← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

فائدة: ١ ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجوز لها أن تنكح ولو لم تطهر من دم النفاس. لدلالة ألفاظ الحديث عليه. ففي رواية: (فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي). وهو ظاهر القرآن في قوله تعالى (يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ) فعلق الحل بحين الوضع وقصره عليه، ولم يقل إذا طهرت، ولا إذا انقطع دمك. لكن لا يطؤها زوجها حتى تطهر من نفاسها وتغتسل. قَالَ اَلزُّهْرِيُّ: وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ تَزَوَّجَ وَهِيَ فِي دَمِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حتَّى تَطْهُرَ. وذهب بعض العلماء إلى أنها لا تنكح حتى تطهر، لقوله في الحديث: (فلما تعلت من نفاسها) ومعناه: طهرت. والراجح قول الجمهور. وأما الجواب عن فعلها: (فلما تعلت من نفاسها): قال النووي: هذا إخبار عن وقت سؤالها، ولا حجة فيه، وإنما الحجة في قول النبي ﷺ : أنها حلت حين وضعت، ولم يعلل بالطهر من النفاس. وقال القرطبي: وقول ابن شهاب: فلا باس أن تتزوَّج حين وضعت، وإن كانت في دمها، غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر؛ هذا مذهب الجمهور. (ولو كانتْ حاملاً بتَوْأَمين لم تَنقضِ عِدتُها حتى تضَعَ الثاني منهما). وهذا باتفاق أهل العلم، أنه لا تنقضي عدتها حتى تضع الثاني منهما. وإذا كان في بطنها ثلاثة أولاد، وخرج الأول، فلا تنتهي العدة، ثم وضعت الثاني، فلا تنتهي العدة، فلا تنتهي حتى تضع جميع ما في بطنها.

стр. 2767

وهذا أيضاً يشمل الطفل الواحد، فلو خرج بعضه فإنه لا تنتهي العدة حتى يخرج كله. أ- لأن الحمل اسم لجميع ما في الرحم. ب- ولأن العدة إنما شرعت لمعرفة براءة الرحم من الحمل، فإذا علم وجود الولد الثاني فقد تُيقن وجود الموجب للعدة وانتفت البراءة الموجبة لانقضائها. فائدة: الحمل الذي تنقضي به العدة: أن تضع ما يتبين فيه خلق إنسان، بأن تتبين مفاصله ويداه ورجلاه ورأسه ولا عبرة بالخطوط، فإذا تميز بأن عرف رأسه وبانت رجلاه ويداه ووضعت فحينئذ تنقضي العدة. والمدة التي يتبين فيها خلق إنسان: لا يتبين إلا بعد ٨١ يوماً. وقبل ذلك لا يمكن، وبعد (٩٠) متيقن، وقبل (٨٠) لا يمكن. مثال: امرأة مات عنها زوجها وهي حامل ووضعت من شهرين: فلا تنتهي عدتها، لأنه في شهرين لا يتبين فيه خلق إنسان، وتعتد بأربعة أشهر وعشراً. مثال آخر: امرأة مات عنها زوجها وهي حامل، فوضعت من ثلاثة أشهر، فهنا تنقضي عدتها، لأنه في هذه المدة يتبين فيه خلق إنسان.

стр. 2768

(وإن لم تكن حاملاً فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام إن كانت حرة). أي: إذا كانت المرأة المتوفى عنها زوجها غير حامل فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام (سواء كان مدخولاً بها أم غير مدخول بها). أ- لقوله تعالى (والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرا). ب- عن زيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ قالت: قال ﷺ (لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) متفق عليه. قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن عدة المرأة المسلمة غير ذات الحمل من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشراً، مدخولاً بها أو غير مدخول بها. (المغني). والدليل على أن غير المدخول بها يشملها هذا الحكم: عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ (أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ اِمْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ اِبْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا اَلْعِدَّةُ، وَلَهَا اَلْمِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ - اِمْرَأَةٍ مِنَّا - مِثْلَ مَا قَضَيْتَ، فَفَرِحَ بِهَا اِبْنُ مَسْعُودٍ) رواه أبوداود. وقد سبق أن هذا الحديث يدل على ثلاث مسائل: المسألة الأولى: وجوب العدة على المرأة المتوفى عنها زوجها ولو قبل الدخول. المسألة الثانية: أن المرأة التي مات عنها زوجها قبل الدخول عليها العدة. المسألة الثانية: أن المرأة التي مات عنها زوجها لها الميراث ولو قبل الدخول.

стр. 2769

فائدة: ١ عدة الأَمَة نصفها، شهران وخمس ليال، في قول عامة أهل العلم، لإجماع الصحابة على تنصيف عدة الأمَة في الطلاق فكذا عدة الوفاة. فائدة: ٢ اختلف العلماء في المرأة يموت عنها زوجها وهو غائب، أو طلقها وهو غائب، من متى تبدأ العدة؟ فقيل: تعتد من يوم مات زوجها. وهذا مذهب الجمهور. وقيل: تعتد من يوم يأتيها الخبر، وستأتي المسألة إن شاء الله قريباً. فائدة: ٣ لو مات زوج الرجعية: قال في المغني: وإذا مات زوج الرجعية استأنفت عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً بلا خلاف، لأن الرجعية زوجة يلحقها طلاقه وينالها ميراثه، فاعتدت للوفاة كغير المطلقة.

стр. 2770

(وأما المفارقة في حال الحياة، فإذا طلقها قبل أن يدخل بها فلا عدة له عليها). أي: إذا فارق الرجل زوجته في الحياة بطلاق أو فسخ قبل الخلوة والدخول فلا عدة عليها. لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا). قال ابن كثير: هذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن المرأة إذا طلقت قبل الدخول بها لا عدة عليها، فتذهب وتتزوج من فورها متى شاءت، ولا يستثنى من هذا إلا المتوفى عنها زوجها، فإنها تعتد منه أربعة أشهر وعشراً، وإن لم يكن دخل بها بالإجماع أيضاً. فائدة: ١ قوله (المؤمنات) خرج مخرج الغالب، إذ لا فرق في الحكم بين المؤمنة والكتابية في ذلك بالإتفاق. [قاله ابن كثير]. فائدة: ٢ من المسائل التي نستفيدها من الآية: إباحة طلاق المرأة قبل الدخول بها. فائدة: ٣ استدل بهذه الآية بعض العلماء على أن الطلاق لا يقع إلا إذا تقدمه نكاح، لأن الله تعالى قال (إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ) فعقب النكاح بالطلاق، فدل على أنه لا يصح ولا يقع قبله، وهذا مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وطائفة كثيرة من السلف والخلف ﵏. [قاله ابن كثير]. وقد سبقت المسألة ومثالها: أن يقول: إن تزوجت فلانة فهي طالق، ثم فيما بعد تزوجها، فلا تطلق.

стр. 2771

(وإن كان قد دخل بها أو خلا بها، فإن كانت حاملاً فعدتها وضع حملها، قصرت المدة أو طالت). أي: وعدة الزوجة المدخول بها أو خلا بها زوجها وطلقها زوجها وكانت حاملاً أن تضع حملها. لعموم قوله تعالى (وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُن). [وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ] أي: صاحبات الحمل. [أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُن] أي: انقضاء عدتهن بوضع الحمل. (وإن لم تكن حاملاً، فإن كانت تحيض فعدتها ثلاث حيض كاملة). أي: وإن كانت الزوجة غير حامل وطلقها زوجها وكانت ممن تحيض فعدتها ثلاث حيض كاملة. لقوله تعالى (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) أي: ثلاث حيض. [يَتَرَبَّصْنَ] ينتظرن، وهو خبر بمعنى الأمر، فدلت الآية على أن زمن العدة ثلاث حيض. قال ابن قدامة: إن عدة المطلقة، إذا كانت حرة وهي من ذوات القروء، ثلاثة قروء بلا خلاف بين أهل العلم. وذلك لقول الله تعالى (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء). … (المغني). فائدة: ١ قال ابن قدامة: أَنَّ الْحَيْضَةَ الَّتِي تَطْلُقُ فِيهَا، لَا تُحْسَبُ مِنْ عِدَّتِهَا. بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ. أ- لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ، فَتَنَاوَلَ ثَلَاثَةً كَامِلَةً، وَاَلَّتِي طَلَّقَ فِيهَا لَمْ يَبْقَ مِنْهَا مَا تَتِمُّ بِهِ مَعَ اثْنَتَيْنِ ثَلَاثَةٌ كَامِلَةٌ، فَلَا يُعْتَدُّ بِهَا. ب- وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا حُرِّمَ فِي الْحَيْضِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا، فَلَوْ احْتَسَبَتْ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ قُرْءًا، كَانَ أَقْصَرَ لِعِدَّتِهَا، وَأَنْفَعَ لَهَا، فَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّماً.

стр. 2772

فائدة: ٢ قال ابن قدامة: فَإِنْ كَانَتْ عَادَةُ الْمَرْأَةِ أَنْ يَتَبَاعَدَ مَا بَيْنَ حَيْضَتَيْهَا، لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ، وَإِنْ طَالَتْ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَمْ يَرْتَفِعْ حَيْضُهَا، وَلَمْ تَتَأَخَّرْ عَنْ عَادَتِهَا، فَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُوءِ، بَاقِيَةٌ عَلَى عَادَتِهَا، فَأَشْبَهَتْ مَنْ لَمْ يَتَبَاعَدْ حَيْضُهَا. وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا مُخَالِفًا. فائدة: ٣ اختلف العلماء في المراء بالقرء في قوله تعالى (ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ) على قولين: القول الأول: أنه الحيض. وهو مروي عن الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة والصحيح عند الإمام أحمد وهو مذهب الحنفية. قال ابن القيم: هَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى وَعُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ وَأَبِي الدّرْدَاءِ وَابْنِ عَبّاسٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵃ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كُلّهِمْ كَعَلْقَمَةَ وَالْأُسُودِ وَإِبْرَاهِيمَ وَشُرَيْحٍ وَقَوْلُ الشّعْبِيّ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَقَوْلُ أَصْحَابِ ابْنِ عَبّاسٍ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَطَاوُوسٍ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ وَهُوَ قَوْلُ أَئِمّةِ الْحَدِيثِ كَإِسْحَاقِ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَأَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ فَإِنّهُ رَجَعَ إلَى الْقَوْلِ بَهْ وَاسْتَقَرّ مَذْهَبُهُ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ مَذْهَبٌ سِوَاهُ.

стр. 2773

وتفسير القروء بالحيض مستقر معلوم مستفيض وأدلتهم في ذلك. أ-أن الأصل الاعتداد بالحيض، فإن لم يكن فبالأشهر قال تعالى (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً). والمبدل -الحيض- هو الذي يشترط عدمه لجواز إقامة البدل -الأشهر- مقامه، والمبدل هو الحيض فكان هو المراد من القرء. قال ابن قدامة: فنقلهن عند عدم الحيض إلى الاعتداد بالأشهر، فدل ذلك على أن الأصل الحيض، كما قال تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً). ب-ظاهر النص في قوله تعالى (والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ … ). أن العدة ثلاثة، فمن جعل معنى القروء الطهر لم يوجب ثلاثة لأنه يحسب لها الطهر الذي طلقت فيه ولو بقي منه جزء يسير، وهذا يخالف ظاهر النص، ومن جعل معناه الحيض فاشترط له ثلاثة كاملة وهذا الموافق للنص. ج-قوله ﷺ (دعي الصلاة أيام أقرائك). والصلاة لا تترك إلا في الحيض، لذلك استعمل لفظ القروء هنا بمعنى الحيض وهو أصل ما تنقضي به العدة، ولفظ القرء لم يستعمل في الشرع إلا للحيض، وحمله في الآية على ذلك متعين. قال ابن قدامة: ولأن المعهود في لسان الشرع استعمال القرء بمعنى الحيض، قال النبي ﷺ (تدع الصلاة أيام أقرائها). وقال لفاطمة بنت أبي حبيش (انظري، فإذا أتى قرؤك، فلا تصلي، وإذا مر قرؤك، فتطهري، ثم صلي ما بين القرء إلى القرء). رواه النسائي

стр. 2774

ولم يعهد في لسانه استعماله بمعنى الطهر في موضع، فوجب أن يحمل كلامه على المعهود في لسانه. (المغني). د-قوله ﷺ (طلاق الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان) وفيه تصريح بأن القرؤ هو الحيض، وقد أمرت عائشة ﵂ بريرة أن تعتد ثلاث حيض. هـ-ما يدل على الاستبراء هو الحيض، والاستبراء من حكم العدة، والطهر بعد الطلاق لا يدل على براءة الرحم فلا يجوز إدخاله في العدة الدالة على البراءة. القول الثاني: هو الطهر. قال ابن القيم: وَهَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ. وَيُرْوَى وَالشّافِعِيّ وَأَحْمَدُ عَنْ الْفُقَهَاءِ السّبْعَةِ وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَالزّهْرِيّ وَعَامّةِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، والشافعي. (زاد المعاد). ورجحه ابن حزم، والشنقيطي. أ-قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ … ). أي في وقت عدتهن كقوله تعالى (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) أي: في يوم القيامة، فدل على أنه وقت العدة. والطلاق في الحيض محرم، فلزم إيقاعه في الطهر. ب-أمره ﷺ في حديث ابن عمر لعمر بن الخطاب ﵁ أن يراجع ابن عمر زوجته والحديث الوارد في ذلك عن ابن عمر ﵄ (أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول الله ﷺ فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ فقال: مره فليراجعها. ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء).

стр. 2775

وهنا قد فسر النبي ﷺ القرء بالطهر بأن جعله زمان العدة والطلاق؛ لأن الطلاق المأمور به في الطهر فوجب أن يكون الطهر هو العدة دون الحيض. وفي رواية أخرى (طلق ابن عمر امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبي ﷺ قال: مره فليراجعها، قلت: تحتسب؟ قال: أرأيته إن عجز واستحمق؟). وعن ابن عمر ﵄ قال (حسبت على تطليقة). والراجح القول الأول القائل بأن معنى القروء الحيض لا الطهر لذهاب أكابر الصحابة رضوان الله عليهم إليه ومنهم الخلفاء الراشدون، وقد رجحه وصوبه جمع من العلماء. فائدة: ٤ عدة الأمَة حيضتان. قال ابن قدامة: أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: عِدَّةُ الْأَمَةِ بِالْقُرْءِ قُرْءَانِ. مِنْهُمْ؛ عُمَرُ وَعَلِيُّ وَابْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ وَالْقَاسِمُ وَسَالِمٌ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. أ-لقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (قُرْءُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ). ب-وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَقَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ. وَلِأَنَّهُ مَعْنًى ذُو عَدَدٍ، بُنِيَ عَلَى التَّفَاضُلِ، فَلَا تُسَاوِي فِيهِ الْأَمَةُ الْحُرَّةَ، كَالْحَدِّ. وَكَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ حَيْضَةً وَنِصْفًا، كَمَا كَانَ حَدُّهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَدِّ الْحُرَّةِ، إلَّا أَنَّ الْحَيْضَ لَا يَتَبَعَّضُ، فَكَمَّلَ حَيْضَتَيْنِ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ ﵁: لَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَجْعَلَ الْعِدَّةَ حَيْضَةً وَنِصْفًا لَفَعَلْت. (المغني).

стр. 2776

(وإن لم تكن تحيض - كالصغيرة، ومن لم تحض، والآيسة - فعدتها ثلاثة أشهر). عدة بعض النساء اللاتي لا يحضن وهن: الصغيرة: التي لم يأتها الحيض بعد - أو البالغات اللائي لم يأتهن حيض بالكلية - والآيسة: وهي من أيست من الحيض: ثلاثة أشهر. قال ابن قدامة: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ (وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ). فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ فِي أَوَّلِ الْهِلَالِ، اُعْتُبِرَ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ بِالْأَهِلَّةِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ). وَقَالَ سُبْحَانَهُ (إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ). وَلَمْ يَخْتَلِفْ النَّاسُ فِي أَنَّ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ مُعْتَبَرَةٌ بِالْأَهِلَّةِ. وَإِنْ وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ اعْتَدَّتْ بَقِيَّتَهُ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ شَهْرَيْنِ بِالْأَهِلَّةِ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ مِنْ الشَّهْرِ الثَّالِثِ تَمَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا. (المغني). فائدة: وقد اختلف العلماء في سن اليأس: فبعض العلماء يرى أنه سن الخمسين، وبعضهم: يرى أنه يختلف باختلاف النساء، وليس له سن معين تتفق فيه النساء، لأن اليأس ضد الرجاء، فإذا كانت المرأة قد يئست من الحيض لم ترج رجوعه فهي آيسة، سواء كان لها أربعون أو خمسون أو أقل من ذلك أو أكثر، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.

стр. 2777

(فإن كانت تحيض وارتفع حيضها لرضاع أو نحوه انتظرت حتى يعود الحيض فتعتد به). أي: فإن كانت مما تحيض لكن ارتفع حيضها بسبب معلوم كرضاع أو مرض أو غيرهما، كدواء يمنع نزول الحيض وقد تناولته، فإنها تبقى في عدتها حتى يعود الحيض فتعتد به وإن طال الزمن. لأنها مطلقة لم تيأس من الحيض، فلا تزال في عدة حتى يعود الحيض، أو تبلغ سن الإياس فتعتد عدته. وذهب بعض العلماء: إلى أنها تنتظر زوال ما رفع الحيض، كانتهاء الرضاع، أو الشفاء من المرض، فإن عاد الحيض عند زوال ما رفعه اعتدت به، وإلا اعتدت سنة، كالتي ارتفع حيضها ولم تدر سببه. واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال صاحب الإنصاف: وهو الصواب، وهذا هو اللائق بيسر الإسلام وسهولته، لأن القول الأول فيه مشقة عظيمة وحرج لا تأتي الشريعة بمثله. (وان ارتفع ولا تدري ما رفعه، انتظرت تسعة أشهر احتياطاً للحمل، ثم اعتدت بثلاثة أشهر عدة آيسة). أي: من ارتفع حيضها ولا تدري سبب رفعه، فتعتد سنة: تسعة أشهر للحمل، لأنها غالب مدة الحمل. وثلاثة أشهر، عدة الآيسة. لأنه يحتمل أن تكون حاملاً، فتعتد تسعة أشهر لأن هذا غالب الحمل، فإن مكثت تسعة أشهر وتبين أنها غير حامل، فإنها تعتد ثلاثة أشهر وهي عدة الآيسة. وهذا القول هو الصحيح في هذه المسألة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. قال ابن قدامة: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ الرَّجُلَ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ، فَلَمْ تَرَ الْحَيْضَ فِي عَادَتِهَا، وَلَمْ تَدْرِ مَا رَفَعَهُ، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ سَنَةً؛ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ مِنْهَا تَتَرَبَّصُ فِيهَا لِتَعْلَمَ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ هِيَ غَالِبُ مُدَّةُ الْحَمْلِ، فَإِذَا لَمْ يَبْنِ الْحَمْلُ فِيهَا، عُلِمَ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ ظَاهِرًا، فَتَعْتَدَّ بَعْدَ ذَلِكَ عِدَّةَ الْآيِسَاتِ، ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ.

стр. 2778

هَذَا قَوْلُ عُمَرَ ﵁، قَالَ الشَّافِعِيُّ هَذَا قَضَاءُ عُمَرَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، لَا يُنْكِرُهُ مِنْهُمْ مُنْكِرٌ عَلِمْنَاهُ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. (المغني). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: يعني امرأة من ذوات الحيض عمرها ثلاثون سنة، لم تبلغ سن اليأس، ارتفع حيضها، فطلقها زوجها، وهي في هذه الحال، فتعتد سنة، لأن ذلك هو الذي روي عن عمر، وقضى به الصحابة، هذا من حيث الاستدلال بالأثر، أما النظر فلاحتمال أنها حامل تعتد تسعة أشهر، لأن ذلك غالب الحمل، ولاحتمال أنها آيسة تعتد ثلاثة أشهر، لأن عدة الآيسة والتي لم تحض ثلاثة أشهر، فتعتد اثني عشر شهراً من فراق زوجها لها، وهذا من باب الاحتياط. (وإذا ارتابت بعد انقضاء العدة لظهور أمارات الحمل لم تتزوج حتى تزول الريبة). أي: لو أن المرأة اعتدت سنة وانتهت، وبعد السنة ظهر عندها ريبة في بطنها مما يشكك وجود حمل، فهنا لا تتزوج حتى تزول الريبة. وتزول الريبة: إما بظهور الحمل، أو تيقن عدم الحمل، إما بكلام طبيب أو نزول حيض. (ومن ماتَ زوجُها الغائبُ، أو طلقها اعتدت منذُ الفُرقَةِ). أي: من مات زوجها - وهي لم تعلم - أو طلقها، فإنها تعتد من الوفاة لا من حين وصلها الخبر. وهذا القول هو الراجح، وهو قول الجمهور: أنها تعتد من يوم مات زوجها. لعموم الأدلة.

стр. 2779

فلو فرض أنه طلقها، ولم تعلم، وحاضت حيضتين ثم علمت، فإنه يبقى عليها حيضة واحدة، وكذلك إذا مات عنها زوجها، ولم تعلم إلا بعد مضي شهرين، فإنه يبقى عليها شهران وعشرة أيام. وقيل: تعتد من يوم يأتيها الخبر. وبه قال الحسن وعمر بن عبد العزيز. لأن العدة اجتناب أشياء وما اجتنبتها. والراجح قول الجمهور .. فائدة: ١ امرأة المفقود: أي: ومن المعتدات امرأة المفقود، وهو من خفي أمره فلم يعلم أحي هو أم ميت؟ لسفر أو أسر ونحوهما. اختلف العلماء في امرأة المفقود متى تعتد؟ القول الأول: لا تتزوج امرأته حتى يتبين موته أو فراقه لها. قال ابن حجر في فتح الباري: وجاء عن علي: إذا فقدت المرأة زوجها لم تتزوج حتى يقدم أو يموت. أخرجه أبو عبيد في كتاب النكاح. وقال عبد الرزاق: بلغني عن ابن مسعود أنه وافق علياً في امرأة المفقود أنها تنتظره أبداً. القول الثاني: من فقد زوجها -بأي صورة تم فقده - أن ترفع أمرها للحاكم، ثم تنتظر أربع سنين، ثم تعتد عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً، ثم تتزوج -إن شاءت-. قضى بهذا الخليفتان عمر وعثمان وغيرهم من الصحابة والتابعين. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري: فإن مذهب الزهري في امرأة المفقود أنها تتربص أربع سنين. وقد أخرجه عبد الرزاق وسعيد ابن منصور وابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن عمر، منها لعبد الرزاق من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان قضيا بذلك.

стр. 2780

وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح عن ابن عمر وابن عباس قالا: تنتظر امرأة المفقود أربع سنين. وثبت أيضاً عن عثمان وابن مسعود في رواية وعن جمع من التابعين كالنخعي وعطاء والزهري ومكحول والشعبي. واتفق أكثرهم على أن التأجيل من يوم ترفع أمرها للحاكم وعلى أنها تعتد عدة الوفاة بعد مضي الأربع سنين واتفقوا أيضاً على أنها إن تزوجت فجاء الزوج الأول خُير بين زوجته وبين الصداق، وقال أكثرهم: إذا اختار الأول (الصداق) غرمه الثاني، ولم يفرق أكثرهم بين أحوال الفقد إلا ما تقدم عن سعيد بن المسيب. (الفتح). القول الثالث: تنتظر أربع سنين ثم تعتد، وهؤلاء قالوا بالتفصيل: قالوا: إذا كان ظاهر غيبته الهلاك انتظر به أربع سنين منذ فُقِد، وإن كان ظاهر غيبته السلامة انتظر به تمام تسعين سنة منذ ولد. مثال: فمن فقد وعمره (٨٠) سنة، فإن كان غالب سفره الهلاك انتظر أربع سنين، وإن كان غالب سفره السلامة انتظر عشر سنوات. وذهب بعض العلماء: إلى أنه يرجع في تقدير مدة الانتظار إلى اجتهاد الحاكم، لعدم الدليل على التحديد، لأنه إذا تعذر الوصول إلى اليقين، يُرجع إلى غلبة الظن في كل مسائل الدين، فيجتهد الحاكم في تقدير مدة الانتظار، ويختلف ذلك باختلاف الأزمنة والبلدان والأشخاص واختلاف وسائل البحث. قال السعدي: وامرأة المفقود تنتظرُ حتى يحكمَ بموتهِ، بحسب اجتهاد الحاكم ثم تعتد. فإذا حكم الحاكم وقضى بأنه ينتظر سنتين، فبعد مرور السنتين نحكم بموته، وبعد ذلك تعتد المرأة أربعة أشهر وعشراً، وبعد هذه العدة لها أن تتزوج.

стр. 2781

فائدة: ٢ ما الحكم إن تزوجت امرأة المفقود ثم قدم زوجها الأول؟ إن تزوجت امرأة المفقود بعد خروجها من العدة، ثم قدم زوجها الأول: الحالة الأولى: إن كان قدومه قبل وطء الثاني فهي للأول. لماذا؟ قالوا: لأنه لما قدم الزوج الأول تبيّن أن نكاح الثاني باطل، لأنه نكاح امرأةٍ ذات زوج، ونكاح المرأة ذات الزوج باطل. الحالة الثانية: أن يكون قدومه بعد وطء الثاني، فهو يخيّر الزوج الأول، فإن شاء استردها، وإن شاء أبقاها مع الزوج الثاني. فإن استردها فهل يحتاج إلى تجديد عقد؟ الجواب: لا، لأنها زوجة له. وإن اختار أن تبقى عند الثاني؟ فهل يحتاج الثاني إلى تجديد عقد؟ الجواب: لا يحتاج إلى تجديد عقد لأن هذا العقد صحيح في حكم الظاهر. وقيل: لابد من تجديد العقد، وهذا أقيس لأنه بقدوم الأول تبين أن نكاح الثاني باطل. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن الزوج الأول له الخيار حتى لو قبل الوطء، فإن اختار أن يأخذها فله ذلك وان اختار أن يتركها مع الثاني فله ذلك. • بالنسبة لبعد الوطء واختار الزوج الأول أن يأخذها، فإنه لا يطأ حتى تعتد من الثاني. • وإن اختار أن تبقى مع الثاني؟ المذهب لا يحتاج الثاني لتجديد عقد، وقيل: لابد من تجديد العقد، وهذا أصح. • بالنسبة للصداق: إذا اختار أن تبقى مع الثاني؟ الزوج الأول يرجع للزوج الثاني، ويرجع بما أعطاها هو. ويرجع الثاني على الزوجة عند بعض العلماء، وقيل: لا يرجع الثاني على المرأة إلا إذا كان منها غرور بحيث لم تعلمه بأنها امرأة مفقود، أما إذا أعلمته بأنها امرأة مفقود فلا يرجع، لأنه دخل على بينّة وبصيرة.

стр. 2782

(ومتى نَكَحَتْ المُعتدةُ فنكاحها باطلٌ ويُفرّق بينَهما). أي: أن المرأة المعتدة من الغير لا يحل نكاحها حتى تنقضي عدتها، فإن نكحت فنكاحها باطل. لقوله تعالى (وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) أي: ولا تعقدوا عقد النكاح حتى تنتهي العدة والمراد: ببلوغ الكتاب أجله: انقضاء العدة. وقد نقل ابن رشد الاتفاق على أن النكاح لا يجوز في العدة. قال ابن قدامة: المعتدة لا يجوز لها أن تنكح في عدتها، إجماعاً، أي عدة كانت; لقول الله تعالى: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) .. وإن تزوجت، فالنكاح باطل. جاء في (الموسوعة الفقهية) اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلأْجْنَبِيِّ نِكَاحُ الْمُعْتَدَّةِ أَيًّا كَانَتْ عِدَّتُهَا مِنْ طَلَاقٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ شُبْهَةٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا أَمْ بَائِنًا بَيْنُونَةً صُغْرَى أَوْ كُبْرَى. وَذَلِكَ لِحِفْظِ الأْنْسَابِ وَصَوْنِهَا مِنَ الاِخْتِلَاطِ وَمُرَاعَاةً لِحَقِّ الزَّوْجِ الأْوَّل. - فإذا وقع فإنه يجب التفريق بينها وبين زوجها الثاني، ثم تكمل عدتها من الأول، ثم إذا فرغت من عدة الأول جاز للثاني أن يعقد عليها عقداً جديداً. قال ابن قدامة: وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَنْكِحَ فِي عِدَّتِهَا، إجْمَاعًا، أَيَّ عِدَّةٍ كَانَتْ. لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ). وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ إنَّمَا اُعْتُبِرَتْ لِمَعْرِفَةِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ، وَامْتِزَاجِ الْأَنْسَابِ. وَإِنْ تَزَوَّجَتْ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ النِّكَاحِ لِحَقِّ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ، فَكَانَ نِكَاحًا بَاطِلًا، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ وَهِيَ فِي نِكَاحِهِ، وَيَجِبُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَالْعِدَّةُ بِحَالِهَا، وَلَا تَنْقَطِعُ بِالْعَقْدِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ لَا تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا، وَلَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ شَيْءٌ، وَتَسْقُطُ سُكْنَاهَا وَنَفَقَتُهَا عَنْ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهَا نَاشِزٌ، وَإِنْ وَطِئَهَا، انْقَطَعَتْ الْعِدَّةُ سَوَاءٌ عَلِمَ التَّحْرِيمَ أَوْ جَهِلَهُ.

стр. 2783

ثم قال: إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَعَلَيْهِ فِرَاقُهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، وَجَبَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ فَارَقَهَا أَوْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تُكْمِلَ عِدَّةَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ، وَعِدَّتُهُ وَجَبَتْ عَنْ وَطْءٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَإِذَا أَكْمَلَتْ عِدَّةَ الْأَوَّلِ، وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ مِنْ الثَّانِي، وَلَا تَتَدَاخَلُ الْعِدَّتَانِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ رَجُلَيْنِ. (المغني). قال ابن كثير: قد أجمع العلماء على أنه لا يصح العقد في مدة العدة، واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها فدخل بها، فإنه يفرق بينهما، وهل تحرم عليه أبدا؟ على قولين: الجمهور على أنها لا تحرم عليه، بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها. وذهب الإمام مالك إلى أنها تحرم عليه على التأبيد. (التفسير). فائدة: ١ عدة المختلعة. تقدم أن العلماء اختلفوا في ذلك على قولين: قيل: ثلاث حيض. وقيل: حيضة واحدة. واختاره ابن تيمية. وتقدمت المسألة.

стр. 2784

فائدة: ٢ عدة الزانية. تقدم أيضاً أن العلماء اختلفوا في عدتها: فقيل: تعتد كالمطلقة، بثلاث حيض. وقيل: تستبرأ بحيضة واحدة. واختاره ابن تيمية. تنبيه: قال ابن قدامة: وَكَّلَ فُرْقَةٍ بَيْنَ زَوْجَيْنِ فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الطَّلَاقِ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِخُلْعٍ أَوْ لِعَانٍ أَوْ رَضَاعٍ، أَوْ فَسْخٍ بِعَيْبٍ، أَوْ إعْسَارٍ، أَوْ إعْتَاقٍ، أَوْ اخْتِلَافِ دِينٍ، أَوْ غَيْرِهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عِدَّةَ الْمُلَاعَنَةِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ. وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ. وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، أَنَّ عِدَّةَ الْمُخْتَلِعَةِ حَيْضَةٌ. (المغني)

стр. 2785

باب الإحداد الإحداد لغة المنع، ومنه سمي البواب حداداً لمنعه الداخل. واصطلاحاً: تربص تجتنب فيه المرأة ما يدعو إلى جماعها أو يرغب في النظر إليها من الزينة وما في معناها مدة مخصوصة. - الحكمة من الإحداد: أولاً: تعظيم خطر هذا العقد ورفع قدره. ثانياً: تعظيم حق الزوج وحفظ عشرته. ثالثاً: تطييب نفس أقارب الزوج ومراعاة شعورهم. رابعاً: سد ذريعة تطلع المرأة للنكاح أو تطلع الرجال إليها. خامساً: موافقة الطباعة البشرية.

стр. 2786

(وهُوَ واجب). أي: الإحداد واجب على المرأة التي توفي عنها زوجها، سواء كانت مدخولاً بها أم لا. عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلاَّ عَلَى زَوْجٍ: أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) متفق عليه. وعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى الْمَيِّتِ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلا عَلَى زَوْجٍ: أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً، وَلا تَلْبَسُ ثَوْباً مَصْبُوغاً إلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلا تَكْتَحِلُ، وَلا تَمَسُّ طِيباً، إلاَّ إذَا طَهُرَتْ: نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ). فالحديث ظاهر في المنع من الإحداد على أحد فوق ثلاث إلا الزوج، فإنه يحد عليه أربعة أشهر وعشراً، ويدل لذلك رواية مسلم: (. . . إلا على زوجها فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشراً) فقوله ﷺ : (فإنها تحد) خبر بمعنى الأمر. فائدة: ١ والإحداد منه واجب، ومنه جائز، ومنه ممنوع، فالواجب على المتوفى عنها، والجائز على من مات له صديق أو قريب لمدة ثلاثة أيام، والممنوع ما زاد على ذلك؛ كأربعة أيام أو خمسة أو أكثر. … (الشرح الممتع). فائدة: ٢ الإحداد على غير الزوج جائز. فيجوز للمرأة أن تحد على غير زوجها، كالأخ، أو الأب، أو أم، أو أي قريب - ثلاثة أيام فأقل، لكنه غير واجب. فالحديث السابق يدل على الجواز والإباحة. قال ابن القيم: فإن الإحداد على الزوج واجب وعلى غيره جائز.

стр. 2787

قال الحافظ ابن حجر: وليس ذلك واجباً لاتفاقهم على أن الزوج لو طالبها بالجماع لم يحل لها منعه في تلك الحال. وقال ابن بطال: الإحداد: ترك المرأة الزينة كلها من اللباس والطيب والحلى والكحل، وكل ما كان من دواعي الجماع، يقال: امرأة حادّ ومحدّ، وأباح النبي ﷺ أن تحد المرأة على غير زوجها من ذوى محارمها ثلاثة أيام، لما يغلب من لوعة الحزن، ويهجم من أليم الوجد، ولم يوجب ذلك عليها، وهذا مذهب الفقهاء، وحرم عليها من الإحداد ما فوق ذلك. ومما يدل على أن الإحداد في الثلاثة أيام على غير الزوج غير واجب إجماع العلماء على أن من مات أبوها، أو ابنها، وكانت ذات زوج، وطالبها زوجها بالجماع في الثلاثة الأيام التي أبيح لها الإحداد فيها أنه يقضى له عليها بالجماع فيها، ونص التنزيل أن الإحداد على ذوات الأزواج أربعة أشهر وعشرًا واجب. (مُدةَ العِدةِ). أي: زمن العدة سواء طالت أم قصرت، فإذا كانت حائلاً فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، وإحدادها أربعة أشهر وعشرة أيام، وإذا كانت حاملاً فعدتها إلى وضع الحمل، فإحدادها إلى وضع الحمل، وإذا لم تعلم بموت زوجها إلا بعد تمام العدة فلا إحداد؛ لأنه تابع للعدة. (على كل امرأةٍ مات عنها زوجها). كما تقدم في الأحاديث السابقة. (ولوْ كتابيةً). أي: يجب الإحداد ولو كانت الزوجة من أهل الكتاب. لعموم الأدلة الموجبة للإحداد، فإن الأدلة لم تفرق بين مسلمة وكتابية.

стр. 2788

وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجب عليها الإحداد. لقوله ﷺ (لَا يَحِلّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِن بِاَللَّهِ … ) فَخَصَّهُ بِالْمُؤْمِنَةِ. والراجح قول الجمهور. وأما المراد بقوله ﷺ : (تؤمن بالله واليوم الآخر … ) الإغراء، أي إغراء المرأة على الفعل. قال النووي: فَيَجِب عَلَى كُلّ مُعْتَدَّة عَنْ وَفَاة سَوَاء الْمَدْخُول بِهَا وَغَيْرهَا وَالصَّغِيرَة وَالْكَبِيرَة وَالْبِكْر وَالثَّيِّب وَالْحُرَّة وَالْأَمَة وَالْمُسْلِمَة وَالْكَافِرَة هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَغَيْره مِنْ الْكُوفِيِّينَ وَأَبُو ثَوْر وَبَعْض الْمَالِكِيَّة: لَا يَجِب عَلَى الزَّوْجَة الْكِتَابِيَّة بَلْ تَخْتَصّ بِالْمُسْلِمَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ (لَا يَحِلّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِن بِاَللَّهِ) فَخَصَّهُ بِالْمُؤْمِنَةِ. وَدَلِيل الْجُمْهُور أَنَّ الْمُؤْمِن هُوَ الَّذِي يَشْمَل خِطَاب الشَّارِع وَيَنْتَفِع بِهِ وَيَنْقَاد لَهُ، فَلِهَذَا قَيَّدَ بِهِ. (أَوْ أَمَةً). أي: يجب الإحداد على المتوفى عنها زوجها ولو كانت أمة، وتكون أمة إذا كان زوجها رقيقاً، أو كان حراً ممن يجوز له نكاح الإماء، فتلزمها العدة والإحداد. (أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفَةٍ). أي: يجب الإحداد على المتوفى عنها زوجها ولو كانت مجنونة. وهذا مذهب جماهير العلماء. لعموم الأدلة الدالة على وجوب الإحداد.

стр. 2789

- ويجب أيضاً الإحداد على الصغيرة. أ-لعموم الأدلة الدالة على وجوب الإحداد. ب- واستدلوا أيضاً بحديث أم سلمة وفيه (جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ قال: لا). وجه الدلالة: قال القرطبي: ولم يسأل عن سنها؛ ولو كان الحكم يفترق بالصغر والكبر لسأل عن سنها حتى يبين الحكم، وتأخير البيان في مثل هذا لا يجوز، وأيضا فإن كل من لزمتها العدة بالوفاة لزمها الإحداد كالكبيرة. (التفسير). وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجب الإحداد على الصغيرة. لقوله ﷺ (لامرأة. . .). فقد تمسك بمفهومه الحنفية، فقالوا: لا يجب الإحداد على الصغيرة. وذهب جمهور العلماء على وجوب الإحداد عليها. قالوا: إن التقييد بالمرأة خرج مخرج الغالب. (وتجتنبُ المحادة الزينة). هذا بيان ما تجتنبه المحادة في أيام إحدادها. الزينة: فيحرم على المحادة أن تلبس كل ما فيه زينة من الثياب. لحديث أُمِّ عَطِيَّةَ السابق ( … وَلا تَلْبَسُ ثَوْباً مَصْبُوغاً إلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ … ). وفي حديث أم سلمة عند أبي داود: (. . . ولا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشَّقة. . .).

стр. 2790

(الممشقة: المصبوغة بالمشق، بكسر الميم، وهو الطيب الأحمر). فائدة: ذهب بعض العلماء إلى أن المحادة لا تلبس النقاب، لأن المعتدة من وفاة زوجها مشبهة بالمحْرِمَة، والمحرمة تمنع من ذلك، لكن هذا القول فيه بعد. (والطيب). أي: فيحرم على المحادة أن تتطيب. قال ابن قدامة: ولا خلاف في تحريمه عند من أوجب الإحداد. لحديث أم عطية السابق ( … وَلَا تَمَسَّ طِيبًا). قال ابن قدامة: ولأن الطيب يحرك الشهوة، ويدعو إلى المباشرة. فائدة: ١ الأدهان غير المطيبة لا بأس أن تستعملها المحادة لأنها ليست طيباً، فلا يشملها النص. فائدة: ٢ استثنى النبي ﷺ الشيء اليسير عند الطهر للحاجة، لقوله ( … إلاَّ إذَا طَهُرَتْ: نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ). (والحلي). أي: ومما يحرم على المحادة لبس الحلي بأنواعه. قال ابن المنذر: أجمعوا على منع المرأة المحادة من لبس الحلي. لحديث أم سلمة عند أبي داود: (. . . ولا تلبس الحلي. . .).

стр. 2791

فائدة: ١ وهذا المنع شامل لما ظهر من الحلي وما استتر تحت الثياب. والحلي يشمل كل ما تتجمل به المرأة وتتحلى به من قرط أو سوار أو خاتم، سواء ذلك من فضة أو غيرها. فائدة: ٢ ما كان بمعنى الذهب والفضة فله حكم الحلي، لأن قوله ﷺ : (ولا الحلي) والحلي اسم يصدق على الذهب والفضة وغيره كاللؤلؤ والزمرد والألماس. فائدة: ٣ إذا كانت المحادة متلبسة بشيء من الحلي قبل وفاة زوجها، فإن الواجب عليها إزالة ما يمكن إزالته منها. (والتحسين بحناء ونحوه). أي: ومما يحرم على المحادة الخضاب بالحناء ونحوه. ففي حديث أم سلمة: (ولا تختضب. . .). رواه أبو داود قال ابن القيم: فيحرم عليها الخضاب والنقش والحمرة، فإن النبي ﷺ نص على الخضاب منبهاً على هذه الأنواع التي هي أكثر زينة منه وأعظم فتنة، وأشد مضادة لمقصود الحداد. (والكحل). لحديث أم عطية: (. . . ولا تكتحل. . .). متفق عليه وحديث أم سلمة قالت: (جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : لا). متفق عليه، فلم يرخص لها النبي ﷺ مع حاجتها إليه.

стр. 2792

(وَتَجِبُ عِدَّةُ الْوَفَاةِ فِي الْمَنْزِلِ حَيْثُ وَجَبَتْ). هذا من الأمور التي يجب على المحادة فعله: وهو المكث في المنزل الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه. لحديث الفُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكٍ (أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ فَقَتَلُوهُ. قَالَتْ: فَسَأَلْتُ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي; فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْ لِي مَسْكَنًا يَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةً، فَقَالَ: "نَعَمْ". فَلَمَّا كُنْتُ فِي اَلْحُجْرَةِ نَادَانِي، فَقَالَ: " اُمْكُثِي فِي بَيْتِكَ حَتَّى يَبْلُغَ اَلْكِتَابُ أَجَلَهُ". قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ: فَقَضَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ عُثْمَانُ) رواه أبو داود. قال الترمذي بعد إخراجه للحديث: والعمل على هذا الحديث عند أكثر العلم، من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، لم يروا للمعتدة أن تنتقل من بيت زوجها حتى تنقضي عدتها، وهو قول سفيان، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: للمرأة أن تعتد حيث شاءت، وإن لم تعتد في بيت زوجها. والأول أصح. (جامع الترمذي). وقال ابن قدامة: وَمِمَّنْ أَوْجَبَ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الِاعْتِدَادَ فِي مَنْزِلِهَا، عُمَرُ، وَعُثْمَانُ ﵄ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَبِهِ يَقُولُ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، بِالْحِجَازِ، وَالشَّامِ، وَالْعِرَاقِ، وَمِصْرَ وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ. (المغني).

стр. 2793

وقال ابن القيم: بعد أن ذكر القائلين بوجوب العدة في منزلها: وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَالشّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَةَ ﵏ وَأَصْحَابِهِمْ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَإِسْحَاقَ. قَال أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرّ: وَبِهِ تَقُولُ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ بِالْحِجَازِ وَالشّامِ وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ. وَحُجّةُ هَؤُلَاءِ حَدِيثُ الْفُرَيْعَةِ بِنْتِ مَالِكٍ وَقَدْ تَلَقّاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ ﵁ بِالْقَبُولِ وَقَضَى بِهِ بِمَحْضَرِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَتَلَقّاهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْحِجَازِ وَالشّامِ وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ بِالْقَبُولِ وَلَمْ يُعْلَمْ أَنّ أَحَدًا مِنْهُمْ طَعَنَ فِيهِ وَلَا فِي رِوَاتِهِ وَهَذَا مَالِكٌ مَعَ تَحَرّيهِ وَتَشَدّدِهِ فِي الرّوَايَةِ. وَقَوْلُهُ لِلسّائِلِ لَهُ عَنْ رَجُلٍ أَثِقَةٌ هُوَ؟ فَقَالَ لَوْ كَانَ ثِقَةً لَرَأَيْته فِي كُتُبِي: قَدْ أَدْخَلَهُ فِي " مُوَطّئِهِ " وَبَنَى عَلَيْهِ مَذْهَبَهُ. قَالُوا: وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ النّزَاعَ بَيْنَ السّلَفِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَكِنّ السّنّةَ تَفْصِلُ بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرّ: أَمّا السّنّةُ فَثَابِتَةٌ بِحَمْدِ اللّهِ. وَأَمّا الْإِجْمَاعُ فَمُسْتَغْنًى عَنْهُ مَعَ السّنّةِ لِأَنّ الِاخْتِلَافَ إذَا نَزَلَ فِي مَسْأَلَةٍ كَانَتْ الْحُجّةُ فِي قَوْلِ مَنْ وَافَقَتْهُ السّنّة. وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يلزمها لزوم بيت زوجها، بل تعتد حيث شاءت. وهذا قول علي وابن عباس وجابر، وهو قول ابن حزم. فائدة: ١ ما الحكم لو بلغها الخبر وهي في غير بيتها؟ لو بلغها الخبر وهي في بيت غير بيتها، فذهب أكثر العلماء إلى أنه يجب عليها الاعتداد في المنزل الذي توفي زوجها وهي فيه، فإذا بلغها الخبر وهي في غيره وجب عليها الرجوع. قال ابن قدامة: إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ الِاعْتِدَادُ فِي الْمَنْزِلِ الَّذِي مَاتَ زَوْجُهَا وَهِيَ سَاكِنَةٌ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَمْلُوكًا لِزَوْجِهَا، أَوْ بِإِجَارَةٍ، أَوْ عَارِيَّةٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (قَالَ لِفُرَيْعَةَ: اُمْكُثِي فِي بَيْتِك) وَلَمْ تَكُنْ فِي بَيْتٍ يَمْلِكُهُ زَوْجُهَا. وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ (اعْتَدِّي فِي الْبَيْتِ الَّذِي أَتَاك فِيهِ نَعْيُ زَوْجِك) وَفِي لَفْظٍ (اعْتَدِّي حَيْثُ أَتَاك الْخَبَرُ) فَإِنْ أَتَاهَا الْخَبَرُ فِي غَيْرِ مَسْكَنِهَا، رَجَعَتْ إلَى مَسْكَنِهَا فَاعْتَدَّتْ فِيهِ. (المغني).

стр. 2794

فائدة: ٢ سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: فتاة مات عنها زوجها بعد العقد، وقبل الدخول، فأين تعتد؟ فأجاب: في بيت أهلها، لكونها لم تنتقل بعد إلى بيت الزوج. (ثمرات التدوين). (وَلَهَا الْخُرُوجُ لِحَاجَتِهَا نَهَاراً لَا لَيْلاً). أي: يجوز للمحادة أن تخرج من بيتها إذا كان لحاجة في النهار دون الليل. - خروج المحادة من منزلها له أحوال: أولاً: أن يكون لضرورة، فيجوز ليلاً أو نهاراً. مثل: إذا خيف هدم، أو عدو، أو حريق، أو كانت الدار غير حصينة يخشى فيها من اقتحام اللصوص، أو كانت بين فسقة تخاف على نفسها، فإن لها الانتقال. ثانياً: الخروج المؤقت، فهذا جائز إذا كان لحاجة نهاراً. وهذا مذهب جماهير العلماء. واستدلوا بحديث الفريعة السابق.

стр. 2795

ووجه الدلالة فيه: أن النبي ﷺ لم ينكر عليها خروجها من منزلها لما جاءته سائلة عن جواز انتقالها. قال الشيخ ابن عثيمين: مثل لو ذهبت تشتري مثلاً عصيراً؛ أو تشتري شاياً، ومنها أن تكون مدرِّسة فتخرج للتدريس في النهار، ومنها أن تكون دارسة فتخرج للدراسة في النهار لا في الليل، ومنها أنها إذا ضاق صدرها فإنها تخرج إلى جارتها في البيت لتستأنس بها في النهار فقط؛ لأن أزمة ضيق الصدر قد تتطور إلى مرض نفسي، ومنها أن تخرج لتزور أباها المريض، فهي حاجة من جهة الأب، ومن جهتها هي، أما هي فستكون قلقة؛ حيث لم ترَ بعينها حال أبيها، وأما أبوها فإن قلب الوالد يحن إلى ولده، فنقول: لا بأس أن تخرج لتعود أباها إذا مرض، أو أمها، أو أحداً من أقاربها، فلها أن تخرج نهاراً لا ليلاً؛ ووجه التفريق بين الليل والنهار أن الناس في النهار في الخارج والأمن عليها أكثر، وبالليل الناس مختفون والخوف عليها أشد. (الشرح الممتع). ثالثاً: إذا كان لغير حاجة ولا ضرورة، فلا يجوز. كما تقدم. كما لو قالت: أريد أن أخرج للنزهة، أو للعمرة، فإنه لا يجوز؛ لأنه ليس لحاجة ولا لضرورة. فائدة: هل يجوز للمحادة الذهاب لحج الفرض؟ لا يجوز. قال ابن قدامة: الْمُعْتَدَّة مِنْ الْوَفَاةِ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ إلَى الْحَجِّ، وَلا إلَى غَيْرِهِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، ﵄. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْقَاسِمُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالثَّوْرِيُّ.

стр. 2796

وَإِنْ خَرَجَتْ، فَمَاتَ زَوْجُهَا فِي الطَّرِيقِ، رَجَعَتْ إنْ كَانَتْ قَرِيبَةً; لأَنَّهَا فِي حُكْمِ الإِقَامَةِ، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ، مَضَتْ فِي سَفَرِهَا. وَقَالَ مَالِكٌ: تُرَدُّ مَا لَمْ تُحْرِمْ. ويدل عَلَى وُجُوبِ الرُّجُوعِ إذَا كَانَتْ قَرِيبَةً، مَا رَوَى سَعِيدٌ بن منصور عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: تُوُفِّيَ أَزْوَاجٌ، نِسَاؤُهُنَّ حَاجَّاتٌ أَوْ مُعْتَمِرَاتٌ، فَرَدَّهُنَّ عُمَرُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، حَتَّى يَعْتَدِدْنَ فِي بُيُوتِهِنَّ .... وَلَوْ كَانَتْ عَلَيْهَا حِجَّةُ الإِسْلامِ، فَمَاتَ زَوْجُهَا، لَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ فِي مَنْزِلِهَا وَإِنْ فَاتَهَا الْحَجُّ; لأَنَّ الْعِدَّةَ فِي الْمَنْزِلِ تَفُوتُ، وَلا بَدَلَ لَهَا، وَالْحَجُّ يُمْكِنُ الإِتْيَانُ بِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْعَام. (المغني). وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: عن امرأة عزمت على الحج هي وزوجها فمات زوجها في شعبان: فهل يجوز لها أن تحج؟ فأجاب: ليس لها أن تسافر في العدة عن الوفاة إلى الحج في مذهب الأئمة الأربعة. (مجموع الفتاوى). وجاء في (الموسوعة الفقهية) ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ خُرُوجُ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ وَفَاةٍ إلَى الْحَجِّ، لأَنَّ الْحَجَّ لا يَفُوتُ، وَالْعِدَّةُ تَفُوت. وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن امرأة توفي عنها زوجها وأدركها حج الفريضة، وهي في الحداد وهي مستطيعة وقادرة وعندها محرم هل تحج أو لا؟ فأجاب: لا تحج، بل تبقى في بيتها، وفي هذه الحال لا يجب عليها الحج، لقول الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) وهذه المرأة لا تستطيع شرعاً، وإن كان معها محرم، وتؤجل إلى السنة الثانية، أو الثالثة حسب استطاعتها. (مجموع فتاوى ابن عثيمين)

стр. 2797

(فَإِنْ تَحَوَّلَتْ خَوْفاً، أَوْ قَهْراً، أَوْ بِحَقٍّ، انْتَقَلَتْ حَيْثُ شَاءَتْ). قال ابن قدامة: فَإِنْ خَافَتْ هَدْمًا أَوْ غَرَقًا أَوْ عَدُوًّا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، أَوْ حَوَّلَهَا صَاحِبُ الْمَنْزِلِ لِكَوْنِهِ عَارِيَّةً رَجَعَ فِيهَا، أَوْ بِإِجَارَةٍ انْقَضَتْ مُدَّتُهَا، أَوْ مَنَعَهَا السُّكْنَى تَعَدِّيًا، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ إجَارَتِهِ، أَوْ طَلَبَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ، أَوْ لَمْ تَجِدْ مَا تَكْتَرِي بِهِ، أَوْ لَمْ تَجِدْ إلَّا مِنْ مَالِهَا، فَلَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ؛ لِأَنَّهَا حَالُ عُذْرٍ، وَلَا يَلْزَمُهَا بِذَلِكَ أَجْرِ الْمَسْكَنِ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهَا فِعْلُ السُّكْنَى، لَا تَحْصِيلُ الْمَسْكَنِ، وَإِذَا تَعَذَّرَتْ السُّكْنَى، سَقَطَتْ، وَلَهَا أَنْ تَسْكُنَ حَيْثُ شَاءَتْ. … (المغني). وسئل علماء اللجنة الدائمة عن امرأة مات زوجها وليس في مدينتهم أحد يقوم بمسئوليتها، فهل لها أن تعتد في مدينة أخرى؟ فأجابوا: إذا كان الواقع كما ذكر من أنها لا يوجد في البلد الذي مات فيه زوجها من يقوم بمسئولياتها وشئونها، ولا تستطيع أن تقوم هي بشئون نفسها شرعاً، جاز لها أن تنتقل إلى بلد آخر تأمن فيه على نفسها، وتجد فيه من يقوم بشئونها شرعاً. (فتاوى اللجنة الدائمة) وجاء فيها أيضاً: إذا كان تحول أختك المتوفى عنها زوجها من بيت الزوجية إلى بيت آخر في أثناء عدة الوفاة للضرورة، كأن تخاف على نفسها من البقاء فيه وحدها، فلا بأس بذلك، وتكمل عدتها في البيت الذي انتقلت إليه " انتهى - قوله (حَيْثُ شَاءَتْ) هذا القول هو الصحيح، خلافاً لمن قال إنها تنتقل إلى أقرب مكان آمن من بيتها. مثلاً لزوجها بيتان، بيت هي ساكنته، وبيت آخر ساكنته زوجة أخرى، والزوجة الأولى تخاف على نفسها، فهل نقول: يجب أن تنتقل إلى البيت القريب، أو لها أن تنتقل عند أهلها ولو كانوا بعيدين؟ نقول: لها أن تنتقل إلى بيت أهلها ولو كانوا بعيدين؛ لأنه لما تعذر المكان الأصلي سقط الوجوب.

стр. 2798

(وَإِنْ ترَكَتِ الإِحْدَادَ أَثِمَتْ، وَتَمَّتْ عِدَّتُهَا بِمُضِيِّ زَمَانِهَا). أي: وإن تركت المحادة الإحداد عمداً (بأن تطيبت أو لبست الحلي) فإنها تعتبر آثمة: لأنها تركت واجباً. وتمت عدتها بِمُضِيِّ زَمَانِهَا: أي زمان العدة، لأن الإحداد ليس شرطاً في انقضاء العدة. (وإنْ خرجتْ لسفرٍ أو حجٍ فتوفيَ زوجُها وهي قريبة، رجعت لتعتد في بيتِها، وإن تباعدتْ مضتْ في سفرِها). المعتدة التي مات عنها زوجها في الحج، لا تخلو من حالتين: الحال الأولى: أن يأتيها خبر وفاة زوجها قبل أن تخرج من بيتها للحج، فهذه لا يجوز لها الخروج للحج. قال ابن قدامة: ولو كانت عليها حجة الإسلام، فمات زوجها، لزمتها العدة في منزلها، وإن فاتها الحج; لأن العدة في المنزل تفوت، ولا بدل لها، والحج يمكن الإتيان به في غير هذا العام". (المغني). الحال الثانية: أن يأتيها خبر وفاة زوجها بعد أن خرجت للحج، فهذه ينظر في حالها: أ- فإن كانت قريبة، بحيث لم تقطع مسافة القصر، فترجع وتعتد في بيت زوجها. ب- وإن كانت قد قطعت مساقة القصر، فتمضي في سفرها، ولا يلزمها الرجوع. قال ابن قدامة: وإن خرجت، فمات زوجها في الطريق، رجعت إن كانت قريبة; لأنها في حكم الإقامة، وإن تباعدت، مضت في سفرها. وقال مالك: ترد ما لم تحرم. والصحيح أن البعيدة لا ترد. (المغني). وقد سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀: إذا خرجت المرأة حاجة، وبعد وصولها إلى جدة سمعت بوفاة زوجها، فهل لها أن تتم الحج، أو أن تجلس للحداد؟ فأجاب: تتم الحج؛ لأنها إن رجعت سترجع بسفر، وإن بقيت بقيت بسفر مستمر، فتتم الحج لا سيما إذا كان فريضة، ثم ترجع، وحتى لو كان نافلة فإنها تتمه.

стр. 2799

فائدة: ١ كيف حساب مدة الإحداد (أربعة أشهر وعشراً)؟ تعتد المرأة المتوفى عنها زوجها بالأشهر القمرية لا بالأشهر الشمسية؛ وذلك لأن الأحكام الشرعية إنما تناط بالأشهر القمرية. ويحتسب الشهر بهلاله إذا كانت الوفاة في أول الشهر، فلو كانت بعض الشهور تامة ثلاثين يوما، وبعضها ناقصة تسعة وعشرين يوما، فالاعتداد صحيح ولا يلزم المعتدة قضاء ما نقص من أيام ذلك الشهر الناقص. جاء في "الموسوعة الفقهية": إن حساب أشهر العدة في الطلاق أو الفسخ أو الوفاة يكون بالشهور القمرية لا الشمسية، فإذا كان الطلاق أو الوفاة في أول الهلال اعتبرت الأشهر بالأهلة؛ لقوله تعالى: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) حتى ولو نقص عدد الأيام; لأن الله أمرنا بالعدة بالأشهر، فقال سبحانه (فعدتهن ثلاثة أشهر)، وقال تعالى: (أربعة أشهر وعشراً)، فلزم اعتبار الأشهر، سواء أكانت ثلاثين يوما أو أقل " انتهى. وأما إذا كانت الوفاة في أثناء الشهر: فإنها تعتد بقية الشهر الأول، وثلاثة شهور بالأهلة - كاملة أو ناقصة-، وعشرة أيام، وما فاتها من الشهر الأول لها في حسابه طريقتان لأهل العلم: الأولى: أن تحسب ثلاثين يوماً، سواء كان الشهر في واقع الأمر تاماً أم ناقصاً؛ فإذا كانت قد اعتدت منه عشرين يوماً، أكملت عشراً في الشهر الخامس، وهكذا. الثانية: أن تعتد من الشهر الخامس بقدر ما فاتها من الأول، سواء كان الشهر تاماً أم ناقصاً.

стр. 2800

وينظر: المغني (٨/ ٨٥)، كشاف القناع (٥/ ٤١٨)، الموسوعة الفقهية (٢٩/ ٣١٥). وقد اختار القول الثاني شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ورجحه من علمائنا المعاصرين الشيخ ابن عثيمين ﵀. فقد ذكر الشيخ ابن عثيمين فيمن صام شهرين متتابعين ابتداء من يوم ١٥ جمادى الأولى، وكان كل من جمادى الأولى والآخرة تسعة وعشرين يوما، أنه ينتهي صيامه بصوم اليوم الخامس عشر من رجب، على القول بأنه يتم الشهر الأول ثلاثين يوماً. وعلى القول الراجح يعتبر الشهرين بالهلال، فينتهي صومه بصوم اليوم الرابع عشر من رجب. وكذلك ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه "لا حاجة إلى أن نقول بالعدد، بل ننظر اليوم الذي هو المبدأ من الشهر الأول، فتكون النهاية مثله من الشهر الآخر" انتهى من (مجموع الفتاوى). مثال ذلك في عدة الوفاة: لو توفي الرجل في يوم ١٢ من محرم، فتعتد امرأته إلى ١٢ جمادى الأولى، فهذه أربعة أشهر، سواء كانت كاملة أم ناقصة، ثم تزيد عشرة أيام، فتنتهي عدتها يوم ٢٢ جمادى الأولى في الساعة التي مات فيها زوجها. وعلى هذا، فليس على أمك إلا أن تزيد عشرة أيام فقط، وليس عليها أن تكمل الأشهر الناقصة ثلاثين يوماً. وما قلناه هنا في عدة الوفاة ينطبق على من صام شهرين متتابعين، وينطبق أيضاً على عدة الطلاق إذا حسبت بالشهور، وذلك في حال كون المطلقة صغيرة أو يائسة لا تحيض. (الاسلام س ج).

стр. 2801

فائدة: ٢ الإحداد على المطلقة البائن؟ الصحيح أنه لا يجب عليها الإحداد. قال ابن قدامة: وهو قول عطاء، وربيعة، ومالك، وابن المنذر ونحوه قول الشافعي. ورجحه ابن القيم، والشوكاني. أ-لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا). وَهَذِهِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِحْدَادَ إنَّمَا يَجِبُ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ. ب- وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ عَنْ غَيْرِ وَفَاةٍ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ، كَالرَّجْعِيَّةِ، وَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ. ج- وَلِأَنَّ الْإِحْدَادَ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ لِإِظْهَارِ الْأَسَفِ عَلَى فِرَاقِ زَوْجِهَا وَمَوْتِهِ، فَأَمَّا الطَّلَاقُ فَإِنَّهُ فَارَقَهَا بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ، وَقَطَعَ نِكَاحَهَا، فَلَا مَعْنَى لَتَكْلِيفِهَا الْحُزْنَ عَلَيْهِ. … (المغني). وقال ابن القيم: فَإِنْ قِيلَ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُعْتَدّةِ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ زِنًى أَوْ اسْتِبْرَاءِ إحْدَادٍ؟ قُلْنَا: هَذَا هُوَ الْحُكْمُ الْخَامِسُ الّذِي دَلّتْ عَلَيْهِ السّنّةُ أَنّهُ لَا إحْدَادَ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ لِأَنّ السّنّةَ أَثْبَتَتْ وَنَفَتْ فَخَصّتْ بِالْإِحْدَادِ الْوَاجِبِ الزّوْجَاتِ وَبِالْجَائِزِ غَيْرَهُنّ عَلَى الْأَمْوَاتِ خَاصّةً وَمَا عَدَاهُمَا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي حُكْمِ التّحْرِيمِ عَلَى الْأَمْوَاتِ فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ دُخُولُهُ فِي الْإِحْدَادِ عَلَى الْمُطَلّقَةِ الْبَائِن. … (زاد المعاد).

стр. 2802

فائدة: ٣ أحدث بعض الناس أموراً في الإحداد لا أصل لها في الشرع، منها: o التزام بعض النساء لباساً معيناً (كالأسود) للإحداد. o امتناع المحادة من مشط شعرها. o امتناع المحادة من الاغتسال للتنظف. o امتناع المحادة عن العمل في بيتها من خياطة وغيرها. o امتناع المحادة من البروز للقمر. o امتناع المحادة من الظهور على سطح البيت.

стр. 2803

باب الاستبراء الاستبراء: لغة طلب البراءة. واصطلاحاً: تربص يقصد منه العلم ببراءة الرحم. (ومن ملَكَ أَمَةً يوطأ مثلُها من أي شخصٍ كان، حرُمَ عليهِ وطءٌ ومقدماتهِ قبل استبراءِ حامل بوضع، ومن تحيض بحيضة). أي: إذا اشترى أمَة أو وهبتْ له أو ملكها بعد زوج، فلا يجوز أن يجامعها حتى يستبرئها بحيضة، ليعلم براءة رحمها، لأنها قد تكون حاملاً من مالكها الأول، وإن كانت حاملاً فلا يطأها حتى تضع. وقد جاء في الحديث: أ-عَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ اَلْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. [لا يحل] أي: يحرم. [أن يسقي ماء غيره] أي: أن يطأ امرأة وهي حبلى من غيره. ب- وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ (لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. فائدة: ١ قوله (حرُمَ عليهِ وطءٌ ومقدماتهِ) أي: يحرم الوطء ومقدماته من المباشرة وغيرها. وهذا المذهب: وذهب بعض العلماء: أنه لا يحرم إلا الوطء. واختاره ابن القيم. لأن النهي إنما جاء عن الوطء فلا يستدل به على تحريم المباشرة.

стр. 2804

فائدة: ٢ قوله (من مَلَكَ أمَةً) ظاهره أن الاستبراء واجب مطلقاً، سواء ملك الأمة من طفل أو امرأة، أو كانت بكراً أو ثيباً. أخذاً بعموم الحديث. وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجب استبراء الأمة إذا ملكها من طفل أو امرأة. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم. لأن المقصود من الاستبراء العلم ببراءة الرحم، فحيث تيقنَ المالك براءة رحم الأمَة فله وطؤها ولا استبراء عليه. - وكذا لو ملكها وهي بكر فلا استبراء عليه. والصحيح يجب الاستبراء ولو كانت بكراً. أ- لعموم الأحاديث التي فيها الأمر باستبراء الإماء، وهي أدلة عامة لم تفرق بين البكر والثيب كما تقدم. ب-قول عمر: من ابتاع جارية قد بلغت المحيض فليتربص بها حتى تحيض. رواه أبو داود. ج- أن العدة تجب على المرأة الحرة البكر مع العلم ببراءة الرحم، فكذلك تقاس عليها الأمَة البكر في وجوب الاستبراء. د- أن السيد ملك جارية كانت محرمة عليه فلم تحل له قبل استبرائها كالثيب التي تحمل.

стр. 2805

كتاب الرضاع الرضاع لغة: مص الثدي. واصطلاحاً: هو مص طفل صغير لبن امرأة أو شربه ونحوه. (يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ). هذا لفظ حديث عن النبي ﷺ . قال ﷺ (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) متفق عليه. معنى الحديث: ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب: من سببية والتقدير: ويحرم النكاح بسبب الرضاعة كما يحرم بسبب النكاح. وقد ذكر الله تعالى المحرمات بالنسب وهن سبع: قال تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ). فيحرم مثلهن من الرضاع، وهن سبع نظير المحرمات بالنسب. والدليل على التحريم بالرضاع الحديث السابق (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب). قال ابن قدامة: كُلُّ امْرَأَةٍ حَرُمَتْ مِنْ النَّسَبِ حَرُمَ مِثْلُهَا مِنْ الرَّضَاعِ، وَهُنَّ الأُمَّهَاتُ، وَالْبَنَاتُ، وَالأَخَوَاتُ، وَالْعَمَّاتُ، وَالْخَالاتُ، وَبَنَاتُ الأَخِ، وَبَنَاتُ الأُخْتِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : (يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلافاً. فتحرم عليك أمك من الرضاع، وأختك من الرضاع، وبنتك من الرضاع. . . الخ.
следующие страницы →