← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 9801–9840 · переход к 9806.

стр. 9801

عن الإيمان بالله وسوله وهذا إشارة إلى أن كفرهم كان لمانع لأن بعد المقتضي لا يمكنهم أن يقولوا: مَا جَاءَنا رسول ولا أن يقولوا: قصر الرسول لأن الرسول لو أهمل شيئاً لما كانوا يقولون لولا المستكبرون. ثم أجابهم المستكبرون وهم المَتْبُوعُونَ في الكفر للذين استضعفوا رد لما قالوا إن كفرنا كان لمانع ﴿أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ الهدى بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ﴾ يعني المانع ينبغي أن يكون راجحاً على المقتضي حتى يعمل علمه والذي جاء به هو الهدى، والذي صدر من المستكبرين لم يكن شيئاً يوجب الامتناع من قبول ما جاء به فلم يصحَّ تَعَلُّقُكُمْ بالمانع ﴿بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ﴾ بترك الإيمان فبين أن كفرهم كان اجتراماً من حيث إن المعذور لا يكون معذوراً إلا لعدم المقتضي أو ليقام المانع ولم يوجد شيء منهما. ثم قال ﴿وَقَالَ الذين استضعفوا لِلَّذِينَ استكبروا بَلْ مَكْرُ الليل والنهار إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بالله﴾ لما قال المستكبرون: إنا صددنا، وما صدر منا ما يصلح مانعاً وصادفاً اعترف المستضعفون به وقالوا بل مكر الليل والنهار أي مكركم في الليل والنهار. واعمل أنه يجوز رفع «مكر» من ثلاث أوجه: أحدها: الفاعلية تقديره: بل صَدَّنَا مَكْرُكُمْ في هذهين الوقتين. الثاني: أن يكون مبتدأ محذوف أي مكرُ الليلِ صَدَّنَا. الثالث: العكس أي سَبَبُ كُفْرِنا مَكْرُكُمْ. وهو المتقدم في التفسير وإضافةُ المَكْر إلى الليل والنهار إما على الإسناد المجازي كقولهم: لَيْلٌ مَاكِر، فالعرب تضيف الفعل إلى الليل والنهار كقول الشاعر: ٤١٤٠ - ... ... ... ... ... ... ... ... ... وَنِمْتِ وَمَا لَيْلُ المَطِيِّ بِنَائِمِ

стр. 9802

فيكون مصدراً مضافاً لمرفوعه، وإما على الاتساع في الظرف فجعل كالمفعول به فيكون مضافاً لمنصوبه وهذا أحسن مِنْ قَوْل مَنْ قال: إن الإضافة بمعنى «في» أي في الليل، لأن ذلك لم يثبت في (غير) محل النزاع، وقيل: مكر الليل والنهار طول السلامة وطول الأمل فيهما كقوله تعالى: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦] وقرأ العامة مَكْرُ بتخفيف الراء ساكن الكاف مضافاً لما بعد، وابن يَعْمُرَ وقتادةُ بتنوين: «مَكْر» وانتصاب الليل والنهار ظرفين. وقرآ أيضاً وسعيدُ بْنُ جبير وأبو رزين بفتح الكاف وتشديد الراء مضافاً لما بعده أي كُرُور الليل والنهار، واختلافهما، مِنْ كَرَّ يَكُرُّ إذا جَاءَ وذَهَبَ، وقرأ ابنُ جُبَيْر أيضاً وطلحةُ وراشد القَارِي - وهو الذي كان يصحح المصاحف أيام الحجاج بأمره - كذلك إلا أنه ينصب الراء وفيها أوجه: أظهرها: ما قاله الزمخشري وهو الانتصاب على المصدر قال: «بل تَكُرُّون الإغواء مَكَرًّا دائماً لا تَفْتُرُونَ عنه» . الثاني: النصب على الظرف بإضمار فعل اي بلْ صَدَدْتُمُونَا مَكَرَّ الليل والنهار أي دائماً. الثالث: أنه منصوب «بتأمُرُونَنَا» قاله أبو الفضل الرازي وهو غلط؛ لأن ما بعد المضاف لا يعمل فيما قبله إلا في مسألة وهي «غير» إذَا كانت بمعنى «لا» كقوله:

стр. 9803

٤١٤١ - إنّ امْرَءاً خَصَّنِي عَمْداً مَوَدَّتَهُ ... عَلَى التَّنَائِي لِعِنْدِي غَيْر مَكفُورِ وتقدم تقريرهذا آخر الفاتحة، وجاء قوله: ﴿قَالَ الذين استكبروا﴾ بغير عاطف؛ لأنه جواب لقول الضَّعَفَةِ فاستؤنف بخلاف قوله: ﴿وَقَالَ الذين استضعفوا﴾ فإنه لم يكن جواباً لعطف، والضمير في «وَأسَرُّوا النَّدَامَةَ» للجميع للإتباع والمتبوعين. فصل لما اعترف المستضعفون وقالوا بل مكر الليل والنهار منعنا ثم قالوا لهم إنكم وإن كنتم ما أتيتم بالصارف القطعي والمانع القوي ولكن انضم أمركم إيانا بالكفر إلى طول الأمد وامتداد المدد فَكَفرنَا فكان قولكم جزْءاً لسبب وقولهم «إذْ تَأمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ» أي ننكره «ونَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً» هذا يبين أن المشرك بِاللَّهِ مع أنه في الصورة مثبت لكنه في الحقيقة منكر لوجود الله لأن من يساويه بالمخلوق المنحوت لا يكون مؤمناً به. فصل قوله أولاً يَرْجعُ بَعْضُهْم إلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذينَ اسْتَضْعِفُوا بلفظ المستقبل وقوله في الآيتين الآخيرتين: «وقَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا، وقَالَ الَّذِين اسْتَضْعِفُوا» بلفظ الماضي مع أن السؤال والمراجعة في القول لم يقع إشارة إلى أن ذلك لا بدّ من وقوعه فإن الأمر الواجب الوقوع كأنه وقع كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وأما الاستقابل فعلى الأصل. قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب﴾ أي أنهم يتراجعون القول ثم إذا جاءهم العذاب الشاغل يسرون ذلك التراجع الدال على الندامة، وقيل: معنى الإسراء الإظهار وهو من الأضداد أي أظهروا الندامة ويحتمل أن يقال: بأنهم لما تراجعوا في القول رجعوا إلى الله بقولهم أبْصَرْنا وسَمِعْنَا فارْجِعْنَا نَعْمَلُ صَالِحاً وأجيبوا بأن لا مرد لكم فأسرُّوا ذلك القول، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا الأغلال في أَعْنَاقِ الذين كَفَرُواْ﴾ أي الأتباع والمتبوعين جميعاً في النار، وهذا إشارة إلى كيفية عذابهم ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَاّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ من الكفر والمعاصي في الدنيا.

стр. 9804

قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةإلَاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ جملة حالية من «قَرْيَةٍ» وإن كانت نكرة لأنها في سياق النفي. قوله: «بما أُرْسِلْتُمْ» متعلق بخبر «إنّ» و «به» متعلق بأُرْسِلْتُم، والتقدير: إنا كافورن بالذي أرسلتم. وإنما قد للاهتمام وحسنه تواخي الفواصل وهذا تسلية لقلب النبي ﷺ َ - بأن إيذاء الكفار للأنبياء ليس بدعاً بل ذلك عادة جرت من قبل، وإنما نسب القول إلى المترفين مع أن غيرهم أيضاً قالوا ذلك القول لأن المُتْرَفين هم الأصل في ذلك القول كقول المتسضعفين للذين استكبروا: «لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنينَ» ثم استدلوا على كونهم مصيبين في ذلك بكثرة الأموال والأولاد فقالوا «نَحْنُ أَكْثَرُ أمْوَالاً وَأَوْلَاداً» أي بسبب لزومنا لديننا ولو لم يكن الله راضياً بما نحن عليه من الدين والعمل لم يخولنا الأموال والأولاد «وَمَا نَحْنُ بمُعَذَّبِينَ» أي أن الله أحسن إلينا في الدنيا بالمال فلا يعذبنا. ثم إن الله تعالى بيَّنَ خطأهم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ يعني أنّ الرزق في الدناي لا يدل سَعَتُه وضيقه على حال المحق والمبطل فكم من موسر شقي ومُعْسِر تَقِيّ فقوله: «وَيَقْدِرُ» أي يضيِّق بدليل مقابلته «يَبْسُطُ» وهذا هو الطباق البَدِيعِيّ وقرأ الأعمش: وَيُقَدِّرُ بالتشديد ثم قال: ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن قلة الرزق وضيف العيش وكثرة المال وسعة العيش بالمشيئة من غير اختصاص بالفاسق والصالح. ثم بين فساد استدلالهم بقوله: ﴿وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بالتي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زلفى﴾ يعني إن قولكم نحن أكثر أموالاً وأولاداً فنحن أحسن حالاً

стр. 9805

عند الله استدلالاً صحيحاً فإن المال لا يقر إلى الله وإنما المفيدُ العملُ الصالح بعد الإيمان وذلك أن المال والولد يَشْغِل عند الله فيُبْعِد عنه فكيف يقرب منه والعمل الصالح إقبال على الله واشتغال بالله ومن توجه إلى الله وصل ومن طلب من الله شيئاً حصل؟ قوله: ﴿بالتي تُقَرِّبُكُم﴾ صفة للأموال والأولاد، لأن جمع التكسير غير العاقل يعامل معالمة المؤنثة الواحدة، وقال الفراء والزجاج إنه حذف من الأول لدلالة الثاني عليه قالا والتقدير: وَمَا أَمْوَالُكُمْ بالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى وَلَا أوْلَادُكُمْ بالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ وهذا لا حاجة إليه أيضاً. ونقل عن الفراء ما تقدم من أن «التي» صفة للأموال والأولاد معاً وهو الصحيح وجعل الزمخشري «التي» صفة لموصوف محذوف قال: «ويجوز أن يكون هيا لتقوى وهي المقربة عند الله زلفى وحدها أي ليستْ أَمْوَالُكُمْ ولا أوْلَاكُكُمْ بتلك الموصوفة عند الله بالتقريب» قال أبو حيان: ولا حاجة إلى هذا الموصوف. قال شهاب الدين: والحاجة إليه بالنسبة إلى المعى الذي ذكره داعية، و «زُلْفَى» مصدر مِنْ مَعْنى الأول، إذ التقدير تُقَرِّبُكُمْ قُرْبَى، وعن الضحاك زُلَفاً بفتح اللام وتنوين الكلمة على أنها جمع «زُلْفَى» نحو قُرْبَة وقُرَب، جُمع المَصْدَرُ لاختلاف أنواعه وقال الأخفش: «زُلْفَى» اسم مصدر كأنه قال: بالتي تقربكم عندنا تَقْريباً.

стр. 9806

قَوْلُهُ: ﴿إلَاّ مَنْ﴾ فيه أوجه: أحدهما: أنه استثاء منقطعٌ فهو منصوب المحل والمعنى لكن مَنْ آمَن وعَمِلَ صَالِحاً، قال ابن عباس يريد من آمن إيمانه وعمله يقربه منّي. الثاني: أنه في محل جر بدلاً من الضمير في: «أَمْوَالِكُمْ» قاله الزجاج. وغلَّطَهُ النَّحَّاس بأنه بدل ضمير من ضمير المخاطب قال: ولو جاز هذا لجاز: رَأَيْتُكَ زَيْداً، وقول أبي إسْحَاقَ هذا هو قول الفارء انتهى. قال أبو حيان: ومذهب الأخفش والكوفيين أنه يجوز البدل من ضمير المخاطب والمتكلم إلا أن البدل في الآية لا يصح ألا ترى أنه لا يصح تفريغ الفعل الواقع صلة لما بعد إلا لو قلت: مَا زَيْدٌ بالَّذِي يَضْرِبُ إلا خالداً لم يجز. وتخيل الزجاج أن الصلة وإن كانت من حيث المعنى منفية أنه يجوز البدل وليس بجائز إلا أن يصح التفريغ له. قال شهاب الدين: ومنعه قولك «مَا زَيْدٌ بالَّذِي يَضْرِبُ إلَاّ خَالِداً» فيه نظر لأن النفي إذا كان منسحباً على الجملة أ"طى حُكْمَ ما لو باشر ذلك الشيء ألا ترى أن النفي في قولك: «مَا طَنَنْتُ أحَداً يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَاّ زيدٌ» سوغ البدل في زيد من ضمير «يَفْعَلُ» وإن لم يكن النفي متسلطاً عليه وقالوا ولكنه لما كان في حَيِّز النفي صح فيه ذلك فهذا مثله والزمخشري أيضاً تَبعَ الزجاج والفراء في ذلك في حيث المعنى إلا أنه لم يجعله بدلاً بل منصوباً على أصل الاستثناء فقال: «إلَاّ مَنْ آمَنَ» استثناء من «كُمْ» في «نُقَرِّبُ» والمعنى أن الأموال لا تقرب أحداً إلا المؤمن لاذي يُنْقِقُها في سبيل الله والأولاد لا تقرب أحداً إلا من علَّمهم الخَيْرَ وفَقَّهَهُمْ في الدِّين ورشَّحهم للصَّلاح ورد عليه أبو حيان بنحو ما تقدم فقال: لا يجوز: «مَا زَيْدٌ بالَّذِي يَخْرُجُ إلَاّ أَخْوهُ» و «مَا زَيْدٌ بالَّذِي يَضْرِبُ إلَاّ عَمْراً» والجواب عنه ما تقدم وأيضاً فالزمخشري لم يجعله بدلاً بل استثناء صريحاً، ولا يشترط في الاستثناء التفريغ اللفظي

стр. 9807

بل الإسناد المعنوي ألا ترى أنك تقول: قَامَ الْقَومُ إلَاّ زَيْداً ولو فرغته لفظاً لامتنع لأنه مثبت وهذا الذي ذكره الزمخشري هو الوجه الثالث في المسألة الرابع: «أنَّ» مَنْ آمَنَ «في محلِّ رفع على الابتداء والخبر. قوله : ﴿فأولئك لَهُمْ جَزَآءُ الضعف﴾ قال الفراء: هو في موضع رفع تقديره ما هو المقرب إلَاّ مَنْ آمَن، وهذا ليس بجيد وعجيب من الفراء كيف يقوله. قوله: «فَأولَئِكَ لَهُمَ جَزَاء الضّعْفِ» ، قرأ العامة جزاء الضعف مضافاً على أنه مصدر مضاف لمفعلوله، أي أنْ يُجَازِيَهُم الضّعْفَ وقدره الزمخشري مبنياً للمفعول أي يُجْزَوْنَ الضّعفَ ورده أبو حيان بأن الصحيح منعه. وقرأ قتادة برفعها على إبدال الضّعفِ من «جزاء» وعنه أيضاً وعن يعقوب بنصب جزاء على الحال منوناً والعامل فيها الاستقرار وهذه كقوله: ﴿فَلَهُ جَزَآءً الحسنى﴾ [الكهف: ٨٨] فيمن قرأه بالنصب نصب جزاء في الكهف. قوله: ﴿وَهُمْ فِي الغرفات آمِنُونَ﴾ قرأ حمزة الغُرْفَةِ بالتوحيد على إرادة الجنس ولعدم اللبس لأنه معلوم أن لكل أحد غرفة تخصه وقد أُجْمِعَ على التوحيد في قوله: ﴿يُجْزَوْنَ الغرفة﴾ [الفرقان: ٧٥] ولأن لفظ الواحد أخف فوضع موضع الجمع مع أمن اللبس والباقون «الغُرُفَاتِ» جمع سلامة وقد أُجْمِعَ على الجمع في قوله: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الجنة غُرَفَاً﴾ [العنكبوت: ٥٨] والرسم محتمل للقراءتين. وقرأ الحسن بضم راد غُرُفات على الإتباع وبعضهم يفتحها

стр. 9808

وتقدم تحقيق ذلك أول البقرة وقرأ ابن وثاب الغُرُفَةَ بضم الراء والتوحيد. فصل والمعنى يضعف الله حسناتهم فيجزي بالحسنة الواحدة عشرة إلى سبع مائة لأنه الضعف لا يكون إلا في الحسنة وفي السيئة لا يكون إلا المثل ثم زاد وقال: ﴿وَهُمْ فِي الغرفات آمِنُون﴾ إشارة إلى دوامها وتأبيدها. ثم بين حال المسيء فقال: ﴿والذين يَسْعَوْنَ في آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ أي سعون في إبطال حججنا معاجزين معاندين يحسبون أنهم يعجزوننا ويفوتوننا. وقد تقدم تفسير: «أولئك في العذاب محضرون» وهذا إشارة إلى الدوام أيضاً كقوله: ﴿وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾ [الإنقطار: ١٦] ثم قال مرة أخرى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِر﴾ إشارة إلى أن نعيم الآخرة لا ينفافي نعمة الدنيا بل الصالحون قد يحصل لهم في الدنيا النعم في القطع بحصلو النعم في العُقْبَى ببناء على الوعد قطعاً لقول من يقول: إذا كانت العاجلة والآجلة لهم فالنقد أولى فقال هذا النقد غير مختص بكم فإن كثيراً من الأشقياء مدفوعون وكثيراً من الأتقياء مَمْنُوعُونَ، ولهذا المعنى ذكر هذا الكلام مرتين مرة لبيان أن كثرة أموالهم وأولادهم غير دالةٍ على حسن أحوالهم ومرة لبيان أنه غير مختص بهم كأنه قال وجود القرب لا يدل على الشرف ثم إنْ سَلَّمنا أنه كذلك لكن المؤمنون سيحصل لهم ذلك فإن الله يملكهم دياركم وأموالكم ويدل على ذلك أن الله تعالى لم يذكر أولاً لمن يشاء من عباده بل قال: لمن يشاء. وقال ثانياً: لمن يشاء من عبادة فالكافر أثره مقطوع وماله إلى زوال وماله إلى الهواء وأما المؤمن فما يُنْفِقْه يُخْلِفْه الله. قوله: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم﴾ يجوز أن تكون ما موصولة في محل رفع بالابتداء والخبر قوله: ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ ودخلت الفاء لشبهه بالشرط، و «مِنْ شَيْءٍ» بيان كذا قيل. وفيه نظر؛ لإبهام شيء فأي (تَبين) فيه؟ ويجوز أن تكون «ما» شرطية فيكون في محل نصب مفعولاً مقدماً و «فَهُوَ يُخْلِفُهُ» جواب الشرط.

стр. 9809

فصل المعنى: وَمَا أَنْقَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ أي يعطي خلقه قال سعيد بن جبير: ما كان في غير إسْرِافٍ ولا تَقْتِير فهْو يُخْلِفُه وقال الكلبي: ما تصدقتم من صدقة وأنفقتم في الخير من نَفَقَةٍ فهو (ينفقه) ويخلفه على المُنْفِق إما أن يعجَّل له في الدنيا وإما أن يدَّخِرَ له في الآخرة. «وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» خَيْرُ من يعطي ويرزق، رَوَى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ َ - إن الله قال: «أنْفِقْ أُنْفِقْ عليك» وقال - عليه (الصلاة و) السلام -: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبحُ فِيهِ العِبَادُ إلَاّ وَيَنْزِلُ (فِيهِ) مَلَكَا (ن) فيقولُ أحدهما: اللَّهُمّ أَعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً ويقول الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً» وإنما جمع الرازقين من حيث الصورة لأن الإنسان يرزق عياله من رزق الله والرازق للكل في الحقيقة إنما هو الله، واعلم أنَّ خير الرازقين يكون أمور أن لا يؤخر في وقت الحاجة وأن لا يَنْقُصَ من قد الحاجة وأن لا ينكده بالحساب وأن لا يُكَدِّره بطلب الثواب والله تعالى كذلك. فإن قيل: قوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرازقين﴾ ينبئ عن كثرة الرّازقين ولا رازق إلَاّ الله. فالجواب: أن يقال: الله خير الرازقين الذين تظنونهم رازقين وكذلك في قوله تعالى: ﴿أَحْسَنُ الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤] وأيضاً فإن الصفات منها ما هو لله وللعبد حقيقة كالعلم بأن الله واحد فإن الله يعلم أنه واحد، والعبد يعلم أنه واحدٌ حقيقة ومنها ما يقال للَّهِ حقيقةً وللعبد مجازاً مثل الرزَّاق والخَالِق فإن العبد إذا أعطى غيره شيئاً فالله هو المعطي في الحقيقة ولكن لما وجدت صورة العطاء من العبد سُمّي معطياً وهذا منه.

стр. 9810

قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ﴾ وقد تقدم أنه يقرأ بالنون والياء في الأنعام. قوله: ﴿أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ إياكم منصوب بخبر «كان» قدم لأجل الفواصل والاهتمام. واستدل بل على جواز تقديم خبر «كان» عليها إذا كان خبرها جملة فإن فيه خلافاً جوزه ابنُ السارج، ومنعه غيره وكذلك اختلفوا في توسطه إذا كان جملة. قال ابن السِّرِّاج: القياس جوازه لكن لم يسمع. قال شهاب الدين: قد تقدم في قوله: ﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ [الأعراف: ١٣٧] ونحوه أنه يجوز أن يكون من تقديم الخبر وأن لا يكون. ووجه الدلالة هنا أن تقتديم المعمول مُؤْذِنٌ بتقديم العامل. وتقدم تحقيق هذا في «هُودٍ» في قوله تعالى: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨] (و) وضع هذه القاعدة. فصل لما بين أن حال النبي ﵊ ُ - كحال من تقدمه من الأنبياء وحال قومه حال من تقدّم من الكفار وبين بطلان استدلالهم بكثرة أموالهم وأولادهم بين ما يكون عاقبة حالهم فقال: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ يعني المكذبين بك «ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ» الذين يدعون أنهم يعبدونهم فإن غاية ما ترتفي إليه منزلتهم أنهم يقولون:

стр. 9811

نحن نعبد الملائكة والكواكب قال قتادة: هذا استفهام تقرير كقوله تعالى لعيسى ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين﴾ [المائدة: ١١٦] فيقول: « (أَ) هَؤُلَاءِ إيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ» فتبرأ منهم الملائكة فيقولون: «سُبْحَانَكَ» تنزيهاً لك «أنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ» أي نحن نتولاك ولا نتولاهم يعني كونك ولي بالعبودية أولى وأحب إلينا من كونهم أولياءنا بالعبادة لنا فقالوا: « (بَلْ) كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ» أي الشياطين فهم في الحقيقة كانوا يعبدون الجن ونحن (كنا) كالقِبْلة لهم. فإن قيل: فهم كانوا يعبدون الملائكة فما وجه قولهم يعبدون الجن؟ قيل: أراد أن الشياطين زينوا لهم عبادة الملائكة فهم كانوا يُطيعون الشياطين في عبادة الملائكة فقوله: «يعبدون» أي يطيعون الجن ولعبادة هي الطاعة «أكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ» أي مصدِّقون الشياطين. فإن قيل: جميعهم كانوا متابعين للشياطين فما وجه قوله: ﴿أكْثَرُهُمْ بِهِمْ﴾ فإنه يدل على أنَّ بَعْضَهُم لم يؤمن بهم ولم يُطِعْهُمْ؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن الملائكة أحتظروا عن (دَعْوى) الإحاطة بهم فقالوا: أكثرهم لأنَّ الَّذِين رأوهم وأطلعوا على أحوالهم كانوا يعبدون الجنَّ ويؤمنون بهم ولعلَ في لاوجود من لم يُطْلع الله الملائكة عليه من الكفار. الثاني: هو أن العبادة علم ظاهر والإيمان عمل باطن فقالوا بل يعبدون الجن لاِّطلاعهم على أعمالهم وقالوا أكثرهم بهم مؤمنون عند عمل القلب لئلا يكونوا مدعين اطّلاعهم على ما في القلوب فإن القلب لا يطلع على من فيه إلا الله كما قال: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ [هود: ٥] . ثم بين أن ما كانوا يعبدون لا ينفعهم فقال: ﴿فاليوم لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾ . وهذا الخطاب يحتم أن يكون مع الملائكة لسبق قوله: ﴿أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ وعلى هذا يكون تنكيلاً للكافرين حيث بيّن لهم أن معبودهم لا ينفعهم ولا يضر. ويصحح هذا قوله تعالى: «لا يملكون الشّفاعة إلا لمن ارتضى» . ولقوله بَعْدَه: ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا﴾ ولو كان المخاطب هم الكفار لقال: «

стр. 9812

فَذُوفُوا» ويحتمل أن يكون داخلين في الخطاب حتى يصح معنى قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ﴾ أي الملائكة والجن وإذا لم تملكوها لأنفسكم فلا تملكوها لغيرهم، ويحتمل أن يكون الخطاب والمخاطب هم الكفار لأن ذكر اليوم يدل على حضورهم وعلى هذا فقوله: ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إنما ذكره تأكيداً لبيان حالهم في الظلم. فإن قيل: قوله «نفعاً» مفيد للحسرة فما فائدة ذكر الضرّ مع أنهم لو كانوا يملكون الضر لما نفع الكافرين ذلك؟ فالجواب: لما كان العبادة نفع لدفع ضرر المعبود كما يعبد الجبَّار، ويخدم مخافة شره بين أنهم ليس فيهم ذلك الوجه الذي يحسن لأجله عبادتهم. فإن قيل: «قَوْلُه هَهُنَا:» الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا «صفة للنار وفي السجدة وصف العذاب فجعل المكذب هنا النار وجعل المكذب في السجدة العذاب وهم كانوا يكذبون بالكل فما فائدته؟ فالجواب: قيل: لأنهم هناك كانوا مُلْتَبِسٍين بالعذاب مترددين فيه بدليل قوله: ﴿كُلَّمَآ أرادوا أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النار الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] فوصف لهم ما لا بسوه وهنا لم يُلَابِسُوهُ بعد لأنه عقيب حشرهم وسؤالهم فهو أول ما رأوا النار فقيل لهم: هذه النار التي كنتم بها تكذبون. قوله: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُواْ مَا هذا﴾ يعنون محمداً ﷺ َ -» إلَاّ رَجُلٌ يُريدُ أنْ يَصْدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ «فعارضوا الرهانَ بالتقليد» وَقَالُوا مَا هَذَا إلَاّ إفْكٌ مُفْتَرى «يعنون القرآن وقيل: القول بالوحدانية» إفْكٌ مُفْتَرًى «كقوله تعالى في حقهم: ﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ الله تُرِيدُونَ﴾ [الصفات: ٨٦] وكقولهم للرسول: ﴿قالوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ [الأحقاف: ٢٢] وعلى هذا فيكون قوله: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ﴾ بدلاً وقالوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ؛ هذا إنكار للتوحيد وكان مختصاً بالمشركين، وأما إنكار القرآن والمُعْجِزة فكان متفقاً عليه بين المشركين وأهل الكتاب فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلْحَقِّ﴾ على العموم. قوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ يعني المشركين» مِنْ كُتُبٍ يَدرسونَها «العامة على

стр. 9813

التخفيف مضارع» دَرَسَ «مخففاً أي حفظ وأبو حيوة يُدَرِّسُونَها بفتح الدال مشددة وكسر الراء والأصل» يَدْتَرِسُونَها «من الادّارس على الافتعال فأدغم، وعنه أيضاً بضم الياء وفتح الدال وتشديد الراء نم التَّدْريس. والمعنى يقرأونها وقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ﴾ أي إلى هؤلاء المحاضرين لك لم ترسل إليهم أي لم يأت العرب قبْلك نبي ولا نزل عليهم كتاب ولا أتاهم نذير يشافههم بالنّذارة غيرك، فلا تعارض بينه وبين قوله: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَاّ خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] إذ المراد هناك آثار النذير. ولا شك أن هذا كان موجوداً يذهب النبي وتبقى شريعته، ثم بين أنهم كالذين من قبلهم كَذّبوا مثلَ عادٍ وثمودٍ وغيرهم. قوله: ﴿وَمَا بَلَغُوا﴾ الظاهر أن الضمير في «بلغوا» وفي «آتيناهم» للَّذِين من قبله ليناسق قوله: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ يعني أنهم لم يبلغوا في شكر النعمة وجزاء المِنّة «مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ» من النعم والإحسان إليهم. وقيل: بل ضمير الرفع لقريش والنصب «للذين من قبلهم» وهو قول ابن عباس على معنى أنهم كانوا أموالاً، وقيل: بالعكس على معنى إنا أعطيْنَا قريشاً من الآيات والبراهين ما لم نُعْطِ من قبلهم. واختلق في المشعار فقيل: هو بمعنى العُشْر بني مِفْعَال من لفظ العُشْر كالمِرْبَاع، ولا ثالث لهما من ألفاظ العدد لا يقال: مِسْدَاس ولا مِخْمَاس، وقيل: هو عُشْرُ العُشْرِ، إلا أن ابن عطية أنكره وقال: ليس بشيء وقال المَاوَرْدِيُّ: المعشار هنا عُشْر العَشِيرِ، والعَشِيرُ هو عُشْرُ العُشْرِ.

стр. 9814

فيكون جزءاً من ألف قال: وهو الأظهر لأن المراد به المبالغة في التقليل. فصل المعنى أن هؤلاء المشركين ما بلغوا مِعْشَارَ ما أعطينا الأمم الخالية من النِّعْمَة والقوة وطول العُمْرِ فكذبوا رسلي فكيف كان نكير؟ أي إنكاري وتغييري عليهم يحذر كفار هذه الأمة عذاب الأمم الماضية وقي: المراد وكذَّب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم أي الذين من قبلهم ما بلغوا مِعْشَار ما آتينا قوم محمد من البَيَان والبُرْهان وذلك لأن كتاب محمد ﵇ أكملُ من سائر الكتب وأوضح ومحمد ﵇ أفضل من الكتب وبما آتاهم من الرسل أنكر عليهم فكيف لا ينكر عليهم وقد كذبوا بأفصح الرُّسل وأوضح السُّبُل ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ يعني غير القرآن ما آتيناهم كتاباً «وَمَا أَرْسَلْنَا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِير» فلما كان المؤتى في الآية الأولى هو الكتاب فحمل الآية الثانية على إيتاء الكتاب أولى. قوله: «فكذبوا» فيه وجهان: أحدهما: أنه معطوف على «كَذِّبَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ» . والثاني: أنه معطوف على «وما بلغوا» وأوْضَحَهُما الزمخشري فقال: «فإن قلت: ما معنى» فكذبوا رسلي «وهو مستغنى عنه بقوله: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِين مِنْ قَبْلِهِم﴾ ؟ قلتُ: لما كان معنى قوله: ﴿وَكَذَّبَ الِّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وفعل الذين من قبلهم التكذيب وأقدموا عليه جعل تكذيب الرسل سبباً عنه ونظيره أن يقول القائل: أقْدَمَ فلانٌ على الكفر فكفر بمحمد ﷺ َ - ويجوز أن يعطف على قوله: ﴿وَمَا بَلَغُوا﴾ كقولك: مَا بَلَغَ زَيْدٌ مِعْشَارَ فَضْلِ عمرو فَيُضِّلَ عليه» و «نَكِيرِ» مضاف لفاعله أي إنْكاري وتقدم حذف يائه وإثْبَاتُها.

стр. 9815

قوله: ﴿قُلْ إنَّما أعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ أي آمركم وأوصيكم بواحدة أي بخصلة واحدة ثم بين تلك الخصلة فقال: ﴿أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ أي لأجل الله. قوله: «أن تقوموا» فيه أوجه: أحدها: أنها مجرورة المحل بدلاً من «وَاحِدَةٍ» على سبيل البيان. قاله الفارسي. الثاني: أنها عطف بيان «لواحدة» قاله الزمخشري. وهو مردود لتخالفها تعريفاً وتنكيراً، وقد تقدم هذا عند قوله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] . الثالث: أنها منصوبة بإضمار «أَعْنِي» . الرابع: أنها مرفوعة على خبر ابتداء مضمر أي هي أن تقوموا، و «مَثْنَى وفُرَادَى» حال وتقدم تحقيق القول في «مثنى» وبابه في سورة النساء، ومضى القول في «فُرَادَى» في الأنعام، ومعنى «مَثْنَى» أي اثنين اثنين، و «فُرَادَى» واحداً واحداً. ثم قوله: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ عطف على «أنْ تَقُومُوا» أي قِيَامكُمْ ثم تَفَكُّركُمْ، والوقف عند أبي حاتم على هذه الآية مث يتبدئ: «مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةِ» وقال مقاتل: تم الكلام (عند) قوله: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ أي في خلق السموات والأرض فتعلموا أن خالقهما واحد لا شريك له.

стр. 9816

قوله: ﴿مَا بِصَاحِبكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ وفي «ما» هذه قولان: احدهما: أنها نافية والثانية: أنها استفهامية لكن لا يراد به حقييقة الاستفهام فيعود إلى النفي. وإذا كانت نافية فهل هي معلقة أو مستأنفة أو جواب القسم الذي تضمنه معنى «تَتَفَكَّرُوا» لأنه فعل تحقيق كتَبَيَّنَ وبابه؟ ثلاثة أوجه نَقَل الثَّالِثَ ابنُ عطية. وربما نسبه لِسِيبويهِ، وإذا كانت استفهامية جاز فيها الوجهان الأولان دون الثالث و «مِنْ جنَّةٍ» يجوز أن يكون فاعلاً بالجار لاعتماده وأن يكون مبتدأ ويجوز في «ما» إذا كانت نافية أن تكون الحجَازيَّة أو التَّمِيميَّة. قوله: ﴿مثنى وفرادى﴾ إشارة إلى جمعي الأحوال فإن الإنسان إما أن يكون مع غيره فيدخل في قوله «مَثْنَى» وإن كان وحده دخل في قوله: «فُرَادَى» فكأنه قال: تَقُومُوا لله مجتَمعِينَ ومُنْفَرِدِين لا يمنعكم الجمعيَّةُ من ذكر الله ولا يحوجكم الانفراد يُعينكم على ذكر الله ثم تتفكروا في حال محمد ﷺ َ - فتعلموا ما بصاحبكم من «جنة» جنون. وليس المراد من القيام القيام ضد الجلوس وإنما هو القايم بالأمر الذي هو طلب الحق كقوله: ﴿وَأَن تَقُومُواْ لليتامى بالقسط﴾ [النساء: ١٢٧] قال ابن الخطيب وقوله: ﴿بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ يفيد كونه رسولاً وإن كان يظهر من أشياء لا تكون مقدورة للبشر وغير البشر من يظهر منه العجائب إما الجن وإما الملك فإذا لم يكن الصادر من النبي ﵇ بواسطة الجن بل بقدرة الله من غير واسطة وعلى

стр. 9817

التقديرين فهو رسول الله وهذا من أحسن الطُّرق، وهو الذي يثبت الصفة التي هي أشرف الصفات في البشر بنفي أخسِّ الصفات فإنه لو قال أولاً هو رسول كانوا فيه النِّزاع فإذا قال: ما هو مجنون لم يسعهم إنكار ذلك، ليعلمهم بعلو شأنه وحاله في قوة لسانه، فإذا ساعدوا على ذلك لزمتهم المسألة ولهذا قال بعده: ﴿إنْ هُوَ نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ يعني إما هو به جِنّة وهو رسول لكن تبين أنه ليس به جنة فهو نذير. وقوله: ﴿بَيْنَ يَدِيْ عَذَابِ شَدِيدٍ﴾ إشارة إلى قرب العذاب كأنه قال بنذركم بعذاب حاضر يَمَسّكم عن قريبٍ. قوله: ﴿قُلَ مَا سألتُكُمْ مِنْ أجْرٍ﴾ في «ما» وجهان: أحدهما: أنها شرطية فيكون مفعولاً مقدماً و «فهُوَ لَكُمْ» جوابها. والثاني: أنها موصولة في محل رفع بالابتداء والعائدمحذوف أي سأَلْتُكُمُوهُ والخبر: «فَهُوَ لَكُمْ» ودخلت الفاء لشبه الموصول بالشرط والمعنى يحتمل أنه لم يسألهم أجراً البتة كقولك: إن أعْطَيْتَنِي شيئاً فخذه مع عملك أي لم يُعْطِكَ شيئاً وقول القائل: ما لي من هذا فقد وهبته لك يريد ليس لي فيه شيء. ويؤيده: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَاّ عَلَى الله﴾ ويحتمل أن سألهم شيئاً نفعُه عائدٌ عليهم وهو المراد بقوله: ﴿إِلَاّ المودة فِي القربى﴾ [الشورى: ٢٣] «إنْ أَجْرِيَ» ما ثوابي ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٍ﴾ . قوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بالحق﴾ يجوز أن يكون «يَقْذِفُ بالْحَقِّ» مفعوله محذوفاً لأن القَذْفَ في الأصل الرمي وعبر عنه هنا عوضاً عن الإلقاء أي يلقي الوحي إلى أنبيائه «بالْحَقِّ» أي بسبب الحق أو ملتبساً بالحق. ويجوز أن يكون التقدير يَقْذِفُ الباطلَ بالحقِّ أي يدفعه ويطرحه، كقوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل﴾ [الأنبياء: ١٨] ويجوز أن يكون الباء زائدة أي نُلْقِي الحَقِّ، كقوله: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] أو تضمن «يقذف» معنى يقتضي ويحكم، والقذف الرمي بالسهم أو بالحَصَاةِ أو الكلام.

стр. 9818

قال المفسرون: معناه نأتي بالحق بالوحي ننزله من السماء فنقذفه إلى الأنبياء قوله: ﴿عَلَاّمُ الغيوب﴾ العامة على رفعه وفيه أوجه: أظهرها: أنه خبر (ثانٍ) ل «إنّ» أو خبر لمتبدأ مضمر أو بدل من الضمير في «يَقْذِفُ» أو نعت له على رأي الكسائي؛ لأنه يُجيزُ نعت الضمير الغائب. وقد صرح به هنا وقال الزمخشري: رفع على محل إنَّ واسْمِها، أو على محل إنَّ اسْمِها، أو على المستكِنِّ في «يَقذف» يعني بقوله محمول على محل إنَّ واسْمِهَا يعني به النعت إلا أن ذلك ليس مذهب البصريين لأنهم لم يعتبروا المحل إلا في العطف بالحرف بشروط عند بعضهم. ويرد بالحمل على الضمير في نقذف أنه بدل منه لا أنه نعت له لأن ذلك انفرد به الكسائي، وقرأ زَيْدُ بْنُ عَلِيِّ وعيسَى بْنُ عُمَرَ وابنُ أبي إسْحَاقَ بالنصب نعتاً لاسم إنَّ أو بدلاً منه على قلة الابدال بالمشتق أو منصوب على المدح. وقرئ الغُيُوب بالحركات الثلاث في الغين. فالضم تقدما في «بُيُوتٍ» وبابه. وأما الفتح

стр. 9819

صيغةُ مبالغة كالشَّكُورِ والصَّبُورِ وهو الشيء الغائب الخَفِيُّ. فصل قال ابن الخطيب في يقذف بالحق وجهان: أحدهما: نقذف بالحق في قلوب المحقين. وعلى هذا تُعَلَّقُ الآية بما قبلها من حيث إن الله تعالى لما بين رسالة النبي - عليه (الصلاة و) السلام - بقوله: ﴿إنْ هُوَ إلَاّ نَذِيرٌ﴾ وأكده بقوله: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُم﴾ وكان من عادة المشركين استعباد تخصيص واحد من بينهم بإنزال الذكر عليه كما حكى عنهم قولهم: ﴿أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨] ذكر ما يصلح جواباً لهم فقال: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بالحق﴾ في القلوب (إشارة إلى أن الأمر بيده يفعل ما يريد ويعطي ما يشاء كما يريد من غير اختصاص محل الفعل بشيء لا يوجد في غيره لا يكون عالماً وإنما ذلك فعل اتفاقاً، كما يصيب السهم موضعاً دون غيره مع تسوية المواضع في المحاذاة، فقال: «بالْحقِّ» كيف شاء وهو عالم بما يفعله (دعاكم) بعواقب ما يفعله إذْ هُو عَلَاّم الغُيُوب فهو كما يريد لا كما يفعل الهاجمُ الغافلُ عن العَوَاقب. الوجه الثاني: أن المراد منه أنه يقذف بالحق على الباطل كقوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨] وعلى هذا تعلق الآية بما قبلها من حيث إن براهين التوحيد لما ظهرت وشبهتهم داحضة قال: «إن ربي يقذف بالحق» أي يُبْلي باطلكم. وعلى هذا الوجه فقوله: «علام الغيوب» هو أنّ البرهان المعقول لم يقع إلا على التوحيد والرسالة وأما الحشر فلا بُرْهَان على وقوعه إلا إخبار الله تعالى عنه وعن أحواله وأهواله ولولا بيان الله بالقول لما بان لأحد بخلاف التوحيد والرسالة فلما قال: ﴿يَقْذِفُ بالحق﴾ أي على الباطل أشار به إلى ظهور البراهين على التوحيد والنبوة. ثم قال: «عَلَاّم الغُيُوبِ» أي ما يخبره عن الغيب وهو قيام الساعة وأهوالها فهو لا خُلْف فيه فإن اله علام الغيوب. وتحتمل الآية وجهاً آخر هو أن يقال: « ﴿رَبِّي يَقْذِفُ بالحق﴾ أي ما

стр. 9820

يقذفه بالحق لا بالباطل. والباء على الوجهين الأولين متعلق بالمفعول به والحق مقذوف على الوجهين الأولين وعلى هذا الباب في قوله:» بالحق «كالباء في قوله تعالى: ﴿فاحكم بَيْنَ الناس بالحق﴾ [ص: ٢٦] والمعنى على هذا الوجه هو أن الله تعالى قذف ما قذف في قلوب الرسل وهو علام الغيوب يعلم ما في قلوبهم وما في قلوبكم. قوله: ﴿قُلْ جَآءَ الحق﴾ يعني القرآن. وقيل: التوحيد والحشر، وكلّ ما ظهر على لسان النبي - عليه (الصلاة و) السلام. وقيل المعجزات الدالة على نبوة محمد - عليه (الصلاة و) السلام وقيل: المراد من جاء بالحق أي ظهر الحق لأن كلَّ ما جاء فقد ظهر. قوله: ﴿وَمَا يُبْدِيءُ﴾ يجوز في «ما» أن تكون نفياً، وأن تكون استفهاماً، ولكن يَؤُول معناها إلى النفس، ولا مفعول «ليُبْدِئُ» ولا «لِيُعِيدُ» إذ المراد لا يوقع هذهين الفعلين كقوله: ٤١٤٢ - أقَفَرَ مِنْ أَهْلِهِ عُبَيْدُ ... أَصْبَحَ لَا يُبْدِي وَلَا يُعِيدُ وقيل: مفعوله محذوف أي ما يُبْدِئُ لأهله خبراً ولا يُعِيدُه، وهو تقدير الحسن. والمعنى: ذَهَبَ البَاطِلُ ووَهَن فلم يبق منه بقية يبدي شيئاً أو يعيد. وهو كقوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨] وقال قتادة: الباطل هو إبليس أي ما يخلق إبليسُ أحداً ابتداء ولا يبعثه. وهو (قول) مقاتل والكلبِّي، وقيل: الباطل الأصنام. قوله: ﴿إنْ ضَلَلْتُ﴾ العامة على فتح لامه في الماضي وكسرها في المضارع ولكن

стр. 9821

بنقل الساكن قبلها. وابن وثاب بالعكس وهو لغةُ تميمٍ وتقدم ذلك. فصل قال المفسرون: إن كفار مكة كانوا يقولون: إنك ضللت حتى تركت دين آبائك، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ على نَفْسِي﴾ أي إثم ضلالي على نفسي ﴿وَإِنِ اهتديت فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ من القرآن والحكمة ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ . قوله: ﴿فِبِمَا يُوحِي﴾ يجوز أن تكون «ما» مصدرية أي بسبب إيحاء ربي لي، وأن تكون موصولة أي بسبب الذي يُوحِيه فعائده محذوف وقوله «سميعٌ» أي يسمع إذا ناديتهُ واستغنت به عليكم قريب يأتيكم من غير تأخير ليس كمن يسمع من بعيد ولا يلحق الدَّاعِي.

стр. 9822

قوله: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ فَزِعُواْ﴾ قال قتادة عن البعث حتى يخرجوا من قبورهم «فَلَا فَوْتَ» أي فلا تَفُوتُونِي كقوله: ﴿وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣] وقيل: إذْ فَرِعُوا عند الموت فلا نجاةَ و «لَوْ تَرَى» جوابه محذوف؛ أي (جوابه) ترى عجباً. قوله: ﴿فَلَا فَوْتَ﴾ العامة على بنائه على الفتح و «أُخِذُوا» فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول معطوفة على «فَزِعُوا» .

стр. 9823

وقيل: على معنى: «فَلَا فَوْتَ» أي فلم يفوتوا وأخذوا وقرأ عبد الرحمن مولى هاشم وطلحةُ فَلَا فَوْتٌ وأَخْذٌ مرفوعين منونين، وأُبَيّ يفتح «فوت» ، ورفع «أخذ» ، فرفع «فوت» على الابتداء أو على اسم لا الليسية ومن رفع «وأخذ» رفعه بالابتداء والخبر محذوف أي وأَخْذٌ هناك أو على خبر ابتداء مضمر أي وَحالُهُمْ أَخْذٌ. ويكون من عطف الجمل مثبتةً على منفيةٍ. قوله: ﴿وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ قال الكلبي: من تحت أقدامهم. وقيل: أخذوا من بطن الأرض إلى ظهرها. وحيث ما كانوا فهُمْ مِنَ الله قريب لا يفونه. وقيل: من مكان قريب يعني عذاب الدنيا. قال الضحاك: هو يوم بَدْر. وقال ابنُ أبْزَى: خَسْفٌ بالبيداء وجواب «لَوْ تَرَى» محذوف أي لَرَأيْتَ أَمْراً يُعْتَبَرُ بِهِ. قوله: ﴿وقالوا آمَنَّا بِه﴾ أي عند اليأس. والضمير في «به» لله أو للرسول أو للقرآن أو للعذاب أو للبعث و «أَنِّي لَهُمْ» أي من أين لهم أي كيف يقدرون على الظَّفَرِ بالمطلوب وذلك لا يكون إلَاّ من الدنيا وهم في الآخرة والدنيا من الآخرة بعيدة. فإن قيل: فكيف قال في كثير من المواضع: إنَّ الآخِرَةَ من الدنيا قريبة وسمى الله الساعة قريبة فقال: ﴿اقتربت الساعة﴾ [القمر: ١] ﴿اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] ﴿لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] .

стр. 9824

فالجواب: أن الماضي كالأمس الدابر وهو أبعد ما يكون؛ إذ لا وصولَ إليه والمستقبل وإن كان بينه وبين الحاضر سنين فإنه آتٍ فيوم القيامة الدنيا بعيدة منه لمضيِّها ويوم القيامة في الدنيا قريب لإتيانه. قوله: ﴿التناوش﴾ متبدأ و «أنَّى» خَبَرهُ، أي كيف لهم التناوش و «لَهُم» حال، ويجوز أن يكون «لهم» رافعاً للتناوش لاعتماده على الاستفهام تقديره كيف استقر لهم التناوش؟ وفيه بعد، والتناوش مهموز في قراءة الأخوين وأبي عمرو، وأبي بكر وبالواو في قراءة غيرهم، فيحتمل أن يكونا مادتين مستقلتين مع اتّحاد معناهما، وقيل: الهمزة عن الواو لانضمامها كوُجُوهٍ وأُجُوه، ووُقّتت وأُقِّتَتْ وإليه ذهب جماعة كثيرةٌ كالزَّجّاج والزَّمخْشَري وابن عطية والحَوْفي وأبي البقاء قال الزجاج: كل واو مضمومة ضمة لازمة فأنت فيها بالخيار، وتابعه الباقون قريباً من عبارته. وردَّ أبو حيانَ هذا الإطلاق وقيده بأنه لا بدّ أن تكون الواو غير مدغم فيها تحرزاً من التعوذ وأن تكون غير مصححة في الفعل فإنها متى صحت في الفعل لم تبدل همزة نحو: تَرَهُوَكَ تَرَهْوُكاً، وتَعَاوَنَ تَعَاوُناً. وهذا القيد الآخر يبطل قولهم لأنها صحت في: «تَنَاوَشَ يَتَنَاوَشُ» ، ومتى سلم له هذان القيدان أو الأخير منهما ثَبَتَ رده. والتَّنَاوُشُ الرجوعُ، قال: ٤١٤٣ - تَمَنَّى أَنْ تَئُوبَ إلَيَّ مَيٌّ ... وَلَيْسَ إلى تَنَاوُشِهَا سَبِيلُ

стр. 9825

أي إلى رجوعها. وقيل: هو التناول يقال: نَاشَ كذا أي تَنَاوَلَهُ ومنه تَنَاوشَ القَوْمُ بالسِّلاح كقوله: ٤١٤٤ - ظَلَّتْ سُيُوفُ بَنِي أبِيهِ تَنُوشُهُ ... لِلَّهِ أَرْحَامٌ هُنَاكَ تَشَقَّقُ وقال آخر: ٤١٤٥ - وهي تَنُوشُ الْحَوْضَ نَوْشاً مِنْ عَلَا ... نَوْشاً به تقطَع أجْوَازَ الفَلَا وفرق بعضهم بين المهموز وغيره فجعل المهموز بمعنى التأخير. وقال الفراء: من نَأَشْتُ أي تَأَخَّرْتُ. وأنشد: ٤١٤٦ - تَمَنَّى نَئِيشاً أَنْ يَكُونَ مُطَاعُنَا ... وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الأُمُورِ أُمُورُ وقال آخر: ٤١٤٧ - قَعَدْتَ زَمَاناً عَنْ طِلَابِكَ لْلعُلَا ... وَجِئْتَ نَئِيشاً بَعَْ مَا فَاتَكَ الخَيْرُ وقال الفراء أيضاً: هما متقاربان يعني الهمزة وتركها مثل ذِمْتُ الشيء وذَأَمْتُهُ أي عِبْتُهُ وانْتَاشَ انْتَاشَ انِتْيَاشاً كَتَنَاوَشَ وقال: ٤١٤٨ - كَانَتْ تَنُوشُ العنق انْتِيَاشا ...

стр. 9826

وهذا مصدر على غير المصدر، و «مِنْ مَكَانٍ» متعلق بالتَّنَاوُشِ. فصل المعنى كيف لهم تناول ما بعد وهم الإيمان والتوبة وقد كان قريباً في الدنيا فضيّعوه وهذا على قراءة من لم يهمز وأما من همز معناه هذا أيضاً. وقيل: التناوش بالهمز من النَّيْشِ وهي حركة في إبطاء، يقال: جاء نيْشاً أي مُبْطِئاً متأخراً والمعنى من أي لهم الحركة فيما لا حيلة لهم فيه. قال ابن عباس: يسألون الرد فيقال: وأنَّى لهم الردُّ إلى الدنيا «من مكان بعيد» أي من الآخرة إلى الدنيا. قوله: ﴿وَقَدْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ جملة حالية. وقوله «به» أي بالقرآن. وقيل: بالله أو محمد - عليه (الصلاة و) السلام -. وقيل: بالعذاب أو البعث. و «من قبل» أي من قبل نزول العذاب. وقيل: من قبل أن عاينوا أهوال القيامة، ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة والأول أظهر. قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ يجوز فيها الاستئنافُ والحال، وفيه بعد. عكس الأول لدخول الواو على مضارع مثبت. وقرأ أبو حيوة ومجاهد ومحبوب عن أبي عمرو: ويُقْذَفُونَ مبنياً للمفعول أي يُرْجَمُونَ بما يسوؤهُمْ من جزاء أعمالهم من حيث لا يحْتسبون.

стр. 9827

فصل ويقذفون قال مجاهد: يرمون محمداً ﷺ َ بالظن لا باليقين وهو قولهم: ساحرٌ وشاعرٌ وكاهنٌ. ومعنى الغيب هو الظن لأنه غاب علمه عنهم والمكان البعيد بعدهم عن علم ما يقولون والمعنى يَرْمُونَ محمداً بما لا يعلمون من حيث لايعلمون. وقال قتادة: «أي يرجمون بالظن يقولون لا بعثَ ولا جنةَ ولانَارَ» . قوله: ﴿وَحِيَل﴾ تقدم في الإشمام والكسر أو البقرة. والقائم مقام الفاعل ضمير المصدر أي وحيل هو أي الحَوْلُ ولا تقدره مصدراً مؤكداً بل مختصاً حتى يصح قيامه، وجعل الحَوْفيُّ القائم مقام الفالع «بينهم» اعترض عليه بأنه كان نيبغي أن يرفع. وأجيب عنهُ بأنه إنما بني على الفتح لإضافته إلى غير متمكِّن. ورده أبو حيان بأنه لا يبنى المضاف إلى غير متمكن مطلقاً، فلا يجوز: قاَمَ غُلَامَكَ ولا مَرَرْتُ بِغُلَامكَ بالفتح. قال شهاب الدين: وقد تقدم في قوله: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] ما يغني عن إعادة ثم قال أبو حيان: وما يقول قائل ذلك في قول الشاعر: ٤١٤٩ - ... ... ... ... ... ... ... . ... وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الْعَيْرِ والنَّزَوَانِ فإنه نصب «بين» مضافة إلى معرب وخُرِّجَ أيضاً على ذلك قول الآخر: ٤١٥٠ - وَقَالَتْ مَتَى يُبْخَلْ عَلَيْكَ وَيُعْتَلَلْ ... يَسُؤْكَ (وَ) إنْ يُكْشَفْ غَرَامُكَ تَدْرَبِ

стр. 9828

أي يتعلل هو أي الاعتلال. قوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ يعني الإيمان والتوبة والرجوع إلى الدنيا. وقيل: نعيم الدنيا وزهرتها، «كَمَا فُعشلَ باَشْيَاعِهِمْ» بنظرائهم ومن كان (على) مث حالهم من الكفار «مِنْ قَبْلُ» لم يقبل منهم الإيمان في وقت اليأس «إنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكِّ» من البعث ونزول العذاب بهم، و «مِنْ قَبْلُ» متعلق «بفُعِلَ» أو «بأَشْيَاعِهِمْ» أي (الذين) شايعوهم قبل ذلك الحين. قوله: ﴿مُرِيب﴾ قد تقدم أنه اسم فاعل من أَراربَ أي أى بالريب أو دخل فيه وأَرَبْتُهُ أوْقَعْتُهُ في الرَّيْبِ. ونسبة الإرابة إلى الشك مجازاً. وقال الزمخشري هنا إلا أن ههنا فُرَيْقاً وهو أن المريب من المتعدي منقول من صحاب الشك إلى الشك كما تقول شرع شاعر ... . وهي عبارة حسنة مفيدة وأين هذا من قول بعضهم ويجوز أن يكون أردفه على الشك ليناسق آخر الآية بالتي قبلها من مكان قريب. وقول ابن عطية الشك المريب: أقوى ما يكون من الشك وأشدُّه،

стр. 9829

وتقدم تحقيق الريب أول البقرة، وتشينع الراغب على من يفسر بالشكّ، والله أعلم. روى أو أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ َ -. «مَنْ قَرَأَ سُوَرةَ سَبَأٍ لَمْ يَبْقَ نَبِيُّ وَلَا رَسُولٌ إلَاّ كَانَ لَهُ رفيقاَ وَمُصَافِحاً» . (صدق نبي الله وحَبِيبُ الله ﷺ َ) .

стр. 9830

سورة فاطر (سورة الملائكة ﵈ -

стр. 9831

مكية وهي ست وأربعون آية وسبع وتسعون كلمة وثلاثة آلاف ومائة وثلاثون حرفا. بسم الله الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: قوله: ﴿الحمد للَّهِ فَاطِرِ السماوات﴾ قد تقدم أن الحمد يكون على النعمة في أكثر الأمر. ونعم الله على قسمين عاجلة وآجلة والعاجلة وجود وبقاء والآجلة كذلك إيجاد مرة وإبقاء. قوله: ﴿فَاطِرِ﴾ إن جعلت إضافة محضة كان نعتاً «لله» وإن جعلتها غير محضة كان بدلاً. وهو قليل، من حيث إنه مشتق، وهذه قراءة العامة. والزُّهْريّ والضحاك: «فَطَرَ» فعلاً ماضياً وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها صلة لموصول محذوف أي الَّذِي فطر. كذا قدره أبو (حيان) وأبو

стр. 9832

الفضل، ولا يليق بمذهب البصريين لأن حذف الموصل الاسمي لا يجوز، وقد تقدم هذا الخلاف متسوفًى في البقرة. الثاني: أنه حال على إضمار «قد» قال أبو الفضل أيضاً. الثالث: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هُوَ فطر وقد حكى الزمخشري قراءة تؤيد ما ذهب إليه الرّازي فقال: «وقرئ الذي فَطَر وَجَعَل» ، فصرح بالموصول. فصل معنى فاطر السموات والأرض أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق. قاله ابن عباس وقيل: فاطر السموات والأرض أي شاقّهما لِنُزُول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض. ويلد عليه قوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً﴾ فإن في ذلك اليوم تكن الملائكةُ رسلاً. قوله: «جاعل» العامة أيضاً على جره نعتاً أو بدلاً، والحسن بالرفع والإضافة. وروي عن أبي عمرو كذلك إلا أنَّه لم ينون ونصب الملائكة، وذلك على حذف التنوين لالتقاء الساكنين كقوله: ١٤٥١ - ... ... ... ... ... ... ... ... ... وَلَا ذَاكِرِ اللَّهَ إلَاّ قَلِيلا

стр. 9833

وابنُ يعمُر وخُلَيْدُ بن نَشِيطٍ «جَعَلَ» فعلاً ماضياً بعد قراءة فاطر بالجر وهذه كقراءة: ﴿فَالِقُ الإصباح وَجَعَلَ الليل﴾ [الأنعام: ٩٦] والحَسَنُ وحُمَيْد رُسْلاً بسكون السين وهي لغة تميم. وجاعل يجوز أن يكون بمعنى مصير أوبمعنى خالق فعلى الأولى يجري الخلاف هل نصب الثاني باسم الفاعل أو بإضمار فعل هذا إن اعتقد أن جاعلاً غير ماضي أما إذا كان ماضياً تعين أن ينتصب بإضمار فعل. وتقدم تحقيق ذلك في الأنعام وعلى الثاني ينتصب على الحال، و «مَثْنَى وثُلَاثَ ورُبَاعَ» صفة لأجنحة و «أُولي» صلة لرُسُلاً. وتقدم تحقيق الكلام في مَثْنَى وأخْتَيْهَا في سورة النساء قال أبو حيان وقيل: أولي أجنحة معترض و «مثنى» حال والعامل فعل محذفو يدل عليه رسلاً أي يُرْسَلُون مَثْنَى وثُلَاث ورُبَاع وهذا لا يسمى اعتراضاً لوجهين: أحدهما: أن «أولي» صفة لرسلاً والصفة لا يقلا فيها معترضة. والثاني: أنها ليست حالاً من «رُسُلاً» (بل) من محذفو فكيف يكون ما قبله معترضاً؟ ولو جعله حالاً من الضمير في «رُسُلاً» لأنه مشتق لسهل ذلك بعض شيء

стр. 9834

ويكون الاعتراض بالصفة مجازاً من حيث إنه فاصل في الصورة. قوله: ﴿يَزِيدُ﴾ مستأنف و «مَا يَشَاءُ» هو المفعول الثاني للزّيادة. والأول لم يقصد فهو محذفو اقتصاراً لأن قوله في الخلق يُغْنِي عَنْهُ. فصل قول قتادة ومقاتل: ألوي أجنحة بعضهم له جناحان وبعضهم له ثلاثةُ أجنحة، وبعضهم له أجنحة يزيد فيها ما يشاء وهو قوله: ﴿يَزِيدُ فِي الخلق مَا يَشَآء﴾ قال (عبد الله) بنُ مسعود في قوله : ﴿لَقَدْ رأى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكبرى﴾ [النجم: ١٨] قال: رأي جبريل في صورته له ستّمائةِ جَنَاح. «قال ابن شهاب في قوله: ﴿يَزِيدُ فِي الخلق مَا يَشَآء﴾ قال: حسن الصوت وعن تقادة: هو المَلَاحَةُ في العينين وقيل: هو القعل والتمييز ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . قوله: ﴿مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ لما بين كمال القدرة ذكر بيان نفوذ المشيئة ونفاذ الأمر وقال: ﴿مَّا يَفْتَحِ الله﴾ إن رحم الله فلا مانع له وإن لم يرحم فلا باعثَ له عليها. وفي الآية دليل على سبق الرحمة الغضب من وجوه: أحدها: التقديم حيث قدم بيان فتح أبواب الرحمة في الذكر. وثانيها: أنه أنّث الكناية فقال: فَلَا مُمْسِكَ لَهَا» ويجوز من حيث العربية أن يقال: «لَهُ» عَوْداً إلى «ما» ولكن قال الله تعالى ذلك ليعلم أن المفتوح أبواب الرحمة فيه واصلة إلى من رَحِمَتُهُ وقال عند الإمساك: «وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ» بالتذكير ولم يقل «لها» فلم يصرح بأنه لا مرسل للرحمة بل ذكره بلفظ يحتلم أن يكون الذي يرسل هو غير الرحمة، فإن قوله (تعالى) ﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾ عامٌّ من غير بيانٍ وتخصيص. وثالثها: قوله من بعْدِه أي من بعد الله فاستثنى ههنا وقال: «لَا مُرْسِلَ لَهُ إلَاّ اللَّهُ» وعند الإمساك قال: لَا مُمْسِكَ لَهَا «ولم يقل غير الله لأن الرحمة إذا جاءت لا ترتفع فإن من ﵀ في الآخرة لا يعذبه بعدها هو ولا غيره ومن يعذبه الله قد ي ﵀ بعد العذاب كالفساق من أهل الإيمان.

стр. 9835

قوله: ﴿مِنْ رَحْمَةٍ﴾ تبين أو حال من اسم الشرط ولا يكون صفة ل» ما «لأن اسم الشرط لا يوصف قال الزمخشري: وتنكير الرحمة للإشاعة والإبهام كأنه قيل: أيّ رحمةٍ كانت سماويةً أو أرضية؟ قال أبو حيان: والعموم مفهوم من اسم الشرط و» من رحمة «بيان لذلك العام من أي صنف هو وهو مما اجْتُزِئَ فيه بالنكرة المفردة عن الجمع المعرف المطابق في العموم لاسم الشرط وتقديره من الرحمات. و» من «في موضع الحال. انتهى. قوله ﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾ يجوز أن يكون على عمومه أيْ أيّ شيء أمْسَكَه من رحمة أو غيرها. فعلى هذا التذكير في قوله له ظاهر لأنه عائد على «ما يمسك» ويجوز أن يكون قد حذف الميَّن من الثاني لدلالة الأول عليه تقديره وما يمسك من رحمة فعلى هذا التذكير في قوله: «له» على لفظ «ما» وفي قوله أولاً: فلا ممسك لها التأنيث فيه حمل على معنى «ما» لأن المراد به الرحمة فحل مأولاً على المعنى وفي الثاني على اللفظ. والفَتْحُ والإمساك استعارة حسنة «وَهُوَ العَزِيزُ» فيما أمسك أي كامل القدرة «الحَكِيمُ» فيما أرسل أي كامل العلم. قال - عليه (الصلاة و) السلام «الَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجدّ مِنْكَ الجِدُّ» . قوله: ﴿يا أيها الناس اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ﴾ لما بين أن الحمد لله وبين بعض وجوه النعمة التي تَسْتَوجبُ الحمدل على سبيل التفصيل بني النعمة على سبيل الإجمال فقال: ﴿اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ﴾ وهي مع كونها منحصرة في قسمين نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فقال: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ الله﴾ إشارة إلى نعمة الإيجاد في الابتداء وقال: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ إشارة إلى نعمة الإبقاء بالرزق في الانتهاء. قوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ الله﴾ قرأ الأخوان «غَيْرٍ» بالجر نعتاً «لِخَالِقٍ» على اللّفظ و «مِنْ خَالِقٍ» متبدأ مراد فيه «من» وفي خبره قولان: أحدهما: هو الجملة من قوله: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ .

стр. 9836

والثاني: أنه محذوف تقديره: «لكم» ونحوه، وفي «يرزقكم» على هذا وجهان: أحدهما: أنه صفة أيضاً لخلق فيجوز أن يحكم على مَوْضِعِهِ بالجر اعتباراَ باللفظ وبالرفع اعتباراً بالمَوْضِعِ. والثَّانِي: أنه مستأنف وقرأ الباقون بالرفع وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خبر المبتدأ. والثاني: أنه صلة لخالق على المَوْضِع والخبر إما محذوفٌ وإما «يَرْزُقُكُمْ» . والثالث: أنه مرفوع باسم الفاعل على جهة الفاعلية لأن اسمَ الفاعل قد اعتمد على أداة الاستفهام إلَاّ أن أبا حيان توقف في مثل هذا من حيث إن اسم الفاعل وإن اعتمد إلا أنه لم يحفظ (فيه) زيادة «من» قال: فيحتاج مثله إلى سماع ولا يظهر التوفق فإن شروط الزيادة والعمل موجودة، وعلى هذا الوجه «فَيرْزُقُكُمْ» إما صفة أو مستأنف. وجعل أبو حيان استئنافه أولى، قال: لانتفاء صدق «خالق» على غير الله بخلاف كونه صفة فإن الصفة تُقَيَّد فيكون ثَمَّ خالق غير الله لكنه ليس برازقٍ وقرأ الفضلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ النحويّ «غَيْرَ» بالنصب على الاستثناء والخبر «يَرزُقُكُمْ» أو محذوف و «يرزقكم» مستأنفةٌ أو صفةٌ. فصل قال المفسرون: هذا استفهام على طريق التنكير كأنه قال: لا خالق غير الله يرزقكم.

стр. 9837

من السماء والأرض أي من السماء المطر ومن الأرض النبات «لَا إلَه إلَاّ هُوَ» مستأنف «فَاَنَّى تُؤْفَكُونَ» أي فأنى تُصْرَفُونَ عن هذا الظاهر فكيف تشركون المَنْحُوتَ بمن له الملكوت؟ ثم لما بين الأصل الأول وهو التوحيد ذلك الأصل الثاني وهو الرِّسالة فقال: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ يسلي نبيه ﷺ َ - ثم بين من حيث الإجمال أن المكذب في العذاب (و) غير المكذب له الثواب بقوله: ﴿وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ ثم بين الأصل الثالث وهو الحشر فقال: ﴿يا أيها الناس إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ يعني وعد القيامة ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بالله الغرور﴾ أي الشيطان وقرأ العامة بفتح «الغَرُور» وهو صفة مبالغة كالصَّبُور والشَّكُور. وأبو السَّمَّال وأبو حَيْوَة بضمِّها؛ إماغ جمع غارٍ كَقَاعدٍ وقُعُودٍ وإمَّا مصدر كالجُلُوس.

стр. 9838

قوله: ﴿إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ لما قال تعالى: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بالله الغرور﴾ [فاطر: ٥] يمنع العاقل من الاغترار وقال: ﴿الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوّا﴾ ولا تمسعوا قوله. قوله: ﴿فاتخذوه عَدُوّا﴾ أي اعملوا ما يسوؤه وهو العمل الصالح. ثم قال: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ﴾ أي أشياعه ﴿لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ السعير﴾ (و) في الآية أشارة إلى معنى لطيف وهو أن من يكون له عدو فإما أنْ يُعَادِيَه مجازاةً له وإما أن يُرْضيه فلما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوّ﴾ أمرهم بالعداوة وأَشَارَ إلى أن الطريق ليس إلا هذا. وأما الإرضاء فلا فائدة فيه لأنكم إنْ أَرْضَيْتمُوهُ واتَّبعتُمُوهُ فهو لا يؤدِّيكم إلا إلى السعير. واعلم أن من علم أن له عدواً لا مهرب له منه وجزم بذلك فإنه يق له ويصير معه على

стр. 9839

قتاله إلى يظفر به وكذلك الشيطان لا يقدر الإنسان (أن) يهرب منه فإنه يقف معه ولا يزال ثابتاً على الجادّة والاتِّكال على العبداة ثم بين تعالى ما حال حزبه وحال حزب الله وهو قوله: ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ يجوز رفعه ونصبه وجره فرفعه من وجهين: أظهرهما: أن يكون متبدأ والجملة بعده خبره. والأحسن أن يكون «لهم» هو الخبر و «عَذَابٌ» فاعله. الثاني: أنه بدل من واو «لِيَكُونُوا» ونصبه من أوجه: البدل من «حِزْبَهُ» أو النعت له أو إضمار فلع «أَذُمُّ» ونحوه، وجره من وجهين: النعت أو البدلية من «أصْحَابِ السًّعِيرِ» وأحسن الوجوه الأول المطابقة التقسيم واللام في «لِيَكُونُوا» إما للعلة على المجاز من إقامة السَّبَب مَقَم المُسَبب وإما الصَّيْرُورة ثم قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ وهذا حال حزب الشيطان ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ فالإيمان في مقابلته المغفرة فلا يُؤَبَّد مؤمنٌ في النار والعمل الصالح في مقابلته «الأجر الكبير» . قوله: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِه﴾ «مَنْ» موصول مبتدأ وما بعده صلته والخبر محذوف فقدره الكسائِيُّ «تذهب نفسك عليهم حَسَرَاتٍ» لدلالة: «فَلَا تَذْهَب» عليه وقدره الزجاج: «وأَضَلَّهُ اللَّهُ كَمَنْ هَدَاهُ» وقدره غيرهما كمن لم يُزَيَّنْ له. وهو

стр. 9840

أحسن، لموافقته لفظاً ومعنى ونظيره «أفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ (هُوَ أعْمَى) » ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحق كَمَنْ هُوَ أعمى﴾ [الرعد: ١٩] والعامة على «زُيِّنَ» مبنياً للمفعول «سُوءُ» رفع وعُبَيْدُ بْنُ عَمَيْر زَيَّنَ مبنياً للفاعل وهو الله «سُوءَ» بالنصب به. وعنه «أَسْوأَ» بصيغة التفضيل منصوباً وطلحةُ «أَمَنْ» بغير فاء قال أبو الفضل: الهمزة للاستخبار بمعنى العامة للتقرير ويجوز أن تكون بمعنى حرف النداء فحذف التَّمَامُ كما حذف من المشهور الجواب، يعني أنه يجوز أن تكون بمعنى حرف النداء فحذف التَّمَامُ كما حذف من المشهور الجواب، يعني أنه يجوز في هذه القراءة أن تكون الهمزة للنداء وحذف التّمام أي ما نُودي لأجله كأنه قيل: يَا مَنْ زينَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ارْجِعء إلى الله وتب إليه، وقوله: «كما حذِف الجواب» يعني به خبرَ المبتدأ الذي تَقدَّم تقريره. فل قال ابن عباس: نزلت في أبي جهل ومشركي مكة وقال سعيد بن جبير: نزلت في أصحاب الأهْوَاء والبِدَع فقال قتادة: منهم الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم فأما أهل الكبائر فليسوا منهم لأنهم لا يستحلون الكبائر. ومعنى زين له سوء عمله شبه له وموه عليه وحسن له سوء عمله أي قبح عمله فرآه حسناً زين له الشيطان ذلك بالوسواس. وفي الآية حذف مجازه: أفمن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فرأى الباطل حَقًّا كَمَنْ هداه اله فرأى الحق حقاً والباطل باطلاً؟ «فإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي
следующие страницы →