← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9110

شريعة القرآن من دلائل إعجازه

محمد أبو زهرة

Полный текст (90 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الكتاب: شريعة القرآن من دلائل إعجازه المؤلف: الإمام / محمد أبو زهرة ﵀ الناشر: دار العروبة - القاهرة عام النشر: ١٣٨١ هـ - ١٩٦١ م عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] جَزَى اللَّهُ كَاتِبَهُ وَمَنْ تَحَمَّلَ نَفَقَةَ الْكِتَابَةِ خَيرَ الجَزَاءِ وَأَوفَاهُ.

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تمهيد ١ - بعث الله كل نبي من الأنبياء بمعجزة تشده لها العقول. وتقف عندها القدرة البشرية، فتعجز عن الإتيان بمثلها، وتحمل من أنار الله بصيرته على الإذعان والتسليم والإيمان والاطمئنان. وكل معجزة تناسب العصر الذي بعث فيه النبي، وتتفق مع ما تدركه عقولهم، من حدود القدرة البشرية في موضوع المعجزة وذاتها، وقد تكون علاجاً لحالهم. فمعجزة موسى كانت في بلد أتقن السحر، فجاءت من جنسه ... ومعجزة عيسى ﵇ كانت في قوم خضعوا لحكم المادة، ولم يعترفوا بغيرها، فجاءت معجزته ﵇ متجهة كلها لإثبات ما وراء المادة. بل إن ولادته ﵇ نفسها كانت من هذا النوع، فهي وحدها برهان على سلطان الروح وتفكك الأسباب المادية وتراخيها عن مسبباتها، ووجود تلك المسببات من غير قيام الأسباب. ٢ - ولقد كانت كل المعجزات التي حكيت عن النبيين السابقين

стр. 3

معجزات مادية حسية، تكشف عن معنى روحي، وعن تنزيل سماوي؛ فقد كانت تقر الحس فيخضع، وتبده العقول فتخنع، فيذعن من أزال الله عن قلبه الغشاوة، وينكر من غلبت عليه شقوته وعمّت كل نواحي نفسه ضلالته. ولكن معجزة محمد - صلوات الله عليه - لم تكن مادة تقرع، ولا أمراً حسياً ترى العيون إعجازه رأي العيان، بل كانت أمراً معنوياً تتأمله العقول والأفهام، وتتعرفه المدارك البشرية في كل الأزمان، ولم يفقد حجيته، ولم يزل إعجازه كر الغداة ومر العشى. ٣ - وهنا يثور بادى الرأي ويلمح النظر سؤال: ولماذا كانت معجزة محمد - صلوات الله عليه - أمراً معنوياً، والمعجزات السابقة أموراً حسية، أو لماذا كانت معجزة محمد كلاماًَ متلوا ومعجزات غيره وقائع مادية؟ إن الجواب عن ذلك السؤال مشتق من شريعة محمد ذاتها، ومن حقيقة القرآن الكريم، فشريعة محمد خالدة باقية، خوطبت بها الأجيال من مبعثه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد خوطب بها الناس جميعاً في كل الأرض، مهما اختلفت أجناسهم وتباينت أقاليمهم، وتضاربت عاداتهم. فكان لابد أن تكون معجزة النبي متفقة مع هذا العموم،

стр. 4

ومتلائمة مع هذا الخلود، ولا يمكن أن تكون كذلك إذا كانت وقائع مادية تقتضي بإنقضاء وقتها، ولا يعلم بها علم اليقين إلا من عاينها، فالنار التي ألقى فيها خليل الله إبراهيم ولم تحرقه، لم يعلمها علم اليقين إلا الذين رأوها، وعصا موسى التي انقلبت حية تسعى، تلقف ما يأفكون، لم يعلمها علماً جازماً إلا الذين شاهدوها، وإبراء عيسى للأكمة والأبرص لم يعلم به إلآ الذين لمسوه. أما معجزة محمد فهي ذلك القرآن المتلو المشتمل على الشريعة المحكمة، وهو باق يرى ويتلوى إلى يوم القيامة فيعلم حقيقته من ألتقى بالنبي صلوات الله عليخ وعاينه وخاطبه، ومن جاء بعد عذر الرسول بعشرة قرون. بل بعشرات القرون إن أمتد عمر الإنسان في هذه الأرض عشرات القرون، ولقد حفظه منزله الأجيال كما نزل على محمد ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . فالناس في كل الأجيال بعد محمد يرون معجزته رأي العيان، كمن شاهدوا محمداً وخاطبوه، وإن كان لهؤلاء الصحب الكرام فضل علم، فهم مشتق من مشافهة النبي خطابه والتحدث عليه، وهو مشرق الحق ومصدر العرفان وروح الهدى ونور الوجود. وإذا كانت الأجيال كلها ترى تلك المعجزة وتفهمها، فهي حجة الله الفاتحة عليها، فإن ضلت لا تضل عن جهالة ولا عن

стр. 5

نقص في البينات، ولا عن شك في الأمر، بل عن عمى في البصيرة وتحكم الهوى وسيطرة الأوهام، ٤ - ولقد تكلم العلماء قديماً وحديثاً في موضع الإعجاز في القرآن - معجزة النبي صلوات الله عليه وسلم الكبرى، فمن قائل: إنه ما اشتمل عليه من قصص صادقة لم يعلمها النبي الأمين عن غير طريق الوحي، أو لم يجلس إلى معلم ولم يتعلم، ولم يكن كثير الرحلة حتى ينال علم التجربة بالأسفار، بل لم يتجاوز بطحاء مكة إلا مرتين: إحداهما في الثانية عشرة، والأخرى في نحو الخامسة والعشرين، فصدقها مع هذه الأمية دليل على أنها من عند الله". ومن قائل: "إن الإعجاز في اشتماله على حقائق علمية كونبة، لم يصل إليها العقل البشري إلا بعد قرون، وقد جاءت في القرآن على لسان نبي أمي لم يتعلم، ولم يجلس إلى معلم كما بينا". ومن قائل: "إن ذلك الإعجاز في أسلوب القرآن ونغمه ونسقه، وعلى ذلك الأكثرون". وهو ما تومئ إليه عبارات القرآن الكريم، فقد تحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله ولو مفتريات فعجزوا، فكان أسلوب القرآن معجزاً لا ريب في ذلك. ٥ - ونحن نرى إن كل ما ذكره العلماء سبباً لإعجاز القرآن هو

стр. 6

بلا ريب من أسبابه، غير أن سبباً واحداً لم نر العلماء قد ذكروه، ونراه من أقوى الأسباب أو يعدل أقراها إن لم يكن أقواها جميعاً، وبه القرآن يكون معجزاًَ لكل الناس، لا للعرب وحدهم، ولا لجيل من الأجيال، بل يكون معجزاً للأجيال كلها، ألا وهو شريعة القرآن، فما اشتمل عليه القرآن من أحكام سواء ما كان منها يتعلق بالأسرة أو ما يتعلق بالمجتمع، وما يتعلق بالعلاقة الدولية، فريد في بابه لم يسبقه شرع سابق، ولم يلحق بما وصل إليه شرع لاحق، وإذا ما كان ذلك كله قد جاء على لسان أمي لا يقرأ ولا يكتب، لم يتعلم قط لا بالقلم والقرطاس، ولا بالتلقين والتوقيف، ولا بالتجربة والأسفار، إن ذلك هو الإعجاز الذي تتيه العقول في تعرف سببه، إلا أن يكون ذلك من عند الله العلي الحكيم، وكذلك قال الرسول صلوات الله وسلامه عليه. ٦ - هذا كلام إجمالي وهو يحتاج إلى بعض من البيان، ولأجل أن نتبين قيمة ذلك الشرع في ذاته ونظر الناس يجدر بنا أن نرجع إلى الماضي السحيق ونتطلع إلى المستقبل البعيد. أما في الماضي فنجد أن الشرع الذي أقترن بظهور محمد الرسول الأمين، هو قانون الرومان، فقد كان الشرع المسيطر في التطبيقات العملية والقضائية في مصر والشام وغيرها من البلدان التي تصاقب البلاد العربية وتحيط بها من الغرب والشمال، ويقول علماء

стр. 7

القانون اليوم إنه من أكمل الشرائع التي تفتق عنها العقل البشري، ولا زال يعتبر اصلاً لكثير من الشرائع القائمة، انفرعت من أصوله وقامت على دعائمه. وإن من يريد أن يعرف منزلة الشريعة الإسلامية وأنها في درجة فوق مستوى العقل البشري، فليوازن بينها وبين القانون الروماني، لأن قانون الرومان قد استوى على سوقه، وبلغ نهاية كماله في عهد جوستنيان سنة ٥٣٣ بعد ميلاد المسيح ﵇، وهو في هذا الوقت كان صفوة القوانين السابقة، وفيه علاج لعيوبها وسد لخللها من يوم أن أنشئت روما سنة ٧٤٤ قبل الميلاد، إلى سنة ٥٣٣ بعده، أي أنه ثمرة تجارب قانونية لنحو ثلاثة عشر قرناً ظهرت فيها الفلسفة اليونانية. وبلغت أوجها، وقد أستعانوا في تلك التجارب القانونية بقوانين سولون لأثينا، وقوانين ليكورغ لإسبارظة والنظم اليونانية عامة، والمناهج النظامية والفلسفية التي فكر فيها الفلاسفة اليونان، لبيان أمثل النظم التي يقوم عليها المجتمع الفاضل. كالذي جاء في كتاب القانون وكتاب الجمهورية لأفلاطون، وكتاب السياسة لأرسطو، وغيرها من ثمرات عقول الفلاسفة والعلماء في عهد اليوناان والرومان. وإن شئت فقل: إن القانون الروماني هو خلاصة ما وصل

стр. 8

إليه العقل البشري في مدى ثلاثة عشر قرناً في تنظيم الحقوق والواجبات، فإذا وازنا بينه وبين ما جاء على لسان محمد النبي النبي الأمي وأنتجت الموازنة أن العدل فيما قاله محمد ليس من صنع بشر، إنه العليم الحكيم اللطيف الخبير سبحانه. ٧ - وفي أي جانب أخترت الموازنة بين ما اشتمل عليه القرآن وما اشتملت عليه الشرائع التي سبقته أو عاصرته بدا لك الفرق ما بين السمو الروح٠ي، والأخلاق الأرضية. فمن ناحية المساواة القانونية نجد الشريعة قد وصلت إلى أعلا درجاتها، بينما القوانين التي عاصرتها لم تعترف بأصلها. فالقرآن يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ والشرائع التي سبقته وعاصرته لم تعرف تلك المساواة بين الأجناس والألوان، بل لم تعرف المساواة بين آحاد الأمة الواحدة. وبينما شريعة القرآن تخفف عقوبة الأرقاء فتجعل عقوبتهم نصف عقوبة الحر، نجد قانون الرومان يضاعف عقوبة الضعفاء فالقرآن يقول في الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ وكذلك العبد إن أتى بفاحشة فعقوبته نصف الحر. ولكن قانون الرومان يقول: "ومن يستهوي أرملة مستقيمة

стр. 9

أو عذراء فعقوبته إن كان من بيئة كريمة مصادرة نصف ماله، وإن كان من بيئة ذميمة فعقوبته الجلد والنفي من الأرض. وإن النظر العادل يقر بالبداهة نظر شريعة القرآن لأن العقوبات يجب أن تشير بنسبة تصاعدية مع الأشخاص لا بنسبة عكسية، فتكبر جريمة الكبير وتصغر عقوبة الصغير.. لأنه إذا هانت النفس على صاحبها سهل عليه الوقوع في الجرائم، فكان التخفيف، وإذا كبرت قيمة الرجل في أعين الناس كانت عليه تبعات بمقدار عظمته، وكانت صغائره كبائر، وتضاعفت العقوبة، فالجاه والثروة وغيرها ليست متعاً خالصة خالية من تبعات بل عليها تبعات بقدرها. وإن القوانين التي تسير عكساً لا طرداً، كالقانون الروماني، قوانين ظالمة، كيف؟ لأنها تستمد منطقها من القوة الغالبة، فكلما كان الشخص من ذوي الجاه ضعفت عقوبته، وكلما كان نم الضعفاء زادت من عقوبته، فهو يحمي الشريف ولا يحمي الضعيف، وقد سمي القرآن ذلك حكم الجاهلية، ولذا قال الله في حق اليهود عندما طلبوا أن يحكم النبي على الشريف الزاني بغير العقوبة المقررة: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ؟ ولقد قال النبي ﷺ : "إنما أهلك الذين من قبلكم كانوا إذا سرق الشريف تركوه. وإذا سرق الضعيف

стр. 10

قطعوه، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. ٨ - ولقد كان الضعيف مأكولاً ضائعاً والفقير يائساً جائعاًَ، حتى جاء الإسلام فشرع قانون الزكاة. وجعلها حقاً معلوماً في مال الغني، لا يخلص له إلا بعد إعطائها، حتى لقد قال الشافعي ﵁: "إن الغني إذا وجبت الزكاة في مال معين له، كان غير مالك للجزء الذي يقابلها، ولذلك إذا تصرف فيه من غير إخراجها يكون تصرفه باطلاً، وإذا مات من غير أن يؤدي ما وجب عليه من زكاة أخذت من تركته، وقدمت على سائر الديون عند الشافعي ﵁! * * * ولم يعتبر الإسلام الزكاة إحساناً مُذلًّا ، بل أوجبها على الأغنياء يقبضها ولي الأمر بالنيابة على الفقراء، ويوزعها عليهم بمقدار حاجته، ولقد هم عمر ﵁ عام وفاته أن يمر على الأقاليم بنفسه ليوزع على الفقراء حقوقهم في بيت المال غير الزكاة كل له عطاء بمقدار بلائه وعنائه في الإسلام. ٩ - وبينما كان قانون الرومان في بعض أدواره يجعل الدائن يسترق المدين إن عجز عن الوفاء، كان القرآن الذي نطق به النبي

стр. 11

الأمي وقد نزل عليه من عند الله يقرر: أن الحكومة تسدد ديون المدينين الذين يعجزون عن الوفاء بديونهم، إذ لم تكن الاستدانة سرفا، بل يكون على ولي الأمر سداد الديون التي يستدنيها ذوو المروءات للمقاصد الاجتماعية كالصلح بين الناس، فتسدد من بيت المال، ولو كان المدينون غير عاجزين عجزاً كلياً عن سدادها. ويؤدي هذا كله من مال الزكاة كما نص القرآن الكريم. إني أحسب أن هذه مثل عليا لم يصل إليها بعد قانون من قوانين البشر، فإذا كان الذي جاء بهذا رجلاً أمياً لا يقرأ ولا يكتب ولم يتعلم قط، ألا يكون هذا دليلاً على أن ما جاء به من عند الله العلي القدير؟. ١٠ - ولقد كان الرق حقيقة مقررة ثابتة أقر فلاسفة اليونان نظامه، واعتبروه نظاماً عاماً عادلاً، لا ظلم فيه، ولم تستنكره شريعة من الشرائع قط، وقرر أرسطو أن الرق نظام الفطرة لأن من الناس ناساً لا يمكن أن يعيشوا إلا أرقاء، وآخرين لا يكونونٍ إلا أحراراً ... ! فجاء النبي الأمي وقال: "الناس سواسية كأسنان المشط" وقال: "كلكم لآدم وآدم من تراب" ولم يسجل القرآن الرق في محكم آياته بل سجل العتق، فلم يرد في القرآن نص قط يبيح الرق، بل نصوصه كلها توجب العتق، حتى إنه في حرب الإسلام العادلة

стр. 12

لم يذكر القرآن رق الأسرى، بل قال: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ فلم يذكر في الأسرى إلا المن عليهم بإطلاقهم أو فدائهم بالمال، إن كان في قومهم قدره على الفداء، ولقد وسع القرآن في أسباب العتق وفتح باب الحرية الإنسانية على مصراعيه، اعتبروه قربة ولو كان الرقيق غير مسلم، فقال: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ وأوجب على من يفطر في رمضان عامداً من غير عذر عتق رقبة، ومن يحلف ويحنث عتق رقبة، ومن يجري على لسانه عبارة لامرأته يشبهها بأمه عليه عتق رقبة، ومن يقتل مؤمناً خطأ عليه عتق رقبة، وإذا طلب العبد عتقه في نظير أن يؤدي ثمنه مثلاً - كاتبه مولاه على ذلك، وتركه ليكسب ثمنه، ومن ملك بعض محارمه عتق عليه، ومن ضرب عبده ظلماً فكفارته عتقه. وهكذا تعددت أسباب العتق حتى أنها لو نفذت كلها لا يبقى رقيق في دار الإسلام أكثر من سنة واحدة. كل هذا في زمن أهملت فيه حقوق الإنسان، فإذا كان هذا بعض ما اشتمل عليه القرآن، ألا يكون دليلاً على أنه من عند الرحمن؟ * * *

стр. 13

موازنة إن ما اشتمل القرآن عليه من أحكام إذا ووزن بما كان عليه الناس وقت نزول القرآن، كان وحده دليلاً على أن القرآن من عند الله، بل إن أحكامه لا تزال جديدة إذا ووزنت بما عليه الناس اليوم، إذ بالموازنة يتبين أنها سبقت بعيداً، وأن الناس مهما تتفتق عقولهم عن شرائع قد وصلوا إليها بتجارب قضائية، وتجارب عملية، وبالاستعانة بثمرات العقول وما أنتجته الفلسفة والعلم، فلن يصلوا إلى ما جاء على لسان النبي الأمي محمد ﷺ لأن عمل الإنسان مهما تكن قدرته ناقص، وفي أي جانب اخترت للموازنة تنتهي بالحكم الجازم بسبق النبي، وعدم بلوغ أحد ما قرهه وثبته منذ ثلاثة عشر قرناً إلا أن يقبسوا من نوره، ويأخذوا من هديه، وينهلوا من معينه، ففقه الحكمة وفصل الخطاب. ولنختر الموازنة في بعض أحكام الأسرة، فإن أحكام الأسرة التي اشتمل عليها القرآن وبينها النبي موضع هجوم المهاجمين، وهدف لسهام النقد وسنبين أن تلك السهام مردودة في نحورهم، وسنلوي مقدم الدليل الذي ساقوه على نتيجتهم ونبين منه للباحث المنصف أن أحكام الأسرة في القرآن دليل إعجازه، وأن العقل البشري لم يصل إلى ما يقاربها.

стр. 14

لقد عابوا على شريعة القرآن. إباحتها الطلاق.. وإباحتها تعدد الزوجات ... وشنعوا وهو ليس من القرآن في شيء. وقد ثارت عجاجة هذه المسائل في آخر القرن الماضي، وصدر هذا القرن، وخاضت فيها الأقلام، وأخذ الذين يحاولون تقريب الإسلام من شرائع الغرب يقترحون وضع القيود أمام التعدد، بل أسترسلوا فأرادوا وضع القيود أمام الطلاق، وعقوبة المطلقين بالزج في غياهب السجن. إن التاريخ كتاب العبر وسفر المعتبر، يرينا أن الهجوم على الإسلام من ناحية الطلاق وتعدد الزوجات وما يتصل بذلك، ليس وليد ذلك العصر، بل إنه يتغلغل في القدم إلى العصر الأموي، وإذا رجعنا إلى الوراء نتعرف المصدر الذي كان يبث ذلك، وجدنا رجلاً أسمه يوحنا الدمشقي، كان في خدمة الأمويين هو وأبوه، واستمر في خدمتهم إلى عهد هشام بن عبد الملك - كان يؤلمه أن يدخل النصاري في الإسلام أفواجاً أفواجاً، فكان يجتهد في أن يسلح النصارى باعتراضات يعترضون بها على الإسلام. ليشككوا العربي المسلم في دينه، وليقووا حجة النصراني، فيستطيع التغلب على العربي. وقد جاء في كتاب "تراث الإسلام" عن يوحنا هذا أنه كان

стр. 15

يقول: "إذا سألك العربي في المسيح؟ فقل: إنه كلمة الله، ثم ليسأل النصراني المسلم بم سمي المسيح في القرآن. وليرفض أن يتكلم في شيء حتى يجيب المسلم فإنه سيضطر إلى أن يقول: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ فإذا أجاب بذلك فاسأله عن لكمة الله وروحه: أمخلوقة أم غير مخلوقة؟ فإن قال مخلوقة، فليرد عليه بأنه كان ولم تكن له كلمة، ولا روح، فإن قلت ذلك، فسيقحم العربي، لأن من يرى هذا الرأي زنديق في نظر المسلمين. ومع ذلك التلقين الذي يحاول به التشكيك في العقيدة، كان يلقنهم أيضاً أن يتكلموا في تعدد الزوجات، وفي إباحة الطلاق، ثم يثير فيهم أكاذيب حول النبي ﷺ ، فيخترح قصة عشق النبي لزينب بنت جحش، التي كانت وليدة عقل ذلك الكاذب الأفاق. ولقد كان جزاء ذلك الصنيع عن النصارى أن اعتبروا صاحبه قديساً، وإذا كان الاعتراض على الإسلام متحدا بين يوحنا وأهل ذلك العصر، فلابد أن يكون المصدر واحدا، ولكننا لا نتبع الأصول لنعرف الفروع، ولا نتبع الجذور لنعرف نوع الثمار، بل إننا اعترانا نوع من الضعف النفسي عند بعض الذين يسمون الخاصة، فحسبوا أن كل ما عند

стр. 16

الأوربين سائغ فرات، وكل ما عندنا ملح أجاج، وليسوا في حاجة إلي دس أمثال يوحنا الدمشقي، بل إنه يكفي أن يكون الأوربيون لا تسيغ شريعنهم التعدد حتى يكون ذلك المنه سائغاً مقبولاً، وحتى يكون ما عند المسلمين مقيتاً مرذولاً ... وهكذا يفعل الاستخذاء في نفوس الضعفاء يستقبحون كل ما بأيديهم ويستحسنون كل ما بأيدي الأقوياء. * * * ونحن وإذا حاولنا أن نبين فضل الشريعة في الزواج والطلاق ، فإنا لا نرد على المسلمين الذين رددوا تلك الأقوال عن غير بينة، بل إنا نرد على الذين اثاروها بين المسلمين، ولم يجدوا مرتعاً خصيباً من اقدم العصور إلا في أذهان رجال في عصرنا، ونحن نتكلم في هذه الأمور الثلاثة: قصة زيد وزينب ونظام التبني والنسب، وتعدد الزوجات، والطلاق. ونبدأ بقصة زيد وزينب والتبني لأن كثيرين خدعوا بالكذب الذي أثير حولها، ووجدنا في مصر كاتباً كبيراً كتب في السيرة، وجعل لها عنواناً قائماً بذاته، سماع عشق النبي، وبعض كتب التفسير رأج فيها ذلك العرس الخبيث، ولأن إثارة القول في هذه القصة بحرنا إلى الكلام في خاصة اختصت بها الشريعة

стр. 17

الإسلامية في النسب، وهي أن التبني لا يوجد نسباً ولا يثبت حقوقاً ولا يلزم بواجبات، وذلك غير ما كان عند الرومان، ولأن تلك القصة تكشف عن خلق النبي الكريم، كان لمحمد مولى هو زيد بن حارثة، وقد اختطف من قبيلته وبيه بيع العبيد وآل أمره إلى سيد الخلق محمد ﷺ ، فحدب علبه وأكرمه وجعله منه بمنزلة الولد، يرفق به رفق الأب بولده، فلما عثر عليه أهله وأرادوا ان يفتدوا بثمنه أو بأكثر رضى المقام مع النبي فأعتقه وألحقه بنسبه وتبناه، وكان ذلك شرعاً مقرراً عند العرب، وعرف بين الناس: إنه زيد بن محمد، فكام قرشياً هاشمياً بهاذ الإلحاق، وتزوج بنت جحش على أنه زيد ابن محمد، لأنه كفء لها بهذا النسب القانوني عندهم، ولكن الإسلام منع التبني وقال الله في أول سورة الأحزاب: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ... ﴾ ثم أردف هذا بقوله تعالى ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ عندئذ بدا الصريح عن الرغوة، وتبين أن وزيداً ليس ابن محمد، ولكنه ابن حارثة، وتبين أنه ليس قرشياً، ثم تبين أنه ليس كفئاً لهذه الزوجة المعتزة بنسبها،

стр. 18

الفخورة بقومها، فتململت به وتململ بها لكبريائها واعتزازها بنسبها، فكان لابد أن يفترقا لتعذر العشرة الحسنة بينهما. ولقد كان التبني نظاماً مقرراً ثابتاً في النفص العربية مشهوراً متغلغلة فكرته في نفوس العرب كما كان الشأن عند مجاوريهم الرومان، الذين كانوا ينظمون أحكامه ويرتبون حقوقه وواجباته، وكان لابد لاقتلاعه من النفس العربية - من قارعة مشهورة تقرع حسهم، فابتلى الله محمداً بأن يكون المتولى لهذه القارعة تتميما لرسالته وقياماً بحق التبليغ، ابتلاه بأن يتزوج زينب عندما تطلق من زوجها وصدر إليه أمر السماء بأن يكون على أهبة لذلك. ولكنه لم يعلن ذلك الأمر، وأعلم أن زيداً مطلق زينب لا محالة لاستحكام الثغرة، وأخفى النبي أيضاً ذلك على الزوجين ما علم، وفي هذه الأثناء كان زيد لا ينى عن شكوى زوجته إلى الرسول، واستئذانه في طلاقها، وقد حكى الله سبحانه قول النبي له، فقال: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ أي تخفي في نفسك أنه لابد مطلقها، وأن الله أمرك بتزوجها ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ وهو أمر الزواج والطلاق وليس أمر العشق والهوى لأن الله سبحانه ما أبدى عشقاً للنبي وهوى له ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ تستحي من مفأجاتعم بغير ما يألفون ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ

стр. 19

تَخْشَاهُ﴾ وقد أمرك فلا مناص من الإجابة: "فلما قضى زيد منها وطرأ زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرأ، وكان أمر الله مفعولاً. ما كان على النبي من حرج فيما فرص الله له، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ . هذه الآيات الكريمة صريحة في أن الأمر قد قصد به قارعة تقرع حس العرب لكي تقتلع من نفوسهم فكرة التبني، وقد صرح الله سبحانه بذلك إذ قال: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ . ولقد تعلق الدساسون ومن تبعهم من الجهلاء بقوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ فزعموا أن الذي أخفاه الحب والهيام، وفات الجهلاء أن الله ما أبدى شيئاً من ذلك، وإن الذي فسرنا به الآية ليس بدعاً ابتدعناه ولا بديئاً سبقنا به، بل هو التفسير الأثري الصحيح - لا سيما تفسير ابن كثير. ومن الغريب أن دس يوحنا الدمشقي في هذا المقام كان عظيم الأثر حتى راجت عن التابعين الروايات التي تدل على التأثر بذلك التفكير البعيد عن حقيقة النبي، بل إن "جرير" شيخ مفسري السلف وقع في تأثير تلك الروايات فقبلها تفسيراً ورأياً، مع أنها كلها روايات باطلة، وقد قالق ابن كثير في ذلك:

стр. 20

"ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير ههنا آثاراً عن بعض السلف ﵃ أحببنا أن نضرب عنها صفحاً لعدم صحتها فلا نوردها". هذه حقيقة الأمر في ذلك الأمر الذي روّجه المفسدون من أقدم العصور إلى اليوم، وإنما سقنا ذلك القول لا لبيان ذلك فقط، بل لننفذ منه إلى ما اتجهت إليه الشريعة في تحري الأنساب والمحافظة عليها والصيانة للفضيلة والحرص عليها. ولقد أغلقت الشريعة باب التبني: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ فما أعدل حكم اللح يحث على أن يُدعى الناس لآبائهم لأن التبني كذب في ذاته، واعتداء على الآباء الحقيقيين، فكان القسط عند الله أن يكون كل امرئ لأبيه، فإن لم يكن لهم أب فلن يكسبوا شرفاً بذلك الإدعاء الباطل الذي هو كذب في ذاته، بل الشرف كل الشرف لهم في أن يكونوا إخواناً لكم ونصراء، ولا تعتبروهم أدنياء أذلاء لأن الشرف لا يكتسب بالكذب، والشرف الحقيقي هو في الأخوة الإسلامية العامة" ... هذا ما يقرره محمد بين عبد الله الأمي الذي كان من أمة تعتبر من أسباب ثبوت النسب: الإلحاق والتبني، كما كان ذلك مقرراً عند الرومان، ولقد ادعي بعض المستشرقين ولم ينف ادعاءه جهداً، أن محمد أتى بالعادات العربية فجعل منها أحكاماً واجبة التطبيق،

стр. 21

وهذا كلام لا يقف على أصل ثابت ولا يعتمد على دعامة قائمة، بل فرية لا شك فيها، ولو كان محمد كذلك فيما أنزل عليه من شرع لأقر نظام التبني كما كان عند العرب، ولا أستمر زيدٌ ابناً له، وقد كان صفيه وحبه حتى أنه كان يلي ابنته فاطمة من المحبة، ولكن شرع الله أتى بالعدل الذي لم ينطق به ولم يقله أحد، ولم يجر على لسان أحد قبل محمد في البلاد العربية وما حولها. وإن أردت أن تعرف فضل الإسلام فأقرنه يقانون الرومان الذي كان يعتبر القانون الأمثل في ذلك الزمن الغابر، بل إنه لازال يعتبر من أمثل القوانين في عصرنا الحاضر. كان القانون الروماني يجيز التبني للأولاد المجهولي النسب وغير المجهولي النسب، ومجهولو النسب ومعلومو النسب تبنيهم يجوز بالاتفاق معهم وتصديق الإمبرطور إن لم يكونوا من ولاية أحد، وإن كانوا في ولاية آبائهم فبالاتفاق مع آبائهم، وكأن النسب شيء يمكن الاتفاق بالتراضي عليه، ولعل الأمر المعقول في هذا التبني غير المعقول أنهم اشترطوا أن يولد مثل الدعي لمدعيه، فقد جاء في مدونة جوستنيان ما نصه: "ومن المقرر أنه ليس لأحد قط أن يتبنى من هو أكبر منه سناً لأن التبني محاكاه للطبيعة، ومما يخالف الطبيعة أن يكون الإبن أكبر سناً من أبيه، وعليه فمن يريد أن يتبنى أحداًَ أو يستلحقه يجب أن يكون أسن منه،

стр. 22

بقدر مدة البلوغ التام أي بمقدار ثماني عشرة سنة". وقد كان الذين يتبنون ولهم آباء معروفون يجردون من أسرهم تماماً ويصيرون من أسرة من تبناهم. وإذا كان النبي الأمي قد قرر تلك الحقائق التي جاءت على غير المألوف عندهم، بل إنه هو نفسه قد خضع له وقتاً ما، وقال إن تلك الحقائق هي من عند الله، فمن الذي يكذبه معتمداً على حق أو على أمر معقول؟ إنه كان أمياً لم يقرأ ولم يكتب قط، ولم يتعلم قط، ولم يكن في عصره علم على هذا النوع، حتى يكون قد لقنَّه أو تعلمه ... إنه بلا ريب من عند الله العليم الحكيم. هذا شأن ثبوت النسب في الإسلام جعلوا أساسه الفطرة مع الفضيلة، فجعل النسب لا يثبت إلا في ظل زوجة شرعية ولا يثبت من إثم فاجر. فقال ﵇: "الولد للفراش وللعاهر الحَجَرُ" لأن ثبوت النسب نعمة تساق إلى المنتسب والمنسوب إليه، بل هو أعظم نعمة تساق في هذا الوجود الإنساني، وإنه لو فتح الباب فيه للرزيلة كما هو مفتوح للفضيلة لكانت الأنساب فوضى ليس لها حدود، ولا ضوابط، وكان يسوغ للبغىَّ أن تلحق ولداً برجل لمجرد مسافحة عارضة، كما كان يجرى في بعض بغايا العرب، فقد كانت البغي تلحق أولادها بمن تشاء ممن بقوا معها، ولا شك أنها ستختار الأملأ والأشرف، وإن لم يكن الولد منه

стр. 23

لذلك كان لابد من وضع حدود حاجزة، ولابد أن يكون الحد الراسم للحقوق في ثبوت النسب أمراً ظاهراً لكي يمكن الاحتكام إليه، ثم لابد أن يكون ذلك الأمر فاضلاً ولا يكون آثماً إذ أن الطرق الآثمة في هذا الباب وغيرهة مثارات للشيطان؛ ولا يمكن الاهتداء إلى حق في وسطها ولا معرفة حقيقة مستقرة في طلامها، لأنها ظلام معتم يؤدي إلى الفوضى في الأنساب. * * * أما تعدد الزوجات فهو الأمر الذي يتخذه يوحنا الدمشقي سبيلاً لتشكيك المسلمين في دينهم، ومنع النصارى من الانتقال إليه ... إذ قد يتبين لهم الهدى فيه. إن شريعة محمد في تعدد الزوجات تدل على أن محمداً ما كان ينطق عن الهوى، بل هو وحي يوحى، وأن القرآن الذي نظم أمرها ليس من عند محمد، بل هو من عند اللطيف الخبير، لقد كان التعدد في الزوجات قبل الإسلام مطلقاً من غير قيد يقيده، فلم تقيده الشريعة الموسوية بأي قيد من العدد، وفي بعض عهوده قيدوه بثماني عشرة لأنها أقصى ما يمكن أن تصل إليه الطاقة في الإنفاق، ولم تكن أمة توحد في الزوجة إلا مصر، وسرى إلى الرومان عن طريقهم منع التعدد وبهذا أخذ النصارى، وليس في الأناجيل ولا في رسائل الرسل عندهم أي عبارة تفيد منع التعدد. ولقد كان العرب يعددون من غير قيد يقيدهم، لأن المرأة

стр. 24

كانت عندهم كالمتاع، بل إن الزوجة كانت تورث كما تورث التركة، فجاء محمد ووقف حاجزاً دون ذلك الإفراط، ودون ذلك الظلم، ورد للمرأة كرامتها، فمنع التعدد لأكثر من أربع، واشترط القرآن الكريم لإباحة التعدد إقامة العدل والقدرة على الإنفاق ولذلك قال سبحانه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ وقد اتفق علماء المسلمين على أمرين: أولهما: أن المراد بالعدل، هو العدل الظاهر، الذي يستطيع كل إنسان، وليس المراد العدل في المحبة القلبية، الذي نفى الله استطاعته نفياً مؤبداً في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ ثانيهما: أن الزواج مع تحقق العدالة زواج صحيح، وليس بباطل لاستيفاء أركانه وشروطه، ولأن العقود تناط صحتها وفسادها بأمور متحققة، واقعة عند العدل، لا بأمور متوقعة، فالشخص عند الزواج، لا يتحقق ظلمه إنما يتحقق بعد ذلك، وربما لا يتحقق فيجئ ما ليس في الحسبان، ويعدل، ولكنه يكون آثماًَ إذا ظلم، كما يتحقق الإثم في كل ظلم، بل آثمه هنا مضاعف. لأنه ظلم أولاً، وتزوج وهو يعتقد أنه يظلم، فكان عاصياً من هذه الناحية ثانياً.

стр. 25

وإن المسلك الذي سلكته شريعة القرآن هو المسلك المستقيم، فلم تبحه بإطلاق، ولم تمنعه بإطلاق، وإن ذلك هو الذي يتفق مع عموم الرسالة للناس فس كل الأجيال وكل الأجناس، وكل الطبقات، فهي قد جاءت للجنس الأبيض، والجنس الأحمر، والجنس الأصفر، والجنس الأسود، ومن يسكن في البلاد الحارة, ومن يسكن في البلاد الباردة وأن الشريعة التي يكون لها ذلك العموم يكون فيها من المرونة والسعة ما يوافق كل الأمزجة، ولا يشق عليها، وما تعالج به كل الأدواء، ويجب أن تكون قيودها قابلة للسعة والضيق. وإن ذلك المعنى واضح كل الوضوح في تعدد الزوجات، لقد أبيح عدد يجد فيه الزواج القادر على إقامة العدل رغبته، وقيّد في الإباحة بقيد لو شدد فيه لكان قريباً من المنع المطلق، ولو أرخى فيه لكان بين ذلك قواماً، ولو كانت الشريعة لأهل أوربا فقط - وهم الذين تمرست نفوس بعضهم بالزوجة الواحدة، لاستساغت نفوسهم في ظاهر الأمر المنع، ولوجدوا في شدة القيد ما ألفوه من أحكام الزواج، ولكن الإسلام خاطب الجميع ولا يزال في الدنيا ناس لا يعرفون إلا التعدد، وفي الدنيا نساء يفرحن عند دخول ضرة جديدة عليهن، لأنها تخفف عنهن أثقال

стр. 26

الخدمة، وتكون لهن الرياسة عليها، فهل يستسيع هؤلاء المنع المطلق.؟ إنه إن أغلق باب التعدد وأحكم إغلاقه بالمنع المطلق، اقتحم الرجال الذين لا يصعب عليهم ذلك المنع أبواب الفسق، فهتكت الأعراض، وكثر الأولاد الذين لا آباء لهم، وكثرت الأمراض الخبيثة التي تنتقل إلى الذرية. لقد حرم الأوربيون تعدد الزوجات واستمسكوا به وارتضوه ديناً، ولكنهم فتحوا لأنفسهم باب الحرام على مصراعيه، فكان التضييق في الحلال سبباً في التوسع في الحرام فانسابوا فيه انسياباً، وكان الوباء على النسل في البلاد عظيماً، وإن العاقل لو خيّر بين حلا معيب وحرام لا شك فيه، لاختار الحلال المعيب، ولو خير بين تعدد فيه رعايو الأولاد وحفظ الأنساب، وبين فسق فيه إهمال الأولاد وضياع الأنساب لاختار الأول بلا شك. وإن التعدد قد يكون علاجاً اجتماعياً لنقص يوجد للأمة ونسلها، فقد يقل عدد الرجال الصالحين للزواج عن عدد الأناث، وقد بدأ ذلك في ألمانيا بعد الحرب الأخيرة، فقد صار عدد النساء الصالحات للزواج أضعاف عدد الرجال الصالحين، وخيف على النسل، ولذلك أباحت حكومة "بون" عاصمة ألمانيا الغربية التعدد لأنها وجدت فيه علاجاً لهذا الداء الإجتماعي، وسبيلاً لتكثير نسلها، وإلا أوشكت على الفناء.

стр. 27

وفوق ذلك ففيه تحفظ المرأة من الدنس ولا يهون شأنها، وأي الأمرين يكون أهون بالمرأة وأحط لدرجتها في الاجتماع: أن تكون زوجاً لها بيت ترعاه وزوج يرعاها وأولاد شرعيون تقوم على شئونهم، أم أن تكون خليلة أو بغياً ليس لها زوج تتادى باسمه، ولا بيت تأوى إليه، وأولادها ليس لهم أب كافل يحميهم، إن الهوان بلا شك في الثاني ... وإن التعجج ليس في مصلحة الرجل دائماً، وليس ضرراً على المرأة دائماً، فقد يكون لها ضرورة لابد منها ليحفظ لها اعتبارها، فإن التعدد العادل طريق سوي، وإن النظر الفاحص ينتهي لا محالة إلى أن التعدد في مصلحة المرأة، فإن أي امرأة لا تقدم على التزوج بمتزوج، إلا إذا كانت على ثقة كاملة بأن ذلك من مصلحتها أو الضرورة ألزمتها بذلك. هذا منطق الحياة وتلك شريعة الله فإذا كانت قد جاءت على لسان أمي لم يؤتَ علماً، وقال: إن ذلك من عند الله ... ألا يكون قوله مع حاله، فيه الدليل الساطع والبرهان القاطع؟. * * * إن دراسة الطلاق الذي جاء به الإسلام ينتهي إلى أن ذلك النظام لا يمكن أن يصل إليه عقل محمد الأمي، إذ لم تتفتق عنه العقول من قبله، فلا يمكن أن يكون إلا من عند الله.

стр. 28

وكان الطلاق مطلقاً في الجاهلية وكان بابه مفتوحاً في الشريعة اليهودية، لا يقيده إلا قيد رقيق واه ضعيف، وهو كتابة الطلاق أمام القاضي، فلما جاء محمد بالقرآن من عند الله جاء بجديد على الفكر في هذه المسألة، لم يقيد الطلاق بذلك القيد الواهي الضعيف الذي لا يحاجز دون الهوى، ولم يمنعه منعاً مطلقاً كما توارث المسيحيون، وإن كانت بعض فرقهم قد أخذت تتحلل من المنع شيئاً فشيئاً، ففتحوا الباب بزاوية ضيقة، ولكنها قد توجد متنفساً من التحلل من زوجية فاسدة، ولم يجزه إجازة مطلقة كما كان يفعل الجاهليون ويتخذونه للمضارة والمكايدة: يطلقون النساء ثم يعضلونهن بالمنع من الزواج. والمسألة في الطلاق أن الزواج لابد أن يقوم على أساس من الود الدائم المستمر ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ وإذا كان الود المستمر أساس العلاقة الزوجية المستمرة لكي تكون صالحة للبقاء، فإنه إذا تقطع حبل القلوب وتنافر ودها واستحكمت النفرة ولم يمكن علاجها، فالعلاقة الزوجية تكون غير صالحة للبقاء، وإن من المصلحة فصمها، ومن الخير إنهاؤها، ولكن كيف يكون الإنهاء، وكيف يتبين أن السبب المسوغ للطلاق قد وجد، وهو استحكام النفرة وتقطع أوصال المودة، ما السبيل إلى ذلك؟ وكيف يعرف؟

стр. 29

هنا نجد القرآن قد عالج الأمر علاجاً نفسياً قلبياً فيه هداية المضالين، وإرشاد وتقويم، ذلك أنه عند الشقاق بين الزوجين أو خوفه، أملا بتحكيم حكمين ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ . ودعا إلى محاولة الإصلاح ما أمكن، وأمر بالتدخل للصلح عند وجود ما يدعو إليه: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ حتى إذا تعذر الصلح ورأب القلم ورتق الفتق لم يبق إلا التفريق بينهما: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ لابد من التفريق ولكن ما طرائقه وما مسالكه؟ أيكون بيد الزوجين متفقين بحيث ينهيان ذلك العقد كما أنشآه؟ إنه بلا شك إذا تلاقت الإرادتان واتفقت الكلمتان بينهما على الافتراق كان الافتراق منطقياً والطلاق أمراً مستقيماً، وكل محاولة لعرقلة ذلك تكون ضد الفكر المستقيم، واعوجاجاً في الأمر، بيد أنه لابد من تحقق أن ذلك كان لاستحكام النفرة من كل الوجوه بتحكيم

стр. 30

الحكمين، ومحاولة الصلح، ثم بالقيود التي قيد القرآن بها الطلاق وسنبينها، وإن تلك هي القاعدة العامة في العقود اللازمة فإنها تفسخ بتراضيهما كما تنشأ بتراضيهما، ولكن الشرائع التي حرمت الطلاق لا تلتفت إلى هذه القاعدة، ولو أكلت البغضاء قلب الزوجين وحلت الشحناء محل الوداد، ولقد ندد بذلك المحققون من علماء الفرنجة فهذا "بنتام" يقول: "إن القانون يتدخل بين المتعاقدين في الزواج حال التعاقد ويقول لهما: "أنتما تقترنان لتكونا سعداء فلتعلما أنكما تدخلان سجناً سيحكم عليكما بابه وتصم الآذان دونكما وإن علا منكما الصياح وأشتد بكما الألم ولن أسمح بخروكما ولو تقاتلتما بسلاح العداوة والبغضاء". وإذ لم يتفق الزوجان على إرادة الطلاق، بل كام إرادة لأحدهما فقط، فهل يسوغ الطلاق؟ لا شك أنه إذا كان الراغب في الطلاق هو الزوجة لا يقع الطلاق إلا بحكم القاضي على نظام بينَّه الإسلام واستنبطه من كتاب الله وسنة رسوله أولئك الأئمة الأعلام. أما إذا كان الراغب هو الزوج فهل يسوغ أن يكون الطلاق بيد القاضي ولا يسوغ سواه؟ ذلك هو الأمر أو تلك هي القضية التي اثاروا حولها الغبار وتقوَّلوا على الإسلام فيها الأقاويل، وتبعهم في ذلك من تبعهم من مقلدة المسلمين الذين يتبعون كل جديد، ويعتنقون من الآراء كل بدئ، وتستطار ألبابهم لكل

стр. 31

صوت أو دعوة أو نقد يجئ من قبل الأوربيين، كأن أوربا هي أرض الله المختارة أو جنته في الأرض وسكانها هم شعب الله المختار. لقد قالوا: إنه في هذه الحال لا يصح أن يقع الطلاق إلا بإذن نم القاضي بعد بحث عن البواعث وتحر للوقائع ومناقشة ومجاوبة وإثبات ودفاع، ونسوا أن شئون الأسر لا تجري الأمور فيها بالإثبات والكتاب حتى تكون فيها المخاصمة والمداعاة، فهي علاقة في أصلها تجري بالود وما بين الزوجين لا يعلن بين الملآ من الناس، ثم إذا لم يكن لدى الزوج من البواعث إلا البغض الشديد لزوجته، والنفرة المستحكمة بينهما، فهل يطلب إثبات باعث وراء هذا الباعث الخطير، الذي يفسد كل علاقة زوجية ويذهب بكل الدعائم الصالحة التي يقوم عليها بنيان الأسرة؟ وهل يطلب القاضي منه أدلة عليه؟ وإذا كان المنطق والمعقول أن يترك أمر الإثبات وألا يبحث عن بواعث أخرى وراء هذا الباعث، فلا جدوى إذن في كون الطلاق بين يدى القاضي وبأمره أو قوله، وبين أن يطلق الزوج من تلقاء نفسه، بل أن تولية الطلاق من تلقاء نفسه أحرى بالقبول، لأن التدافع إلى القضاء يكشف الأسرار ويهتك الأستار ويثير ما لا يسوغ إعلانه، ويتكلم الناس فيه بما لا يحسن بيانه.!

стр. 32

وقد يقول قائل: إن رفع الأمر للقضاء ولو كان مآل التطليق إلى أن يكون للزوج مخلصاً، قد يدفعه إلى التريث بل إنه يكون تعويقاً وكل تعويق في هذا الأمر ينفع ولا يضر، فإنه يدفعه إلى التفكير في أسباب البغض تفكيراً عميقاً، وعسى أن يحدث الله بعد ذلك أمراً، فتكون المحبة وتكون سحابة صيف تقشعت، وإن لذلك القول وجاهته ولكن كشف الأستار بين الفضاء. وتحدث الناس بشأنها مما لا تقره العقول، ولا ترضاه الطباع، بل إن من شأنه أو يزيد البغض وليس من شأنه أن يخففه، بل إنهما لو عادت بينهما الحياة من بعد لرتقها تذكر ما كان بين يدى القضاء من دعاوي، وما جرى من أقوال، ولقد سلك الإسلام طريقاً لتعويق الإنفصال وجعله في حال تعذر الاتصال توصل إلى النتيجة المؤكدة وهي ألا يكون طلاق من الزوج إلا عند استحكام النفرة. وتبتدئ تلك الطريق بنحكيم الحكمين ومحاولة الاصلاح وقد أمر القرآن بذلك أمراً لازماً، وقال جمهور الفقهاء: إن التحكيم واجب وجوباً حتمياً لا يصح التفريط فيه، ومن يوم أن فرطناً فيه قد أعوج السبيل، واضطرب الحبل، وفتحت النفرة لمن يتكلمون في شأن الطلاق، كأنه كارثة الزواج، وما علموا أنه دواء لا داء، وأنه علاج لا مرض.

стр. 33

ولقد ورد في الأثر: أن عقيل بن أبي طالب قد وقع بينه وبين زوجته خلاف، فلما علم بأمره عثمان، وقد كان الأمر في عهده، حكم الحكمين فأصلحا بينهما، وأوجبه مالك وأحمد في كل نفرة بين الزوجين، لا يعلم سببها، وجعلا ذلك لازماً على القضاء إذا ترافع الزوجان إليه في ذي شيء من شئون الزوجية تبين من ورائه القاضي أن ذلك الخلاف يكشف عن نفرة، وليس بين يديه من الظواهر ما يعرف به سببها. حتى إذا كانت النفرة غيرها قابلة للعلاج وكان التفريق أمرا لابد منه، جعل القرآن الكريم التفريق تدريجياً لا قطعياً بالنسبة للزوجة المدخول بها، وذلك أن النفرة إن كانت قبل الدخول فإن الإسلام جعلها قاطعة من غير تدريج لأنهما اختلفا في أول الطريق وكان من المصلحة الإجتماعية ألا يستمرا، وأن يتجه كل منها إلى وجهته كالرفيقين في سفر إن اختلفا في الطريق قبل ابتداء السير عدلاً عن الرفقة، ولم يوغلا في الطريق، واتجه كل إلى وجهته، ولذلك لم يحرص القرآن الكريم على إعطاء فرصة للمراجعة بفرض عدة بعد الطلاق قبل الدخول عسى أن يراجعا فيها ويستأنفا حياة زوجية، بل جعل الفرقة بائنة فاصمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ فلم يجعل

стр. 34

الإسلام في هذه الحال فرصة للمراجعة ولكنه أوجب أن يكون التسريح جميلاً، وأن تكون الفرقة غير مانعة من التراحم والمعاملة الحسنة والتسامح الكريم. أما إذا كانت النفرة بعد الدخول فتلك هي التي احتاط القرآن في أمرها، وجعلها النبي في دائرة لا يمكن أن يكون معها طلاق، وثمة إمكان لعيش رغيد وهناءة وسعادة في هذه الزوجية التي انفصمت عرا المودة فيها، وسنَّ في سبيل ذلك سنناً مستقيماً لو استقام الناس على طريقته ما ضلوا وما كانوا حجة على الإسلام. وأول احتياط: أن الفقهاء مستنبطين من الآثار اشترطوا في الطلاق الذي يسير على مقتضى السنن المحمدي أن يطلقها في حال من شأنها أن يكون راغباً فيها، فاشترطوا أن لا يطلقها في حال حيض، لأن هذا الحال من شأنها أن تنفر الزوج من امرأته، ولقد أمر النبي عبد الله بن عمر لما طلق امرأته في حال الحيض أن يردها إليه، ولقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي طلقوهن مستقبلات عدتهن، وقد قال العلماء في تفسير ذلك: أن يطلقها في حال طهر لا في حال حيض، واشترطوا أن يكون الطهر الذي طلقها فيه لم يحصل فيه دخول بها، فإذا حصل دخول لا يسوغ له ان يطلقها، وإن فعل يكون

стр. 35

الطلاق بدعياً لا يسير على السنن المحمدي. فإذا كان الطلاق في طهر لم يدخل بها فإن ذلك يكون دليلاً على نفرة قوية، ولكنه لا يدل على استحكامها وتعصيها على العلاج، بل يجوز أنها عاصفة تزول أو غيمة قد تتكشف. ولذلك يجئ الاحتياط الثاني: وهو أن يكون الطلاق واحدة رجعية أي يجوز للزوج أن يراجع زوجته فيها: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ والاحتياط الثالث: أن تقضي مدة العدة في بيت الزوجية لا تخرج منه ولا يخرجها منه، والخروج منه إتيان فاحشة مبينة في ذاته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾

стр. 36

ولا شك أن رؤيته لها أو إمكانه الرؤية، وسكناها في بيته طول مدة العدة، وقدرته على المراجعة، واستمراره على الطلاق طول هذه المدة، وهي نحو ثلاثة أشهر في أكثر الأحوال، وعدم محاولته المراجعة فيها، دليل على أن النفرة مستحكمة، وقد بلغت أقصى مداها، وآخر منتهاها، بحيث لا يمكن أن تكون عشرة صالحة بحال من الأحوال - ومع ذلك فإن النفس قد تكون تائقة لعد العدة وأنه يمكن أن يتدارك الأمر، فالشارع قد احتاط احتياطاً رابعاً، فلم يجعل الطلاق الأول قاطعاً قطعاً غير قابل للوصل، بل أعطى المطلق ثلاث طلقات على ثلاث دفعات، فإذا كان وانتهت العدة جاز استئناف الحياة الزوجية بعقد جديد ومهر جديد، إذا كان ثمة احتمال لاستئناف حياة زوجية يؤدم فيها بمودة رابطة وعشرة حسنة وعدالة في المعاملة من الجانين. وقد احتاط الشارع احتياط خامساً، ذكر في القرآن وهو الإشهاد على الطلاق، ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ ولا شك أن حضور الشهود العدول في الطلاق قد يحملان المطلق على مراجعة نفسه قبل إيقاع الطلاق، بل قد يحملانه على العدول،

стр. 37

بل قد يصعبان الأمر في الطلاق فيمتنعان عن الحضور. وقد قرر فقهاء الشيعة: أن الإشهاد على الطلاق شرط في وقوعه كما أن الشهادة في الزواج شرط لإنشائه، وإن ذلك صريح القرآن الذي تلوناه، وإن ذلك هو الذي يتفق مع طبيعة ذلك العقد، فإن شرطه الشهر والإعلان، كما ورد في الأثر: "فرْقُ ما بين الحلال والحرام الإعلان" وإذا كان كذلك في إنشائه فلابد أن يكون كذلك في إنهائه. هذه كلها احتياطات الشارع الإسلامي ليكون الطلاق في حال الحاجة إليه تستحكم النفرة، وتكون الحياة الزوجية بغضاء لا نعماء، وإن تلك الاحتياطات سنها الشارع الإسلامي بنصوص القرآن الكريم، وبالهدي المحمدي، وقد قال بعض الفقهاء من الشيعة الإمامية والظاهرية وغيرهم: إن الطلاق إن لم يكن ذلك المنهاج لا يقع". أي احتياط نفسي أدق من هذا وأحكم، وهل يغني غناءه تحقيق القضاء ومراجعة الإثبات إن كانت العواطف الإنسانية يجرى فبها التحري والإثبات، إن أعلم أهل الخبرة من علماء النفس الإنسانية في الآحاد والجماعات لا يمكنه أن يبتكر مثل هذا، وأقصى ما يصل إليه أن يدرك مرماه وغايته ومقصده، وقد جاء به أمي لا يقرأ ولا يكتب ولم يتعلم قط، ولم يجلس إلى معلم قط،

стр. 38

ولم يكن عنده من تجارب الحياة أكثر من شخص يقيم في بلد أمي ليس فيه علم، ولا درس، ولا بحث، ولا استقصاء، وليست له أسفار أكثر من مرتين، فإذا قال هذا الأمي: إن هذا علمنية اللطيف الخبير، وإنه تنزيل من حكيم حميد، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهل يكون كاذباً؟ إن الوقائع تؤيده والحقائق تصدقه والعقل يقره، مذعناً مؤمناً مطمئناً، إذ لم يكن مئوفاً بآفة من الغرض والهوى، قد أركسته الشهوات وأضلته الأوهام. وقد يقول قائل: إنك مهما تصور الطلاق بصورة الحقيقة التي يلجأ إليها والضروره المرة التي يضكر المطلق إليها، فإن ثمة ظلماً واقعاًَ بالمرأة، فإنها الأخرى قد تنفر من الزوج أشد النفور فكان ينبغي أن يفتح لها الباب كما فتح للزوج، ولكنه غلق دونها وأحكم تغليقه. والجواب عن ذلك: أنه لم يغلق دونها بل فتح لها، ولكن بين يدى القضاء، وبتطليق القاضي، ولم يترك لها الأمر وحدها لسببين: أحداهما: أن الزوج قد تكلف في سبيل الزواج تكليفات مالية كبيرة، فليس من العدالة أن نجعل لها أمر التطليق تطلق نفسها

стр. 39

كما تشاء، فتضيع عليه التكليفات المالية، وإن هذه التكليفات تقيده إن كان الطلاق بيده، ولا تقيدها إن كان بيدها. ثانيهما: ما لوحظ من أن المرأة تحكمها العاطفة وتؤثر فيها الحال الوقتية، وقد قال النبي في وصف معاملتها لزوجها: "يحسن إليهن الدهر كله ثم يسئ مرة فتقول: ما رأيت منه خيراً قط" وقد لوحظ أن النسوة اللائي تكون عصمتهن بأيديهن بمقتضى تفويض الطلاق، يطلقن لأتفه الأسباب. ولكن هذل للمرأة أن تطلب الطلاق لمجرد أنها تبغض الزوج؟ نعم لقد قرر ذلك المالكية وأخذوه مما روى من حديث البخاري: أن امرأة ثابت بن قيس قال: "يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، إني لا أطيقه بغضاً، فقال رسول الله: تردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. قال: إقبل الحديقة وطلقها تطليقة، وبهذا افتدت". ومن هذا ومن بعث الحكمين عند الاختلاف، إذا تعذر الوفاق قرر مالك أن القاضي إن تبين أنها ناشرة لبغضها لزوجها يفرق بينهما ويلزمها بالمهر الذي دفعه، ولقد قال ابن رشد في هذا المقام: "الفقه أن الفداء إنما جعل للمرأة في مقابلة ما بيد الرجل من الطلاق، فإنه لما جعل الطلاق بيد الرجل إذا فرك المرأة، جعل الخلع بيد المراة إذا تركت الرجل".

стр. 40

هذا هو الطلاق في الإسلام وقد تهجم عليه المتهجمون وتبعهم الضالون وادعوا استمراره مفتوحاً سيؤدي إلى انهيار الأسرة المصرية، بينما الواقع أن إغلاقه هو الذي سيقضي على الأسرة الإسلامية، لأنه يؤدي إلى بقاء زواج غير صالح للبقاء، ولأن الإحصاء أثبت أن الطلاق لا يكثر إلا في أول الحياة الزوجية، فمعنى تغليق بابه إبقاء على زوجية ثبت في أول أمرها أنها غير صصالحة للبقاء، وأنه يقل كلما دامت العشرة حتى يصير نارداً، والنادر لا حكم له. وإن فتح بابه هو حكمة اللطيف الخبير، والذين غلقوه قد أدركوا مغبة التغليق، ولذا قال "بنتام" في أصول الشرائع ما نصه: "لو وضع قانون للنهي عن فض الشركات ورفع الوصايا وعزل الدليل، ومفارقة الرفيق، لصاح الناس أجمعون: "إنه نهاية الظلم" والزوج رفيق ووصي ووكيل وشريك، وفوق كل هؤلاء، ومع ذلك حكمت قوانين أكثر البلاد المتمدينة بأن الزواج أبدي.. إن أقبح الأمور عدم انحلال ذلك الاتفاق، لأن الأمر بعدم الخروج من حالة بعدم الدخول فيها. أي إن منع الطلاق يمنع الزواج، وقد شرع الله الطلاق وهو العليم الحكيم. * * *
следующие страницы →