← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 9661–9700 · переход к 9666.

стр. 9661

٤٠٨٢ - إنَّ الأُسُودَ لَتُهْدَى في مَرَابِضِهَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . فلما أسنده للواء التقى ساكنان محذوف أولهما نحو «لم تَرَوْهَا» وهذا أحسن من أن تقول ثم أجرى الألف المبدلة من الهمزة مجرى الألف المتأصلة فحذفها جزماً لأن الأحسن هناك أن لا يحذف اعتداداً بأصلها، واستشهد بعضهم على الحذف بقول زهير: ٤٠٨٣ - جَرِيء مَتَى يُظْلَمُ يُعَاقَبْ بظُلْمِهِ ... سَرِيعاً وإِلا يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِم قوله: ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ هذا يؤكد قول من قال: إن المراد من قوله ﴿وأرضاً لم تطؤوها﴾ ما يؤخذ بعد من بني قريظة لأن الله تعالى لما ملكهم تلك البلاء ووعدهم بغيرها دفع استبعاد من لا يكون قوي الاتكال على الله تعالى وقال أليس الله ملككم هذه فهو على كل شيء قدير يملككم غيرها، روى أبو هريرة - «أن رسول الله ﷺ َ - كان يقول:» لا إله إلا الله وحده، أعزَّ جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحدَه، فلا شيء بعده. «

стр. 9662

قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحياة الدنيا﴾ الآية وجه التعلق (هو) أن مكارم الأخلاق منحصرة في شيئين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وإلى هذا أشار عليه (الصلاة و) السلام بقوله: «الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ» ، فاللَّه (تعالى لما) أرشد نبيه إلى ما يتعلق بجانب التعظيم لله بقوله: ﴿يأيها النبي اتق الله﴾ [الأحزاب: ١] ذكره ما يتعلق بجانب الشفقة وبدأ بالزوجات فإنهن أولى الناس بالشفقة ولهذا قَدَّمَهُنَّ في النفقة. فصل قال المفسرون: سبب نزلو هذه الآية نساء النبي ﷺ َ - (سَأَلْنَهُ) عن عرض الدنيا (شيئاً) وطلبن منه زيادة في النفقة وآذينه بغيرة بعضهن على بعض فهجرهن رسول الله ﷺ َ - وآلى أن لا يقربهن شهراً ولا يخرج إلى أصحابه فقالوا ما شأنه وكانوا يقولون طلق رسول الله ﷺ َ - نساءه فقال عمر: لأعلَمنَّ لكم شأنه قال: فدخلت على رسوله الله ﷺ َ - فقلت يا رسول الله: أطلقتهن قال: لا، فقلت: يا رسول الله إني

стр. 9663

دخلت المسجد والمسلمون يقولون طلق رسول الله ﷺ َ - نساءه أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن قال: نعم إنْ شِئْتَ فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي لم يطلق رسول الله ﷺ َ - نساءه ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر وأنزل الله آية التخيير وكانت تحت رسول الله ﷺ َ - يومئذ تسعُ نسوة خمسٌ من قريش عائشةُ بنت أبي بكرن وحفصةُ بنت عمر، وأمُّ حبيبةَ بنتُ أبي سفيانَ وأمّ سلمةَ بنت أمية، وسودةُ بنت زَمْعة وغير القرشيات زينب بنتُ جحش الأسدية، وميمونةُ بنت الحارث الهلالية وصفية بنت حُيَيّ بن أخطب الخَيْبريَّة وجُوَيْرِيةُ بنت الحارث المُصْطَلِقيَّة، فلما نزلت آية التخيير بدأ رسول الله ﷺ َ - بعائشة وكانت أحبهن إليه فخيرها فقرأ عليها (القرآن) فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة. ورُؤي الفرح في وجه رسول الله ﷺ َ - وتابعنها على ذلك، قال قتادة فلما اخْتَرْن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك وقصره عليهن فقال: ﴿لَا تَحِلُّ لَكَ النِّسَاْءُ مِنْ بَعْدُ﴾ . وعن جابر بن عبد الله قال: «دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ َ - فوجد الناس جلوساً ببابه لم يؤذن لواحد منهم قال: فأذن لأبي بكر فدخل ثم اقبل عمر فاستأذن فأذن له فوجد النبي ﷺ َ - جالساً حوله نساؤه واجماً ساكناً قال: فقال: لأقولَنَّ شيئاً أُضْحِكُ النبي ﷺ َ - فقال: يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فَوَجأْتُ عنقها فضحك النبي ﷺ َ - وقال: هن حولي كما ترى يسألنني النفقة فقام أبو بكر إلى عائشة يَجَأُ عُنُقَها وقام عمر إلى حفصة يَجَأُ عنقها كلاهما يقول: تسألن رسول الله ﷺ َ - شيئاً أبداً ليس عنده ثم اعتزلهن شهراً أو تسعاً وعشرين يوماً ثم نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ﴾ حتى بلغ ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ قال: فبدأ بعائشة فقال: يا عائشة إني أعرض عليك أمراً لا أحب أن تعجلي حتى تستشيري أبويك، قالت: وما هو يا رسول الله فتلا عليها الآية فقالت: أفيك يا رسول الله أستشير أَبَويَّ بل اختار الله ورسوله والدار الآخرة وسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت، قال: لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها أنّ الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ولكن بعثني معلماً مبشراً» ، ورى الزهري «

стр. 9664

أن النبي ﷺ َ - أقسم أن لا يدخل على أزواجه شهراً» قال الزهري: فأخبرني عروة «عن عائشة قالت: فلما مضت تسعٌ وعشرونَ أعُدُّهن دخل عليّ رسول الله ﷺ َ - فقلت: بدأ بي فقلت: يا رسول الله إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهراً وإنك دخلت من تسع وعشرين أعدهن فقال: إن الشهر تسع وعشرون» فصل اختلف العلماء في هذا الخيار هل كان ذلك تفويض الطلاق إليهن حتى يقع بنفس الاختيار أم لا؟ فذهب الحَسَنُ وَقَتَادة وأكثر أهل العلم إلى أنه لم يكن تفويض للطلاق، وإنما خيرهن على أنهن إذا اخترن الدنيا فارقهن لقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ ويدل عليه أنه لم يكن جوابهن على الفور فإنه قال لعائشة: «لا تعجلي حتى تَسْتَشَيري أبوَيْك» وفي تفويض الطلاق يكون الجواب على الفور. وذهب آخرون إلى أنه كان تفويضَ طلاق ولو اخترن أنفسهن كان طلاقاً، واختلف العلماء في حكم التخيير فقال عمر وابن مسعود وابن عباس إذا خير رجلٌ امرأته فاختارت زوجها لا يقع شيء، ولو اختارت نفسها وقع طلقة واحدة وهو قول عمر بن عبد العزيز وابنُ أبي ليلى وسفيان والشافعي وأصحاب الرأي إلا ان عند أصحاب الرأي تقع طلقةٌ بائنةً إذا اختارت نفسها، وعند الآخرين رجعيةٌ، وقال زيد بن ثابت: إذا اختارت الزوج يقع طلقة واحدةً وإذا اختارت نفسها فثلاثٌ وهو قول الحسن، وروايةً عن مالك. وروي عن علي أيضاً أنها إذا اختارت زوجها يقع طلقة واحدة وإذا اختارت نفسها فطلقة ثانية، وأكثر العلماء على أنها إذا اختارت زوجها لا يقع شيء لما روت

стр. 9665

عائشة قالت: «خيرنا رسول الله ﷺ َ - فاخترنا الله ورسوله فلم يعد ذلك شيئاً» قوله: «أُمَتَّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ» العامة على جزمهما، وفيه وجهان: أحدهما: أنه مجزوم على جواب الشرط، وما بين الشرط وجوابه معترض، ولا يضر دخول الفاء على جملة الاعتراض ومثله في دخول الفاء قوله: ٤٠٨٤ - وَاعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعهُ ... أَنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ مَا قُدِرَا يريد: واعلم أن سوف يأتي. والثاني: أن الجواب قوله «فتعالين» و «أمتعكن» جواب لهذا الأمر، وقرأ زيد بن علي «أُمْتِعْكُنَّ» ، بتخفيف التاء من «أمته» وقرأ حُمَيْد الحَزَّاز «أُمَتِّعُكُنَّ وَأُسَرِّحُكُنَّ» بالرفع فيهما على الاستئناف و «سَرَاحاً» قائم مقام التَّسريح. فصل قال ابن الخطيب: وههنا مسائل منها هل كان هذا التخيير واجباً على النبي ﷺ َ) أم لا والجواب أن التخيير كان قولاً واجباً من غير شك لأنه إبلاغ للرسالة لأن الله تعالى لما قال (له) : «قل لهم» صار من الرسالة، وأما التخيير معنى فمبني على أن الأمر للوجوب أم لا، والظاهر أنه للوجوب ومنه أن واحدة منهم لو اختارت الفراق هل كان يصير اختيارها فراقاً. والظاهر أنه لا يصير فراقاً وإنما تبيين المختارة نفسها فإنه من جهة النبي ﵇ لقوله: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ ومنها أن واحدة منهن لو اختارت نفسها وقلنا إنها لا تبين إلا بإبانة النبي ﷺ َ - فهل كان يجب على النبي عليه (الصلاة و) السلام الطلاق أم لا؟ الظاهر نظراً إلى منصبه عليه (الصلاة و) السلام أنه كان طلاقاً لأن الخُلْفَ في الوعد من النبي غير جائز بخلاص أحدنا فإنه لا يلزمه شرعاً الوفاء بما يعد، ومنها أن المطلقة بعد البينونة هل كانت تحرم

стр. 9666

على غيره أم لا؟ والظاهر أنها لا تحرم وإلا لم يكن التخيير ممكناً لها من التمتع بزينة الدنية ومنها أن من اختارت الله ورسوله هل كان يحرم على النبي عليه (الصلاة و) السلام طلاقها أم لا؟ الظاهر الحرمة نظراً إلى منصب الرسول ﵇ على معنى أن النبي ﷺ َ - يمتنع منه أصلاً لا بمعنى أنه لو أتى به لعُوقِب أو لعُوتِبَ. قوله: ﴿أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ﴾ أي من عمل صالحاً منكن كقوله تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [لقمان: ٢٢] والأجر العظيم: الكثير الزائد في الطول وفي العرض وفي العمق حتى لو كان زائداً في الطول يقال له طويل ولو كان زائداً في العرض يقال له: عريض وكذلك العميق فإذا وجدت (منه) الأمور الثلاثة قيل عظيم، فيقال: جبل عظيم إذا كان عالياً ممتداً في الجهات، وإن كان مرتفعاً حيث يقال: جبل عال. إذا عُرف هذا فأجر الدنيا في ذاته قليل وفي صفاته غير خال عن وجهة قبح لما في مأكوله ومشروبه من الضرر وغيره، وأيضاً فهو غير دائم، وأجر الآخرة كثير خالٍ عن جهات القبح دائم فهو عظيم. قوله تعالى: ﴿يانسآء النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ ... ﴾ الآية العامة على «يأت» بالياء من تحت حملاً على لفظ «مَنْ» لأن «مَنْ» أداة تقوم مقام الاسم يعبر به عن الواحد والجمع (و) المذكر والمؤنث، وزيدُ بن علي، والجَحْدَريُّ، ويعقوب بالتاء من فوق حملاً على معناها لأنه يرشح بقوله: «منْكُنَّ» حال من فاعل «يأْتِ» وتقدم القراءة في «مبينة» بالنسبة لكسر الياء وفتحها، في النساء. قوله: «يضاعف» قرأ عمرو «يَضَعَّف» - بالياء من تحت وتشديد العين مفتوحة على البناء للمفعول - العذابُ بالرفع لقيامة مقام الفاعل، وقرأ ابن كثير وابن عامر «يُضَعِّف» - بنون العظمة وتشديد العين مكسورة على البناء للفاعل - العَذَابَ بالنصب على المفعول به وقرأ الباقون «يُضَاعَف» من المفاعلة مبنياً للمفعول العذابُ بالرفع لقيامه مقام الفاعل (وقد) تقدم توجيه التضعيف والمضاعفة في سورة البقرة.

стр. 9667

فصل قال ابن عباس المراد هنا بالفاحشة النشوز وسوء الخلق، وقيل: هو كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] . واعلم أن النبي ﷺ َ - لما خير نساءه واخترن الله ورسوله أدبهن الله وهددهن بالتوقي عما يسوء النبي ويقبح بهن من الفاشحة التي هي أصعب على الزوج من كل ما يأتي به زوجته وأوعدهن بتضعيف العذاب وفيه حكمتان. إحدهما: أن زوجة الغير تعذب على الزنا بسبب ما في الزنا من المفاسد وزوجة النبي تعذب إن أتت به لذلك ليذاء قلبه والإزراء بمَنْصِبِه وعلى هذا بنات النبي ﵇ كذلك ولأن امرأة لو كانت تحت النبي ﵇ وأتت بفاحشة تكون قد اختارت غير النبي على النبي ويكون ذلك الغير خيراً عندها من النبي وأولى والنبي أولى من النفس التي هي أولى من الغير فقد نزلت منصب النبي مرتبتين فتعذب من العذاب ضعفين. وثانيهما: أن هذا إشارة إلى شرفهن، لأن الحرة عذبها ضعف عذاب الأمة إظهاراً لشرفها ونسبة النبي إلى غيره من الرجال نسبة السادات إلى العبيد لكونه أولى بهم من أنفسهم فكذلك زوجاته اللائي هن أمهات المؤمنين، وأم الشخص امرأة حاكمة عليه واجبة الطاعة وزوجته مأمورة محكومة له وتحت طاعته فصارت زوجة الغير بالنسبة إلى زوجة النبي ﵇ كالأَمَةِ بالسنبة إلى الحرة، واعلم أن قول القائل من يفعل ذلك في قوة قوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ من حيث إن ذلك ممكن الوقوع في أول النظر ولا يقع في بعض الصور جزماً وفي بعض (يقعُ) جزماً، وفي البعض يتردد السامع في الأمرين، فقوله تعالى: ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾ من القبيل الأولى فإن الأنبياء صار الله زوجاتهم عن الفاحشة ثم قال: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيراً﴾ أي ليس كونكن تحت النبي ﵇ وكونكنّ شريفات جليلات مما يدفع العذاب عنكن فليس أمر الله كأمر الخلق حيث يتعذر عليهم تعذيب الأعزة بسبب كثرة أوليائهم وأعوانهم وشفعائهم وإخوانهم.

стр. 9668

قوله: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ﴾ أي يطع الله ورسوله وهذا بيان لزيادة ثوابهن كما بين زيادة عقابهن ﴿نُؤْتِهَآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ في مقابلة قوله: ﴿يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ وفيه لطيفة وهي أن عند إيتاء الأجر ذكر الموفي وهو الله وعند العذاب لم يصرح بالعذاب فقال: «يضاعف» وهذا إشارة إلى كمال الرحمة والكرم. قوله: ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَآ﴾ قرأ الأخوان «ويَعْمَلْ ويُؤْتِ» - بالياء من تحت فيهما، والباقون «وتعمل» بالتاء من فوق و «نُؤْتها» بالنون، فأما الياء في «ويعمل» فلأجل الحمل على لفظ «من» وهو الأصل والتاء من فوق على معناها إذا المراد بها مؤنث ويرشح هذا قتدم لفظ المؤنث وهو «منكنّ» ومثله قوله: ٤٠٨٥ - وإِنَّ مِنَ النِّسْوَانِ مَنْ هِيَ رَوْضَةٌ..... ... ... ... ... ... ... ... . لما تقدم قوله «من النِّسْوان» يرجع المعنى فحمل عليه، وأما «يؤتها» بالياء من تحت فالضمير لله تعالى لقتدمه في «لله ورسوله» وبالنون فهي نون العظمة، وفيه انتقال من الغيبة إلى التكلم، وقرأ الجَحْدَريُّ ويعقوبُ وابن عامر - في رواية - وأبو جعفر وشيبة: «تَقْنُتْ» بالتاء من فوق حملاً على المعنى وكذلك «وَتَعْمَلْ» . وقال ابو البقاء: إن بعضهم قرأ «وَمَنْ تَقْنُتُ» بالتأنيث حملاً على المعنى وَيَعْمَلْ بالتذكير حملاً على اللفظ قال: فقال بعض النحويين: هذا ضعيف لأن التذكير أصل فلا يجعل تبعاً للتأنيث وما عللوه به قد جاء مثله في القرآن قال تعالى: ﴿خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] .

стр. 9669

فصل معنى أجْرَهَا مَرَّتَيْن أي مثل أجر غيرها، قال مقاتل: مكان كل حسنةٍ عشرون حسنةً ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾ يعني الجنة، ووصف رزق الآخرة بكونه كريماً مع أن الكرم لا يكون وصفاً إلا للرزاق، وذلك إشارة إلى أن الرزق في الدنيا مقدر على أيدي الناس، التاجر يسترزق من السوقة، والعاملين والصناع من المتعلمين والملوك من الرعية منهم، فالرزق في الدنيا لا يأتي بنفسه وإنما هو مستمر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار، وأما في الآخرة فلا يكون له ممسك ومرسل في الظاهر فهو الذي يأتي بنفسه فلأجل هذا لا يوصف في الدنيا بالكريم إلا الرازق وفي الآخر يوصف بالكريم نفس الرزق. قوله : ﴿يانسآء النبي لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النسآء﴾ قال الزمخشري: «أحد» في الأصل يعني وَحَد وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث، والواحد وما وراءه والمعنى لستن كجماعة واحدة من جماعة النساء (أي) إذا تَقَصَّيْتُ جماعات النساء واحدةً واحداةً لم يوجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة. ومنه قوله ﴿والذين آمَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] يريد بين جماعة واحدة منهم تسوية بين جميعهم في أنهم على الحق البين. قال أبو حيان أما قوله: «أحَد» في الأصل بمعنى «وحد» وهو الواحد فصحيح، وأما قوله: وضع إلى قوله وما وراءه. فليس بصحيح، لأن الذي يستعمل في النفي العام مدلوله غير مدلول واحد لأن «واحد» ينطلق على شيء اتصف بالوحدة «وأَحَداً» المستعمل في النفي العام مختص بمن يعقل، وذكر النحويون أن مادَّته همزةٌ وحاءٌ ودالٌ ومادة «أحد» بمعنى واحد واو وحاء ودال فقد اختلفا مادة ومدلولاً، وأما قوله: «لَسْتُنَّ كجماعة واحدة» فقد قلنا إن معناه ليست كل واحدة منكن فهو حكم على كل واحدة لا على المجموع من حيث هو مجموع، وأما ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ فيحتمل أن يكون الذي يستعلم في النفي العام ولذلك جاء في سياق النفي فعم وصلحت

стр. 9670

التثنية للعموم، ويحتمل أن يكون «أحدٌ» بمعنى «واحد» وحذفَ معطوفٌ، أي بين أحدٍ وأحدٍ (كما قال:) ٤٠٨٦ - فَمَا كَانَ بَيْنَ الخَيْر لَوْ جَاءَ سَالِماً ... أبُو حَجَرٍ إِلا لَيَالٍ قَلَائِلُ أي بين الخير وبيني انتهى، قال شهاب الدين «أما قوله فإنهما مختلفان مدلولاً ومادة فمسَلَّم، ولكن الزمخشري لم يجعل أحداً الذي أصله واحد - بمعنى أحد المختص بالنفي، ولا يمنع أن» أحداً «الذي أصله» واحد «أن يقع في سياق النفي، وإنما الفارق بينهما أن الذي همزته أصل لا يستعمل إلا في النفي كأخواته في غريب، وكَيْتَع ودَابِر، وتامر والذي أصله واحد يجوز أن يستعمل إثباتاً ونفياً وأيضاً المختص بالنفي مختص بالعقلاء، وهذا لا يختص، وأما معنى النفي فإنه ظاهر على ما قاله الزمخشري من الحكم على المجموع ولكن المعنى على ما قاله أبو حيان أوضح وإن كان خلاف الظاهر» . قوله: «إن اتَّقَيْتُنَّ» في جوابه وجهان: أحدهما: أنه محذوف لدلالة ما تقدم عليه أي إِن اتَّقَيْتُنَّ اللَّهُ فَلَسْتُنَّ كَأَحدٍ، فالشرط قيد في نفي أن يشبَّهْنَ بأحد من النساء. والثاني: أن جوابه قوله «فَلَا تَخْضَعْنَ» والتقوى على بابها، وجوز أبو حيان على هذا أن يكون «اتَّقَى» بمعنى اسْتَقْبَلَ أي استقبلتن أحداً فلا تُلِنَّ له القول، واتَّقَى بمعنى استقبل معروف في اللغة، وأنشد:

стр. 9671

٤٠٨٧ - سَقَطَ النَّصِيفُ ولم تُرِد إِسْقَاطَهُ ... فَتَنَاوَلَتْهُ واتَّقَتُنَا بِاليَدِ أي واستقبلتنا باليد قال: «ويكون على هذا المعنى أبلغ من مدحهن؛ إذ لم يعلق فضيلتهن على التقوى ولا على نهيه عن الخضوع بها إذْ هنّ متقيات لله في أنفسهن، والتعليق يقتضي ظاهره أنهن لسن متحليات بالتقوى، قال شهاب الدين: هذا خروج عن الظاهر من غير ضرورة وأما البيت فالاتِّقاءُ أيضاًعلى بابه أي صانت وجهها بيدها عنا. قوله:» فَيَطْمَعَ «العامة على نصبه جواباً للنهي، والأعرج بالجزم فيكسر العين لالتقاء الساكنين وروي عنه وعن أبي السَّمَّال وعيسى بن عمر وابن مُحَيْصِن بفتح الياء وكسر الميم، وهذا شاذ حيث توافق الماضي والمضارع في حركة. وروى عن الأعرض أيضاً أنه قرأ بضم الياء وكسر الميم من» أَطْمَع «وهي تحتمل وجهين: أحدهما» أن يكون الفاعل ضميراً مستتراً عائداً ععلى الخضوع المفهوم من الفعل و «الذي» مفعوله أي لا تخضعن فيطمع الخضُوع المريضَ القلبِ، ويحتمل أن يكون «الذي» فاعلاً، ومفعوله محذوف أي فيطمع المريض نفسه. فصل قال ابن عباس: معنى لسْتُنَّ كأحد من السناء يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات أنتن أكرم عليّ، وثوابكن أعظم لَدَيَّ، ولم يقل كواحد لأن الأحد عام يصلح للواحد، والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، قال تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥﴾ وقال: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] وقوله: «إِنْ اتَّقَيْتُنَّ» الله فأطعتنّه ولما منعهن من الفعل القبيح منعهن من مقدماته وفي

стр. 9672

المحادثة مع الرجال فقال: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بالقول﴾ أي تُلِنَّ القولَ للرجال، ولا ترفضن الكلام ﴿فَيَطْمَعَ الذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي فسق وفجور وشهوة، وقيل: نِفاق أي لا تقولن قولاً يجدُ منافقٌ أو فاجرٌ به سبيلاً إلى المطامع فيكُنَّ والمرأة مندوبة إلى الغلظة في المقالة إذا خاطبت الأجانب لقطع الأطماع ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ أي ذكر الله وما تحتجن إليه من الكلام مما يوجب الدين والإسلام بتصريح أو بيان من غير خضوع. قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ قرأ نافعٌ وعاصمٌ بفتح القاف والباقون بكسرها، فأما الفتح فمن وجهين: أحدهما: أنه أمر من قَرِرْتُ - بكسر الراء الأولى - في المكان أَقَرُّ به - بالفتح - فاجتمع راءان في: «اقرَرْنَ» فحذفت الثانية تخفيفاً، ونقلت حركة الراء الأولى إلى القاف فحذفت همزة الوصل استغناء عنها فصار «قَرْنَ» على وزن «فَعْنَ» فإن المحذوف هو اللام لأنه حصل أخرى ساكنة فحذفت الأولى لالتقاء الساكنين، ووزنه على هذا «فَلْنَ» فإن المحذوف هو العين، وقال أبو علي: أبدلتِ الراءُ الأولى ياءً ونقلت حركتها إلى القاف، فالتقى ساكنان فحذفت الياء لالتقائهما، فهذه ثلاثة أوجه في توجيه أنها أمر من «قَررتُ بالمكانِ» . والوجه الثاني: أنها أمر من «قَارَ - يَقَارُ -» كخَافَ يَخَافُ إذا اجتمع، ومنه «القَارَةُ» لاجتماعها، فحذفت العين لالتقاء الساكنين، فقيل: «قِرْنَ» «كخِفْنَ» ووزنه على على هذا أيضاً: فلْنَ، إلا أن بعضهم تكلم في هذه القراءة من وجهين:

стр. 9673

أحدهما: قال أبو حاتم يقال: قَرَرْتُ بالمَكانِ - بالتفح - أَقِرُّ به - بالكسر - وقِرَّت عَيْنُهُ - بالكسر - تَقَرُّ - بالفتح - فكيف تقرأ وقرن بالفتح؟! والجواب عن هذا أنه قد سمع في كل منهما الفتح والسكر، حكاه أبو عبيد، وتقدم ذلك في سورة مَرْيَمَ. الثاني: سلمنا أنه يقال قَرِرْتُ بالمكان - بالكسر - أَقَرُّ به - بالفتح - وأن الأمر اقْرَرْنَ إلا أنه لا مسوغ للحذف، لأن الفتحة خفيفة، ولا يجوز قياسه على قولهم «ظلت» في «ظللت» قال تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] و ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾ [طه: ٩٧] وبابه، لأن هناك شيئين ثقيلين التضعيف والكسرة (فحسن الحذف وأما هنا فالتضعيف فقط) ، والجواب أن المقتضي للحذف إنما هو التكرار ويؤيد هذا أنهم لم يحذفوا مع التكرار ووجود الضمة وإن كان أثقل نحو «اغضضن أبْصَارَكُنَّ» وكان أولى بالحذف فيقال: غَضْنَ لكن السماع خلافه قال تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] على أن ابن مالك قال: إنه يحذف في هذا بطريق الأولى. أو نقول: إن هذه القراءة إنما هي من «قَارَ - يَقَارُ» بمعنى اجتمع وهو وجه حسن بريء من التكلف فيندفع اعتراض أبي حاتم وغيره لولا أن المعنى على الأمر بالاستقرار لا بالاجتماع. وأما الكسر فمن وجهين أيضاً: أحدهما: أنه أمر من قَرَّ في المكان - بالفتح - في الماضي والكسر في المضارع، وهي اللغة الفصيحة، ويجيء فهيا التوجيهات الثلاث المذكورة أولاً، أما حذف الراء الثانية أو الأولى أو إبدالُها ياءً وحذفها كما قاله الفارسيّ، ولا اعتراض على هذه القراءة لمجيئها على مشهور اللغة، فيندفع اعتراض أبي حاتم، ولأن الكسر ثقيل فيندفع الاعتراض الثاني ومعناها مطابق لما يراد بها من الثبوت والاستقرار. الوجه الثانيك أنها أمر من «وَقَرَ» أي ثبت واستقر ومنه «الوَقَار» وأصله اوْقِرْنَ فحذفت الفاء - وهو الواو - واستغني عن همزة الوصل فبقي «قِرْنَ» ، وهذا كالأمر من

стр. 9674

وعد سواء، ووزنه على هذا «عِلْنَ» ، قال البغوي: الأصح أنه أمر من «الوقار» قولك من الوعد «عِدْنَا» ، ومن الوصل «صِلْنَا» . وهذه الأوجه المذكورة إنما يهتدي إليها من مَرِنَ في علم التصريف وإلا ضاق به ذَرْعاً. قوله: «تَبَرُّجَ الجَاهِلِيةِ» مصدر تشبيهيّ أي مثل تبرج والتبرج الظهور من البُرْجِ لظهوره، وقد تقدم، وقرأ البزِّيُّ: «ولا تبرجن» بإدغام التاء في التاء، والباقون بحذف إحداهما وتقدم تحقيقه في البقرة في: «وَلَا تَيَمَّمُوا» . فصل قال المفسرون وقرن أي الزمْنَ بيوتكنّ من قولهم: قررت بالمكان أقر قراراً يقال: قررت: أقر وقررت: أقر، وهما لغتان، لإن كان من الوقار أي كن أهل وقار وسكون من قولهم: وَقَر فُلان يَقِر وُقُوراً إذا سكن واطمأن، و «لا تبرجن» قال مجاهد وقتادة التبرج هو التكسر والتغنج، وقال ابن أبي نُجَيح: وهو التبختر، وقيل: هو إظهار الزينة، وإبراز المحاسن لرجال «تَبَرُّجَ الجَاهِلية الأولى» قال الشعبي: هي ما بين عيسى ومحمد ﷺ َ - وقال أبو العالية: هي بين داود وسليمان ﵉، وكانت المرأة تلبس قميصاً من الدر غير مخيط الجانبين فيرى حلقها فيه، وقال الكلبي: كان ذلك في زمن نمروذ، وكانت المرأة تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه، وتمشي وسط الطريق ليس عليها شيء غيره، وتعرض نفسها على الرجال، وروى عِكْرَمةُ عن ابن عباس أنه قال: الجاهلية الأولى أي فيما بين نوح وإدريس وكانت ألف سنة وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل وكان رجال الجبل صباحاً وفي النساء دمامة، وكان نساء السهل صباحاً وفي الرجال دمامة، وإن إبليس أتى رجلاً من أهل السهل وأجر

стр. 9675

نفسه منه فكان يخدمه واتخذ شيئاً مثل الذي يزمر به الرعاء فجاء بصوت لم يسمع مثله فبلغ ذلك من حولهم فانتابوهم يسمعون إليه واتخذه عيداً يجتمعون إليه في السنة فتتبرج النساء للرجال وتتزين الرجال لهن، وإن رجلاً من أهل الخيل هجم عليهم في عيدهم فرأى النساء وصباحتهن فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فنزلوا معهم فظهرت الفاحشة فذلك قوله: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية الأولى﴾ ، وقيل: الجاهلية الأولى ما ذكرنا والجاهلية الأخرى قوم يفعلون مثل فعلهم في آخر الزمان، وقيل: قد تذكر الأولى وإن لم يكن لها أخرى كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأولى﴾ [النجم: ٥٠] ولم يكن لها أخرى. قوله: ﴿وَأَقِمْنَ الصلاة وَآتِينَ الزكاة وَأَطِعْنَ الله وَرَسُولَهُ﴾ يعني ليس التكليف في النهي وحده حتى يحصل بقوله: ﴿وَلَا تَخْضَعْنَ. وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ بل في النهي وفي الأوامر فأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله فيما أمر به، ونهى عنه ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس﴾ قال مقاتل: الرجس: الإثم الذي نهى الله النساء عنه، وقال ابن عباس يعني عمل الشياطين وما ليس لله فيه رضا. وقال قتادةُ يعني السوء، وقال مجاهد: الرِّجْس: الشَّكُّ. قوله: «أَهْلَ البَيْتِ» فيه أوجه: النداء والاختصاص، إلا أنه في المخاطب أقل منه في المتكلم وسمع «بِكَ اللَّهَ نَرْجُو الفَضْلَ» ، والأكثر إنما هو في التكلم كقولها: ٤٠٨٨ - نَحْنُ بَنَاتُ طَارِقْ ... نَمْشِي عَلَى النَّمارِقْ

стр. 9676

(وقوله:) ٤٠٨٩ - نَحْنُ - بَنِي ضَبَّة - أَصْحَابُ الجَمَلْ ... المَوْتُ أَحْلَى عِنْدَنَا مِنَ العَسَلْ (و) «نَحْنُ العَرَبَ أَقْرَى النَّاسِ لِلضَّيْفِ» (و) : «نَحْنَ مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لَا نُورثُ» أو على المدح أي أمدحُ أهلَ البيت، واختلف في أهل البيت، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنهم نساء النبي ﷺ َ - لأنهن في بيته، وتلا قوله: ﴿واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ الله﴾ وهو قول عكرمة ومقاتل. وذهب أبو سعيد الخدري وجماعة من التابعين منهم مجاهد وقتادة غيرهم إلى أنهم عليّ، وفاطمة، والحسن والحسين، لما روت عائشة قالت: «خرج رسول الله ﷺ َ - ذات غَداةٍ وعليه مرط مرجَّل من شعر أسود فجلست فأتت فاطمة فأدخلها فيه ثم جاء علي فأدخله فيه ثم جاء حسين فأدخله فيه، ثم قال:» إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتَ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً « وروت أم سلمة قالت:» في بيت أنزل: إنَّما يريدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ قال: فأرسل رسول الله ﷺ َ - إلى فاطمة وعلي والحسين والحسن فقال: هؤلاء أهل بيتي. فقلت: يا رسول الله أما أنا من أهل البيت قال: بلى إن شاء الله، وقال

стр. 9677

زيد بن أرقم: أهل بيته من حرم الصدقة بعده، آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال ابن الخطيب: والأولى أن يقال: هم أولاده وأزواجه والحسن والحسين، وعليّ منهم لأنه كان من أهل بيته لمعاشرته بنت النبي عليه (الصلاة و) السلام وملازمته له « قوله: ﴿واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ الله﴾ يعني القرآن والحكمة، قال قتادة يعني السنة، وقال مقاتل: أحكام القرآن ومواعظه، و ﴿من آيات الله﴾ بيان للموصول فيتعلق» بأعني «ويجوز أن يكون حالاً إما من الموصول، وإما من عائده المقدر فيتعلق بمحذوف أيضاً ﴿إِنَّ الله كَانَ لَطِيفاً﴾ بأوليائه» خَبِيراً «بجميع خلقه. قوله: ﴿إِنَّ المسلمين والمسلمات﴾ قال مقاتل: قالت أم سلمة بنت أبي أمية، ونسية بنت كعب الأنصارية للنبي ﷺ َ - ما بال ربنا يذكر الرجال ولا يذكر النساء في شيء من كتابه نَخْشَى أن لا يكون فيهن خير فنزلت فيهن هذه الآية، ويروى أن أزواج النبي ﷺ َ - قلن: يا رسول الله ذكر الرجال في القرآن ولم يذكر النساء بخير فما فينا خير نذكر إنا نخاف أن لا تقبل منا طاعة، فأنزل الله هذه الآية، ورُوِيَ «أن أسماء بنت عميسٍ رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب فدخلت على نساء النبي ﷺ َ - فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن قلن: لا فأتت النبي ﷺ َ - فقالت: يا رسول الله إن السناء لفي خيبة وخسارة، قال وممَّ ذلك؟ قالت: لأنهن لا يذكرن بخير كما تذكر الرجال» فأنزل الله : ﴿إِنَّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين﴾ المطيعين «والقَانِتَاتِ والصَّادِقينَ» في إيمانهم، وفيما سرهم وساءهم ﴿والصَّادِقَاتِ والصَّابِرِينَ «على أمر الله» والصَّابِرَاتِ والخَاشِعِينَ «

стр. 9678

المتواضعين» والخَاشِعَاتِ «. وقيل: أراد به الخشوع في الصلاة ومن الخشوع أن لا يلتفت» والمُتَصَدِّقينَ «مما رزقهم الله ﴿والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فُرُوجَهُمْ﴾ عما لا يحِل» والحَافِظَاتِ «. وحذف مفعول الحافظات لتقدم ما يدل عليه والتقدير: والحَافِظَاتِها وكذلك: والذاكرات، وحسن الحذف رُؤُوس الفواصل ﴿والذاكرين لله كثيراً والذاكرات﴾ ، قال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيراً حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً. وروي» أن النبي ﷺ َ - قال سبق المفردون، قالوا: وما المفردُونَ؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات «قال عطاء بن أبي رباح من فوض أمره إلى الله فهو داخل في قوله: ﴿إِنَّ المسلمين والمسلمات﴾ ومن أقر بأن الله ربه، ومحمداً رسوله، ولم يخالف قلبُه لسانه فهو داخل في قوله:» والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ «ومن أطاع الله في الفرض، والرسول في السنة فهو داخل في قوله:» والقَانِتِينَ والقَانِتَاتِ «ومن صان قوله عن الكذب فهو داخل في قوله:» والصَّادِقِينَ والصَّادِقَاتِ «ومن صَبَرَ على الطاعة وعن المعصية وعلى الرزية فهو داخل في قوله:» والصابرين والصابرات «ومن صلى ولم يعرف من يمينه عن يساره فهو داخل في قوله:» والخَاشِعِينَ والخَاشِعَاتِ «ومن تصدق في كل أسبوع بدرهم فهو داخل في قوله:» والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقَاتِ «، ومن صام في كل شهر أيام البيض الثالثَ عَشَر، والخَامِسَ عَشَر فهو داخل في قوله:» والصَّائِمِينَ والصَّائِمَاتِ «ز ومن حفظ فرجه فهو داخل في قوله» والحَافِظِينَ فُرُوجهُمُ والحَافِظَاتِ «ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله: ﴿والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات أَعَدَّ الله لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ وغلب المذكرعلى المؤنث في» لهم «ولم يقل:» لهن « (لشرفهم) . قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ نزلت الآية في زينبَ بنت جحش الأسدية، وأخيها عبد الله بن جحش وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ َ - اشترى زيداً في الجاهلية بعُكَاظَ، فأعتقه وتبناه، فلما خطب رسول الله ﷺ َ - اشترى زيدا في الجاهلية بعكاظ، فأعتقه وتبناه، فلما خطب رسول الله ﷺ زينب رضيت وظنت أنه يخاطبها لنفسه فلام علمت أنه يخطبها لزيد أبت وقال: أنا ابن عمتك يا رسول الله فلا

стр. 9679

أرضاه لنفسي وكانت بيضاءَ جميلةً فيها حدة وكذلك كره أخوها ذلك فانزل الله : ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة﴾ يعني عبد الله بن جحش وأخته زينت ﴿إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً﴾ وهو نكاح زيدٍ لزينبَ ﴿أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ . والخيرة الاختيار أي يريد غير ما أراد الله ويمتنع مما أمرالله ورسوله. قوله: ﴿أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة﴾ أن يكون «هو اسم كان، والخبر الجار متقدم وقوله: ﴿إِذَا قَضَى الله﴾ يجوز أن يكون محْض ظرف معموله الاستقرار الذي تعلق به الخبر، أي وما كان مستقراً لمؤمن ولا مؤمنةٍ وقت قضاء الله كَوْنُ خيرة وأن تكون شرطية ويكون جوابها مقدراً مدلولاً عليه بالنفي المتقدم. وقرأ الكوفيون وهِشَامٌ» يكون «- بالياء من أسفل؛ لأن» الخِيرَةَ «مجازيُّ التأنيث، وللفصل أيضاً، والباقون بالتاء من فوق مراعاةً للفظها، وقد تقدم أن» الخِيَرَةَ «مصدر» تَخَيَّرَ «» كالطَّيرِةِ «من» تَطَيَّرَ «، ونقل عيسى بن سُلَيْمَانَ أنه قرىء الخِيرَة - بسكون الياء - و» مِنْ أَمْرِهِمْ «حال من الخيرة، وقيل:» من «بمعنى» في «وجمع الضمير في» أمرهم «وما بعده لأن المراد بالمؤمن والمؤمنة الجنس. وغلب المذكر على المؤنث، وقال الزمخشري:» كان من حق الضمير أن يُوَحَّدَ كما تقول: مَا جَاءَنِي مِنْ رَجُلٍ وَلا امْرَأَةٍ إلَاّ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ كَذَا «قال أبو حيان:» وليس بصحيح؛ لأن العطف بالواو، فلا يجوز ذلك إلا بتأويل الحذف «. قوله: ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً﴾ أخْطَأَ خَطَأً ظَاهِراً. فلما سمعا ذلك رضيا بذلك وسلما وجعلت أمرها بيد رسول الله ﷺ َ - إليها عَشْرَةَ دَنَانِيرٍ وستِّينَ دِرْهَماً وخِماراً ودِرْعاً وَإِزَاراً وملْحَفَةً وخَمْسِينَ مُدّاً مِن الطَّعَامِ وثلاثينَ صاعاً من تَمْرٍ.

стр. 9680

قوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ للذي أَنعَمَ الله عَلَيْهِ﴾ وهو زيد بن حارثة أنعم الله عليه بالإِسلام «وأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ» بالتحرير والإِعتاق. قوله: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ» نص بعض النحويين على أن «على» في مثل هذا التركيب اسم قال: لئلا يتعدى فعل المضمر المتصل إلى ضمير المتصل في غير باب «ظَنَّ» وفي لفظتي: فَقَدَ وعَدِمَ وجعل من ذلك: ٤٠٩٠ - هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنَّ الأُمُ ... ورَ بِكَفِّ الإِلَهِ مَقَادِيرُهَا وكذلك حكم على «عن» في قوله: ٤٠٩١ -[ف] دَعْ عَنْكَ نَهبْاً صِيحَ في حجَرَاتِهِ ...

стр. 9681

وقد تقدم ذلك مُشْبَعاً في النَّحل في قوله: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ، وفي قوله: ﴿وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة﴾ [مريم: ٢٥] (وقوله) : ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: ٣٢] . قوله: «وَتُخْفِي» فيه أوجه: أحدها: أنه معطوف على «تقول» أي وإِذْ تَجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِكَ كَذَا وإِخْفَاءِ كَذَا وخَشْيَةِ الناس قاله الزمخشري. الثاني: أنها واو الحال أي تقول كذا في هذه الحالة، قاله الزمخشري أيضاً، وفيه نظر حيث إنه مضارع مثبت فكيف تباشره الواو؟ وتخريجه «قُمْتُ وَأَصُكُّ عَيْنَهُ» أعني على إضمار مبتدأ. الثالث: أنه مستأنف قاله الحوفي، وقوله: ﴿والله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ تقدم مثله في بَرَاءَةَ. فصل قال المفسرون إن الآية نزلت في زَيْنَبَ بنتِ جَحْش، وذلك «أن رسول الله ﷺ َ - لما زوج» زينب «من» زَيْد «مكثَتْ عنده حيناً ثم إن رسول الله ﷺ َ - أتى زيداً ذات يوم لحاجة فأبصر زينب قائمة في دِرْع وخِمَار، وكانت بيضاء وجميلة ذات خُلُق من أتمِّ نساء قريش فوقعت في نفسه، وأعجبه حسنها فقال: سبحان الله مقلِّبَ القلوب وانصرف فلما جاء زيد ذكرت ذلك له، ففطن زيد فألقي في نفس زيد كراهتها في الوقت فأتى رسول الله ﷺ َ - فقال: إن أريدُ أن أفارق صاحبتي قال: ما لك أَرَابَكَ منها شيء قال: لَا واللَّهِ يا رسول الله ما رأيت منها إلا خيراً، ولكنها تتعظم عَلَيَّ لشرفها وتؤذيني بلسانها. فقال النبي ﷺ َ - أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوجَكَ يعني زينب بنت جحش واتَّقِ اللَّهِ في أمرها ثم طلَّقَها زيدٌ» ، فذلك قوله : ﴿وَإِذْ تَقُولُ للذي أَنعَمَ الله عَلَيْهِ﴾ بالإسلام وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ بالإعتاق وهو زيد بن حارثة ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتق الله﴾ فيها ولا تفارقها ﴿وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ﴾ أي تُسرُّ في نفسك ما الله مظهره أي كان في قلبه لو فارقها تزوجها. وقال ابن عباس: حبها، وقال قتادة: وَدَّ أنه لو طلقها «وَتَخْشَى النَّاسَ» قال ابنُ عباس والحسن: تستحييهم، وقيل: تخاف لائمةَ الناس أن يقولوا

стр. 9682

أمرَ رجلاً بطلاق امرأته ثم نكحها، ﴿والله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ . قال عمر وابن مسعود وعائشة: ما نزلت على رسول الله ﷺ َ - آية هي أشد عليه من هذه (الآية) . وروي عن مسروق قال: قالت عائشة: لو كتم النبي ﷺ َ - شيئاً مِمَّا أوحي إليه لكتم هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ﴾ وروي عن سفيانَ بْن عُيَيْنَةَ عن عليِّ بن جُدْعَانَ قالك سألني عليّ بن الحُسَيْنِ زَيْنُ العابدين ما يقول الحَسَنُ في قوله: ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ قال: قلت: (تقول) : «لَمَّا جاء زيد إلى النبي ﷺ َ - فقال له: يا نبي إني أريد أن أطلق زينب فأعجبه ذلك قال: أمسك عليك زوجك واتق الله» فقال علي بن الحسين ليس كذلك كان الله قد أعلمه أنها ستكون من أزواجه وأن زيداً سيطلقها فلما جاء زيد قال: أريد أن أطلقها قال له: أمْسِكْ عليك زوجك فعاتبه الله وقال: لِمَ قُلْتَ: أمسك عليك زوجك وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك وهذا هو الأولى ولأليق بحال الأنبياء وهو مطابق للتلاوة لأن الله تعالى أعلم أنه يبدي ويظهر ما أخفاه ولم يظهر غير تزويجها منه فقال: «زَوَّجْنَاكَهَا» فلو كان الذي أضمره رسول الله ﷺ َ - محبتها أو إرادة طلاقها لكان يظهر ذلك لأنه لا يجوز أنه يخبر أنه يُظْهِرُه ثم يكتمه فلا يظهره فدل على أنه لا يجوز أن يخبر أنه يُظْهِرُهُ ثم يكتمه فلا يظهره فدل على أنه إنما عوتب على إخفاء ما أعلمه الله أنها ستكون زوجة له، وإنما أخفاه استحياء أن يقول لزيد: إن الذي تحتك في نِكَاحِكَ ستكون امرأتي وهذا حسن وإن كان الآخرَ وهو أنه أخفى محبتها أو نكاحها لو طلقها لا يقدح في حال الأنبياء؛ لأن العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه من مثل هذه الأشياء ما لم يقصد فيه المأثم؛ لأن الوُدَّ ومَيْلَ النفس من طبع البشر، وقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتق الله﴾ أمر بالمعروف وهو خشية الإثم فيه وقوله: ﴿والله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ لم يرد به أنه لم يكن يخشى الله فيما سبق فإنه عليه (الصلاة و) السلام قد قال: «أَنَّا أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ» ولكن المعنى الله أحَقُّ أنْ تَخْشَاهُ وَحْدَهُ، ولا تخشى أحداً معه وأنت تخشاه وتخشى الناس أيضاً، فلام ذكر الخشية من الناس ذكر أن الله احق بالخشية في عموم الأحوال وفي جميع الأشياء. قوله: ﴿فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ، «وطراً» مفعول «قضى» ، والوَطَرُ الشهوة والمحبة قاله المبرد وأنشد:

стр. 9683

٤٠٩٢ - وَكَيْفَ ثَوَائِي بالمَدِينَةِ بَعْدمَا ... قَضَى وَطَراً مِنْهَا جَمِيلُ بْنُ معْمَرِ وقال أبو عبيدة: الوَطَرُ: الأَرَبُ والحَاجَةُ، وأنشد الربيعُ بن ضبع الفزَارِيُّ. ٤٠٩٣ - وَدَّعَنَا قَبْلَ أن نُوَدِّعَهُ ... لَمَّا قَضَى مِنْ شَبَابِنَا وَطَرَا وقرأ العامة: «زَوَّجْنَاكَهَا» ، وقرأ علي وابناه الحَسَنَان ﵃، وأرضاهم - «زَوَّجْتُكَهَا» ، بتاء المتكلم و «لِكَيْلأاَ» متعلق «بزوجناكها» . وهي هنا ناصبة فقط لدخول الجار عليها، واتصل الضميران بالفعل، لاختلافهما رتبةً. فصل المعنى فلما قصى زيد منها حاجة من نكاحها زوجناكها، وذكر قضاء الوطر ليعلم أن زوجة المتبنَّى تَحِلُّ بعد الدخول بها إذا طلقت وانقضت عدتها؛ لان الزوجة ما دامت في نكاح الزوج فهي تدفع حاجته وهو محتاج إليها فلم يقض منها الوطر بالكلية ولم يستغن عنها، وكذلك إذا كانت في العدة لها بها تعلق لأجل شُغْلٍ الرحم فلم يقض منها بعد وطر، فإذا طلقت وانقضت عدتها استغنى عنها ولم يبق له معها تعلق فقضى منها الوطر. قال أنس: كانت زينب تَفْتَخِرُ على أزواج النبي ﷺ َ - زَوَّجَكثنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ مِنْ فَوْق سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، وقال الشعبيُّ: كانت زينب تقول للنبي ﷺ َ - إِني لأُدِلُّ عَلَيْك بثلاث ما من نسائك امرأة تُدِلُّ بهن، جَدِّي وَجدُّك واحد، وإني أَنْكَحنِيكَ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ وإنَّ السفيرَ لِجِبْرِيل. قوله: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ﴾ إثم ﴿﴾ فالأدعياء جمع أَدءعَى وهو المتبنَّى بخلاف امرأة ابن الصلب لا تحِل للأب ﴿وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً﴾ أي قضاء الله ماضياً وحكمه نافذاً، وقد قضى في زينب أن يتزوجها رسول الله ﷺ َ -.

стр. 9684

قوله: ﴿مَّا كَانَ عَلَى النبي مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ الله لَهُ﴾ أي فيما أحل الله له. قوله: «سُنَّةَ اللَّهِ» منصوب على المصدر ك ﴿صُنْعَ الله﴾ [النمل: ٨٨] و ﴿وَعْدُ الله﴾ [الزمر: ٢٠] أو اسم وضع موضع المصدر أو منصوب «بِجَعَلَ» أبو بالإِغراء أي فعليه سنة الله، قاله ابن عطية ورده أبو حيان بأن عامل الإغراء لا يحذف، وبأن فيه غغراء الغائب وما ورد منه مؤول على نُدُوره نحو: «عَلَيْهِ رَجُلاً لَيْسَني» . قال شهاب الدين: وقد ورد قوله ﵇: «وَإِلَاّ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ» فقيل: هو إغراء، وقيل: ليس به وإنما هو مبتدأ وخبر، والباء زائدة في المبتدأ وهو تخريج فاسد المعنى، لأن الصوم ليس واجباً على ذلك. وقال البغوي: نصب بنزع الخافض أي كَسُنَّةِ اللَّهِ. فصل المراد بسنة الله في الذين خلوا من قبل أي في الأنبياء الماضين أن لا يؤاخذهم بما أحل لهمن قال الكلبي ومقاتل: أراد داود حين جمع بينه وبين المرأة التي هَوِيَهَا فكذلك جمع بين محمد وبين زينب، وقيل أراد بالسنة النكاح، فإنه من سنة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ﴿وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً﴾ ، وقول ثانياً: ﴿وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً﴾ لطيفة وهي أن الله تعالى لما قال: «زَوَّجْنَاكَهَا» قال: ﴿وكان أمر الله مفعولاً﴾ ، أي تزويجنا زينت إياك كان مقصوداً مَقْضِيّاً مُرَاعىً، ولما قال: ﴿وكان أمر الله قدراً مقدوراً﴾ أشار إلى قصة داود حين افتتن بامرأة «أوريا» قال: ﴿وكان أمر الله قدراً مقدوراً﴾ أي كان ذلك حكماً تبعياً. قوله: «الذين يبلّغون» يجوز أن يكون تابعاً «لِلَّذِينَ خَلَوا» وأن يكون مقطوعاً عنه رفعاً ونصباً على إضمار: «هم» أو أعْنِي، أو أمْدَحُ.

стр. 9685

فصل المعنى إنَّ الذين يبلغون رسالات الله كانوا أيضاً رُسُلاً مِثْلَكَ، ثم ذكر حالهم بأنهم جرّبوا الخشية ووجدوها فيخشون الله ولا يخشون أحداً سواه فصار كقوله: «فَبِهُدَاهُم اقْتَدِه» ولا يخسى قَالة الناس فإنهم ليسوا بمهتمين فيما أحل الله لهم وفرض عليهم، ﴿وكفى بالله حَسِيباً﴾ حافظاً لأعمال خلقه ومحاسبتهم فلا يُخْشَى غَيْرُهُ. قوله: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ لما تزوج النبي ﷺ َ - زينب قال الناس: إن محمداً تزوج امرأة انبه فأنزل الله ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ يعني زيد بن حارثة أي ليس أبا أاحد من رجالكمالذين لم يلده فيحرم عليه نكاح زوجته بعد فراقه إياها. فإن قيل: أليس أنه كان له أبناء القاسمُ والمطهرُ، وإبراهيم، والطَّيِّبُ، وكذلك الحَسَنُ، الحُسَيْنُ، قال - عليه (الصلاة و) السلام -: «إن ابني هذا سيد ؟» فالجواب: هؤلاء كانوا صغاراً ولم يكونوا رجالاً، والصحيح أنه أراد أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُم الذي لم يلده. قوله: ﴿ولكن رَّسُولَ الله﴾ العامة على تخفيف «لكن» ونصب «رسول» ، ونصبه إما على إضمار «كَانَ» لدلالة «كان» السابقة عليها، أي ولكن كَانَ، وإما بالعطف على «أَبَا أَحَدٍ» : والأول أليق؛ لأن «لكن» ليست عاطفة لأجل الواو، فالأليق بها أن تدخل على الجمل «كبل» التي ليست عاطفة. وقرأ أَبُو عَمْروٍ - في رواية - بتشديدها، على أن «رسول الله» اسمها وخبرها محذوف للدلالة، أي ولكن رسول الله هُوَ أي محمد، وحذف خبرها سائغ وأنشد: ٤٠٩٤ - فَلَوْ كُنْتَ ضبّيّاً عَرَفْتَ قَرَابَتِي ... وَلَكِنَّ زِنْجِيّاً عَظِيمَ المَشَافِرِ

стр. 9686

أي أنت، وهذا البيت يروونه أيضاً «ولكن زِنْجِيٌّ» بالرفع، شاهداً على حذف امسها، أي «ولكنك» . وقرأ زيد بن علي، وابن أبي عبلة بتخفيفها ورفع «رسول» على الابتداء، والخبر مقدر أي هو، أو بالعكس أي ولكن هُوَ رَسُولُ كقوله: ٤٠٩٤ - وَلَسْت الشَّاعِرَ السِّفْسَافَ فِيهِمْ ... وَلَكن مِدْرَهَ الحَرْبِ العَوَانِ أي ولكن أنا مدره. قوله: «وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ» قرأ عاصم بفتح التاء والباقون بسكرهان فالفتح اسم للآلة التي يختم بها كالطَّابَع والقَالَب، لما يطبع به، ويقلب فيه هذا هو المشهور، وذكر أبو البقاء فيه أَوْجُهاً أُخَرَ منها أنه في معنى المصدر قال: كذا ذكر في بعض الأعاريب، قال شهاب الدين: وهو لغط محض كيف وهو مُحْوِجٌ إلى تَجَوُّزٍ أو إضْمار، ولو حكى هذا في خَاتِم - بالكسر - لكان أقرب، لن قد يجيء المصدر على فاعل وفاعلة وسيأتي ذلك قريباً، ومنها أنه اسم بمعنى «آخَرَ» ومنها أنه فعل ماض مثل «قَاتَل» فيكون «النَّبِيِّينَ» مفعولاً به، قال شهاب الدين: ويؤيد هذا قراءة عبد الله المتقدمة. وقال بعضهم هو بمعنى المفتوح يعني بمعنى آخرهم لأنه قد ختم النبيين فهو خَاتم. فصل قال ابن عباس: يريد لو لم أَختم به النبيين لجعلت له ابناً يكون من بعده نبيّاً، وروى عطاء عن ابن عباس: أن الله تعالى لما حكم أنه لا نبي بعده لم يُعْطِهِ ولداً ذكراً

стр. 9687

يصير رَجُلاً، وقيل: من لا نبي بعده يكون أشفق على أمته وأهدى لهم إذ هو كالوالد لولد ليس له غيره. ﴿وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيما﴾ أي علمه بكل شيء دخل فيه أن لا نبي بعده، فعلم أن من الحكمة إكمال شرع محمد عليه (الصلاة و) السلام أن زوجه بزوجة دعيِّه تكميلاً للشرع، وذلك من حيث إنَّ قول النبي ﷺ َ - يفيد شرعاً لكن إذا امتنع هو عنه يفيد في بعض النفوس نُفْرة، ألا ترى أنه ذكر بقوله ما فهم منه حِلّ أكل الضَّبِّ، ثم لما لم يأكله بَقِيَ في النفوس شيء، ولما أكل لحم الجمل طاب أكله، مع أنه في بعض الملل لا يؤكل وكذلك الأرنب، روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ َ - قال: «مَثَلِي ومَثَلُ الأنبياء كَمَثَلِ قَصْرِ أُحْكِمَ بُنْيَانُهُ تُرِكَ مِنْهُ مَوْضِعُ لَبِنَةٍ فَطَافَ بِهِ النُّظَّارُ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ حُسْنِ بِنَائِهِ إِلَاّ مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ لَا يُجِيبُونَ سِوَاهَا فَكُنْت أنَا مَوْضِع تِلْكَ اللَّبِنَةِ خُتِمَ بِهِ البُنْيَانُ، وَخُتِمَ بِي الرُّشْدُ» ، وقال - عليه (الصلاة و) السلام: «إنَّ لِي أسْمَاءَ أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الماحِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الكُفْرَ، وَأَنَا الحَاشِرُ الَّذِي يَحْشُرُ اللَّهُ النَّاسَ عَلَى قَدَمِيَ وأَنَا العَاقِبُ» والعاقِبُ الذَّي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ. قوله : ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً﴾ قال ابن عباس: لم يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل حدّاً معلوماً ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر فإنه لم

стр. 9688

يجعل له حداً ينتهي إليه ولم يعذر أهله في تركه إلا مغلوباً على عقله وأمرهم به في الأحوال كلها، فقال: ﴿فاذكروا الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] وقال: ﴿اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً﴾ أي بالليل والنهار، والبرِّ والبحر والصحة والسِّقَم في السر والعلانية وقال مجاهد: الذكر الكثير أن لا ينساه أبداً ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ أي صلوا له بكرة يعني صلاة الصبح و «أصيلاً» يعني صلاة العصر، وقال الكلبي: «وأصيلاً» صلاة الظهر والعصر والعشاء، وقال مجاهد معناه: قولوا: سبحانَ اللَّهِ والحمدُ لله ولا إله إلا الله واللَّه أكبر ولا حَوْلَ ولا قوة إلى بالله فعبر بالتسبيح عن أخواته، وقيل: المراد من قوله: «ذكْراً كَثيراً» هذه الكلمات يقولها الطاهرُ والخبيثُ والمحدث. قوله: ﴿هُوَ الذي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار للمؤمنين فذكر صلاته تحريضاً للمؤمنين على الذكر والتسبيح، قال السدي: قالت بنو إسرائيل لموسى: أيصلي ربنا؟ فكَبُرَ هذا الكلام على موسى فأوحى الله إليه قل لهم: إنِّي أصلي وإن صلاتي رحمتي وقد وسعت رحمتي كُلَّ شيء. وقيل: الصلاة من الله هي إشاعة الذكر الجميل له في عباده، وقيل: الثناء عليه. قال أنس: لما نزلت إن الله وملائكته يصلون على النبي قال أبو بكر: ما خَصَّك الله يا رسول الله بشرف إلا وقد أشركنا فيه فأنزل الله هذه الآية. قوله: «ومَلَائِكَتُهُ» إما عطف على فاعل «يصلي» ، وأغنى الفصل بالجار عن التأكيد بالضمير، وهذا عند من يرى الاشتراك أو القدر المشترك أو المجاز؛ لأن صلاة الله غير صلاتهم. وإما مبتدأ وخبره محذوف، أي «وملائكته يصلون» وهذا عند من يرى شيئاً مما تقدم جائزاً إلا أن فيه بحثاً، وهو أنهم نصوا على أنه إذا اختلف مدلولاً الخبرين فلا يجوز حذف أحدهما لدلالة الآخر عليه وإن كانا بلفظ واحد، فلا تقول: «زَيْدٌ ضَاربٌ وَعَمرٌو» يعني وعمرو ضاربٌ في الأرضِ أي مُسِافِرٌ.

стр. 9689

فصل الصلاة من الله رحمة، ومن الملائكة استغفار، فقيل: إن اللفظ المشترك يجوز استعماله في مَعْنَيَيْهِ معاً وكذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ جائز. قال ابن الخطيب: وينسب هذا القول للشافعي ﵀، وهو غير بعيد؛ وذلك لأن الرحمة والاستغفار مشتركان في العناية بحال المرحوم والمستغفر له والمراد هو القدر المشترك فتكون الدلالة واحدة، ثم قال: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور﴾ أي من ظلمةِ الكفر إلى نور الإيمان يعنى (أنه) برحمته وهدايته ودعاء الملائكة لكم أخرجكم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان. ﴿وَكَانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ وهذا بشارة لجميع المؤمنين وأشار بقوله: «يصلي عليكم» أن هذا غير مختص بالسامعين وقت الخطاب. قوله: «تَحِيَّتُهُمْ» يجوز أن يكون مصدراً مضافاً لمفعوله، وأن يكون مضافاً لفاعله ومفعوله على معنى أن بعضهم يُحَيِّي بعصاً، فيصح أن لا يكون الضكير للفاعل والمفعول باعتبارين لا أنه يكون فاعلاً ومفعولاً من وجهٍ واحد وهو قول من قال: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] أنه مضاف للفاعل والمفعول. فصل المعنى تحيةُ المؤمنين يَوْمَ يلقونه أي يرون الله سلام أي يسلم اللَّهُ عليهم ويسلمهم من جميع الآفات، وروي عن البراب بن عازب قال: تحيتهم يوم يلقونه سلام يعني ملك الموت لا يقبض روح مؤمن إلا سلم عليه. وعن ابن مسعود قال: إذا جاء ملك يقبض روح المؤمن قال: رَبُّكَ يُقْرِئُكَ السلام، وقيل: تسلم عليهم الملائكة تبشرهم حين يخرجون من قبورهم ثم قال: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ يعني الجنة. فإن قيل: الإعداد إنما يكون مِمَّن لا يقدر عند الحاجة إلى الشيء عليه، وأما الله تعالى فغير محتاج ولا عاجز فحيث يلقاه (و) يؤتيه ما يرضى به وزيادة فما معنى الإعداد من قبل؟ . فالجواب: أن الأعداد للإكرام لا للحاجة.

стр. 9690

قوله: ﴿يا أيها النبي إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً﴾ أي شاهداً للرسل بالتبليغ «وَمُبَشِّراً» لمن آمن بالجنة و «نَذِيراً» لمن كذب بالنار «فشاهداً» حال مقدرة، أو مقارنة لقرب الزمان ﴿وَدَاعِياً إِلَى الله﴾ إلى توحيده وطاعته، وقوله «بِإِذْنِهِ» حال أي ملتبساً بتسهيله، ولا يريد حقيقة الإذن لأنه مستفاد من «أَرْسَلْنَاكَ» . قوله: «وَسِرَاجاً» يجوز أن يكون عطفاً على ما تقدم، إما على التشبيه، إما على حذف مضاف أي ذا سراج، وجوز الفَرَّاءُ أن يكون الأصل: وتالياً سراجاً، ويعني بالسِّراج القرآن، وعلى هذا فيكون من عطف الصفات وهي لذات واحدة، لأن التالي هو المرسل. وجوز الزمخشري أن يعطف على مفعول «أَرْسَلْنَاكَ» وفيه نظر لأن السراج هو القرآن ولا يوصف بالإرسال بل بالإنزال إلَاّ أن يقال: إنه حمل على المعنى كقوله: ٤٠٩٦ - فَعَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِداً ... [حَتَّ شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا] وأيضاً فيغتفر في الثواني ما لا يغفتر في الأوائل، وقوله: «مُنِيراً» لأنه يهتدى به كالسِّراج يستضاء به في الظلمة. واعلم أنَّ في قوله: «سِرَاجاً» ولم يقل: إنه شمس مع أن الشمس أشد إضاءة من السراج فائدةً وهي أن نور الشمس لا يؤخذ منه شيء، والسراج يؤخذ منه أنوار كثيرة إذا انطفى الأول يبقى الذي أخذ منه وكذلك إن غاب النبي ﷺ َ - كان كُلُّ صحابي كذلك سراجاً يؤخذ منه نور الهداية كما قال عليه (الصلاة و) السلام: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» وفي هذا الخبر لطيفة وهي أن النبي عليه (الصلاة و) السلام لم يجعل أصحابه كالسرج وجعلهم كالنجوم لأن النجم لا يؤخذ منه (نور) بل له في نفسه نور إذا غرب لا يبقى نور مستفاد منه فكذلك الصحابي إذا مات فالتابعي يستنير بنور النبي ﷺ َ - ولو جعلهم كالسِّراج والنبي ﷺ َ - كان سراجاً كان للمجتهد أن يَسْتَنِيرَ بمَنْ أراد منهم، ويأخذ النور مِمَّن اختار وليس كذلك فإن مع

стр. 9691

نص النبي - صلى الله عيه وسلم - لا يُعْمَل بقول الصَّحابيِّ بل يؤخذ النور من النبي ولا يؤخذ من الصحابي، فلم يجعله سراجاً. قوله: «وَبَشِّر المُؤْمِنِينَ» عطف على مفهوم تقديره: «إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً ومُبَشراً فاشْهَدْ وبَشِّرْ﴾ ولم يذكر» فاشهد «للاستغناء عنه، وأما البشارة فذكرت إشارة للكرم، ولأنها غير واجبة لولا الأمر. وقوله ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ الله فَضْلاً كِبِيراً﴾ كقوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً عَظِيماً﴾ والعظيم والكبير متقاربان. قوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الكافرين والمنافقين﴾ تقدم تفسيره أو السورة، وهو إشارة إلى الإِنذار يعني خالفهم ورُدَّ عليهم. قوله:» وَدَعْ أَذَاهُمْ «يجوز أن يكون» أَذَاهُمْ «مضافً لمفعوله أي اترك أذاك لهم، أي عقابك إياهم. قال الزجاج: لا تجازهم عليه، وهذا منسوخ بأيةِ السيف، ويجوزم أن يكون مضافاً لفاعله أي اترك ما أَذَوْكَ به فلا تؤاخذهم حتى تُؤْمَر أي دعه إلى الله فإنه يعذبهم بأيديكم وبالنار وبين هذا قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وكفى بالله وَكِيلاً﴾ أي حافظاً. قوله : ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ... ﴾ الآية وجه تعلق الآية بما

стр. 9692

قبلها هو أن الله تعالى في هذه السورة مكارم الأخلاق وأدب نبيه على ما تقدم والله تعالى أمر عباده المؤمنين بما أمر به نبيه فكلما ذكر لنبيّه مكرمةٌ، وعلَّمَه أدباً ذكر للمؤمنين ما يناسبه، ولما بدأ الله تعالى في تأديب النبي ﵊ ُ - ذكر ما يتعلق بجانب الله تعالى بقوله: ﴿ياا أَيُّهَا النبي اتق الله﴾ [الأحزاب: ١] وثنى بما يتعلق بجانب من هو تحت يده من أزواجه بقوله: بعده ﴿يا أيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨، ٥٢] وثلث بما يتعلق بجانب العامة بقوله: ﴿يا أيها النبي إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً﴾ [الأحزاب: ٤٥] كذلك بدأ في إرشاد المؤمنين بما يتعلق بجانب الله فقال: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً﴾ [الأحزاب: ٤١] ثم ثنى بما يتعلق بجانب من تحت أيديهم بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات﴾ ثم كما ثلث في تأديب بجانب الأمة ثَلَّث في حق المؤمنين بما يتعلق بهم فقال بعد هذا: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي﴾ [الأحزاب: ٥٣] وبقوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فإن قيل: إذا كان هذا إرشاداً إلى ما يتعلق بجانب من هو خواص المرء فلم خص المطلقات اللاتي طلقن قبل المسيس؟ . فالجواب: هذا إرشاد إلى أعلى درجات المكرمات ليعلم منها ما دونها، وبيانه أن المرأة إذا طلقت قبل المسيس لم يحصل بينهما تأكد العهد، ولهذا قال تعالى في حق المَمْسُوسَة: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ [النساء: ٢١] فإذا أمر الله (تعالى) بالتمتع والإحسان مع من لا مودة بينه وبينهما فلما ظنك بمن حصلت المودة بالنسبة إليها بالإفضاء أو حصل تأكدها بحصول الولد بينهما، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٣٢] لو قال: لا تضربهما ولا تشتمهما ظن أنه حرام لمعنى مختص بالضرب أو الشتم، فأما إذا قال: ﴿لا تقل لهما أف﴾ علم من معانٍ كثيرةٍ فكذلك ههنا لما أمرنا بالإحِسان مع من لا مودة معها علم منه الإِحسان مع الممسوسة ومن لم تطلق بعدُ ومن ولدت عنده منه. قوله: «ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ» إن قيل: ما الفائدة بالإتيان «بثُمَّ» وحكم من طلقت على الفور بعد العقد كذلك؟ فالجواب: أنه جرى على الغالب. وقال الزمخشري: نفى التوهم عمن عسى يتوهم تفاوت الحكم بين أن يطلقها قريبة العهد بالنكاح وبين أن يبعُدَ عهدها بالنكاح وتتراخى بها المرأة في حُبَالَة الزوج ثم طلّقها. قال أبو حيان:

стр. 9693

واستعمل «عسى» صلة لمن وهو لا يجوز. «قال شهاب الدين» يخرج قوله على ما خرج عليه قول الآخَر: ٤٠٩٧ - وَإِني لَرَامٍ نَظْرَةً قِبَلَ الَّتِي ... لَعَلِّي - وَإِنْ شَطَّتْ نَوَاهَا - أَزُورُهَا وهو إضمار القول، وفي هذه الآية دليل على أن تعليق الطلاق قبل النكاح لا يصح، لأن الله تعالى رتب الطلاق على النكاح بكلمة «ثم» وهي للتراخي حتى (و) لو قال لأجنبية: إِذَا نَكَحْتُكَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أو كل امرأة أتزوجها فهي طالق فنكح، لا يقع الطلاق، وهو قول عَلِيٍّ، وابنِ مسعود، وجابر، ومعاذٍ، وعائشةَ. وبه قال سعيد بن أبي المسيب، وعُرْوَةُ، وشُرَيْحٌ، وسعيد بنُ جبير، والقاسمُ، وطاوسٌ والحسنُ، وعكرمةُ، وعطاءُ بن يَسَارِ، والشّعبيُّ، وقتادةُ، وأكثر أهل العلم. وبه قال الشافعيُّ، وأحمدُ. وروى عن ابن مسعود أنه قال: يقع الطلاق وهو قول إبراهيم النَّخَعِيِّ وأصحابِ الرأي، وقال ربيعةُ ومالكٌ والأوزاعِيُّ: إن عين امرأةً يقع، وإن عم فلا يقع، ورى عكرمة عن ابن عباس قال: كذبوا على ابن مسعود إن كان قالها فزلة من عالم في الرجل يقول: إن تزوجت فلانة فهي طالق، يقول الله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ ولم يقل: «إِذَا طَلَقْتُمُوهنَّ ثُمَّ نَكَحْتُمُوهُنَّ» وروى عطاء عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ َ - «لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ» قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ تجامعوهن ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ أي تحصونها وتستوفونها بالأقراء والأشهر، «فتعتدونها» صفة «لعدة» وتعتدونها تفتعلونها إما من العَدَد، وإما من الاعْتِدَادِ أي تحتسبونها أو تستوفون عددها من قولك: عَدَّ الدَّرَاهِمَ فَاعْتَدَّهَا أي استوفى عددها، نحو: كِلْتُهُ فَاكْتَالَهُ، ووَزنتهُ فاتَّزَنَهُ، وقرأ ابن

стр. 9694

كثير - في رواية - وأهل مكة بتخفيف الدال وفيها وجهان: أحدهما: أنها من الاعتداد وإنما كرهوا تضعيفه فخفَّفوه؛ قاله الرازي، قال: ولو كان من الاعتداء الذي هو الظلم لضعف، لأن الاعتداء يتعدى «بعلى» . قيل: ويجوز أن يكون من الاعتداء وحذف حرف الجر أي تَعْتَدُونَ عَلَيْهَا أي على العدة مجازاً، ثم تعتدونها كقوله: ٤٠٩٨ - تَحِنُّ فَتُبْدِي مَا بِهَا مِنْ صَبَابِةٍ ... وَأُخْفِي الَّذِي لَوْلَا الأَسَى لَقَضَانِي أي لقَضَى عَلَيَّ، وقال الزمخشري: وقرىء تَعْتَدُونَهَا مخففاً أي تعتدون فيها كقوله: ٤٠٩٩ - ويَوْم شَهِدْنَاهُ سُلَيْمَى وَعَامراً ... قَلِيل سِوَى الطَّعْنِ النَّهَال نَوَافِلُهْ وقيل: معنى تعتدونها أي تعتدون عليهن فيها، وقد أنكر ابن عطية القراءة عن ابن كثير وقال: غلط ابن أبي بزة عنه، وليس كما قال. والثاني: أنها من العدوان (والاعتداء) وقد تقدم شرحه، واعتراض أبي الفضل عليه بأنه كان ينبغي أن يتعدى «بعلى» وتقدم جوابه، وقرأ الحسن «تعْتدونها» - بسكون العين وتشديد الدال - وهو جمع بين ساكنين على (غير) حديهما.

стр. 9695

فصل دلت هذه الآية على أن العدة حق الزوج فيها غالب وإن كان لا يَسْقُطُ بإسقاطه؛ لما فيه من حق الله تعالى. ثم قال: «فَمَتِّعُوهُنَّ» أي أعطُوهُنَّ ما يستمتعن به قال ابن عباس: هذا إذا لم يكن سمى لها صداقاً فلها المتعة، وإن كان فرض لها صداقاً فلها نصف الصداق ولا متعة لها، وقال قتادة: هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، قيل: إنه عام وعلى هذا فهل هو أمر وجوب أو أمر استحباب؟ فقيل: للوجوب فتجب المتعة مع نصف المهر، وقيل: للاستحباب فيستحب أن يمتعها مع الصداق بشيء، ثم قال: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ أي خلوا سبيلهن بالمعروف من غير ضرار، وقيل: السراح الجميل: أن لا يطالبها بما آتاها. قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ أي مهورهن ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ وقوله: ﴿مِمَّآ أَفَآءَ الله عَلَيْكَ﴾ رد عليك من الكفار بأن تَسْبِي فتملك، وهذا بيان لما ملكت، وليس هذا قيداً بل لو ملكت يمينه بالشراء كان الحكم كذا، وإِنَّما خرج مَخْرَج الغالب. واعلم أنه ذكر للنبي ﷺ َ - ما هو أولى فإن الزوجة التي أُوتِيَتْ مهرها أطيب قلباً من التي لم تؤت والمملوكة التي سَبَاها الرجل بنفسه أطهر من التي اشتراها الرجل لأنه لا يدري كيف حالها، ومن هاجرت من أقارب النبي ﷺ َ - معه أشرف ممن لم تهاجِر، وقال بعضهم: إن النبي ﷺ َ - ما كان يستوفي ما لا يجب له والوطء قبل إيتاء الصداق غير مستحق وإن كان حالاً لنا وكيف والنبي ﵊ ُ إذا طلب شيئاً حرم الامتناع على المطلوب؟ والظاهر أن الطالب في المرة الأولى إنما هو الرجل لحياء المرأة فلو طلب النبي ﷺ َ - من المرأة التمكين قبل المهر للزم أن يجب وأن لا يجب وهو محال ولا كذلك أحدنا ويؤكد هذا قوله: ﴿وامرأة مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ يعني حينئذ لا يبقى لها صداق فتصير كالمستوفية مهرها. واعلم أن اللاتي يملكت يمينه مثل صفية، وجُوَيْريَة، ومَارِيَة ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾ يعني نساء قريش ﴿وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ يعني نساء بني زُهْرَة ﴿اللاتي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ إلى المدينة فمن لم تهاجر معه منهم لم يجز له نكاحها، روى أبو صالح عن أم هانىء أن رسول الله ﷺ َ - لما فتح مكة خطبني لإنزل الله هذه الآية فلم أحل له

стр. 9696

لأني لم أكن من المهاجرات وكنت من المطلقات، ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل. قوله «وامرْأَةً» العامة على النصب وفيه وجهان: أحدهما: أنها عطف على مفعول «أَحْلَلْنا» أي وأحْلَلْنَا لك امرأة ً موصوفة بهذين الشرطين، قال أبو البقاء وقد رد هذا قوم، وقالوا: «أَحْلَلْنا» ماضٍ، و «إنْ وَهَبَتْ» - وهو صفة للمرأة - مستقبل، «فأحللنا» في موضع جوابه، وجواب الشرط لا يكون ماضياً في المعنى، قالك وهذا ليس بصحيح لأم معنى الإحلال ههنا الإعلام بالحل إذا وقع الفعل على ذلك كما تقول: «أَبَحْتُ لَكَ أَنْ تُكَلِّمَ فُلَاناً إِنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ» . والثاني: انه ينتصب بمقدر تقديره: «ويُحِلُّ لك امرأةً» . قوله: «إنْ وَهَبَتْ، إِنْ أَرَادَ» هذا من اعتراض الشرط على الشرط، والثاني هو قيد في الأول ولذلك نعربه حالاً، لأن الحال قيد، ولهذا اشترط الفقهاء أن يتقدم الثاني على الأول في الوجود. فلو قال: إن أَكَلْتُ إنْ رَكِبْتُ فأنتِ طالقٌ، فلا بد أن يتقدم الركوب على الأكل، وهذا له تحقق الحالية والتقييد كما ذكرنا، إذ لو لم يتقدم لخلا جزء من الأكل غير مقيد بركوب فلهذا اشترطنا تقدم الثاني وقد مضى تحقيق هذا وأنه يشترط أن لا تكون ثَمَّ قرينة تمنع من تقدم الثاني على الأول كقوله: «إنْ تَزَوَّجْتُك إِنْ طَلَّقْتُكِ فعَبْدِي حُرٌّ» (لأنه) لا يتصور هنا تقديمُ الطلاق على التَّزويج. قال شهاب الدين: وقد عرض لي إشكال على ما قاله الفقهاء بهذه الآية وذلك أن الشرط الثاني هنا لا يمكن تقدمه في الوجود بالنسبة إلى الحكم الخاص بالنبي ﷺ َ - لا أنه لا يمكن عقلاً، وذلك ان المفسرين فسروا قوله تعالوا: «إنْ أَرَادَ» بمعنى قبل الهِبَة لأن بالقبول منه (عليه الصلاة و) السلام يتم نكاحه وهذا لا يتصور تقدمه على الهبة إذ القبول متأخر، وأيضاً فإن القصة كانت على ما ذكرته من تأخر إرادته من هِبَتها وهو مذكور في التفسير، وأبو حيان لما جاء إلى ههنا جعل الشرط الثاني متقدماً على

стр. 9697

الأول على القاعدة العامة، ولم يسشكل شيئاً مما ذكرته، وقد عرضت هذا الإِشكال على جماعة من أعيان زماننا فاعترفوا به ولم يظهر عن جواب إلا ما قدمته من أنه ثم قرينة مانعة من ذلك كما مثلته آنفاً، وقرأ أبو حيوة «وامْرَأَةٌ» بالرفع على الابتداء، والخبر مقدر، أي أَحْلَلْنَا لَكَ أَيْضاً. وفي قوله: ﴿إِنْ أَرَادَ النبي﴾ التفات من الخطاب إلى الغيبة بلفظ الظاهر تنبيهاً على أن سبب ذلك النبوة، ثم رجع إلى الخطاب فقال: «خَالِصَةً لَكَ» ، وقرأ أبي والحسن وعيسى «أَنْ» بالفتح، وفيه وجهان: أحدها: أنه بدل من «امرأة» بدل اشتمال قاله أبو البقاء، كأنه قيل: وأحْلَلْنَا لك هِبَةَ المَرْأَةِ نَفْسَهَا لَكَ. قوله: «خالصة» العامة على النصب وفيه أوجه: أحدها: أنه منصوب على الحال من فاعل «وَهَبَتْ» أي حال كونها خالصةً لك دُونَ غَيْرِكَ. الثاني: أنها حال من «امرأة» لأنها وصفت فتخصصت، وهو بمعنى الأول، وإليه ذهب الزجاج. الثالث: أنها نعت مصدر مقدر أي هبة خالصة فنصبها «بوَهَبَتْ» . الرابع: أنها مصدر مؤكد «كوَعْدَ اللَّهِ، قال الزمخشري: والفاعل والفاعلة في

стр. 9698

المصادر غير عزيزين كالخَارجِ والقَاعِدِ، والكاذِبَةِ والعَافِيَةِ يريد بالخارج ما في قول الفرزدق: ٤١٠٠ - ... ... ... ... ... ... ... . ... وَلَا خَارِجاً مِنْ فِيَّ زُورُ كَلَامِ وبالقاعد ما في قولهم:» أَقَاعِداً وَقَدْ سَارَ الرَّكْبُ «، وبالكاذبة ما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] ، وقد أنكر أبو حيان عليه قوله:» غير عزيزين «وقال: بل هما عزيزان، وما ورد متأول، وقرىء:» خَالِصَةٌ «بالرفع، فإن كانت» خالصة «حالاً قدر المبتدأ» هي «أي المرأة الواهبة، وإن كانت مصدراً قدر فتلك الحالة خالصة، و» لك «على البيان أي أعني لك نحو:» سَقْياً لَكَ «. فصل المعنى: أحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها لك بغير صداق، فأما غير المؤمنة فلا تَحِلُّ له إذا وهبت نفسها منه، واختلفوا في أنه هل كان يحِل للنبي ﷺ َ - نكاح اليهودية والنصرانية، فذهب أكثرهم إلى أنه كان لا يحل له ذلك لقوله:» وامرأة مؤمنة «وأول بعضهم الهجرة في قوله:» هَاجَرْنَ مَعَكَ «يعني على الإسلام أي أسلمن معك، فيدل ذلك على أنه لا يحل نكاح غير المسلمة. وكان نكاح ينعقد في حقه بمعنى الهبة من غير ولي ولا شهود ولا مَهْرٍ، وكان ذلك من خصائصه عليه (الصلاة و) السلام - لقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين﴾ كالزيادة على الأدب ووجوب تخيير النساء من خصائص لا مشاركة لأحد معه، واختلفوا في انعقاد النكاح بلفظ الهبة في حق الأمة، فقال سعيد بن المسيب والزهري ومجاهد وعطاء: لا ينعقد إلا بلفظ النكاح أو

стр. 9699

التزويج، وبه قال ربيعة ومالك والشافعي، ومعنى الآية أنّ إباحة الوطء بالهبة وحصول التزويج بلفظها من خواصه ﵇. وقال النخعيُّ وأبو حنيفةَ وأهلُ الكوفة ينعقد بلفظ الهبة والتمليك وأن معنى الآية أن تلك المرأة صارت خالصة لك زوجةً من أمهات المؤمنين ولا تحل لغيرك أبداً بالتزويج وأجيب بأن هذا التخصيص بالواهبة لا فائدة فيه فإن أزواجه كلهن خالصات له، وما ذكرناه (يتبين) للتخصيص فائدة. فصل اختلفا في التي وهبت نفسها لرسول الله ﷺ َ - هل كانت عنده امرأة منهن فقال عبد الله بن عباس ومجاهد: لم يكن عند النبي ﷺ َ - امرأة وهبت نفسها منه ولم يكن عنده امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين، وقوله» وَهَبَتْ نَفْسَهَا «على طريق الشرط والجزاء، وقيل: بل كانت موهوبة واختلفوا فيها، فقال الشعبي: هي زينب بنت خزيمة الهلالية يقال لها: أم المساكين، وقال قتادة: هي ميمونة بنت الحارث، وقال علي بن الحسين والضحاك ومقاتل: أمّ شريك بنت جابر من بني أسد، وقال عروة بن الزبير: هي خولة بنت حكيم من بني سُلَيْم. قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا﴾ أوجبنا على المؤمنين «فِي أَزواجِهِمْ» من الأحكام أن لا يتزوجوا أكثر من أربع ولا يتزوجوا إلا بولي وشهود ومهر ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ أي ما أوجبنا من الأحكام في ملك اليمين، وإنما ذكر هذا لئلا يحمل واحدٌ من المؤمنين نفسه على ما كان النبي ﵇ فإن له في النكاح خصائصَ ليست لغيره، وكذلك في السَّرَارِي. قوله: «لِكَيْلَا» يتعلق «بخالصة» وما بينهما اعتراض و «مِنْ دُونِ» متعلق «بخالصة» كما تقول: خَلَص مِنْ كَذَا.

стр. 9700

فصل قال المفسرون: هذا يرجع إلى أول الآية أي أحللنا لك أزواجَك وما ملكت يمينك والموهبة ﴿لكيلا يكون عليك حرج﴾ ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ يغفر الذنوب جميعاً ويرحم العبيد. قوله: «تُرْجِي» أي تؤخر ﴿مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وتؤويا إِلَيْكَ﴾ أي تضم إِلَيْكَ «مَنْ تَشَاءُ» واختلف المفسرون في معنى الآية فأشهر الأقاويل أنه في القسم بينهن وذلك أن التسوية بينهن في القسم كان واجباً عليه، فلما نزلت هذه الآية سقط عنه وصار الاختيار إليه فيهن. قال أبو رزين وابنُ زيد نزلت هذه الآية حين غار بعض أمهات المؤمنين على النبي ﷺ َ - وطلب بعضهن زيادة النفقة وهجرهن النبي - صلى الله علي وسلم - شهراً حتى نزلت آية التخيير فأمره الله أن يُخَيرَهُن بين الدنيا والآخرة وأن يخلي سبيل من اختارت الدنيا، ويمسك من اختارت الله ورسوله والدار الأخرة على أنهن أمهات المؤمنين فلا يُنكحن أبداً وعلى أنه يؤوي إليه من يشاء منهن ويرجي من يشاء فيرضين به قَسَم لهن أو لم يقسم أو قسم لبعض دون بعض أوفضل بعضهن على بعض في النفقة والقسمة فيكون الأمر في ذلك إليه يفعل كيف يشاء وكان ذلك من خصائص فرضين بذلك واخترنه على هذا الشرط وذلك لأن النبي ﵊ ُ بالنسبة إلى أمته نسبة السّيد المطاع والرجل وإن لم يكن نبياً فالزوجة في ملك نكاحه والنكاح عليها فكيف زوجات النبي بالنسبة غليه فإذن هن كالمملوكات له ولا يجب القسم بين المملوكات. والإرجاء التأخير والإيواء الضم، واختلفوا في أنه هل أخرج أحداً منهن عن القسم فقيل: لم يخرج أحداً بل كان رسول الله ﷺ َ - مع ما جعل الله من ذلك يسوي بينهن في القسم إلا سَوْدَةَ فإنها رَضِيَتْ بترك حقها من القَسْم وجعلت نوبتها لعائشةَ، وقيل: أَخْرَجَ بعضهن، روى جرير عن منصور عن أبي رَزِين قال: لما نزلت آية التخيير أَشفَقْنَ أَنْ يُطَلِّقَهُنَّ،
следующие страницы →