← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 9941–9980 · переход к 9946.

стр. 9941

فإنهم قتلوا مؤمناً كان ينصحهم وأما الشهوة فلأنهم احتلموا العذاب الدائم بسبب استيفاء اللذات الخالية فإذن كانوا كالنار الموقَدَة لأنهم كانوا جبارين ومستكبرين كالنار ومن خلق منها «فَإذَا هُمْ خَامِدُونَ» ميتِّون. قال المفسرون: أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة ثم صح بهم صيحة واحدة فإذا هُمْ خامدن ميتون. قوله : ﴿ياحسرة ﴾ العامة على نصبها وفيه وجهان: أحدهما: أنها منصوبة على المصدر والمنادى محذوف تقديره يا هؤلاء تَحسَّرُوا حَسْرَةً. والثاني: أنها منونة لأنها منادى منكر فنصبت على أصلها كقوله: ٤١٧٧ - فَيَا رَاكِباً إمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغاً ... نَدَامَاي مِنْ نَجْرَانَ أَنْ لَا تَلَاقِيَا ومعنى النداء هنا على المجاز، كأنه قيل: هذا أوانك فاحضري وقرأ قتادة وأبيّ - في أحد وجهيه - يا حسرة بالضم جَعَلها مقبلاً عليها وأبيّ أيضاً وابن عباس وعلي بن الحُسَيْن «يَا حَسْرَةً العِبادِ» بالإضافة فيجوز أن تكون مضافاً لفاعله أي تَتَحَسَّرُونَ على غيرهم لما يرون من عذابهم وأن يكون مضافاً لمفعوله أي يَتَحَسَّرُ عليهم (من) غيرهم. وقرأ أبو الزناد وابن هُرْمز وابن جُنْدُب «يا حَسْرَهْ» بالهاء (

стр. 9942

المهملة) المبدلة من تاء التأنيث وصلاً وكأنهم أَجْروا الوَصْل مُجْرَى الوقف وله نظائر مرت وقال صحب اللوامح وقفوا بالهاء مبالغة في التحسر لما في الهاء من التَّاهَةِ بمعنى التأوه ثم وصلوا على تلك الحال وقرأ ابن عباس أيضاً: يا حَسْرَة بفتح التاء من غير تنوين ووجهها أن الأصل يا حسرتا فاجتزئ بالفتحة عن الألف كما اجتزئ بالكسرة عن الياء ومنه: ٤١٧٨ - وَلَسْتُ براجِعِ مَا فَاتض مِنِّي ... بِلَهْفَ وَلَا بِلَيْتَ وَلَا لَوَانِّي أي بلهفها بمعنى لهفي وقرئ: يا حَسْرتَا بالألف كالتي في الزمر وهي شاهدة لقراءة ابن عباس وتكون التاء لله تعالى، وذلك على سبل المجاز دلالة على فرط هذه الحسرة وإلا فاللَّه تعالى لا يوصف بذلك قوله: «مَا يَأْتِيهِمْ» هذه الجملة لا محل لها لأنها مفسِّرة لسبب الحسرة عليهم وهذا الضمير يجوزأن يكون عائداً إلى قوم حبيب أي ما يأتيهم من رسول من الرّسلِ الثلاثة. ويجوز: أن يعود إلى الكفار المصرين وقوله: «إلَاّ كَانُوا» جملة حالية من مفعول «يَأْتِيهِمْ» .

стр. 9943

فصل الألف واللام في العبادة قيل: للعهدوهم الذين أخذتهم الصيحة فيا حسرة على أولئك. وقيل: لتعريف الجنس أي جنس الكفار المكذبين وقيل: المراد بالعبادة الرسل الثلاثة كأنه الكافرين يقولون عند ظهور اليأس يا حسرةً عليهم يا ليتهم كانوا حاضرين لنؤمن بهم ثانياً وهم قوم (حبيب) وفي التحسر وجوه: الأول: لا متحسر أصلاً في الحقيقة إذا المقصودُ بيانُ (أن) ذلك وقت طلب الحسرة حيث تحققت الندامة عن تحقق العذاب وههنا بحث لغوي وهو أن المفعول قد يرفض كثيراً إذا كان الغرض غير متعلق به يقال: فلان يعطي ويمنع ولا يكون هناك شيء مُعْطًى ولا شخص معطى، إذا المقصود أن له المنع والإعطاء، ورفض المفعول كثير وما نحو فيه رفض الفاعل وهو قليل. والوجه فيه أن ذكر التحسر غير مقصود وإنما المقصود أن الحسرة متحققة في خلال الوقت. الثاني: أن القائل يا حسرة هو الله على الاستعارة تعظيماً لللأمر وتهويلاً له وحينئذ يكون كالألفاظ التي وردت في حقل اله كالضِّحِك والسُّخْرية والتعجيب والتّمنِّي. أو يقال لي معنى قوله يا حسرة أو يا ندامة أن القائل متحسر أو نادم بل المعنى أنه مخبرٌ عن الوقوع وقوع الندامة ولا يحتاج إلى التجوز في كونه تعالى قائلاً يا حسرة بل تجْريه على حقيقته إلا في الندامة فإن النداء مجاز والمراد الإخبار. الثالث: أن المتلهفين من المسلمين والملائكة لما حكى عن حبيب أنه حين القتل كان يقوله اللَّهم اهد قومي وبعد ما قتلوه وأدخل الجنة قال يا ليت قومي علمون فيجوز أن يتحسر المسلم لكافر ويندم له وعليه وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلَاّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ هذا سبب الندامة. فصل قال الزهري الحسرة لا تدعى، ودعاءها تنبيه للمخاطبين، وقيل العرب تقول: يا حَسْرَتَا ويا عَجَبَا على طريق المبالغة. والنداء عندهم بمعنى التنبيه فكأنه يقول: أيها العجبُ هذا وقتُكَ وأيتها الحسرة هذا أوَانُكِ وحقيقة المعنى أن هذا زمان الحسرة والتَّعَجُّب

стр. 9944

قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ لما بين حال الأولين قال للحاضرين: ألَمْ يَرُوا الباقون ما جرى على من تقم منهم قوله: «كم أهلكنا» كم هنا خبرية فهي فعول بأهلكنا «تقديره كثيراً من القرون أهلكنا وهي مُعَلِّقة» ليَرَوْا «ذهاباً بالخبرية مذهب الاستفهامية، وقيل: بل» يَرَوا «علمية» وكم «استفهامية كما سيأتي بيانه و» أَنَّهُمْ إلَيْهِمْ لا يرجعون «فيه أوجه: أحدها: أنه بدل من» كم «قال ابن عطية و» كم «هنا خبرية و» أنهم «بدل منها، والرؤية بصرية قال أبو حيان وهذا لا يصح لأنها إذا كانت خبرية (كانت) في موضع نصب» بأهلكنا «ولا يسوغ فيها إلا ذلك وإذا كانت كذلك امتنع أن يكون» أنهم «بدلاً منها لأن البدل على نية تكرار العامل ولو سلطت» أهلكنا (هم) «على» أنهم «لم يصح ألا ترى أنك لو قلت: أهلكنا انتفى رجوعهم أو أهلكنا كونهم لا يرجعون لم يكن كلاماً لكنَّ ابْنَ عطية توهم أن (يَرُوْا) مفعولة» كم «فتوهم أن قوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ بدل منه لأنه لا يسوغ أن يسلط عليه فتقول: ألم يروا أنهم إليهم لا يرجعون. وهذا وأمثاله دليل إلى ضعفه في (عِلْم) العربية قال شهاب الدين: وهذا الإنحاءُ عليه تحامل عليه لأنه لقائل أن يقول: كم قد جعلها خبرية والخبرية يجوز أن تكون معمولة لما قبلها عند قوم فيقولون:» مَلَكْتُ كم عبدٍ «فلم يلزم الصدر فيجوز أن يكون بناء هذا التوجيه على هذه اللغة وجعل» كم «منصوبة» بيَرَوا «و» أنهم «بدل منها وليس هو ضعيفاً في العربية حينئذ.

стр. 9945

الثاني: أن «أنَّهُمْ» بدل من الجملة قبله الزجاج وهو بدل من الجملة والمعنى ألم يروا أن القرون التي أهلكناهم أنهم لا يرجعون لأن عدم الرجوع والهلاك بمعنى قال أبو حيان ولي بشيء لأنه ليس بدلاً صناعياً وإنما فسر المعنى ولم يلحظ صناعة النحو قال شهاب الدين: بل هو بدل صناعي لأن الجملة في قوة المفسر إذ هي سادة مسد فعلوي «يروا» فإنها معلقة لها كما تقدم. الثالث: قال الزمخشري: أَلَمْ يَرَوا الم يعلموا وهو معلَّقٌ عن العمل في «كَمْ» لأن «كم» لا يعمل فيها عامل قبلها سواه كانت للاستفهام (أو للخبر، لأن أصلها الاستفهام) إلا أنَّ معناها نافد في الجملة كما نفذ في قولك: (ألَمْ يَرَوْا) إن زيداً لمُنْطَلِقٌ و «أن» لم يعمل في لفظه و «أنَّهُمْ إِلَيْهمْ لَا يَرْجِعُون» بدل من «كَمْ أهلَكْنَا» على المعنى لا على اللفظ تقديره: ألم يروا كَثْرَة إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم. قال أبو حيان قوله «لأن كم لا يعمل فيها ما قبلها كانت للاستفهام أو للخبر» ليس على إطلاقه لأن إذا كانَ حرف جر أو اسماً مضافاً جاز أن يعمل فيها نحو: عَلَى كَمْ جِذْع بَيْتُكَ؟ وأيْن كم رئيس صَحِبْتَ؟ كَمْ فَقير تَصَدَّقْت أرجو الثواب؟ وأين كم شهيد في سبل الله أحسنت إليه. وقوله أو الخبرية الخبرة فيها لغة الفصيحة كما ذكر لا يتقدمها عامل إلا ما ذكرنا من الجار، واللغة الأخرى حكاها الأخفض يقولون: مَلَكْت كَمْ غُلَام اي ملكت كثيراً من الغِلمان فكما يجوز تقدم العامل على كثيراً كذلك يجوز على «كم» لأنها بمعناها. وقوله: لأنها أصلها الاستفهام والخبرية ليس اصلها الاستفهام بل كل واحدة أصل ولكنهما لفظان مشتركان بين الاستفهام والخبر وقوله: لأن معناها نافذ في الجملة يعني معنى «يَرَوْا» نافذ في الجملة لأنه جعلها معلقة وشرح «يروا»

стр. 9946

بيعلموا، وقوله: كما نفذ في قولك: «أَلمَمْ يَرَوا إِنًّ زيداً لَمُنْطلِقٌ» يعني أنه لو كان معمولاً من حيث اللفظ لامتنع دخول اللام ولفتحت «أن» فإن «إن» التي في خبرها اللام من الأدوات المعلقة لأفعال القلوب، وقوله: ﴿أَنَّهُمْ إلَيْهِمْ﴾ إلى آخر كلامه لا يصح أن يكون بدلاً على اللفظ ولا على المعنى أما على اللفظ فإن زعم أن «يروا» معلقة فتكون كم استفهامية فيه معمولة «لأهْلَكْنَا» و «أهلكنا» لا يتسلط على «أنَّهُمْ إلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ» كما تقدم. وأما على المعنى فلا يصح أيضاً لأنه قال تقديره: أي على (هذا) العنى ألميروا كثرة إهلاكنا القرونَ من قبلهم كَوْنَهم غيرَ راجعين إليهم. فكونهم غير كذا ليس كثرة الإهلاك فلا يكون بدل كل من كل وليس بعض الإهلاك فلا يكون (بدل بعض من كل ولا يكون) بدل اشتمال لأن بدل الاشتمال يصيح أنْ يُضَافَ إلى ما أبدل منه وكذلك بدل بعض من كل وهذا لا يصيح هنا لا نقول: ألم يروا انتفاء رجوع كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم وفي بدل الاشتمال نحو: أعجبتني الجارية ملاحتها وسُرقَ زيد ثوبُه يصح أعجبتني ملاحةُ الجارية وسُرق ثَوْبُ زَيْدٍ. الرابع: أن يكون أنهم بدلاً من موضع «كم أهلكنا» والتقدير ألم يروا أنهم إليهم قاله أبو البقاء ورده أبو حيان بأن «كم أهلكنا» لي بمعمول «ليروا» قال شهاب الدين: وقد تقدم أنها معمولة لها على معنى أنه معلقة لَهَا. الخامس: وهو قول الفراء: أن يكون «يروا» علاماً في الجملتين من غير إبدال ولم يبين كيفية العمل وقوله الجملتين يجوز لأن «أنهم» ليس بجملة لتأويله بالمفرد إلا أنه مشتمل على مُسْنَدٍ ومُسْنَدٍ إليه. السادس: (أن) «أنَّهُم» معمول لفعل محذوف دل عليه السِّيَاق والمعنى تقديره: قَضَينَا وحَكَمْنَا أنَّهُمْ إليهم لا يرجعون ويدل على صحة هذا قول ابنِ عباس والحسن إنَّهُمْ بكسر الهمزة على الاستئنانف والاستئناف قطع لهذه الجملة عما قبلها فهما

стр. 9947

مقولان تكون معمولة لفعل محذوف يقتضي انقطاعها عما قبلها والضمير في «أنهم» عائد على معنى كم، وفي «إليهم» عائد على ما عاد عليه واو «يَرَوا» (وقيل: بل الأول عائد على ما عاد عليه واو يَرَوْا «والثاني عائد على المُهْلَكِينَ. فصل المعنى ألم يخبروا أهل مكة كم أهلكنا قبلهم من القرون والقرن أَهْلُ كُلِّ عَصْرٍ سموا بذلك لاقترانهم في الوجود أنَّهُمْ إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ أي لا يعودون إلى الدنيا أفلا يعبترون وقيل: لا يرجعون أي الباقون لا يرجعون إلى المُهْلَكين بنسب ولا ولادة أي أهلكناهم وقطعنا نسلهم ولا شك أنَّ الإهلاك الذي يكون مع قطع النّيل أتم وأعم والأول أشه نقلاً والثاني أظهر عقلاً. قوله: ﴿وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ﴾ تقدم فيهود تشديد» لمَّا «وتخفيفها والكلام في ذلك، وقال ابن الخطيب في مناسبة وقع» لما «المشددة موقع» إلا «: إن لما كأنَّهَا حَرْفا نفي جمعاً وهما:» لَمْ «و» مَا «فتأكد النفي وإلا كأنها حرفا نفي:» إن ولَا «فاستعمل أحدهما مكان الآخر انتهى وهذا يجوز أن يكون أخذه من قول الفراء في إلا في الاستثناء إنها مركبة من» إنْ ولَا «إلا أنَّ الفراء جعل إنْ مخففة من الثقيلة وجعلها نافية وهو قول ركيك رَدَّهُ عليه النحويون وقال الفراء أيضاً إنّ لما هذه أصلها لَمْمَ فخففت بالحذف وتقديم هذا كله مُوَضِّحاً.

стр. 9948

و «كل» مبتدأ و «جميع» خبره و «مُحْضَرُونَ» خبر ثاني لا يختلف ذلك سواء شددت «لما» أم خففتها، لا يقال: إن جميعاً تأكيد لا خبر (لأن) «جميعها» هنا فَعِيل بعنى مفعول أي مجموعون فكل يدل على الإحاطة والشمول وجميع يدل على الاجتماع فمعناها حمل على لفظها كما في قوله: ﴿جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] وقدم «جميع» في الموضعين لأجْل الفَوَاصِل و «لَدَيْنا» متعلق «بمُحْضَرُونَ» فمن شدد «فلما» بمعنى إلا وإنْ نافية كما تقدم والتقدير: ومَا كُلُّ إلَاّ جميعٌ ومن خفَّفَ «فَإنْ» مخففة (من الثقيلة) واللام فارقة وما مزيدة هذا قولا البصريين والكوفيون يقولون: إنَّ «إنْ» نافية واللام بمعنى إلا كما تقدم مراراً. فصل لما بين الإهلاك بين أن من أهْلَكَهُ ليس بتارك له بل بعده جمع وحبس وحساب وعقابٌ ولو أن من أهلك ترك لكان الموت راحةً ونعْمَ ما قال القائل: ٤١٧٩ - ولو أنّا إذا ما متْنَا تُرِكْنَا ... لَكَانَ المَوْتُ رَاحَة كُلِّ حَيِّ

стр. 9949

وَلكِنَّا إِذا مِتْنا بُعِثْنا ... وَنُسْأَلُ بَعْدَهَا عَنْ كُلِّ شَيِّ قال الزمخشري: إن قال قائل: «كل وجميع» بمعنى واحد فكيف جعل جميعاً خبراً ل «كلّ» حيث أدخل اللام عليه إذ التقدير وإن كل لجميعٌ؟ نقول معنى «جميع» مجموع ومعنى «كل» أي كل فرد مجمع مع الآخر مضموم إليه ويمكن أن يقال: «مُحْضَرُونَ» يعني كما ذكره وذلك لأنه لو قال: وإن جميع لجميع محضرون لكان كلاماً صحيحاً. قال ابن الخطيب: ولم يوجد ما ذكره من الجواب بل الصحيح أنَّ مُحْضَرُونَ كالصفة للجمع فكأنه قال جميعٌ جميعٌ محضرون كما نقُول: الرجلُ رجلٌ عالم والنبيُّ نبيُّ مرسل. والواو في «وَإنْ كُلّ» يعطف على الحكاية كأنه يقول: بَيَّنْتُ لك ما ذكرت وأبين أن كُلاًّ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ.

стр. 9950

قوله: ﴿وَآيَةٌ﴾ خبر مقدم و «لَهُمْ» صفتها أو متعلقة «بآية» ؛ لأنها (بمعنى) علامة. و «الأرض» مبتدأ وتقدم تخفيف «الميتة» وتشديدها في أول (آل) عمران. ومع أبو حيان أن يكون «لأهم» صفة لآية ولم يبين وَجْهَةُ ولا وجه له وأعرب أبو البقاء «آية» مبتدأ و «لهم» الخبر و «الأرض الميتة» مبتدأ وصفته و «أَحْيَيْنَا» خبره، والجملة مفسرة «لآيةٍ» .

стр. 9951

وبهذا بدأ ثم قال: وقيل؛ فذكر الوجه الأول وكذلك حكى مَكِّيٌّ أعني أن تكون «آية» ابتداء و «لهم» الخبر وجوز مكي أيضاً أن تكون «آية» متبدأ و «الأرض» خبره وهذا ينبغي أن لا يجوز؛ لأنه لا يُتْرَكُ المعرفة من الابتداء بها ويبتدأ بالنَّكِرَة إلَاّ في مَوَاضِعَ للضَّرُورَةِ. قوله: «أحييناها» تقدم أنه يجوز أن يكون خبر «الأَرْضِ» ويجوز أيضاً أن يكون حالاً من «الأَرْضِ» إذا جعلناها مبتداً و «آية» خبر مقدم وجوز الزمخشري في «أَحْيَيْنَاهَا» وفي «نَسْلخُ» أن يكونا صفتين للأرض والليل وإن كانا معرفين بأل لأنه تعريف بأل الجنسيَّة فهما في قوة النكرة قال كقوله: ٤١٨٠ - وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي..... ... ... ... ... . . لأنه لم يقصد لئيماً بعينه، ورده أبو حيان بأن فيه هدماً للقواعد من أنّه لا تنعت

стр. 9952

المعرفة بنكرة قال: وقد تبعه ابنُ مالك ثم خرج أبو حيان الحمل على الحال أي الأرض مُحْيَاةً والليل مُنْسَلِخاً منه النهار واللئيم شاتماً لي، قال شهاب الدين: وقد اعتبر النحاة ذلك في مواضع فاعتبروا معنى المعرف بأل الجنسية دون لفظه فَوَصَفُوهُ بالنَّكرة الصَّرِيحَة، نحو: يا لرجل خير منك على أحد الأوجه. وقوله: ﴿إِلَاّ الذين﴾ [العصر: ٣] بعد ﴿إِنَّ الإنسان﴾ [العصر: ٢] وقوله: ﴿أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ﴾ [النور: ٣١] و «أهْلَكَ النَّاسُ الدِّينَارُ الحُمْرُ والدِّرْهَمُ البيضُ» كل هذا ما روعي فيه المعنى دون اللفظ، وإن اختلف نوع المراعاة، ويجوز أن يكون «أحْيَيْنَاهَا» استئنافاً بين به كونَها آيةً. فصل وجه التعلق بما قبله من وجهين: أحدهما: أنه لما قال: كان ذلك (إشارة) إلى الحشر فذكر ما يدل على إمكانه قطعاً لإنكارهم واستعبادهم وإصرارهم وعنادهم فقال: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا﴾ كذلك يُحْيِي المَوْتَى. وثانيهما: أنه لما ذكر حال المرسلين وإهلاك المكذِّبين وكان شُغْلُهم التوحيد ذكر ما يدل عليه وبدأ بالأرض لكونها مكانَهم لا مفارقة لهم منها عند الحركة والسكون؟ فإن قيل: الأرض آية مطلقة فلم خصها بهم حيث قال: «وآيَةٌ لَهُمْ» ؟ . فالجواب: الآية تعدد وتردد لمن لم يعرف الشيء بأبلغ الوجوه أما من عرف الشيء بطريق الرؤية لا يذكر له لدليل فالنبي - عليه (الصلاة و) السلام - وعباد الله المخلصين عرفوا الله قبل الأرض والسماء فليست الأرض معرفة لهم وهذا كما قال الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ﴾ [فصلت: ٥٣] وقال: ﴿أَوَلَمْ

стр. 9953

يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] يعني أنت كفاك الله معرفاً به عرفت كل شيء فهو شهيدٌ لك على كل شيء وأما هؤلاء نبين لهم الحق بالآفاق والنفس وكذلك ها هنا الأرض آية لهم، فإن قيل: إن قُلْنا الآية مذكروة للاستدلال على جَوَاز إحياء المَوْتَى فيكفي قوله: «أحْيَنْنَاهَا» ولا حاجة إلى قوله: ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً﴾ وغير ذلك وإن قلنا: إنه للاستدلال على وجود الإله ووحدانيته فلا فائدة في قوله: ﴿الأرض الميتة﴾ فقوله: ﴿الميتة أَحْيَيْنَاهَا﴾ كافٍ في التوحيد فما فائدة قوله: ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً﴾ ؟ فالجواب: هي مذكورة للاستدلال عليها ولكلّ ما ذكره الله تعالىً فائدة أما فائدة قوله: ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّا﴾ فهو بالنسبة إلى بيان إحياء الموتى لأنه لما أحيا الأرض وأخرج منها حباً كان ذلك إحياء تامًّا لأن الأرض المُخْضرَّة التي لا تنبت الزرع ولا تخرج الحَبَّ دون ما تنبيه الحياةُ، فكأنه تعالى قال: الذي أحيا الأرض إحياء كاملاً منبتاً للزّرع يحي الموتى إحياء كاملاً بحيث يدري الأمور وأما بالنسبة إلى التوحيد فلأن فيه تقرير النعمة، كأنه يقول: آية لهم الأرضُ فإنها مكانُهم ومَهْدُهُم الذي فيه تحريكهم وإسكانهم والأمر الضروري الذي عنده وجودهم وإمكانهم وسواء كانت ميتة أو لم تكن فهي مكان لهم لا بد لهم منها في نعمة ثم إحياؤها نعمة ثانية فإنها تصير أحسن وأنزه ثم إخراج الحبِّ منها نعمة ثالثة فإن قوتهم تصير في مكانهم وكان يمكن أن يجعل رزقهم في السماء أو الهواء فلا يحصل لهم الوُثُوقُ ثم جعل الحياة منها نعمة رابعة لأن الأرض تنبت الحَبَّ في كل سنة والأشجار بحيث يوجد منها الثِّمار فيكون بعد الحبِّ وجوداً ثم فجر منها العيون ليحصل لهم الاعتمال بالحصول ولو كان ماؤها من السماء لحصل ولكن لم يعلم أنها أين تغرس وأين (يقع) المطر. فصل المعنى «أَحْيَيْنَاها» بالمطر «وأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا» يعني الحِنْطَة والشعير وما أشبههما «فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ» أي من الحب «وَجَعَلْنَا فِيها جَنَّاتٍ» بساتين «مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وفَجَّرْنا فِيهَا» في الأرض «مِنَ العُيُونِ لِيَأْكُلُوا منْ ثَمَرِهِ» الحاصل بالماء. قوله: ﴿وَفَجَّرنَا «العامة على التشديد تكثيراً لأنها مخففة متعدّية، وقرأ جَنَاحُ بْنُ

стр. 9954

حبيش بالتخفيف، والمفعول محذوف على كلتا القراءتين أي يَنْبُوعاً كما في آية:» سًبْحَانَ «. قوله: ﴿مِن ثَمَرِهِ﴾ قيل: الضمير عائد على النخيل؛ لأنه أقرب مذكور وكان من حق الضمير أن يثنى على هذا لتقدم شيئين وهما الأعْنَاب والنَّخِيل إلا أنه اكتفى بذكر أحدهما، وقيل يعود على جنات وعاد بلفظ المفرد ذهاباً بالضمير مَذْهَبَ اسم الإشارة كقول رؤبة: ٤١٨١ - فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبلَقْ ... كَأَنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ فقيل له، فقال: أردت كأن ذاك وتلك، وقيل: عائد على الماء المدلول عليه بعيون وقيل: بل عاد عليه لأنه مقدر أي من العيون. ويجوز أن يعود على العيون ويعتذر عن إفراده بما تقدم في عوده على جنات، ويجوز أن يعود على الأعناب والنخيل معاً ويعتذر عنه بما تقدم أيضاً وقال الزمخشري وأصله من «ثَمَرِنَا» لقوله: «وفَجَّرْنَا» و «أَيْدِينَا» فنقل الكلام من التكلم إلى الغيبة على طريق الالتفات. والمعنى ليأكلوا مما خلقه الله من الثمر. فعلى هذا يكون الضمير عائداً على الله تعالى ولذلك فسر معناه بما ذكر، وتقدمت هذه القراءات في هذه اللفظ في سورة الأَنْعَام.

стр. 9955

قوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ في «ما» هذه أربعة أوجه: أحدها: أنها موصولة أي ومن الذي عملته أيديهم من الغَرْس والمُعَالَجَة. وفيه تجوز على هذا. والثاني: أنها نافية أي لم يعلموه هم بل الفاعل له هو الله ، أي وجدها معمولة ولا صنع لهم فيها. وهو قول الضحاك ومقاتل. وقيل: أراد العيون والأنهار التي لم تعلمها يدُ خلقٍ مثل الدِّجْلة والفرات والنيل ونحوها. وقرأ الأخوان وأبو بكر بحذف الهاء والباقون: وما عملته بإثباتها. فإن كانت «ما» موصولة فعلى قراءة الأخوين وأبي بكر حذف العائد كما حذف في قوله: ﴿أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً﴾ [الفرقان: ٤١] بالإجماع وعلى قراءة غيرهم جيء به على الأصل، وإن كانت نافيةً فعلى قراءة الأخوين وأبي بكر لا ضمير مقدر ولكن المفعول محذوف أي ما عَمِلَتْ أيْدِيهم شَيْئاً من ذلك وعلى قراءة غيرهم الضمر يعود على «ثَمَرِهِ» وهي مرسومة بالهاء في غير مصاحف الكوفة وبحذفها فيما عداها، فالأخوان وأبو بكر وافقوا مصاحفهم والباقون غير حفص وافقوا (ها) أيضاً وحفص خالف مصحفه وهذا يدل على أن القراءة متلقاةٌ من أفواه الرجال فيكون عاصم قد أقرأها لأبي (بكر) بالهاء كالكلام في الموصولة. والرابع: أنها مصدرية أي ومن عمل أيديهم والمصدر واقع موقع المفعول

стр. 9956

به فيعود المعنى إلى معنى الموصولة أو الموصوفة. فصل إذا قلنا: «ما» موصولة يحتمل أن يكون المعنى وما عملته أيديهم بالتِّجَارة كأنه ذكر نَوْعَيْ ما يأكل الإنسان وهما الزراعة والتجارة (أ) ومن النبات ما يؤكل من غير عمل الأيدي كالعِنَبِ والتَّمْر وغيرهما ومنه ما يعمل فيه عمل فيؤكل كالأشياء التي لا تؤكل إلا مطبوخةأو كالزيتون الذي لا يؤكل إلا بعد إصلاح ثم لما عدد النعم أشار إلى الشكر قوله: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ وذكر بصيغة الاستفهام لما تقدم في فوائد الاستفهام قوله: ﴿سُبْحَانَ الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا﴾ أيا لأصناف و «سبحان» عَلَمٌ دال على التسبيح تقديره: سُبِّح تَسْبِيحَ الِّذِي خلق الأزواج. ومعنى (سبح) نَزَّهَ (و) وجه تعلق الآية بما قبلها هو أنه تعالى لما قال: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ وشكر الله بالعبادة وهم تركوها وعبدوا غيره فقال: سُبْحَانَ الذي خلق الأزواج كلها وغيره لم يخلق شيئاً. أو يقال: لما بين أنهم أنركروا الآيات ولم يشكروا (بين) ما ينبغي علهي أن يكون عليه العامل فقال ﴿سُبْحَانَ الذي خَلَق﴾ تَنَزَّهَ عن أن يكونَ له شَرِيكٌ أو يكون عاجزاً عن إِحياء الموتى. قوله: ﴿مِمَّا تُنبِتُ الأرض﴾ من الثِّمار والحُبُوب والمعادن ونحوها، «وَمِنْ أَنْفُسهِمْ» يعين الذكور والإناث والدلائل النفسية «وَمِمَّا» لَا يَعْلَمُونَ «يدخل فيه ما في أقطار السموات وتخوم الأرض.

стр. 9957

قوله: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل﴾ كقوله: ﴿نَسْلَخُ﴾ و «نَسْلَخُ» استعارة بديعة شبه انكشاف ظُلْمَةِ الليل بكَشْطِ الجِلْد عن الشَّاة لم استدل تعالى بأحوال الأرض وهو المكان

стр. 9958

الكلِّيُّ استدل بالليل والنهار وهو الزمان الكُلِّيُّ؛ فإن دلالة الزمان والمكان متناسبة؛ لأن المكانَ لا يستغني عنه الجواهر والزمان لا يستغني عنه الأعراض لأن كل عرض فهو في زمان. فإن قيل: إذا كان المراد منه الاستدلال بالزمان فَلِمَ خَصَّ الدليل؟! . فالجواب: أنه لما استدل بالمكان المظلم وهو الأرض استدل بالزَّمَان المُظْلِم وهو الليل ووجه آخر وهو أن اللَّيْلَ فيه سكون (الناس) وهدوء الأصوات وفيه النَّوْم وهو الموت الأصغر فيكون بعد طلوع الفَجْرِ كالنفخ في الصور فيتحرك الناس فذكر الموت كما قال في الأرض: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة﴾ [يس: ٣٣] وذكر من الزمان أشبههما بالموت كما ذكر في المكان أشْبَهَهُمَا بالموت. فإن قيل: الليل بنفسه آية فأيُّ حاجة إلى قوله: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النهار﴾ . فالجواب: أن الشيء تتبين بضده منافعه ومحاسنه ولهذا لم يجعل الله الليل وحده آية في موضع من المواضع إلا وذكر آية النهار معها. قوله: ﴿فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾ أي داخلون في الظلام كقوله: «مُصْبِحِينَ» و «إذَا» للمفاجأة؛ أي ليس لهم بعد ذلك أمرٌ لا بد لهم من الدخول فيه. قوله: ﴿والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ يحتمل أن تكون الواو للعطف على «اللَّيْل» تقديره: «وآيَةٌ لَهُم اللَّيلُ نسلخ والشمسُ تَجْري والقمر قدرناه» فيه كلها آية ووقوله «والشمس تجري» إشارة إلى سبب سلخ النهار فإنها تجري لمستقر لها بأم الله فمغرِب الشمس سالخ النّهار فذكر السبب بين صحة الدعوة ويحتمل أن يقال بأن قوله: «والشمس تجري لمستقر لها» إشارة إلى نعمة النهار بعد الليل كأنه تعالى لما قال: «وآية لهم الليل نسلخ منه النهار» ذك أن الشمس تجري فتطلع عن انقضاء الليل فيعود النهار لمنافعه. قال المفسرون: إن الأصل هي الظلمة والنهار داخل عليها فإذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل فتظهر الظلمة. قوله: «لمستقر» قيل: في الكلام حذف مضاف تقديره تَجْري لِمَجْرى مُسْتَقَرٍّ لها

стр. 9959

وعلى هذا فاللام للعلة أي لأجل جري مستقر لها. والصحيح أنه لا حذف وأن اللام بمعنى «إلى» ويدل على ذلك قراءة بعضهم «إلَى مُسْتَقَرٍّ» وقرأ عبد الله وابن عباس وعكرمة وزيْن العابدين وابنُه الباقر والصَّادِق ابن الباقر: لَا مُسْتَقَّر بلا النافية للجنس وبناء «مُسْتَقَر» على الفتح و «لها» الخبر وابن عبلة لا مُسْتَقَرٌّ بلا العاملة عمل ليس «فمستقر» اسمها و «لها» في محل نصب خبرها، كقوله: ٤١٨٢ - تَعَزَّ فَلَا شَيْءٌ عَلَى الأَرْضِ بَاقِيا ... وَلَا وَزَرٌ مِمَّا قَضَى اللَّهُ وَاقِيَا والمراد (بذلك) أنها لا تستقر في الدنيا بل هي دائمة الجَرَيان وذلك إشارة إلى جريها المذكور. فصل قيل: المراد بالمستقر يوم القيامة فعندها تستقر ولا يقى لها حركة وقيل: تَسِيرُ حتَّى تَنْتَهِيَ إلى أبعد مغاربها فلا تتجاوزه ثم ترجع وقيل: الليل وقيل: نهاية ارتفاعها في الصيف ونهاية هبوطها في الشتاء «وروى أبو ذَرّ قال: قال رسول الله ﷺ َ - لأبي ذر حين غربَتِ الشمس:» تدري أين تذهب «؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإنها تذهب حت تسجُدَ تحت العرش فتستأذنَ فيؤذَنَ لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل (منها) وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها: ارْجِعِي من حيث جئت فتطلع من مغربها

стр. 9960

فذلك قوله:» والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم «وروى عَمْرُو بن دِينَار عن ابن عباس والشمس (تجري) لا مستقرّ لها أي لا قرار لها ولا وقوف وهي جارية أبداً. قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى جَرْي الشَّمْس أي ذلك الجري تقدير الله، ويحتمل أن يكون إشارة إلى المستقر أي ذلك المستقر تقدير الله العزيز الغالب والعليم الكامل العلم أي قادر على إجرائها على الوجه الأنفع وذلك من وجوه: الأول: أن الشمس لو مرّت كل يوم على مُسَامَتَةٍ واحدة لاحترقت (الأرض) التي تُسَامِتُها بمرورها عليها لك يوم وبقي الجمود مستولياً على الأماكن الأُخَر فقدر الله لها بُعْداً لتجمع الرطوبات في باطن الأرض والإسخان في زمان الشتاء ثم قدر قربها بتدريج ليخرج النبات والثمار من الأرض والشجر ويَنْضُجَ ويَجفَّ. الثاني: قدر لها في كل يوم طُلُوعاً وفي كل ليلة غروباً، لئلا تَكِلَّ القوى والأبصار بالسهر والتعب ولئلا يَخْرُبَ العالم بترك العِمَارة بسبب الظلمة الدائمة. الثالث: جعل سيرها أبطأ من سير القمر وأسرع من سير زُحَلَ لأنها كاملة النور فلو كانت بطيئةً السير لدامتْ زماناً كثيراً في مُسَامَتَةِ شيء واحد فتحرقه ولو كانت سريعة السير لما حصل لها لبث بقَدْر ما ينضج من الثمار في بُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ. قوله: ﴿والقمر قَدَّرْنَاهُ﴾ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمور برفع» القمر «والباقون بنصبه فالرفع على الابتداء والنصب بإضمار فعل على الاشتغال والوجهان مستويان لتقدم جملةٍ ذاتِ وجهين وهي قوله: ﴿والشَّمْسُ تجري﴾ فإن راعيت صدرها

стр. 9961

رفعت لتعطف جملة اسمية على مثلها وإن راعيت عَجُزَهَا نصبت لتعطف جملة اسمية على مثلها وإن راعيت عَجْزَهَا نصبت لتعطف فعلية على مثلها وبهذه الآية يبطل (قول) الأخفش: إنه لا يجوز النصب في الاسم إلا إذا كان في جملة الاشتغال ضمير يعود على الاسم الذي تضمنته جملةٌ ذات وجهين: قال: لأن المعطوف على الخبر خبر فلا بد من ضمير يعود على المبتدأ فيجوز:» أَزْيْدٌ قَامَ وعمراً أكْرَمْتُه فِي دَارِهِ «ولو لم يقل» في داره «لم يجز ووجه الردّ من هذه الآية أن أربعة من السبعة نصَبُوا وليس في جملة الاشتغال ضمير يعود على الشمس وقد أجمع على النصب في قوله تعالى: ﴿والسمآء رَفَعَهَا﴾ [الرحمن: ٧] بعد قوله: ﴿والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] . قوله: ﴿مَنَازِلَ﴾ فيه أَوْجُهٌ: أحدها: أنه مفعول ثان لأن «قَدَّرْنَا» بمعنى صَيَّرْنَا. الثاني: أنَّه حال ولا بد من حذف مضاف قبل منازل تقديره: ذَا مَنَازِلَ قال الزمخشري: لا بُدَّ من تقدير لفظ يتم به معنى الكلام، لأن القمر لم يجعل نفسه مَنَازلَ. الثالث: أنه ظرف أي قدرنا مَسِيرَهُ فِي مَنَازِلَ وتقدم نحوه أول يونس. قوله: ﴿حتى عَادَ كالعرجون﴾ العامة على ضم العين والجيم. وفي وزنه وجهان: أحدهما: أنه فُعْلُولٌ. فنونه أصلية وهذا هو المرجح.

стр. 9962

والثاني: وَهُو قول الزجاج: أن نونه مزيدة ووزنه فُعْلُونٌ مشتقاً من الانْعِرَاج وهو الانعطاف وقرأ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ بكسر العين وفتح الجيم وهما لغتان كالبُزيون والبِزْيُون والعرجون عُود العِذْق ما بين الشماريخ إلى مَنْبِتِهِ من النخلة وهو تشبيه بديع شبه به القمر في ثلاثة أشياء دقَّتِهِ واستقواسه واصْفِرَارِهِ لأن العِذق الذي عليه الشماريخ إذا قَدِمَ وعَتِقَ دَقَّ وتَقَوَّسَ واصْفَرَّ والقديم ما تَقَادَمُ عَهْدُهُ بحكم العادة ولا يشترط في جواز إطلاق لفظ القديم عليه مدةً بعينها بل إنما يعتبر العادة حتى لا يقال لمدينة بنيت من سنةٍ أو سنتين لبنائها قديم أو هي مدينة قديمةٌ ويقال لبعض الأشياء: إنّه قديم وإن لم يكن له سنةٌ (واحدة) ولهذا جاز أن يقال: بَيْتٌ قديمٌ ولم يجز (أن يقال) في العالم: إنه قديم؛ لأن القِدَم في البيت والبناء يثبت بحكم تقادم العهد ومرور السنين عليه وإطلاق القديم على العالم بِتَمَادِي الأزمنة عند من (لا) يعتقد أنه لا أول له ولا سابق عليه. قوله: ﴿لَا الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر﴾ أي لا يدخل على الليل قبل انقضائه ولا يدخل الليل على النهار قبل انقضائه وهو معنى قوله: ﴿وَلَا الليل سَابِقُ النهار﴾ أي يتعاقبان بحساب معلوم لا يجيء أحدهما قبل وقته. وقيل: لا يدخل أحدهما في سلطان الآخر لا تطلع الشمس بالليل ولا (يطلع) القمر بالنهار وله ضوء فإذا اجتمعا وأدرك كلّ (واحد) منهما صحبه قامت القيامة. وقيل: ﴿لَا الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر﴾ لا تجتمع معه في فَلَك واحد ﴿وَلَا الليل سَابِقُ النهار﴾ أي لا يتصل ليل بليل لا يكون بينهما نهار فاصل. فإن قيل: ما الفائدة في قوله تعالى: ﴿لَا الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر﴾ بصيغة الفعل وقوله: ﴿وَلَا الليل سَابِقُ﴾ بصيغة اسم الفاعل ولم يقل ولا الليل «سَبَقَ» ولا قال: لَا الشَّمْسُ مُدْرِكَةٌ لِلْقَمر؟ .

стр. 9963

فالجواب: أن حركة الشمس التي لا تدرك بها القمر مختصة بالشمس فجعلها كالصادرة منها فذكر بصيغة الفعل لأن صيغة الفعل لا تطلق على من لا يصدر منه الفعل فلا يقال: يَخِيط ولا يكون تصدر منه الخِيَاطَةُ وأما حركة القمر فليست مختصةً بكوكب من الكواكب بل الكل فيها مشترك بسبب حركة فَلَكٍ لا يختص بكوكب فالحركة ليس كالصادرة منه فأطلق على اسم الفاعل لأنه لا يستلزم صدور الفعل يقال: فُلَانٌ خَيَّاطٌ وإن لك يكن يَخِيط. فإن قيل: قوله: ﴿يُغْشِي الليل النهار يَطْلُبُهُ حَثِيثاً﴾ [الأعراف: ٥٤] يدل على أن الليل سابق. فالجواب: أن المراد من الليل ها هنا سلطان الليل وهو القمر ولا يسبق الشمس بالحركة اليَوْمِيَّةِ السريعة والمراد من الليل هاك نفس الليل وكل واحد لما كان في عقب الآخر فكأنه طَالبُهُ. فإن قيل: قد ذكر ههنا سابق (النهار) وقال هناك يطلبه ولم يقل طالبه. فالجواب: لما بينا (من) أن المراد في هذه السورة من الليل كواكب الليل وحركتها بحركة الفَلَكِ فكأنها لا حَرَكَةَ لها فلا سبق ولا من شأنها أنها سابقة والمراد هناك نفس الليل والنهار وهما زَمَانَانِ لا قرارَ لهما فهو يطلب حثياً لصدور المنقضي منه. فإن قيل: ما الحكمة في إطلاق الليل وإرادة سلطانه وهو القمر وماذا يكون لو قال: ولا القمرُ سابق الشَّمس. فالجواب: لو قال ولا القمر سابق الشمس ما كان يفهم أن الإشارة إلى الحركة اليومية فكان يتوهم المناقض بأن الشمس إذا كانت لا تدرك القمر فالقمر أسرع ظاهراً وإذا قال: ولا القمر سابق يظن أن القمر لا يسبق فليس بأسرع فقال اللَّيْل والنهار ليعمل أن الإشارة إلى الحركة التي بها تتم الدورة في يوم وليلة مرة وأن جميع الكواكب لها طلوع وغروب في اللّيل والنهار. قوله: ﴿وَلَا الليل سَابِقُ النهار﴾ قرأ عمارة بنصب «النَّهَار» حذف التنوين لالتقاء الساكنين.

стр. 9964

قال المبرد: سمعته يقرؤها فقلت: ما هذا؟ فقال: أردت سَابِقٌ - يعني بالتنوين - فخففت. قوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أي يَجْرُون. وهذا يحقق أن لكلِّ طلوع في يوم وليلة ولا يسبق بعضُها بالنسبة إلى هذه الحركة والتنوين في قوله: «كُلُّ» عوض عن الإضافة والمعنى كل واحدٍ. وإسقاط التنوين للإضافة حتى لا يجتمع التعريف والتنكيرُ في شيءٍ واحد فلما أسقط المضاف إليه لفظاً رد التنوين عليه لفظاً وفي المعنى معرف الإضَافَةِ. فإن قيل: فهل يختلف الأمر عند الإضافة لفظاً وتركها؟ . فالجواب: نعم، لأن قول القائل: كل واحد من الناس كذا لا يذهب الفهم إلى غيرهم فيفيد اقتصار الفهم عليه، فإذا قال: كُلّ كذا يدخل في الفهم عمومٌ أكثر من العموم عند الإضافة وهذا كما في: «قَبْل وبَعْد» إذا قلت: أفعلُ قَبْلَ كذا فإذا حذفت المضاف وقلت أفعل قبل أفاد الفعل قبل كُلِّ شَيْءٍ. فإِنْ قِيلَ: فهل بين قولنا: «كُلٌّ منْهُمْ» وبين: «كُلّهم» وبين «كُلِّ» فرق؟ . فالجواب: نعم فقولك: كلهم يثبت الأمر للاقتصار عليهم، وقولك: كُلّ منهم يثبت الأمر أولاً للعموم ثم استدركه بالتخصيص فقال: منْهم وقولك: كلّ يثبت الأمر على العموم وتركت عليه فإن قيل: إذا كان «كُلّ» معناه كل واحد منهم والمذكور الشمس والقمر فكيْفَ قال: يَسْبَحُونَ؟ . فالجواب: أن قوله «كل» للعموم فكأنه أخبر عن كل كوكب في السماء سيَّاراً. وأيضاً فلفظ «كل» يجوز أن يوحَّد نظراً إلى كون لفظه مُوحِّداً غير مثنى ولا مجموع ويجوز أن يجمع لكونه معناه جمعاً، وأما التثنيه فلا يدل عليه اللفظ ولا المعنى وعلى هذا يحسن أن يقال: «زَيْدٌ وعمرٌو كُلُّ جَاءَ» ولا يقال: (كل) جَاءَا بالتثنية. وجواب آخراً قوله: ﴿وَلَا الليل سَابِقُ﴾ فالمراد من الليل الكواكب فقال: «يَسْبَحُونَ» . فصل الفلك هو الجسم المستدير أو السطح المستدير أو الدائرة لأن أهل اللغة اتفقوا على أن فكة المغزل سميت فلكة لاستدارتها وفلك الخيمة هي الخشبة المسطحة

стр. 9965

المستديرة التي توضع على رأس العمود، لئِلا يمزق العمود الخيمة وهي صفحة مستديرة. فإن قيل: فعلى هذا تكون السماء مستديرةً وقد اتفق أكثر المفسرين (على) أنَّ السماءَ مبسوطةٌ لها أطراف على جبال وهي كالسَّقْقِ المُسْتَوِي ويدل عليه قوله تعالى: ﴿والسقف المرفوع﴾ [الطور: ٥] قال ابن الخطيب: ليس في النصوص ما يدل دلالة قاطعة على كون السماء مبسوطة غير مستديرة بل دل الدليل الحِسِّيُّ على كونها مستديرةً فوجب المصير إليه والسقف والمقَبَّب لا يخرج عن كونه سقفاً وكذلك كونه على جبال. وأما الدليل الحسي فوجوه: الأول: أن من أمْعَنَ في النظر في جانب الجنوب تظهر له كواكب مثل سُهَيْل وغيره ظهوراً أبدياً ولو كان السماء سطحاً مستوياً لبان الكُلُّ للكلِّ بخلاف ما إذا كان مستديراً فإن بضعه حينئذ يستتر بأطراف الأرض فلا يُرَى. الثاني: أن الشمس إذا كانت مقارنة للحَمَل مثلاً فإذا غربت ظهر لك كواكبُ في منطقة البروج من الحَمل إلى المِيزان ثم في كل قليل يستتر الكوكب الذي يكون طلوعه بعدَ طلوع الشمس وبالعكس وهذا دليل ظاهر وإن بحث فيه يصير (قَطْعيًّا) . الثالث: أن الشمس قبل طلوعها وبعد غروبها يظهر ضوؤها ويستنير نورُها وإلا لما كان كذا بل كان (عن) إعادتها إلى السماء يظهر لك أحد جِرْمُها ونورُها معاً لكون السماء مستوية (حنيئذ مكشوفة كلها لكل أحد. الرابع: لو كانت السماء مستويةً) لكان القمرُ عندما يكون فوق رُؤُوسِنَا على المُسَامَتَةِ أقرب ما يكون إلينا وعندما يكون على الأفق أبعد منا لأن العمودأصغرُ من القُطْرِ والوتر وكذلك في الشمس والكواكب وكان يجب أن يرى أكبر لأن القريب يرى أكبر وليس كذلِكَ. الخامس: لو كانت السماءُ مستويةً لكان ارتفاعها أَولَ النهار ووَسَطَهُ وآخِرَهُ مستوياً وليس كذلك. والوجوه كثيرة وفي هذا كفايةٌ. فصل قال المُنَجِّمُونَ قوله تعالى: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ يدل على أنها أحياء لأن ذلك لا يطلق إلا

стр. 9966

على العاقل قال ابن الخطيب إن أرادوا القَدْرَ الذي يكون منها التسبيح فنقول به لأن كل شيء يسبح بحمده وإن أرادوا شيئاً آخر فلم يثبت ذلك والاستعمال لا يدل كا في قوله تعالى في حق الأصنام: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ﴾ [الصفات: ٩٢] وقوله: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات: ٩١] .

стр. 9967

قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ لما مَنَّ بإحياء الأرض وهي مكان الحيوانات بين أنه لم يقتصر عليه بل بين للإنسان طريقاً يتخذ من البحر ويسير فيها كما يسير في البر وهو كقوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البر والبحر﴾ [الإسراء: ٧٠] ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ إذا فسرناه بأن المراد منه الإبل فإنها سفُن البرِّ. ووجه آخر وهو أن الله تعالى لما بين سِبَاحَةَ الكواكب في الأفلاك ذكر ما هو مثله وهو سباحة الفُلْكِ في البحار ووجه آخر وهو أن الأمور التي أنعم الله (تعالى) بها على عباده منها ضرورة ومنها نافعة فالأول للحاجة والثاني للزينة فخلق الله الأرض وإحياؤها من القبيل الأول فإنها المكان الذي لولاه لما وجد الإنسان ولولا إحياؤها لما عاش الإنسان، والليل والنهار في قوله: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل﴾ [يس: ٣٧] أيضاً من القبيل الأول لأنه الزمان الذي لولاه لما حدث الإنسان والشمسُ والقمرُ وحركتُهُما لو لم تكن لما عاش الإنسان، ثم إنه تعالى لما ذكر من القبيل الأول وآيتين ذكر من القبيل الثاني وهو الزينة آيتين: إحداهما: الفُلْك التي تجري في البحر فتستخرج من البحر ما يُتَزَيَّنُ به كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي البحران هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: ١٢] . وثانيهما: الدَّوَابُّ التي هي البرّ كالفُلْك في البحر في قوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ فإن الدوابَّ زينة كما قال تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] . قوله: ﴿أَنَّا حَمَلْنَا﴾ مبتدأ «وآية» خبر مقدم، وجوز أبو البقاء أن يكون: «أَنَّا حَمَلْنَا» خبر مبتدأ محذوف بناء منه على أن «آية لهم» مبتدأ وخبر كلام مستقل بنفسه كما

стр. 9968

تقدم في نظيره والظاهر أن الضميرين في «لَهُمْ» و «ذُرِّيَّتهم» لشيء واحد ويراد بالذرية آباؤهم المحمولين في سفينة نوح - عليه (الصلاة و) السلام - أو يكون الضميران مختلفين أي ذرية القرون الماضية ووجه الامتنان عليهم أنهم في ذلك مِثْلُ الذرية من حيث إنهم ينتفعون بها كانتفاع أولئلك. وقوله «مَا يَرْكَبُونَ» هذا يحتمل أن يكون من جنس الفُلْك إِن أريد بالفلك سفينة نوح - عليه (الصلاة و) السلام - خاصة وأن يكون من جنس آخر كالإبل ونحوه ولهذا سمتها العربُ سُفُنّ البرِّ فقوله: «مِنْ مِثْلِهِ» أي من مثل الفلك أو من مثل ما ذكر من خلق الأزواج، (في قوله «وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ» ) والضمير في «لهم» يحتمل أن يكون عائداً إلى الذرية أي حملنا ذريتهم وخَلَقْنَا للمحمولين ما يركبون، ويحتمل أن يعود إلى العباد الذين عاد إليْهِمْ قَوْلُهُ: «وَآيَةٌ لَهُمْ» وهو الظاهر لعود الضمائر إلى شيء واحد و «مِنْ» يحتمل أن تكون صلة أي خلقنا لهم مِثْلَهُ وأن تكون لِلْبَيَانِ لأن المخلوق كان أشياء. وقال مِنْ مِثْل الفلك للبيان وتقدم اشتقاق الذُّرِّيَّةِ في البقرة، واختلاف القراء فيها في الأعراف. فصل قال المفسرون: المراد بالذُّرَّيَةِ الآباء والأجداد واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد أي حَمَلْنَا آبَاءَكُمْ في الفلك، والألف للتعريف أي فُلْكِ نُوِحِ وهو مذكور في قوله: ﴿واصنع الفلك﴾ [هود: ٣٧] وهو معلوم عند العرب. وقال الأكثرون: الذرية لا تطلق إلا على الولد وعلى هذا فالمراد إما أن يكون الفلك

стр. 9969

المعين الذي كان لنوح وإما أن يكون المراد الجنس كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢] وقوله: ﴿وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: ١٢] وقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك﴾ [العنكبوت: ٦٥] إلى غير ذلك من استعمال لام التعريف في الفلك لبيان الجنس فإن كان المراد سفينةَ وح ففيه وجوه: الأول: أن المراد: حملنا أولادهم إلى يوم القيامة في ذلك الفلك ولولا ذلك لما بقي للأب نسلٌ ولا عَقِب وعلى هذا فقوله: ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُم﴾ إشارة إلى كمال النعمة أي لم تكن النعمة مقتصرة عليكم بل متعدية إلى أعقابكم إلى يوم القيامة وهذا قول الزمخشري ويحتمل أن يقال: إنه تعالى إنما خص الذريات بالذكر لأن الموجودين كانوا كفاراً لا فائدة في وجودهم فقال: ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُم﴾ أي لم يكن الحَمْلُ حَمْلاً لهم وإنَّما كان حملاً لما في أصلابهم من المؤمنين كمن حمل صُنْدُوقاً لا قيمة له وفيه جَوَاهِرُ (ف) قيل: إنه لم يحمل الصندوق إنما حمل ما فيه. الثاني: أنّ المُرَادَ بالذُّرِّيَّة الجنس أي حملنا أجناسهم لأن ذلك الحيوانَ من جسنه ونوعه، والذرية تطلق على الجنس ولذلك تطلق على النِّساء كنهي النبي - عليه (الصلاة و) السلام) عن قَتْلِ الذَّرَارِي أي النساء لأنَّ المرأة وإن كانت صِنْفاً غير صِنف الرجل لكنها من جنسه ونوعه يقال: ذَرَاينا أي أمثالنا. الثالث: أن الضمير في قوله: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ﴾ عائد على العَبِاد، حيث قال: ﴿ياحسرة عَلَى العباد﴾ [يس: ٣٠] وقال بعد ذلك: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (وإذا عُلِمَ هذا فكأنه تعالى قال: «وآيةٌ للعبادِ أنا حملنا ذريات العباد» . ولا يلزم أن يكون المراد بالضمير في الموضعين أشخاصاً مُعَيَّنينَ كقوله: ﴿وَلَا تقتلوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] وكذلك

стр. 9970

إذا تقاتل قومٌ ومات الكُلّ في القتال يقال: هؤلاء القوم هم قتلوا أنفسهم. «فهم» في الموضعين يكون عائداً إلى القوم ولا يكون المراد أشخاصاً مُعَيَّنِينَ بل المراد أن بعضَهم قتل بعضَهم فكذلك قوله تعالى: «آيةٌ لهم» أي آية لكل بعض منهم أ، احلمنا ذرية كُلِّ (بَعْض) منهم، أو ذرية بعض منهم. وإن قلنا: المراد جنس الفلك فآية ظاهرة لكل أحد وقوله تعالى في سفينة نوح: ﴿وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٥] أي بوجود جنسها ومثلها. ويؤيده قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفلك تَجْرِي فِي البحر بِنِعْمَةِ الله لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان: ٣١] وإن قيل: المراد سفينة نوح فوجه المناسبة أنه ذكرهم بحال نوح وأن المكذبين هلكوا والمؤمنين فازوا فكذلك هم إن آمنوا يفوزوا وإن كذبوا يَهْلَكُوا. والأول أظهر وهو أن المراد بالفلك الموجودة في زمانهم ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ . فإن قيل: لم قال ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيّيتهُمْ﴾ ولم يقل: «حملناهم» ليكون أعم كما قال: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٣٣] ولم يقل: تَأْكُلُ ذُرِّيِّتهُم؟ . فالجواب: قوله تعالى: «حملنا ذريتهم» أي ذريات العباد ولم يقل حملناهم لأن سكون الأرض عام (ل) كلّ أحد يسكنها فقال: ﴿وآيَةٌ لَهُم الأرض الميتة﴾ إلى أن قال: ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ لأن الأكل عام وأما الحمل في السفنية فمن الناس من لا يركبها في عمره ولا يُحْمَلُ فيها ولكن ذرية العباد لا بد لهم من ذلك فإنَّ فيهم من يحتاج إليها فيُحْمَلُ فيها. فإن قيل: ما الحكمة في كونه جمع الفلك في قوله: ﴿وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: ١٢] وأفرده في قوله: ﴿فِي الفلك المشحون﴾ . فالجواب: أن فيه تدقيقاً مليحاً في علم اللغة وهو أن الفلك تكون حركتها مثلَ حركة تلك الكلمة في الصورة، والحركتان مختلفنان في المعنى مثاله قولك: سَجَد يَسْجُدُ سُجُوداً للمصدر وهم قوم سُجُودٌ في جمع «سَاجِدٍ» يظن أنها كلمة واحدة لمعنيين وليس كذلك بل السجود عند كونه مصدراً حركته أصلية إذا قلنا: إن الفعل مشتق من المصدر

стр. 9971

وحركة السجود عند كونه للجمع حركة معتبرة من حيثُ إن الجمع مشتق مِنَ الواحد وينبغي أن يلحق الشمتق تغيير في حرف أو حركة أو في مجموعهما، فساجد لما أردنا أن يشْتَقَّ منه لفظُ جمع غيّرناه وجئنا بلفظ السُّجُود فإذن السجود للمصدر والجمع ليس من قبيل الألفاظ المشتركة التي وضعت بحركة واحدة لمعنيين. وإذا عرف هذا فنقول «الفُلْك» عند كونه واحداً مثل: «قُفْل وبُرْد» وعند كونها جمعاً مثل خُشْبٍ أو بُرْدٍ أو غَيْرِهِما. فإن قيل: فإذا جعلتَهُ جمعاً ما يكون واحدها؟ . فالجواب: نقول جاز أن يكون واحدها فَلْكَة أو غيرها مما لم يستعمل كواحد النِّساء لم يستعمل وكذا القول في: «إمام مبين» إمَام كَزِمام وكتاب عند قوله تعالى: ﴿كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] أي بِأَئِمَّتِهِمْ إمَامٌ كَسِهام وحِفَانٍ، وهذا من دقيق التَّصْرِيف. وأما من جهة المعنى ففيه سؤالات: السؤال الأول: قال ههنا: «حَمَلْنا ذُرّيَّتّهُم» مَنَّ عليهم بحَمْلِ ذرّياتهم وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية﴾ [الحاقة: ١١] منَّ عليهم هناك بحمل أنفسهم. فالجواب: أن من ينفع المتعلق بالغير يكون قد نفع ذلك الغير ومن يدفع الضر عن المتعلّق بالغير لا يكون قد دفع الضر عن ذلك الغير بل يكون قد نفعه كمن أحسن إلى ولد إنسان وفرَّحَةُ فَرِحَ بفَرَحِهِ أبوه وإذا دفع الألم عن ولد إنسان يكون قد فَرَّح أباه ولا يكون في الحقيقة أزال الألم عن أبيه فعنْد طغيان الماء كان الضرر يلحقهم فقال: دفعت وههنا عنكم الضّرر ولو قلا: دفعت عن أولادكم الضرر لما حصل بين دفع الضرر عنهم وههنا أراد بيان المنافع فقال: «حملنا ذرياتهم» لأنَّ النفع حاصل بنفع الذرية، ويدل على هذا قوله: «فِي الفُلْكِ المشحون» فإن امتلأ الفلك من الأموال يحصل (بذكره)

стр. 9972

بيان المنفعة وإذا دفع المضرة فلا لأن الفلك كلما كان أثقل كان الخلاص بها أبطأ وهنالك السلامة فاختار هناك ما يدل على الخلاص من الضرر وهو الجري وههنا ما يدل على كمال المنفعة وهو الشّحْن. فإن قيل: قال تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البر والبحر﴾ [الإسراء: ٧٠] ولم يقل: وحملنا ذريتكم مع أن المقصود في الموضعين بيان النعمة لا دفع النِّقْمة نقول: لما قال في البرّ والبحر عَمّ الخلق لأن ما من أحدٍ إلا وحمل في البر والبحر وأما الحمل في البحر فلم يَعُمّ فقال إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره من الأولاد والأقارب والإخوان والأصدقاء. فصل وفي قوله: «المشحون» فائدة أخرى وهي أن الآدمِيِّ يرسُب في الماء ويَغْرقُ فحمله في الفلك واقع بقدرته لكن من الطَّبِيعيِّنَ من يقول: الخفيف لا يرسب ومع هذا حمل الله الإنسان فيه مع ثقله. فإن قيل: ما الحكمةُ في قوله: «وآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ (و) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ» ؟ ولم يقل: وآية لهم الفلك جعلناها بحيث تحملهم؟ . فالجواب: أن حملهم في الفلك هو العجيب. أما نفس الفلك فليس بعجيب لأنه كَبيْتٍ مَبْنِيِّ من خشب وأما نفس الأرض فعجيب ونفس الليل عجيب لا قدرة لأحد عليهما إلا الله. قوله: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ قرأ الحسن بتشديد الراء وهذه الآية تدل على أن المراد بقوله: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ الفلك الموجود في زمانهم وليس المراد الإبل كما قاله بعض المفسرين بأن المراد الإبلُ لأنها سفنُ البرِّ لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون قوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ فاصلاً بين متصلين. ويحتمل أن يقال: الضمي في مثله يعود إلى معلوم غير مذكور. وتقريره أن يقال: وخَلَقْنَا لهم من مثل ما ذكر من المخلوقات كما في

стр. 9973

قوله تعالى: ﴿لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ﴾ [يس: ٣٥] أن الهاء عائدة إلى ما ذكرنا أي من ثمرنا. فصل في قوله: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ فائدتان: إحداهما: أن في حال النعمة ينبغي أن لا يُؤْمَنَ عذابُ الله. والثانية: أن ذلك جواب عن سؤال مقدر وهو أن الطَّبيعيِّ يقول: السفينة تَحْمِلُ بمُقْتَضَى الطَّبِيعَة والمجوَّف لا يرسب، فقال: ليس كذلك بل لو شاء الله إغراقهم لأغرقهم وليس كذلك بمُقْتَضى الطبيعة ولو صح كلامه الفاسد لكان لقائل أن يقول: ألست توافق أن من السفن ما ينقلب ونيكسر ومنها ما يثقبه ثاقب فيرسب وكل ذلك بمشيئة الله فإن شاء أغرقهم من غير شيء من هذه الأسباب كما هو مذهب أهل السنة أو شيء من تلك الأسباب التي سلمتها أنت. قوله: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ فَعِيلٌ بمعنى فاعل لا مغيث لهم وقيل: فلا مُسْتَغيث وقال الزمخشري: فلا إغاثة جعله مصدراً من «أصْرَخَ» قال أبو حيان «ويحتاج إلى نقل أن» صَرِيحاً يكون مصدراً بمعنى إصراخ «والعامة على فتح» صَرِيخَ «وحكى أبو البقاء أنه قرئ بالرفع والتنوين قال: ووجهة على ما في قوله: ﴿خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٣٨] . فصل معناه: لا مُغيثَ لهم يمنع عنهم الغَرَقَ» وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ «إذا أدركهم الغرق لأن الخلاص من العذاب إما أن يكون برفع العذاب من أصله أو برفعه بعد وقوعه فقال:» لَا صَرِيْخ لَهُمْ «يدفع ولا هم يُنْقَذُونَ بعد الوقوع فيه وهو كقوله تعالى: ﴿لَاّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلَا يُنقِذُونَ﴾ [يس: ٢٣] وفيه فائدة أخرى غير الحصر وهي أنه تعالى قال: لا صَرِيخ لهم ولم يقل: ولا منقذ لهم؛ لأ (نَّ) مَنْ لا يكون مِن شأنه أن ينصر لا يشرع في

стр. 9974

النصر مخافة أن يْغلَبَ ويذهبَ ماءُ وَجْهِهِ وإنما يَنْصُرُ ويغيث من كان من شأنه أن يُغِيثَ فقال:» لَا صِرِيخَ لَهُمْ «وأما من لا يكون من شأنه أن ينقذ إذا راى من يعين عليه في نصره يشرع في الإنقاذ وإن لم يثِقْ من نفسه في الإنقاذ ولا يغلب على ظنه وإنما يبذل المجهود فقال:» ولا هم ينقذون «ولم يقل: ولا منقذ لهم، ثم استثنى وقال:» إلا رَحْمَةَ مِنَّا وَمَتَاعاً إلى حِينٍ «وهو يفيد أمرين: أحدهما: انقسام الإنقاذ إلى قسمين: الرحمة والمَتَاع أي فمن عَلِمَ أنه يؤمن فينقذه الله رحمة وفيمن علم أنه لا يؤمن فليمتنع زماناً ويزداد إثمه. وثاينهما: أنه بيان لكون الإنقاذ غير مفيد للدوام بل الزّوال في الدنيا لا بدَّ منه، فينقذه رحمة ويمتعه إلى حين ثم يميته فإذن الزوال لازم أن يقع. قال ابن عباس المراد» بالحِينِ «انقضاء آجالهم يعني (إلَاّ) أن يرحمهم ويمتعهم إلى حين آجالهم. قوله:» إلَاّ رَحْمَةً «منصوب على المفعول له وهو استثناء مفرغ، وقيل: استثناء منقعطع وقيل: على المصدر بفعل مقدَّر، أو على إسقاط الخافض أي إلا برحمةٍ والفاء في قوله:» فَلَا صَرِيخَ «رابطةٌ لهذه الجملة بما قبلها؛ فالضمير في» لَهُمْ «عائد على المُغْرَقينَ» وجوز ابن عطية هذا ووجهاً آخَر وجعله أحْسَنَ منه وهو أن يكون استئناف إخبار عن المُسَافِرينَ في البحر ناجينَ كانوا مُغْرَقِينَ هم بهذه الحالة لا نجاة لهم إلَاّ برَحْمَةِ الله وليس قوله: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ مربوطاً بالمغرقين انتهى. وليس جعله هذا الأحسن بالحسن لئلا تخرج الفاء عن مَوْضُوعِهَا والكلام عن التئامِهِ.

стр. 9975

قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا﴾ جوابها محذوف أي أعرضوا يدل عليه بعده: «إِلَاّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضينَ» وعلى هذا فلفظ «كانوا» زائدٌ، قال ابن عباس: ما بين أيديكم يعني الآخرة فاعملوا لها، وما خلفكم يعني الدنيا فاحْذَرُوها ولا تغترّوا بها وقيل: ما بين أيدكم وقائع الله فيمن كان قبلكم من الأمم وما خلفكم عذاب الآخرة قاله قتادة ومقاتل، «لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» . قوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَاّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ أي دلالة على صدق محمد ﷺ َ - إلا كانوا عنها معرضين وهذا الاستئناف في محل (نصب) حال كما تقدم في نظائره، وهذه الآية متعلقة بقوله تعالى: ﴿ياحسرة عَلَى العباد مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلَاّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠] أي إذا جاءتهم الرسل كذبوا وإذا أتوا بالآيات أعْرَضُوا. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا﴾ لما عدد الآيات بقوله: ( «وَآيَةٌ لَهُمْ الأَرْضُ» ) (و) «آيةٌ لَهُمُ اللِّيْلُ» (و) (آيةٌ لَهُمْ أنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ «وكانت الآيات تفيد اليقين والقطع ولم تفدهم اليَقينَ قال فلا أقلَّ من أن يَحْترزوا وقوع العذاب، فإن من أخبر بوقوع العذاب يتقيه وإن مل يقطع بصدق المخبر احْتِيَاكاً فقال تعالى: إذا ذكرتم الدليل القاطع لا يعترفون به فإذا قيل لهم اتقوا لا يتقون فهم في غاية الجهل ونهاية الغفلة لا مثل العلماء الذين يبنون الأمر على الأحوط ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ بحرف التمنِّي أي أن يخفى عليه البرهان لا يترك الاحتراز والاحْتِيَاطَ. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رِزَقَكُمُ الله﴾ أي أعطاكم الله. وهذا إشاءة إلى أنهم بخلوا بجميع التكاليف لأن المكلف يجب عليه التعظيم لجانب الله والشفقة على خلق الله وهم تركوا التعظيم حيث قيل لهم: اتَّقُوا (فلم يَتَّقُوا (وتركوا الشفة على خلق الله

стр. 9976

حيث قيل لهم: أَنْقِقُوا ولم ينفقوا فما الحكمة في حذف الجواب في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ﴾ وههنا أجاب وأتى بأكثر من الجواب ولو قال:» وإذا قيل لهم أنققوا قالوا أنْطْعِمُ مَنْ لو يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ «لكان كافياً فما الفائدة في قوله تعالى: ﴿قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمنوا﴾ فالجواب: أن الكفار كانوا يقولون بأنَّ الإطعام من الصِّفات الحميدة وكانوا يفتخرون بطُعمةِ الأضياف فأوردوا في ذلك على المؤمنين معتقدين بأن أفعالنا مَنًّا ولولا إطعامنا مَنَّا لما اندفعت حاجة الضيف وأنتم تقولون: إنّ إلهكم يرزق من يشاء فَلِمَ تقولون لنا: أنفقوا؟ فلما كان غرضهم الرد على المؤمنين، لا الامتناع من الإطعام قال تعالى عنهم: ﴿قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمنوا﴾ إشارة إلى الرد. وأما قوله: اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ «فلم يكن لهم رد على المؤمنين فأعرضوا فأعرض (الله) عن ذكر إعراضهم لحصول العِلْمِ به. فصل قال المفسرون: إن المؤمنين قالوا لكفار مكة: أَنْفِقُوا على المساكين مما زعمتم أنه لله من أموالكم وهو ما جعلوا لله من حُرُوثهم وأَنْعَامهم» قَالوا أَنْطْعِمُ «أنرزق» مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللُّهُ «رزقه ثم لم يرزقه مع قدرته عليه فنحن نوافق مشيئة الله فلا نطعم من لم يطعمه الله. وهذا مما يتمسك به البخلاء يقولون: لا نعطي من حرمه الله. وهذا الذي يزعمون باطل؛ لأن الله تعالى بالإنفاق لا حاجة إلى ماله ولكن ليبلو الغنيّ بالفقير فيما فرض له في مال الغني ولا اعتراض لأحد على مشيئة الله وحكمه في خلقه. فإن قيل: ما الفائدة من تغيير اللفظ في جوابهم حيث لم يقولوا: أننفق من لو يشاء الله رزقه وذلك أنهم أمروا بالإنفاق في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ﴾ فكان جوابهم أن يقولوا: أننفقُ؛ فَلِمَ قالوا: أنطعم؟ . فالجواب: أن في هذا بيانَ غاية مخالفتهم لأنهم إذا أمروا بالإنفاق والإنفاق يدخل فيه الإطعام وغيره فمل يأتوا بالإنفاق ولا بأقلَّ منه وهو الإطعام. وهذا كقول القائل لغيره:» أَعْطِ زَيْداً دِينَاراً «فيقول: لَا أُعْطِيهِ دِرْهماً مع أن المطابق هو أن يقول لا أعطيه ديناراً

стр. 9977

ولكن المبالغة في هذا الوجه أتمّ. فكذلك ههنا. فإن قيل: قولهم: ﴿لَّوْ يَشَآءُ الله أَطْعَمَهُ﴾ كلام حق فلماذا ذكر في معرض الذَّمِّ؟ . فالجواب: لأن مرادهم كان الإنكارَ لقدرة الله أو لعدم جواز الأمر بالإنفاق مع قدرة الله وكلاهما فاسدٌ فبيّن الله ذلك بقوله: ﴿مِمَّا رِزَقَكُمُ الله﴾ فإنه يدل على قدرته ويصحِّح أمره بالإعطاء لأن من كان له في يد الغير مال وله في خزانته مال فهو مخير إن أراد أعطى مما في خزانته وإن أراد أمر من عنده المال بالإعطاء، ولا يجوز أن يقول من في يده مال: في خزانتك أكثير مما في يدي أعطه منه. قوله: ﴿مَن لَّوْ يَشَآءُ الله أَطْعَمَهُ﴾ مفعول» أَنُطْعِمُ «و» أَطْعَمَهُ «جواب» لو «وجاء على أحد الجَائِزين (و) هو تجرده من اللام. والأفصح أن يكون بلام، نحو: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ [الواقعة: ٦٥] قوله: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَاّ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ يقول الكفار للمؤمنين: ما أنت إلا في خطأ بيِّن في اتِّباعكم محمداً وترك ما نحن عليه وهذا إشارة إلى أنهم قطعوا المؤمنين بهذا الكلام وأن أمرهم بالإنفاق مع قولهم بقدرة الله ظاهر الفساد واعتقادهم هو الفاسد. فصل اعمل أنَّ» إنْ «وردت للنفي بمعنى» ما «وكان الأصل في» إن «أنْ تكون للشرط والأصل في» مَا «أن تكون للنفي لكنهما اشتركا من بعض الوجوه فتعارضا واستعمل» ما «في الشرط، واستعمل» إن «في النفي. أما وجه اشتراكهما فهو أن كل واحدة منها حرف مركب من حرفين متقاربين فإن الهمزة تقرب من الأنف والميم من النون ولا بد أن يكون المعنى الذي يدخل عليه «ما» و «إنْ» لا يكون ثابتاً أما في «ما» فظاهر وأما في «إنْ» فلأنك إذا قلت: «إنْ جَاءَ زَيْدٌ أَكْرِمْه» ينبغي أن لا يكون منه في الحال (مجيء)

стр. 9978

فاستعمل إنْ مكان «ما» وقيل: «إنْ زَيْدٌ قَائِمٌ» أي ما زيد بقائم. واستعمل ما في الشرط تقول: مَا تَصْنَعْ أَصْنَعْ والذي يدل على ما ذكرنا أن «ما» النافية تستعمل بحيث لا تستعمل إن (وذلك) لأنك تقول: «مَا إنْ جَلَسَ زَيْدٌ» فتجعل إنْ «صلة» ولا تقول: «إنْ جَلَسَ زَيْدٌ» ، بمعنى النفي وبمعنى الشرط تقول: إِمَّا ترين فتجعل «إنْ» أصلاً و «ما» صلة فدلنا هذا على أَنَّ «إنْ» في الشرط أصل و «ما» دخيل فيه و «ما» في النفي بالعَكْسِ. فصل قوله: ﴿إنْ أَنْتُمْ﴾ يفيد ما لا يفيد قوله: ﴿أَنْتُمْ فِي ضَلَالٍ﴾ لأنه يوجب الحصر وأنه ليسُوا في غير الضَّلالِ، ووصف الضلال بالمُبِين أي أنه لظِهوره تبين نفسه أنه ضلال أي في ضلالٍ لا يخفى على أحد أنه في ضَلالَ. وقوله: «في ضلال» يفيد كونهم مَغْمُورينَ فيه غائصين، فأما قوله في موضع آخر: «عَلَى بَيِّنَةٍ» و «عَلَى هُدى» فهو إشارة إلى كونهم راكبينَ متن الطريق المستقيم قَادِرينَ عليه. فصل إنما وصفوا المؤمنين بأنهم في ضَلالَ مبين لظنهم أن كلام المؤمنين متاقض ومن يتناقض كلامهُ يكون في غاية الضلال قال ابن الخطيب: ووجه ذلك أنهم قالوا: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه وهذا إشارة إلى أن الله إن شاء أن يطعمهم فهو يطعمهم فكان الأمر بإطعامهم أمراً بتحصيل الحاصل وإن لم يشأ إطعامهم لا يقدر أحدٌ على إطعامهم لامتناع وقوع ما لم يشأ فلا قدرة لنا على الإطعام فكيف تأمروننا بالإطعام؟! ووجه آخر وهو أنهم قالوا إن أراد الله تجويعهم فلو أطْعَمْنَاهُم يكون ذلك سعياً في إبطال

стр. 9979

فعل الله وأنه لا يجوز وأنتم تقولولن أطعموهم فهو ضلال. واعلم أنه لم يكن في الضلال إلا هم حيث نظروا إلى المراد ولم ينظروا إلى الطلب والأمر وذلك لأن العبد إذا أمره السِّيدُ بأمر لا ينبغي الإطِّلَاعُ على المقصود الذي لأجهل الذي أمره به مثاله إذا أراد الملك الركوب للهجوم على عَدُوَّه بحيث لا يَطَّلع عليه أحد وقال للعبد: أَحْضِر المركوبَ فلو تطلع واستكشف المقصود الذي لأجله الركوب لنسب إلى أنه يريد أن يطلع عوه على الحَذَرِ منه وكشف سره فالأدب في الطاعة هو اتباع الأمر لا تتبع المراد فاللَّه تعالى إذ (ا) قال: أنفقوا مما رزقكم الله لا يجوز أن يقال: لِمَ لَمْ يطعمهم (الله) مما في خزائنه؟ .

стр. 9980

قوله: ﴿وَيَقُولُونَ متى هَذَا الوعد﴾ أي القيامة والبعث «إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ» وهذا إشارة إلى ما اعتقدوا أن التقوى المأمور بها في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا﴾ [يس: ٤٥] والإنفاق المذكور في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا﴾ [يس: ٤٥] لا فائدة فيه لأن لا حقيقة له وقولهم: «مَتَى هَذَا الوَعْدُ» أي متى يقع المَوْعُودُ به. فصل «إنْ» للشرط وهي تستدعي جزاء و «متى» استفهام لا تصلح جواباً فيه فما الجواب؟ . قيل: هو في صورة الآستفهام وهو في المعنى إنكار كأنهم قالوا: إن كنتم صادقين في قوع الحشر فَقُلُوا متى يكون. فصل الظاهر أن هذا الخطاب مع الأنبياء لما أنكروا الرسالة قالوا إن كنتم أيها المُدَّعونَ للرسالة صادقين فأخبرونا متى يكون ما تَعِدُونَنَا به.
следующие страницы →