← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9112

غاية الوصول في شرح لب الأصول

زكريا الأنصاري

Полный текст (164 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أي وإن لم يمكن بقاؤه كالتكلم، لأنه بأصوات تنقضي شيئا فشيئا، فالمشترط بقاء آخر جزء منه، فإذا لم يبق المعنى أو جزؤه الأخير في المحل يكون المشتق المطلق عليه مجازا كالمطلق قبل وجود المعنى نحو ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ وقيل لا يشترط ما ذكر فيكون المشتق المطلق بعد انقضائه حقيقة استصحابا للإطلاق، وقيل بالوقف عن الاشتراط وعدمه لتعارض دليلهما، وإنما عبرت كالأصل بالبقاء الذي هو استمرار الوجود الكافي في الاشتراط ليتأتى حكاية مقابله، وإنما اعتبر في الشق الني آخر جزء لتمام المعنى به وفي التعبير فيه بالبقاء تسمح احتمل لما مرّ، وقيل ما حاصله محل الخلاف إذا لم يطرأ على المحل وصف يضاد الأول، فإن طرأ عليه ذلك كالسواد بعد البياض والقيام بعد القعود لم يسم المحل بالأول حقيقة إجماعا، وهذا القول مأخوذ من كلام الآمدي في ردّه دليل القول بعدم اشتراط البقاء الذي لا يلتزم الراد فيه مذهبنا، والأصح جريان الخلاف، وقد بينت ما في كلام الآمدي في الحاشية، وعلى اشتراط ما ذكر بل وعلى عدمه أيضا. (فاسم الفاعل) من جملة المشتق (حقيقة في حال التلبس) بالمعنى أو جزئه الأخير مطلقا. (لا) حال (النطق) بالمشتق أيضا فقط خلافا للقرافي حيث قال بالثاني، وبنى عليه سؤاله في آيات ﴿الزانية والزاني فاجلدوا﴾ ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا﴾ ﴿فاقتلوا المشركين﴾ ونحوها أنها إنما تتناول من اتصف بالمعنى بعد نزولها الذي هو حال النطق مجازا، والأصل عدم المجاز قال والإجماع على تناولها له حقيقة، وأجاب بأن المسألة محلها في المشتق المحكوم به نحو زيد ضارب، فإن كان محكوما عليه كما في هذه الآيات فحقيقة مطلقا. وقال السبكي وتبعه ابنه في دفع السؤال إن المعنيّ بالحال حال التلبس بالمعنى، وإن تأخر عن النطق بالمشتق لا حال النطق به الذي هو حال التلبس بالمعنى أيضا فقط. أي فالإجماع إنما هو في التناول لمن ذكره حال التلبس لا حال النطق، فاسم الفاعل مثلاً حقيقة في من هو متصف بالمعنى حين قيامه به حاضرا عند النطق أو مستقبلاً ومجاز في من سيتصف به، وكذا فيمن اتصف به فيما مضى على الصحيح. (ولا إشعار للمشتق بخصوصية الذات) التي دل هو عليها من كونها جسما أو غيره، لأن قولك مثلاً الأسود جسم صحيح ولو أشعر الأسود فيه بالجسمية لكان قولك الجسم ذو السواد جسم وهو غير صحيح لعدم إفادته. (مسألة الأصح أن) اللفظ (المرادف) لآخر (واقع) في الكلام جوازا مطلقا كليث وأسد، وقيل لا. وما يظن مرادفا كالإنسان والبشر فمباين بالصفة الأول باعتبار النسيان وأنه يأنس، والثاني باعتبار أنه بادي البشرة أي ظاهر الجلد، وقيل لا في الأسماء الشرعية لأنه ثبت على خلاف الأصل للحاجة إليه في نحو النظم والسجع، وذلك منتف في كلام الشارع. (و) الأصح (أن الحد والمحدود) كالحيوان الناطق والإنسان (ونحو حسن بسن) أي الاسم وتابعه كعطشان نطشان، (ليسا منه) أي من المرادف أما الأول فلأن الحد يدل على أجزاء الماهية تفصيلاً والمحدود يدل عليها إجمالاً فهما متغايران، ولأن الترادف من عوارض المفردات، وقيل منه بقطع النظر عن الإجمال والتفصيل، وأما الثاني فلأن التابع لا يفيد المعنى بدون متبوعه وقيل منه وقائله يمنع ذلك. (والتابع) على الأول (يفيد التقوية) للمتبوع وإلا لم يكن لذكره فائدة (و) الأصح (أن كلاً من المرادفين) ولو من لغتين (يقع) جوازا (مكان الآخر) في الكلام مطلقا، إذ لا مانع من ذلك، وقيل لا، إذ لو أتي بكلمة فارسية مكان كلمة عربية في كلام لم يستقم لغة الكلام، لأن ضم لغة إلى أخرى كضم مهمل ومستعمل، وإذا عقل ذلك في لغتين عقل مثله

стр. 37

في لغة، وقيل لا إن كانا من لغتين لما مرّ، وعلى الأصح إنما امتنع ذلك فيما تعبد بلفظه كتكبيرة الإحرام عندنا للقادر عليها العارض شرعي، والبحث إنما هو لغوي فلا حاجة إلى التقييد بذلك وإن قيد به الأصل. (مسألة الأصح أن المشترك) بين معنيين مثلاً (واقع) في الكلام (جوازا) كالقراء للطهر والحيض وعسعس لأقبل وأدبر والباء للتبعيض والاستعانة وغيرهما. وقيل لا، وما يظنّ مشتركا فهو إما حقيقة أو مجاز أو متواطىء كالعين حقيقة في الباصرة مجاز في غيرها كالذهب لصفائه، وكالقرء موضوع للقدر المشترك بين الطهر والحيض، وهو المع من قرأت الماء في الحوض أي جمعته فيه، والدم يجتمع في زمن الطهر في الجسد وفي زمن الحيض في الرحم، وقيل لا في القرآن والحديث لأنه ولو وقع فيهما لوقع إما مبينا فيطول بلا فائدة أو غير مبين فلا يفيد، والقرآن والحديث ينزهان عن ذلك. وأجيب باختيار الثاني ويفيد إرادة أحد معنييه الذي سيبين وإن لم يبين حمل على معنييه كما سيأتي. وقيل يجب وقوعه لأن المعاني أكثر من الألفاظ الدالة عليها. وأجيب بمنع ذلك إذ ما من مشترك إلا ولكل من معنييه مثلاً لفظ يدل عليه، وقيل هو ممتنع لإخلاله بفهم المراد المقصود من الوضع. وأجيب بأنه يفهم بالقرينة، والمقصود من الوضع الفهم التفصيلي أو الإجمالي المبين بالقرينة. فإن انتفت حمل على المعنيين، وقيل ممتنع من النقيضين فقط إذ لو وضع لهما لفظ لم يفد سماعه غير التردد بينهما وهو حاصل في العقل. وأجيب بأنه قد يعقل عنهما فيستحضرهما بسماعه ثم يبحث عن المراد منهما. (و) الأصح (أنه) أي المشترك. (يصح لغة إطلاقه على معنييه) مثلاً (معا) بأن يراد به من متكلم واحد في وقت واحد كقولك عندي عين وتريد الباصرة والجارية مثلاً. وقرأت هند وتريد طهرت وحاضت. (مجازا) لأنه لم يوضع لهما معا بل لكل منهما منفردا بأن تعدد الواضع أو وضع الواحد نسيانا للأوّل. وعن الشافعي أنه حقيقة نظرا لوضعه لكل منهما وأنه ظاهر فيهما عند التجرد عن القرائن، وعن القاضي أبي بكر الباقلاني أنه حقيقة، وأنه مجمل لكن يحمل عليهما احتياطا. وقيل يصح أن يراد به المعنيان عقلاً لا لغة، وقيل يصح ذلك في النفي نحو لا عين عندي، ويراد به الباصرة والذهب مثلاً دون الإثبات نحو عندي عين لأن زيادة النفي على الإثبات معهودة، وردّ بأن النفي لا يرفع إلا ما يقتضيه الإثبات والخلاف فيما إذا أمكن الجمع بينهما، فإن امتنع كما في استعمال صيغة أفعل في طلب الفعل والتهديد عليه على القول الآتي إنها مشتركة بينهما فلا يصح قطعا. (و) الأصح (أن جمعه باعتبارهما) أي معنييه بناء على جواز جمعه، وهو ما رجحه ابن مالك كقولك عندي عيون وتريد مثلاً باصرتين وجارية أو باصرة وجارية وذهبا. (مبني عليه) أي على ما ذكر من صحة إطلاق اللفظ المشترك المفرد عليهما معا كما أن المنع مبني على المنع، وقيل لا يبنى عليه فقط بل يأتي على القول بالمنع أيضا، لأن الجمع في قوّة تكرير المفردات بالعطف. (و) الأصح (أن ذلك) أي ما ذكر من صحة إطلاق اللفظ على معنييه معا مجاز إلى آخره. (آت في الحقيقة والمجاز) كما في قولك رأيت الأسد وتريد الحيوان المفترس والرجل الشجاع، فيكون مجازا. وقيل حقيقة ومجازا. ومنع القاضي ذلك على ما نقله عنه الأصل لما فيه من الجمع بين متنافيين حيث أريد باللفظ الموضوع له أو لا وغيره معا. وأجيب بمنع التنافي. (و) آت (في المجازين) كقولك والله لا أشتري وتريد السوم والشراء بالتوكيل فيه، وقيل لا يأتي فيهما لما مرّ، وإذا علم صحة إطلاق اللفظ على حقيقته ومجازه. (فنحو افعلوا الخير يعم الواجب والمندوب) حملاً لصيغة افعل على الحقيقة والمجاز من الوجوب والندب بقرينة كون متعلقهما كالخير شاملاً للواجب والمندوب، وقيل يختص بالواجب بناء على أنه لا يراد المجاز مع الحقيقة. وقيل هو للقدر المشترك بين الواجب والمندوب أي مطلوب الفعل بناء على القول الآتي أن الصيغة

стр. 38

حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب أي طلب الفعل وإطلاق الحقيقة والمجاز على المعنى كما هنا مجازي من إطلاق اسم الدال على المدلول. (الحقيقة لفظ مستعمل) خرج اللفظ المهمل وما وضع ولم يستعمل. (فيما وضع له) خرج الغلط كقولك خذ هذا القوس مشيرا إلى حمار. (أو لا) خرج المجاز. (وهي لغوية) بأن وضعها أهل اللغة بتوقيف أو اصطلاح كالأسد للحيوان المفترس (وعرفية) بأن وضعها أهل العرف العام كالدابة لذات الحوافر كالحمار، وهي لغة لكل ما يدبّ على الأرض أو الخاص كالفاعل للاسم المعروف عند النحاة. (ووقعتا) أي اللغوية والعرفية خلافا لقوم في العامة. (وشرعية) بأن وضعها الشارع كالصلاة للعبادة المخصوصة فالشرعي ما لم يستفد وضعه إلا من الشرع. (والمختار وقوع الفرعية منها) أي من الشرعية كالصلاة. (لا الدينية) أي المتعلقة بأصول الدين فإنها في الشرع مستعملة في معناها اللغوي كالإيمان فإنه كذلك، ومعناه اللغوي تصديق القلب، وإن اعتبر الشارع في الاعتداد به التلفظ بالشهادتين من القادر كما سيأتي. ونفي قوم إمكان الشرعية بناء على أن بين اللفظ والمعنى مناسبة مانعة من نقله إلى غيره، وقوم وقوعها محتجين بأن لفظ الصلاة مثلاً مستعمل في الشرع في معناه اللغوي أي الدعاء بخير، لكن اعتبر الشارع في الاعتداد به أمورا كالركوع وغيره، وقال قوم وقعت مطلقا، وقوم وقعت إلا الإيمان فإنه في الشرع مستعمل في معناه اللغوي كما مر. (والمجاز) في الإفراد وهو المراد عند الإطلاق (لفظ مستعمل) فيما وضع له لغة أو عرفا أو شرعا (بوضع) خرج المهمل وما لم يستعمل والغلط. (ثان) خرج الحقيقة (لعلاقة) بفتح العين وكسرها أي علقة بين ما وضع له أولاً وما وضع له ثانيا بحيث ينتقل إليه الذهن بواسطتها خرج العلم المنقول كالفضل، وفي تقييد الوضع دون الاستعمال بالثاني إشارة إلى وجوب تقدم الوضع دون الاستعمال وهو ما ذكرته مع زيادة بقولي (فيجب سبق الوضع) للمعنى الأول. (جزما لا) سبق (الاستعمال) فيه فلا يجب في تحقيق المجاز. (في الأصح) . إذ لا مانع من أن يتجوز في اللفظ قبل استعماله فيما وضع له أولاً. فلا يستلزم المجاز للحقيقة كعكسه، وقيل يجب سبق الاستعمال في ذلك، وإلا لعري الوضع الأول عن الفائدة. وأجيب بحصولها باستعماله فيما وضع له ثانيا، وصحح الأصل من عندياته أنه لا يجب ذلك إلا في مصدر المجاز بمعنى أنه لا يتحقق في المشتق مجاز إلا إذا سبق استعمال مصدره حقيقة، وإن لم يستعمل المشتق حقيقة كالرحمن لم يستعمل إلا في الله تعالى، وفي صحة ما صححه وقفة بينتها في الحاشية. (وهو) أي المجاز (واقع) في الكلام مطلقا (في الأصح) ونفى قوم وقوعه مطلقا قالوا وما يظنّ مجازا نحو رأيت أسدا يرمى فحقيقة، ونفي قوم وقوعه في الكتاب والسنة قالوا لأنه بحسب الظاهر كذب نحو قولك في البليد هذا حمار، وكلام الله ورسوله منزه عن الكذب. وأجيب بأنه لا كذب مع اعتبار العلاقة وهي في ذلك المشابهة في الصفة الظاهرة أي عدم الفهم. (و) إنما (يعدل إليه) عن الحقيقة التي هي الأصل (لثقل الحقيقة) على اللسان كالخنفقيق للداهية يعدل عنه إلى الموت مثلاً. (أو بشاعتها) كالخرأة بكسر الخاء يعدل عنها إلى الغائط وحقيقته المكان المطمئن (أو جهلها) للمتكلم أو المخاطب دون المجاز. (أو بلاغته) نحو زيد أسد فإنه أبلغ من شجاع. (أو شهرته) دون الحقيقة. (أو غير ذلك) كإخفاء المراد عن غير المتخاطبين الجاهل بالمجاز دون الحقيقة وكإقامة وزن وقافية وسجع به دون الحقيقة. (والأصح أنه) أي المجاز (ليس غالبا على الحقيقة) في اللغات،

стр. 39

وقيل غالب عليها في كل لغة لأنك تقول مثلاً رأيت زيدا والمرئي بعضه، وهذا لا يدل على المدعي كما بينته في الحاشية. (ولا) أي وأنه ليس (معتمدا) عليه (حيث تستحيل) الحقيقة بل لا بد من قرينة تدل له وخالف أبو حينفة حيث قال فيمن قال لعبده الذي لا يولد مثله لمثله هذا ابني أنه يعتق عليه وإن لم ينو العتق اللازم للبنوّة صونا للكلام عن الإلغاء. قلنا لا ضرورة إلى تصحيحه بذلك، وفارق هذا ما مر من أن الحقيقة إذا جهلت يعدل إلى المجاز بأن ذاك في الاستعمال، وهذا في الحمل، وبأن ذلك بالنظر لتعدد اللفظ واتحاد المعنى، وهذا بالعكس أما إذا كان مثله يولد لمثله فيعتق عليه اتفاقا إن لم يكن معروف النسب من غيره، وإلا فكذلك على الأصح مؤاخذة له باللازم وإن لم يثبت اللزوم. (وهو) أي المجاز (والنقل) المعلوم من ذكر كل من الحقيقة الشرعية العرفية. (خلاف الأصل) الراجح فإذا احتمل لفظ معناه الحقيقي والمجازي أو المنقول عنه، وإليه فالأصل حمله على الحقيقي لعدم الحاجة فيه إلى قرينة أو على المنقول عنه استصحابا للموضوع له أوّلاً مثالهما رأيت أسدا وصليت أي حيوانا مفترسا ودعوت بخير أي سلامة منه، ويحتمل الرجل الشجاع والصلاة الشرعية. (و) المجاز والنقل (أولى من الاشتراك) فإذا احتمل لفظ هو حقيقة في معنى أن يكون في آخر حقيقة ومجازا أو حقيقة ومنقولاً فحمله على المجاز أو المنقول أولى من حمله على الحقيقة المؤدي إلى الاشتراك، لأن المجاز أغلب من المشترك والمنقول لا يمتنع العمل به لإفراد مدلوله قبل النقل وبعده، بخلاف المشترك لا يعمل به إلا بقرينة تعين أحد معنييه مثلاً إلا إذا قيل بحمله عليهما، فالأول كالنكاح حقيقة في العقد مجاز في الوطء، وقيل العكس، وقيل مشترك بينهما فهو حقيقة في أحدهما محتمل للحقيقة والمجاز في الآخر، والثاني كالزكاة حقيقة في النماء أي الزيادة محتمل فيما يخرج من المال للحقيقة والنقل. (والتخصيص أولى منهما) أي من المجاز والنقل، فإذا احتمل الكلام تخصيصا ومجازا أو تخصيصا ونقلاً فحمله على التخصيص أولى، أما الأول فلتعين الباقي من العام بعد التخصيص بخلاف المجاز قد لا يتعين بأن يتعدد ولا قرينة تعين، وأما الثاني فلسلامة التخصيص من نسخ المعنى الأول بخلاف النقل، فالأول كقوله تعالى ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ فقال الحنفي أي مما لم يتلفظ بالبسملة عند ذبحه وخص منه ناسيها فتحل ذبيحته وقال غيره أي مما لم يذبح تعبيرا عن الذبح بما يقارنه غالبا من التسمية، فلا تحل ذبيحة المتعمد لتركها على الأول دون الثاني، وفي الآية تأويل آخر ذكرته في الحاشية، والثاني كقوله تعالى ﴿وأحل الله البيع﴾ فقيل هو

стр. 40

المبادلة مطلقا وخص منه الفاسد، وقيل نقل شرعا إلى المستجمع لشروط الصحة، وهما قولان للشافعي، فما شك في استجماعه لها يحل ويصح على الأول، لأن الأصل عدم فساده دون الثاني، لأن الأصل عدم استجماعه لها. ( والأصح أن الاضمار أولى من النقل) لسلامته من نسخ المعنى الأول، وقيل عكسه لعدم احتياج النقل إلى قرينة كقوله تعالى ﴿وحرم الربا﴾ فقال الحنفي أخذه وهو الزيادة في بيع درهم بدرهمين مثلاً، فإذا أسقطت صح البيع وارتفع الإثم، وقال غيره نقل الربا شرعا إلى العقد فهو فاسد، وإن أسقطت الزيادة في ذلك والإثم فيه باق، وترجيح هذا عندنا لا للنقل بل لمرجح خاص هو تنظير الربا بالبيع في قوله تعالى حكاية عن الكفار ﴿إنما البيع مثل الربا﴾ فإنه ظاهر في العقد كما أوضحته في الحاشية، وما ذكرته من الخلاف هو ما في الأصل مع أنه لم يصرح فيه ولا فيما يأتي أثره بترجيح، لكن قال الزركشي والعراقي المعروف تقديم الإضمار. (و) الأصح (أن المجاز مساوٍ للإضمار) وقيل أولى منه لكثرته، وقيل عكسه لأن قرينة الإضمار متصلة كقوله لعبده الذي يولد مثله لمثله أو المشهور النسب من غيره هذا ابني أي عتيق تعبيرا عن اللازم بالملزوم فيعتق، أو مثل ابني في الشفقة عليه فلا يعتق، وتقدّم ترجيح الأول وترجيحه لا للمجاز بل لأمر آخر هنا وهو تشوّف الشارع إلى العتق على أن المختار في الروضة أنه لا بد في العتق من نية ويؤخذ مما مرّ من أن التخصيص أولى من المجاز الأولى من الاشتراك، والمساوي للإضمار الأولى من النقل أن التخصيص أولى من الاشتراك والإضمار، وأن الإضمار أولى من الاشتراك، وأن المجاز أولى من النقل، والكل صحيح، ووجه الأخير سلامة المجاز من نسخ المعنى الأول بخلاف النقل، وقد تقدم بهذه الأربعة العشرة التي ذكروها في تعارض ما يخل بالفهم أي اليقين لا الظنّ، وقد أوضحت ذلك مع زيادة في الحاشية. (ويكون) المجاز من حيث العلاقة (بشكل) كالفرس لصورته المنقوشة (وصفة ظاهرة) كالأسد للرجل الشجاع دون الأبخر لظهور الشجاعة دون البخر للأسد المفترس. (واعتبار ما يكون) في المستقبل (قطعا) نحو ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ (أو ظنا) كالخمر للعصير بخلاف ما يكون احتمالاً مرجوحا أو مساويا كالحرّ للعبد لا يجوز أما باعتبار ما كان كالعبد لمن عتق فتقدم في الاشتقاق. (ومضادة) كالمفازة للبرّية

стр. 41

المهلكة (ومجاورة) . كالراوية لظرف الماء المعروف تسمية له باسم ما يحمله من جمل أو نحوه. (وزيادة) قالوا نحو ﴿ليس كمثله شيء﴾ فالكاف زائدة، وإلا فهي بمعنى مثل فيكون له تعالى مثل وهو محال، والقصد بهذا الكلام نفيه، والتحقيق أنها ليست زائدة كما بينته في الحاشية. (ونقص) نحو ﴿واسأل القرية﴾ أي أهلها فقد تجوّز أي توسع بزيادة كلمة أو نقصها وإن لم يصدق على ذلك حد المجاز السابق، وقيل يصدق عليه حيث استعمل مثل المثل في المثل، والقرية في أهلها، وقيد المطرزي كون كل من الزيادة والنقص مجازا بما إذا تغير به حكم وإلا فلا يكون مجازا، فلو قلت زيد منطلق وعمرو لم يكن حذف الخبر مجازا لأن حكم الباقي لم يتغير، وفي تسميته كلاً من الزيادة والنقص مجازا تجوّز لأنه ليس مجازا بل علاقة له. (وسبب لمسبب) نحو للأمير يد أي قدرة فهي بمعنى أثرها مسببة عن اليد لحصولها بها. (وكل لبعض) نحو ﴿يجعلون أصابعهم في آذانهم﴾ أي أناملهم. (ومتعلق) بكسر اللام (لمتعلق) بفتحها نحو هذا خلق الله أي مخلوقه، وهذه تسمى علاقة التعلق. (والعكوس) للثلاثة الأخيرة أي مسبب لسببه كالموت للمرض الشديد، لأنه سبب له عادة وبعض لكل نحو فلان ملك ألف رأس غنم، ومتعلق بفتح اللام لمتعلق بكسرها نحو ﴿أيكم المفتون﴾ أي الفتنة. (وما بالفعل على ما بالقوّة) كالمسكر للخمر في الدنّ وما زيد على هذه العلاقات كإطلاق اللازم على الملزوم، وعكسه يرجع إليها كأن يراد بالمجاورة مثلاً كما قال التفتازاني ما يعم كون أحدهما في الآخر بالجزئية أو الحلول، وكونهما في محل، أو متلازمين في الوجود أو العقل أو الخيال وغير ذلك. (والأصح أنه) أي المجاز أي مطلقه لا المعرف بما مر قد. (يكون في الإسناد) ويسمى مجازا في التركيب ومجازا عقليا ومجازا حكميا ومجازا في الإثبات وإسنادا مجازيا، سواء أكان الطرفان حقيقتين أم لا. وذلك بأن يسند الشيء لغير من هو له لملابسة بينهم كقوله تعالى ﴿وإذا تليت عليهم أياته زادتهم أيمانا﴾ أسندت الزيادة وهي فعل الله تعالى إلى الآيات لكون الآيات المتلوة سببا لها عادة، وقيل لا يكون المجاز في الإسناد بل المجاز فيما يذكر منه إما في المسند أو في المسند إليه، فمعنى زادتهم على الأول ازدادوا بها، وعلى الثاني زادهم الله إطلاقا للآيات عليه تعالى لإسناد فعله إليها. (و) الأصح أنه قد يكون في (المشتق) نحو ﴿ونادى أصحاب الجنة﴾ أي ينادي ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين﴾ أي تلته، وقيل لا يكون فيه إلا بالتبع للمصدر أصله فإن كان حقيقة فلا مجاز فيه. قلنا الحصرممنوع (و) الأصح أنه أعني المجاز في الإفراد قد يكون في (الحرف) بالذات نحو فهل ترى لهم من باقية أي ما ترى وبالتبع لمتعلقه، ولا يكون إلا في الاستعارة نحو ﴿فالتقطه آل فرعون﴾ الآية شبه فيها ترتب العداوة والحزن على الالتقاط بترتب علته الغائية عليه وهي المحبة والتبني، ثم استعمل في المشبه اللام الموضوعة للدلالة على ترتب العلة الغائية التي هي المشبه به فجرت الاستعارة أصالة في العلة، وعلى هذا القول البيانيون، وقيل لا يكون فيه إلا بالتبع في التركيب لا في الإفراد، وعليه الإمام الرازي، وقيل لا يكون فيه لا بالذات ولا بالتبع لأنه لا يفيد إلا بضمه إلى غيره، فإن ضم إلى ما ينبغي ضمه إليه فهو حقيقة أو إلى ما لا ينبغي ضمه إليه فمجاز مركب. قلنا لا نسلم الشق الثاني بل الضم فيه قرينة مجاز الافراد كقوله تعالى ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ أي عليها. (لا) في (العلم) أي لا يكون المجاز فيه على الأصح لأنه إن كان مرتجلاً أي لم يسبق له وضع كسعاد أو منقولاً لغير مناسبة كفضل فواضح أو لمناسبة كمن سمى ابنه بمبارك لما ظنه فيه من البركة فلصحة الإطلاق عند زوالها، ولأن العلم وضع للفرق بين الذوات فلو تجوّز فيه بطل هذا الغرض، وقيل يكون فيه إن لمح فيه الصفة كالحارث، إذ لا يراد منه الصفة، وقد كان قبل العلمية موضوعا لها وهذا خلاف في التسمية وعدمها أولى، لأن وضع العلم شخصي ووضع المجاز نوعي، ولأن العلم عند الأكثر لا حقيقة ولا مجاز، وفيه كلام ذكرته في الحاشية أوائل مباحث

стр. 42

الحقيقة والمجاز. (و) الأصح (أنه يشترط سمع في نوعه) أي المجاز فلا يتجوز في نوع منه كالسبب للمسبب إلا إذا سمع من العرب صورة منه مثلاً، وقيل لا يشترط ذلك بل يكتفي بالعلاقة التي نظروا إليها فيكفي السماع في نوع لصحة التجويز في عكسه مثلاً، وخرج بنوعه شخصه فلا يشترط السماع فيه إجماعا بأن لا يستعمل إلا في الصور التي استعملته العرب فيها. (ويعرف) المجاز أي معناه أو لفظه. (بتبادر غيره) منه إلى الفهم (لولا القرينة) بخلاف الحقيقة فإنها تعرف بالتبادر بلا قرينة. (وصحة النفي) للمعنى الحقيقي في الواقع كما في قولك للبليد هذا حمار فإنه يصح نفي الحمار عنه. (وعدم لزوم الاطراد) فيما يدل عليه بأن لا يطرد كما في ﴿واسأل القرية﴾ أي أهلها ولا يقال واسأل البساط أي أهله أو يطرد لا لزوما كما في الأسد للرجل الشجاع فيصح في جميع جزئياته من غير لزوم لجواز أن يعبر في بعضها بالحقيقة بخلاف المعنى الحقيقي، فيلزم المراد ما يدل عليه من الحقيقة في جميع جزئياته لانتفاء التعبير الحقيقي بغيرها. (وجمعه) أي جمع اللفظ الدال عليه (على خلاف) صيغة (جمع الحقيقة) كالأمر بمعنى الفعل مجازا يجمع على أمور بخلافه بمعنى القول حقيقة، فيجمع على أوامر، كذا في الأصل وغيره، وفيه اعتراض بينته في الحاشية. (والتزام تقييده) أي اللفظ الدال عليه كجناح الذل أي لين الجانب ونار الحرب أي شدّتها بخلاف المشترك من الحقيقة، فإنه يقيد من غير التزام كالعين الجارية، وظاهر ذلك أن إطلاق الجناح على لين الجانب، والنار على الشدة مجاز إفراد، وأن الإضافة فيهما قرينة له، وأن التزامها علامة تميزه عن الحقيقة، والظاهر أنه استعارة تخييلية كأظفار المنية كما بينته في الحاشية. (وتوقفه) في إطلاق اللفظ عليه (على المسمى الآخر) الحقيقي، ويسمى هذا بالمشاكلة وهي التعبير عن الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقا نحو ﴿ومكروا ومكر الله﴾ أي جازاهم على مكرهم حيث تواطئوا على قتل عيسى ﵊ أو تقديرا نحو ﴿أفأمنوا مكر الله﴾ فإطلاق المكر على المجازاة على مكرهم متوقف على وجوده تحقيقا أو تقديرا. (والإطلاق) للفظ (على المستحيل) نحو ﴿واسأل القرية﴾ فإطلاق المسؤول عليها مستحيل، لأنها الأبنية المجتمعة، وإنما المسؤول أهلها. (مسألة المعرّب) بتشديد الراء (لفظ غير علم استعملته العرب فيما) أي في معنى (وضع له في غير لغتهم) خرج به الحقيقة والمجاز العربيان، فإن كلاً منهما استعملته العرب فيما وضع له في لغتهم (والأصح أنه) أي المعرب (ليس في القرآن) وإلا لاشتمل على غير عربي، فلا يكون كله عربيا، وقد قال تعالى ﴿إنا أنزلناه قرآنا عربيا﴾ وقيل إنه فيه كاستبرق فارسية للديباج الغليظ وقسطاس رومية للميزان ومشكاة هندية أو حبشية للكوّة التي لا تنفذ. قلنا هذه الألفاظ ونحوها اتفق فيها لغة العرب ولغة غيرهم كالصابون والتنور، وأما العلم الأعجمي الذي استعملته العرب كابراهيم واسماعيل وعزرائيل فلا يسمى معرّبا، بل هو من توافق اللغتين مطلقا أو أعجمي محض إن وقع في غير القرآن فقط، وإنما منع من الصرف على الأوّل لأصالة وضعه في العجمة، وهذا ما مشى عليه الأصل هنا، وكلامه في شرح المختصر يقتضي أنه يسمى معرّبا، وبما قررته علم أن المعرب أعجمي الأصل، وقيل إن المعرب واسطة بين العجمي والعربي، ويشبه أن لا خلاف بأن يقال الأوّل نظر إلى أصله. والثاني إلى حالته الراهنة. (مسألة اللفظ) المستعمل في معنى إما (حقيقة) فقط كالأسد للحيوان المفترس. (أو مجاز) فقط كالأسد للرجل الشجاع (أو هما) أي حقيقة ومجاز (باعتبارين) كأن وضع لغة لمعنى عام، ثم خصه الشرع أو العرف العام أو الخاص بنوع منه كالصوم في اللغة للإمساك خصه الشرع بالإمساك المعروف، والدابة في اللغة لكل ما يدب على الأرض خصها العرف العام بذات الحوافر والخاص كأهل العراق بالفرس، فاستعماله بالعام حقيقة لغوية مجاز شرعي أو عرفي، وفي الخاص بالعكس، ويمتنع

стр. 43

كونه حقيقة ومجازا باعتبار واحد للتنافي بين الوضع أوّلاً وثانيا (وهما) أي الحقيقة والمجاز (منتفيان) عن اللفظ (قبل الاستعمال) ، لأنه مأخوذ في أحدهما فإذا انتفى انتفيا (ثم هو) أي اللفظ (محمول على عرف المخاطب) بكسر الطاء الشارع أو أهل العرف أو اللغة. (ففي) خطاب (الشرع) المحمول عليه المعنى (الشرعي) لأنه عرف الشرع، لأن النبي ﷺ بعث لبيان الشرعيات، وإذا لم يكن معنى شرعي، أو كان وصرف عنه صارف (فـ) ـالمحمول عليه المعنى (العرفي) العام أي الذي يتعارفه جميع الناس أو الخاص بقوم لأن الظاهر إرادته لتبادره إلى الأذهان. (فـ) ـإذا لم يكن معنى عرفي أو كان وصرف عنه صارف فالمحمول عليه المعنى (اللغوي في الأصح) لتعينه حينئذ، فعلم أن ماله مع المعنى الشرعي معنى عرفي أو معنى لغوي أو هما يحمل أوّلاً على الشرعي، وأن ماله معنى عرفي ومعنى لغوي يحمل أولاً على العرفي، وقيل فيما له معنى شرعي ومعنى لغوي محمله في الاثبات الشرعي وفق ما مر، وفي النهي قيل اللفظ مجمل، إذ لا يمكن حمله على الشرعي لوجود النهي ولا على اللغوي، لأن النبي بعث لبيان الشرعيات، وقيل محمله اللغوي لتعذر الشرعي بالنهي. قلنا المراد بالشرعي ما يسمى شرعا بذلك الاسم صحيحا كان أو فاسدا. يقال صوم صحيح وصوم فاسد. (والأصح أنه إذا تعارض) في عرف (مجاز راجح وحقيقة مرجوحة) بأن غلب استعماله عليها (تساويا) لرجحان كل منهما من وجه، وقيل الحقيقة أولى بالحمل لأصالتها، وقيل المجاز أولى لغلبته فلو حلف لا يشرب من هذا النهر ولم ينو شيئا، فالحقيقة المتعاهدة الكرع منه بفيه، والمجاز الغالب الشرب مما يغرف به منه كإناء حنث بكل منهما على الأول، كما جزم به في الروضة كأصلها إعمالاً للفظ في حقيقته ومجازه، وبالكرع دون الشرب مما يغترف به على الثاني، وبالعكس على الثالث فتعبيري بالتساوي أولى من تعبيره بالمجمل المقتضي أنه لا يحنث بواحد منهما على الأول، فإن هجرت الحقيقة قدم المجاز اتفاقا كمن حلف لا يأكل من هذه النخلة فيحنث بثمرها دون خشبها حيث لا نية، وإن تساويا قدمت الحقيقة اتفاقا كما لو كانت غالبا. (و) الأصح (أن ثبوت حكم) بدليل كالإجماع (يمكن كونه) أي الحكم (مرادا من خطاب) له حقيقة ومجاز. (لكن) الخطاب في ذلك المراد يكون (مجازا لا يدل) ذلك الثبوت (على أنه) أي الحكم هو (المراد منه) أي من الخطاب (فيبقى الخطاب على حقيقته) لعدم الصارف عنها. وقال جماعة إنه يدل عليه فلا يبقى الخطاب على حقيقته إذ لم يظهر مستند للحكم الثابت غيره مثاله وجوب التيمم على المجامع الفاقد للماء إجماعا يمكن كونه مرادا من آية ﴿أو لامستم النساء﴾ على وجه المجاز في الملامسة لأنها حقيقة في الجس باليد مجاز في الجماع، فقالوا المراد الجماع فتكون الآية مستند الإجماع، إذ لا مستند غيرها، وإلا لذكر فلا تدل على أن اللمس ينقض الوضوء. قلنا يجوز أن يكون المستند غيرها، واستغنى عن ذكره بذكر الإجماع، فاللمس فيها على حقيقته فتدل على نقضه الوضوء، وإن قامت قرينة في الآية على إرادة الجماع أيضا فتدل على مسألة الإجماع أيضا، كما قال به الشافعي فيها بناء على الأصح أنه يصح أن يراد باللفظ حقيقته ومجازه معا. (مسألة اللفظ إن استعمل في معناه الحقيقي) لا لذاته بل (للانتقال) منه (إلى لازمه فـ) ـهو (كناية) نحو زيد طويل النجاد مرادا به طويل القامة، إذ طولها لازم لطول النجاد أي حمائل السيف، قال في التلويح فيصح الكلام وإن لم يكن له نجاد، بل وإن استحال المعنى الحقيقي كما في قوله تعالى ﴿والسموات مطويات بيمينه﴾ وقوله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ وخرج باستعماله في معناه الحقيقي المجاز وبما بعده الحقيقة الصريحة والتعريض. (فهي) أي الكناية (حقيقة) غير صريحة كما أشعر به كلام صاحب التلخيص، وصرح به السكاكي وغيره، ومنهم السعد التفتازاني، والفرق بينها وبين الجمع بين الحقيقة والمجاز أن المعنى الحقيقي فيها لم يرد لذاته كما مر، وفي الجمع المذكور أريد لذاته، نعم قد يراد المعنى الحقيقي لذاته فيها عند السكاكي كقولك آذيتني فستعرف وأنت تريد المخاطب وغيره من المؤذين، لأن ذلك كلام دال على معنى يقصد به تهديد المخاطب بسبب الإيذاء، ويلزم منه تهديد كل مؤذ، وقد أراد به تهديدهما، ففيه أراد المعنى الحقيقي لذاته فيها، فالفرق بينها وبين الجمع بين الحقيقة،

стр. 44

والمجاز أن المعنى الحقيقي فيها أريد لذاته وللانتقال في الجمع المذكور لم يرد للانتقال ولا حاجة لقول الأصل، فإن لم يرد المعنى الخ للعلم به من تعريف المجاز فيما مر. (أو) استعمل في معناه (مطلقا) أي الحقيقي والمجازي والكنائي. (للتلويح بغير معناه فـ) ـهو (تعريض) كما في قوله تعالى حكاية عن الخليل ﵊ ﴿بل فعله كبيرهم﴾ هذا نسب الفعل إلى كبير الأصنام المتخذة آلهة كأنه غضب أن تعبد الصغار معه والقصد بذلك التلويح لقومه العابدين لها بأنها لا تصلح أن تكون آلهة لأنهم إذا نظروا بعقولهم علموا عجز كبيرها عن ذلك الفعل أي كسر صغارها فضلاً عن غيره والإله لا يكون عاجزا وسمي ذلك تعريضا لفهم المعنى من عرض اللفظ أي جانبه. (فهو) أي التعريض ثلاثة أقسام (حقيقة ومجاز وكناية) كما صرح بها السكاكي، والأصل جرى على أنه حقيقة أبدا، وما ذكر من أنه حقيقة ومجاز وكناية هو بالنسبة للمعنى الحقيقي أو المجازي أو الكنائي أما بالنسبة للمعنى التعريضي فلم يفده اللفظ، وإنما أفاده سياق الكلام وتعريف الكناية والتعريض بما ذكر مأخوذ من البيانيين، وهما مقابلان للصريح، وأما عند الأصوليين والفقهاء، فالكناية ما احتمل المراد وغيره كأنت خلية في الطلاق والتعريض ما ليس صريحا ولا كناية كقولهم في باب القذف يا ابن الحلال. وفائدة تسمية الكناية حقيقة والتعريض حقيقة ومجازا مع علمهما من تعريفي الحقيقة، والمجاز دفع توهم أنهما لا يسميان بذلك مع أن بعضهم خالف في الكناية. الحروف أي هذا مبحث الحروف التي يحتاج الفقيه إلى معرفة معانيها، وذكر معها أسماء، ففي التعبير بها تغليب للأكثر على المشهور. أحدها (إذن) من نواصب المضارع. (للجواب والجزاء قيل دائما وقيل غالبا) وقد تتمحض للجواب، فإذا قلت لمن قال أزورك إذن أكرمك فقد أجبته وجعلت إكرامك له جزاء لزيارته أي إن زرتني أكرمتك، وإذا قلت لمن قال أحبك إذن أصدّقك فقد أجبته فقط على القول الثاني، ومدخول إذن فيه مرفوع لانتفاء استقباله المشترط في نصبها ويتكلف الأول في جعل هذا مثلاً للجزاء أيضا أي إن كنت قلت ذلك حقيقة صدقتك، وسيأتي عدها من مسالك العلة لأن الشرط علة للجزاء. (و) الثاني (إن) بكسر الهمزة وسكون النون (للشرط) وهو تعليق أمر على آخر نحو إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف (وللنفي) نحو إن الكافرون إلا في غرور إن أردنا إلا الحسنى أي ما. (وللتوكيد) وهي الزائدة نحو ما إن زيد قائم ما إن رأيت زيدا. (و) الثالث (أو) من حروف العطف (للشك) من المتكلم نحو ﴿قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم﴾ ونحو ما أدري أسلم أو ودّع، وقول الحريري إنها فيه للتقريب، ردّه ابن هشام كما بينته في الحاشية. (وللإبهام) على السامع نحو ﴿أتاها أمرنا ليلاً أو نهارا﴾ (وللتخيير) بين المتعاطفين سواء امتنع الجمع بينهما نحو خذ من مالي درهما أو دينارا أم جاز نحو جالس العلماء أو الزهاد، وقصر ابن مالك وغيره التخيير على الأول، وسموا الثاني بالإباحة. وقال الزركشي الظاهرأنهما قسم واحد، لأن حقيقة الإباحة التخيير، وإنما امتنع في خذ درهما أو دينارا للقرينة العرفية لا من مدلول اللفظ، كما أن الجمع بين العلماء والزهاد وصف كمال لا نقص. (ولمطلق الجمع) كالواو نحو وقد زعمت ليلى بأني فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورها

стр. 45

أي وعليها. (وللتقسيم) نحو الكلمة اسم أو فعل أو حرف أي مقسمة إلى الثلاثة تقسيم الكلي إلى جزئياته فتصدق على كل منها ونحو السكنجبين خلّ أو ماء أو عسل تقسيمه إلى الثلاثة تقسيم الكل إلى أجزائه فلا يصدق على كل منها. (وبمعنى إلى) المساوية لإلا فتنصب المضارع بأن مضمرة نحو لألزمنك أو تقضيني حقي، أي إلى أن تقضينيه. (وللإضراب) كبل نحو ﴿وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون﴾ أي بل يزيدون أخبر عنهم أولاً بأنهم مائة ألف نظرا لغلط الناس، مع علمه تعالى بأنهم يزيدون عليها، ثم أخبر عنهم ثانيا بأنهم يزيدون نظرا للواقع ضاربا عن غلط الناس، وما ذكر من أن أو للمذكورات هو مذهب المتأخرين، وأما مذهب المتقدمين فهي لأحد الشيئين أو الأشياء وغيره إنما يفهم بالقرائن. وقال ابن هشام والسعد التفتازاني إنه التحقيق. (و) الرابع (أي بالفتح) للهمزة (والتخفيف) للياء (للتفسير) إما بمفرد نحو عندي عسجد أي ذهب، وهو بدل أو عطف بيان أو بجملة نحو وترمينني بالطرف أي أنت مذنب وتقلينني لكن إياك لا أقلي فأنت مذنب تفسير لما قبله، إذ معناه تنظرين إليّ نظر مغضب، ولا يكون ذلك إلا عن ذنب واسم، لكن ضمير الشأن وخبرها الجملة بعده، وقدم مفعول أقلي للاختصاص أي لا أتركك بخلاف غيرك. (ولنداء البعيد) حسا أو حكما (في الأصح) . فإن نودي بها القريب فمجاز، وقيل هي لنداء القريب نحو أي رب وهو قريب قال تعالى ﴿فإني قريب﴾ وقيل لنداء المتوسط والترجيح من زيادتي. (و) الخامس أي بالفتح و (بالتشديد) اسم (للشرط) نحو ﴿أيما الأجلين قضيت فلا عدوان عليّ﴾ (وللاستفهام) نحو ﴿أيكم زادته هذه إيمانا﴾ وتأتي (موصولة) نحو ﴿لننزعنّ من كل شيعة أيهم أشدّ﴾ أي الذي هو أشدّ. (ودالة على كمال) بأن تكون صفة لنكرة أو حالاً من معرفة نحو مررت برجل. أي رجل أي كامل في صفات الرجولية، ومررت بزيد أي رجل أي كاملاً في صفات الرجولية. (ووصلة لنداء ما فيه أل) نحو (يا أيها الإنسان) أما إي بالكسر وسكون الياء فحرف جواب بمعنى نعم، ولا يجاب بها إلا مع القسم نحو ﴿ويستنبئونك أحق هو قل﴾ إي وربي وتركت لقلة احتياج الفقيه إليها. (و) السادس (إذ) اسم (للماضي ظرفا) وهو الغالب نحو ﴿فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا﴾ أي وقت إخراجهم له. (ومفعولاً به) على قول الأخفش وغايره إنها تخرج عن الظرفية نحو ﴿اذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم﴾ أي اذكروا حالتكم هذه. (وبدلاً منه) أي من المفعول به نحو ﴿اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء﴾ الآية أي اذكروا النعمة التي هي الجعل المذكور. (ومضافا إليها اسم زمان) نحو ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾ ونحو يومئذ. (وكذا للمستقبل) ظرفا في الأصح نحو (فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم﴾ وقيل ليست للمستقبل واستعمالها فيه في هذه الآية لتحقق وقوعه كالماضي مثل ﴿أتى أمر الله﴾ (وللتعليل حرفا) في الأصح كلام التعليل، وقيل ظرفا بمعنى وقت، والتعليل مستفاد من قوّة الكلام نحو ضربت العبد إذ أساء أي لإساءته أو وقت إسائته، وظاهر أن الإساءة علة للضرب. (وللمفاجأة) بأن يكون بعد بينا أو بينما. (كذلك) أي حرفا (في الأصح) . وقيل ظرف مكان وقيل ظرف زمان نحو بينا أو بينما أنا واقف إذ جاء زيد. أي فاجأ مجيئه وقوفي أو مكانه أو زمانه، وقيل ليست للمفاجأة وهي في ذلك، ونحوه زائدة للاغتناء عنها كما تركها منه كثير من العرب، فقولي في الأصح راجع إلى الثلاثة قبله، وتصحيح الحرفية في الثانية مع ذكرها في الأخيرة بقولي كذلك من زيادتي، ومعنى المفاجأة كما قال ابن الحاجب حضور الشيء معك في وصف من أوصافك الفعلية. (و) السابع (إذا للمفاجأة) بأن تكون بين الجملتين ثانيتهما اسمية. (حرفا في الأصح) لأن

стр. 46

المفاجأة معنى من المعاني كالاستفهام والنفي، والأصل فيها أن تؤدّي بالحروف، وقيل ظرف مكان، وقيل ظرف زمان نحو خرجت فإذا زيد واقف أي فاجأ وقوفه خروجي أو مكانه أو زمانه، وهل الفاء فيها زائدة لازمة أو عاطفة أو سببية محضة أقوال. (وللمستقبل ظرفا مضمنة معنى الشرط غالبا) فيجاب بما يجاب به الشرط نحو ﴿إذا جاء نصر الله﴾ الآية، وقد لا تضمن معنى الشرط نحو آتيك إذا احمرّ البسر أي وقت احمراره. (وللماضي والحال نادرا) نحو ﴿وإذا رأوا تجارة﴾ الآية. فإنها نزلت بعد الرؤية والانفضاض ونحو ﴿والليل إذا يغشى﴾ إذ غشيانه أي طمسه آثار النهار مقارن له. (و) الثامن (الباء للإلصاق) وهو أصل معانيها (حقيقة) نحو به داء أي ألصق به. (ومجازا) نحو مررت بزيد أي ألصقت مروري بمكان يقرب منه المرور، إذ المرور لم يلصق بزيد (وللتعدية) كالهمزة في تصيير الفاعل مفعولاً نحو ﴿ذهب الله بنورهم﴾ أي أذهبه، وفرق الزمخشري بينهما بأن الأول أبلع لأنه يفيد أن الفعل أخذ النور وأمسكه، فلم يبق منه شيء بخلاف الثاني. (وللسببية) نحو ﴿فكلاً أخذنا بذنبه﴾ ومنها الاستعانة بأن تدخل الباء على آلة الفعل نحو كتبت القلم، فإدراجي لها في السببية كابن مالك أولى من عدها قسما برأسه كما فعله الأصل. (وللمصاحبة) بأن تكون الباء بمعنى مع أو تغني عنها وعن مصحوبها الحال، ولهذا تسمى بالحال نحو ﴿قد جاءكم الرسول بالحق﴾ أي مع الحق أو محقا. (وللظرفية) المكانية أو الزمانية نحو ﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾ و ﴿نجيناهم بسحر﴾ (وللبدلية) بأن يحل محلها لفظ بدل كقول عمر ﵁ ما يسرني أن لي بها الدنيا أي بدلها. قاله حين استأذن النبي ﷺ في العمرة فأذن له وقال لا تنسنا يا أخيّ من دعائك وضمير بها راجع، إلى كلمة النبي المذكورة، وأخي مصغر لتقريب المنزلة. (وللمقابلة) وهي الداخلة على الأعواض نحو اشتريت فرسا بدرهم. ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلاً﴾ (وللمجاوزة) كعن نحو ﴿سأل سائل بعذاب واقع﴾ أي عنه. (وللاستعلاء) كعلي نحو (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار) أي عليه. (وللقسم) نحو بالله لأفعلنّ كذا. (وللغاية) كإلى نحو وقد أحسن بي أي إليّ، وبعضهم ضمن أحسن معنى لطف (وللتوكيد) وهي الزائدة مع الفاعل أو المفعول أو المبتدأ أو الخبر ﴿كفى بالله شهيدا﴾ (وهزي إليك بجذع النخلة﴾ وبحسبك درهم، و ﴿أليس الله بكاف عبده﴾ (وكذا للتبعيض) كمن (في الأصح) نحو ﴿عينا يشرب بها عباد الله﴾ أي منها، وقيل ليست له، ويشرب في الآية بمعنى يروى أو يلتذ مجازا والباء سببية. (و) التاسع (بل للعطف بإضراب) أي معه بأن وليها مفرد سواء أوليت موجبا أم غيره، ففي الموجب نحو جاء زيد بل عمرو، واضرب زيدا بل عمرا انتقل حكم المعطوف عليه فيصير كأنه مسكوت عنه إلى المعطوف، وفي غيره نحو ما جاء زيد بل عمرو، ولا تضرب زيدا بل عمرا. تقرر حكم المعطوف عليه وتجعل هذه للمعطوف. (وللإضراب فقط) أي دون العطف بأن وليها جملة، وقولي بإضراب مع فقط من زيادتي وبهما علم أن الإضراب أعم من العطف لا مباين له بخلاف كلام الأصل. والحاصل أن بل للعطف والإضراب إن وليها مفرد وللإضراب فقط إن وليها جملة وهي فيه حرف ابتداء لا عاطفة عند الجمهور والإضراب بهذا المعنى. (إما للإبطال) لما وليته نحو يقولون به جنة بل جاءهم بالحق فالجائي بالحق لا جنون به. (أو للانتقال من غرض إلى آخر) نحو ﴿ولدينا كتاب ينطق بالحق﴾ الآية فما قبل بل فيها على حاله. (و) العاشر (بيد) اسم ملازم للنصب والإضافة إلى أن وصلتها. (بمعنى غير) نحو إنه كثير المال بيد أنه بخيل. (وبمعنى من أجل ومنه) خبر أنا أفصح من نطق بالضاد. (بيد أني من قريش

стр. 47

في الأصح) أي الذين هم أفصح من نطق بها، وأنا أفصحهم، وخصها بالذكر لعسرها على غير العرب، والمعنى أنا أفصح العرب، وقيل أن بيد فيه بمعنى غير، وأنه من تأكيد المدح بما يشبه الذم وقولي في الأصح من زيادتي. (و) الحادي عشر (ثم حرف عطف للتشريك) في الإعراب والحكم (والمهلة والترتيب) المعنوي والذكري. (في الأصح) تقول جاء زيد ثم عمرو إذا شارك زيدا في المجيء وتراخى مجيئه عن مجيئه، وقيل قد تكون زائدة فلا تكون عاطفة فلا تكون لشيء من ذلك كقوله تعالى ﴿حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم﴾ فإنها زائدة لأن مدخولها جواب إذا وقيل لا تفيد المهلة لقول الشاعر كهز الرديني تحت العجا * ج جري في الأنابيب ثم اضطر إذ اضطراب الرمح يعقب جري الهز في الأنابيب، وقيل لا تفيد الترتيب لقوله تعالى ﴿فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴿إذ شهادة الله متقدمّمة على المرجع، وأجيب عن الأوّل بأن إذا فيه لمجرد الظرف وبان جوابها مقدر أي تاب عليهم وثم تاب عليهم تأحمد بن كيد، أو معناه استدام التوبة، ومعنى المقدر أنشأها، وعن الثاني بأنه توسع في ثم بإيقاعها فيه موقع الفاء، وعن الثالث بإنها استعملت فيه لترتيب الاخباري، وبأنه توسع فيها بإيقاعها فيه موقع الواو. (و) الثاني عشر (حتى لانتهاء الغاية غالبا) وهي حينئذ إما جارة لاسم صريح نحو ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ أو مؤوّل من أن والفعل نحو ﴿لن نبرج عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى﴾ أي إلى رجوعه وأما عاطفة لرفيع أو دنيء نحو مات الناس حتى الأنبياء، وقدم الحجاج حتى المشاة، وإما ابتدائة بأن يستأنف بعدها جملة إما إسمية نحو فما زالت القتلى تمج دماءها بدجلة حتى ماء دجلة أشكل أو فعلية نحو مرض فلان حتى لا يرجونه. (وللاستثناء نادرا) نحو ليس للعطاء من الفضول سماحة حتى تجود وما لديك قليل أي إلا أن تجود وهو استثناء منقطع. (وللتعليل) نحو أسلم حتى تدخل الجنة أي لتدخلها. (و) الثالث عشر (رب حرف في الأصح) هذا من زيادتي، وقيل اسم وعلى الوجهين ترد. (للتكثير) نحو ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ إذ يكثر منهم تمني ذلك يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين (وللتقليل) كقوله ألا ربّ مولود وليس له أب وذي ولد لم يلده أبوان أراد عيسى وآدم عليهما الصلاة والسلام، واختار ابن مالك أن ورودها للتكثير أكثر. (ولا تختص بأحدهما في الأصح) . وقيل تختص بالتكثير فلم يعتد قائله بهذا البيت ونحوه. وقيل تختص بالتقليل وقرره قائله في الآية بأن الكفار تدهشهم أهوال يوم القيامة فلا يفيقون حتى يتمنوا ذلك إلا في أحيان قليلة. وقيل إنها حرف إثبات لم يوضع لتكثير ولا تقليل، وإنما يستفاد ذلك من القرائن واختاره أبو حيان. (و) الرابع عشر (على الأصح أنها قد ترد) بقلة (اسما بمعنى فوق) بأن تدخل عليها من نحو غدوت من على السطح أي من فوقه. (و) ترد بكثرة (حرفا للعلوّ) حسا نحو ﴿كل من عليها فان﴾ أو معنى نحو ﴿فضلنا بعضهم على بعض﴾ وأما على في نحو توكلت على الله، فجعلها الرضي من العلوّ المجازي (وللمصاحبة) كمع نحو ﴿وأتى المال على حبه﴾ أي مع حبه (وللمجاوزة) كعن نحو رضيت عليه أي عنه. (وللتعليل) نحو ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ أي لهدايته أياكم. (وللظرفية) كفي نحو ﴿ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها﴾ أي في وقت غفلتهم ونحو ﴿ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾ أي في زمن ملكه ونحو اعتكفت على المسجد أي فيه. (وللاستدراك) كلا كن. نحو فلان لا يدخل الجنة

стр. 48

لسوء فعله على أنه لا ييأس من رحمة الله أي لكنه. (وللتوكيد) كخبر لا أحلف على يمين أي يمينا. (وبمعنى الباء) نحو ﴿حقيق علي أن لا أقول﴾ (و) بمعنى (من) نحو ﴿إذا اكتالوا على الناس يستوفون﴾ وهذان من زيادتي. وقيل هي اسم أبدا لدخول حرف الجرّ عليها. وقيل هي حرف أبدا ولا مانع من دخول حرف جرّ على آخر في اللفظ بأن يقدر له مجرور محذوف (أما علا يعلو ففعل) نحو ﴿إنّ فرعون علا في الأرض﴾ ، ﴿ولعلا بعضهم على بعض﴾ فقد استكملت على في الأصح أقسام الكلمة. (و) الخامس عشر (الفاء العاطفة للترتيب) المعنويّ والذكري. (وللتعقيب) في كل شيء بحسبه تقول قام زيد فعمرو إذا أعقب قيامه قيام زيد، ودخلت البصرة فالكوفة إذا لم يقم بالبصرة ولا بينهما، وتزوّج فلان فولد له إذا لم يكن بين التزوّج والولادة إلا مدة الحمل مع لحظة الوطء، ومقدمته والترتيب الذكري أن يكون ما بعد الفاء مرتبا في الذكر دون المعنى على ما قبلها، سواء أكان تفصيلاً له نحو ﴿إنا أنشأناهنّ إنشاء﴾ الآية. لا نحو ﴿وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون﴾ ويسمى الترتيب الإخباري. (وللسببية) ويلزمها التعقيب نحو ﴿فوكزه موسى فقضى عليه﴾ فخرج بالعاطفة الرابطة لجواب فقد يتراخى عن الشرط نحو إن يسلم فلان فهو يدخل الجنة وقد لا يتسبب عن الشرط نظرا للظاهر نحو ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك﴾ . (و) السادس عشر (في الظرفية) نحو ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ وأنتم عاكفون في المساجد. (وللمصاحبة) نحو ﴿قال ادخلوا في أمم﴾ أي معهم. (وللتعليل) نحو ﴿لمسكم فيما أفضتم فيه﴾ أي لأجل ما. (وللعلوّ) نحو ﴿لأصلبنكم في جذوع النخل﴾ أي عليها قاله الكوفيون وابن مالك، وأنكره غيرهم وجعلها الزمخشري وغيره للظرفية المجازية بجعل الجذع ظرفا للمصلوب لتمكنه عليه تمكن المظروف من الظرف. (وللتوكيد) نحو ﴿وقال اركبوا فيها) وأصله اركبوها. (وللتعويض) عن أخرى محذوفة نحو ضربت فيمن رغبت وأصله ضربت من رغبت فيه. (وبمعنى الباء) نحو ﴿جعل لكم من أنفسكم أزواجا﴾ ﴿ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه﴾ أي يخلقكم بمعنى يكثركم بسبب هذا الجعل بالتولد، وجعلها الزمخشري في هذه الآية للظرفية المجازية مثل ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ (و) بمعنى (إلى) نحو ﴿فردّوا أيديهم في أفواههم﴾ أي إليها ليعضوا عليها من شدّة الغيظ. (و) بمعنى (من) نحو هذا ذراع في الثوب. أي منه يعني فلا يعيبه لقلته. (و) السابع عشر (كي للتعليل) فينصب المضارع بأن مضمرة نحو جئت كي أنظرك. أي لأن أنظرك. (وبمعنى أن المصدرية) بأن تدخل عليها اللام نحو جئت لكي تكرمني أي لأن تكرمني. (و) الثامن عشر (كل اسم لاستغراق أفراد) المضاف إليه. (المنكر) نحو ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ ﴿كل حزب بما لديهم فرحون﴾ (و) لاستغراق أفراد المضاف إليه (المعرّف المجموع) نحو كل العبيد جاءوا، كل الدرهم صرف. (و) لاستغراق (أجزاء) المضاف إليه. (المعرف المفرد) نحو كل زيد أو الرجل حسن أي كل أجزائه. (و) التاسع عشر (اللام) بقيد زدته بقولي (الجارة) وهي مكسورة مع كل ظاهر نحو لزيد إلا مع المستغاث فتتفح، نحو يالله، ومفتوحة مع كل مضمر نحو لنا إلا مع ياء المتكلم فمكسورة. (للتعليل) نحو ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس﴾ أي لأجل أن تبين لهم.

стр. 49

﴿وللاستحقاق﴾ نحو النار للمكافرين أي عذابها مستحق لهم (وللاختصاص) نحو الجنة للمؤمنين أي نعيمها مختص بهم. (وللملك) نحو ﴿لله ما في السموات وما في الأرض﴾ والمال لزيد. (وللصيرورة) أي العاقبة نحو ﴿فالتقطة آل فرعون ليكون لهم عدوًّا وخرنا﴾ فهذا عاقبة التقاطهم له لا علته إذ هي تبنيه. (وللتمليك) نحو وهبت له ثوابا أي ملكته إياه. (وشبهه) أي التمليك نحو ﴿والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة﴾ (ولتوكيد النفي) نحو؛ ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ فهي في هذا، ونحوه لتوكيد نفي الخبر الداخلة عليه المنصوب فيه المضارع بأن مضمرة. (وللتعدية) نحو ما أضرب زيدا لعمرو فضرب صار بقصد التعجب به لازما يتعدّى إلى فاعله بالهمزة وإلى مفعوله باللام. و (وللتوكيد) وهي الزائدة كإن تأتي لتقوية عامل ضعف بالتأخير نحو ﴿إن كنتم للرؤيا تعبرون﴾ ولكونه فرعا في العمل نحو ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ وأصله فعال ما. (وبمعنى إلى) نحو ﴿فسقناه لبلد ميت﴾ أي إليه. (و) بمعنى (على) نحو ﴿يخرون للأذقان سجدا﴾ أي عليها. (و) بمعنى (في) نحو) ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾ أي فيه. (و) بمعنى (عند) نحو؛ ﴿يا ليتني قدّمت لحياتي﴾ أي عندها (و) بمعنى (بعد) نحو ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ أي بعده. وجعل الزمخشري اللام في هذه الآية للتوقيت، فتكون بمعنى عند. (و) بمعنى (من) نحو سمعت له صراخا أي منه. (و) بمعنى (عن) نحو ﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا﴾ أي عنهم ﴿لو كان﴾ أي الإيمان ﴿خيرا ما سبقونا إليه﴾ ولو كانت اللام في هذه الآية للتبليغ لقيل ما سبقتمونا. وخرج بالجارة الجازمة نحو ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾ وغير العاملة كلام الابتداء نحو ﴿لأنتم أشدّ رهبة﴾ . واعلم أنّ دلالة حرف على معنى حرف آخر مذهب الكوفيين، أما البصريون فذلك عندهم على تضمين الفعل المتعلق به ذلك الحرف ما يصح معه معنى ذلك الحرف على الحقيقة، لأن التصرف عندهم في الفعل أسهل منه في الحرف. (و) العشرون (لولا) ومثلها لو ما. (حرف معناه في) دخوله على (الجملة الاسمية امتناع جوابه لوجود شرطه) نحو لولا زيد، أي موجود لأهنتك امتنعت الإهانة لوجود زيد، فزيد الشرط وهو مبتدأ محذوف الخبر لزوما. (وفي) دخوله على الجملة (المضارعية التحضيض) أي الطلب بحثّ نحو ﴿لولا تستغفرون الله﴾ أي استغفروه ولا بد. (والعرض) من زيادتي وهو طلب بلين نحو ﴿لولا أخرتني﴾ أي تؤخرني ﴿إلى أجل قريب﴾ (و) في دخوله على الجملة (الماضية التوبيخ) نحو ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء﴾ وبخهم الله على عدم المجيء بالشهداء بما قالوه من الإفك، وهو في الحقيقة

стр. 50

محل التوبيخ. (ولا ترد للنفي ولا للاستفهام في الأصح) وقيل ترد للنفي كآية ﴿فلولا كانت قرية آمنت﴾ أي فما آمنت قرية أي أهلها عند مجيء العذاب فنفعها إيمانها إلا قوم يونس، وردّ بأنها في الآية للتوبيخ على ترك الإيمان قبل مجيء العذاب، وكأنه قيل فلولا آمنت قرية قبل فنفعها إيمانها والاستثناء حينئذ منقطع، وقيل ترد للاستفهام كقوله تعالى ﴿لولا أنزل عليه ملك﴾ وردّ بأنها فيه للتحضيض أي هلا أنزل بمعنى ينزل، وقولي ولا للاستفهام من زيادتي. (و) الحادي والعشرون (لو شرط) أي حرفه (للماضي كثيرا) نحو لو جاء زيد لأكرمته، وللمستقبل قليلاً نحو ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم﴾ أي إذ تركوا ونحو أحسن لزيد ولو أساء أي وإن أساء. (ثم قيل) في معناها على الأوّل (هي لمجرد الربط) للجواب بالشرط كان واستفادة ما يأتي من انتفائهما، أو انتفاء الشرط فقط من خارج، وقيل لامتناع تاليها واستلزامه ما يليه وهو ما صححه الأصل. (والأصح أنها) في الأصل (لانتفاء جوابها بانتفاء شرطها خارجا) أي في الخارج مثبتين أو منفيين أو مختلفين، فالأقسام أربعة، كلو جئتني أكرمتك، لو لم تجئني ما أكرمتك، لو جئتني ما أهنتك، لو لم تجئني أهنتك، فينتفي الإكرام مثلاً في الأوّل لانتفاء المجيء. (وقد ترد لعكسه) أي لانتفاء شرطها بانتفاء جوابها (علما) كان ونحوها نحو ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ فيعلم انتفاء تعدّد الآلهة بالعلم بانتفاء الفساد، وهذا عليه أرباب العقول أيضا، وهو من زيادتي، والمثال الواحد يصلح له وللأول، ويختلف بالقصد إن قصد به الدلالة على أنّ انتفاء الجواب في الخارج بانتفاء الشرط كان من الأوّل أو الاستدل على العلم بانتفاء الشرط بالعلم بانتفاء الجواب كان من الثاني، وفي الأول يستثنى نقيض الشرط، وفي الثاني نقيض الجواب لينتج المراد، ففي المثال إن قصد الأوّل قيل لكن لا إله فيهما غيره فلم تفسد، أو الثاني قيل

стр. 51

لكنهما لم تفسدا فليس فيهما إله غيره. (و) ترد (لا ثبات جوابها) بقسميه مع انتفاء شرطها بقسميه (إن ناسب انتفاء شرطها) إما (بالأولى كلو لم يخف لم يعص) المأخوذ مما روي عن النبي ﷺ ، أو عن عمر ﵁ «نِعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» . رتب عدم العصيان على عدم الخوف وهو بالخوف المفاد بلو أنسب، فيترتب عليه أيضا في قصده، والمعنى أنه لا يعصي الله أصلاً لا مع الخوف وهو ظاهر، ولا مع انتفائه إجلالاً له تعالى عن أن يعصيه وقد اجتمع فيه الخوف والإجلال ﵁. (أو المساوي كلو لم تكن ربيبة ما حلت للرضاع) المأخوذ من قوله ﷺ في درة بضم المهملة بنت أم سلمة أي هند لما بلغه تحدث النساء أنه يريد أن ينكحها بناء على تجويزهنّ أن ذلك من خصائصه، إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، رواه الشيخان، رتب عدم حلها على عدم كونها ربيبته المبين بكونها ابنة أخي الرضاع المناسب هو له شرعا كمناسبته للأول، سواء لمساواة حرمة المصاهرة لحرمة الرضاع، والمعنى أنها لا تحل لي أصلاً لأن بها وصفين لو انفرد كل منهما حرمت به كونها ربيبته، ووها ابنة أخي الرضاع، وقوله في حجري على وفق الآية. وتقدم الكلام فيه. (أو الأدون كـ) ـقولك فيمن عرض عليك نكاحها (لو انتفت أخوة الرضاع) بيني وبينها (ما حلت) لي (للنسب) بيني وبينها بالأخوة رتب عدم حلها على عدم أخوتها من الرضاع المبين بأخوّتها من النسب المناسب هو لها شرعا، فيترتب أيضا في قصده على أخوتها من الرضاع المفادة بلو المناسب هو لها شرعا، لكن دون مناسبته للأول لأن حرمة الرضاع أدون من حرمة النسب، والمعنى أنها لا تحلّ لي أصلاً لأن بها وصفين لو انفرد كل منهما حرمت به أخوّتها من النسب وأخوتها من الرضاع، وقد تجردت لو فيما ذكر من الأمثلة عن الزمان على خلاف الأصل فيها، أما أمثلة بقية أقسام هذا القسم في الشق الأول منه فنحو لو أهنت زيدا لأثنى عليك فيثني مع عدم الإهانة بالأولى، لو ترك العبد سؤال ربه لأعطاه فيعطيه مع السؤال بالأولى ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام﴾ إلى قوله ﴿ما نفدت كلمات الله﴾ أي فلا تنفد مع انتفاء ما ذكر بالأولى، وقد استشكل قوله تعالى﴾ ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم﴾ الآية. بأن الاستدلال به على هيئة قياس اقتراني وهو لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا ينتج لو علم الله فيهم خيرا لتولوا، وهذا محال لأن الذي يحصل منهم بتقدير أن يعلم الله فيهم خيرا هو الانقياد لا التولي. وأجيب بجوابين أحدهما أن الوسط مختلف تقديره لأسمعهم إسماعا نافعا، ولو أسمعهم إسماعا غير نافع لتولوا، وفيه نظر لاستلزامه انتفاء الاسماع عنهم مطلقا، لأن الجملة الأولى أفادت انتفاء الاسماع النافع، والثانية انتفاء غير النافع واللازم باطل لثبوت إسماعهم في الجملة قطعا وإلا فلا تكليف. ثانيهما ليس المراد من الآية الاستدلال بل بيان السببية على الأصل في «لو» أي أن سبب انتفاء إسماعهم خيرا هو انتفاء العلم بالخير فيهم، وحينئذ فالكلام قد تمّ عند قوله لأسمعهم، ويكون قوله ولو أسمعهم كلاما مستأنفا أي أن التولي لازم بتقدير الاسماع، فكيف بتقدير عدمه فهو من قبيل لو لم يخف الله لم يعصه. فإن قلت التولي هو الإعراض عن الشيء فكيف يتصوّر وجوده منهم عند عدم إسماعهم الشيء؟ قلت بل أسمعهم الشيء وإلا

стр. 52

فلا تكليف، والنفي إنما هو إسماعهم الشيء للتفهيم، وقد ذكرت في الحاشية ما يؤخذ منه سبب عدولي عن تصحيح ما صححه الأصل مضمنا به قول الجمهور إلى تصحيحي لما قالوه من أن فيما صنعته بيان الأكثر والأقل في استعمال لو. (و) ترد (للتمني وللتحضيض وللعرض) فينصب المضارع بعد فاء جوابها لذلك بأن مضمرة نحو لو تأتيني فتحدّثني لو تأمر فتطاع لو تنزل عندي فتصيب خيرا. ومن الأول ﴿فلو أنّ لنا كرّة فنكون من المؤمنين﴾ أي ليت لنا والثلاثة للطلب لكنه في الأول لما لا طمع في وقوعه، وفي الثاني بحثّ، وفي الثالث بلين كما مرّ. (وللتعليل نحو) خبر النسائي وغيره «ردُّوا السائل» أي بالإعطاء. ( «ولو بظلف محرق» ) أي تصدّقوا بما تيسر من كثير أو قليل ولو بلغ في القلة إلى الظلف مثلاً، فإنه خير من العدم وهو بكسر المعجمة للبقر والغنم كالحافر للفرس والخف للجمل، وقيد بالإحراق أي الشيّ كما هو عادتهم فيه لأن النبيء قد لا يؤخذ وقد يرميه آخذه فلا ينتفع به بخلاف المشوي. قال الزركشي والحق أن التقليل مستفاد مما بعدها لا منها. قلت بل الحق أنه كغيره مما ذكر مستفاد منها بواسطة ما بعدها. (و) ترد (مصدرية) نحو ﴿يودُّ أحدهم لو يعمر﴾ وهذا من زيادتي) . (و) الثاني والعشرون (لن حرف نفي ونصب واستقبال) للمضارع. (والأصح أنها لا تفيد) مع ذلك (توكيد النفي ولا تأييده) لقوله تعالى لموسى ﵊ ﴿لن تراني﴾ ومعلوم أنه كغيره من المؤمنين يراه في الآخرة، وقيل يفيدهما كما في قوله تعالى ﴿لن يخلقوا ذبابا﴾ وقوله ﴿ولن يخلف الله وعده﴾ . وأجيب بأن استفادة ذلك في هذين ونحوهما من خارج كما في قوله ﴿ولن يتمنوه أبدا﴾ وكون أبدا فيه للتوكيد خلاف الظاهر ولا تأبيد قطعا فيما إذا قيد النفي نحو ﴿فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ و ﴿لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى﴾ (و) الأصح (أنها) ترد بواسطة الفعل بعدها (للدعاء) وفاقا لابن عصفور وغيره كقوله لن تزالوا كذلك ثم لا زلـ ـت لكم خالدا خلود الجبال وابن مالك وغيره نفوا ذلك وقالوا لا حجة في البيت لاحتمال أنه خبر، وفيه بعد لأن السياق ينافيه. (و) الثالث والعشرون (ما ترد اسما) إما (موصولة) نحو ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق﴾ أي الذي (أو نكرة موصوفة) نحو مررت بما معجب لك أي بشيء. (وتامة تعجبية) نحو ما أحسن زيدا فما نكرة تعجبية. مبتدأ وما بعدها خبره وسوّغ الابتداء بها التعجب. (وتمييزية) وهي اللاحقة لنعم وبئس نحو ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾ فما نكرة منصوبة على التمييز أي نعم شيئا هي أي إبداؤها. (ومبالغية) بفتح اللام وهي للمبالغة في الإخبار عن أحد بإكثار فعل كالكتابة نحو إن زيدا مما

стр. 53

أن يكتب أي إنه من أمر كتابة أي مخلوق من أمر هو الكتابة فما نكرة بمعنى شيء للمبالغة، وأن وصلتها في موضع جر بدلاً من ما فجعل لكثرة كتابته كأنه خلق منها كما في قوله ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ (واستفهامية) نحو ﴿فما خطبكم﴾ أي شأنكم. (وشرطية زمانية) نحو ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم. (وغير زمانية) نحو ﴿وما تفعلوا من خير يعلمه الله﴾ وقولي وتمييزية ومبالغية من زيادتي تبعا للأكثر، وقولي تامة أولى من قوله للتعجب لإفادته أن الموصوفة ناقصة، وأن التعجبية والمعطوفات عليها تامة، وإنما صرحوا به في التعجبية وتاليتها فقط لظهور تمامها لتجردها عن معنى الحرف. (و) ترد (حرفا مصدرية لذلك) أي زمانية نحو ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ أي مدة استطاعتكم وغير زمانية نحو ﴿فذوقوا بما نسيتم﴾ أي بنسيانكم. (ونافية) عاملة نحو ما هذا بشرا وغير عاملة نحو ﴿وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله﴾ (وزائدة كافة) عن عمل الرفع نحو قلما يدوم الوصال أو الرفع والنصب نحو إنما الله إله واحد، والجرّ نحو ربما دام الوصل. (وغير كافة) عوضا نحو افعل هذا. إما لا أي إن كنت لا تفعل غيره فما عوض عن كنت أدغم فيها النون للتقارب وحذف المنفي للعلم به وغير عوض للتأكيد نحو ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ وأصله فبرحمة. (و) الرابع والعشرون (من) بكسر الميم (لابتداء الغاية) بمعنى المسافة من مكان نحو من المسجد الحرام، وزمان نحو من أول يوم وغيرهما. نحو ﴿إنه من سليمان﴾ (غالبا) أي ورودها لهذا المعنى أكثر منه لغيره. (ولانتهائها) أي الغاية نحو قربت منه أي إليه. (وللتبعيض) نحو ﴿حتى تنفقوا مما تحبون﴾ أي بعضه. (وللتبيين) بأن يصح حمل مدخولها على المبهم قبلها نحو ﴿ما ننسخ من آية﴾ ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ كأن يقال في الأول ما ننسخه آية. وفي الثاني الرجس الأوثان. (وللتعليل) نحو ﴿يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق﴾ أي لأجلها والصاعقة الصيحة التي يموت من يسمعها أو يغشى عليه. (وللبدل) نحو ﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة﴾ أي بدلها. (ولتنصيص العموم) وهي الداخلة على نكرة لا تختص بالنفي نحو ما في الدار من رجل، فهو بدون من ظاهر في العموم محتمل لنفي الواحد فقط وبها يتعين النفي للجنس. (ولتوكيده) أي تنصيص العموم وهي الداخلة على نكرة تختص بالنفي نحو ما في الدار من أحد، وهذا من زيادتي. (وللفصل) بالمهملة أي للتمييز بأن تدخل على ثاني المتضادّين نحو ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾ ﴿حتى يميز الخبيث من الطيب﴾ ولابن هشام فيه نظر ذكرته في الحاشية مع جوابه. (وبمعنى الباء) نحو ﴿ينظرون من طرف خفي﴾ أي به (و) بمعنى (عن) نحو ﴿قد كنا في غفلة من هذا﴾ أي عنه. (و) بمعنى (في) نحو ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ أي فيه ونحو ﴿أروني ماذا خلقوا من الأرض﴾ أي فيها (و) بمعنى (عند) نحو ﴿لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا﴾ أي عنده (و) بمعنى (على) نحو ونصرناه من القوم﴾ أي عليهم وقيل ضمن نصرناه معنى منعناه. (و) الخامس والعشرون من بفتح الميم إما (موصولة) نحو ﴿ولله يسجد من في السموات والأرض﴾ (أو نكرة موصوفة) كمررت بمن معجب لك أي بإنسان (وتامة

стр. 54

شرطية) نحو ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ (واستفهامية) نحو ﴿فمن ربكما يا موسى﴾ (وتمييزية) كقول الشاعر ونعم من هو في سرّ وإعلان† ففاعل نعم مستتر ومن تمييز بمعنى رجلاً. وقوله هو مخصوص بالمدح وهو راجع إلى بشر بن مروان في البيت قبله، وفي سر متعلق بنعم، وهذا مذهب أبي علي الفارسي وأما غيره فنفى ذلك وقال من موصولة فاعل. نعم، وقوله هو راجع إليها مبتدأ خبره هو محذوف راجع إلى بشر يتعلق به في سر لتضمنه معنى الفعل كما سيظهر، والجملة صلة من والمخصوص بالمدح محذوف أي هو وهو راجع إلى بشر أيضا، والتقدير نعم الذي هو المشهور في السر والعلانية بشر، وفيه تكلف وتعبيري بما ذكر في الأقسام المذكورة أولى مما عبر به لإفادته أن الشرطية والاستفهامية نكرتان تامتان. (و) السادس والعشرون (هل لطلب التصديق كثيرا) إيجابا أو سلبا خلافا للأصل في تقييده تبعا لابن هشام بالإيجاب سرى إليهما ذلك من أن هل لا تدخل على منفيّ فيقال في جواب هل قام زيد مثلاً؟ نعم أو لا، وإن لم تدخل على منفي أذ لا يقال هل لم يقم زيد. (و) لطلب (التصوّر قليلاً) خلافا للأصل في منع مجيئها له بخلاف الهمزة تأتي لكل منهما كثيرا، وتدخل على المنفي فتخرج عن الاستفهام إلى التقرير وهو حمل المخاطب على الإقرار بما بعد النفي نحو ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ فيجاب ببلى، وقد تبقى على الاستفهام كقولك لمن قال لم أفعل كذا ألم تفعله؟ أي أحق انتفاء فعلك له. فيجاب بنعم أو لا. ومنه قوله ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد إذاً ألاقي الذي لاقاه أمثالي فيجاب بمعين منهما. (و) السابع والعشرون (الواو) بقيد زدته بقولي (العاطفة لمطلق الجمع) بين المعطوفين في الحكم (في الأصح) لأنها تستعمل في الجمع بمعية وبغيرها نحو جاء زيد وعمرو إذا جاء معه أو بعده أو قبله، فتكون حقيقة في القدر المشترك بين الثلاثة وهو مطلق الجمع حذرا من الاشتراك والمجاز واستعمالها في كل منها من حيث إنه جمع استعمال حقيقي، وقيل هي للترتيب لكثرة استعمالها فيه فهي في غيره مجاز، وقيل للمعية لأنها للجمع والأصل فيه المعية، فهي في غيرها مجاز وخرج بالعاطفة غيرها كواوي القسم والحال، وقد بينت في الحاشية وغيرها أنه لا فرق هنا بين

стр. 55

مطلق الجمع والجمع المطلق، خلافا لمن زعم خلافه أخذا من الفرق بين مطلق الماء والماء غافلاً عن اختلاف اصطلاحي الفقيه واللغوي. الأمر أي هذا مبحثه (أم ر) أي اللفظ المنتظم من هذه الأحرف المسماة بألف ميم راء وتقرأ بصيغة الماضي مفككا (حقيقة في القول المخصوص) أي الدالّ بوضعه على اقتضاء فعل إلى آخر ما يأتي نحو ﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾ أي قل لهم صلوا. (مجاز في الفعل في الأصح) نحو ﴿وشاورهم في الأمر﴾ أي الفعل الذي تعزم عليه لتبادر القول دون الفعل من لفظ الأمر إلى الذهن، وقيل هو للقدر المشترك بينهما وهو مفهوم أحدهما حذرا من الاشتراك والمجاز، وقيل هو مشترك بينهما لاستعماله فيهما، وقيل مشترك بينهما وبين الشأن والصفة والشيء لاستعماله فيها أيضا نحو إنما أمرنا لشيء أي شأننا لأمر ما يسوّد من يسوّد أي لصفة من صفات الكمال لأمر ما جدع قصير أنفه أي لشيء، والأصل في الاستعمال الحقيقة. وأجيب بأنه فيها مجاز لأنه خير من الاشتراك كما مرّ، وإنما عبرت كغيري بالفعل القاصر عن تناولها لأنه المقابل للقول من حيث إنهما قسمان للمقصود، وهو الدال على الحكم والأمر لفظي ونفسي وهو الأصل، فاللفظي عرف من قولي حقيقة في كذا. (والنفسي اقتضاء) أي طلب (فعل غير كف مدلول عليه) أي الكفّ (بغير نحو كفّ) فدخل فيه الطلب الجازم وغيره لما ليس بكف، ولما هو كف مدلول عليه بكف أو نحوها. كاترك وذر ودع المفادة بزيادتي نحو وخرج منه الإباحة والمدلول عليه بغير ذلك أي لا تفعل فليس كل منهما بأمر وسمي مدلول كفّ أمرا لا نهيا موافقة للدال في اسمه، ويحدّ النفسي أيضا بالقول المقتضى لفعل إلى آخره، والقول مشترك بين اللفظي والنفسي أيضا. (ولا يعتبر في الأمر) بقسميه حتى يعتبر في حدّه أيضا. (علوّ) بأن يكون الطالب عالي الرتبة على المطلوب منه. (ولا استعلاء) بأن يكون الطلب بعظمة لإطلاق الأمر بدونهما. قال تعالى حكاية عن فرعون ﴿فماذا تأمرون﴾ (ولا إرادة الطلب) باللفظ لإطلاق الأمر بدونها. (في الأصح) وقيل يعتبر الأوّلان وإطلاق الأمر بدونهما مجازي، وقيل يعتبر العلوّ دون الاستعلاء، وقيل عكسه، وقيل يعتبر العلوّ وإرادة الطلب باللفظ فإذا لم يرده به لم يكن أمرا لأنه يستعمل في غير الطلب كالتهديد ولا مميز غير الإرادة. قلنا استعماله في غير الطلب مجازي بخلاف الطلب، فلا حاجة إلى اعتبار إرادته، ولأن الأمر لو كان هو الإرادة لوقعت المأمورات واللازم باطل. (والطلب بديهي) أي متصوّر بمجرد التفات النفس إليه بلا نظر، إذ كل عاقل يفرق بالبديهة بينه وبين غيره كالإخبار وما ذاك إلا لبداهته فاندفع ما قيل إن تعريف الأمر بما يشتمل عليه تعريف بالأخفى بناء على أنه نظري. (و) الأمر

стр. 56

(النفسي) المعرف باقتضاء فعل إلى آخره (غير الإرادة) لذلك الفعل. (عندنا) فإنه تعالى أمر من علم أنه لا يؤمن كأبي لهب بالإيمان ولم يرده منه لامتناعه والممتنع غير مراد، أما عند المعتزلة فهو عينها لأنهم لما أنكروا الكلام النفسي ولم يمكنهم إنكار الاقتضاء المعرف به الأمر قالوا إنه الإرادة. (مسألة الأصح) على القول بإثبات الكلام النفسي. (أن صيغة أفعل) . والمراد بها كل ما يدل ولو بواسطة على الأمر من صيغه المحتملة لغير الوجوب، كاضرب وصلّ وصه ولينفق. (مختصة بالأمر النفسي) بأن تدل عليه وضعا دون غيره، وقيل لا فلا تدل عليه إلا بقرينة كصل لزوما، وعليه فقيل هو للوقف بمعنى عدم الدراية بما وضعت له حقيقة مما وردت له من أمر وتهديد وغيرهما، وقيل للاشتراك بين المعاني الآتية المشتركة، أما صحة التعبير عن الأمر بما يدل عليه فلا يختص بها صيغة فعل قطعا، بل تأتي في غيرها كألزمتك وأوجبت عليك، أما المنكرون للنفسي فلا حقيقة للأمر وسائر أقسام الكلام عندهم إلا العبارات. (وترد) صيغة افعل بالمعنى السابق لستة وعشرين معنى على ما في الأصل، وإلا فقد أوصلها بعضهم لنيف وثلاثين وليميز بعضها عن بعض بالقرائن. (للوجوب) نحو أقيموا الصلاة (وللندب) نحو ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ (وللإباحة) نحو ﴿كلوا من طيبات﴾ أي مما يستلذ من المباحات (وللتهديد) نحو ﴿اعملوا ما شئتم﴾ قيل ويصدق مع التحريم والكراهة. (وللإرشاد) نحو ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ والمصلحة فيه دنيوية بخلافها في الندب (ولإرادة الامتثال) كقولك لغير رقيقك عند العطش اسقني ماء. (وللإذن) كقولك لمن طرق الباب ادخل وبعضهم أدرج هذا في الإباحة. (وللتأديب) كقولك لغير مكلف كل مما يليك وبعضهم أدرج هذا في الندب، والأوّل فرق بأن الأدب متعلق بمحاسن الأخلاق وإصلاح العادات والندب بثواب الآخرة أما أكل المكلف مما يليه فمندوب، ومما يلي غيره مكروه حيث لا إيذاء وإلا فحرام (وللإنذار) نحو ﴿قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار﴾ ويفارق التهديد بوجوب اقترانه بالوعيد كما في الآية، وبأن التهديد التخويف والإنذار إبلاغ المخوف منه. (وللامتنان) نحو؛ ﴿كلوا مما رزقكم الله﴾ ويفارق الإباحة باقترانه بذكر ما يحتاج إليه (وللإكرام) نحو ﴿ادخلوها بسلام آمنين﴾ (وللتسخير) أي التذليل والامتهان نحو ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ (وللتكوين) أي الإيجاد عن العدم بسرعة نحو ﴿كن فيكون﴾ (وللتعجيز) أي إظهار العجز نحو ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ (وللإهانة) ويعبر عنها بالتهكم نحو ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ (وللتسوية) بين الفعل والترك نحو ﴿فاصبروا أو لا تصبروا﴾ وللدعاء) نحو ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا﴾ (وللتمني) كقولك لآخركن فلانا. (وللاحتقار) نحو ﴿ألقوا ما أنتم ملقون﴾ إذ ما يلقونه من السحر وإن عظم محتقر بالنظر إلى معجزة موسى ﵊، وفرق بينه وبين الإهانة بأن محله القلب ومحلها الظاهر. (وللخبر) كخبر «إذا لَم تَستحِ فاصْنَعْ ما شئتَ» أي صنعت (وللإنعام) بمعنى تذكر النعمة نحو ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ (وللتفويض) وهو ردّ الأمر إلى غيرك ويسمى التحكيم والتسليم نحو ﴿فاقض ما أنت قاض﴾ (وللتعجب) نحو؛ ﴿انظر كيف ضربوا لك الأمثال﴾ وتعبيري به أنسب بسابقه ولاحقه من تعبيره بالتعجب (وللتكذيب) . نحو ﴿قل فأتوا بالتوراة قاتلوها إن كنتم صادقين﴾ (وللمشورة) نحو ﴿فانظر ماذا ترى﴾ (وللاعتبار) نحو ﴿انظروا إلى ثمره إذا أثمر﴾ (والأصح أنها) أي صيغة افعل بالمعنى السابق. (حقيقة في الوجوب) فقط كما عليه الشافعي والجمهور، لأن الأئمة كانوا يستدلون بها مجردة عن القرائن على الوجوب، وقد شاع من غير إنكار في الندب فقط لأنه المتيقن من قسمي الطلب، وقيل حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب وهو الطلب حذرا من الاشتراك والمجاز، وقيل مشتركة بينهما، وقيل بالوقف، وقيل مشتركة

стр. 57

فيهما، وفي الإباحة، وقيل في الثلاثة والتهديد، وقيل أمر الله للوجوب وأمر نبيه المبتدأ منه للندب بخلاف الموافق لأمر الله أو المبين له فللوجوب أيضا، وقيل مشتركة بين الخمسة الأول الوجوب والندب والإباحة والتهديد والإرشاد، وقيل بين الأحكام الخمسة الثلاثة الأول والتحريم والكراهة، وعلى الأصح هي حقيقة في الوجوب (لغة على الأصح) وهو المنقول عن الشافعي وغيره، لأن أهل اللغة يحكمون باستحقاق مخالف أمر سيده مثلاً بها للعقاب، وقيل شرعا لأنها لغة لمجرد الطلب وجزمه المحقق للوجوب بأن ترتب العقاب على الترك إنما يستفاد من أمره أو أمر من أوجب طاعته، وقيل عقلاً لأن ما يفيد الأمر لغة من الطلب يتعين أن يكون الوجوب لأن حمله على الندب يصير المعنى افعل إن شئت، وليس هذا القدر مذكورا، وقوبل بمثله في الحمل على الوجوب فإنه يصير المعنى افعل من غير تجويز ترك، وقيل في الطلب الجازم لغة وفي التوعد على الترك شرعا فالوجوب مركب مهما، وهذا ما اختاره الأصل، وقيل لإسقاط الحظر ورجوع الأمر إلى ما كان قبله من وجوب أو غيره (و) الأصح (أنه يجب اعتقاد الوجوب) في المطلوب (بها قبل البحث) عما يصرفها عنه إن كان كما يجب على الأصح اعتقاد عموم العام حتى يتمسك به قبل البحث عن المخصص، كما سيأتي، وقيل لا يجب كما في تلك. (و) الأصح (أنها إن وردت بعد حظر) لمتعلقها نحو ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ (أو) بعد (استئذان) فيه كأن يقال لمن قال أفعل لك كذا افعل. (فللإباحة) الشرعية حقيقة لتبادرها إلى الذهن في ذلك لغلبة استعمالها فيها حينئذ، وقيل للوجوب كما في غير ذلك نحو ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾ وقيل بالوقف فلا نحكم بشيء منها. (و) الأصح (أن صيغة النهي) أي لا تفعل الواردة. (بعد وجوب للتحريم) كما في غير ذلك ومن القائل به بعض القائل بأن الأمر بعد الحظر للإباحة، وفرق بأن مقتضى النهي وهو الترك موافق للأصل، وبأن النهي لدفع المفسدة والأمر لتحصيل المصلحة واعتناء الشارع بالأول أشدّ، وقيل للكراهة على قياس أن الأمر للإباحة، وقيل للإباحة نظرا إلى أن النهي عن الشيء بعد وجوبه يرفع طلبه فيثبت التخيير فيه، وقيل لإسقاط الوجوب ويرجع الأمر إلى ما كان قبله من تحريم أو إباحة، وقيل بالوقف، وتعبيري بصيغة افعل وبصيغة النهي أولى من تعبيره بالأمر والنهي ليوافق القول بالإباحة، إذ لا أمر ولا نهي فيها إلا على قول الكعبي، وظاهر أن صيغة النهي بعد الاستئذان كهي بعد الوجوب. ا. (مسألة الأصح أنها) أي صيغة افعل (لطلب الماهية) لا لتكرار ولا مرة ولا لفور ولا تراخ فهي للقدر المشترك بينها حذرا من الاشتراك المجاز. (والمرة ضرورية) إذ لا توجد الماهية بأقل منها فيحمل عليها، وقيل المرة لأنها المتيقن وتحمل على التكرار على القولين بقرينة وقيل للتكرار مطلقا لأنه الغالب، وتحمل على المرة بقرينة، وقيل للتكرار إن علقت بشرط أو صفة بحسب تكرار المعلق به نحو ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ ﴿والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ وإن لم تعلق بذلك فللمرة، وقيل بالوقف عن المرة والتكرار بمعنى أنها مشتركة بينهما أو لأحدهما ولا نعرفه قولان. فلا تحمل على أحد منهما إلا بقرينة، وقيل إنها للفور أي للمبادرة بالفعل عقب ورودها لأنه أحوط، وقيل للتراخي أي التأخير لأنه يسدّ عن الفور بخلاف العكس، وقيل مشتركة بينهما لأنها مستعملة فيهما، والأصل في الاستعمال الحقيقة، وقيل للفور أو العزم في الحال على الفعل بعد، وقيل بالوقف عن الفور والتراخي بمعنى أنها لأحدهما ولا نعرفه. (و) الأصح (أن المبادر) بالفعل (ممتثل) لحصول الغرض، وقيل لا بناء على أن الأمر للتراخي وجوبا. (مسألة الأصح أن الأمر) بشيء مؤقت (لا يستلزم القضاء) له إذا لم

стр. 58

يفعل في وقته، (بل) إنما (يجب بأمر جديد) كالأمر في خبر الصحيحين «من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها» . والقصد من الأمر الأول الفعل في الوقت، وقيل يستلزمه لإشعار الأمر بطلب استدراكه لأن القصد منه الفعل. (و) الأصح (أن الإتيان بالمأمور به) على الوجه الذي أمر به. (يستلزم الاجزاء) للمأتي به، بناء على أن الاجزاء الكفاية في سقوط الطلب، وهو الأصح كما مر، ولأنه لو لم يستلزمه لكان الأمر بعد الامتثال مقتضيا إما للمأتي به، فيلزم تحصيل الحاصل أو بغيره فيلزم عدم الإتيان بتمام المأمور بل ببعضه، والفرض خلافه، وقيل لا يستلزمه بناء على أنه إسقاط القضاء لجواز أن لا يسقط المأتي به القضاء بأن يحتاج إلى الفعل ثانيا كما في صلاة من ظنّ طهره ثم تبين له حدثه. (و) الأصح (أن الأمر) للمخاطب (بالأمر) لغيره (بشيء) نحو ﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾ (ليس أمرا) لذلك الغير (به) أي بالشيء وقيل هو أمر به، وإلا فلا فائدة فيه لغير المخاطب وقد تقوم قرينة على أن غير المخاطب مأمور بذلك الشيء كما في خبر الصحيحين «أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر ﵁ للنبي ﷺ فقال مُرْه فَلْيُرَاجِعْها» . (و) الأصح أن الآمر) بالمد بلفظ يصلح له) هو أولى من قوله يتناوله نحو «مَنْ قامَ فَلْيَتَوَضَّأَ» . (غير داخل فيه) أي في ذلك اللفظ لبعد أن يريد الآمر نفسه، وهذا ما صححه في بحث العام عكس مقابله وهو ما صححه هنا، والأوّل هو المشهور وممن صححه الإمام الرازي والآمدي. وفي الروضة لو قال نساء المسلمين طوالق لم تطلق زوجته على الأصح، لأن الأصح عند أصحابنا في الأصول أنه لا يدخل في خطابه، وخرج بالآمر ومثله الناهي المخبر فيدخل في خطابه على الأصح كما صرح به في بحث العام، إذ لا يبعد أن يريد المخبر نفسه نحو ﴿والله بكل شيء عليم﴾ وهو تعالى عليم بذاته وصفاته، فعلم أن في مجموع المسألتين ثلاثة أقوال، ومحلها إذا لم تقم قرينة على دخوله أو عدم دخوله فإن قامت عمل بمقتضاها قطعا. (ويجوز عندنا عقلاً النيابة في العبادة البدنية) إذ لا مانع ومنعه المعتزلة لأن الأمر بها إنما هو لقهر النفس وكسرها بفعلها والنيابة تنافي ذلك. قلنا لا تنافيه لما فيها من بذل المؤنة أو تحمل المنة، وخرج بزيادتي عقلاً الجواز الشرعي فلا تجوز شرعا النيابة في البدنية إلا في الحج والعمرة، وفي الصوم بعد الموت وبالبدنية المالية كالزكاة فلا خلاف في جواز النيابة فيها، وإن اقتضى كلام الأصل أن فيها خلافا، وتعبيري بما ذكر أولى من تعبيره بأن الأصح أن النيابة تدخل المأمور إلا لمانع لاقتضائه أن في العبادة المالية خلافا وليس كذلك، مع أن قوله إلا لمانع إنما يناسب الفقيه لا الأصولي لأن كلامه في الجواز العقلي لا الشرعي. (مسألة المختار) تبعا لإمام الحرمين والغزالي والنووي في روضته في كتاب الطلاق وغيرهم (أن الأمر النفسي بـ) ـشيء (معين) إيجابا أو ندبا (ليس نهيا عن ضده ولا يستلزمه) لجواز أن لا يخطر الضد بالبال حال الأمر تحريما كان النهي أو كراهة، واحدا كان الضد كضد السكون أي التحرك أو أكثر كضد القيام أي القعود وغيره، وقيل نهي عن ضده، وقيل يستلزمه فالأمر بالسكون مثلاً أي طلبه ليس نهيا عن التحرّك أي طلب الكف عنه ولا مستلزما له على الأول ومستلزما له على الثالث، وعينه على الثاني بمعنى أن الطلب واحد هو بالنسبة إلى السكون أمر وإلى التحرّك نهي، واحتج لهذين القولين بأنه لما لم يتحقق المأمور به بدون الكف عن ضده كان طلبه طلبا للكف أو مستلزما له. وأجيب بمنع الملازمة لجواز أن لا يخطر الضد بالبال حال الأمر كما مر، فلا يكون مطلوب الكف به، وقيل القولان في الوجوب دون أمر الندب، لأن الضد فيه لا يخرج به عن أصله من الجواز بخلافه في أمر الوجوب لاقتضائه الذم على الترك وخرج بالنفسي الأمر اللفظي فليس عين النهي اللفظي قطعا ولا يستلزمه في الأصح وبالمعين المبهم من أشياء فليس الأمر به بالنظر إلى ما صدقه نهيا عن ضدّه منها ولا مستلزما له قطعا.

стр. 59

(و) المختار (أن النهي) النفسي عن شيء معين تحريما أو كراهة (كالأمر) فيما ذكر فيه، فالنهي ليس أمرا بالضد ولا يستلزمه، وقيل عينه، وقيل يستلزمه، وقيل هذان القولان في نهي التحريم دون نهي الكراهة، والضد إن كان واحدا فواضح أو أكثر فالأمر بواحد منه، وقيل النهي أمر بضده قطعا بناء على أن المطلوب في النهي فعل الضد، وقيل لا قطعا بناء على أن المطلوب في النهي انتفاء الفعل، والترجيح في هذه والتي قبلها من زيادتي والنهي اللفظي يقاس بالأمر اللفظي. (مسألة الأمران إن لم يتعاقبا) بأن يتراخى ورود أحدهما عن الآخر بمتماثلين ولم يمنع من التكرار مانع أو بمتخالفين. (أو تعاقبا) لكن (بغير متماثلين) بعطف كأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، أو بدونه كاضرب زيدا أعطه درهما (فغيران) فيعمل بهما جزما. (وكذا) إن تعاقبا (بمتماثلين ولا مانع من التكرار) في متعلقهما من عادة أو غيرها فإنهما غيران (في الأصح) مع عطف كصلِّ ركعتين وصل ركعتين أو بدونه كصل ركعتين صل ركعتين لظهور العطف في التأسيس وأصالة التأسيس في غير العطف، وهذا ما نقله الأصل في شرح المختصر كالصفي الهندي عن الأكثرين، وقيل الثاني تأكيد فيهما لتماثل المتعلقين، وقيل بالوقف عن التأسيس والتأكيد في غير العطف لاحتمالهما، والترجيح من زيادتي في غير العطف، وما ذكرته من الخلاف مع العطف حكاه الأصل. قال الزركشي وفيه نظر فقد صرح الصفي الهندي وغيره بأنه لا خلاف في أنه للتأسيس، لأن الشيء لا يعطف على نفسه، ويجاب بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ. (فإن كان) ثمَّ (مانع) من التكرار (عادي وعارضه عطف) نحو صل ركعتين وصل الركعتين. (فالوقف) عن التأسيس والتأكيد لاحتمالهما، وظاهر أنه إن وجد مرجح عمل به. (وإلا) بأن كان ثمَّ مانع عقلي نحو اقتل زيدا اقتل زيدا، أو شرعي نحو أعتق عبدك أعتق عبدك، أو لم يعارضه عطف نحو اسقني ماء اسقني ماء، صل ركعتين صل ركعتين. (فالثاني تأكيد) . وإن كان بعطف في الأولين أما كونه تأكيدا في الأولين فظاهر، وأما في الأخيرتين فلأن العادة باندفاع الحاجة بمرة في أولها، وبالتعريف في ثانيهما ترجح التأكيد، وقولي وإلا أعم من قوله فإن رجح التأكيد بعادي قدم. (مسألة النهي) النفسي (اقتضاء كف عن فعل لا بنحو كف) كذر ودع المفادين كنحوهما بزيادتي نحو فدخل فيه الاقتضاء الجازم وغيره وخرج منه الإباحة، واقتضاء فعل غير كف أو كف بنحو كف فإنه أمر كما مر، ويحد أيضا بالقول المقتضي للكف المذكور كما يحد اللفظي بالقول الدال على الاقتضاء المذكور، ولا يعتبر في مسمى النهي علو ولا استعلاء على الأصح كالأمر (وقضيته الدوام) على الكف، لأن العلماء لم يزالوا يستدلون به على الترك مع اختلاف بالأوقات لا يخصونه بشيء منها. (ما لم يقيد بغيره في الأصح) فإن قيد به نحو لا تسافر اليوم كان الغير قضيته فيحمل عليه، وقيل قضيته الدوام مطلقا وتقييده بغير الدوام يصرفه عن قضيته، وقولي بغيره أولى من قوله بالمرة. (وترد صيغته) أي النهي وهي لا تفعل. (للتحريم) نحو ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ (وللكراهة) نحو ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ والخبيث فيه الرديء لا الحرام عكس ما في قوله تعالى ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ ﴿وللإرشاد) نحو ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ (وللدعاء) نحو ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا﴾ ﴿ولبيان العاقبة﴾ نحو ﴿ولا تحسين الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء﴾ أي عاقبة الجهاد الحياة لا الموت (وللتقليل) بأن يتعلق بالمنهى عنه نحو ﴿ولا تمدّنّ عينيك إلى ما متعنا به ﴿أي فهو قليل بخلاف ما عند الله. (وللاحتقار) بأن يتعلق بالمنهي نحو ﴿لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ ﴿ولليأس) نحو ﴿لا تعذروا اليوم﴾ وهذا تركه البرماوي من ألفيته، وذكره في شرحها مع زيادة ومثل له بالآية ثم قال وقد يقال إنه راجع للاحتقار أي لاتحاد آيتيهما. قلت

стр. 60

والأوجه الفرق إذ ذكر اليوم في الآية الثانية قرينة لليأس، وتركه في الأولى قرينة للاحتقار. (وفي الإرادة والتحريم ما) مرّ (في الأمر) من الخلاف، فقيل لا تدل الصيغة على الطلب إلا إذا أريد الطلب بها، والأصح أنها تدل عليه بلا إرادة وأنها حقيقة في التحريم لغة، وقيل شرعا، وقيل عقلاً، وقيل في الطلب الجازم لغة، وفي التوعد على الفعل شرعا وهو مقتضى ما اختاره الأصل في الأمر، وقيل حقيقة في الكراهة، وقيل فيها وفي التحريم، وقيل في أحدهما ولا نعرفه، وقيل غير ذلك. (وقد يكون) النهي (عن) شيء (واحد) وهو ظاهر. (و) عن (متعدد جمعا كالحرام المخير) نحو لا تفعل هذا أو ذاك، فعليه ترك أحدهما فقط فلا مخالفة إلا بفعلهما. فالمحرّم فعلهما لا فعل أحدهما فقط. (وفرقا كالنعلين تلبسان أو تنزعان ولا يفرّق بينهما) بلبس أو نزع إحداهما فقط، فإنه منهيّ عنه أخذا من خبر الصحيحين «لا يمشينّ أحدكم في نعل واحدة لينعلهما جميعا أو ليخلعهما جميعا» فهما منهي عنهما لبسا أو نزعا من جهة الفرق بينهما في ذلك لا الجمع فيه. (وجميعا كالزنا والسرقة) فكل منهما منهي عنه فبالنظر إليهما يصدق أن النهي عن متعدد، وإن صدق بالنظر إلى كل منهما أنه عن واحد. (والأصح أن مطلق النهي ولو تنزيها) مقتض (للفساد) في المنهي عنه بأن لا يعتدّ به (شرعا) إذ لا يفهم ذلك من غيره، وقيل لغة لفهم أهلها ذلك من مجرد اللفظ، وقيل عقلاً وهو أن الشيء إنما ينهى عنه إذا اشتمل على ما يقتضي فساده. (في المنهي عنه) من عبادة وغيرها كصلاة نفل مطلق في وقت مكروه وبيع بشرط. (إن رجع النهي) فيما ذكر (إليه) أي إلى عينه كالنهي عن صلاة الحائض أو صومها وكالنهي عن الزنا حفظا للنسب. (أو إلى جزئه) كالنهي عن بيع الملاقيح لانعدام المبيع وهو ركن في البيع. (أو) إلى (لازمه) كالنهي عن بيع درهم بدرهمين لاشتماله على الزيادة اللازمة بالشرط، وكالنهي عن الصلاة في الوقت المكروه لفساد الوقت اللازم لها بفعلها فيه بخلافها في المكان المكروه، لأنه ليس بلازم لها بفعلها فيه لجواز ارتفاع النهي عن الصلاة فيه مع بقائه بحاله كجعل الحمام مسجدا فبذلك افترقا وفرق البرماوي بأن الفعل في الزمان يذهبه، فالنهي منصرف لإذهابه في المنهي عنه، فهو وصف لازم، إذ لا يمكن وجود فعل إلا بذهاب زمان بخلاف الفعل في المكان، وتعبيري بما ذكر هو مراد الأصل بما عبر به كما بينته في الحاشية. (أو جهل مرجعه) من واحد مما ذكر، كما قاله ابن عبد السلام تغليبا لما يقتضي الفساد على ما لا يقتضيه كالنهي عن بيع الطعام حتى تجري فيه

стр. 61

الصيعان، وإنما اقتضى النهي الفساد لما مر أن المكروه مطلوب الترك والمأمور به مطلوب الفعل فيتنافيان واستدلال الأولين على فساد المنهي عنه بالنهي عنه، وقيل مطلق النهي للفساد في العبادات فقط وفساد غيرها إنما هو لأمر خارج عن النهي كترك ركن أو شرط عرف من خارج عنه، وخرج برجوع النهي إلى ما ذكر مع ما بعده النهي الراجع إلى أمر خارج عنه غير لازم، فلا يقتضي الفساد كالوضوء بمغصوب والبيع وقت نداء الجمعة لرجوع النهي في الأول لإتلاف حال الغير تعديا، وفي الثاني بتفويت الجمعة وذلك يحصل لغير الوضوء والبيع، كما أنهما يحصلان بدونه فالمنهي عنه في الحقيقة ذلك الخارج وكالصلاة في المكان المكروه أو المغصوب كما مرّ، وقيل مطلق النهي للفساد وإن كان الخارج، وقيل لا مطلقا ولقائله تفاريع لا حاجة بنا إلى ذكرها وخرج بمطلق النهي المقيد بما يدل للفساد أو لعدمه فيعمل به في ذلك اتفاقا. (أما نفي القبول) عن شيء كقوله تعالى ﴿فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا﴾ لن تقبل منهم نفقاتهم. (فقيل دليل الصحة) له لظهور النفي في عدم الثواب دون الاعتداد كما حمل عليه نحو خبر مسلم «من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوما» . (وقيل) دليل (الفساد) لظهور النفي في عدم الاعتداد، ولأن القبول والصحة متلازمان فإذا نفى أحدهما نفى الآخر. (ومثله) أي نفي القبول (نفي الإجزاء) في أنه دليل الصحة أو الفساد قولان. بناء للأول على أن الاجزاء إسقاط القضاء، فإن ما لا يسقطه قد يصح كصلاة فاقد الطهورين، وللثاني على أنه الكفاية في سقوط الطلب وهو الأصح. (وقيل) هو (أولى بالفساد) من نفي القبول لتبادر عدم الاعتداد منه إلى الذهن، وعلى الفساد في نفي القبول خبر الصحيحين «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضا» . وفي نفي الاجزاء خبر الدارقطني وغيره «لا تجزىء صلاة لا يقرأ الرجل فيها بأم القرآن» . العام بناء على الراجح الآتي أن العموم من عوارض الألفاظ. (لفظ) ولو مستعملاً في حقيقته أو حقيقته ومجازه أو مجازه. (يستغرق الصالح له) أي يتناوله دفعة خرج به ما ليس كذلك كالنكرة في الاثبات مفردة أو مثناة أو مجموعة أو اسم جمع كقوم أو اسم عدد لا من حيث الآحاد، فإنها تتناول ما يصلح لها بدلاً لا استغراقا نحو أكرم رجلاً وتصدق بخمسة دراهم. (بلا حصر) خرج به اسم العدد والنكرة المثناة من حيث الآحاد كعشرة ورجلين، فإنهما يستغرقانها بحصر ويصدق الحدّ على المشترك المستعمل في أفراد معنى واحد لأنه مع قرينة الواحد لا يصلح لغيره، فلا حاجة إلى زيادة بوضع واحد، بل هي مضرة لإخراجها المشترك المستعمل في حقيقة مثلاً. (والأصح دخول) الصورة (النادرة وغير المقصودة) من صور العام. (فيه) فيشملهما حكمه نظرا للعموم، وقيل لا نظرا للمقصود عادة في مثل ذلك والنادرة كالفيل في خبر أبي داود وغيره «لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل» . فإنه ذو خف والمسابقة عليه نادرة والأصح جوازها عليه وغير المقصودة، كما لو وكله بشراء عبيد فلان وفيهم من يعتق عليه ولم يعلم به

стр. 62

الأصح صحة شرائه أخذا من مسألة ما لو وكله بشراء عبد فاشترى من يعتق عليه، وفرق في منع الموانع بين النادرة وغير المقصودة بأن النادرة هي التي لا تخطر ببال المتكلم غالبا، وغير المقصودة قد تكون مما يخطر به. ولو غالبا، فبينهما عموم من وجه لأن النادرة قد تقصد وقد لا تقصد، وغير المقصودة قد تكون نادرة، وقد لا تكون ثم إن قامت قرينة على قصد النادرة دخلت قطعا أو على قصد انتفاء صورة لم تدخل قطعا. (و) الأصح (أنه) أي العام (قد يكون مجازا) بأن يستعمل في مجازه فيصدق على العام أنه قد يكون مجازا كما يصدق على المجاز أنه قد يكون عاما نحو جاءني الأسود الرماة إلا زيدا، وقيل لا يكون العام مجازا فلا يكون المجاز عاما لأن المجاز ثبت على خلاف الأصل للحاجة إليه، وهي تندفع في المستعمل في مجازه ببعض الأفراد، فلا يراد به جميعها إلا بقرينة كما في المثال السابق من الاستثناء. (و) الأصح (أنه) أي العموم (من عوارض الألفاظ فقط) أي دون المعاني، وقيل من عوارضهما معا. وصححه ابن الحاجب حقيقة فيكون موضوعا للقدر المشترك بينهما، وقييل مشتركا لفظيا فكما يصدق لفظ عام يصدق معنى عام حقيقة ذهنيا كان كمعنى الإنسان أو خارجيا كمعنى المطر والخصب لما يقال الإنسان يعم الرجل والمرأة، وعم المطر والخصب، فالعموم شمول أمر لمتعدد، وقيل بعروض العموم في المعنى الذهني حقيقة دون الخارجي لوجود الشمول لمتعدد فيه، بخلاف الخارجي والمطر والخصب مثلاً في محل غيرهما في آخر، فاستعمال العموم فيه مجازي وعلى الأول استعماله في الذهني مجازي أيضا. (ويقال) اصطلاحا (للمعنى أعم) وأخص (وللفظ عام) . وخاص تفرقة بين الدال والمدلول وخصّ المعنى بأفعل التفضيل لأنه أهم من اللفظ، وبعضهم يقول في المعنى عام كما علم مما مرّ وخاص فيقال لمعنى المشتركين عام وأعم، وللفظه عام ولمعنى زيد خاص وأخص وللفظه خاص. (تنبيهان أحدهما) الأخص يندرج في الأعم. وعبر بعضهم بالعكس وجمع بينهما بأن الأوّل في اللفظ، إذ الحيوان يصدق بالإنسان وغيره بخلاف العكس، والثاني في المعنى إذ الإنسان لا بد فيه من الحيوانية فصار الأعم مندرجا في الأخص بمعنى الاستلزام. ثانيهما ليس المراد بوصف اللفظ بالعموم وصفه به مجردا عن معناه، فإنه لا وجه له بل المراد وصفه به باعتبار معناه، فمعنى كونه عاما أنه يشترك في معناه كثيرون، لا أنه يكون مشتركا لفظيا فمدلوله معنى واحد مشترك بين الجزئيات. (ومدلوله) أي العام في التركيب من حيث الحكم عليه. (كلية أي محكوم فيه على كل فرد) فرد (مطابقة إثباتا) خبرا أو أمرا (أو سلبا) نفيا أو نهيا نحو جاء عبيدي وما خالفوا فأكرمهم ولا تهنهم، لأنه في قوّة قضايا بعدد أفراده أي جاء فلان وجاء فلان وهكذا فيما مرّ إلى آخره، وكل منها محكوم فيه على فرده دال عليه مطابقة فما هو في قوتها محكوم فيه على كل فرد فرد دالّ عليه مطابقة، فقول القرافي إن دلالة العام على كل فرد فرد من أفراده خارجة عن الدلالات الثلاث المطابقة والتضمن والالتزام مردود، كما أوضحته في الحاشية مع زيادة وخرج بالكلية الكل والكليّ، فليس مدلول العام كلاً أي محكوما فيه على مجموع الأفراد من حيث هو مجموع نحو كل رجل في البلد يحمل الصخرة العظيمة أي مجموعهم، وإلا لتعذر الاحتجاج به في النهي على كل فرد ولم يزل العلماء يحتجون به عليه كما في نحو ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله﴾ ولا كليا أي محكوما فيه على الماهية من حيث هي أي من غير نظر إلى الأفراد نحو الرجل خير من المرأة، وكثيرا ما يفضل بعض أفرادها بعض أفراده، وذلك لأن النظر في العام إلى الأفراد لا إلى القدر المشترك بينها فانحصر مدلوله في الكلية وهي مقابلة للجزئية، والكل مقابل للجزء، والكلي مقابل للجزئي. (ودلالته) أي العام (على أصل المعنى) من الواحد في المفرد والاثنين في المثنى والثلاثة أو الاثنين في الجمع على ما يأتي فيه من الخلاف. (قطعية) اتفاقا (و) دلالته (على كل فرد) منه بخصوصه

стр. 63

(ظنية في الأصح) لاحتماله التخصيص، وإن لم يظهر مخصص لكثرة التخصيص في العمومات، وقيل قطعية للزوم معنى اللفظ له قطعا حتى يظهر خلافه من قرينة كتخصيص فيمتنع تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد، وبالقياس على هذا دون الأول فإن قام دليل على انتفاء التخصيص كالعقل في نحو ﴿والله بكل شيء عليم﴾ فدلالته قطعية اتفاقا والتصريح بالترجيح من زيادتي. (وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال والأزمنة والأمكنة على المختار) لأنه لا غنى للأشخاص عنها فقوله تعالى ﴿فاقتلوا المشركين﴾ أي كل مشرك على أي حال كان في أيّ زمان ومكان كان، وخص منه البعض كالذمي، وقيل العام في الأشخاص مطلق في المذكورات لانتفاء صيغة العموم فيها فما خص به العام على الأوّل مبين للمراد بما أطلق فيه على هذا ورد هذا القول بأن التعميم هنا بالاستلزام كما عرف لا بالوضع فلا يحتاج إلى صيغة. (مسألة) في صيغ العموم. (كل) وتقدمت في مبحث الحروف (والذي والتي) نحو أكرم الذي يأتيك والتي تأتيك أي كل آت وآتية لك. (وأي وما) الشرطيتان والاستفهاميتان والموصولتان وتقدمتا، ثم أطلقتا للعلم بانتفاء العموم في غير ذلك كأيّ الواقعة صفة لنكرة أو حالاً وما الواقعة نكرة موصوفة أو تعجبية. (ومتى) للزمان المبهم استفهامية أو شرطية نحو متى تجئني متى جئتني أكرمتك. (وأين وحيثما) للمكان شرطيتين نو أين أو حيثما كنت آتك، وتزيد أين بالاستفهام نحو أين كنت. (ونحوها) مما يدل على العموم لغة كجميع، ولا يضاف إلا إلى معرفة وكجمع الذي والتي وكمن الاستفهامية والشرطية والموصولة وتقدمت، وأما عدم عمومها وعموم أيّ الموصولة في نحو مررت بمن أو بأيهم قام فلقيام قرينة الخصوص، واستشكل عموم من وما بقول الفقهاء لو قال من دخل داري فله درهم، فدخلها مرة بعد أخرى لا يتكرر الاستحقاق. وأجيب بأن العموم في الأشخاص لا في الأفعال إلا أن تقتضي الصيغة التكرار نحو كلما أو يحكم به قياسا لكون الشرط علة نحو من عمل صالحا فلنفسه. فإن قلت فلم تكرر الجزاء على المحرم بقتله صيدا بعد قتله آخر مع أن الصيغة من في قوله تعالى ﴿ومن قتله منكم متعمدا﴾ الآية؟ قلنا لتعدّد المحل بخلافه في مثالنا حتى لو قال من دخل داري فله درهم وله عدة دور استحق كلما دخل دارا له درهما لاختلاف المحل، ولهذا لو قال طلق من نسائي من شئت لا يطلق إلا واحدة. ولو قال من شاءت طلق كل من شاءت وكل من المذكورات. (للعموم حقيقة في الأصح) لتبادره إلى الذهن، وقيل للخصوص حقيقة أي للواحد في المفرد، وللاثنين في المثنى، وللثلاثة أو الاثنين في الجمع، لأنه المتيقن والعموم مجاز، وقيل مشتركة بينهما لأنها تستعمل لكل منهما، والأصل في الاستعمال الحقيقة، وقيل بالوقف أي لا يدري أهي حقيقة في العموم أم في الخصوص أم فيهما (كالجمع المعرف باللام) نحو ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ (أو الإضافة) نحو ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ فإنه للعموم حقيقة في الأصح. (ما لم يتحقق عهد) لتبادره إلى الذهن، وقيل ليس للعموم مطلقا بل للجنس الصادق ببعض الأفراد كما في تزوجت النساء لأنه المتيقن ما لم تقم قرينة على العموم كما في الآيتين، وقيل ليس للعموم إن احتمل عهد فهو باحتماله متردد بين العهد والعموم حتى تقوم قرينة، وعلى عمومه قيل أفراده جموع والأكثر آحاد في الإثبات وغيره، وعليه أئمة التفسير في استعمال القرآن نحو ﴿والله يحب المحسنين﴾ أي يثيب كلاً منهم إن الله لا يحب الكافرين

стр. 64

أي يعاقب كلاً منهم وأيد بصحة استثناء الواحد منه نحو جاء الرجال إلا زيدا، ولو كان معناه جاء كل جمع من الرجال لم يصح إلاأن يكون منقطعا، نعم قد تقوم قرينة على إرادة المجموع نحو رجال البلد يحملون الصخرة العظيمة أي مجموعهم والأول يقول قامت قرينة الآحاد في نحو الآيتين المذكورتين. (و) كـ (ـالمفرد كذلك) أي المعرف باللام أو الإضافة ما لم يتحقق عهد، فإنه للعموم حقيقة في الأصح لما مر قبله سواء تحقق استغراق أم احتمله والعهد حملاً له في الثاني على الاستغراق لأنه الأصل لعموم فائدته نحو ﴿وأحل الله البيع﴾ أي كل بيع وخص منه الفاسد كالربا ونحو. ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ أي كل أمر لله وخص منه أمر الندب، وقيل ليس للعموم مطلقا بل للجنس الصادق بالبعض كما في لبست الثوب ولبست ثوب الناس لأنه المتيقن ما لم تقم قرينة على العموم كما في ﴿إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا﴾ وقيل المعرف باللام ليس للعموم إن لم يكن واحدة بالتاء وتميز بالوحدة كالماء والرجل، إذ يقال فيهما ماء واحد ورجل واحد فهو في ذلك للجنس الصادق بالبعض نحو شربت الماء، ورأيت الرجل ما لم تقم قرينة على العموم نحو الدينار خير من الدرهم أي كل دينار خير من كل درهم، بخلاف ما إذا كان واحده بالتاء كالتمر أو لم يكن بها ولم يتميز بالوحدة كالذهب فيعم كما في خبر الصحيحين «الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء» . وقولي كذلك أولى من اقتصاره على المحلى أي باللام فإن تحقق عهد صرف إليه جزما وكأل المعرّفة أل الموصولة هنا وفيما قبله (والنكرة في سياق النفي) وفي معناه النهي (للعموم وضعا في الأصح) بأن تدل عليه بالمطابقة كما مر من أن الحكم في العام على كل فرد مطابقة، وقيل للعموم لزوما نظرا إلى أن النفي أوّلاً للماهية، ويلزمه نفي كل فرد فيؤثر التخصيص بالنية على الأول دون الثاني في نحو والله لا أكلت ناويا غير التمر فيحنث بأكل التمر على الثاني دون الأول وعموم النكرة يكون (نصا إن بنيت على الفتح) نحو لا رجل في الدار. (وظاهرا إن لم تبن) نحو ما في الدار رجل. لاحتماله نفي الواحد فقط فإن زيد فيها من كانت نصا أيضا كما مر في الحروف والنكرة في سياق الامتنان للعموم نحو ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ قاله القاضي أبو الطيب وفي سياق الشرط للعموم نحو ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره﴾ أي كل واحد منهم وقد تكون للعموم البدلي لا الشمولي بقرينة نحو من يأتني بمال أجازه. (وقد يعم اللفظ) إما (عرفا كـ) ـاللفظ الدال على مفهوم (الموافقة) بقسميه الأولى والمساوي (على قول مرّ) في المبحث المفهوم نحو ﴿فلا تقل لهما أف﴾ ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى﴾ الآية قيل نقلهما العرف إلى تحريم جميع ازيذاءات والإتلافات (و) نحو ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ نقله العرف من تحريم العين إلى تحريم جميع التمتعات المقصودة من النساء، وسيأت قول إنه مجمل، وقيل العموم فيه من باب الاقتضاء لاستحالة تحريم الأعيان فيضمر ما يصح به الكلام. قال الزركشي وغيره وقد يترجح هذا بقولهم الاضمار خير من النقل كما في قوله ﴿وحرم الربا﴾ وقد أجبت عنه في الحاشية. (أو معنى) وعبر عنه الأصل هنا كغيره بعقلاً (كترتيب حكم على وصف) فإنه يفيد علية الوصف للحكم كما يأتي في القياس، فيفيد العموم بالمعنى بمعنى أنه كلما وجدت العلة وجد المعلول نحو أكرم العالم إذا لم تجعل اللام فيه للعموم ولا عهد، و (كـ) ـاللفظ الدال على مفهوم (المخالفة على

стр. 65

قول مر) أن دلالة اللفظ بالمعنى على ما عدا المذكور بخلاف حكمه، وهو أنه لو لم ينف المذكور والحكم عما عداه لم يكن لذكره فائدة كما في خبر الصحيحين «مطل الغني ظلم» أي بخلاف مطل غيره. (والخلاف في أن المفهوم) مطلقا ﴿لا عموم له لفظي﴾ أي عائد إلى اللفظ والتسمية أي هل يسمى عاما أو لا. بناء على أن العموم من عوارض الألفاظ والمعاني أو الألفاظ فقط، وأما من جهة المعنى فهو شامل لجميع صور ما عدا المذكور بما مر من عرف وإن صار به منطوقا أو معنى. (ومعيار العموم) أي ضابطه (الاستثناء) فكل ما صح الاستثناء منه مما لا حصر فيه فهو عام كالجمع المعرف للزوم تناوله المستثنى نحو جاء الرجال إلا زيدا، ولا يصح الاستثناء من الجمع المنكر إلا أن يخصص فيعم ما يخصص به نحو قام رجال كانوا في دارك إلا زيدا منهم، ويصح جاء رجل إلا زيد بالرفع على أن إلا صفة بمعنى غير كما في ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ (والأصح أن الجمع المنكر) في الإثبات نحو جاء رجال أو عبيد. (ليس بعام) إن لم يتخصص فيحمل على أقل الجمع ثلاثة أو اثنين لأنه المحقق، وقيل إنه عام لأنه كما يصدق بذلك يصدق بجميع الأفراد وبما بينهما، فيحمل على جميع الأفراد احتياطا إلا أن يمنع منه مانع كما في رأيت رجالاً فعلى أقل الجمع قطعا، والخلاف كما قال جماعة جار في جمع القلة والكثرة. وقال الصفي الهندي محله في جمع الكثرة. (و) الأصح (أن أقل) مسمى (الجمع) كرجال ومسلمين (ثلاثة) لتبادرها إلى الذهن، وقيل اثنان، لقوله تعالى ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ أي عائشة وحفصة وليس لهما إلا قلبان. قلنا مثل ذلك مجاز والداعي له في الآية الكريمة كراهة الجمع بين التثنيتين في المضاف ومتضمنة وهما كالشيء الواحد بخلاف نحو جاء عبداكما، وينبني على الخلاف ما لو أقر أو أوصى بدراهم لزيد، والأصح أنه يستحق ثلاثة، لكن ما مثلوا به من جمع الكثرة مخالف لاطباق النحاة على أن أقله أحد عشر. ويجاب بأن أصل وضعه ذلك لكن غلب استعماله عند الأصوليين في أقل جمع القلة، وقد أشار إلى ذلك في منع الموانع كما بينته في الحاشية. (و) الأصح (أنه) أي الجمع (يصدق بالواحد مجازا) لاستعماله فيه كقول الرجل لامرأته وقد برزت لرجل أتتبرجين للرجال؟ لاستواء الواحد والجمع في كراهة التبرج له، وقيل لا يصدق به ولم يستعمل فيه والجمع في هذا المثال عل بابه لأن من برزت لرجل تبرز لغيره عادة. (و) الأصح (تعميم عام سيق لغرض) كمدح وذم وبيان مقدار. (ولم يعارضه عام آخر) لم يسق لذلك إذ ما سيق له لا ينافي تعميمه، فإن عارضه العام المذكور لم يعم فيما عورض فيه جمعا بينهما كما لو عارضه خاص، وقيل لا يعم مطلقا لأنه لم يسق للتعميم، وقيل يعمه مطلقا كغيره وينظر عند المعارضة إلى مرجح مثاله ولا معارض ﴿إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم﴾ ومع المعارض ﴿والذين هم لفروجن حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ فإنه وقد سيق للمدح يعم بظاهره إباحة الجمع بين الأختين بملك اليمين وعارضه في ذلك ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ فإنه وإن لم يسق للمدح بل لبيان الحكم شامل لحرمة جمعهما بملك اليمين، فحمل الأول على غير ذلك بأن لم يرد تناوله، وقولي تبعا للبرماوي لغرض أولى من قول الأصل بمعنى المدح والذم، أما إذا سيق العام المعارض لغرض أيضا فكل منهما عام فيتعارضان فيحتاج إلى مرجح. (و) الأصح (تعميم نحو لا يستوون) من قوله تعالى ﴿أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون﴾ ، ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ فهو لنفي جميع وجوه الاستواء الممكن نفيها لتضمن الفعل المنفي لمصدر منكر، وقيل لا يعم نظرا إلى أن الاستواء المنفي هو الاشتراك من بعض الوجوه، فهو على هذا من سلب العموم، وعلى الأول من عموم السلب وعليه يستفاد من الآيتين بأن يراد بالفاسق في الأولى الكافر بقرينة مقابلته بالمؤمن أن الكافر لا يلي أمر ولده المسلم، وأن المسلم لا يقتل بالذمي، وخالف في المسألتين الحنفية، والمراد بنحو

стр. 66

لا يستوون كل ما دل على نفي الاستواء أو نحوه كالمساواة والتماثل والمماثلة. (و) الأصح تعميم نحو (لا أكلت) من قولك والله لا أكلت فهو لنفي جميع المأكول بنفي جميع أفراد الأكل. (وإن أكلت) فزوجتي طالق مثلاً فهو للمنع من جميع المأكولات فيصح تخصيص بعضها في المسألتين بالنية ويصدّق في إرادته. وقال أبو حنيفة لا تعميم فيها فلا يصح التخصيص بالنية لأن النفي والمنع لحقيقة الأكل، ويلزمهما النفي والمنع لجميع المأكولات حتى يحنث بواحد منها اتفاقا، وعبر الأصل في الثانية بقيل على خلاف تسويتي تبعا لابن الحاجب وغيره بينهما، لما فهم من أن عموم النكرة في سياق الشرط بدلي، وليس كما فهم بل عمومها فيه شمولي، وإنما يكون بدليا بقرينة كما مرّ. (لا المقتضي) بالكسر وهو ما لا يستقيم من الكلام إلا بتقدير أحد أمور، ويسمى مقتضى بالفتح فلا يعم جميعها لاندفاع الضرورة بأحدها، ويكون مجملاً بينها يتعين بالقرينة، وقيل يعمها حذرا من الاجمال قالوا مثاله الخبر الآتي في مبحث المجمل «رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان» . فلوقوعهما من الأمة لا يستقيم بدون تقدير المؤاخذة أو الضمان أو نحو ذلك، فقدرنا المؤاخذة لفهمها عرفا من مثله وقيل يقدر جميعها فيكون المقتضى عاما. (والمعطوف على العام) فلا يعم، وقيل يعم لوجوب مشاركة المتعاطفين في الحكم والصفة. قلنا في الصفة ممنوع مثاله خبر أبي داود وغيره «لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده» . قيل يعني بكافر وخص منه غير الحربي بالإجماع. قلنا لا حاجة إلى ذلك بل تقدر بحربي، وبعضهم جعل الجملة الثانية تامة لا تحتاج إلى تقدير ومعناها ولا يقتل ذو عهد ما دام عهده، وبعضهم جعل في الحديث تقديما وتأخيرا والأصل ولا يقتل مسلم ولا ذو عهد في عهده بكافر. (والفعل المثبت ولو مع كان) كخبر بلال «صلى النبي ﷺ داخل الكعبة» . وخبر أنس «كان النبي ﷺ يجمع بين الصلاتين في السفر» . فلا يعم أقسامه، وقيل يعمها فلا يعم المثال الأول الفرض والنفل، ولا الثاني جمع التقديم والتأخير، إذ لا يشهد اللفظ بأكثر من صلاة واحدة وجمع واحد، ويستحيل وقوع الصلاة الواحدة فرضا ونفلاً، والجمع الواحد في الوقتين، وقل يعمان ما ذكر حكما لصدقهما بكل من قسمي الصلاة والجمع، وقد تستعمل كان مع المضارع للتكرار كما في قوله تعالى في قصة إسماعيل ﴿وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة﴾ وعليه جرى العرف وتحقيقه مذكور في الحاشية. (و) الحكم (المعلق لعلة) فلا يعم كل محل وجدت فيه العلة. (لفظا لكن) يعمه (معنى) كما مرّ. وقيل يعمه لفظا كأن يقول الشارع حرّمت الخمر لإسكارها فلا يعم كل مسكر لفظا، وقيل يعمه لذكر العلة فكأنه قال حرمت المسكر. (و) الأصح أن (ترك الاستفصال) في وقائع الأحوال مع قيام الاحتمال. (ينزل منزلة العموم) في المقال كما في خبر الشافعي وغيره أنه ﷺ قال لغيلان بن سلمة الثقفي، وقد أسلم على عشر نسوة «أمسك أربعا وفارق سائرهن» فإنه ﷺ لم يستفصله هل تزوجهنّ معا أو مرتبا، فلولا أن الحكم يعم الحالين لما أطلق لامتناع الإطلاق في محل التفصيل، وقيل لا ينزل منزلة العموم بل يكون الكلام مجملاً والعبارة المذكورة للشافعي وله عبارة أخرى وهي قوله وقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال، وظاهرهما التعارض وقد بينته مع الجواب عنه في الحاشية. (و) الأصح (أن نحو

стр. 67

يا أيها النبي) اتق الله. يا أيها المزمل (لا يشمل الأمة) من حيث الحكم لاختصاص الصيغة به، وقيل يشملهم لأن الأمر للمتبوع أمر لتابعه عرفا كما في أمر السلطان الأمير بفتح بلد. قلنا هذا فيما يتوقف المأمور به على المشاركة وما نحن فيه ليس كذلك، ومحل الخلاف ما يمكن فيه إرادة الأمة معه ولم تقم قرينة على إرادتهم معه، بخلاف ما لا يمكن فيه ذلك نحو ﴿يا أيها الرسول بلغ﴾ الآية. أو قامت قرينة على إرادتهم معه نحو ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ الآية. ( و) الأصح (أن نحو يا أيها الناس يشمل الرسول) ﵊. (وإن اقترن بقل) لمساواتهم له في الحكم، وقيل لا يشمله مطلقا لأنه ورد على لسانه للتبليغ لغيره، وقيل إن اقترن بقل لم يشمله لظهوره في التبليغ وإلا شمله. (و) الأصح (أنه) أي نحو يا أيها الناس. (يعم العبد) . وقيل لا لصرف منافعه لسيده شرعا قلنا في غير أوقات ضيق العبادة. (و) الأصح أنه (يشمل الموجودين) وقت وروده (فقط) أي لا من بعدهم وقيل يشملهم أيضا لمساواتهم للموجودين في حكمه إجماعا قلنا بدليل آخر وهو مستند الإجماع لا منه. (و) الأصح (أن من) شرطية كانت أو استفهامية أو موصولة أو موصوفة أو تامة فهو أعم من قوله إن من الشرطية. (تشمل النساء) لقوله تعالى ﴿ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى﴾ وقيس بالشرطية البقية، لكن عموم الأخيرتين في الاثبات عموم بدلي لا شمولي، وقيل تختص بالذكور فلو نظرت امرأة في بيت أجنبي جاز رميها على الأول لخبر مسلم «من تطلع على بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينيه» . ولا يجوز على الثاني قيل ولا على الأول أيضا لأن المرأة لا يستتر منها. (و) الأصح (أن جمع المذكر السالم لا يشملهنّ) أي النساء (ظاهرا) وإنما يشملهنّ بقرينة تغليبا للذكور، وقيل يشملهنّ ظاهرا لأنه لما كثر في الشرع مشاركتهنّ للذكور في الأحكام أشعر بأن الشارع لا يقصد بخطاب الذكور قصر الأحكام عليهم وخرج بما ذكر اسم الجمع كقوم، وجمع المذكر المكسر الدالّ بمادته كرجال وما يدل على جمعيته بغير ما ذكر كالناس فلا يشمل الأولان النساء قطعا ويشملهنّ الثالث قطعا، وأما الدال لا بمادته كالزيود فملحق بجمع المذكر السالم. (و) الأصح (أن خطاب الواحد) مثلاً بحكم (لا يتعداه) إلى غيره، وقيل يعم غيره لجريان عادة الناس بخطاب الواحد وإرادة الجميع فيما يشاركون فيه. قلنا مجاز يحتاج إلى قرينة. (و) الأصح (أن الخطاب بيا أهل الكتاب) وهم اليهود والنصارى نحو قوله تعالى ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم﴾ (لا يشمل الأمة) أي أمة محمد ﷺ الخاصة، وقيل يشملهم فيما يتشاركون فيه، وتقدم في مبحث الأمر الكلام على أن الآمر بالمدّ هل يدخل في لفظه أو لا. (و) الأصح أن (نحو خذ من أموالهم) من كل اسم جنس مأمور بنحو الأخذ منه مجموع مجرور بمن. (يقتضي الأخذ) مثلاً (من كل نوع) من أنواع المجرور ما لم يخص بدليل، وقيل لا بل يمتثل بالأخذ من نوع واحد. وتوقف الآمدي عن ترجيح واحد من القولين، والأول نظرا إلى أن المعنى من جميع الأنواع، والثاني إلى أنه من مجموعهما. التخصيص وهو مصدر خصص بمعنى خص (قصر العام) أي قصر حكمه. (على بعض أفراده) أي يخص بدليل فيخرج العام المراد به الخصوص. (وقابله) أي التخصيص (حكم ثبت لمتعدّد) لفظا نحو ﴿فاقتلوا المشركين﴾ وخص منه الذمي ونحوه، وعلى القول بأن العموم يجري في المعنى كاللفظ مثلوا له بمفهوم ﴿فلا تقل لهما أف﴾ من سائر أنواع الإيذاء وخص منه حبس الوالد بدين الولد فإنه جائز على ما صححه الغزالي وغيره، والأصح أنه لا يجوز كما صححه البغوي وغيره. (والأصح جوازه) أي التخصيص (إلى واحد إن لم يكن العام جمعا) كمن والمفرد المعرف. (و) إلى (أقل الجمع) ثلاثة أو اثنين (إن كان) جمعا كالمسلمين والمسلمات، وقيل يجوز إلى واحد مطلقا، وقيل لا يجوز إلى واحد مطلقا وهو شاذ، وقيل لا يجوز إلا أن يبقى غير محصور. (والعام المخصوص عمومه مراد تناولاً لا حكما) لأن بعض الأفراد لا يشمله الحكم نظرا للمخصص. (و) العام (المراد به الخصوص ليس) عمومه (مرادا) تناولاً ولا حكما، (بل) هو (كلي) من حيث إن له أفرادا بحسب أصله. (استعمل في جزئي) أي فرد منها، (فهو مجاز قطعا) . نظرا للجزئية كقوله تعالى ﴿الذين قال لهم الناس﴾ ، أي نعيم ابن مسعود الأشجعي لقيامه مقام كثير في تثبيطه المؤمنين عن ملاقاة

стр. 68

أبي سفيان وأصحابه أم يحسدون الناس، أي رسول الله ﷺ لجمعه ما في الناس من الخصال الجميلة، ولا يخفى أن عموم العام غير مدلوله فلا ينافي التعبير في عمومه هنا بالكلي التعبير في مدلوله فيما مرّ بالكلية، مع أن الكلام هنا في عموم العام المراد به الخصوص، وثم في العام مطلقا. (والأصح أن الأول) أي العام المخصوص (حقيقة) في الباقي بعد التخصيص، لأن تناوله له مع التخصيص كتناوله به بدونه، وذلك التناول حقيقي فكذا هذا، وقيل حقيقة إن كان الباقي غير منحصر لبقاء خاصة العموم وإلا فمجاز، وقيل حقيقة إن خص بما لا يستقل كصفة أو شرط أو استثناء لأن ما لا يستقل جزء من المقيد به فالعموم بالنظر إليه فقط، بخلاف ما إذا خصّ بمستقل كعقل أو سمع، وقيل حقيقة ومجاز باعتبارين باعتبار تناول البعض حقيقة وباعتبار الاقتصار عليه مجاز، وقيل مجاز مطلقا لاستعماله في بعض ما وضع له أوّلاً، وقيل مجاز إن استثنى منه لأنه يتبين بالاستثناء أنه أريد بالمستثنى منه ما عدا المستثنى، بخلاف غير الاستثناء من صفة وغيرها، فإنه يفهم ابتداء أن العموم بالنظر إليه فقط، وقيل مجاز إن خص بغير لفظ كالعقل بخلاف اللفظ أما الثاني فمجاز قطعا كما مرّ. (فهو) أي الأول وهو العام المخصوص على القول بأنه حقيقة (حجة) جزما أخذا من منع الموانع لاستدلال الصحابة به من غير نكير، وعلى القول بأنه مجاز الأصح أنه حجة مطلقا لذلك، وقيل غير حجة مطلقا لأنه لاحتمال أن يكون قد خصّ بغير ما ظهر يشك فيما يراد منه، فلا يتبين إلا بقرينة، وقيل حجة إن خص بمعين كأن يقال اقتلوا المشركين إلا الذمي بخلاف المبهم نحو إلا بعضهم، إذ ما من فرد إلا، ويجوز أن يكون هو المخرج قلنا يعمل به إلى أن يبقى فرد، وقيل حجة إن خص بمتصل كالصفة لما مرّ من أن العموم بالنظر إليه فقط بخلاف المنفصل، فيجوز أن يكون قد خص منه غير ما ظهر فيشك في الباقي، وقيل حجة في الباقي إن أنبأ عن الباقي العموم نحو ﴿فاقتلوا المشركين﴾ فإنه ينبىء عن الحربي لتبادر الذهن إليه كالذمي المخرج بخلاف ما لا ينبىء عنه العموم نحو ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ فإنه لا ينبىء عن السارق بقدر ربع دينار فأكثر من حرز كما لا ينبىء عن السارق لغير ذلك المخرج، فالباقي منه يشك فيه باحتمال اعتبار قيد آخر، وقيل حجة في أقل الجمع لأنه المتيقن بناء على القول بأنه لا يجوز مطلقا وبذلك علم أن ما ذكره الأصل من هذا الخلاف إنما هو مفرّع على ضعيف، أما الثاني فلا يحتج به، كذا قاله الشيخ أبو حامد. (ويعمل بالعام ولو بعد وفاة النبي) ﷺ . (قبل البحث عن المخصص) ، لأن الأصل عدمه ولأن احتماله مرجوح وظاهر العموم راجح والعمل بالراجح واجب، وقيل لا يعمل به بعد وفاته قبل البحث لاحتمال التخصيص، وعليه يكفي في البحث عن ذلك الظن بأن لا مخصص على الأصح. (وهو) أي المخصص للعام. (قسمان) أحدهما (متصل) أي ما لا يستقل بنفسه من اللفظ بأن يقارن العام. (وهو خمسة) أحدها (الاستثناء) بمعنى صيغته (وهو) أي الاستثناء نفسه (إخراج) من متعدّد (بنحو إلا) من أدوات الإخراج وضعا كخلاً وعدا وسوى واقعا ذلك الإخراج مع المخرج منه. (من متكلم واحد في الأصح) ، وقيل لا يشترط وقوعه من واحد فقول القائل إلا زيدا عقب قول غيره جاء الرجال استثناء على الثاني لغو على الأول، ولهذا لو قال لي عليك مائة فقال له إلا درهما لا يكون مقرا بشيء في الأصح، نعم لو قال النبيّ ﷺ إلا الذميّ عقب نزول قوله تعالى ﴿فاقتلوا المشركين﴾ كان استثناء قطعا لأنه مبلغ عن الله وإن لم يكن ذلك قرآنا. (ويجب) أي يشترط (اتصاله) أي الاستثناء بمعنى صيغته بالمستثنى منه. (عادة في الأصح) فلا يضر انفصاله بنحو تنفس أو سعال فإن انفصل بغير ذلك كان لغوا، وقيل يجوز انفصاله إلى شهر، وقيل إلى سنة، وقيل أبدا، وقيل غير ذلك ولا بد من نية الاستثناء قبل الفراغ من المستثنى منه.

стр. 69

(أما) الاستثناء بمعنى صيغته (في المنقطع) وهو ما لا يكون المستثنى فيه بعض المستثنى منه عكس المتصل السابق المنصرف إليه الاسم عند الإطلاق نحو ما في الدار إنسان إلا الحمار. (فمجاز) فيه (في الأصح) . لتبادره في المتصل إلى الذهن، وقيل حقيقة فيه كالمتصل فيكون مشتركا لفظيا بينهما ويحدّ بالمخالفة بنحو إلا بغير إخراج، وقيل متواطىء أي موضوع للقدر المشترك بينهما أي المخالفة بنحو إلا حذرا من الاشتراك والمجاز، وقيل بالوقف أي لا ندري أهو حقيقة فيهما أم في أحدهما، أم في القدر المشترك بينهما، ولا يعدّ المنقطع من المخصصات والترجيح من زيادتي، ولما كان في الكلام الاستثنائي شبه التناقض حيث يدخل المستثنى في المستثنى منه، ثم ينفى وكان ذلك أظهر في العدد لنصوصيته في آحاده دفعوا ذلك فيه بما ذكرته بقولي (والأصح أن المراد بعشرة في) قولك لزيد (عليّ عشرة إلا ثلاثة العشرة باعتبار الآحاد) جميعها. (ثم أخرجت ثلاثة) بقولك إلا ثلاثة (ثم أسند إلى الباقي) وهو سبعة (تقديرا وإن كان) الإسناد (قبله) أي قبل إخراج الثلاثة. (ذكرا) أي لفظا فكأنه قال له عليّ الباقي من عشرة أخرج منها ثلاثة، وليس في هذا إلا إثبات ولا نفي أصلاً فلا تناقض، وقيل المراد بعشرة في ذلك سبعة، وقوله إلا ثلاثة قرينة لذلك بينت إرادة الجزء باسم الكل مجازا، وقيل معنى عشرة إلا ثلاثة بإزاء اسمين مفرد هو سبعة ومركب هو عشرة إلا ثلاثة ولا نفي أيضا على القولين فلا تناقض، ووجه تصحيح الأوّل أن فيه توفية بما مرّ من أن الاستثناء إخراج بخلاف الثاني والثالث. ولا يصح) استثناء (مستغرق) بأن يستغرق المستثنى المستثنى منه فلو قال له عليّ عشرة إلا عشرة لزمه عشرة. (والأصح صحة استثناء الأكثر) من الباقي نحو له عليّ عشرة إلا تسعة (و) استثناء (المساوي) نحو له عشرة إلا خمسة (و) استثناء (العقد الصحيح) نحو له مائة إلا عشرة، وقيل لا يصح في الأكثر، وقيل لا يصح فيه إن كان العدد في المستثنى والمستثنى منه صريحا نحو ما مر، بخلاف غيره نحو خذ الدراهم إلا الزيوف وهي أكثر، وقيل لا يصح في المساوي أيضا، وقيل لا يصح في العقد الصحيح. (و) الأصح (أن الاستثناء من النفي إثبات وبالعكس) . وقيل لا بل المستثنى من حيث الحكم مسكوت عنه وهو منقول عن الحنفية فنحو ما قام أحد إلا زيد وقام القوم إلا زيدا يدل الأول على إثبات القيام لزيد، والثاني على نفيه عنه من حيث القيام وعدمه، وينبني على الخلاف أن المستثنى من حيث الحكم مخرج من المحكوم به فيدخل في نقيضه من قيام أو عدمه مثلاً أو مخرج من الحكم فيدخل في نقيضه أي لا حكم إذ القاعدة أن ما خرج من شيء دخل في نقيضه وجعلوا الاثبات في كلمة التوحيد بعرف الشرع، وفي الاستثناء المفرغ نحو ما جاء القوم إلا زيد بالعرف العام. (و) الاستثناءات (المتعددة إن تعاطفت فـ) ـهي عائدة (للمستثنى منه) لتعذر عود كل منها إلى ما يليه بوجود العاطف نحو له عليّ عشرة إلا أربعة وإلا ثلاثة وإلا اثنين، فيلزمه واحد فقط ونحو له علي عشرة إلا عشرة وإلا ثلاثة وإلا اثنين فيلزمه العشرة للاستغراق. (وإلا) أي وإن لم يتعاطف (فكل) من آخرها وباقي كل من باقيها عائد (لما يليه ما لم يستغرقه) . نحو له عشرة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة فيلزمه ستة، فإن استغرق كل ما يليه بطل الكل أو استغرق غير الأول نحو له علي عشرة إلا اثنين إلا ثلاثة إلا أربعة عاد الكل للمستثنى منه فيلزمه واحد فقط أو الأول فقط نحو له عشرة إلا عشرة إلا أربعة فقيل يلزمه عشرة لبطلان الأول لاستغراقه، والثاني تبعا، وقيل أربعة اعتبار الاستثناء الثاني من الأول، وهو الموافق للأصح في الطلاق. وقال ابن الصباغ وغيره إنه الأقيس وقيل ستة اعتبارا للثاني دون الأول. (والأصح أنه) أي الاستثناء (يعود للمتعاطفات) أي لكل منها حيث يصلح له لأنه الظاهر بقيد زدته بقولي (بـ) ـحرف (مشرك) كالواو والفاء جملاً

стр. 70

كانت المتعاطفات أو مفردات كأكرم العلماء وحبس ديارك وأعتق عبيدك وكتصدق على الفقراء والمساكين والعلماء سواء أسيقت لغرض واحد أم لا، وسواء تقدم الاستثناء عليها أم تأخر أم توسط، فتعبيري بذلك أولى من اقتصاره على ما إذا تأخر، وقيل للأخير فقط لأنه المتيقن، وقيل إن سيق الكل لغرض واحد عاد للكل كحبست داري على أعمامي، ووقفت بستاني على أخوالي، وسبلت سقايتي لجيراني إلا أن يسافروا وإلا عاد للأخير فقط، كأكرم العلماء وحبس ديارك على أقاربك، وأعتق عبيدك إلا الفسقة منهم، وقيل إن عطف بالواو عاد للكل، وإلا فللأخير. وقيل مشترك بين عوده للكل وعوده للأخير، وقيل بالوقف لا ندري ما الحقيقة منهما، ويتبين المراد على الأخيرين بالقرينة وحيث وجدت فلا خلاف كما في قوله تعالى ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر﴾ إلى قوله ﴿إلا من تاب﴾ فإنه عائد للكل بلا خلاف، وقوله تعالى ﴿ومن قتل مؤمنا خطأ﴾ إلى قوله ﴿إلا أن يصدقوا﴾ فإنه عائد إلى الأخير أي الدية دون الكفارة بلا خلاف أما قوله ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ إلى قوله ﴿إلا الذين تابوا﴾ فإنه عائد للأخير لا للأول أي الجلد قطعا لأنه حق آدمي فلا يسقط بالتوبة، وفي عوده للثاني أي عدم قبول الشهادة الخلاف، فعلى الأصح تقبل، وعلى الثاني لا تقبل وخرج بالمشترك غيره كبل ولكن وأو فلا يعود ذلك إلا للأخير. (و) الأصح (أن القران بين جملتين لفظا) بأن تعطف إحداهما على الأخرى (لا يقتضي التسوية) بينهما. (في حكم لم يذكر) وهو معلوم لإحداهما من خارج فيعطف واجب على مندوب أو مباح وعكسه. وقيل يقتضيها فيه مثاله خبر أبي داود «لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة» فالبول فيه ينجسه بشرطه كما هو معلوم وذلك حكمة النهي. قال بعض القائل بالثاني، فكذا الاغتسال فيه للقران بينهما، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى ﴿فكاتبوهم﴾ الآية. (و) ثاني المخصصات المتصلة (الشرط) . والمراد اللغوي كما مر. (وهو) ما زدته بقولي (تعليق أمر بأمر كل منهما في المستقبل أو ما يدل عليه) من صيغة نحو أكرم بني تميم إن جاءوا أي الجائين منهم. (وهو) أي الشرط المخصص (كالاستثناء) اتصالاً وعودا لكل المتعاطفات وصحة لإخراج الأكثر به نحو أكرم بني تميم إن كانوا علماء، ويكون جهالهم أكثر، فيجب مع نية الشرط اتصاله وعوده للكل، ولو تقدم أو توسط. ويصح إخراج الأكثر به في الأصح، وقيل وفاقا. وعليه جرى الأصل في الثالث لكن أجيب عنه بأنه أراد به وفاق من خالف في الاستثناء فقط. (و) ثالثها (الصفة) المعتبر مفهومها كأكرم بني تميم الفقهاء خرج بالفقهاء غيرهم. (و) رابعها (الغاية) كأكرم بني تميم إلى أن يعصوا خرج حال عصيانهم فلا يكرمون فيه. (وهما) أي الصفة والغاية (كالاستثناء) اتصالاً وعودا، وصحة إخراج الأكثر بهما فيجب مع نيتهما اتصالهما وعودهما للكل، ولو تقدمتا أو توسطتا، ويصح إخراج الأكثر بهما في الأصح خلافا لما اختاره، وتبعه عليه البرماوي من اختصاص الصفة المتوسطة بما وليته، وذلك كوقفت على أولادي وأولادهم المحتاجين، ووقفت على محتاجي أولادي وأولادهم، ووقفت على أولادي المحتاجين وأولادهم، فيعود الوصف للكل على الأصل في اشتراك المتعاطفات، ولأن المتوسطة بالنسبة لما وليته متأخرة ولما وليها متقدمة، بل قيل إن عودها إليهما أولى مما إذا تقدمتهما، وقد أوضحت ذلك في الحاشية واقتصاري على كالاستثناء أولى من قوله كالاستثناء في العود. (والمراد) بالغاية (غاية صحبها عموم يشملها) ظاهرا لو لم تأت بقيد زدته بقولي (ولم يرد بها تحقيقه مثل) ما مرّ، ومثل قوله تعالى ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون﴾ إلى قوله ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ فإنها لو لم تأت لقاتلناهم أعطوا الجزية أم لا. (وأما مثل) قوله تعالى ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ من غاية لم يشملها عموم صحبها، إذ طلوع الفجر ليس من الليلة حتى تشمله.

стр. 71

(و) مثل قولهم (قطعت أصابعه من الخنصر) بكسر أوله مع كسر ثالثه أو فتحه (إلى الإبهام) من غاية شملها عموم لو لم تذكر وأريد بها تحقيقه. (فلتحقيق) أي فالغاية فيه لتحقيق (العموم) . فيما قبلها لا لتخصيصه فتحقيق العموم في الأول أن الليلة سلام في جميع أجزائها، وفي الثاني أن الأصابع قطعت كلها، والغاية في الثاني من المغيا بخلافها في الأول، وقولي إلى الإبهام أوضح من قوله إلى البنصر. (و) خامسها (بدل بعض) من كل كما ذكره ابن الحاجب كـ ﴿ـلَّله على الناس حج البيت من استطاع﴾ (أو) بدل (اشتمال) كما نقله مع ما قبله البرماوي عن أبي حيان عن الشافعي كأعجبني زيد علمه وهو من زيادتي إلا أن يقال إنه يرجع إلى ما قبله تجوّزا. (ولم يذكره) أي البدل بشقيه (الأكثر) ، بل أنكره جماعة منهم الشمس الأصفهاني، وصوّب عدم ذكره السبكي كما نقله عنه ابنه في الأصل لأن المبدل منه في نية الطرح، فلا محل يخرج منه فلا تخصيص به. وأجاب عنه البرماوي بأن كونه في نية الطرح قول والأكثر على خلافه، قال السيرافي والنحويون لم يريدوا إلغاءه وإنما أرادوا أن البدل قائم بنفسه وليس مبينا للأول كتبيين النعت للمنعوت. (و) القسم الثاني من المخصص (منفصل) أي ما يستقل بنفسه من لفظ أو غيره (فيجوز في الأصح التخصيص بالعقل) سواء أكان بواسطة الحس من مشاهدة وغيرها من الحواس الظاهرة أم بدونها فالأول كقوله تعالى في الريح المرسلة على عاد تدمر كل شيء أي تهلكه، فإن العقل يدرك بواسطة الحس أي المشاهدة ما لا تدمير فيه كالسماء، والثاني كقوله تعالى ﴿خالق كل شيء﴾ فإن العقل يدرك بالضرورة أنه تعالى ليس خالقا لنفسه ولا لصفاته الذاتية، وكقوله تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ فإن العقل يدرك بالنظر أن الطفل والمجنون لا يدخلان لعدم الخطاب، وقيل لا يجوز ذلك لأن ما نفي العقل حكم العام عنه لم يشمله العام إذ لا تصح إرادته، وذكر الأصل أن الخلف لفظي، وفيه بحث ذكرته في الحاشية، ولهذا تركته هنا، وبما تقرر علم أن التخصيص بالعقل شامل للحس كما سلكه ابن الحاجب، لأن الحاكم فيه إنما هو العقل فلا حاجة إلى إفراده بالذكر خلافا لما سلكه الأصل. (و) يجوز في الأصح (تخصيص الكتاب به) أي بالكتاب وهو من تخصيص قطعي المتن بقطعيه كتخصيص قوله تعالى ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ الشامل للحوامل ولغير المدخول بهنّ بقوله ﴿وأولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهنّ﴾ وبقوله ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهنّ من قبل أن تمسوهنّ فما لكم عليهنّ من عدة تعتدونها﴾ وقيل لا يجوز ذلك لقوله تعالى ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ فوّض البيان إلى رسوله والتخصيص بيان فلا يحصل إلا بقوله قلنا وقع ذلك كما رأيت. فإن قلت يحتمل التخصيص بغير ذلك من السنة. قلنا الأصل عدمه وبيان الرسول يصدق ببيان ما نزل عليه من الكتاب، وقد قال تعالى ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾ . (و) يجوز في الأصح تخصيص (السنة) المتواترة وغيرها (بها) أي بالسنة كذلك كتخصيص خبر الصحيحين فيما سقت السماء العشر، بخبرهما ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة. وقيل لا يجوز لآية ﴿وأنزلنا إليك الذكر﴾ قصر بيانه على الكتاب. قلنا وقع ذلك كما رأيت مع أنه لا مانع منه لأنهما من عند الله قال تعالى ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ (و) يجوز في الأصح تخصيص (كل) من الكتاب والسنة (بالآخر) فالأول كتخصيص آية المواريث الشاملة للولد الكافر بخبر الصحيحين «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» . فهذا تخصيص بخبر الواحد فبالمتواترة أولى، وقيل لا يجوز بالمتواترة الفعلية بناء على قول يأتي وأن فعل الرسول لا يخصص، وقيل لا يجوز بخبر الواحد مطلقا، وإلا لترك القطعي بالظني. قلنا محل التخصيص دلالة العام وهي ظنية والعمل بالظنيين أولى من إلغاء أحدهما. وقيل يجوز إن خص بمنفصل لضعف دلالته

стр. 72

حينئذ، وقيل غير ذلك. والثاني كتخصيص خبر مسلم البكر بالبكر جلد مائة الشامل للأمة بقوله تعالى ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ وقيل لا يجوز ذلك لقوله تعالى ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ جعله مبينا للكتاب فلا يكون الكتاب مبينا للسنة. قلنا وقع ذلك كما رأيت مع أنه لا مانع منه لما مر ومن السنة فعل النبي وتقريره، فيجوز في الأصح التخصيص بهما، وإن لم يتأت تخصيصهمالانتفاء عمومهما كما علم مما مر. وذلك كأن يقول الوصال حرام على كل مسلم، ثم يفعله أو يقر من فعله، وقيل لا يخصصان بل ينسخان حكم العام، لأن الأصل تساوي الناس في الحكم. قلنا التخصيص أولى من النسخ لما فيه من إعمال الدليلين وسواء أكان مع التقرير عادة بترك بعض المأمور به أو بفعل بعض المنهى عنه أم لا. والأصل كغيره جعلها المخصصة إن أقرّ بها النبي أو الإجماع مع أن المخصص في الحقيقة إنما هو التقرير أو دليل الإجماع. (و) يجوز في الأصح تخصيص كل من الكتاب والسنة. (بالقياس) المستند إلى نص خاص ولو خبر واحد كتخصيص آية الزانية والزاني الشاملة للأمة بقوله تعالى ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ وقيس بالأمة العبد، وقيل لا يجوز ذلك مطلقآ حذرا من تقديم القياس على النص الذي هو أصله في الجملة، وقيل لا يجوز إن كان القياس خفيا لضعفه وقيل غير ذلك. قلنا إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما. والخلاف في القياس الظني، أما القطعي فيجوز التخصيص به قطعا. (وبدليل الخطاب) أي مفهوم المخالفة كتخصيص خبر ابن ماجة الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه. بمفهوم خبره «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» . وقيل لا يخصص لأن دلالة العام على ما دل عليه المفهوم بالمنطوق وهو مقدم على المفهوم. وأجيب بأن المقدم عليه منطوق خاص لا ما هو من أفراد العام فالمفهوم مقدم عليه لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما. (ويجوز) التخصيص (بالفحوى) أي مفهوم الموافقة، وإن قلنا الدلالة عليه قياسية كتخصيص خبر أبي داود وغيره «ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته» . أي حبسه بمفهوم ﴿فلا تقل لهما أف﴾ فيحرم حبسهما للوالد وهو ما نقل عن المعظم وصححه النووي. (والأصح أن عطف العام على الخاص) وعكسه المشهور لا يخصص العام. وقال الحنفي يخصصه أي يقصره على الخاص لوجوب اشتراك المتعاطفين في الحكم وصفته. قلنا في الصفة ممنوع كما مر مثال العكس خبر أبي داود وغيره «لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده» . يعني بكافر حربي للاجماع على قتله بغير حربي، فقال الحنفي يقدر الحربي في المعطوف عليه لوجوب الاشتراك المذكور فلا ينافي ما قال به من قتل المسلم بالذمي، ومثال الأول أن يقال لا يقتل الذمي بكافر ولا المسلم بكافر، فالمراد بالكافر الأول الحربي فيقول الحنفي والمراد بالكافر الثاني الحربي أيضا لوجود الاشتراك المذكور، وقد مر التمثيل بالخبر لمسألة أن المعطوف على العام لا يعم، وما قيل من أنه لا حاجة لذكر هذه المسألة لعلمها من مسألة القران يردّ بمنعه لأن ما هنا في تخصيص الحكم المذكور في عام، وما هناك في التسوية بين جملتين فيما لم يذكر من الحكم المعلوم لإحداهما من خارج. . (و) الأصح أن (رجوع ضمير إلى بعض) من العام لا يخصصه حذرا من مخالفة الضمير لمرجعه قلنا لا محذور فيها لقرينة مثاله قوله تعالى ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ مع قوله بعده ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ فضمير وبعولتهن للرجعيات ويشمل قوله والمطلقات معهن البوائن، وقيل لا يشملهن ويؤخذ حكمهن من دليل آخر، وقد يعبر في هذه المسألة بأعم مما ذكر بأن يقال وأن يعقب العام بما يختص ببعضه ولا يخصصه، سواء أكان ضميرا كما مر أم الشامل غيره كالمحلى بأل واسم الإشارة كأن يقال بدل وبعولتهن الخ. وبعولة المطلقات أو هؤلاء أحق بردهن. (و) الأصح أن (مذهب الراوي) للعام بخلافه لا يخصصه ولو كان صحابيا، وقيل يخصصه مطلقا، وقيل يخصصه إن كان صحابيا لأن المخالفة إنما تصدر

стр. 73

عن دليل. قلنا في ظن المخالف لا في نفس الأمر وليس لغيره اتباعه لأن المجتهد لا يقلد مجتهدا وذلك كخبر البخاري من رواية ابن عباس «من بدل دينه فاقتلوه» مع قوله إن صح عنه أن المرتدة لا تقتل، أما مذهب غير الراوي للعام بخلافه فلا يخصصه أيضا كما فهم بالأولى، وقيل يخصصه إن كان صحابيا. (و) الأصح أن (ذكر بعض أفراد العام) بحكم العام (لا يخصص) العام. وقيل يخصصه بمفهومه، إذ لا فائدة لذكره إلا ذلك. قلنا مفهوم اللقب ليس بحجة، وفائدة ذكر البعض نفي احتمال تخصيصه من العام مثاله خبر الترمذي «أيما إهاب دبغ فقد طهر» مع خبر مسلم أنه ﷺ مر بشاة ميتة فقال «هلا أخذتم إهابها فدبتغموه فانتفعتم به» فقالوا إنها ميتة. فقال «إنما حرم أكلها» . (و) الأصح (أن العام لا يقصر على المعتاد) السابق ورود العام. (ولا على ما وراءه) أي المعتاد بل يجري العام على عمومه فيهما، وقيل يقصر على ذلك فالأول كأن كانت عادتهم تناول البر، ثم نهي عن لبيع الطعام بجنسه متفاضلاً فقيل يقصر الطعام على البر المعتاد، والثاني كأن كانت عادتهم بيع البر بالبر متفاضلاً، ثم نهى عن بيع الطعام بجنسه متفاضلاً فقيل يقصر الطعام على غير البر المعتاد والأصح لا فيهما. (و) الأصح (أن نحو) قول الصحابي إنه ﷺ (نهى عن بيع الغرر) كما رواه مسلم من رواية أبي هريرة. (لا يعم) كل غرر وقيل يعمه لأن قائله عدل عارف باللغة والمعنى، فلولا ظهور عموم الحكم مما قاله النبي ﷺ لم يأت هو في الحكاية له بلفظ عام كالغرر. قلنا ظهور عموم الحكم بحسب ظنه ولا يلزمنا اتباعه في ذلك، إذ يحتمل أن يكون النهي عن بيع الغرر بصفة يختص بها فتوهمه الراوي عاما وعدلت إلى نهي عن بيع الغرر عن قوله قضى بالشفعة للجار لقوله كغيره من المحدّثين هو لفظ لا يعرف. (مسألة جواب السؤال غير المستقل دونه) أي دون السؤال كنعم وبلى وغيرهما مما لو ابتدىء به لم يفد (تابع له) أي للسؤال (في عمومه) وخصوصه، لأن السؤال معاد في الجواب، فالأول كخبر الترمذي وغيره أنهصلى الله عليه وسلّم سئل عن بيع الرطب بالتمر؟ فقال «أينقص الرطب إذا يبس» قالوا نعم. قال «فلا إذا» . فيعم كل بيع للرطب بالتمر صدر من السائل أو من غيره، والثاني كقوله تعالى ﴿فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم﴾ (والمستقل) دون السؤال ثلاثة أقسام أخص من السؤال ومساوٍ له وأعم. فـ (ـالأخص) منه (جائز إن أمكنت معرفة) الحكم (المسكوت عنه) منه كأن يقول النبي ﷺ «من جامع في نهار رمضان فعليه كفارة» . كالمظاهر في جواب من أفطر في نهار رمضان ماذا عليه فيفهم من قوله جامع أن الإفطار بغير جماع لا كفارة فيه، فإن لم يمكن معرفة المسكوت عنه من الجواب لم يجز لتأخير البيان عن وقت الحاجة. (والمساوي) له في العموم والخصوص (واضح) كأن يقال لمن قال ما على من جامع في نهار رمضان؟ من جامع في نهار رمضان فعليه كفارة كالظهار، وكأن يقال لمن قال جامعت في نهار رمضان ماذا عليّ؟ عليك إن جامعت في نهار رمضان كفارة كالظهار. والأعم منه مذكور في قولي (والأصح أن العام) الوارد (على سبب خاص) في سؤال أو غيره (معتبر عمومه) نظرا لظاهر اللفظ، وقيل مقصور على السبب لوروده فيه سواء أوجدت قرينة التعميم أم لا. فالأول كقوله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ ، إذ سبب نزوله على ما قيل أن رجلاً سرق رداء صفوان بن أمية، فذكر السارقة قرينة على أنه لم يرد بالسارق ذلك الرجل فقط، والثاني كخبر الترمذي وغيره عن أبي سعيد الخدريّ قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» . أي مما ذكر وغيره، وقيل مما ذكر وهو ساكت عن غيره وقد تقوم قرينة على الاختصاص بالسبب كالنهي عن قتل النساء، فإن سببه أنه ﵊ رأى امرأة حربية في بعض مغازيه مقتولة، وذلك يدل على اختصاصه

стр. 74

بالحربيات فلا يتناول المرتدة. (و) الأصح (أن صورة السبب) التي ورد عليها العام. (قطعية الدخول) فيه لوروده فيها (فلا تخص) منه (بالاجتهاد) . وقيل ظنية كغيرها فيجوز إخراجها منه بالاجتهاد. قال السبكي (ويقرب منها) أي من صورة السبب حتى يكون قطعي الدخول أو ظنية. (خاص في القرآن تلاه في الرسم) أي رسم القرآن بمعنى وضعه مواضعه، وإن لم يتله في النزول. (عام لمناسبة) بين التالي والمتلوّ كما في آية ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت﴾ فإنها إشارة إلى كعب بن الأشرف ونحوه من علماء اليهود لما قدموا مكة وشاهدوا قتلى بدر حرّضوا المشركين على الأخذ بثأرهم، ومحاربة النبيّ ﷺ فسألوهم من أهدى سبيلاً محمد وأصحابه أم نحن فقالوا أنتم مع علمهم بما في كتابهم من نعت النبيّ ﷺ المنطبق عليه، وأخذ المواثيق عليهم أن لا يكتموه فكان ذلك أمانة لازمة لهم ولم يؤدّوها حيث قالوا للمشركين ما ذكر حسدا للنبيّ ﷺ ، وقد تضمنت الآية هذا القول والتوعد عليه المقيد للأمر بمقابله المشتمل على أداء الأمانة التي هي بيان صفة النبيّ ﷺ وذلك مناسب لقوله تعالى ﴿إن الله يأمركم أن تؤدُّوا الأمانات إلى أهلها﴾ ، فهذا عام في كل أمانة وذاك خاص بأمانة هي بيان صفة النبيّ ﷺ بما ذكر والعام تال للخاص في الرسم متراخ عنه في النزول لست سنين مدة ما بين بدر وفتح مكة، وإنما قال السبكي ويقرب منه كذا لأنه لم يرد العام بسببه بخلافها. (مسألة الأصح) أنه (إن لم يتأخر الخاص عن) وقت (العمل) بالعام المعارض له بأن تأخر الخاص عن ورود العام قبل دخول وقت العمل أو تأخر العام عن الخاص مطلقا أو تقارنا بأن عقب أحدهما الآخر أو جهل تاريخهما. (خصص) الخاص. (العام) . وقيل إن تقارنا تعارضا في قدر الخاص، فيحتاج العمل بالخاص إلى مرجح له قلنا الخاص أقوى من العام في الدلالة على ذلك البعض، لأنه يجوز أن لا يراد من العام بخلاف الخاص فلا حاجة إلى مرجح له. وقالت الحنفية وإمام الحرمين العام المتأخر عن الخاص ناسخ له كعكسه. قلنا الفرق أن العمل بالخاص المتأخر لا يلغي العام بخلاف العكس والخاص أقوى من العام في الدلالة فوجب تقديمه عليه. قالوا فإن جهل التاريخ بينهما فالوقف عن العمل بواحد منهما لاحتمال كل منهما عندهم، لأن يكون منسوخا باحتمال تقدمه على الآخر مثال العام (فاقتلوا المشركين) والخاص أن يقال لا تقتلوا الذمي. (وإلا) بأن تأخر الخاص عما ذكر (نسخه) أي نسخ الخاص العام بالنسبة لما تعارضا فيه، وإنما لم يجعل ذلك تخصيصا، لأن التخصيص بيان للمراد بالعام وتأخير البيان عن وقت العمل ممتنع. (و) الأصح أنه (إن كان كل) من المتعارضين (عاما من وجه) خاصا من وجه، (فالترجيح) بينهما من خارج واجب لتعادلهما تقارنا أو تأخر أحدهما أو جهل تاريخهما. وقالت الحنفية المتأخر ناسخ للمتقدم مثال ذلك خبر البخاري «من بدّل دينه فاقتلوه» . وخبر الصحيحين «أنه ﷺ نهى عن قتل النساء» . فالأوّل عام في الرجال والنساء خاص بأهل الردّة، والثاني خاص بالنساء عام في الحربيات والمرتدات، وقد ترجح الأوّل بقيام القرينة على اختصاص الثاني بسببه وهو الحربيات. المطلق والمقيد أي هذا مبحثهما، والمراد اللفظي المسمى بهما. (المختار أن المطلق) ويسمى اسم جنس كما مرّ. (ما) أي لفظ (دلّ على الماهية بلا قيد) من وحدة وغيرها فهو كلي، وقيل ما دل على شائع في جنسه وقائله توهم النكرة غير العامة، واحتج لذلك بأن الأمر بالماهية كالضرب من غير قيد أمر بجزئي من جزئياتها كالضرب بسوط أو عصا أو غير ذلك، لأن الأحكام الشرعية إنما تبنى غالبا على الجزئيات لا على الماهيات المعقولة لاستحالة وجودها في الخارج، ويردّ بأنها إنما يستحيل وجودها كذلك مجردة لا مطلقا

стр. 75

لأنها توجد بوجود جزئي لها لأنها جزؤه وجزء الموجود موجود، فالأمر بالماهية أمر بإيجادها في ضمن جزئي لها لا أمر بجزئي لها، وقيل الأمر بها أمر بكل جزئي منها لإشعار عدم التقييد بالتعميم، وقيل هو أذن في كل جزئي أن يفعل ويخرج عن العهدة بواحد وعلى المختار اللفظ في المطلق والنكرة واحد، والفرق بينهما بالاعتبار إن اعتبر في اللفظ دلالته على الماهية بلا قيد يسمى مطلقا واسم جنس أيضا كما مرّ أو مع قيد الشيوع يسمى نكرة، والقائل بالثاني ينكر اعتبار الأوّل في مسمى المطلق. (والمطلق والمقيد كالعام والخاص) فيما مرّ فما يخص به العام يقيد به المطلق وما لا فلا. لأن المطلق عام من حيث المعنى فيجوز تقييد الكتاب به وبالسنة والسنة بها وبالكتاب، وتقييدهما بالقياس والمفهومين، وفعل النبي وتقريره بخلاف مذهب الراوي، وذكر بعض جزئيات المطلق على الأصح في غير مفهوم الموافقة. . (و) يزيد المطلق والمقيد (أنهما في الأصح إن اتحد حكمهما وسببه) أي سبب حكمهما. (وكانا مثبتين) أمرين كانا كأن يقال في كفارة الظهار في محل أعتق رقبة، وفي آخر أعتق رقبة مؤمنة أو غيرهما نحو تجزىء رقبة مؤمنة تجزىء رقبة أو أحدهما أمر، والآخر خبر نحو تجزىء رقبة مؤمنة أعتق رقبة. (فإن تأخر المقيد) بأن علم تأخره (عن) وقت (العمل بالمطلق نسخه) أي المطلق بالنسبة إلى صدقه بغير المقيد. (وإلا) بأن تأخر المقيد عن وقت الخطاب بالمطلق دون العمل أو تأخر المطلق عن المقيد مطلقا أو تقارنا أو جهل تاريخهما. (قيده) أي المطلق جمعا بين لدليلين، وقيل المقيد ينسخ المطلق إذا تأخر عن وقت الخطاب به كما لو تأخر عن وقت العمل به بجامع التأخر وقيل يحمل المقيد على المطلق بأن يلغى القيد، لأن ذكر المقيد ذكر لجزئي من المطلق فلا يقيده كما أن ذكر فرد من العام لا يخصصه. قلنا الفرق بينهما أن مفهوم القيد حجة بخلاف مفهوم اللقب الذي ذكر فرد من العام منه كما مرّ. (وإن كان أحدهما مثبتا) أمرا أو خبرا (والآخر خلافه) نهيا أو نفيا نحو أعتق رقبة لا تعتق رقبة كافرة أعتق رقبة لا تجزىء رقبة كافرة أعتق رقبة مؤمنة لا تعتق رقبة تجزىء رقبة مؤمنة لا تجزىء رقبة. (قيد المطلق بضد الصفة) في المقيد ليجتمعا فيقيد في المثالين الأولين بالإيمان، وفي الأخيرين بالكفر. (وإلا) بأن كانا منفيين أو منهيين أو أحدهما منفيا والآخر منهيا نحو لا يجزىء عتق مكاتب لا يجزىء عتق مكاتب كافر لا تعتق مكاتبا لا تعتق مكاتبا كافرا. (قيد) المطلق (بها) أي بالصفة (في الأصح) من الخلاف في حجية مفهوم المخالفة، وقيل يعمل بالمطلق بناء على عدم حجية المفهوم (وهي) أي المسألة حينئذ (خاص وعام) لعموم المطلق في سياق النفي الشامل للنهي ويكون المقيد مخصصا لا مقيدا. وقولي إن كان إلى قولي في الأصح أعم مما عبر به. (وإن اختلف حكمهما) مع اتحاد سببهما كما في قوله تعالى في التيمم ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ وفي الوضوء ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ ، وسببهما الحدث مع القيام إلى الصلاة أو نحوها واختلاف الحكم من مسح المطلق وغسل المقيد بالمرفق ظاهر، إذ المسح خلاف الغسل. (أو) اختلف (سببهما) مع اتحاد حكمهما (ولم يكن ثم مقيد) في محلين (بمتنافيين) كما في قوله تعالى في كفارة الظهار ﴿فتحرير رقبة﴾ وفي كفارة القتل ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ (أو) كان ثم مقيد كذلك. و (كان) المطلق (أولى) بالتقييد (بأحدهما) من الآخر من حيث القياس كما في قوله تعالى في كفارة اليمين ﴿فصيام ثلاثة أيام﴾ وفي كفارة الظهار ﴿فصيام شهرين متتابعين﴾ وفي صوم التمتع ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحجّ وسبعة إذا رجعتم﴾ (قيد) المطلق بالقيد أي حمل عليه (قياسا في الأصح) فلا بد من جامع بينهما وهو في المثال الأول موجب الطهر، وفي الثاني حرمة
следующие страницы →