← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 9591–9630 · переход к 9596.

стр. 9591

قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ﴾ لما ذكر الدلائل من أول السورة إلى آخرها وعظ بالتقوى فقال: ﴿يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ واخشوا يَوْماً لَاّ يَجْزِي﴾ لا يقضي، ولا يغني ﴿وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ . قال ابن عباس: كل امرىء تهمه نفسه، واعلم أنه تعالى ذكر شخصين في غاية الشفقة والحنان والحُنُوِّ وهو الوالد والولد، فاستدل بالأولى على الأعلى فذكر الوالد والولد جميعاً لأن من الأمور ما يبادر الأب إلى تحمُّلِهِ عن الولد كدَفْع المال، وتَحَمُّل الآلام والولد لا يبادر إلى تحمله عن الوالد (مثل ما يبادر الوالد إلى تحمله عن الولد) ، ومنها ما يبادر الولد إليه كالإهانة فإن من يريد (إحضار) والد آخر عند والٍ أو قاضٍ يهُونُ على الابن أن يدفع الإهانة عن والده ويحضر هو بدله وإذا انتهى الأمر إلى الإيلام يهون على الأب أن يدفع الألم عن ابنه وستحمله هو بنفسه. فقوله: ﴿لَاّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ﴾ في دفع الآلام ﴿وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ في دفع الإهانة ثم قال: ﴿إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ أي إن هذا اليوم الذي هذا شأنه هو كائن لأن الله وعد به ووعده حق، وقيل: وعد الله حق بأنه لا يجزي والدٌ عن ولده لأنه وعد بأن لا تَزر وازرةٌ وزر أخرى ووعد الله حق ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا﴾ أي لا تغتروا بالدنيا فإنها زائلة لوقوع اليوم المذكور بالوعد الحق. ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور﴾ يعني الشيطان يزين في عينه الدنيا ويؤمله يقول: إنك تحصل بها الآخرة أو تلتذ بها ثم تتوب فَتجْتَمِع لك الدنيا والآخرة فنهاهم عن الأمرين. قوله: «وَلَا مَوْلُودٌ» دوزوا فيه وجهين: أحدهما: أنه مبتدأ، وما بعده الخبر. والثاني: أنه معطوف على «وَالدٌ» وتكون الجملة صفة له. وفيه إشكال وهو أنه

стр. 9592

نفى عنه أن يَجْزِي ثم وصفه بأنه جازٍ، وقد يجاب عنه: بأنه وإن كان جازياً عنه في الدنيا فليس جازياً عنه يوم القيامة، (فالحالان) باعتبار زمنين. وقد منع المَهْدَوِيُّ أن يكون مبتدأ، قال لأن الجملةَ بعده صفة له فيبقى بلا خبر، ولا مسوغ غير الوصف، وهو سهو لأن النكرة متى اعتمدت على نفي سَاغَ الابتداء بها، وهذا من أشهر مسوغاته، وقال الزمخشري: فإن قلت: (قوله) ﴿وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ هو وارد على طريق من التوكيد لم يرد عليه ما هو معطوف عليه قلتُ: الأمر كذلك لأن الجملة الاسمية آكد من الفعلية، وقد انضم إلى ذلك قوله: «هُو» وقوله: «مَوْلُودٌ» قال: ومعنى التوكيد في لفظِ المولود أن الواحد منهم لو شفع للوالد الأدنى الذي ولد منه لم يقبل منه، فضلاً أن يشفع لمن فوقه مِنَ أجداده؛ لأن الولد يقع على الولد وولد الولد بخلاف المولود فإنه الذي ولد منك قال: والسبب في مجيئه على هذا السَّنَنِ أن الخطابَ للمؤمنين وعلْيتهِمْ قبض آباؤهم في الكفر فأريد حسم أَطْمَاعِهِمْ وأطماع الناس فيهم. والجملة من قوله «لَا يَجْزِي» صفة (ليوم) ، والعائد محذوف أي (فِيهِ) فحذف برُمَّته أو على التدريج، وقرأ عكرمة «لَا يُجْزَى» مبنياً للمفعول، وأَبُوا السَّمَّالِ، وأبو السّوّار لا يُجْزىء بالهمز من «أجْزَأَ عَنْهُ» أي أغنى، وقوله «شيئاً» منصوب على المصدر وهو من الإعمال، لأن «يَجْزِي» و «جَازٍ» يَطْلُبَانِهِ، والعامل «جَازٍ» على ما هو المختار للحذف من الأول. قوله: «فَلَا تَغُرَّنَكُمْ» العامة على تشديد النون، وابنُ أبي إسْحَاق وابنُ أبي عَبْلَةَ

стр. 9593

ويعقوبُ بالتخفيف وسَمَّاك بنُ حَرْبٍ «الغُرُور» - بالضم - وهو مصدر، والعامة بالفتح صفة مبالغة كَشَكُورٍ صفة مبالغة كَشَكُورٍ وفسر بالشيطان على أنه يجوز أن يكون المضموم مصدراً واقعاً وصفاً للشيطان. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة ... ﴾ الآية، نزلت في الوارثِ بن حارثَة محارب بن خصفة «أتى النبي ﷺ َ - من البادية فسأله عن الساعة ووقتها، وقال إن أرضنا أَجْدَبَتْ فمتى ينزل الغيث؟ وتركت امرأتي حُبْلَى فمتى تلد؟ وقد علمت أَيْنَ ولدت فبأي أرض أموت؟ فأنزل الله هذه الآية روي أن النبي ﷺ َ - قال:» مَفَاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ علمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ «قال ابن الخطيب: قال بعض المفسِّرينَ: إن الله تعالى نفى (علم) أمور خمسة عن غيره بهذه الآية وهو كذلك لكن المقصودَ ليس ذلك لأن اللَّهَ يعلمُ الجوهر الفرد والطوفان وتقلب الريح من المشرِق إلى المغرب كَمْ مرةً ويعلم أين هُوَ ولا يعلمه غيره ويعلم أنه (ذَرَّهُ) في بَريَّة لا يسلكها أحد ولا يعلمها غيره فلا وجه لاختصاص هذه الأشياء بالذكر وإنَّ الحق فيه أن نقول لما قال: اخْشَوا يوماً لا يجْزي والد عن ولده وذكر أنه كائن بقوله: ﴿إن وعد الله حق﴾ كأن قائلاً قال: فمَتَى يكون هذا اليوم؟ فأجيب بأن هذا العلم مما لَمْ يَحْصُل لغير الله ولكن هو كائن. قوله:» مَاذَا تَكْسبُ «يجوز أن تكون» ما «استفهامية فتعلق الدراية، وأن تكونَ موصولة فينتصب بها، وقد تقدم حكم» مَاذَا «أول الكتاب وتكرر في غَضونِهِ. قوله: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ «بأَيِّ أَرْضٍ» متعلق «بتَمُوتُ» وهو متعلق للدراية فهو في محل نَصْبٍ، وقرأ أُبَيُّ بن كعب وموسى الأهوازيّ «بأية أرض» على تأنيثها، وهي

стр. 9594

لغة ضعيفة كتأنيث «كُلّ» حيث قالوا: كُلُّهُنَّ (فَعَلْنَ ذَلِكَ) والمشهور بأيِّ أرض؛ لأن الأرض ليس فيها من علامات التأنيث شيء، وقيل: أراد بالأرض المكان. نقله البغوي والباطن فيه بمعنى في أي (في) أرضٍ نحو: زَيْدٌ بِمَكَّةَ أي فيها، ثم قال: ﴿إِنَّ الله عَلَيمٌ خَبِيرٌ﴾ لما خصص أولاً علمه بالأشياء المذكورة بقوله: ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ ذكر أن علمه غير مختصّ بل هو عليم ملطقاً بكل شيء وليس علمه بظاهر الأشياء فقط بل هو خبير بظواهر الأشياء وبواطنها. روى الثعلبي عن أُبَيِّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قَرََأ سُورَةُ لُقْمَان كان له لقمانُ رفيقاً يوم القيامة وأعْطِيَ من الحسنات عشراً بعدد من عَمِلَ بالمعروف ونَهَى عن المنكر»

стр. 9595

سورة السجدة

стр. 9596

مكية، وهي ثلاث وثلاثون آية وستمائة وثمانون كلمة، وألف وخمسمائة وثمانية عشر حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله: ﴿الم تَنزِيلُ الكتاب لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ . في «تنزيل» خمسة أوجه: أحدها: أنه خبر «الم» ، (لأن الم) يراد به السورة وبعض القرآن، و «تَنْزِيلُ» بمعنى منزل، والجملة من قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ حال من «الكِتَابِ» . والعامل فيها «تَنْزِيلُ»

стр. 9597

لأنه مصدر. و «مِنْ رَبِّ» متعلق به أيضاً. ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في «فِيهِ» ؛ لوقوعه خبراً، والعامل فيه الظرف، أو الاستقرار. الثاين: أن يكون «تَنْزِيلُ» مبتدأ و ﴿لا ريب فيه﴾ خبره. «وَمِنْ رَبِّ» حال من الضمير في «فيه» ولا يجوز حينئذ أن يتعلق ب «تنزيل» ؛ لأن المصدر قد أخبر عنه فلا يعمل. ومن يتسع في الجار لا يبالي بذلك. الثالث: أن يكون «تنزيل» مبتدأ أيضاً و «من رب» خبره، و «لا ريب» حال من مُعْتَرِض. الرابع: أن يكون «لا ريب» و «من رب العالمين» خبرين ل «تَنْزِلُ» . الخامس: أن يكون «تَنْزيلُ» خبر مبتدأ (مضمر) ، وكذلك «لا ريب» ، وكذلك «من رب» فتكون كل جملة مستقلة برأسها. ويجوز أن يكون حالين من «تنزيل» ، وأن يكون «من رب» هو الحال و «لا ريب» معترض وأول البقرة مرشد لهذا. وجوز ابن عطية أي يكون ﴿مِن رَّبِّ العالمين﴾ متعلقاً ب «تنزيل» . قال: على التقديم والتأخير. ورده أبو حيان: بأنا إذا قلنا: ﴿لَا رَيْبَ فيه﴾ اعتراض لم يكن تقديماً وتأيخراً بل لو تأخر لم يكن اعتراضاً. وجوز أيضاً أن يكون متعلقاً بلا ريب فيه من جهة رب العالمين وإن وقع شك الكفرة فذاك لا يراعى، قال مقاتل: لا شك فيه أنه تنزيل من رب العالمين. قوله: «أَمْ يَقُولُونَ» هي المنقطعة، والإضراب للانتقال لا للإبطال، وقيل: الميم صلة أي أَيَقُولُونَ افْتَرَاهُ. وقيل: فيه إضمار مجازه فهل يؤمنون أم يقولون افتراه. وقوله: ﴿بَلْ هُوَ الحق﴾ إضراب ثانٍ ولو قيل: بأنه إضرابُ إبطالٍ لنفس «افتراه» وحده لكان صواباً وعلى هذا يقال: كل ما في القرآن إضراب وهو انتقال إلا هذا فإنه يجوز أن يكون إبطالاً لأنه إبطال لقولهم، أي ليس هو كما قالوا مُفْتَرى بل هو الحق. وفي كلام الزَّمَخْشَرِي ما يرشد إلى هذا فإنه قال: والضمير

стр. 9598

في «فيه» راجعٌ إلى مضمون الجملة كأنه قيل لا ريبَ في ذلك أي في كونه من رب العالمين ويشهد لواجهته: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه﴾ ؛ لأن قولهم مفترىً إنكار لأن يكون من رب العالمين وكذلك قوله: ﴿بَلْ هُوَ الحق مِن رَّبِّكَ﴾ وما فيه من تقرير أنه من الله وهذا أسلوب صحيحٌ محكَمٌ. قوله: «مِنْ رَبِّكَ» حال من «الحَقِّ» والعامل فيه محذوف على القاعدة وهو العامل في «لِتُنْذِرَ» ويجوز أن يكون العامل في: «لتنذر» غيره أي أنْزَلَهُ لِتُنْذِرَ. قوله: ﴿قَوْماً مَا أَتَاهُمْ﴾ الظاهر أن المفعول الثاني للإنذار محذوف، و «قوماً» هو الأول، إذ التقدير: لتنذر قوماً العقابَ و «مَا أتَاهُمْ» جملة منفية في محل نصب صفة «لقوماً» يريد الذين في الفترة بين عيسى ومحمد ﵉. وجعله الزمخشري كقوله: ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] فعلى هذا يكون «من نذير» هو فاعل «أَتَاهُمْ» و «من» مزيدة فيه و «مِنْ قَبْلِكَ» صفة «لِنَذير» ، ويجوز أن يتعلق «مِنْ قَبْلِكَ» «بأَتَاهُمْ» . وجوز أبو حيان أن تكون «ما» موصولة في الموضعين والتقدير: لتنذر قوماً العقاب الذي أتاهم من نذير من قبلك و «مِنْ نَذِيرٍ» متعلق «بأَتَاهُمْ» أي أتاهم على لسان نذير من قبلك وكذلك ﴿لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم﴾ أي العقاب الذي أنذرَهُ آباؤُهُمْ، «فما» مفعولة في الموضعين، و «أنذر» يتعدى إلى اثنين قال الله تعالى: ﴿فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ [فصلت: ١٣] وهذا القول جارٍ على لظواهر القرآن قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَاّ خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] ﴿أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] هذا الذي قال ظاهر، ويظهر أن في الآية الأخرى وجهاً آخر وهو أن تكون «ما» مصدرية تقديره لتنذر قوماً إنذَار آبائهم لأن الرسل كُلَّهُمْ متفقون على كلمة الحق. فصل المعنى بل هو يعني القرآن الحق من ربك لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبْلِكَ. قال قتادة: كانوا أمةً لم يأتهم نذير قبل محمد ﷺ َ - (قال ابن عباس ومقاتل: ذاك في الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد ﷺ َ -) «لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ» . قوله: ﴿الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ لما ذكر الرسالة، وبين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد وإقامة الدليل فقال: ﴿خَلَقَ السماوات والأرض﴾ ، (واللَّهُ مبتدأ، وخبره «الَّذِي خَلَقَ» يعني الله هو الذي خلق

стр. 9599

السموات) ولم يخلقها إلا واحد فلا إله إلا واحدٌ. وقد تقدم الكلام في معنى قوله «ستة أيام» . قوله: ﴿ثُمَّ استوى عَلَى العرش﴾ اختلف العلماء في هذه الآية ونظائرها على قولين: أحدهما: ترك التعرض إلى بيان المراد. والثاني: التعرض إليه. والأول أسلم؛ لأن صفة الاستواء مما لا يجب العلم بها فمن لم يتعرض إليه لم يترك وابجاً ومن تعرض إليه فقد يخطر فيعتقد خلاف ما هو عليه فالأول غاية ما يلزمه أنه لا يعلم، والثاني يكاد يقع في أن يكون جاهلاً وعدم العلم والجهل المركب كالسكوت والكذب ولا شك أن السكوتَ خيرٍ من الكذب وأيضاً فإنه أقرب إلى الحكمة لأن من يطالع كتاباً صنفه إنسانٌ وكتب له شرحاً والشارحُ دون والمصنِّف فالظاهر أنه لا يأتي على جميع ما أتى عليه المصنف ولهذا كثيراً ما نرى أن الإنسان يورد الإشكالات على المصنَّف المتقدم ثم يجيء من ينصر كلام المصنِّفِ ويقول: لم يرد المصنف هذا وإنما أراد كذا وكذا، وإذا كان حال الكتب الحادثة التي تكتب من علم قاصر هكذا فما ظنك بالكتاب العظيم الذي فيه كل حكمة كيف يجوزُ أن يدعي جاهلٌ أني علمت كل سر في هذا الكتاب؟ فلو ادعى عالم أني علمت كل سر وكل فائدة يشتمل عليها الكتاب الفُلَانِيّ يستقبح منه ذلك فكيف من يدعي أنه علم كل ما في كتاب الله؟ (وَلَيْسَ لقائلٍ أن يقول: بأن الله بين كل ما أنزله) ؛ لأن تأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز. ولعل في القرآن ما لا يحتاج إليه أحد غيرَ نبيه فبين له لا لغيره. وإذا ثبت هذا علم أن في القرآن ما لا يعلم، وهذا أقرب إلى ذلك (الذي) لا يعلم للتشابه البالغ الذي فيه. قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ . لما ذكر أن الله خالق السموات والأرض قال بعضهم: نحن معترفون بأن خالق السموات والأرض واحد هو إله السموات والأرض وهذا الأصنام صور كواكب منها نصرتنا وقوتنا. وقال آخرون: هذه صورة ملائكة شفعاء لنا عند الله، فقال تعالى: لَا إله غير الله،

стр. 9600

ولا نصرة من غير الله، ولا شفاعة إلا بإذْن الله فعبادتكم لهذه الأصنام باطلة ضائعة. ثم قال: «أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ» ما علمتموه من أنه خالق السموات والأرض، وخالق لهذه الأجسام العِظَام، لا يقدر عليه مثل هذه الأصنام حتى ينصروكم وتكون لها شفاعة. قوله: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ لما بين الخلق بين الأمر كما قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الخلق والأمر﴾ [الأعراف: ٥٤] يحكم الأمر، وينزل القضاء، والقدر من السماء إلى الأرض. وقيل: ينزل الوحي مع جبريل ﵇ بالأمر. قوله: ﴿يُدَبِّرُ الأمر مِنَ السمآء إِلَى الأرض﴾ العاملة على بنائه للفاعل. وابن أبي عبلة على بنائه للمفعول. والأصل يعْرُجُ بِهِ، ثم حذف الجار فارتفع الضمير واستتر. وهو شاذ يصلح لتوجيه مثلها، والمعنى: أن أمره ينزل من السماء على عباده ويعرج إليه أعمالهم الصالحة الصادرة على موافقة ذلك الأمر. قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (أي في يوم واحد يعني نزول وعروج العمل في مسافة ألف سنة مِمَّا تَعُدُّونَ) ، وهو بين السماء والأرض فإن مسافته خمْسُمِائَةِ سنةٍ (فينزل في مسيرة خمسمائة سنة ويعرج في خمسمائة سنة فهو مقدار ألف سنة) يقول لو سار أحد من بني آدم لم يقطعه إلا في ألأف سنة والملائكة يقطعونه في يوم واحد هذا في وصف عروج الملائكة من الأرض إلى السماء وأما قوله: ﴿تَعْرُجُ الملائكة والروح إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] أراد مدة المسافة من الأرض إلى سدرة المنتهى التي هي مقام جبريل ﵇ يسير جبريل والملائكة الذين معه من أهل مقامه مسيرةَ خَمْسِين ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا. قاله مجاهد والضحاك، وقيل: إن ذلك إشارة إلى امتداد نفاذ الأمر وذلك لأن من نفذ أمره غَايَةَ النَّفاذ في يوم أو يومين وانقطع لا يكون مثل من ينفذ أمره في سنينَ متطاولةٍ، فقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ ، يعني يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة فكم يكون شهر منه (وكَمْ تكونُ سنة) منه وكم يكون دهر منه، وعلى هذا فلا فرق بين هذا وبين قوله: ﴿مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ لأن ذلك (إذا كان إشارة إلى دوام إنفاذ الأمر،

стр. 9601

فسواء يُعَبَّر بألفِ سنةٍ أو بخمسينَ ألفَ سنةٍ) لا يتفاوت إلا أن المبالغة بالخمسين أكثر، وسيأتي بيان فائدتها في موضعها إن شاء الله تعالى. وقيل: ألفُ سنة وخمسونَ ألفَ سنةٍ كلها في القمة يكون على بعضهم أطول، وعلى بعضهم أقصر معناه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض مدة أيام الدنيا ثم يعرج أي يرجع الأمر والتدبير إليه بعد فناء الدنيا وانقطاع أمر الأمراء أو حكم الحكماء في يوم مقداره ألأف سنة وهو يوم القيامة فأما قوله ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فإنه أراد على الكافر يجعل ذلك اليوم عليه مقدار خمسين ألف سنة وعلى المؤمن دون ذلك حتى جاء في الحديث أنه يكون على المؤمن كقدر صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا، وقال إبراهيم التيميّ (لا) يكون على المؤمن (إلا) كما بين الظُّهْر والعَصْر، ويجوز أن يكون هذا إخباراً عن شدته ومشقته وهوله، وقال ابْنُ أبي مليكَةِ: دخلت أنا وعبد الله بن فَيْرُوزَ علي ابن عباس فسألناه عن هذه الآية وعن قوله: ﴿خمسين ألف سنة﴾ فقال ابن عباس: أيام سماها الله لا أدري ما هي أكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم. قوله: «مِمَّا تَعُدّونَ» العاملة على الخطاب، والحَسَنُ، والسُّلميُّ، وابْنُ وَثَّابٍ والأعْمَشُ بالغيبة، وهذا الجار صفة «لأَلْفٍ» أو «لِسَنَةٍ» . قوله: «ذَلِكَ عَالِمُ» العامة على رفع «عالم» و «العزيزُ» و «الرَّحِيمُ» ، على أن يكون «ذلك» مبتدأ، و «عالم» خبره و «العَزِيزُ والرَّحِيمُ» خبران أو نعتان أو «العزيز الرحيم» مبتدأ وصفة. و «الَّذِي أَحْسَنَ» خبره، أو «العَزِيزُ الرَّحيم» خبر مبتدأ مضمر. وقرأ زيدُ (بن علي) بجر الثلاثة وتخريجها على إشكالها: أن يكون «ذَلِكَ» إشارة إلى الأمر المدبَّر، ويكون فاعلاً (ليَعْرُجُ) ، والأوصاف الثلاثة بدل من الضمير في «إلَيْهِ» أيضاً. وتكون الجلمة بينهما اعتراضاً.

стр. 9602

قوله: «الَّذِي أَحْسَن» يجوز أن يكون تابعاً لما قبله في قراءتي الرفع والخفض، وأن يكون خبراً آخر وأن يكون خبر مبتدأ مضمر، وأن يكون منصوباً على المدح. قوله: «خَلقَهُ» قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابنُ عامر: بسكون اللام، والباقون بفتحها فأما الأولى ففيها أوجه: أحدها: أن يكون «خَلْقَهُ» بدلاً من: «كُلَّ شَيْءٍ» بدل اشتمال والضمير عائد على «كل شيء» وهذا هو المشهور. الثاني: أنه بدل من كل. والضمير في «هذا» عائد على «الباري» تعالى، ومعنى «أحسن» حسن لأنه ما من شيء خلقه إلا وهو مرتب على ما يقتضيه الحكمة، فالمخلوقات كلها حسنة. الثالث: أن يكون «كُلَّ شَيْءٍ» مفعولاً أول، و «خَلْقَهُ» مفعولاً ثانياً، على أن يضمن «أحسن» معنى أعْطَى وَألْهَمَ. قال مجاهد: وأعطى كل جنس شَكْلَهُ، والمعنى خلق كل شيء على شكله الذي خص به. الرابع: أن يكون «كُلَّ شَيْءٍ» مفعولاً ثانياً قُدِّمَ و «خَلْقَهُ» مفعولاً أول أُخِّرَ على أن يضمن «أحْسَنَ» معنى ألْهَمَ وعَرَّفَ. قال الفراء: ألهم كل شيء خلقه فيما يحتاجون إليه فيكون أعلمهم ذلك. (وقال أب البقاء: ضمن «أحْسَنَ» معنى «عَرَّف» وأعرف على نحو ما تقدم إلا أنه لا بُدَّ أن يجعل الضمير) لِلَّه تعالى، ويجعل الخلق بمعنى المخلوق أي عرف مخلوقاتهِ كُلَّ شيء يحتاجون إليه فيؤول المعنى إلى معنى قوله: ﴿أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] . الخامس: أن تعود الهاء على «الله» تعالى وأن يكون «خَلْقَهُ» منصوباً على المصدر المؤكد لمضمون الجملة كقوله: ﴿صُنْعَ الله﴾ [النمل: ٨٨] ، وهو مذهب سيبويه

стр. 9603

أي خَلَقَهُ خَلْقاً، ورُجِّحَ على بدل الاشتمال بأن فيه إضافة المَصْدَر إلى فاعله، وهو أكثر من إضافته إلى المفعول وبأنه أبلغ في الامتنان لأنه إذا قال: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ كان أبلغ من ﴿أحسن خلق كل شيء﴾ ؛ لأنه قد يحسن الخلق وهو المحاولة ولا يكون الشيء في نفسه «حسناً» وإذا قال: ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَىْء﴾ اقتضى أن كل (شيء) خلقه حسن بمعنى أنه وضع كل شيء في موضعه. وأما القراءة الثانية «فخَلَقَ» فيها فعل ماض، والجملة صفة للمضاف أو أو المضاف إليه فتكون منصوبة المحل أو مجرورته. قوله: «وَبَدَأ» العاملة على الهمز. وقرأ الزُّهْرِيُّ «بَدَأ» بألف خالصة وهو خارج عن قياس تخفيفها إذ قياسه بَيْنَ بَيْنَ على أنَّ الأخفش حَكَى قريباً. وجوز أبو حيان أن يكون من لغة الأنصار، يقولون في «بَدَا» بكسرها وبعدها ياء كقول عبد الله بن رواحة الأنصاري. ٤٠٦٢ - بِاسْمِ الإِلَهِ وَبِهِ بَدِينَا ... وَلَوْ عَبَدْنَا غَيْرَهُ شَقِينَا قال: وطيىء تقول في تُقَى تُقَاء، قال: فاحتمل أن تكون قراءة الزهري من هذه اللغة أصله «بَدِي» ثم صار «بَدَأ» ، قال شهاب الدين: فتكون القراءة مركبة من لُغَتَيْنِ. فصل ﴿ذلك عَالِمُ الغيب والشهادة﴾ يعني ذلك الذي صنع ما ذكر من خلق السموات والأرض عالم ما غاب عن الخلق وما حضر «العَزِيرُ الرَّحِيمُ» لما بين أنه عالم ذكر أنه «عزيز» قادر على الانتقام من الكفرة «رَحِيمٌ» واسع الرحمة على البررة ﴿الذي أحسن كل شيء خلقه﴾ أي أحسن خَلْقَ كلِّ شيء. قال ابن عباس: أتقنه وأحكمه وقال

стр. 9604

مقاتل: علم كيف يخلق كل شيء من قولك: فلانُ يُحْسِنُ كذا، إذا كان يعلمه. وقيل: خلق كل حيوان على صورة لم يخلق البعض على صورة البعض فكل حيوان كامل في خلقه حسن، وكل عضو من أعضائه مقدر بما يصلح معاشه. واعلم أنه تعالى لما ذكر الدليل على الوحدانية من الآفاق بقوله: ﴿خلق السموات والأرض وما بينهما﴾ أتبعه بذكر الدليل الدال عليها من الأنفس فقال: ﴿الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين﴾ يعني آدم، ويمكن أن يقال: الطين ماء وتراب مجتمعان، والأأدمي أصله مَنِي، والمَنِي أصله غذاءٌ، والأغذية إما حيوانية وإما نباتية (والحيوانية ترجع إلى نباتية) والنبات وجوده بالماء والتراب الذي هو الطين ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ﴾ أي جعل ذريته من نطفة سميت سلالة؛ لأنها تَنْسَلُّ من الإنسان، هذا على التفسير الأول؛ لأن آدم كان من طين، ونسله من سلالة ﴿مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ أي ضعيف وهو نطفة الرجل «ثُمَّ سَوَّاهُ» سوى خلقه ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ يعني آدم؛ لأن كلمة «ثُمَّ» للتراخي فتكون التسوية بعد جعل النسل من سلالة، وذلك بعد خلق آدم، ثم عاد إلى ذريته فقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار﴾ (أي جعل لكم بعد أن كنتم نطفاً السمع والأبصار) والأفئدة ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ يعني لا تشكرون رب هذه النعم فتوحدونه، فقوله ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السمع﴾ هذه التفات من ضمير (غائب) مفرد في قوله: «نَسْلَهُ» إلى آخره إلى خطاب جماعة. وفي هذا الخطاب لطيفة وهي أن الخطاب يكون مع الحي فلما قال: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ خاطبه من بعد وقال: «وَجَعَلَ لَكُمْ» . فإن قيل: الخطاب واقع قبل ذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ [الروم: ٢٠] . فالجواب: هناك لم يذكر الأمور المترتبة وهي كون الإنسان طيناً ثم ماء مَهِيناً، ثم خَلْقاً مسوى بأنواع القوى فخاطبه في بعض المراتب دون بعض. فإن قيل: ما الحكم في ذكر المصدر في السمع وفي البصر والفؤاد الاسم، ولهذا جَمَعَ الأبْصَارَ، والأفئدةَ ولم يجمع السمعَ؛ لأن المصدر لا يجمع؟ فالجواب: أن السمع قوةٌ واحدة ولها مَحِلٌّ واحد وهو الأذن ولا اختيار لها فيه فإن الصوت من أي جانب كان يصل إليه ولا قدرة للأذن على تخصيص السمع بإدراك البعض دُونَ البعض، وأمَّا الإبصار فَمَحِلّهُ العين ولها فيه اختيار فإنها تتحرك إلى جانب المَرْئِيّ

стр. 9605

دون غيره، وكذلك الفؤاد محل الإدراك وله نوعُ اختيار يلتف إلى ما يريد دون غيره، وإذا كان كذلك فلم يكن للمحل في السمع تأثير، والقوة مستبدة فذكر القوة في العين والفؤاد؛ (لأن للمحل نوع اختيار، فذكر المحل لأن الفعل مسند إلى المختار ألا ترى أنك) تقول: سَمِعَ زَيْدٌ، ورأى عمرو، ولا تقول: «سَمِعَ أذنُ زَيْدٍ» ولا «رأى عَيْنُ عَمْرو» إلا نادراً لأن المختار هو الأصل وغيره آلته، فالسمع أصل دون محله لعدم له لاختيار له والعين كالأصل وقوة الإبصار آلتها والفؤاد كذلك وقوة الفهم آلته فذكر في السمع المصدر الذي هو القوة، وفي الإبصار والأفئدة الاسم الذي هو مَحِلّ القوة ولأن السمع قوة واحدة لها محل واحد ولهذا لا يسمع الإنسان في زمان واحد كلامين على وجه يضبطها ويرى في زمان واحد صورتين فأكثر ويُتْقِنُهُمَا. قوله تعالى: «أَئِذَا ضَلَلْنَا» تقدم خلاف القراء في الاستفهامين، والواو للعطف على ما سبق فإنهم قالوا محمد ليس برسول، والله ليس بواحد وقالوا: الحشر ليس بممكن، فالعامل في «إذا» محل تقديره «نُبْعَثُ أو نَخْرُجُ» لِدَلَالَةِ: «خَلْقِ جَدِيدٍ» عليه ولا يعمل فيه «خَلْقٍ جَدِيدٍ» ؛ لأن ما بعد «إنَّ» والاستفهام لا يعمل فيما قبلهما، وجواب «إذاً» محذوف إذا جعلتها شرطية. وقرأ العامة «ضَلَلْنَا» بضاد معجمة، ولام مفتوحة بمعنى ذَهَبْنَا، وضِعْنَا من قولهم: ضَلَّ اللبنُ في الضرع وقيل: غُيِّبْنَا، قال النابغة: ٤٠٦٣ - فآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنِ جَلِيَّة ... وَغُودِرُ بالجُولَانِ حَزمٌ وَنَائِلُ والمضارع منهذا: يَضِل بكسر العين وهو كثير، وقرأ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ وابنُ

стр. 9606

مُحَيْصنٍ وأَبُو رَجَاءٍ: بكسر اللام وهي لغة العالية، والمضارع من هذا يَضَلُّ بالفتح، وقرأ علي وأبو حَيْ (وَة) «ضُلِّلْنَا» بضم الضاد وكسر اللام المشددة من «ضَلَّلَهُ» بالتشديد، وقرأ عَلِيٌّ أيضاً وابن عباس والحسن والأعمش وأبان بن سعيد: «صَلَلْنَا» بصاد مهملة، ولام مفتوحة، وعن الحسن أيضاً صَلِلْنَا بكسر اللام. وهما لغتان، يقال: صَلَّ اللحمُ بفتح الصاد وكسرها لمجيء الماضي مَفْتُوحَ العين ومَكْسُورَها، ومعنى صَلَّ اللَّحْمُ أنْتَنَ وتَغيَّرتَ رَائِحَتُهُ ويقال أيضاً: أَصَلَّ بالألف قال: ٤٠٦٤ - تُلَجْلِجُ مُضْغَةً فِيهَا أنِيضُ ... أَصَلَّتْ فَهيَ تَحْتَ الكَشْحِ دَاءُ وقال النحاس: لا يعرف في اللغة «صَلَلْنَا» ولكن يقال: صَلَّ اللَّحْمُ وأَصَلَّ، وخَمَّ وأَخَمَّ وقد عَرَفَها غَيْرُ أَبِي جَعْفَر. فصل قال في تكذيبهم بالرسالة: «أَمْ يَقُولُونَ» بلفظ المستقبل وقال في تكذيبهم بالحشر: «وَقَالُوا» بلفظ الماضي؛ لأن تكذيبهم بالرسالة لم يكن قبل وجوده، وإنما كان حال وجوده فقال: «يَقُولُونَ» يعني هم فيه. وأما إنكار الحشر فكان سابقاً صادراً منهم ومن آبائهم فقال: «وَقَالُوا» وصرح بقولهم في الرسالة فقال: «أَمْ يَقُولُونَ» وفي الحشر فقال: ﴿وقالوا أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ ولم يصرح بقولهم في الوحدانية؛ لأنهم كانوا مصرين في جميع الأحوال على إنكار الحشر والرسالة وأما الوحدانية فكانوا يعترفون بها في بعض الأحوال في قوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله﴾ [لقمان: ٢٥] فلم يقل: قالوا إن الله ليس بواحد وإن كانوا قالوه في الظاهر.

стр. 9607

فإن قيل: إنه ذكر الرسالة من قبل وذكر دليلها (وهو التنزيل الذي لا ريب فيه وذكر الوحدانية وذكر دليلها وهو) خَلْقُ السماوات والأرض وخَلْقُ الإنسان من طين، ولما ذكر إنكارهم الحشرَ لم يذكر الدليل؟ فالجواب: أنه ذكر دليله أيضاً وهو أن خلق الإنسان ابتداءً دليل على قدرته على الإعادة ولهذا استدل (تعالى) على إمكان الحشر بالخلق الأول كما قال: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] وأيضاً خلق السماوات والأرض كما قال: ﴿أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بِقَادِرٍ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بلى﴾ [يس: ٨١] . قوله: ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ استفهام إنكاري أي إننا كائنونَ في خلق جديد أو واقعون فيه ﴿بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ إضراب عن الأول يعني ليس إنكارهم لمجرد الخلق ثانياً بل يكفرون بجميع أحوال الآخرة حتى لو صدقوا بالخلق الثاني لما اعترفوا بالعذاب والثواب. أو يكون المعنى لم ينكروا البعث لنفسه بل لكفرهم بلقاء الله فإنهم كَرِهُوهُ فأنكروا المُفْضي إلَيْهِ، ثم بين لهم ما يكون (من الموت إلى العذاب) فقال: «قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ» يقبض أرواحكم ﴿مَّلَكُ الموت الذي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ أي وكل بقبض أرواحكم وهو عزرائيلُ، (والتَّوَفِّي) استيفاء العدد معناه أنه يقبض أرواحهم حتى لا يبقى أحد من العدد الذي كُتِبَ عليه الموت. فصل روي أن ملك الموت جعلت له الدنيا مثل راحة اليد يأخي منها صاحبها، ما أحب من غير مشقة فهو يقبض أنفُسَ الخَلْقِ من مشارق الأرض ومغربها، وله أعوان من ملائكة الرحمة وأعوان من ملائكة العذاب، وقال ابن عباس: خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب، وقال مجاهد: جعلت الأرض مثل طِسْتٍ يتناول منها حيث شاء. قوله: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ أي تصيرون إليه أحياء فيجزيكم بأعمالكم، وقرأ العامة: تُرْجَعُونَ ببنائه للمفعول، وزيد بن علي: ببنائه للفاعل. قوله: «وَلَوْ تَرَى» في «لو» هذه وجهان:

стр. 9608

أحدهما: أنها لِمَا كان سَيَقَعُ لوقوعه غيره. وعبَّر عنها الزمخشري بامتناعٍ لامْتِنَاع، وناقشه أبو حيان في ذلك. وقد تقم تحقيقه أول البقرة، وعلى هذا جوابها محذوف أي لرأيت أمر فظيعاً. والثاني: أنها للتمني. قال الزمخشري كأنه قيل: وليتك ترى. وفيها إذا كانت للتمنِّي خلافٌ على تقتضي جواباً أم لا، وظاهر تقدير الزمخشري هنا أنه لا جواب لها. قال أبو حيان: والصحيح أن لها جواباً وأنشد: ٤٠٦٥ - فَلأَوْ نُبِشَ المِقَابِرُ عَنْ كُلَيْبٍ ... فَيُخْبِرَ بالذَّنَائِبِ أَيُّ زِيرِ بِيَوْمِ الشَّعْثَمَيْنِ لقَرَّ عيْناً ... وَكِيْفَ لِقَاءُ مَنْ تَحْتَ القُبُورِ قال الزمخشري: ولو تجيء في معنى التمني كقولن: «لو تأتيني فتحدثني» (كما تقول) : «لَيْتَكَ تَأتِيني فَتُحَدِّثَنِي» قال ابن مالك: أن أراد به الحذف أي وَدِدْتُ لو تأتني فتحدثني فصحِيح وإن أراد أنها موضوعة له فليس بصحيح، إل لو كانت موضوعة له لم يجمع بينها وبينه كما لم يجمع من «ليت» والتمني، ولا «لعل وأترجّى» ، ولا «إلا» وأستثني، ويجوز أن يجمع بين «لو» وأتمنى تقول (تَمَنَّيتُ لَوْ فَعَلْتُ كذا) ، والمخاطب يحتمل أن يكون - النبي ﷺ َ - شفاء لصدره، فإنهم كانوا يؤذونه بالتكذيب، ويحتمل أن يكون عاماً، و «إذْ» على بابها من المضي؛ لأن «لو» تصرف المضارع للمضي، وإنما جيء هنا ماضياً لتحقق وقوعه نحو: ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: ١] . وجعله أبو البقاء مما وقع فيه «إذ» مَوْقع «إذَا» . ولا حاجة إليه. والمراد بالمجرمين المشركين.

стр. 9609

قوله: «نَاكِسُوا» العامة على أنه اسم فاعل مضاف لمفعوله تخفيفاً، وزيدُ بن علي «نَكِسُوا» فعلاً ماضياً «رُؤُوسَهُمْ» مفعول به، والمعنى مُطَأطِئُون رُؤُوسِهِمْ. قوله: «رَبَّنا» على إضمار القول، وهو حال أي قائلينَ ذلك، وقدره الزمخشري يَسْتَغيثُونَ بقولهم، وإضمار القول أكْثَرُ. قوله: «أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا» يجوز أن يكون المفعول مقدراً أي أ [صرنا ما كنّا نكذب وسمعنا ما كنا ننكر. ويجوز أن لا يقدر أي صِرْنَا بُصَرَاءَ سَمِيعِينَ فارْجِعْنَا (إلى الدنيا) نَعْمَل صِالِحاً «يجوز أن يكون» صالحاً «مفعولاً به، وأن يكون نعت مصدر، وقولهم» إنَّا مُوقِنُونَ «أي إنا آمنا في الحال، ويحتمل أن يكون المراد أنهم ينكرون الشرك كقولهم: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] .

стр. 9610

قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ رشدها وتوفيقها للإيمان، وهذا جواب عن قولهم: ربنا أبَصْرنَا وَسَمِعْنَا وذلك أن الله تعالى قال: إني لو رجعتكم إلى الإيمان لهديتكم في الدنيا، ولما لم أهدكم في الدنيا تبين أني ما أردتُ وما شئت إيمانكم فلا أردكم، وهذا صريح في الدلالة على صحة مذهب أهل السنة حيث قالوا إن الله تعالى ما أراد الإيمان من الكافر، وما شاء منه إلا الكُفْرَ.

стр. 9611

قوله: ﴿ولكن حَقَّ القول مِنِّي﴾ وجب القول (مني) وهو قوله تعالى: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ﴾ . ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ﴾ قال مقاتل: إذا دخلوا النار قال لهم الخزنة: ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هاذآ﴾ أي تركتم الإيمان به في الدنيا. «لِقَاءَ يَوْمِكُمْ» (يجوز فيه أوجه: أحدها: أنها من التنازع لأن «ذُوقُوا» يطلب «لِقَاء يَوْمِكُمْ» و «نَسِيتُمْ» يطلبه أيضاً أي ذُوقُوا عَذَابَ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ) هذا بما نَسِيتُمْ عذاب لقاء يومكم هذا ويكون من إعمال الثاني عند البصريين ومن إعمال الأول عند الكوفيين، والأول أصح لللحذف من الأول؛ إذ لو عمل الأول لأضمر في (الثاني) . الثاني: أن مفعول «ذُوقُوا» محذوف أي ذُوقُوا العذاب بسبب نِسْيَانِكم لقاءَ يومكم، (و «هذا» على هذين الإعرابين صفة «ليَوْمِكُمْ» . الثالث: أن يكون مفعول «ذُوقُوا» «هَذَا» والإشارة به إلى العذاب، والباء سببية أيضاً أي فذوقها هذا العذاب بسبب نِسْيَانكم لقاء يومكم) ، وهذا ينبو عنه الظاهر، قال ابن الخطيب «هذا» يحتمل ثلاثة أوجه: أن يكون إشارة إلى اللقاء (وأن يكون إشارة إلى اليوم) ، وأن يكون إشارة إلى العذاب، ثم قال: «إنَّا نَسِينَاكُمْ» تركناكم غيرَ ملتفت إليكم ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الخلد بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الكفر والتكذيب. قوله: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الذين إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً﴾ سقطوا على وجوههم ساجدين ﴿وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ ، قيل: سلموا بأمر ربهم. وقيل: قالوا سُبْحَانَ الله وبحمده ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الإيمان به والسجود له. قوله: ﴿تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع﴾ يجوز في «تَتَجَافَى» أنْ يكون مستأنفاً،

стр. 9612

وأن يكون حالاً وكذلك «يَدْعُونَ» إذا جعل «يَدْعُون» حالاً احتمل أن يكون حالا ثانية، وأن يكون حالاً من الضمير في «جنوبهم» ؛ لأن المضارع خبرٌ، والتجافي الارتفاع، وعبر به عن ترك النوم، قال ابن رواحة: ٤٠٦٦ - نَبِيٌّ تَجَافَى جَنْبُهُ عَنْ فِرَاشِهِ ... إذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ المَضَاجِعُ والمعنى يرتفع (وينبو) جنوبهم عن المضاجع جمع المضْجَع وهو المَوْضِع الذي يَضْطَجِعُ عليه يعني الفراش وهم المتهجدون بالليل الذين يقيمون الصلاة، قال أنس: نزلت فينا مَعْشَرَ الأنصار، كنا نصلي المغرب الصلاة فلا نرجع إلى رحالنا حتى نُصَلِّيَ العشاءَ مع - النبي ﷺ َ -. (وعن أنس: أيضاً قال: نَزَلَتْ في أناسٍ من أصحابِ النّبي ﷺ َ) كانوا يُصَلُّونَ من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء وهو قول أبي حَازِمٍ، ومُحَمَّد بْنِ المُنْكَدِر، وقال في صلاة الأوابين وهو مروي عن ابن عباس. وقال عطاء: هم الذين لا ينامون حتى يصلوا العشاء الآخر والفجر في جماعة، (وقال ﷺ َ: «مَنْ صَلَّى العِشَاء في جماعة) (كَانَ كَقِيَام نِصْفِ لَيْلَةٍ ومن صلى الفجر في جماعة) كان كقيام ليلة» ، والمشهور أن المراد منه صلاة الليل، وهو قول الحَسَنِ

стр. 9613

وجماعة ومجاهد، ومَالِك والأوْزَاعِي وجماعة لقوله عليه (الصلاة و) السلام: «أفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمضَانَ شِهْرُ اللَّهِ المُحَرَّمُ، وأفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الفَرِيضَةٍ صَلَاةُ اللَّيْلِ، وقال عليه (الصلاة و) السلام -:» إن فِي الجَنَّةِ غُرَفاً يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنها وباطنُها من ظاهِرها أَعَدَّهَا اللَّهُ لِمَنْ أَلَانَ الكَلَامَ، وأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَتَابَعَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى باللَّيْلِ والنَّاسُ نِيَامٌ « (قوله) :» خَوْفاً وَطَمعاً «إام مفعول من أجله وإمّا حالان، (وإما) مصدران لعامل مقدر. قال ابن عباس: خَوْفاً من النار وطمعاً في الجنة، ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ . قيل: أراد به الصدقة المفروضة وقيل: عام في الواجب والتطوع. قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ قرأ حمزة» أُخْفِي «فعلاً مضارعاً مسنداً لضمير المتكلم فلذلك سكنت ياؤه (لأنه) مرفوع، ويؤيده قراءة ابن مسعود:» مَا نُخْفِي «بنون العظمة، والباقون» أُخِفِيَ «ماضياً مبنياً للمفعول، (فَمِن) ثمَّ فُتِحَتْ ياؤه، وقرأ محمد بن كعب» أَخْفَى «ماضياً مبنياً للفاعل، وهو اللَّهُ تعالى، يؤيدها قراءة الأعمش و [» مَا] أَخْفَيْتُ مسنداً للمتكلم. و «ما» يجوز أن تكون موصولة أي لا يعلم الذي أخفاه الله، وفي الحديث: «مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» وأن تكون

стр. 9614

استفهامية معلقة «لتَعْلَمَ» فإن كانت متعدية لاثنين سدت مسدهما أو لواحد سدت مسده. قوله: ﴿مِّنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ قرأ عبد الله، وأبو الدرداء وأبو هريرةَ «من قُراتِ أَعْيُنٍ» جمعاً بالألف والتاء، و «جزاءً» مفعولٌ له، أو مصدر مؤكد لمعنى الجملة قبله، إذا كانت «ما» استفهامية فعلى قراءة (مَنْ قرأ ما) بعدها فعلاً ماضياً يكون في محل رفع بالابتداء، والفعل بعدها الخبر، وعلى قراءة من قرأ مضارعاً يكون مفعولاً مقدماً و «مِنْ قُرَّةِ» حال من «ما» والمعنى مَا يُقِرُّ الله به أعينهم ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ قال ابن عباس: هذا مما لا تفسير له. قال بعضهم: أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم. قوله: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً﴾ نزلت في عليِّ بْن أبي طالب، والوليدِ بن عقبة بن أبي معيط أخِي عثمان لأمه وذلك أنه كان بينهما تنازع فقال الوليد بن عقبة لِعَلِيٍّ: اسْكُتْ فإنك فاسق فأنزل الله : ﴿أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يَسْتَوونَ﴾ ولم يقل لا يستويان لأنه لم يرد مؤمناً واحداً ولا فاسقاً واحداً بل أراد جميع المؤمنين وجميع الفاسقين. قوله: «لا يستوون» مستأنف؛ روي أن النبي ﷺ َ - كان يعتمد الوقف على قوله «فاسقاً» ثم يبتدىء: «لا يَسْتَوونَ» . قوله: ﴿أَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ لما ذكر أن المؤمن والفاسق لا يستويان بطريق الإجمال بين عدم استوائهما على سبيل التفصيل فقال: ﴿أَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَلَهُمْ جَنَّاتُ المأوى﴾ قرأ طلحةُ «جنة المأوى» بالإفراد، والعامة بالجمع، أي التي يأوي إليها المؤمنون. وقرأ أبو حيوة نُزْلاً - بضم وسكون - وتقدم تحقيقه آخر آل عمران، ﴿وَأَمَّا الذين فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ النار كُلَّمَآ أرادوا أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النار﴾ وهذا إشارة إلى حال الكافر، واعلم أن العمل الصالح له مع الإيمان تأثير فلذلك قال: ﴿آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ، وأما الكافر فلا التفات إلى الأعمال معه فلهذا لم يقل: «وأما الذين فسقوا

стр. 9615

وعملوا السيئات» ؛ لأن المراد من «فَسَقُوا» كفروا، ولو جعل العقاب في مقابلة الكفر والعمل لظن (أن) مجرد الكفر (لا) عقاب عليه. قوله: ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ﴾ صفة لعذاب، وجوز أبو البقاء أن يكون صفة للنار قال: وذكر على معنى الجَحِيم والحَريق. قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ العذاب الأدنى دُونَ العذاب الأكبر﴾ قال أبيُّ بنُ كَعْبٍ والضَّحَّاكُ والحَسَنُ وإبْرَاهيمُ: العذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وهو رواية الوَالبِيِّ عن ابن عباسٍ، وقال عكرمة عنه: الحدود، وقال مقاتل: الجوع سبع سنين بمكة حتى أكلوا الجيف والعظام والكلاب. وقال ابن مسعود: هو القتل بالسيف يوم بدر وهو قول قتادة والسدي. وأما العذاب الأكبر وهو عذاب الآخرة فإن عذاب الدنيا لا نسبة له إلى عذاب الآخرة. فإن قيل: ما الحكمة في مقابلته «الأدنى» «بالأكبر» ، «والأدنى» إنما هو في مقابلة «الأقصى» «والأكبر» إنما هو مقابله «الأصغر» ؟ فالجواب: أنه حصل في عذاب الدنيا أمران: أحدهما: أنه قريب والآخر: أنه قليل صغير، وحصل في عذاب الآخرة أيضاً أمران، أحدهما: انه بعيد والأآخر أنه عظيم كبيرٌ لكن العرف في عذاب الدنيا هو أنه الذي يصلح التخويف به فإن العذاب العاجل وإن كان قليلاً فلا يَحْتَرِزُ عنه بعض الناس أكثر مما يَحْتَرِزُ من العذاب الشديد إذا كان آجلاً، وكذا الثواب العاجل قد يَرْعَبُ فيه بعض الناس ويستبعد الثوابَ العظيم الآجل. وأما في عذاب الآخرة فالذي يصلح للتخويف هو العظيم والكبير (لا) البعيد لِمَا بينا فقال في عذاب الدنيا الأدنى ليحترز العاقل عنه ولو قال: «وَلَنُذِيقَنَّهُمْ

стр. 9616

من العذاب الأصغر» ما كان يحترز عنه لصغره وعدم فَهْم كونه عاجلاً، وقال في عذاب الآخرة الأكبر لذلك المعنى ولو قال: مِنَ العَذَابِ الأبعد الأقْصَى (لما حصل) التخويف به مثل ما يحصل بوصفه بالكِبَر. قوله: «لعلهم يرجعون» إلى الإيمان يعني مَنْ بَقِي منهم بعد «بدر» . فإن قيل: ما الحكمة في هذا الترجي وهو على الله تعالى محال؟ فالجواب: فيه وجهان: أحدهما: معناه لنذيقنهم إذاقة الراجين كقوله: «إنَّا نَسِنَاكُمْ» يعني تركناكم كما يترك الناس (حيث لا يلتفت إليه) أَصْلاً كَذلِكَ ههنا. والثاني: نذيقهم العذاب إذاقة يقول القائل: لعلهم يرجعون بسببه. والثاني: نذيقهم العذاب إذاقة يقول القائل: لعلهم يرجعون بسببه. قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ (أي من ذكر بآيات الله) من النعم أولاً، والنِّقَم ثانياً ولم يؤمنوا، فلا أظلَمُ منهم أَحدٌ. قوله: ﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ﴾ هذه أبعد ما بين الرُّتْبَتَيْنِ معنىً، وشبهها الزمخشري بقوله: ٤٠٦٧ - وَمَا يَكْشِفُ الغَمَّاء إلَاّ ابْنُ حُرَّةٍ ... يَرَى غَمَرَاتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُهَا قال: استبعد (أن يزور) غمرات الموت بعد أن رآها وعرفها، واطلع على شدتها. قوله: ﴿إِنَّا مِنَ المجرمين﴾ (يعني المشركين) «مُنْتَقِمُونَ» .

стр. 9617

قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب﴾ لما قرر الأصول الثلاثة عاد إلى الأمثل الذي بدأ به وهو الرسالة المذكورة في قوله: ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ﴾ [السجدة: ٣] وقال: إنَّكَ لَسْتَ بدْعاً مِنَ الرُّسُلِ بل كان قبلك رسلٌ مثلُك، وذكر موسى لقربه (من) النبيِّ ﷺ َ - ووجود من كان على دينه إلزاماً لهم، وإنما لم يختر عيسى - عليه (الصلاة و) السلام (للذكر) والاستدلال لأن اليهود ما كانوا يوافقون على نبوّته، وأما النصارى فكانوا يعترفون بنُبُوَّة عيسى ﵇ فتمسك بالمجمع عليه. قوله: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مَرْيَةٍ﴾ قرأ الحسن بالضم وهي لُغَةٌ، وقوله: «مِنْ لِقَائِهِ» في الهاء أقوال: أحدها: أنها عائدة على «مُوسَى» والمصدر مضاف لمفعوله أي من لقائِكَ مُوسى ليلةَ الإسراء. وامْتَحَنَ المبردُ الزجاجَ في هذه المسألة فأجاب بما ذكر، قال ابن عباس وغيره: المعنى فلا تكن في شَكٍّ من لقاء موسى فإنك تراه وتلقاه، روى ابن عباس «عن النبي ﷺ َ - قال: رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسري بي مُوسىَ رَحُلاً آدَمَ طُوالاً جَعْداً كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى رَجُلاً مَرْبُوعاً إلى الحُمرةِ والبَيَاض سَبْطي الرأس، ورأيتَ مالِكاً خَازِنَ النَّارِ والدَّجَّال في آيات أَراهَنَي اللَّهُ إيَّاهُ» والثاني: أن المضير يعود على «الكتاب» وحينئذ يجوز أن تكون الإضافة للفاعل أي من لقاء الكتاب لموسى أو للمفعول أي من لقاء موسى الكتاب لأن اللقاءَ يصح نسبته إلى كل منهما، لأن من لقيك فقد لقيته.

стр. 9618

قال السدي المعنى فلا تكن في مِرْيَةٍ من لقائه أي تلقى موسى كتاب الله بالرضا والقبول. الثالث: أي يعود على الكتاب على حذف مضاف أي من لقاء مثل كتاب موسى. الرابع: أنه عائد على ملك الموت لتقدم ذكره. الخامس: عوده على الرجوع المفهوم من قوله: ﴿إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] أي لأنك في مرية من لقاء الرجوع. السادس: أنه يعود على ما يفهم من سياق الكلام مِمَّا ابتلي ب موسى من البلاء والامْتِحَان، قاله الحسن. أي لا بدّ ان يلقى ما لقي موسى من قومه فاختار موسى ﵇ لحكمة وهي أن أحداً من الأنبياء لم يؤذِهِ من قومه إلا الذين لم يؤمنوا، وأما الذين آمنوا به فلم يخالفوه غير قوم موسى ﵇ فإن من لا آمن به آذاه كفرعون (وغيره) ومن آمن به من بني إسرائيل أيضاً (آذاه) بالمخالفة وطلب أِياء مثل رؤية الله جهرة وكقولهم: ﴿فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلاا﴾ [المائدة: ٢٤] . وأظهر هذه الأقوال أن الضمير إما لموسى وإما للكتاب، ثم بين (أن له هداية غير عادية عن المنفعة كما أنه لم تحل هداية موسى حيث جعل الله كتاب موسى هدى) وجعل منهم أئمة يهدون كذلك يجعل كتابك هدى ويجعل من أمتك صاحبة يهدون كما قال النبي ﷺ َ -: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُم اهْتَدَيْتُمْ» ، ثم بين أن ذلك يحصل بالصبر فقال: ﴿ولَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ . فصل «لَمَّا صَبَرُوا» قرأ الأخوان بكسر اللام وتخفيف الميم، على أنها لام الجر و ( «ما» ) مصدرية، والجار متعلق بالجعل أي جعلناهم كذلك لصبرهم ولإيقانهم، والباقون بفتحها وتشديد الميم. وهي «لمَّا» التي تقتضي جواباً وتقدم فيها

стр. 9619

قولا سيبويه والفارسي، والمعنى حين صبروا على دينهم وعلى البلاء من عدوهم بمضّرَ. قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ هذا يصلح أن يكون جواباً لسؤال وهو أنه تعالى لما قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ﴾ فكان لقائل أن يقول: كيف يَهْدُونَ وهم اختلفوا وصاروا فِرَقاً والحق واحد؟ فقال (الله) يبين المبتدع من المتبع كما يبين المؤمن من الكافر يوم القيامة. قوله: ﴿أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ بتبين لهم ﴿أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ القرون يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ لما أعاد ذكر الرسالة أعاد ذكر التوحيد وقال: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ﴾ وقوله ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ أي مساكن المُهْلَكِينَ (لدلالة على حالتهم) وأنتم تمشون فيها وتبصرونها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ آيات الله وعِظَاته واعتبر السمع لأنهم ما كان لهم قوة الإدراك بأنفسهم والاستنباط بعقولهم فقال: «أفلا يسمعون» (يعني) ليس لكم درجة المتعلم الذي يسمع الشيء ويفهمه. قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ المآء إِلَى الأرض الجرز﴾ قرىء الجُرْز - بسكون الراء - وتقدم أول الكهف. وهي الأرض اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها، قال ابن عباس: هي أرض باليمن، وقال مجاهد: هي أرض بأنين. والجرز هو القطع فكأنها المقطوع عنها الماء والنبات. لما بين الإهلاك وهو الإماتة بين الإحياء ليكون إشارة إلى أن الضرر والنفع بيد الله ثم قال: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ﴾ من العشب والتبن «وأَنْفُسُهُمْ» من الحبوب والأقوات، وقدم الأنعام على الأنفس في الأكل لوجوه: الأول: أن الزرع أول ما ينبت للدوابِّ ولا يصلح للإنسان. الثاني: أن الزرع غذاء للدواب لا بدّ منه وأما غذاء الإنسان فقد يصلح للحيوان فكان الحيوان يأكل الزرع ثم الإنسان يأكل من الحيوان. قوله: «أَفَلَا يُبْصِرُونَ» قرأ العامة بالغيبة، (وابن مسعود) بالخطاب التفاتاً.

стр. 9620

وقال تبصرون لأن الأمر (يرى) بخلاف حال الماضي فإنها كانت مسموعة. ثم لما بين الرسالة والتوحيد بّن الحشر فقال: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الفتح إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ قيل: أراد بيوم الفتح يوم القيامة الذي فيه الحكم بين العابد قال قتادة: قال أصحاب النبي ﷺ َ - للكفار: إنّ لنا يوماً ننعم فيه ونستريح ويحكم الله بيننا وبينكم فقالوا استهزاء: ﴿متى هذا الفتح﴾ أي القضاء والحكم. وقال الكلبي: يعني فتح مكة، وقال السدي: يوم بدر لأن أصحاب النبي ﷺ َ - كانوا يقولون لهم إن الله ناصرنا ومظهرنا عليكم فيقولون متى هذا الفتح. فصل «يوم الفتح» منصوب «لَا يَنْفَعُ» و «لا» غير مانعة من ذلك. وقد تقدم فيها مذاهب والمعنى يوم الفتح يوم القيامة لا ينفع الذين كفروا إيمانُهُمْ. ومن حمل الفتح على فتح مكةوالقتل يوم بدر قال معناه لا ينفع الذين كفروا إيمانهم إذا جاءهم من العذاب وقُتِلُوا ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي لا يُمْهِلُونَ بالإعادة إلى الدنيا ليؤمنوا، ثم لما بين أن الدلالة لم تنفعهم قال: «فَأَعْرَضْ عَنْهُمْ» قال ابن عباس: نسختها آية القتال. قوله: ﴿وانتظر إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ﴾ العامة على كسر الظاء من «مُنْتَظِرٍ» اسم فاعل، والمفعولُ من «انْتَظَر» ومن «مُنَْظِرُونَ» محذوف أي انتظر ما يَحُلُّ بهم إنهم منتظرون (على زَعْمِهمْ ما يحل بك. وقرا اليَمَانِيُّ: «مُنْتَظَرُونَ» اسم مفعول. قيل: المعنى انتظر موعدي لك بالنصر إنهم منتظرون بك حوادث الزمان.

стр. 9621

وقيل: انتظر عذابنا فيهم إنهم منتظرون ذلك وعلى هذا فلا فرق بين الانتظار. وقيل: انتظر عذابهم بنفسك إنهم منتظرونه بلفظهم استهزاءاً كما قالوا: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ﴾ [الأعراف: ٧٠] . فصل روى أبو هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ َ - يقرأ في الفجر يوم الجمعة ﴿الم. تَنْزِيل﴾ و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ﴾ » وعن جابر قال: «كان النبي ﷺ َ - لا ينام حتى يقرأ تَبَارَكَ. والم. تنزيل، ويقول: هما يَفْضُلَان عَلَى كُلِّ سُورةٍ في القرآن سبعينَ سَنَةً، ومن قرأهما كُتِبَ له سَبْعُونَ حَسَنَةً، ومُحِيَ عنه سَبْعُونَ سَيِّئَةً، ورُفِعَ له سَبْعُونَ دَرَجَةً» وروى الثعلبي عن ابن عباس عن أُبَيٍّ بن كعب «أن النبي ﷺ َ - قال: مَنْ قَرَأَ سورة ﴿الم. تَنْزِيلُ﴾ أَعْطِيَ من الأجْرِ كَمَنْ أَحْيَا لَيْلَةَ القَدْرِ» والله أعلم.

стр. 9622

سورة الأحزاب

стр. 9623

مكية نزلت بعد آل عمران، وهي ثلاث وسبعون آية ومائتان وثمانون كلمة وخمسة آلاف وسبعمائة حرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النبي اتق الله﴾ اعلم أن الفرق ين نداء المنادى بقوله: «يَا رَجُلُ» ويايُّهَا الرَّجُل، أن قوله: «يَا رَجُل» يدل على النداء، وقوله: «يا أيها الرجل» يدل على ذلك ويُنْبِىءُ عن خطر المادى له أو غفلة المنادى فقوله: «يأيها» لا يجوز حمله على غفلة النبي ﷺ َ - لأن قوله: «النبي» ينافي الغفلة؛ لأن النبي ﷺ َ - خبيرٌ، فلا يكون غافلاً، فيجب حمله على خَطَر الخَطْب. فإن قيل: الأمر بالشيء لا يكون إلا عند عدم اشتغال المأمور بالمأمورية إذْ لا يصلح أن (يكون) يقال للجالس: اجلس وللساكت اسْكُتْ والنبي - عَلَيْهِ

стр. 9624

الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان متقياً فما الوجه في قوله «اتق الله» ؟ . فالجواب: أنه أمر (بالمدينة) بالمداومة فإنه يصح أن يقال للجالس: اجلس ههنا إلى أن يأتيك ويقال للساكت قد أصبت فاسكت تسلم أي دُمْ على ما أنت عليه، وأيضاً من جهة العقل أن الملك يتقي منه عباده على ثلاثة أوجه بعضهم يخاف من عقابه وبعضهم يخاف من قطع ثوابه وثالث يخاف من احتجابه فالنبي - عليه (الصلاة و) السلام لم يؤمر بالتقوى بالأول ولا بالثاني، وأما الثالث: فالمخلص لا يأمنه ما دام في الدنيا فكيف والأمور البدنية شاغلة فالآدَميُّ في الدنيا تارة مع الله والأخرى مقبل على ما لا بد منه وإن كان معه الله وإلى هذا أشار بقوله: ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] يعني برفع الحجاب عني وقت الوحي ثم أعود إليكم كأني منكم فأُمِرَ بتقوى توجب استدامة الحضور، وقال المفسرون: نزلت في أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور عمرو بن أبي (رأس المنافقين) بعد قتال أحد وقد أعطاهم النبي ﷺ َ - قولهم الأمان على أن يكلموه فقام (معهم) عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، وطُعْمَةُ بن أُبَيْرِق فقالوا للنبي ﷺ َ - وعنده عمر بن الخطاب ﵁ ارفض ذكر آلهتنا اللاتَ والعُزَّى ومَنَاةَ وقل إن لها شفاعةً لمن عبدها وندعك وربَّك فشق على النبي ﷺ َ - قولهم فقال عمر: يا رسول اللَّهِ ائذنْ لي في قتلهم. فقال: إني قد أعطيتهم الأمان. فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه وأمر النبي ﷺ َ - عمر أن يُخْرِجَهُمْ من المدينة فأنزل الله: ﴿ياا أَيُّهَا النبي اتق الله﴾ أي دُم على التقوى كما يقول ارجل لغيره وهو قائم: «قُمْ قائماً» أي اثبتْ قائماً، وقيل: الخطاب مع النبي ﷺ َ - والمراد الأمة، وقال الضحاك معناه: اتق الله ولا تَنْقُضِ العهد الذي بينك وبينهم. قوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الكافرين﴾ أي من أهل مكة يعني أبا سفيان، وعكرمة وأبا الأعور، والمنافقين من أهل المدينة عبد الله بن أبي، وطعمة ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً (حَكِيماً﴾ بخلقه قبل أن يخلقهم حكيماً فيما دبره لهم فإن قيل: لم خص الكافر والمنافق بالذكر مع أن النبي ﷺ َ - ينبغي أن لا يطع أحداً غير الله؟ فالجواب من وجهين:

стр. 9625

الأول: أن ذكر الغير لا حاجة إليه لأن غيرهما لا يطلب من النبي ﷺ َ - الأتِّباع ولا يتوقع أن يصير النبي ﷺ َ - مطيعاً له بل يقصد اتباعه ولا يكون عنده إلا مطاعاً. الثاني: أنه (تعالى) لما قال: ﴿﴾ منعه (من) طاعة الكل لأن كل من طلب من النبي ﷺ َ - طاعته فهو كافر أو منافق لأن من يأمر النبي ﷺ َ - يأمر إيجاب معتقداً أنه لو لم يفعله يعاقبه بحق يكون كافراً. قوله: ﴿واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ وهذا يقدر ما ذكره أولاً من أنه عليم حكيم فاتباعه واجب. قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ وبعده ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ قرأهما أبو عمرو بياء الغيبة، والباقون بتاء الخطاب أما الغيبة (في الأولى) فلقوله «الكافرين والمنافقين» وأما الخطاب فلقوله: «يأيها النبي» لأن المراد هو وأمته وخوطب بالجمع تعظيماً (له) كقوله: ٤٠٦٨ - فَإِنْ شئْتَ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... وجوز أبو حيان أن يكون التفاتاً يعني (عن) الغائبين (و) الكافرين والمنافقين (وهو بعيد) وأما (الغيبة) في الثاني فلقوله ﴿إذ جاءتكم جنود﴾ وأما الخطاب فلقوله ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ . قوله: ﴿وتوكل على الله﴾ أي ثق بالله يعني إن توهمت من أحد فتوكل على الله فإنه كافيك ﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾ حافظاً لك، وقيل: كفيلاً برزْقكَ. قوله ﴿مَّا

стр. 9626

جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ «نزلت في أبي يَعْمُرَ (و) جميل بن مَعْمَرٍ الفِهْرِي وكان رجلاً لبيباً حافظاً لما يسمعه فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان وكان يقول: لي قلبان أعقِلُ بكُلِّ واحد منهما أَفْضَلُ من عقل محمد فلما هزم الله المشركين يوم بدر انهزم أبو مَعْمَرُ فَلَقِيَهُ أبو سفيان وإحدى نعليه بيده والأخرى في رجله فقال له: يا أبا معمر ما حال الناس؟ قال: انهزموا قال فما لك إحدى نعليك (في يدك) والأخرى في رجلك. قال أبو معمر: ما شعرت إلا أنهما في رجلي فعلموا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نَعْلَهُ في يده. وقال الزُّهْرِيُّ ومقتل: هذا مَثَلٌ ضربه الله للمظاهر من امرأته والمتبنيّ ولد غيره يقول: فكما لا يكون لرجل قلبان فذلك لا يكون امرأة المظاهر أمه حتى يكون لها ابناً ولا يكون ولداً واحداً من رَجُلَيْنِ. (قال الزَّمخشري) : قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أي ما جعل الله لرجل قلبين كما لم يجعل لرجلين أمين ولا لابن أَبَوَيْنِ، (وقوله: ﴿وما جعل أزواجكم اللائي «) قرأ الكوفيونَ وابن عامر اللائي ههنا وفي سورة الطلاق بياء ساكنة بعد همزة مكسورة وهذا هو الأصل في هذا اللفظ لأنه جميع» التي «معنى وأبو عمرو والبَزِّيُّ اللائي بيان ساكنة وصلاً بعد ألف محضة في أحد وجيهيها، ولهما وجه آخر سيأتي، ووجه هذه القراءة أنهما حذفا الياء بعد الهمزة تخفيفاً ثم ابدلاً الهمزة ياء وسكناها ليصيرورتها ياء مكسوراً ما قبلها (إلَاّ أنَّ هذا ليس بقياس وإِنما القياس جعل الهمزة بين بين) .

стр. 9627

(قال أبو علي: لا يُقْدَمُ على مثل هذا البدل إلا أن يُسْمَعَ) . قال شهاب الدين: قال أبو عمرو بن العلاء إنها لغة قُريش التي أمر الناس أن يقرءوا بها. وقال بعضهم: لم يبدلوا وإنما كتبوا فعبر عنهم القرآن بالإبدال. وليس بشيء. وقال أبو علي:» أو غير بإظهار أبي عمرو اللَاّئي يَئِسْنَ يدل على أنه يشهد ولم يبدل «وهذا غير لازم لأن البدل عارض فلذلك لم يدغم وقرأها ورش بهمزةٍ مُسَهَلَةٍ بَيْنَ بَيْنَ، وهذا الذي زعم بعضهم أنه لم يصح عنهم غيره وهو تخفيف قياس، وإذا وقفاو سكنوا الهمزة ومتى سكنوها استحال تسهيلها بين بين لزوال حركتها فتقلب ياءً لوقوعها ساكنةٌ بعد كسرة وليس (هذا) من مذهبهم تخفيفها فتقر همزة، وقرأ قُنْبُل وورش بهمزة مكسورة دون ياء حذف الياء واجتزأ عنها بالكسرة وها الخلاف بعينه جارٍ في المجادلة أيضاً والطلاق. قوله:» تَظَاهَرُونَ «قرأ عاصمٌ تُظَاهِرُونَ بضم التاء وكسر الهاء بعد ألف، مضارع» ظَاهَرَ «وابن عامر» تَظَّاهَرون «بفتح التاء والهاء وتشديد الظاء مضارع» تَظَاهَرَ «والأصل» تَتَظَاهَرُونَ «بتاءين فأدغم. والأخوان كذلك إلا أنهما خففا الظاء والأصل أيضاً بتاءين (إلا أنهما) حذفا إحداهما، وهما طريقان في تخفيف هذا النحو إما الإدغام وإما الحذف وقد تقدم تحقيقه في نحو تَذّكر وتَذَّكَّرون مخففاً ومثقلاً وتقدم نحوه في البقرة أيضاً. والباقون» تَظَّهرُونَ «بفتح التاء والحاء (وتشديد الظاء) والهاء دون ألف، والأصل» تَتَظَهَّرُونَ «بتاءين فأدغم نحو» تذكرون «وقرأ الجميع في المجادلة كقراءتهم

стр. 9628

في قوله: ﴿والذين يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢، ٣] إلا الأخوين، فإنهما خالفا أصلهما هنا فقرءا في المجادلة بتشديد الظاء كقراءة ابن عامر. والظهار مشتق من الظَّهْر، وأصله أن يقول الرجل لامرأته: «أنْتَ عَلَيَّ كظَهْرِ أُمِّي» وإنما لم يقرأ الأخوان بالتخفيف في المجادلة لعدم المسوِّغ له وهو الحذف؛ لأن الحذف إنما كَان لاجتماع مثلين وهما التاءان وفي المجادلة ياء من تحت وتاء مِن فوق فلم يجتمع مثلان فلا حذف فاضطر إلا الإدغام، وهذا ما قرىء به متواتراً، وقرأ ابن وثاب «تَظهَّرُونَ» بفتح التاء والظاهء مخففة وتشديد الهاء والأصل: تَتَظَهَّرُونَ مضارع «تَظَهَّر» مشدداً، فحذف إحدى التاءين، وقرأ الحسن «تُظَهِّرُونُ» بضم التاء وفتح الظاء مخففة وتشديد الهاء مكسورة مضارع «ظَهَّرَ» مشدداً وعن أبي عمرو «تَظْهَرُونَ» بفتح التاء والهاء وسكون الظاء مضارع «ظَهَرَ» مخففاً وقرأ أُبَيٌّ - وهي في مصحفه كذلك - تَتَظَهَّرُونَ - بتاءين فهذه تسع قراءات، أربعٌ متواترة، وخمسٌ شاذة، وأخذ هذه الأفعال من لفظ «الظَّهْرِ» كأخذ «لَبَّى» من التَّلْبِيَةِ، و «أفف» من أُفّ. وإنما عدي «بمن» لأنه ضمن معنى التباعد كأنه قيل: يَتَبَاعَدُونَ من نسائهم بسبب الظهار كما تقدم في البقرة في تعدية الإيلاء (بِمِنْ) . فصل الظهار أن يقول الرجل لامرأته: أَنْتِ عَلَيَّ كظهرِ أمي، فقال الله تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ نِسَاءَكُمْ اللاتي تقولون لهم هذا في التحريم كأمهاتكم ولكنه منكر وزور. وفيه كفارة يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في سورة المُجَادَلَة. قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ﴾ (يعني) ما جعل من تبنّيتموهم أبناءكم، (نسخ) التبني، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يتبنى الرجل فيجعله كالابن يدعوه الناس إليه ويرث ميراثه، «وكان النبي ﷺ َ - أعتق زيد بن حارثة بن شراحبيل

стр. 9629

الكلبي وتبناه قبل الوحي وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب» فلما تزوج رسول الله ﷺ َ - زينتب بنت جحش وكانت تحت زيدِ بن حارثة قال المنافقون تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك فأنزل الله هذه الآية، ونسخ التبني. واعلم أن الظهار كان في الجاهلية طلاقاً حتى كان للزوج ان يتزوج بها من جديدٍ. قوله: «ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ» مبتدأ وخبر أيْ دعاؤكم الأدعياء أبناء مجدر قول لسان من غير حقيقة، والأَدْعِيَاءُ جمع دَعِيٍّ بمعنى مَدْعُوٍّ فعيل بمعنى مفعول وأصله دَعِيوٌ فأدغم ولكن جمعه على أَدْعِيَاء غير مقيس؛ لأن «أفعلاء» إنما يكون جمعاً لفَعِيل المعتل اللام إذا كان بمعنى فاعل نحو: تَقِيّ وأَتْقِيَاء، وغَنِيّ وأَغنياء، وهذا وإن كان فعيلاً معتل اللام إلا أنه بمعنى مفعول فكان قياس جمعه على فَعْلَى كقَتِيل وقَتْلَى، وجَرِيح، وَجَرْحَى، ونظير هذه (الآية في) الشذوذ، قولهم: أَسِيرٌ وأُسَرَاء، والقياس: أَسْرَى، وقد سمع فيه الأصل. واعلم أن الله تعالى قال ههنا ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهَكُمْ﴾ وقال في قوله: ﴿وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٠] يعني نسبة الشخص إلى غير الأب قول لا حقيقة له ولا يخرج من قلب ولا يدخل أيضاً في قلب، فهو قول بالفم مثل أصوات البهائم. قوله: ﴿والله يَقُولُ الحق﴾ أي قوله الحق ﴿وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾ أي يرشد إلى سبيل الحق وهذا إشارة إلى أنه ينبغي للعاقل أن يكون قوله إما من عقل أو شرع فإذا قال: فلانٌ بنُ فلان ينبغي أن يكون عن حقيقة أو شرع بأن يكون ابنه شرعاً وإن لم تعلم الحقيقة كمن تزوج بامرأةٍ فولدت لِستةِ أشْهُرٍ ولداً وكانت الزوجة من قبل زوجة شخص آخر يحتمل أن يكون الولد منه فإنا نلحقه بالزوج الثاني لقيام الفراش ونقول: إنه ابنه شرعاً، وفي الدَّعِيِّ لم توجد الحقيقة ولا ورد الشرع به لأنه لا يقول إلا الحق وهذا خلاف الحق، لأن أباه مشهور ظاهر وأشار فيه من وجه آخر إلى أن قولهم هذه زوجة الابن فتحرم فقال الله هي لك حلال فقولهم لا اعتبار له لأنه بأفواههم كأصوات البهائم وقوله الحقّ فيجب اتباعه وهو يهدي السبيل فيجب اتباعه لكونه حقاً ولكونه هادياً.

стр. 9630

قوله: ﴿ادعوهم لآبَآئِهِمْ﴾ (أي الذين ولدوهم ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله﴾ أي أعدل قال عبد الله بن عِمران زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ َ - ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن ادْعُوْهُمْ لآبائهم هو أقسط عند) الله. واعلم أن قوله: هو أقسط أي دعاؤهم لآبائهم فهو مصدر قَاصِرٌ لدلالة فعله عليه كقوله: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ [المائدة: ٨] قال ابن الخطيب وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون ترك الإضافة للعموم أي اعدلوا كل كلام كقولك الله أكبر. الثاني: أن يكون ما تقدم مَنْوِيّاً كأنه (قال) : ذلك أقسط من قولكم هو ابن فلان ثم تمم الإرشاد فقال: ﴿فَإِن لَّمْ تعلموا آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدين﴾ أي قولوا لهم إخواننا فإن كانوا مُجَرَّدِينَ فقولوا موالي فلان ثم قال: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أي قبل النهي فنسبتموه إلى غيره. قوله: ﴿ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ يجوز في «ما» وجهان: أحدهما: أن تكون مجرورة المحل عطف على ( «ما» ) المجرورة قبلها بفي، والتقدير: ولكن الجناح فيما تعمدته. الثاني: أنها مرفوعة المحل بالابتدءا والخبر محذوف، تقديره تؤاخذون به أو عليكم في الجُنَاح ونحوه. قوله: ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ المغفرة هي أن يستر القادر قَبِيحَ مَنْ تَحْتِ قدرته حتى أنَّ العبد إذا ستر عيب سيده مخافةَ عقابه لا يقال غفر له والرحمة هي أن يميل بالإحسان إلى المرحوم لعجز المرحوم لا لعوض فإن من مال إلى إنسان قادر كالسلطان لا يقال رحمه وكذلك من أحسن إلى غيره رجاءً في خيره أو عوضاً عما صدر منه آنفاً من الإحسان لا يقال: رحمه إذا علم هذه فالمغفرة إذا ذكرت قبل الرحمة يكون معناها أنه ستر عيبه ثم رآه مفلِساً عاجزاً فرحمه وأعطاه، وإذا ذكرت المغفرة بعد الرحمة وهو قليل يكون معناها أنه مال إليه لعجزه فترك عقابه (ولم) يقتصر عليه بل ستر ذنوبه.
следующие страницы →