Полный текст (12 961 стр.). Показаны 9731–9770 · переход к 9736.
стр. 9731
الدنيا؛ لأن النعم في الدين كلها منه وقيل: احمد في الاخرة هو حمد أهل الجنة كما قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن﴾ [فاطر: ٣٤] و ﴿الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] وهو الحكيم الخبير فالحكمة هي العلم الذي يتصل به الفعل فإن من يعلم أمراً ولا يأتي بما يناسب علمه لا يقال له حكيم، والفاعل الذي فعله على وفق العلم وهو الحكيم، والخبير هو الذي يعلم عواقب الأمور وبواطنها، فقوله حكيم أي في ابتداء الخلق كما ينبغي وخبير أي بالانتهاء يعلم ما يصدر من المخلوق وما لا يصدر فهو حكيم في الابتداء خبير في الانتهاء ثم بيّن كمال خيره بقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِي الأرض﴾ أي ما يدخل فيهما من الماء والأموات وما يخرج منها من النبات والأموات إذا حشروا.
قوله: «وَمَا يَنْزِلُ» العامة على «يَنْزِلُ» مفتوح اياء مخفف الزاي مسندٌ إلى ضمير «مَا» وعَليُّ ﵁ والسُّلَميُّ بضمها وتشدشد الزاي أي الله تعالى. والمراد الأمطار والملائكة والقرآن. «وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا» من الكلام الطيب لقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب﴾ [فاطر: ١٠] والملائكة والأعمال الصالحة لقوله: ﴿والعمل الصالح يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقدم: ﴿مَا يَلْجُ فِي الأرض﴾ على: ﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ السمآء﴾ ؛ لأن الحبة تُبْذَرُ أولاص ثم تسقي ثانيا. وقال: ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ ولم يقل: «مَا يَعْرُج إليها» إشارة إلى بقول الأعمال الصالحة لأن كلمة: «إلَى» للغاية فلو قال وما يعرج إليها لفم الوقوف عند السموات فقلك وما يعرد فيها ليفهم نفوذها فيها وصعودها منها ولهذا قال في الكلم الطيب: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب﴾ لأن الله هو المنتهى ولا مرتبة فوق الوصول إليه ثم قال: ﴿وَهُوَ الرحيم الغفور﴾ رحيم عند الإنزلا حيث ينزل الرزق من المساء غفور عندما يعرج إليه الأرواح والأعيان والأعمال. ثم بين أن هذه النعمة التي يستحق الله بها الحمد هي نعمة الآخرة أنكرها قَوْمٌ فقال: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَا تَأْتِينَا الساعة﴾ قوله: «بَلَى» جواب لقولهم: «لَا تَأتينَا» وما بعدها قسمٌ على ذلك. وقرأ العامة: لتأتِيَنَّكُمْ بالتأنيث، وقرا (طَلْقٌ) بالياء فقيل: (أي) البعث. وقيل: على معنى الساعة أي اليوم. قال الزمخشري وره أبو حيان بأنه ضرورة كقوله:
٤١٠١ - ... ... ... ... ... ... ... ... ...
стр. 9732
وَلَا أرْضَ أبْقَلَ إبْقَالَهَا
وليس مثله، وقيل: (أي) الله بمعنى أمره. ويجوز على قياس هذا الوجه أن يكون: «عالم» فاعلاً لِتَأتِيَنَّكُمْ في قراءة مَنْ رفعه.
قوله: «عَالِمُ» قرأ الأخَوانِ: عَلَاّم على صيغة المبالغة وخفضه نعتاً ل «ربِّي» او بدلاً منه.
وهو قليل؛ لكونه مشتقاً. ونافعُ وابْنُ عَامرٍ عالمٌ بالرفع على هُوَ عالم، او على أنه مبتدأ وخبره «لَا يَعْزُبُ» أو على أن خبره مضمر أي: هو ذكره الحَوفيّ. وفيه بعد، والباقون عالم بالخفض على ما تقدم وإذا جعل نعتاً فلا بدّ من تقدير تعريفه. وقد تقدم أن كل صفة يجوز أن تتعرف بالإضافة إلى الصفة المشبهة، وتقدمت قراءتا «يَعْزُب» في يُونُسِ.
فصل
اعمل أن الله تعالى ردَّ على مُنْكِري الساعة فقال: ﴿قُلْ بلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ فأخر بإيتيانها وأكدها باليمين.
فإن قيل: إنهم يقولون لا ريب أو إن كانوا يقولون به لكن المسألة الأصولية لا تثبت باليمين فأجاب عن هذا بأنه لم يقتصر على اليمين بل ذكر الدليل وهو قوله: ﴿لِّيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ . وبيان كونه دليلاً هو أن المسيء قد يبقى في الدنيا مدة مديدة في اللذات العاجلة ويموت عليها والمحسن قد يدوم في الدنيا في الآلام الشديدة ويموت فيها فلولا دار تكون للجزاء لكان الأمر على خلاف الحكمة.
стр. 9733
قوله: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السماوات وَلَا فِي الأرض﴾ فيه لطيفة وهي أن الإنسان له جسم وروح، فالأجسام أجزاءها في الأرض والأرواح في السماء فقوله: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السماوات﴾ إشارة إلى علمه بالأرواح، وقوله: ﴿وَلَا فِي الأرض﴾ إشارة إلى عمله بالأجسم فإذا علم الروح والأجسام قدر على جمعها فلا اسبعاد في الإعادة.
قوله: «وَلَا أَصْغَرُ» العامة على رفع «أصْغَر وأَكْبَر» وفيه وجهان:
أحدهما: الابتداء، والخبر قوله «إلَاّ فِي كِتَابٍ» .
والثاني: النَّسَق على «مِثْقَالِ» وعلى هذا فيكون: «إلَاّ فِي كِتَابٍ» تأكيداً للنفي في: «لَا يَعْزُبُ» كأنه قال لكنه في كتاب مبين وقرأ قتادة والأعمش ورويت عن أبي عمرو ونافع أيضاً بفتح الراءين. وفيها وجهان:
أحدهما: أنها «لا» التبرئة وبني اسمها معها، والخبر قوله: «إلَاّ فِي كِتَابٍ» .
والثاني: النسق على «ذَرَّةٍ» وتقدم في يونس أن حمزة قرأ بفتح رَاءِ «أَصْغَر» وأَكْبَر «وهنا وافق على الرفع وتقدم البحث هناك.
قال الزمخشري: فإن قلتَ: هَلَاّ جَازَ عطفُ:» وَلَا أصْغَر «على» مِثْقَالِ «وعطف» وَلَا أَكْبَر «على ذرة؟
قُلْتُ: يأبي ذلك حرف الاستثناء إلاا إذا جعلت الغيب اسماً للخفيات قبل أن تكتب في اللوح المحفوظ لأنها إثبات في اللوح نوع من البُرُوزِ عن الحجاب على معنى أنه لا ينفصل عن الغيب شيء ولا يُزَال عنه إلا مسطوراً في اللوح.
قال أبو حيان: ولَا يُحْتَاج إلى هذا التأويلٍ إذ جعلنا الكتاب ليس اللوح
стр. 9734
المحفوظ، وقرأ زيد بن علي بخفض راء أصغر وأكبر وهي مشكلة جداً، وخرجت على أنهما في نية الإضافة، إذ الأصل: «ولا اصغره ولا أكبره» وما لا ينصرف إذا أضيف انجر في موضع الجر ثم حذف المضاف إليه ونوي معناه فترك المضاف بحاله وله نظائر كقولهم:
٤١٠٢ - بَيْنَ ذِرَاعِيْ وَجَبْهَةِ الأَسَدِ ... ٤١٠٣ - يَا تَيْمَ تَيْم عَدِيِّ ... على خلاف. وقد يفرق بأن هناك ما يدل على المحذفو لفظاً بخلافِ هنا.
وقد ردّ بعضهم هذا التخريج لوجود «من» ؛ لأنَّ «أفعل» متى أضيف لم يجامع «مِنْ» وأجيب عن ذلك بوجهين:
أحدهما: أن (مِنْ) ليست متعقة «بأفعل» بل محذوف على سبيل البيان؛ لأنه لما حذف المضاف إليه أبهم المضاف فبين «بمن» ومجروها أي أعني من ذلك.
والثاني: أنه مع تقديره للمضاف إليه نوي طرحه، فلذلك أتى «بِمن» ويدل على ذلك أنه قد ورد التصريح بالإضافة مع وجود «من» قال الشاعر:
٤١٠١ - نَحْنُ بِغَرْسِ الوَدِيِّ أعْلَمُنَا ... مِنَّا بِرَكْضِ الجِيادِ في السُّدَفِ
стр. 9735
وخرج على هذين الوجهين إلى التعليق بمحذوف وإما نية طرح المضاف إليه وهذا كما احتاجوا إلى تأويل الجمع بين «أل» ومن في أفعل كقوله:
٤١٠٥ - ولَسْتُ بالأكْثَرِ مِنْهُمْ حَصَى..... ... ... ... ... ... ... ... . .
وهذه توجيهات شذوذ ويكفي فيها مثل ذلك.
فصل
قوله: ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ﴾ إشارة إلى أن مثقال لم يذكر للتحديد بل الأصغر منه لا يعزب.
فإن قيل: فأيُّ حاجة إلى ذلك الأكبر وإنَّ من علم الأصغر من الذرة لا بدّ وأن يعلم الأكبر؟
فالجواب: لما كان الله تعالى أراد بينان إثبات الأمور في الكتاب فلو اقتصر على الأصغر لتوهم متوهمٌ أنه يثبت الصغائر لكونها محل النّسيان وأما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته فقال الإثبات في الكبائر ليس كذلك فإن الأكبر فيه أيضاً مكتوب ثم لما بين علمه بالصغائر والكبائر ذكر أن جميع ذلك وإثباته للجزاء فقال: ﴿لِّيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ .
قوله: «لِيَجْزِيَ» فيه أوجه:
أحدهما: أنه متعلق (بلا) وقال أبو البقاء و (يعزب) بمعنى لا يعزب أي يُحْصِي ذلك ليجزي. وهو حس أو بقوله: «ليأتِيَنًّكُمْ» أو بالعامل في قوله: «إلَاّ فِي كَتَابٍ» اي إلا استقر ذلك «في كتاب مبين» لِيَجْزِيَ.
стр. 9736
فصل
اعمل أنه تعالى ذكر منهم أمرين الإيمانَ والعملَ الصالح وذكر لهم أمرين المغفرةَ والرِّزْقَ الكريمة فالمغفرة جزاء الإيمان فكل مؤمن مفغور له لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ١١٦] وقوله عليه (الصلاة و) السلام:
«يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إله إلَاّ اللَّهَ ومَنْ (في) قَلْبِهِ وزنُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمانٍ» .
والرزق الكريم مرتب على العمل الصالح وهذا مناسب فإن من عمل لسيد كريم عملاً فعند فراغه من العمل لا بدّ وأن ينعم عليه. وتقدم وصف الرزق بالكريم أنه بمعنى ذَا كرم أو مُكْرِم أو لأنه من غير طلب بخلاف رزق الدنيا فإنه إن لم يُطْلَبْ ويتسبب إليه لا يأتي.
فإن قيل: ما الحكمة في تَمييزِهِ الرزق بوصفه بأنّه كريمٌ ولم يضف المغفرة؟
فالجواب: لأنَّ المغفرة واحدة وهي للمؤمنين وأما الرزق فمنه شجرة الزَّقّوم والحَميم ومن الفواكهُ والشَّرَاب الطهور فميز الرزق لحصول الانقسام فيه ولم يميز المغفرة لعدم الانْقِسَام فيها.
فصل
قوله: ﴿أولئك لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك لهم جزاء فيوصله إليه لقوله: «ليَجْزِي الَّذِينَ آمَنُو» .
وثانيهما: أن يكون ذلك لهم واللَّهُ يجزيهم بشيء آخر لأن قوله: «أُلَئكَ لَهُمْ» جُملة (تامة اسمية، وقوله تعالى: «لِيَجْزيَ الَّذِينَ آمَنُوا» جملة) فعلية مستقلة وهذا أبلغ في البشارة من قول القائل: لِيَجْزِيَ الَّذين آمنوا وعملوا الصالحات رزقاً «.
فصل
اللام في» ليجزي «ومعناه الآخرة للجزاء.
فإن قيل: فما وجه المناسبة؟
فالجواب: أن الله تعالى أرد أن لا يقطع ثوابه فجعل للمكلف داراً باقيةً تكون ثوابه
стр. 9737
واصلاً إليه فيها دائماً أبداً وجعل قبلها داراً فيه الآلام والأسقام وفيها الموت ليعلم المكلق مقدار ما يكون فيه في الآخرة إذا نسبه إلى ما قبله.
قوله:» والِّذِين سَعَوْا «يجوز فيه وجهان:
أظهرهما: أنه مبتدأ و» أولئك « (و) ما بعده خبره.
والثاني: أنه عطف على الذي قبله أي ويجزي الذين سعوا ويكون» أُلَئِكَ «الذي بعده مستأنفاً و» أُلَئِكَ «الذي قبله وما في خبره معترضاً بين المُتَعَاطِفَيْن.
قوله: ﴿والذين سَعَوْا في آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ أي في إبطال أَدِلَّتِنَا مُعَاجِزِينَ يحسبون أنهم يَفُوتُونَنَا وقد تقدم في الحج قراءتا معاجزين. وعلم أنه تعالى لما بين حال المؤمنين يوم القيامة بين حال الكافرين والمراد بهم الذين كذبوا بآياتنا وقوله:» مُعَاجِزِينَ «أي سَعَوا في إبْطَالِهَا لأن المكذّب آتٍ بإخفاء آياتِ بيناتٍ فيحتاج إلى السعي العظيم والجدّ البليغ ليروّج كَذِبَهُ لعله يُعْجز المتمسك به.
قوله: ﴿أولئك لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾ قرأ ابنُ كثير وحفصٌ هنا وفي الجاثية ألِيمٌ بالرفع والباقون بالخفض. فالرفع على أنه نعت» لعَذَابِ «والخفض على أنه نعت» لرجزٍ «إلا أن مَكِّيَّا ضعف قراءة الرفع واستبعدها قال: لأن الرّجز هو العذاب فيصير التقدير عذاب أليم من عذاب وهذا المعنى غير ممكن قال: والاختيار خَفْضُ» أليم «لأنه أصحّ في التقدير والمعنى إذ تقديره لهم عذابٌ من عذابٍ أليم أي هذا الصِّنف من أصناف العذاب، لأن العاب بعضه آلم من بعض وأجيب: بأن الرجز مطلق العذاب فكأنه قيل: لهم هذا الصنف من العذاب من جنس العذاب، وكأن أبا البقاء لَحَظَ هذا حيث قال: وبالرفع صفة لعذاب، والرِّجْز مطلق العذاب.
стр. 9738
فصل
قال قتادة: الرجز أسوأ العذاب فيكون «مِنْ» لبَيَان الجِنْس كقولك: خَاتَمٌ مِنْ فِضَّةٍ. قال ابن الخطيب: قال هناك: لَهُمْ رِزْقٌ كَريمٌ ولم يقدر بمن التبغيضية فلم يقل: لهم نصيبٌ من رزقٍ، ولا رزق من جنس كريم، وقال ههنا «لهم عذابٌ مِنء رجزٍ أليم» بلفظة صالحة للتبعيض، وذلك إشارة إلى سَعَةِ الرحمة وقله الغضب وقال هناك: «لَهُمْ مغَفْرَةٌ» ثم قال: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤] وههنا لم يقل إلا: «لَهُمْ عَذَابٌ» فزادهم هناك الرزق الكريم، وههنا لم يزدهم على العذاب وفيما قاله نظر، لقوله تعالى في موضع آخر: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ العذاب﴾ [النحل: ٨٨] .
قوله: ﴿وَيَرَى الذين أُوتُواْ العلم﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه عطف على «لِيَجْزِيَ» قال الزمخشري: أي وليعلم الذين أوتوا العلم عند مجيء الساعة. وإنما قيده بقوله عند مجيء الساعة لأنه علق: «ليجزي» بقوله: «لَتَأتِيَنَّكُمْ» فبنى هذا عليه وهو من احسن ترتيبز
والثاني: أنه مستأنف أخبر عنهم بذلك «والَّذِي أُنْزِلَ» هو المفعول الأول وهُو فَصْلٌ و «الْحَقَّ» مفعول ثانٍ، لأن الرؤية عِلْميَّة وقرا ابنُ أَبي عَبْلَةَ الْحَقُّ بالرفع على أن خبر «هُوَ» والجملة في موضع المفعول الثاني وهي لغة تميم يجلعون ما هو فل مبتدأ وخبر و «مِنْ رَبِّك» حال على القراءتين.
стр. 9739
فصل
لما لين حال من يسعى في التكذيب في الآخرة بين حاله في الدنيا وهو أن سَعْيَه باطل فإن من أُوتِيَ علماً لا يعتبر تكذيبه وهو يعلم أن ما أنزل إلى محمد عليه (الصلاة و) السلام حق وصدق وقوله: هُوَ الحَقّ يفيد الحصر أي ليس الحق إلا ذلك وأم قول المكذب فباطل بخلاف ما إذا تنازع خَصْمَان والنزاع لفظي فيكون قوله كل واحد حقاً في المعنى، قال المفسرون: ﴿وَيَرَى الذين أُوتُواْ العلم﴾ يعني مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سَلام وأصْحَابه ﴿الذي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الحق﴾ يعني القرآن هو الحق يعني أنه من عند الله.
قوله: ﴿ويهدي﴾ فيه أوجه:
أحدها: أنه مستأنف وفي فاعل احتمالان: أظهرهما: أنَّه ضمير «الَّذِي» وهو القرآن والثاني: ضمير الله تعالى ويتعلق هذا بقوله: ﴿إلى صِرَاطِ العزيز الحميد﴾ إذ لو كان كذلك لقيل: إلى صِراطِهِ ويجاب بأنه من الالتفات ومن إبراز المضمير ظاهراً تنبيهاً على وصفه بهاتين الصِّفَتَيْنِ.
الوجه الثاني: أنه معطوف على موضع «الحق» و «ان» معه مضمرة تقديره هو الحق والهداية.
الثالث: أنه عطف على «الحق» عَطْفَ فعل على اسم لأنه في تأويله كقوله تعالى: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أي: وقَابِضَاتٍ كما عطف الاسم على الفعل بمعناه كقوله:
٤١٠٦ - فَألْفْيْتُهُ يَوْمًا يُبِيرُ عَدُوَّهُ ... وَمُجْرٍ عَطَاءً يَسْتَخِفُّ المَعابِرَا
كأنه قيل: وليروه الحق وهادياً.
الرابع: أن «ويهدي» حال من «الَّذِي أُنْزِلَ» ولا بدّ من إضمار مبتدأ أي وهو يهدي كقوله:
٤١٠٧ - ... ... ... ... ... ... ... ... ... .....
стр. 9740
نَجَوْتُ وَأرَهْنُهُمْ مَالِكاً
وهو قليل جداً، ثم قال: ﴿إلى صِرَاطِ العزيز الحميد﴾ وهاتان الصفتان يفيدان الرهبة والرغبة فالعزيز يفيد التخويف والانقام من المكذب والحميد يفيد الترغيب في الرحمة للمصدق.
стр. 9741
قوله: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ﴾ لما بين حالة المكذب بالساعة ورد عليه بقوله: ﴿قُلْ بلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] ثم بين ما يكون بعد إتيانها من جزاء المؤمن على عمله الصالح وجزاء الساعي في تكذيب الآيات بالتعذيب على السيئات وبين حال الكافر والمؤمن بعد قوله عليه (الصلاة و) السلام - «بَلَى وَرَبِّي لَتَأتِيَنَّكُمْ» فقلا المؤمن الذي أنزل إليك من ربك الحق وهو يهدي وقال الكافر المنكر للبعث متعجباً: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ﴾ يخبركم يعنون محمداً ﷺ َ - وهذا كقول القائل في الاستبعاد: جاء رجل يقول: إنَّ الشمسَ تَطْلُعُ من المَغْرِب؛ إلى غير ذلك من المحاولات.
فصل
إذَا مُزِّقْتُم «إذا» منصوب بمقدر أي تُبْعَثُون وتُحْشَرُون وَقْتَ تمزيقكم لدلالة: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ عليه ولا يجوز أن يكون العامل «يُنَبِّئُكُمْ» لأن التنْبِيئَة «لأن التنْبِئَة لم تقع ذلك الوقت ولا» خَلْقٍ جَدِيدٍ «لأن ما بعد» إنَّ «لا يعمل فيما قبلها. ومن توسع في الظرف أجازه
стр. 9742
هذا إذا جعلنا» إذَا «ظَرفاً محضاً، فغن جعلناه شرطاً كان جوابها مقدراً أي تبعثون وهو العامل في» إذَا «عند جمهور النحاة. وجوَّز الزجاج أن تكون معمولة لمُزِّقتُهْم، وجعله ابن عطية خطأ وإفساداً للمعنى، قال أبو حيان: وليس بخطأٍ ولا إفساد.
وقد اختلف في العامل في» إذا «الشرطية، والصحيح أن العامل فيها فعلُ الشرط كأخواتها من أسماء الشرط وقال شهاب الدين: والجمهور على خلافِهِ ثم قال أبو حيان: والجملة الشرطية تحتمل أن تكون معمولة» لِيُنَبِّئُكُمْ «لأن في معنى: يقول لكم إذا مزقتم تُبْعَثُونَ، ثم أكد ذلك بوقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ويحتمل أن يكون: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ﴾ معلقاً» لِيُنَبِّئُكُمْ «سادًّا مسد المفعولين ولوللا اللام لفتحت» أن «وعلى هذا فحملة الشرط اعتراض، وقد مَنَعَ قوم التلعيقَ في» اعلم «وبابها والصحيح جوازه، قال:
٤١٠٨ - حَذَارِ فَقَدْ نُبِّئْتَ إنَّكَ لَلَّذِي ... سَتُجْزَى بِمَا تَسْعَى فَتَسْعَد أو تَشْقَى
وقرأ زيْدُ بْنُ عليِّ بإبدال الهمزة ياء، وعنه يُنْبِئُكُمْ مِنْ» أَنْبَأَ «كأكْرَمَ و» مُمَزَّق «فيه وجهان:
أحدهما: أنه اسم» مصدر «وهو قياس كلّ ما زاد على الثلاث أن يجئ مصدره وزمانه ومكانه على زنة اسم مفعوله أي كُلَّ تَمْزِيقِ.
والثاني: أنه ظرف مكان، قاله الزمخشري، أي كل تمزيق من القبور وبطون
стр. 9743
الوحش والطير، ومن مجئ مُفَعَّل مجيء التَّفْعِيل قوله:
٤١٠٩ - ألَمْ تَعْلَمِي مُسَرِّحِي القَوافي ... فَلَا عيَّا بِهِنَّ وَلَا اجْتلَابَا
أي تسريحي، والتمزيق التخريق والتقطيع، يقال ثَوبٌ مُمَزَّقٌ ومَمْزَّقٌ ويقال: مزَّقَهُ فهو مَازِقٌ ومَزِقٌ أيضاً قال:
٤١١٠ - أتَانِي أَنَّهُمْ مَزِقُونَ عِرْضِي..... ... ... ... ... ... ... ... ...
وقال الممزق العبدي - وبه سمي المُمَزَّقُ -:
٤١١١ - فَإن كُنْتُ مَأكُولاً فَكُنْ خَيْرَ آكِلِ ... وَإلَاّ فَأدْرِكْنِي وَلَمَّا أُمَزَّقِ
أي ولما أبْلَى وأَفْنَى، و «جَدِيد» عند البصريين بمعنى فاعل يقال: جَدَّ الشَّيْءُ فَهُوَ جَادّ وجَدِيدٌ وعند الكوفيين بمعنى مَفْعُول من جَدَدْتُهُ أي قَطَعْتُهُ.
فصل
المعنى أن الكفار قالوا لقومهم متعجبين: إن محمداً يقول: إنكم إذا مِتَّمْ ومزقتم كل تمزيق وصرتم تراباً إنكم لفي خلق جديد أي تخلقون خلقاً جديداً.
стр. 9744
(قوله) «أَفْتَرى» هذه همزة الاستفهام وحذفت لأجلها همزة الوصل فلذلك ثبتت همزة الهمزة وصلاً وابتداء. قال البغوي: هذه ألف استفهام دخلت على ألف الوَصْل فلذلك نُصِبَ «عَلَى اللَّهِ كَذِباً» وبهذه الآية استدل الجَاحِظُ على أن الكلام ثلاثة أقسام صِدق وكَذِب ولا صدق ولا كذب ووجه الدلالة عنه على القسم.
الثالث: أن قوله «بِهِ» جُنَّةٌ «لا جائز أن يكون كذباً لأنه قسيم الكذب وقسيم الشيء غيره ولا جائز أن يكون صدقاً لأنهم لم يعتقدوه فثبت قسم ثالث. وأجيب عنه بأنَّ المعنى: أَمْ لَمْ يَفْتَر، ولكن عبر عن هذا بقولهم:» أَمْ بِهِ جِنَّةٌ «؛ لأن المجنون لا افتراء له والظاهر في» أم «هذه أنها متصلة لأنها تقدر بأيِّ الشَّيْئَين ويجاب بأحدهما لأنه قيل: أي الشيئين واقع افتراؤه الكذب أم كونه مجنوناً ولا يضر كونها بعدها جملة لأن الجملة بتأويل المفرد كقوله:
٤١١٢ - لَا أُبَالِي أَنَبَّ بالحَزْن تَيْسٌ ... أَمْ جَفَانِي بظَهْرِ غَيْب اللَّئِيمِ
ومثل قوله الآخر:
٤١١٣ - لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وإنْ كُنْتُ دَارِياً ... شُعَيْثُ بْنُ سَهْم أمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنْقِرِ
لأن» منقر «خبر لا نعت كذا أنشده بعضهم مستشهداً على أنها جملة وفيه حذف التنوين بما قبل» ابن «وليس بصفة، وهذا إشارة إلى البحث المتقدم في سوة التوبة.
стр. 9745
فصل
قوله: ﴿أفترى عَلَى الله كَذِباً﴾ يحتمل أن يكون من تمام قول الكافر أولاً اي من كلام القائلين:» هَلْ نَدُلُّكُمْ «ويحتمل أن يكون من كلام الامع المجيب للقائل:» هَلْ نَدُلّكُمْ «كأن السامع لما قيل له: هل ندلكم على رجل قال له وهو يفتري على الله كذباً إن كان يعتقد خلافه» أَوْ بِهِ جُنَّةٌ «مجنون؟ إن كان لا يعتقد خلاف، وفي هذا لطيفة وهي أن الكافر لَا يَرْضَى بأن يظهر كذبه ولهذا قسم ولم يجزم بأنه مفترٍ بل قال مفتر أو مجنون احترازاً من أن يقول قائل: كَيْفَ يقول بأنه مفترٍ مع أنه جاز أن يظن أن الحق ذلك، وظن الصدق ينع تسمية القائل مفترياً وكاذباً في بعض المواضع إلا ترى أن من يقول: جَاءَ زيد فإذا تبين أنه لم يجئ وقيل له: لم كذبتَ؟ يقول: ما كذبتُ وإنما سمعت من فلانٍ فظننت أنه صادق فيدفع الكذب عن نفسه بالظن فهم احترزوا عن تبيين كذبهم فكل عاقل بنبغي أن يحترز عن ظهور مرة أخرى رداً عليهم فقال: ﴿بَلِ الذين ...
. فِي العذاب﴾ في مقابلة قولهم: ﴿أفترى عَلَى الله كَذِباً﴾ .
وقوله: «فِي الضِّلال البَعِيد» عن الحق في الدنيا، وهذا في مقابلة قولهم: «بِهِ جِنَّة» وكلاهما مناسب اما العذاب فلأن نسبة المكذب إلى الصادق مؤذٍ، لأنه شهادة عليه بأنه يستحق العذاب فجعل العذاب عليهم حيث نسبوا العذاب إلى البرئ وأما المجنون فلأن نسبة الجنون إلى العاقل دونه في الإيذاء فإنه لا يشهد عليه بأنه يعذب وإنما ينسبه إلى عدم الهداية فبين أنَّهُم هم الضالون، ثم وصل ضلالهم بالبعد لأن من يسمي المهتديَ ضَالاً يكون أضلّ، والنبي عليه (الصلاة و) السلام (كان) هادي كل مهتد.
قوله: «أفَلَمْ» فيه الرأيان المشهوران، قدّره الزمخشري أَعَمَوْا فَلَمْ يَرَوْا، وغيره يدِّعِي أن الهمزة مقدم على حرف العطف.
قوله: «مِنَ السَّمَاءِ» بيان للموصول، فيتعلق بمحذوف، ويجوز أن يكون حالاً فيتعلق به أيضاً قيل: (و) ثمَّ حال محذوفة تقديره: أفَلَمْ يَرَوْا إلَى كَذَا مَقْهُوراً تَحْتَ
стр. 9746
قُدْرَتِنَا، أو مُحِيطاً بِهِمْ فَيَعْلَمُوا أنَّهُمْ حَيْثُ كَانُوا فإنَّ أرضي وسمائي محيطةٌ بهم لا يخرجون من أقطارها وأنا القادرُ عليهم.
قوله: «إنْ نَشَأ» قرأ الأخَوانِ يَشَا يَخْسِفْ يُسْقِطْ بالياء في الثلاثة، والباقون بنون العظمة فيها، وهم واضِحَتَان، وأدغم الكسائي قال الفارسي: وذلك لا يجوز لأن الباء أضعف في الصوت من الفاء فلا يدغم فيها وإن كان الباء يدغم فيها نحو: اضْرِب فُلَاناً كما تدغم الباء في الميم كقولك: اضْرِب مالكاً وإن كانت الميم لا تدغم في الباء نحو: اضْمُمْ بكراً؛ لأن الباء انحطت عن الميم يفقد الغُنَّةِ، وقلا الزمخشري: وليست بالقوية، وهذا لا ينبغي لأنها تواترت.
فصل
لما ذكر الدليل بكونه عالم الغيب وكونه جازياً على السِّيئات والحسنات ذكر دليلاً آخر فيه التهديد والتوحيد فأما دليل التوحيد فذكره السماء والأرض فإنهما يدلان على الوحدانية كما تقدم مراراً ويدلان على الحشر والإعادة لأنهما يدلان على كمال القدرة بقوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بِقَادِرٍ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بلى﴾ [يس: ٨١] وأما التهديد فقوله: ﴿إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرض أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ السمآء﴾ أي نجعل عين نافعهم ضارهم بالحق والكشف ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ﴾ أي: فيما يرون من السماء والأرض آية تدل على قدرتنا على البعث ﴿لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيب﴾ تائب
стр. 9747
راجع الله بقلبه. ثم إنه تعالى لما ذكر من ينيب من عباده ذكر منهم من أناب وأصاب ومن جملتهم دَاوُد كما قال تعالى عنه: ﴿فاستغفر رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] .
стр. 9748
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً﴾ فقوله: «مِنَّا» إشارة إلى بيان فضل داود لأن قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ منّا فضلاً﴾ مستقبل بالمفهوم وتام كما يقول القائل: آتَى الملك زيداً خلعةً، فإذا قال القائل: آتاه منه خلعَةً يفيد أنه كان من خاصِّ ما يكون له فكذلك إيتاء الله الفضل عام لكن النبوة من عنده خاص بالبعض، ونطيره قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ﴾ [التوبة: ٢١] فإنَّ ﵀ واسعةٌ تصلُ إلى كل أحد لكن رحمته في الآخرة على المؤمنين رحمه من عنده لخواصِّه، والمراد بالفضل النبوة والكتاب، وقيل: الملك، وقيل: جمعي ما أوتِيَ من حُسْن الصوت وتَلْيِين الحديد وغير ذلك مما خُصَّ به.
قوله: «يَا جِبَالُ» محكيّ بقول مضمر، ثم إن شئت قدرته مصدراً ويكون بدلاً من «فضلاً» على جهة تفسيره به كأنه قيل: آتيناهُ فضلاً قولَنَا يَا جبالُ، وإن شئت جعلته مستأنفاً.
قوله: «أَوِّبي» العامة على فتح الهمزة، وتشديد الواو، أمراً من التَّأويب وهو
стр. 9749
التَّرجيع، وقيل: التسبيح بلغة الحَبَشَة، وقال القُتَيْبيُّ: أصله من التأويل في السير وهو أن يسير النهار كله، وينزل ليلاً كأنه قال: أدْأَبِي النَّهار كُلَّهُ بالتسبيح معه، وقال وهب: نوحي معه، وقيل: سيري معه، وقيل: سيري معه، والتضعيف يُحتمل أن يكون للتكثير، واختار أبو حيان أن يكون للتعدي قال: لأنهم فَسَّروه برجع مع التسبيح، ولا دليل فيه لأنه دليل معنى.
وقرأ ابنُ عباس والحَسَنُ وقتادةُ وابنُ أبي إسحاق: أُوبِي بضم الهمزة أمراً من آبَ يَؤُوبُ أي ارجع معه بالتسبيح.
قوله: «والطير» العامة على نصبه وفيه أوجه:
أحدهما: أنه عطف على محل جبال لأنه منصوب تقديراً.
الثاني: أنه مفعول معه قاله الزجاج. ورد عليه بأنه قبله لفظ «معه» ولا يقتضي العامل أكثرَ من مفعول معه واحد إلا بالبدل أو العطف لا يقال: جَاءَ زَيْدٌ مَعَ بَكْرٍ مَعَ عَمْروٍ قال شهاب الدين: وخلافهم في تَقَصِّيه حالين يقتضي مجيئه هنا.
الثالث: أنه عطف على «فضلاً» ، ولا بدّ من حذف مضاف تقديره آتيناه فضلاً وتَسْبِيح الطير.
стр. 9750
الرابع: أنه منصوب بإضمار فعل أي سَخَّرْنَا لَهُ الطَّيْرَ. قاله أبو عمرو، وقرأ السُّلَميُّ والأعرجُ ويعقوبُ وأبو نوفل وأبو يَحْيَى وعاصمٌ - في رواية - والطَّيْرُ بالرفع، وفيه أوجه: النسق على لفظ «الجبال» وأنشد:
٤١١٤ - أَلَا يَا زَيْدُ وَالضَّحَّاكُ سِيرَا ... فَقَدْ جَوزتُمَا خَمَرَ الطَّرِيق
بالوجهين، وفي عطفِ المفرف بأل على المنادى المضموم ثلاثة مذاهب، الثاني: عطفه على الضمير المستكن في «أَوِّبِي» وجاز ذلك، للفصل بالظرف، والثالث: الرفع على الابتداء والخبر مضمير أي والطيرُ كذلك أي مؤوبةٌ.
فصل
لم يكن الموافقون له في التأويب منحصراً في الطير والجبال ولكن ذكر الجبال لأن الصخور للجُمُود والطير للنفور وكلاهما مستبعد منه الموافقة، فإذا وافقه هذه الأشياء فغيرها أولى ثم إن من الناس من لم يوافقه وهم القاسية قلوبهم التي هي أشَدّ قسوة.
قال المفسرون كان داود إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال بصَدَاها وعكفت الطير على من فوقه فصدى الجبال الذي يسمعه الناس اليوم من ذلك وقيل: كان داود إذا تخلل الجبال
стр. 9751
فسبح الله جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح. وقيل: كان داود إذا لحقه فتور أسمعه الله تسبيح الجبال تنشيطاً له.
قوله: «وَأَلَنَّا» عطف على «آتَيْتَا» وهو من جملة الفَضْل، قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يعطف على «قلنا» في قوله ﴿ياجبال أَوِّبِي ... . . وَأَلَنَّا﴾ .
فصل
ألان الله تعالى له الحديد حتى كان في يده كالشمع والعجين يعمل منه ما يشاء من غير نار ولا ضرب مِطْرَقَةٍ وذلك في قدرت الله يسير، روي أنه طلب من الله أن يغنيه عن أكل مال بيت المال فألان الله له الحديدَ وعلمه صنعة اللَّبُوس وهي الدرع وأنه أول من اتخذها. وإنما اختار الله له ذلك لأنه وقاية للروح التي هي من أمره وتحفظ الآدمي المكرم عند الله من القتل، فالزَّرَّاد خيرمن القوَّاس والسَّيَّاف وغيرهما؛ لأن القوس والسيف وغيرهما من السلاح رُبَّمَا يستعمل في قتل النفس المحرمة، بخلاف الدَّرع قال عليه (الصلاة و) السلام: «كَانَ دَاوُدُ لَا يَأكُلُ إلَاّ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» .
قوله: ﴿أَنِ اعمل﴾ فيه وجهان:
أظهرهما: أنها مصدرية على حذف الجر أي لأَنْ.
والثاني: قاله الحَوْفيُّ وغيره إنها مفسرة لقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الحديد أَنِ اعمل سَابِغَاتٍ﴾ ورد هذا بأن شرطها تقدم بما هو بمعنى القول ولم يتقدم إلا «أَلَنَّا» ، واعتذر بعضهُم عن هذا بأن قَدَّر ما هو بمعنى القول أي وأَمَرْنَاهُ أَنْ اعْمَلْ. ولا ضرورة تدعو إلى ذلك، وقرئ: «صَابِغَاتٍ» لأجل الغين وتقديم تقديره في لقمان عند «وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ» .
стр. 9752
فصل
معنى «سابغات» أي كوامل واسعات طوالاً تسحب في الأرض. وذكر الصفة ويعلم منها الموصوف.
قوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السرد﴾ والسرد: نسيج الدُّرُوع يقال لصانعه: السَّرَّاد «الزَّرَّاد.
والمعنى قدر المسامير في حلق الدروع أي لا تجعل المسامير غلاظاً فتكسر الحَلَق ولا دقاقاً فتُغَلْغِل فيها. ويقال السرد المسمار في الحَلَقة، يقال: درع مسْرُودَة أي مَسْمُورَة الحَلَق. قودر في السَّرد أي اجعله على القصدِ وقدْرِ الحاجة، ويحتمل أ، يقال السَّرد هو عمل الزرد.
وقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السرد﴾ أي إنكم غيرمأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب والكسب (إنما) يكون بقدر الحاجة وباقي الأيام والليالي للعبادة فقدر في ذلك العمل ولا تشغل جميع أوقاتك بالكسب بل حصل به القوت فحسب.
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿واعملوا صَالِحاً﴾ أي لستم مخلوقين إلا للعمل الصالح فاعملوا ذلك وأكثروا منه ولاكسب فقدروا فيه ثم أكد طلب الفعل الصالح بقوله: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يريد بهذا والكسب فقدروا فيه ثم أكد طلب الفعل الصالح بقوله: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يريد بهذا داود وآله، ثم لما ذكر المنيب الواحد منيباً آخر وهو سليمانُ كقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: ٣٤] ذكر ما ساتفاد من الإنابة وهو قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الريح﴾ العامة على النصب بإضمار فعل، أي سَخَّرنَا لِسُلَيْمانَ، وأبو بكر بالرفع على الابتداء، والخبر في الجار قبله أو محذوف، وجوز أبو البقاء أن يكون فاعلاً يعني بالجار، وليس بقويّ لعدم اعتماده وكان قد وافقه في الأنبياء غيره،
стр. 9753
وقرأ العامة الرِّيحَ بالإفراد. والحَسَنُ وأبو حَيْوَةَ، وخالدُ بْنُ إلْيَاسَ الرِّيَاح جمعاً. وتقدم في الأنبياء أن الحسن يقرأ مع ذلك بالنصب وهنا لم ينقل له ذلك.
فإن قيلَ: الواو في قوله: «وَلِسُلَيْمَانَ» للعطف فعلى قراءة الرفع يصير عطفاً للجملة الاسمية على فعلية وهو لا يجوز أوْ لَا يَحْسُنُ؟
فالجواب: أنه لما بين حال داود فكأنه قال: لما ذكر لداود ولسليمان الريح وإما على النصب على قوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الحديد﴾ (كأنه قال وألنا لداودَ الحديدَ) وسخرنا لسليمان الريح.
قوله: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ﴾ مبتدأ وخبر ولا بد من حذف مضاف أي غُدُوُّهَا مَسِيرةُ شَهرٍ أو مقدارُ غُدُوِّهَا شَهْرٌ، ولو نصب لجاز، إلا أنه لم يُقْرأ بها فيما علمنا، وقرأ ابن أبي عبلة غَدْوَتُهَا ورحتُها على المرّة، والجملة إما مستأنفة، وإما في محلِّ حالٍ.
فصل
المعنى غُدُوُّ تلك الريح المستمرة له مسيرةُ شهر، وسير رواحها شهر فكانت تسير به في يوم واحد مسيرةَ شهرين. قال الحسن: كان يَغْدُو من دمشقَ فيقيل بإصطخر _وبينهما مسية شهر، ثم يَرُوحُ من إصطخر فيبيت بكَابُل) وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع وقيل: كان يتغذى بالرِّيِّ ويتعشى بسمرقَنْدَ.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله في الجبال معَ داوُودَ الجِبَالَ وفي الأنبياء وفي هذه السورة فقال: يا جبال أوبي معه وقال في الريح هناك وههنا: لسليمان باللام؟
فالجواب: أن الجبال لما سبَّحت شَرفت بذكر الله فلم يُضِيفْها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحب والريح لم يذكر تسبيحها فجعلها كالمملوكة لَهُ.
стр. 9754
قوله: " وأرسلنا له عين القطر " أي أذبنا له عين النحاس. والقطر: النحاس، قال المفسرون: أجريت له عين النحاس ثلاثة أيام بلياليها كجري المياه، وكان بأرض اليمن. وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله لسليمان. قوله:: ﴿مَنْ يَعْمَلُ﴾ أي أذبْنَا له عين النُّحاس. والقِطْرُ: النحاسُ قال المفسرون: أجريت له عين النحاس ثلاثة أيام بلياليها كجَرْي المياه. وكان بأرضِ اليمن.
وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله لسليْمَانَ.
قوله: ﴿﴾ يجوز أن يكون مرفوعاً بالابتداء وخبره في الجار قبله أي مِنَ الجِنِِّ مَنْ يَعْمَلُ وأن يكون في موضع نصب بفعل مقدر أي وسَخَّرْنَا لَهُ مَنْ يَعْمَلُ و «مِنَ الجِنِّ» يتعلق بهذا المقدر، أو بمحذوف على أنه حال أو بيان، و «بإذن» حال أي مُيسّراً بإذن ربه، والإذن مصدر مضاف لفاعله، وقرئ: «وَمَنْ يَزُغْ» بضم الياء من أَزَاغَ ومفعوله محذوف أي يَزُغْ نَفْسَهُ، أي يُمِيلُها و «مِنْ عَذَابٍ» لا بتداء الغاية أو للتبعيض.
فصل
قال ابن عباس: سخر الله الجنَّ لسليمانَ وأمرهم بطاعته فيما يأمرهم به، ومن يزُغ يعدل منهم من الجن عن أمرنا الذي أمرنا به من طاعة سليان نُذِقْه مِنْ عَذَابِ السَّعير في الآخرة، وقيل: في الدنيا وذلك أن الله وكل بهم ملكاً بيده سَوْطٌ من نارٍ فمن زاغ منهم عن أمر سليمان ضربه ضربةً أحْرَقَتْهُ.
قوله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ﴾ مفسر لقوله: «مَنْ يَعَمَلُ» و «مِنْ مَحَارِيبَ» بيان ل «مَا يَشَاءُ» والمراد بالمحاريب: المساجد والأبنية المرتفعة، وكان مما عملوا له بيت المقدس، ابتدأه داود ورَفَعَهُ قامةَ رجُل فأوحى إليه أني لم أقضِ ذلك على يدك ولكن ابن لك أملكه بعدك اسمُه سليمانُ أقضي تمامه على يده، فلما توفاه الله استخلف سليمان فأحب إتمام بناء بيت المقدس فمجمع الجن والشياطين وقسَّم عليهم الأعمال فخص كل طائفة منهم بعمل يستصلحه له فأرسل الجن والشياطين في تحصل الرُّخَام والمِيهَا الأبيْضَ من معادِنه وأمر ببناء المدينة بالرُّخام والصّفاح وجعلها اثْنَيْ عَشَرَ رَبَضاً وأنزل على كل
стр. 9755
ربض منها سبطاً من الأسباط وكانوا اثنى عشر سبطاً، فلما فرغ من بناء المدينة، ابتدأ في بناء المسجد فوجه الشياطين فِرَقاً فِرَقاً يستخرجون الذهبَ والفضةَ والياقوتَ من معادنها والدرِّ الصِّافِيَ من البحر وفرقاً يقلعون الجواهرَ من الحجارة من أماكنها وفرقاً يأتونه بالمِسْكِ والعَنْبَر وسائر الطّيب من أماكنها فأتى من ذلك بشيء لا يُحصيه إلا الله . ثم أحضر الصُّنَّاع وأمرهم بنحتِ تلك الحجارة المرتفة وتصييرها ألواحاً وإصاحاً تلك الجواهر وثَقَّبَ الياقوتَ واللآلئَ فبنى المسجد بالرُّخَام الأبيض والأصفر والأخضر وعمَّده بأساطين المِيهَا الصَّافي وسقَّفه بألواح الجَوَاهر الثمينة وفَصَّصَ سُقُوفَه وحِيطَانِهُ باللآلىء واليواقيت وسائر الجواهر وبسط أرضه بألواح الفَيْرُوزَج فلم يكن يومئذ في الأرض بين أبهرُ ولا أنورُ من ذلك المسجد كان يضيء في الظلمة كالقَمر ليلةَ البدر، فلما فرغ منه جمع أحْبَار بين إسرائيل وأعلمهم أنه بناه لله وأن كل شيء فيه خالص لله، واتخذ ذلك اليوم الذي فرغ منه عيداً، روى عبدُ الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ َ - قال: «لمَّا فَرَغَ سُلَيْمَانُ مِنْ بِنَاء بَيْتِ المَقْدِس سَأَلَ رَبَّهُ ثَلاثَا فَأَعْطَاه اثْنَتَين وَأنَا أرْجُو أنْ يَكُونَ أَعْطَاهُ الثُّالثَةَ سَألَ حُكْماً يُصَادِفُ حُكْمَهُ فأعطاه إياه، وَسَأَلَهُ مُلْكاً لَا يَنْبغَي لأَحدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأَعْطَاهُ، وَسَأَلَهُ أنْ لَا يَأتِيَ هذَا البَيْتَ أحَدٌ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ إلَاّ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبه كَيَوْم وَلَدَتْهُ أُمُّهُ وَأَنَا أَرْجُوا أنْ يَكُون قَد أَعْطَاهُ ذَلِكَ»
قَالُوا: فَلَمْ يَزَلْ بَيْتُ المقدس على ما بناه سليمان حتى غزاه بخنتصَّر فخرَّب المدينة وهَدَمَها ونقَضَ المَسْجِد وأخذ ما كان في سقوفه وحِيطَانه من الذهب والفضة والدر والياقوت وسائر الجواهر إلى دار مملكته من أرض العراق وبنى الشيطان لسليمان باليمن حصوناً كثيرة وعجيبة من الصخر.
قوله: ﴿وَتَماثِيلَ﴾ وهي النقوش التي تكون في الأبنية. وقيل: صور من نُحَاس وصفر وشَبَهٍ وزُجَاج ورُخَام. قيل: كانوا يُصَوِّرون السِّباع والطيور. وقيل: كانوا يتخذون صور الملائكة والأنبياء والصالحين في المساجد ليراها الناس فيزداودوا عبادة ولعلها كانت مباحة في شريعتهم كما أن عيسى كان يتخذ صُوراً من طينٍ فينفخ فيها فيكون طيراً.
قوله: ﴿وَجِفَانٍ كالجواب﴾ الجِفَانُ القِصَاعُ، وقرأ ابن كثير بإثبات ياء «الجَوَابِ»
стр. 9756
وصلاً ووقفاً وأبو عمرو وورشٌ بإثباتها وصلاً وحذفها وقفاً. والباقون بحذفها في الحالين و «كَالْجَوَابِ» صفة «لِجفَانٍ» والجِفَانُ جمع جَفْنَة، والجَوَابِي جمعُ جَابيةٍ كَضاربة وضَوَارب والجابية الحَوْض العظيمُ سميت بذلك لأنه يُجْبي إليها الماءُ، أي يجمع وإسناد الفعل إليها مجاز لأنه يُجْبَى فيها كما قيل: خَابِيَة، لما يُخبَّأُ فيها قال الشاعر:
٤١١٥ - بِجِفَانٍ تَعْتَرِي نَادِيَنَا ... مِنْ سَدِيفٍ حِينَ هَاجَ الصِّنَّبِرْ
كَالْجَوابِي لَا تَنِي مُتْرَعَةً ... لِقِرَى الأضْيَافِ أوْ لِلمُحْتَضرْ
وقال الأعشى:
٤١١٦ - نَفَى الذَّمَّ عَنْ آلِ المُحَلِّقِ جَفْنَةٌ ... كَجَابِيةِ الشَّيْخِ العِرَاقيِّ تَفْهَقُ
وقال الأفوه:
٤١١٧ - وَقُدُورِ كَالرُّبَا رَاسِيَة ... وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِي مُتْرَعَه
قيل: كان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل يأكلون منها.
стр. 9757
فصل
وقُدُورٍ راسِيَات ثابتات لها قوائم لا يحرِّكْنَ عن أماكنها ولا يبدلن ولا يعطلن وكان يصعد إلهيا بالسلاليم وكانت باليمن.
قوله: ﴿اعملوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً﴾ في «شكراً» أوجه:
أحدهما: أنه مفعول به أي اعملُوا الطَّاعَةَ سميت الصلاة ونحوها شكراً لسدِّها مَسَدَّهُ.
الثاني: أنه مصدر من معنى «اعْمَلُوا» كأنه قي: اشْكُرُوا شكراً بعَمَلِكُمْ أو اعملوا عَمَلَ شُكْر.
الثالث: أنه مفعول من أجله أي لأجل الشكر كقولك: جِئْتَكَ طَمَعاً، وعبدت الله رجاء غُفْرَانه.
الرابع: أنه مصدر موقع الحال أي شَاكِرينَ.
الخامس: أنه منصوب بفعل مقدر من لفظه تقديره واشْكُرُوا شُكْراً.
السَّادس: أنه صفة لمصدر اعملوا تقديره اعلمُوا عملاً شكراً أي ذَا شُكْرٍ قال المفسرون: معناه اعملوا يا آل داود بطاعة الله شكراً له على نعمة، والعم أن كما قال عقيب قوله (تعالى) ﴿َنِ اعمل سَابِغَاتٍ﴾ ﴿واعملوا صَالِحاً﴾ قال عقيبَ ما تعمله الجن له اعملا آل داود شكراً إشارة إلى ما تقدم من أنه لا ينبغي أن يجعل الإنسان نفسه مستفرقةً في هذه الأشياء، وإنما يجب الإكثار من العمل الصالح الذي يكون شُكْراً.
قوله: «وَقَلِيلٌ» خبر مقدم «ومِنْ عِبَادي» صفة له، «والشَّكُورُ» مبتدأ المعنى أن العامل بطاعتي شكراً لنعمتي قليلٌ. قيل: المراد من آل داود هو داود نفسه، وقيل: داود وسليمان وأهل بيته.
стр. 9758
فصل
قال جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمان: سمعت ثابتاً يقول: كان داود نبي الله ﷺ َ - قد جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من ساعات الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائمٌ يُصَلِّي.
قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الموت﴾ أي على سليمان، قال أهل العلم: كان سليمان ﵇ يتحرز ببيت المقدس السَّنَّة والسَّنَتَيْنِ والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر يدخل فيه طعامه وشاربه فأدخله في المرة التي مات فيها وكان بدء ذلك أنه كان لا يصبح يوماً إلا نَبَتَتْ في محرابه ببيت المقدس شجرة فيسألها ما اسمك؟ فتقول اسمي كذا فيقول: لأن شيء أنت؟ فتقول: لكذا وكذا فيأمرها فتقطع فَإنْ كَانَتْ تنبت لغرس غرسها وإن كانت لدواء كتبه حتى نبتت الخروبة فقال لها ما أنت؟ قال الخرّوبة قال: لأي شيء نَبَتْت؟ قالت: لخراب مَسْجِدِك فقال سليمان: ما كان الله ليجزيه وأنا حي أنت الذي على وَجْهِك هلاكي وخراب بيت المقدس فنزعها وغرسها في حائط له ثم قال: اللَّهُمَّ عَمَّ على الجنِّ موتى حتى يعمل الناس أن الجن لا يعلمون الغيب وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعملمون من العيب أشياء ويعلمون ما في غد، ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئاً على عصاه فمات قائماً وكان للمحراب كوى بني يديه وخلفه فكانت الجن تعمل تلك الأعمال فيحسبونه حياً فلا ينكرون خروجه إلى الناس لطول صلاته فمكثوا يأبون له بعد موته حولاً كاملاً حتى أكلت الأَرَضَةُ عَصَا سُلَيْمَان فخرَّ ميتاً فعلموا بموته، قال ابن عباس: فشكرت الجن الأرضة فهم يأتونها بالماء والطين في جوف الخشب فذلك قوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ على مَوْتِهِ إِلَاّ دَابَّةُ الأَرْضِ﴾ «تَأكل منسأته» أي عصاه.
قوله: «تَأكُلُ» إما حال، أو مستأنفة وقرأ ابن ذَكْوَان منسأْتَهُ - بهمزة ساكنة
стр. 9759
ونافع وأبو عمرو بألف محضفة، والباقون بهمزة مفتوحة، والمِنْسَأةُ اسم آلة من نَسأَهُ أي أخَّرَهُ كالمكسحة والمِكْنَسة من نسأتُ الغنم أي زجرتها وستقتها، ومنه: نَسَأَ اللَّهُ في أجَلِهِ أي أَخَّره وفيها الهمزة وهو لغة تميم وأنشد:
٤١١٨ - أَمِنَ أَجْل حَبْلٍ لَا أَبَاكَ ضَرَبْتَهُ ... بمِنْسَأَةٍ قَدْ جَرَّ حَبْلُكَ أَحْبُلَا
(والألف) وهو لغة الحجاز وأنشد:
٤١١٩ - إذَا دَبَبْتَ عَلَى المِنْسَأةِ مِن كِبَرٍ ... فَقَد تَبَاعَدَ عَنْكَ اللَّهْوُ وَالْغَزَلُ
فأما بالهمزة المفتوحة فهي الأصل لأن الاشتقاق يشهد له والفتح لأجل بناء مِفْعَلَةٍ كمِكَنَسَةٍ وأما سكونها ففيه وجهان:
أحدهما: أنه أبدل الهمزة ألفاً كما أبدلها نافع وأبو عمرو وسيأتي، ثم أبدل هذه الألف همزة على لغة من يقول العَأَلَمُ والخَأتَمُ وقوله:
٤١٢٠ - ... ... ... ... ... ... . ... وخِنْدِفٌ هَامَةُ هَذَا العَألَمِ
ذكره ابن مالك قال شهاب الدين وهذا لا أدري ما حمله عليه كيف نعتقد أنه
стр. 9760
هرب من شيء ثم يعود إليه وأيضاً فإنهم نصُّوا على أنه إذا أبدل من الألف همزة فإن ان لتلك الألف أصل حركت هذه الهمزة بحركة أصل الألف.
وأنشد ابن عصفور على ذلك:
٤١٢١ - وَلَّى نَعَامُ بَنِي صَفْوَانَ زَوْزَأَةً..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
قال: الأصل زَوْزاةٌ وأصل هذا: زَوْزَوَةٌ، فلما أبدل من الألف همزة حركها بحركة الواو، إذا عرف هذا فكان ينبغي أن تبدل هذه الألف همزة مفتوحة لأنها عن أصل متحرك وهو الهمزة المتفوحة فتعود إلى الأول وهذا لايقال.
الثاني: أنه سكن الفتحة تخفيفاً والفتحة قد سكنت في مواضع تقدم التنبيه عليها وشواهدها، ويحسنه هنا أن الهَمْزَة تشبه حروف العلة، وحرف العلة يستثقل عليه الحركة من حيث الجملة وإن كان لا تستثقل الفتحة لخفتها، وأنشدوا على تسكين همزتها:
٤١٢٢ - صَرِيعُ خَمْرٍ قَامَ مِنْ وَكْأتِهِ ... كَقوْمَةِ الشَّيْخِ إلَى مِنْسأتِهِ
وقد طعن قوم على القراءة ونسبوا راويها إلى الغلط قالوا: لأن قياس تخفيفها إنما هو تَسْهيلُها بَيْنَ بَيْنَ وبه قرأ ابنُ عامر وصاحباهُ فظن الراوي أنهم
стр. 9761
سكنوا وضعفها أيضاً بأنه يلزم سكون ما قبل تاء التأنيث وما قبلها واجب الفتح إلا الألف وأما قراءة الإبدال فقيل: هي غير قياسية يعنون أنها ليست على قياس تخفيفها إلا أن هذا مردود بأنها لغة الحجاز ثابتة فلا يلتفت لمن طعن، وقد قال أبو عمرو وكفى به: أنا لا أهمزها لأني لا أعرف لها اشتقاقاً، فإن كانت مما لا يهمز فقد احتطت وإن كانت تهمز فقد يجوز لي ترك الهمز فيما يهمز، وهذا الذي ذكره أبو عمرو أحسن ما يقال في هذا ونظائره. وقرئ مَنْسَأتَه بفتح الميم مع تحيق الهمز، وإبدالها ألفاً وحذفها تخفيفاً وقرئ مِنْسَاءَتِهِ نزنة منعالته كقولهم: مِيضَأةٌ ومِيضَاءَةٌ ولكها لُغات، وقرأ ابن جبير من ساته فَصَل «مِنْ» وجعلها حرف جر وجعل «ساته» مجرورة بها والسَّاةُ والسِّيَةُ هنا العَصَا وأصلها يَدُ القَوْس العليا والسفلى يقال: سَاةُ القَوْسِ مثلُ شَاةٍ وسِئَتُها فسمِّيت العصا بذلك على وجه الاستعا ة والمعنى تأكل من طرف عصاه. ووجه بذلك - كما جاء في التفسير - أنه اتَّكأ على عصا خضراء من خروب والعصا الخضراء متى اتُّكِيءَ عليها تصير كالقَوْس في الاعْوِجاج غالباً. و «سَأَة» فَعَلَة نحو قحَة وقحة والمحذوف لامهما وقال ابن جني: سمي العصا منسأة لأنها تسوء وهي فَلَة والعين محذوفة قال شهاب الدين: وهذا يقتضي أن تكون القراءة بهمزة ساكنة والمنقول أن هذه القراءة بألف صريحة ولأبي الفتح أن يقول أصلها الهمزة ولكن أُبْدِلَتْ.
стр. 9762
قوله: «دَابَّةُ الأرض» فيه وجهان:
أظهرهما: أن الأرض هذه المعروفة والمراد بدابة الأرض الأَرَضة دُوَيبَّة تأكل الخَشَب.
والثاني: أن الأرض مصدر لقولك أَرَضَيتِ الدابَّة الخَشَبَة تَأرِضُهَا أَرْضاً أي أكلتها فكأنه قيل: دابة الأكل يقال: أرَضَت الدَّابَّةُ الخَشَبَة تَأرُضُها أَرْضاً فأرِضَتْ بالكسر تَأْرَضُ هي بالفتح أيضاً وأكَلت الفَوَازجُ الأسْنَانَ تَأكُلُها أكْلاً فَأَكِلَتْ هي بالكسر تَأكَلُ أكَلاً بالفتح.
ونحوه أيضاً: جِدِعَتْ أَنْفُهُ جَدَعاً فجُدِعَ هو جَدَعاً بفتح عين المصدر، وقرأ ابن عباس والعباس بن الفضل بفتح الراء وهي مقوية المصدرية في القرءاة المشهورة وقيل: الأَرَضُ بالفتح ليس مصدراً بل هو جمع أرَضَةٍ وهذا يكون من باب إضافة العام إلى الخاص لأن الدابة أعم من الأرضة وغيرها من الدوّابِّ.
قوله: ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ أي سقط الظاهر أن فاعله ضمير سليمان عليه - الصلاة و) السلام، وقيل: عائد على الباب لأن الدابة أكلته فوقع وقيل: بل أكلت عبتة الباب وهي الخارّة وينبغي أن لا يصحَّ؛ إذ كان التركيب خرَّتْ بتاء التأنيث و: أبْقَلَ إبْقَالَها ضرورة، أو نادر تأويلها بمعنى العَوْد أندر منه.
قوله: ﴿تَبَيَّنَتِ﴾ العامة على نيابته للفاعل مسنداً للجنِّ وفيه تأويلاتٌ.
أحدهما: أنه على حذ مضاف تقديره تَبَيَّنَ أمْرُ الجِنِّ أي ظَهَرَ وبَانَ و «تَبَيَّنَ» يأتي بمعنى «بَانَ» لازماً كقوله:
٤١٢٣ - تَبَيَّنَ لِي أَنَّ القَمَاءَةَ ذِلَّةٌ ... وأَنَّ أَعِزَّاء الرِّجَالِ طِيَالُهَا
стр. 9763
فلما حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وكان مما يجوز تأنيث فعله ألحقت علامة التأنيث (به) .
وقوله « ﴿أَن لَّوْ كَانُواْ﴾ بتأويل المصدر مرفوعاً بدلاً من الجنِّ والمعنى ظهر كونُهم لو علموا الغيب ما لبثوا في العذاب أي ظَهَرَ جَهْلُهُمْ.
الثاني: أن تبين بمعنى بان وظهر أيضاً والجنِّ والمعنى ظهر كونُهم لو علموا الغيب ما لبثوا في العذاب أي ظَهَرَ جَهْلُهُمْ.
الثاني: أن تبين بمعنى بان وظهر أيضاً والجنّ فاعل. ولا حاجة إلى حذف مضاف و» أَنْ لَوْ كَانُوا «بدل كما تقدم والمعنى ظهر الجن جهلهم للناس لأنهم كانوا يوهمون الناس بذلك كقولك: بَانَ زَيْدٌ جَهْلُهُ.
الثالث: أن تَبَيَّنَ هنا متعدِّ بمعنى أدْرَكَ وعَلم وحينئذ يكون المراد» بِالجِنِّ «ضَعَفَتُهُمْ وبالضمير في» كانوا «كبارُهم ومَرَدَتُهُمْ و» أنْ لَّوْ كَانُوا «مفعول به، وذلك أن المردة (و) الرؤساء من الجن كانوا يوهمون ضعفاءهم أنهم يعلمون الغيب فلما خَرَّ سليمانُ مَيْتاً كما ادعوا ما مَكَثُوا في العذاب، ومن مجيء» تَبَيَّنَ متعدياً بمعنى أدْرَكَ قوله:
٤١٢٤ - أفَاطِم إنِّي مَيِّتٌ فَتَبَيِّنِي ... وَلَا تَجْزَعِي كُلُّ الأَنَامِ يَمُوتُ
وفي كتاب أبي جَعْفَر ما يقتضي أن بعضم قرأ: «الجنَّ» بالنصب وهي واضحة أي تبينت الإنسُ الجِنَّ، و «أن لو كانوا» بدل أيضاً من «الجن» ، قال البغوي: قرا ابنُ مسعود وابنُ عباس تبينت الإنس أن لو كان الجنُّ يَعْلَمُونَ الغيب ما لبثوا في العذاب المهين أي علمت الإنسُ وأيقنت ذلك وقرأ ابنُ عباس ويعقوب تُبُيِّنَتِ الجِنُّ على
стр. 9764
البناء للمفعول وهي مؤيدة لما نقله النَّحَّاس وفي الآية قراءاتٌ كثيرةٌ أضْرَبْتُ علها لمخالفتها الشواذ وأن «في» أن لو «الظاهر أنها مصدرية مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن و» لو «فاصلة بينهما وبين خبرها الفعليّ وتقدم تحقيق ذَلك كقوله:
﴿وَأَلَّوِ استقاموا﴾ [الجن: ١٦] و ﴿أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٠] وقال ابن عطية: وذهب سيبويه إلى أَنَّ «أَنْ» لا موضع لها من الإعراب إنما هي مؤذنة بجواب ما يَنْزِلُ مَنْزِلَة القسم من الفعل الذي معناه التحقيق واليقين لأن هذه الأفعال التي هي تحققت وتيقنت وعلمت ونحوها تحلّ مَحَلّ القسم فما لبثوا جواب القسم لا جواب «لو» وعلى الأقولا الأُول يكون جوابها. قال شهاب الدين: وظاهر هذا أنها زائدة لأنهم نصوا على اطِّرَادِ زيادتها قبل لو في حَيِّز القَسَم.
وللناس خلاف هل الجواب لِلَوء أو للقسم. والذي يقتضيه القياس أن يجاب أسبقهما كما في اجتماعه مع الشرط الصريح ما لم يتقدمهما ذُو خَبَر كما تقدم بيانه.
وتقدم الكلام والقراءات في سبأ في سورة النمل.
فصل
المعنى أن سليمان لما سقط ميتاً تَبَيَّنَت الجِنُّ أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين أي التَّعَب والشقاء مسخرين لسليمان وهو ميت يظنونه حياً أراد الله بذلك أن يعلم الجن أنهم لا يعلمون الغيب لأنهم كانوا يظنون أنهم يعلمون الغيب
стр. 9765
لغلبة الجهل عليهم وذكر الزُّهْريُّ أن معنى تَبَيَّنّت الجِنُّ أي ظهرت وانكشفت الجن للإنس أي ظهر لهم أمرهم أنهم لا يعلمون الغيب لأنهم كانوا قد شبهوا على الإنس ذلك، ويؤيد هذا قراءة ابن مسعود وابن عباس المتقدمة، وقوله: ﴿مَا لَبِثُواْ فِي العذاب المهين﴾ يدل على أن المؤمنين من الجنِّ لم يكونوا في التسخير، لأن المؤمن لا يكون في زمان النَّبِيِّ في العذاب المهين.
فصل
رُوِيَ أن سليمان كان عمره ثلاثاً وخمسينَ سنة ومدة ملكه أربعونَ سنة ومَلَكَ يَوْمَ مَلَكَ وهو ابن ثلاثَ عَشْرَة سَنَةً وابتدأ في بناء بين المقدس لأربع سنين مضين من ملكه.
стр. 9766
(قوله) تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَة﴾ قرأ حمزة وحفص مَسْكَنِهِمْ بفتح الكاف مفرداً، والكسائي كذلك إلا أنه كسر الكاف والباقون مَسَاكِنِهِمْ جمعاً فأما الإفراد فلعدم اللبس لأن المراد الجمع كقوله:
٤١٢٥ - كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا..... ... ... ... ... ... ... ... .
стр. 9767
والفتح هو القياس لأن الفعل متى ضمت عين مضارعة أو فتحت جاء المفعل منه زماناً أو مكاناً أو مصدراً بالفتح والكسر مسموع على غير قياس، وقال أبو الحسن: كسر الكاف لغة فاشيةٌ وهي لغة الناس اليوم والكسر لغة الحجاز وهي قليلة وقال الفراء: هي لغة يمانية فَصِيحةٌ.
و «مسكنهم» يحتمل أن يراد به المكان، وأن يراد به المصدر أي السُّكْنَى، ورجح بعضهم الثاني، قال: لأن المصدر يشمل الكل، فليس فيه وَضْعُ مفرد مَوْضع جمع بخلاف الأول فإن فيه وَضْعَ المفرد مَوْضِعَ الجمع، كما تقرر، لكن سيبويه يأباه إلَاّ ضَرُورةً كقوله:
٤١٢٦ - ... ... ... ... ..... قَدْ عَضَّ أَعْنَاقَهُمْ جلدُ الجَوَامِيس
أي جلود، وأما الجمع فهو الظاهر لأن كل واحد مسكن، ورسم في المصاحف دون ألف بعد الكاف فلذلك احتمل القراءات المذكورة.
فصل
لما بين حال الشاكرين لِنِعَمِهِ بذكر داود وسليمان وبيَّن حال الكافرين بأنْعُمهِ، بحكاية أهل «سبأ» وقرئ سَبَأ بالفتح على أنه اسم بُقْعَة، وبالجر مع التنوين على أنه
стр. 9768
اسم قبيلة، وهو الأظهر لأن الله جعل الآية لسبأ والظاهر هو العاقل لا المكان فلا يحتاج إلى إضمار الأهل، وقوله «آية» أي من فضل ربهم دلالةً على وحدانيتنا وقدرتنا وكانت مساكنهم بمأرب من اليمن واسم سَبَأ عبد شمس بن يشجُب بن يَعْرُب بن قَحْطَان وسمي (سبأ) لأنه ول من سبأ من العرب.
قال السُّهَيْليّ: ويقال: إنه ول من تبرج، وذكر بعضهم أنه كان مسلماً وكان له شعر يشير فيه بوجود رسول الله ﷺ َ - قال (يعني سليمان ﵊ ُ) :
٤١٢٧ - سَيَمْلكُ بَعْدنا ملكاً عَظِيماً ... نَبِيُّ لَا يرخِّصُ في الحَرَامِ
وَيملِكُ بَعْدُ منهم مُلُوك ... يدينون العباد بغير دامِ
وَيملِكُ بعده منهم ملوك ... يصيرُ الملك فينا باقتِسام
وَيملك بَعْدَ قَحْطَانَ نَبِيُّ ... نفى جنته خير الأنام
يسمى أحمدَ يَا لَيْتَ أنّي ... أُعَمَّر بعد مَبْعثَهِ بعَامِ
فأعضُدُه وأحبُوه بنَصْرِي ... بكُلّ مُدَجَّج وبِكُلِّ رَامِي
مَتَى يَظْهَرْ فكُونوا ناصِرِيهِ ... ومن يلقاه يُبْلِغْه سَلامِي
روى ابن عباس قال سأل فروة بن مسيك الغطيفي النبي ﷺ َ - عن سبأ ما هو؟ أكان رجلاً أو امرأة أو أرضاً؟ قال: بل هو رجل من العرب ولد عشرة من لاولد فسكن اليمن منهم ستة وبالشام منهم أربعة فأما الذين تيامنوا فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحِمير فقال رجل وما أنمار؟ قال: الذين منهم خثْعم وبجيلة، وأما الذين تشامُوا فلَخم وجُذام وعاملة وغسان، ولما هلكت أموالهم وخربت بلادهم تفرقوا في غور البلاد ونجدها أيدي سبا شَذَر مذر، فلذلك قيل لكلّ متفرقين بعد اجتماع: «
стр. 9769
تَفَرَّقُوا أَيَادي سَبَا» فنزلت طوائف منهم الحجاز فمنهم خُزَاعة نزلوا بظاهر مكة ومنهم الأوسُ والخَزْرج نزلوا بيثرب فكانوا أول من سكنها ثم نزلت عندهم ثلاث قبائل من اليهود بنو قَيْنُقَاع وبنو قُرَيْظَة والنَّضير فخالفوا الأوس والخزرد وأقاموا عندهم ونزلت طوائف أُخَرُ منهم الشام وهم الذين تنصروا فيما بعد وهم غَسَّان وعامِلة ولخم وجذام وتنوخ وتغلب وغيرهم، و «سبأ» يجمع هذه القبائل كلها.
والجمهور على أن جميع العرب ينقسمون إلى قسمين فحطانية وعَدْنَانيَّة، فالقحطانية شَعْبَان سبأ وحَضْرَمَوْتَ والعَدْنَانيَّة شعبان ربيعةُ ومُضَر وأما قُضَاعَةُ فمختلف فيها فبعضهم نسبها إلى قَحْطَان وبعضهم إلى عدنان، وقيل: إن قحطان أول من قيل له: أنْعِمْ صباحاً، وأبَيْتَ اللَّعْنَ قال بعضهم: إن جميع العرب ينتسبون إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما (الصلاة و) السلام وليس بصحيح فإن إسماعيل نشأ بين جرهم بمكة وكانوا عرباً. والصحيح أن العرب العاربة كانوا قبل إسماعيل منهم عاد وثمود وطسم وجديس وأَهم وجرهم والعماليق يقال: إن «أهم» كان ملكاً يقال إنه أول من سقَّف البيوت بالخشب لامنشور وكانت الفرس تسميه آدم الأصغر وبنوه قبيلة، يقال لها: وَبَار هلكوا بالرمل انثال عليهم فأهلكهم وطمَّ (مناهلهم) وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
٤١٢٨ - وَكَرَّ دَهْرٌ عَلَى وَبَارِ ... فَهَلَكت عَنْوَةً وَبَارُ
стр. 9770
قوله: «جنتان» فيه ثلاثة أوجه:
الرفع على البدل من «آية» وأبد مُثَنَّى من مفرد لأن هذا المفرد يصدق على هذا المثنى وتقدم في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] .
الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر. وضعف ابن عطية الأول ولم يبينه. ولا يظهر ضعفه بل قوته وكأنه توهم أنهما مختلفان إفراداً أو تثنية فلذلك ضعف البدل عنده والله أعلم.
الثالث - وإليه نحا ابن عطية - أن يكون جنتان متبدأ وخبره «عَنْ يَمِينٍ وشِمَالٍ» .
وردَّة أبو حيان بأنه ابتداء بنكرة من غير مسوغ واعْتُذِرَ عنه بأنه قد يعتقد حذف صفة أي جَنَّتَانِ لهم أو جنتان عَظِيمَتان فيصح ما ذهب إليه وقرأ ابن أبي عبلة جنتين بالياء نصباً على خبر كان واسمها «آية» .
قإن قيل: اسم كان كالمبتدأ ولا مسوغ للابتداء به حتى يجعل اسم كان والجواب أنه يخصص بالحال المتقدمة عليه وهي صفته في الأصل ألا ترى أنه لو تأخر «لِسَبأٍ» لكان صفة «لآية» في هذه القراءة.
قوله: «عَنْ يَمينٍ» إما صفة لجنتان أو خبر مبتدأ مضمير أي هما عن يمين قال المفسرون أي عن يمين الوادي وشماله.
وقيل: عن يمين من أتاها وشماله وكان لهم وادٍ قد أحاط الجنتان بذلك الوادي.
قال الزمخشري: أيَّةُ آيَةٍ في جنتين مع أن بعض بلاد العراق فيها ألف من الجِنَان؟ وأجاب بأن المراد لكل واحد جنتين أو عن يمين أيديهم وشمالهم جماعات من الجنان ولإيصال بعضها ببعض جعلها جنة واحدة.
следующие страницы →