد الله: «وَأَنِ اتْلُ» أمراً له ﵇، ف «أنْ» يجوز أن تكون المفسرة وأن تكون المصدرية، وصلت بالأمر، وتقدم ما فيه. فصل المعنى: وأمرت أن أتلوَ القرآن، ولقد قام بذلك صلوات الله عليه وسلامه أتم قيام «فَمَن اهْتَدَى» فيما تقدم من المسائل، وهي التوحيد والحشر والنبوة، ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي

стр. 9285

لِنَفْسِهِ﴾ ، أي منفعة اهتدائه راجعة إليه، «ومَنْ ضَلَّ» عن الإيمان وأخطأ طريق الهدى، ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ المنذرين﴾ المخوفين فليس عليَّ إلا البلاغ، نسختها آية القتال. قوله: «وَمَنْ ضَلَّ» يجوز أن يكون الجواب قوله: ﴿فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ﴾ ، ولا بد من حذفِ عائدٍ على اسم الشرط أي: مِنَ المُنْذِرينَ لهُ، لما تقدم في البقرة وأن يكون الجواب محذوفاً أي: فَوَبَالُ ضَلَالِهِ عليه. قوله: ﴿وَقُلِ الحمد للَّهِ﴾ على ما أعطاني من نعمة العلم والحكمة والنبوة، أو على ما وفقني من القيام بأداء الرسالة والإنذار، «سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ» القاهرة، «فَتَعْرِفُونَهَا» يعني يوم بدر من القتل والسبي، وضرب الملائكة وجوههم وأديارهم، نظيره قوله تعالى: ﴿سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: ٣٧] . وقال مجاهد: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ في السَّماواتِ والأَرْضِ وَفِي أَنْفُسِكُم﴾ ، كما قال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] «فتعرفونها» أي تعرفون الآيات والدلالات، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ قرىء بالتاء والياء، وهذا وعيد لهم بالجزاء على أعمالهم. روى أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ َ -: «من قرأ طس النمل كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق سليمان، وكذب به، وهود وشعيب وصالح وإبراهيم ﵈، ويخرج من قبره وهو ينادي: لا إله إلا الله»

стр. 9286

سورة القصص سورة القصص مكية إلا قوله : ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ [القصص: ٥٢] إلى قوله: ﴿لا نبتغي الجاهلين﴾ [القصص: ٥٥] ، وفيها آية نزلت بين مكة والمدينة وهي قوله: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد﴾ [القصص: ٨٥] وهي ثمان وثمانون آية، وألف وأربعمائة وإحدى وأربعون كلمة، وخمسة آلاف وثمانمائة حرف. ولقائل أن يقول: لم لا سميت سورة موسى، لاشتمالها على قصة موسى فقط من حين ولد إلى أن أهلك الله فرعون وخسف بقارون، كما سميت سورة نوح، وسورة يوسف لاشتمالها على قصتهما، ولا يقال: سميت (بذلك لذكر) القصص فيها في قوله: ﴿فلما جاءه وقص عليه القصص﴾ [القصص: ٢٥] لأن سورة يوسف فيها ذكر القصص مرتين، الأولى ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾ [يوسف: ٣] ، والثانية قوله: " لقد كان في قصصهم " فكانت سورة يوسف أولى بهذا الاسم، وأيضا فكانت سورة هود أولى بهذا الاسم، يعني: بسورة القصص؛ لأنه ذكر فيها قصص (سبعة أنبياء) وهذه ليس فيها إلا قصة واحدة، فكان ينبغي العكس، أن تسمى سورة هود سورة القصص، وهذه سورة موسى.

стр. 9287

بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: «نَتْلُوا عَلَيْكَ» يجوز أن يكون مفعول «نَتْلُو» محذوفاً دَلَّت عليه صفته وهي: ﴿مِنْ نَّبَإِ موسى﴾ (تقديره: نَتْلُو عَلَيْكَ شَيْئاً مِنْ نَبَأ مُوسَى، ويجوز أن تكونَ «مِنْ» مزيدة على رأي الأخفش أي: نتلو عليك نبأ موسى) . قوله: «بِالحَقِّ» يجوز أن يكون حالاً من فاعل «نَتْلُو» ، أو من مفعوله، أي نَتْلُو عَلَيْكَ بَعْضَ خبرها مُتلبسين أو مُتَلبساً بالحق أو متعلقاً بنفس «نَتْلُو» بمعنى: نَتْلُوه بسبب الحق و «لِقَوْم» متعلق بفعل التلاوة أي: لأجل هؤلاء: و «يُؤْمِنُونَ» يصدقون، وخَصَّهُمْ بالذكر لأنهم قبلوا وانتفعوا. قوله: «إِنَّ فِرْعْونَ» هذا هو المتلُوّ جيء به في جملة مستأنفة مؤكدة. وقرىء «فِرْعَونَ» بضم الفاء وكسرها، والكسر أحسن وهو الفسطاط، ﴿عَلَا فِي الأرض﴾ استكبر وتجبَّر ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً﴾ فرقاً وأصنافاً في الخدمة والتسخير، يتبعونه على ما يريد ويطيعونه. قوله: يَسْتَضْعِفُ يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مستأنفٌ بيان لحال الأهل الذين جعلهم فرقاً وأصنافاً. الثاني: أنه حال من فاعل «جَعَلَ» أي: جعلهم كذا حال كونه مستضعفاً طائفة منهم. الثالث: أنه صفة ل «طَائِفَةٍ» . قوله: «يُذْبِّحُ» يجوز فيه الثلاثة الأوجه: الاستئناف تفسيراً ل «يَسْتَضْعِف» . أو

стр. 9288

الحال من فاعله أو صفة ثانية ل «طَائِفَة» . والعامة على التشديد في «يُذَبِّح» للتكثير. وأبو حيوة وابن محيصن «يَذْبَح» مفتوح الياء والباء مضارع «ذَبَحَ» مخففاً. فصل المراد بالطائفة بنو إسرائيل، ثم فسَّرَ الاستضعاف فقال: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ ، سمَّى هذا استضعافاً؛ لأنهم عجزوا وضعفوا عن دفعه عن أنفسهم، ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين﴾ ذكروا في سبب ذبح الأبناء وجوهاً: قيل: إنَّ كاهناً قال له يُولَدُ مَوْلُود في بني إسرائيل في ليلة كذا (يذهب ملكك) على يده، فولد تلك الليلة اثنا عشر غلاماً، فقتلهم وبقي هذا العذاب في بني إسرائيل سنين كثيرة. قال وهب: قتل القبط في طلب موسى تسعين ألفاً من بني إسرائيل. وقال السدي: إنَّ فرعون رأى في منامه أنَّ ناراً أقبلت من بيت المقدس إلى مصر فأحرقت القبط دون بني إسرائيل. فسأل عن رؤياه فقيل له: يخرج من هذا البلد من بني إسرائيل رجل يكون هلاك مصر على يده، فأمر بقتل الذكور، وقيل: إن الإنبياء الذين كانوا قبل موسى ﵇ بشروا بمجيئه فسمع فرعون بذلك فأمر بذبح أبناء بني إسرائيل. قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه عطفٌ على قوله: «إِنَّ فِرْعَوْنَ» عطفُ عليه على اسمية، لأن كلتيهما تفسير للنبأ. الثاني: أنه حالٌ من فاعل «يَسْتَضْعِفُ» وفيه ضعف من حيث الصناعة ومن حيث المعنى، أما الصناعة فلكونه (مضارعاً) مثبتاً فحقه أن يتجرد من الواو وإضمار مبتدأ قبله، أي: ونحن نريك، كقوله: ٣٩٧٤ - نَجَوْتُ وأَرْهَنهم مَالِكا ...

стр. 9289

وهذا تكلُّفٌ لا حاجة إليه. وأما المعنى فكيف يجتمع استضعاف فرعون، وإرادة المنّة من الله، لأنه متى مَنَّ اللَّهُ عليهم تعذَّر استضعاف فرعون إياهم. وقد أجيب عن ذلك بأنه لما كانت المِنَّةُ بخلاصهم من فرعون سريعة الوقوع جعل إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم. قوله: «وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً» قال مجاهد: دعاة إلى الخير، وقال قتادة: ولاة وملوكاً كقوله تعالى: «وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً» ، وقيل: يهتدى بهم في الخير، «وَنَجْعَلَهُمْ الوَارِثِينَ» يعني لملك فرعون وقومه يخلفونهم في مساكنهم. قوله: «وَنُمَكِّنَ» العامة على ذلك من غير لام علَّة، والأعمش: وَلِنُمَكَّنَ «بلام العلة ومتعلقها محذوف، أي: ولنمكن فعلنا ذلك، والمعنى: نوطىء لهم في أرض مصر والشام، ونجعلها لهم مكاناً يستقرون فيه، وننفذ أمرهم ونطلق أيديهم، يقال: مكَّن له إذا جعل له مكاناً يقعد عليه وأوطأه ومهده. قوله: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ قرأ الأخوان:» وَيَرَى «بفتح الياء والراء مضارع (رأى) مسنداً إلى» فِرْعَوْنَ «وما عطف عليه فلذلك رفعوا، والباقون بضم النون وكسر الراء مضارع (أَرَى) ، فلذلك نصب» فِرْعَونَ «وما عطف عليه مفعولاً أول،» وَمَا كَانُوا «هو الثاني. و» مِنْهُم «متعلق بفعل الرُّؤية أو الإرادة، لا ب» يَحْذَرُونَ «لأَنَّ ما بعد الموصول لا يعمل فيما قبله، ولا ضرورة بنا إلى أَنْ نقولَ اتسع فيه، والحذر هو التوقي من الضَّرر، والمعنى: وما كانوا خائفين منه. قوله:» أَنْ أَرْضِعِيهِ «يجوز أن تكون المفسرة والمصدرية، وقرأ عمر بن عبد

стр. 9290

العزيز وعمر بن عبد الواحد بكسر النون على التقاء الساكنين، وكأنه حذف همزة القطع على غير قياس فالتقى ساكنان، فكسر أولهما. فصل

стр. 9291

قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى﴾ وحي إلهام لا وحي نبوة، قال قتادة: قذفنا في قلبها، واسمها يوخابز، وقيل أيادخا، وقيل أيارخت قاله ابن كثير، بنت لاوي بن يعقوب، «أَنْ أَرْضِعِيْهِ» قيل: أرضعته ثمانية أشهر، وقيل أربعة أشهر، وقيل ثلاثة أشهر، كانت ترضعه في حجرها وهو لا يبكي ولا يتحرك. ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ يعني من الذبح، ﴿فَأَلْقِيهِ فِي اليم﴾ ، واليم البحر وأراد هنا النيل، ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تحزني﴾ قيل: ولا تخافي عليه من الغرق وقيل: من الضيعة، «ولا تحزني» على فراقه، ف ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ لتكوني أنت المرضعة ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين﴾ إلى أهل مصر والشام. قال المفسرون: إنها لما خافت عليه من الذبح، وضعته في تابوت، وألقته في النيل ليلاً. قال ابن كثير: وقيل إنها ربطت التابوت في حبل وكانت دارها على حافة النيل، فكانت ترضعه، فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت، وأرسلته في البحر، وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا ذهبوا استرجعته إليها، وكان لفرعونَ قوابل معهم رجال يطوفون على الحوامل، فمن وضعت ذكراً ذبحوه، فأرسلت أم موسى التابوت يوماً. وذهلت عن ربطه فذهب مع النيل. وقال ابن عباس وغيره: وكان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان برص شديد، فقال له

стр. 9292

الأطباء: أيها الملك إنها لا تبرأ إلا من قبل البحر يؤخذ منه شبه الإنس، فيؤخذ من من ريقه فيلطخ به برصها، فتبرأ من ذلك، وذلك يوم كذا وساعة كذا من شهر كذا حين تشرق الشمس، فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون من مجلس له كان على شفيرة النيل، ومعه آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف الصديق، وهي امرأة فرعون. وقيل: كانت من بني إسرائيل من سبط موسى، وقيل: كانت عمته؛ حكاه الهسيلي؛ وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطىء النيل، إذ أقبل النيل بتابوت تضربه الأمواج، فتعلق بجرة، فقال فرعون: ائتوني به، فابتدروا بالسفن من كل جانب فوضعوه بين يديه، فعالجوا فتحه، فلم يقدروا عليه، فنظرت آسية فرأت نوراً في جوف التابوت ولم يره غيرهان فعالجته ففتحته، فإذا هو بصبي صغير في مهده، وإذا نور بين عينيه، فألقى الله محبته في قلوب القوم، وعمتدت ابنة فرعون إلى ريقه، فلطخت به برصها، فبرأت، فقالت الغواة من قوم فرعون: إنَّا نظن أن هذا هو الذي نحذر منه، رُمِيَ في البحر فرقاً منك فاقتله، فهمّ فرعون قتله، فاستوهبته امرأة فرعون فترك قتله. وقوله: ﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ﴾ أي: جواريه. قوله: «لِيَكُونَ﴾ في اللام الوجهان المشهوران: العلية المجازية بمعنى أن ذلك لما كانت نتيجة فعلهم وثمرته شبه بالداعي الذي يفعله الفاعل الفعل لأجله، أو الصيرورة. قووله: «وَحَزَناً» قرأ العامة بفتح الحاء والزاي، وهي لغة قريش، والأخوان بضم وسكون وهما لغتان بمعنى واحد كالعَدَمَ والعُدْمِ: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ﴾ العامة على الهمز، مأخوذٌ من الخطأ ضد الصواب،

стр. 9293

وقرئ بياء دون هَمْزٍ، فاحتمل أن يكون كالأول، ولكن خُفِّفَ، وأن يكون من خَطَا يَخْطُوا أي: تَجاوز الصَّوابَ. قوله: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هُو قُرَّة عينٍ. الثاني - وهو بعيد جداً - أن يكون مبتدأ والخبر «لَا تَقْتُلُوهُ» . وكان هذا القائل حقه أن لا يُذكِّر، فيقول: «لَا تَقْتُلُوها» ، إلا أنه لما كان المراد مذكر ساغ ذلك، والعامة من القراء والمفسرين وأهل العلم يقفون على «ولَكَ» . ونقل ابن الأنباري بسنده إلى ابن عباس عنه أنه وقف على «لَا» أي: هو «قُرَّةُ عَيْنٍ لِي» فقط، «وَلَكَ لَا» ، أي: ليس هو لك قرة عين، ثم يبتدىء بقوله «تَقْتُلُوه» ، وهذا لا ينبغي أن يصحَّ عنه، وكيف يبقى «تَقْتُلُوه» من غير نون رفع، ولا مُقْتَضى لحذفها؟ ولذلك قال الفراء: هو لن. قوله: ﴿عسى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ . كانت لا تلدن فاستوهبت موسى من فرعون، فوهبه لها، وقال فرعون: أَمَّا أنا فلا حاجة لي به، قال رسول الله ﷺ َ «لو قال يومئذ قرة عين لي كما هو لَكِ، لهداه الله كما هداها» وقال لآسية سميه، قالت: سميته موسى لأنا وجدناه في الماء والشجر، (فَمُو هو الماء، و (شا) هو البحر، فذلك قوله: ﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ﴾ . والالتقاط: هو وجود الشيء) . قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ جملة حالية، وهل هي من كلام الباري تعالى

стр. 9294

وهو الظاهر، أو من كلام امرأة فرعون؟ كأنها لما رأت ملأه أشاروا بقتله، قالت له كذا؛ أي: أفعل أنت ما أقول لك وقومك لا يشعرون أنا التقطناه - قال الكلبي، وجعل الزمخشري الجملة من قوله: ﴿وَقَالَتِ امرأة فِرْعَوْنَ﴾ معطوفة على «فَالتَقَطَهُ» والجملة من قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ إلى «خَاطِئِينَ» مُعترضة بين المتعاطفين، وجعل متعلق الشعور من جنس الجملة المعترضة أي: لا يشعرون أنهم على خطأ في التقاطه، أو أن هلاكهم على يديه، قال أبو حيان: ومتى أمكن حَمْلُ الكلام على ظاهره من غير فصل كان أحسن.

стр. 9295

قوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فَارِغاً﴾ (قال الحسن: فَارِغاً) من كل همٍّ إِلَاّ همَّ موسى. وقال أبو مسلم: فراغ الفؤاد هو الخوف والإشغاف، كقوله: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] . وقال الزمخشري: فارغاً صفراً من العقل، والمعنى أنها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع والخوف. وقال الحسن ومحمد بن إسحاق فارغاً من الوحي الذي أوحينا إليها أن ﴿فَأَلْقِيهِ فِي اليم وَلَا تَخَافِي وَلَا تحزني إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [القصص: ٧] فجاءها الشيطان وقال لها: كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجراً وثواباً، وتوليت أنتِ قتله، فألقيته في البحر، وأغرقتيه، ولمَّا أتاها خبر موسى أنه وقع في يد فرعون فأنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله إليها. وقال أبو عبيدة: فراغاً من الحزن لعلمها بأنه لا يقتل، اعتماداً على تكفل الله بمصلحته. قال ابن قتيبة: وهذا من العجائب، كيف يكون فؤادها فارغاً من الحزن، والله تعالى يقول: ﴿لولاا

стр. 9296

أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا﴾ ؟ وهل يُرْبَط إلا على قلب الجازع المحزون؟ ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يمتنع أنها لشدة ثقتها بوعد الله جاز عندها إظهار عدم الحزن، وأيقنت إنها - وإن أظهرت ذلك - فإنه يسلم لأجل ذل الوعد. إلا أنه كان في المعلوم أن الإظهار (يضر فربط) الله على قلبها. قال المعربون: «فارغاً» خبر أصبح أي: فارغاً من العقل، أو من الصبر، أو من الحزن، وهو أبعدها، ويردُّه قراءاتٌ تُخَالفُه. فقرأ فضالة والحسن «فَزِعاً» بالزاي من الفزع، وابن عباس «قَرِعاً» بالقاف وكسر الراء وسكونها، من قَرَعَ رأسهُ إذا انحسر شعرُهُ، (والمعنى: خلا من كُلِّ شيء، وانحَسَرَ عنهُ كُلُّ شَيءٍ إلا ذِكر موسى، وقيل: الساكن الراء مصدر قَرَعَ يَقْرَع، أي: أُصيب، وقرىء «فِرغاً» بكسر الفاء وسكون الراء، والغين معجمة أي: هدراً، كقوله) : ٣٩٧٥ - فَإِنْ يَكُ قَتْلَى قَدْ أُصِيبَتْ نُفُوسًهُمْ ... فَلَنْ يَذْهَبُوا فِرْغاً بِقَتْلِ حِبَالِ فِرْغاً حال من «بِقَتْلِ» ، وقرأ الخليل «فُرُغاً» بضم الفاء وإعجام الغين من هذا المعنى، ومنه قولهم دماهم بينهم فرغ أي: هدر. قوله: ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ «إِنْ» إما مخففة، وإما نافية، واللام إمَّا فارقة وإمَّا بمعنى إلَاّ والباء في «بِهِ (مزيدة في المفعول، أي: لتُظْهِرَهُ، وقيل: ليست زائدة بل سببية، والمفعول محذوف، أي: لتُبْدِي القَولَ بسبب موسى أو بسبب الوحي. فالهاء يجوز أن تكون) راجعة إلى موسى، أي: إن كادت لتبدي به أنه ابنها من شدة

стр. 9297

وجدها: وقال عكرمة عن ابن عباس: كادت تقول: واابناه حين رأت الموج يرفع التابوت ويضعه. وقال الكلبي: كادت تظهر أنه ابنها حين سمعت الناس يقولون: إنه ابن فرعون. وقال السدي: لما أُخِذ من الماء كادت تقول: هو ابني، فعصهما الله. وقال بعضهم: الهاء عائدة إلى الوحي، أي كادت تبدي بالوحي الذي أوحى الله إليها أنه يرُدُّهُ عليها. قوله: ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ جوابها محذوف، أي لأبدت، كقوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا لولاا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] والمعنى: لولا أن ربطنا على قلبها بالعصمة والصبر والتثبت. ﴿لِتَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾ متعلق ب «رَبَطْنَا» ، والمعنى: لتكون من المؤمنين المصدِّقين بوعد الله، وهو قوله: ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [القصص: ٧] . قوله: ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي: قُصِّي أثر موسى، تتبَّعي أمره حتى تعلمي خبره: وكانت أخته لأبيه وأمه واسمها مريم. قال «فَبَصُرَتْ بِهِ» أي: أبصرتهُ، وقرأ قتادة «بَصَرَتْ» بفتح الصاد وعيسى بكسرها. قال المبرد: أبصرته وبصرت به بمعنى، وتقدم معناه في طه. و «عَنْ جُنُبٍ» في موضع الحال إمَّا من الفاعل أي: بصرت به مُسْتَخفيةً كائنةً عن جُنُبٍ، وإمَّا من المجرور أي: بعيداً منها. وقرأ العامة «جُنُبٍ» بضمين وهو صفة لمحذوف، أي: عن مكان بعيد، وقال أبو عمرو بن العلاء: أي: عن شوقٍ، وهي لغة جُذَامٍ، يقولون: جَنَبْتُ إليك أي: اشتقت. (وقرأ قتادة والحسن والأعرج وزيد بن علي بفتح الجيم وسكون النون) ، وعن قتادة أيضاً بفتحهما، وعن الحسن «جُنْب» بالضم والسكون، وعن

стр. 9298

النعمان بن سالم «عَنْ جَانِبٍ» وكلها بمعنى واحد. ومثله الجِنَاب والجَنَابَة. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ جملة حالية، ومتعلق الشعور محذوف أي: أنها تَقُصُّه، أو أنه سيكُونَ لهم عدواً وحزناً، أو أنها أخته، أو أنها ترقبه.

стр. 9299

قوله: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع﴾ قيل: يجوز أن يكون جمع مُرْضِع وهي المرأة، وقيل: جمع مَرْضَع بفتح الميم والضاد، ثم جَوَّزوا فيه أن يكون مكاناً أي: مكان الإِرضاع وهو الثَّدي وأن يكون مصدراً أي: الإرْضَاعاتُ، أن: أنواعها، و «مِنْ قَبْلُ» أي: من قبل قصِّهَا أَثرهُ، أو من قبل مجيء أخته، ومن قبل ولادته في حكمنا وقضائنا. والمراد من التحريم المنع، لأن التحريم بالنهي تعبّد وذلك لا يصح، فلا بُدَّ من فِعْل سواه، فيحتمل أن - تعالى - غيَّر طبعه عن لبن سائر النساء، فلذلك لم يرتضع أو أحدث في لبنهن طعماً ينفر عنه طبعه، أو وضع في لبن أمه لذة تعود بها، فكان يكره لبن غيرها. فصل قال ابن عباس: إن امرأة فرعون كان همَّها من الدنيا أن تجد له مرضعة، فكل ما أتوه بمرضعة لم يأخذ ثديها؛ فذلك قوله ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع﴾ ، فلمَّا رأت أخت موسى التي أرسلتها أمّه في طلبه ذلك ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ على أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ﴾ أي: يرضعونه لكم ويضمنونه، وهي امرأة قد قُتِلَ ولدها فأحبُّ شيءٍ إليها أن تجد صغيراً ترضعه. قوله: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ الظاهر أنه ضمير موسى، وقيل لفرعون، قال ابن

стр. 9300

جُريج والسُّديّ: لما قالت أخت موسى ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ استنكروا حالها وتفرّسوا أنها قرابتُه، فقالت: إنَّمَا أَرَدْتُ وهم للملك ناصِحُونَ، فتخلَّصَت منهم، وهذا يُسمى عند أهل البيان الكلام الموجَّه ومثله: لما سُئِل بعضهم وكان بين أقوام بعضهم يحب عليّاً دون غيره، وبعضهم أبا بكر وبعضهم عمر وبعضهم عثمان، فقيل له: أيهم أحبّ إلى رسول الله؟ فقال: من كانت ابنته تحته. وقيل لما تفرّسوا أنه قرابتُهُ قالت: إنما قللت هذا رغبة في سرور الملك أمي. قالوا: ولأمك ابن؟ قالت: نعم، هارون، وكان هارون ولد في سنة لا يقتل فيها. قالوا: صدقت، فائتينا بها، فانطلقت إلى أمه فأخبرتها بحال ابنها، وجاءت بها إليهم، فلما وجد الصبي ريح أمه قبل تديثها وجعل يمصّه حتى امتلأ جنباه ريّاً. والنصح: إخلاص العمل من سائر الفساد. قوله: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بردِّ موسى إليها، «وَلَا تَحْزَنَ» عطف على «تَقَرَّ» ، ودمعةُ الفرح قارّةٌ، ودمعةُ التَّرَح حارَّةٌ، قال أبو تمام: ٣٩٧٦ - فَأَمَّا عُيُونُ العَاشِقِينَ فَأَسْخَنَتْ ... وَأَمَّا عُيُونُ الشَّامِتِينَ فَقَرَّتِ وتقدم تحقيق هذا في مريم.

стр. 9301

﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ بردّه إليها كانت عالمة بذلك ولكن ليس المخبَر كالمعاين فتحققت بوجود الموعود، ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن الله وعدها ردّه إليها. قال الضحاك: لمّا قَبلَ ثديها قال هامان: إنك لأمه، قالت: لا، قال: فما بالك قبل ثديك من بين النسوة؟ قالت: أيها الملك، إني أمرأة طيبة الريح، حلوة اللبن، فما شم ريحي صبيّ إلا أقبل على ثديي. قالوا: صدقت. فلم يبق أحد من آل فرعون إلا أهدى إليها أتحفها بالذهب والجواهر.

стр. 9302

قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ تقدم الكلام عليه، «وَاسْتَوَى» أي: بلغ أربعين سنة - (قال ابن عباس -) وقيل: استوى: انتهى شبابه، ﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ أي: الفقه والعقل والعلم في الدين، فعلم موسى وحكم قبل أَنْ يبعث نبياً، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾ ، وهذا يدل على أنه ليس المراد بالحكم النبوة، لأنه جعل إيتاءه الحكم والعلم مجازاة على إحسانه، والنبوة لا تكون جزاء على العمل. قوله: «وَدَخَلَ المَدِينَة» أي: ودخل موسى المدينة. قال السدي: مدينة منف من أرض مصر، وقال مقاتل: قرية تدعى حانين على (رأس) فرسخين من مصر، وقيل: عين شمس، قوله: ﴿على حِينِ غَفْلَةٍ﴾ في موضع الحال إمّا من الفاعل أي: كائناً على حين غَفْلَة، أي: مُستخفياً، وإِمَّا من المفعول، وقرأ أبو

стр. 9303

طالب القارىء «عَلَى حِينَ» بفتح النون، وتكلَّفَ أبو حيان تخريجها على أنه حمل المصدر على الفعل في أنه إذا أضيف الظرف إليه جاز بناؤه على الفتح، كقوله: ٣٩٧٧ - عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا ... و «مِنْ أَهْلِهَا» صفة ل «غَفْلَةٍ» ، أي: صادرة من أهلها. فصل اختلفوا في السبب الذي لأجله دخل موسى المدينة على حين غفلة من أهلها، فقال السُّدِّي: إن موسى كان يسمى ابن فرعون، فكان يركب في مراكب فرعون، ويلبس مثل ملابسه، فركب فرعون يوماً وليس عنده موسى، فلما جاء موسى قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض منف، فدخلها نصف النهار وليس في طرقها أحدن فذلك ﴿على حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ . وقال ابن إسحاق: كان لموسى شيعة من بني إسرائيل يسمعون منه ويقتدون به، فلما عرف ما هو عليه من الحق فارق فرعون وقومه وخالفهم في دينهم حتى ذكر ذلك منه، وأخافوه وخافهم، فكان لا يدخل قرية إلا خائفاً مستخفياً. وقال ابن زيد: إِنَّ موسى ضرب رأس فرعون ونتف لحيته، فأراد فرعون قتله، فقالت امرأته: هو صغير، جِىءْ بجمرة فأخذها فطرحها في فيه، فبها عقد لسانه، فقال فرعون: لا أقتله، ولكن أخرجوه عن الدار والبلد، فأخرج ولم يدخل عليها حتى كبر، فدخل ﴿على حِينِ غَفْلَةٍ﴾ . قوله «يَقْتتلانِ» صفة ل «رَجُلَيْنِ» ، وقال ابن عطية: حالٌ منهما، وسيبويه - وإن كان جوَّزها من النكرة مطلقاً - إلَاّ أَنَّ الأكثر يشترطون فيها ما يُسوِّغُ الابتداء بها.

стр. 9304

وقرأ نعيمُ بن ميسرة «يقتلان» بالإدغام، نقل فتحة التاء الأولى إلى القاف وأدغم. قوله ﴿هذا مِن شِيعَتِهِ﴾ مبتدأ وخبر في موضع الصفة ل «رَجُلَيْنِ» ، أو الحال من الضمير في «يَقْتتلانِ» وهو بعيدٌ لعدمِ انتِقالهَا. وقوله: «هذَا» و «هذا» على حكاية الحال الماضية، فكأنهما حاضران، أي: إذا نظر الناظر إليهما، قال: هذا من شيعته وهذا من عدوه. وقال المبرد: العرب تشير بهذا إلى الغائب، وأنشد لجرير: ٣٩٧٨ - هذَا ابنُ عَمِّي في دِمَشْقَ خَلِيفَة ... لَوْ شِئْتُ سَاقَكُمْ إِليَّ قَطِينا (فصل) ﴿هذا مِن شِيعَتِهِ﴾ من بني إسرائيل، ﴿وهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ من القبط. قال مقاتل: كانا كافرين إلا أنَّ أحدهما من القبط والآخر من بني إسرائيل، لقول موسى ﵇ له ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] . والمشهور أَنَّ الإسرائيلي كان مسلماً، قيل: إنه السامري، والقبطي طبَّاخ فرعون. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لمَّا بلغ موسى أشده لم يكن أحد من آل فرعون يخلُص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم حتى امتنعوا كل الامتناع. وكان بنو إسرائيل قد عزوا بمكان موسى، لأنهم كانوا يعلمون أنه منهم. قوله «فَاسْتَغَاثَهُ» هذه قراءة العامة من الغوث أي طلب غوثه ونصره، وقرأ سيبويه وابن مقسم والزعفراني بالعين المهملة والنون من الإِعانة. قال ابن عطية: هي تصحيف وقال ابن جبارة صاحب الكامل: الاختيار قراءة ابن مقسم، لأَنَّ الإِعانة أوْلَى

стр. 9305

في هذا الباب قال شهاب الدين: نسبة التصحيف إلى هؤلاء غير محمودة (كما أن تغالي) الهذلي في اختيار الشاذة غير محمود. قوله: «فَوَكَزَهُ» أي: دفعه بجميع كَفِّه، والفرق بين الوَكْزِ واللَّكْزِ: أَنَّ الأول بجميع الكف والثاني: بأطراف الأصابع، وقيل بالعكس، وقيل: اللكز في الصدر، والوكز في الظهر، والنَّكْزُ كاللَّكْزِ قال: ٣٩٧٩ - يَا أَيُّهَا الجَاهِلُ ذُو التَّنَزِّي ... لا تُوعِدني حَبَّةٌ بِالنَّكْزِ وقرأ ابن مسعود «فَلَكَزَهُ» و «فَنَكَزَهُ» باللام والنون. قوله: «فَقَضَى» أي: موسى، أو الله تعالى، أو ضمير الفعل أي: الوكز «فَقَضَى عَلَيْهِ» أي: أماته، وقتله، وفرغ من أمره، وكل شيء فرغت منه فقد قضيته وقضيت عليه، فندم موسى ولم يكن قصده القتل، فدفنه في الرمل، و ﴿قَالَ: هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾ فقوله: «هذَا» إشارة إلى القتل الصادر منه، و ﴿مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ أي: من وسوسته وتسويله. فصل احتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء من وجوه: أحدها: أن ذلك القبطي إما أن يكون مستحق القتل أو لم يكن كذلك، فإن استحق القتل فلم قال: ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ ؟ ولم قال: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ ؟ وقال في سورة أخرى ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ [الشعراء: ٢٠] . وإن لم يستحق القتل كان قتله معصيةً وذنباً. وثانيها: أنَّ قوله: ﴿وهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ يدل على أنه كان كافراً حربياً، فكان دمه مباحاً،

стр. 9306

فَلِمَ استغفر عنه؟ والاستغفار من الفعل المباح غير جائز لأنه يوهم في المباح كونه حراماً. وثالثها: أَنَّ الوكز لا يحصل عنه القتل ظاهراً. فكان ذلك قتل خطأ، فَلِمَ استغفر منه؟ والجواب عن الأول: لم لا يجوز أن يقال إنه لكفره مباح الدم؟ وأما قوله ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ ففيه وجوه: الأول: أنَّ الله تعالى وإن أباح قتل الكفار، إلَاّ أنه كان الأَولى تأخير قتلهم إلى زمان آخر، فلما قتل ترك ذلك المندوب؛ وهو قوله: ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ . الثاني: أنَّ قوله: «هذَا» إشارة إلى عمل المقتول لا إلى عمل نفسه. (الثالث: أنَّ قوله: «هذَا» إشارة إلى المتقول) . (يعني أنه من حزب الشيطان) وجنده، يقال: فلان من عمل الشيطان أي من أحزابه. وأما قوله ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي﴾ (فعلى نهج قول آدم ﵇ ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣] والمراد أحد وجهين: إما على سبيل الانقطاع إلى الله، والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه وإِنْ لم يكن هناك ذنب قط أو من حيث حرم نفسه الثواب بترك المندوب. وأما قوله «فَاغْفِرْ لِي» أي: فاغفر لي ترك هذا المندوب. وفيه وجه آخر، وهو أن يكون المراد ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ حيث قتلت هذا الملعون، فإنَّ فرعون لو عرف ذلك لقتلني به، «فَاغْفِرْ ليْ» ، فاستره عليَّ ولا توصل خبره إلى فرعون، «فَغَفَرَ لَهُ» أي: ستره عن الوصول إلى فرعون، ويدل على هذا قوله ﴿رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ فلو كانت إعانة المؤمن هنا سبباً للمعصية لما قال ذلك، وأما قوله ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ [الشعراء: ٢٠] فلم يقل إني صرت بذلك ضالاً، بل اعترف أنه كان ضالاً أي: متحيراً لا يدري ما يجب عليه. وأما قوله: إنْ كان كافراً حربياً فَلِمَ استغفر من قتله؟ قلنا: كون الكافر مباح الدم أم يختلف باختلاف الشرائع، فلعلّ قتلهم كان حراماً في ذلك الوقت، أو كان مباحاً لكن الأولى تركه على ما قررناه. وأما قوله: كان قتل خطأ، قلنا: لا نسلم، فلعل الرجل إن كان ضعيفاً وموسى ﵇ كان في نهاية الشدة فوكزه كان قاتلاً قطعاً، ثم إن سلمنا

стр. 9307

ذلك ولكنه ﵇ كان يمكنه أن يخلص الإسرائيلي من يده بدون الوكز الذي كان الأولى تركه، فلهذا أقدم على الاستغفار. على أَنَّا وإن سلمنا دلالة هذه الآية على صدور المعصية، لكنَّا بيَّنَّا أَنهُ لا دلالة البتة فيه، لأنه لم يكن رسولاً في ذلك الوقت فيكون ذلك قبل النبوة لا نزاع فيه. فصل قال المعتزلة: الآية تدل على بطلان قول من نسب المعاصي إلى الله، لأنه ﵇ قال: ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ ، فلو كانت بخلق الله لكانت من الله لا من الشطيان، وهو كقول يوسف ﵇ ﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِي وَبَيْنَ إخوتي﴾ [يوسف: ١٠٠] ، وقول فتى موسى ﴿وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلَاّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣] ، وقوله تعالى: ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الجنة﴾ [الأعراف: ٢٧] ، وتقدم الكلام على ذلك. قوله: «بِمَا أَنْعَمْتَ» يجوز في الباء أن تكون (قسماً و) الجواب مقدراً: لأَتوبنَّ، وتفسيره: فَلأنْ أكُونَ، قال القفال: كأنه أقسم بما أنعم الله عليه أن لا يظاهر مجرماً، أي: بنعمتك عليَّ، وأنْ تكون متعلقة بمحذوف ومعناها السببية، أي: اعصمني بسبب ما أَنعمتَ به عليَّ، ويترتب عليه قوله: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً﴾ ، و «مَا» مصدرية أو بمعنى الذي، والعائد محذوف، وقوله: «فَلَنْ» نفيٌ على حقيقته، وهذا يدل على أنه قال: لِمَ أنعمت عليَّ بهذا الإنعام فإني لا أكون معاوناً لأحد من المجرمين بل أكون معاوناً للمسلمين، وهذا يدلّ على أَنَّ ما أقدم عليه من إعانة الإسرائيلي على القبطي كان طاعة لا معصية، إذ لو كان معصية لنزل الكلام منزلة قوله: «إنك لمَّا أنعمت عليَّ بقبول توبتي من تلك المعصية. وقال الكسائي والفراء: إنه خبر ومعناه الدعاء، وإنَّ» لَنْ «واقعة موقع» لا «،

стр. 9308

كأنه قال: ولا تجعلني ظهيراً، قال الفراء: في حرف عبد الله ﴿وَلَا تَجْعَلْنِي ظَهِيراً﴾ قال الشاعر: ٣٩٨٠ - لَنْ تَزَالُوا كَذلكُم ثُمَّ لا زلْ ... تَ لَهُمْ خَالِداً خُلُودَ الجِبَالِ قال شهاب الدين: وليس في الآي والبيت دلالة على وقوع» لن «موقع» لا «، لظهور النفي فيهما من غير تقدير دعاء. فصل قال ابن عباس: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ بالمغفرة، ﴿فَلَنْ أَكُوْنَ ظَهِيراً﴾ عوناً» لِلْمُجْرِمينَ «. أي: للكافرين وهذا يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافراً، وهو قول مقاتل، وقال قتادة: لن أعين بعدها على خطيئة. قال ابن عباس: لم يستثن فابتلي به في اليوم الثاني: (وهذا ضعيف، لأنه في اليوم الثاني ترك الإعانة، وإنما خاف منه ذلك العدو، فقال: ﴿إِن تُرِيدُ إِلَاّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً﴾ [القصص: ١٩] إلاّ أنه لم يقع منه) .

стр. 9309

قوله: ﴿فَأَصْبَحَ فِي المدينة﴾ التي قتل فيها القبطي «خَائِفاً» الظاهر أنه خبر «أصبح» ، و «فِي المَدِينَةِ» مفعول به، ويجوز أن يكون حالاً، والخبر «فِي المَدِينَةِ» ، ويضعف تمام «أَصْبَحَ» أي: دخل في الصباح.

стр. 9310

قوله: «يَتَرَقَّبُ» يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً ثانيةً، وأن يكون بدلاً من الحال (الأولى) ، أو الخبر الأول، أو حالاً من الضمير في «خَائفاً» فتكون متداخلة، ومفعول «يَتَرَقَّبُ» محذوف، أي: يترقب المكروه، أو الفرج، أو الخبر: هل وصل لفرعون أم لا؟ قوله: «فَإِذَا» «إِذَا» فجائية، و «الَّذِي» مبتدأ وخبره إمَّا «إذَا» ف «يَسْتَصْرِخُهُ» حال، وإمَّا «يَسْتَصْرِخُهُ» ف «إِذَا» فضله على بابها، و «بِالأَمْسِ» معرب، لأنه متى دخلت عليه «أل» أوأضيف أعرب، ومتى عَرِيَ منها فحاله معروفٌ، الحجاز يبنونه، والتميميون يمنعونه الصرف، كقوله: ٣٩٨١ - لَقَدْ رَأَيْتُ عَجَباً مُذْ أَمْسَا ... على أنه قد بُنِيَ مع «ال» ندوراً، كقوله: ٣٩٨٢ - وَإِنِّي حُبِسْتُ اليَوْمَ والأَمْسِ قَبْلَهُ ... إِلَى الشَّمْسِ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ يورى بكسر السين. قوله: ﴿قَالَ لَهُ موسى﴾ الضمير قيل للإسرائيلي، لأنه كان سبباً في الفتنة الأولى، وقيل للقبطي، وذلك أنَّ موسى لما أصبح خائفاً من قتل القبطي «يَتَرَقَّب» ينتظر سوءاً، والترقب انتظار المكروه. قال الكلبي: ينتظر متى يؤخذ به، ﴿فَإِذَا الذي استنصره بالأمس يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يستغيثه ويصيح به من بعد، قال ابن عباس: أتى فرعون فقيل له: إنَّ بني

стр. 9311

إسرائيل قتلوا مِنَّا رجلاً فخذ لنا بحقنا، فقالوا ابغوا لي قاتله ومن يشهد عليه (فلا تنسبوني أن أقضي) بغير بينة، فبينما هم يطوفون لا يجدون بيّنة إذ مَرَّ مُوسَى من الد، فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونياً، فاستغاثه على الفرعوني، فصادق موسى وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتل القبطي، فقال موسى للإسرائيلي: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ (أي: ظاهر الغواية) . قال أهل اللغة: «لَغَوِيٌّ» يجوز أن يكون فَعِيلاً بمعنى مفعل، أي: إنَّك لمغويّ، فإنِّي وقعتُ بالأمس فيما وقعت فيه بسببك، ويجوز أن يكون بمعنى الغاوي: قاتلت رجلاً بالأمس فقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر، وتستغيثني عليه، وقيل: إنما قال موسى للفرعوني: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ بظلمك، والأكثرون على الأول. قوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ﴾ الظاهر أنَّ الضميرين لموسى، وقيل للإسرائيلي، والعدو: هو القبطي، والضمير في ﴿قَالَ ياموسى﴾ للإسرائيلي، كأنه توهم من موسى مخاشنة، فَمِنْ ثمَّ قال ذلك، وبهذا فشا خبره وكان مشكوكاً في قاتله. و «أَنْ» تطرد زيادتها في موضعين: أحدهما: بعد لمَّا كهذه. والثاني: قبل «لَوْ» مسبوقة بقسم كقوله: ٣٩٨٣ - أَمَا وَاللَّهِ َنْ لَوْ كُنْتُ حُراً ... ٣٩٨٣م - فَأُقُسِمُ أَنْ لَوْ التَقَيْنَا وَأَنْتُمُ ... لَكَانَ لَكُمْ يَوْمٌ مِنَ الشَّرِّ مُظْلِم والعامة على «يَبْطِش» بالكسر، وضمَّها أبو جعفر، وقيل: إن القائل «يَا مُوسَى» هو القبطي، وكان قد عرف القصة من الإسرائيلي. قال ابن الخطيب: وهذا هو الظاهر، لقوله: ﴿فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بالذي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ ياموسى﴾ ، فهذا

стр. 9312

القول منه لا من غيره، وأيضاً قوله: ﴿إِن تُرِيدُ إِلَاّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأرض﴾ لا يليق إلا بقول الكافر، والجبار: هو الذي يفعل ما يريده من الضرب والقتل بظلم، ولا ينظر في العواقب، وقيل: المتعظم، ﴿وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ المصلحين﴾ ، قال المفسرون: فلما سمع القبطي قول الإسرائيلي علم أَنَّ موسى هو الذي قتل ذلك الفرعوني: فانطلق إلى فرعون فأخبره بذلك، وأمر فرعون بقتل موسى. قال ابن عباس: أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى فأخذوا الطريق الأعظم. قوله: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى المدينة يسعى﴾ ، أي: من آخر المدينة اسمه: حزقيل مؤمن آل فرعون، وقيل اسمه شمعون، وقيل: (شمعان) : «يَسْعَى» قال الزمخشري: «يَسْعَى» يجوز ارتفاعه وصفاً ل «رَجُلٌ» وانتصابه حالاً عنه، لأنه قد تخصص بالوصف بقوله: ﴿مِّنْ أَقْصَى المدينة﴾ ، فإن جعلت «مِنْ أَقْصَى» متعلقاً ب «جَاءَ» ف «يَسْعَى» صفة ليس إلا. وهذا بناء منه على مذهب الجمهور، وقد تقدَّم أَنَّ سيبويه يجيز ذلك من غير شَرْط. وفي آية يس قدَّمَ «مِنْ أَقْصَى» على «رَجُل» ، لأنه لم يكن من أقصاها وما جاء منها وهنا وصفه بأنه من أقصاها، وهما رجلان مختلفان وقضيتان متباينتان. (قوله) «يَأْتَمِرُونَ» أي: يتآمرون بمعنى يتشاورون، كقول النمر بن تولب: ٣٩٨٤ - أَرَى النَّاسَ قَدْ أَحْدَثُوا شبهَةً ... وَفِي كُلِّ حَادِثَةٍ مُؤْتَمَرْ وعن ابن قتيبة: يأمر بعضهم بعضاً. أخذه من قوله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] . (قوله) «فَاخْرُجْ» أي: من المدينة، ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ الناصحين﴾ في الأمر بالخروج، فقوله «لَكَ» ، يجوز أن يتعلق بما يدلُّ «النَّاصِحِينَ» عليه، أي؛ ناصحٌ لك من الناصحين، أو بنفس «النَّاصِحِينَ» للاتساع في الظرف، أو على جهة البيان أي: أعني

стр. 9313

لك. «فَخَرَجَ مِنْهَا» موسى «خَائِفاً يَتَرَقَّبُ» هِدَايَتَهُ وغَوْثَ الله إيَّاهُ، ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين﴾ أي؛ لاكافرين وهذا يدلُّ على أن قتله لذلك القبطي لم يكن ذبناً وإلا لكان هو الظالم لهم، وما كانوا ظالمين له بسبب طلبهم له ليقتلوه قصاصاً.

стр. 9314

قوله: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ﴾ أي: قصد نحوها ماضياً إليها، يقال: داره تلقاه دار فلان، إذا كانت محاذيتها وأصله من اللقاء، قال الزجاج: أي: سلك الطريق الذي تلقاء مدين فيها. قال ابن عباس: خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله ومشى من غير معرفة فأسلمه الله إلى مدين، وقيل: وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة؛ لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم وكان من بني إسرائيل، سميت البلدة باسمه فخرج ولم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على الله، وقيل: جاءه جبريل ﵇، وعلمه الطريق. قال ابن إسحاق: خرج من مصر إلى مدين خائفاً بلا زاد ولا ظهر وبينهما مسيرة ثمانية أيام ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر. ﴿قَالَ عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل﴾ ، أي: قصد الطريق إلى مدين. قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ وهو الماء الذي ستقبون منه وهو بئر، ووروده: مجيئه، والوصول إليه، «وَجَدَ عليه» أي: على شفيره ( «أمَّةً» جماعة كثيفة العدد «مِنَ

стр. 9315

النَّاسِ» مختلفين «يَسْقُونَ منها مواشيهم) ، ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أي: سوى الجماعة، وقيل: في مكان أسفل من مكانهم. قوله:» امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ «ف» تذودوان «صفة ل» امْرَأَتِيْنِ «لا مفعول ثاني، لأَنَّ» وَجَدَ «بمعنى: لقي، والذَّودُ، الطرد والدفع، قال: ٣٩٨٥ - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسَيْفِهِ ... وقيل: حبس: ومفعوله محذوف، أي: يَذُودانِ النَّاسَ عن غَنمهما، أو عن مزاحمة الناس، وقال الزمخشري: لم ترك المفعول غير مذكور في» يَسْقُونَ «و» تَذُودَانِ «و» لَا نَسْقِي «، قُلتُ: لأنَّ الغرض هو الفعل لا المفعول، وكذلك قَوْلهُمَا: ﴿لَا نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعآء﴾ المقصود منه السَّقي لا المَسْقِيّ. (فصل واختلفوا في السبب المقتضي لذلك الحبس، فقال الزجاج: لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم، وقيل: لئلا يختلطن بالرجال، وقيل: كانتا تذودان عن وجوههما نظر الرجال لتسترهما، وقيل: تذودان الناس عن غنمهما، وقال الفراء: يحبسانها لئلا تتفرق وتتسرب، وقيل: تذودان أي: معهما قطيع من الغنم، والقطيع من الغنم يسمى: ذوداً، وكذلك قطيع البقرب وقطيع الإبل. قال ﵇:» لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ دَوْدٍ صَدَقَة «وقال الشاعر: ٣٩٨٦ - ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ، وَثَلَاثُ ذَوْدٍ ... لَقَدْ جَارَ الزَّمَانُ عَلَى عِيَالِي
следующие страницы →