أهدى إليه ساعة ذهبية فكتب رسالة: "عقود الجواهر في حلول الوفد المغربي بالجزائر" (١).
وحين قضى الإمام محمد عبده رثاه ابن الخوجة بقصيدة رائعة تعتبر نموذجاً جيداً لشعره جاء فيها:
مصاب جسيم عمَّ كلَّ العشائر ... وأسلمنا قهراً لحكم المقادر
رمينا بخطب لا يقاس بغيره ... فجئنا برزء ما له من مناظر
وأكبادنا ذابت أسى وكآبة ... وأعيننا مثل العيون الهوامر
على موت مفتي المسلمين وفخرهم ... ومن كان للإسلام نور البصائر
بكت مصر والدنيا جميعاً لفقده ... وأبناؤها من كل بادٍ وحاضر
وأبدى جميع الناس حزناً وحسرة ... وأجروا دموعاً كالغيوث المواطر
...
مميزات تآليفه:
تآليفه تنسيك ما حيك قبلها ... وتغنيك عن جلِّ الطروس الكبائر
أفادت من التحقيق كل يتيمة ... تقاصر عنها كابر إثر كابر
وحلت بتدقيق عويصاً ومشكلاً ... بحيث غدا كالبدر يبدو لناظر
عليك بها إن رمت تجني هدايةً ... وتصبح أستاذ العلوم الغزائر
стр. 37
كتابته:
وانشاؤه قد زاد حسنا وبهجة ... على الدر بل زهر الدراري السوافر
إذا خط أعيا الكاتبين وكم أتى ... بسحر بيان في معان زواهر
"فعروته الوثقى" تريك بلاغة ... يدين لها قس وعبد لقاهر
آهاته عليه:
فواها على شمس المعارف والتقى ... وواها على التذكير فوق المنابر
وواها على التدريس في كل مذهب ... وواها على الأقلام بعد المحابر
وواها على التوحيد والفقه واللغى ... وواها على التفسير أصل العناصر
وواها وواها ألف ألفٍ ولن أفي ... ولو أنني نمَّقت كل الدفاتر
وأنى لنا الصبر الجميل وقد هوى ... منار الهدى واندك طود المفاخر
ورضى الأماني والمكارم قد زوى ... وقد كان للعافين إحدى الذخائر
وغيض عباب العلم والجود في الثرى ... كذا فليكن غيض البحور الزواخر
أعماله:
فمن لكتاب الله يكشف سره ... ويشرحه وفق الفنون الحواضر
فقدنا إماماً كان حجة عصره ... وقدوة أرباب النهى والمظاهر
حكيما سما فوق السماك بهمة ... هماماً جليل القدر حر الضمائر
فيأمر بالمشروع في كل محفل ... وينهى عن المحظور طبق الأوامر
ويصدع بالقول الصحيحِ نصيحة ... ولا يرهبنَّ في الحق أقسى الجبابر
وكم ذب عن دين النبي محمد، ... ودافع عنه بالردود البواتر
فضائله سارت إلى كل وجهة ... وأخلاقه مثل الرياض النواظر
وما دأبه إلا اتخاذ صنيعة ... وكسب معال وابتناء مآثر
وانفاق مال في سبيل مبرة ... واسداء معروف لبرِّ وفاجر
وإرشاد ضلِّيل وإصلاح فاسد ... وابداء مستورٍ وإحياء داثر
وتقويم منآد وتوضيح منهجٍ ... موارده مأمونة كالمصادر
стр. 38
مناقب لم يبلغ مداهن ناثر ... فصيح ولم يستوفها نظم شاعر
عليه سلام الله ما عبرة همت، ... وما فاه بالتأبين عبد جزائري (١)
..... الخ.
إن هذه المرثية تعبر عن معرفة صاحبها بمحمد عبده وخبرته به خبرة مَن لازَمه، ودرس آثاره وكتبه، وتتبع نشاطه، تتبع المعجب بمن أعجب في خصائص فن الكتابة، ومعالجة القضايا العقلية والشرعية وحل المشكلات وطريقة التدريس والتفسيير وفقاً للحياة العلمية والثقافية المعاصرة:
فمن لكتاب الله يكشف سره ... ويشرحه وفق الفنون الحواضر
كما أن هذه القصيدة تدل على أن الشاعر درس العروة الوثقى:
فعروته الوثقى تريك بلاغة ... يدين لها قس وعبد لقاهر
وعلى أنه اطلع على رسالة التوحيد وعلى ما كتبه محمد عبده في اللغة والفقه والتفسير:
وواهاً على التوحيد والفقه واللغى ... وواهاً على التفسير أصل العناصر
وقرأ أيضاً رده على هانوتو وزير الخارجية الفرنسية الذي طعن في الإسلام:
وكم ذب عن دين النبي محمد ... ودافع عنه بالردود البواتر.
والحقيقة أن هذه القصيدة أكبر برهان على أن محمد عبده له مدرسة في الجزائر وعلى رأسها محمد بن مصطفى بن الخوجة وهذا عنصر من أهم العناصر في النهضة الإسلامية الحديثة في الجزائر.
стр. 39
ومن أعضاء هذه المدرسة الشيخ محمد بن القائد علي الذي كان إماماً بالجامع الجديد وقصيدته التي بكى بها محمد عبده تشير إلى أنه اطلع على تفسيره وعلى كتابه في التوحيد وعبر فيها أيضاً عن تأثير زيارة الشيخ محمد عبده للجزائر في نفسه وإخوانه الذين كانوا معه.
يقول:
غاض بحر العلوم أين العزاء ... وعيون الأنام سحب دماء
فبكى المسلمون حزناً عليه ... وبكى الدين والتقى والحياء
...
عبده الفيلسوف أحيا قلوباً ... ميتات أماتها العلماء
حجة الله والرسول بعصر ... جاء يهدي أقوامه فأساؤوا
فسَّر الذكر الحكيم بفهم ... عجزت عن أدائه البلغاء
وكتاب التوحيد فهو لدينا ... مغنطيس القلوب بل كهرباء
...
ومنها:
عبده كنت بالجميل تربي ... صبية العلم والعلوم غذاء
عبده كانت المحافل تزهو ... والنوادي وأنت فيها سماء
عبده أين من يروم صلاحاً ... لأناس غووا وعزَّ الدواء
قال مشيراً إلى زيارة محمد عبده للجزائر:
قد سعدنا بزورة منه جاءت ... بسعود يفر منها الشقاء
كم سهرنا ومنه نلنا علوماً ... ما سمعنا بها ولا الآباء (١)
فمحمد عبده عنده فيلسوف، محي القلوب الميتة، وحجة العصر،
стр. 40
ومفسر القرآن بما يعجز عنه البلغاء، ومربي الشبان، وزينة المحافل، وسماء النوادي، وكتابه التوحيد مغنطيس القلوب وكهرباؤها وأنه سهر معه الليالي ونال منه علوماً ما كان يسمع بها وهذا أكبر برهان على مدى تأثير محمد عبده في الحياة العلمية والعقلية بالجزائر والغريب أن إمام مسجد يعبر عن محمد عبده بأنه فيلسوف كما وصفه محمد بن مصطفى ابن الخوجة بالحكيم. وهذا الوصف كان يعتبر- عند الفقهاء مرادفاً للالحاد والكفر. والظاهرة التي تلفت النظر أن الشاعر الجزائري ينسب موت القلوب للعلماء باعتبارهم مسؤولين عن خمودها وموتها وبذلك أشار إلى محور مذهب محمد عبده في الإصلاح وهو "النفس". ورثاه أحد الجزائريين نثراً ولكنه لم يصرح باسمه وإنما رمز له بـ (ع. ز) وصفه بأنه فيلسوف الإسلام ومما جاء فيها: "وها نحن حامدون الله حمداً لا غاية لحدِّه، ولا حصر لعدِّه على أن منَّ الله علينا برؤية حضرته الغراء وطلعته الزهراء في السنة الماضية في أيام الراحة في فصل الصيف ومكث عندنا عشرة أيام وحاضرناه وشافهناه وظللنا معه في تلك الأيام كل يوم، وسامرناه ومسارح الأشباح نابغة بالفرح والسرور، ومخاوف القلوب يانعة بالابتهاج والحبور، ونلنا منه في تلك الأيام القلائل ما شاء الله أن ننال، وخاطبنا بخطاب أشهى من طعم الضَرَب بأفصح كلام العرب، ترى الدر يقطر من عذوبة لسانه فيبريء الإنسان من أحزانه، وكشف لنا عن دقائق المسائل والناس من حوله بين مصغ وسائل" (١) وتعرض لأثر موت محمد عبده في الجزائر فوصفه قائلاً: "حتى كاد يقع لبعض الجزائريين ما وقع لسيدنا عمر بن الخطاب في موت خير الأنام حيث قال للناس: " مَن قال منكم مات محمد أضرب عنقه" (٢).
стр. 41
وذكر أن بعض العلماء الجزائريين ينكر موته لغاية إرسال التعزية وفي آخر الرسالة اقترح: "أن تنشر محرراته وجميع ما فَاهَ به في حياته لتتم فائدة الجميع" (١) ولم يكن تأثير محمد عبده مقتصراً على الجزائر من بين أقطار المغرب الإسلامي بل ربما كان تأثيره على تونس أكثر، ويعتبر الشيخ محمد النخلي القيرواني رائد النهضة الثقافية وأحد مدرسي جامع الزيتونة الناقذ الذكي المتوفى في رجب من سنة ١٣٤٢هـ والشيخ الطاهر بن عاشور من أبرز ممثلي آرائه في الإصلاح. ولما توفي محمد عبده رثته صحافة تونس ومن بينها جريدة "الحاضرة" (٢) للسيد علي بوشوشة كتب فيها محمد بن الخوجة المتوفى ١٣٢٥هـ مقالاً يرثيه وما ورد في هذا المقال يدل على وجود صلات شخصية بينه وبين أتباعه في تونس قال: "كنا على وجل الإشفاق من أخبار صحته التي أخذت في الانحطاط من أربعة أشهر فارطة واضطرته للاتتقال من القاهرة للإسكندرية بنية السفر لتغيير الهواء خارج القطر المصري فكنا نستطلع أحواله آناً فآناً ونجدد معه عهود المودة الوثيقة ونستمد من أنوار علومه على بعد الدار فكان الرشيد المرشد لمن قرب أو نأى، وآخر العهد به ورود مكتوب منه على أحد أصحابنا ممن لهم معه علقة علمية ورابطة وداد" (٣) ويقول صاحب المقال: "ولدينا في الحوادث العرابية رسالة من إنشائه كنا أخذناها منه عند زيارته الأولى لتونس" (٤) ومحمد عبده زار تونس وألقى بها محاضرة في التربية والتعليم كان لها
стр. 42
أثرها البالغ. ورثته صحيفة أخرى تونسية تدعى "الصواب" يصدرها السيد محمد الجعايبي (١) وكتب أحد أساطين الزيتونة الشيخ الأكبر الأستاذ الطاهر بن عاشور تعزية إلى الشيخ رشيد رضا (٢) يقول فيها: "عرفت الأستاذ الإمام معرفة شهود بتونس في سنة ١٣٢١هـ فعرفت من ملاقاته الأولى رجل العزم والإرادة والفكر وبلاغة القول وشدة الفراسة وتكافئى القوى العملية والفكرية حتى لقد كان من سكون نفسي إليه والفتها به واعتلاق صداقته في أمدٍ وجيز ما يكون مثله في السنين الطوال فصارت ذكراه تفعل في نفسي فعل ذكرى والد رحيم ... يقابلني تمثال الأستاذ في منزلي مرات وأذكر كلماته وتفسيره مهما قرأت سورة في صلاتي" (٣) واقترح فيها على الأستاذ رشيد رضا أن يجمع آثار محمد عبده ويطبع جميع تآليفه ورسائله الأدبية والعمرانية، كما سأله عن وجود أعداد جريدة العروة الوثقى في مصر لأنه لا يملك إلاَّ عدداً واحداً منها ويود جمع بقية الأعداد. وطلب منه أن يخبره هل كتب الشيخ محمد عبده شيئاً عن رحلته إلى الجزائر وتونس والآستانة وغيرها من البلاد (٤). وأرسل الشيخ محمد شاكر من صفاقس إلى الشيخ رشيد رضا رسالة تعزية أخرى وصف فيها محمد عبده بالحكيم، والمصلح وأنه هو الذي "زحف بجيش اقدامه على البدع والأوهام" (٥).
والواقع أن الأستاذ الإمام زار تونس مرتين الأولى كانت سنة ١٣٠٠هـ ودامت أربعين يوما، والثانية كانت سنة ١٣٢١هـ. ومن الذين عرفوا
стр. 43
الأستاذ محمد عبده البشير صفر والشيخ سالم بو حاجب (١٢٤٣ - ١٣٤٢) والشيخ محمد بيرم ١٣٤٢م يعتبر من أعضاء الجمعية السرية الإسلامية العالمية التي أسسها جمال الدين الأفغاني وهي جمعية العروة الوثقى (١) وكتب الشيخ سالم بوحاجب تقريظاً لرسالة التوحيد أرسله إلى محمد عبده بتاريخ ٧ شوال ١٣١٧هـ (٢).
وأما المغرب الأقصى، فإنه وجدت فيه بذور الإصلاح منذ محمد بن كنون (١٣٠٢هـ -١٨٨٤م). وتأثر أيضاً بالحركة الإصلاحية العبدوية. ذكر لنا شكيب أرسلان أن الشيخ إبراهيم التادلي من أكابر علماء المغرب حينما أدى فريضة الحج مر على بيروت والأستاذ الإمام بها فذهب شكيب ومحمد عبده والشرتوني (٣) لزيارته والسلام عليه، ومن بين الأسئلة التي وجهها إليه محمد عبده: هل في المغرب اليوم مؤلفون في أصناف العلوم المختلفة؟ فأجابه التادلي: نعم يوجد مؤلفون في المغرب إلا أن العلم لا ينتشر بقوة التأليف وإنما ينتشر بقوة التدريس وكثرة المذاكرة الشفوية. وعلق الأستاذ الإمام على قوله: بأنه أحسن ما سمعه من كلامه. ولكن يبدو أن الشيخ التادلي عالم تقليدي لم يكن مطلعاً على أحوال عصره لأنه- فيما يقص شكيب أرسلان ألقى درساً في الجامع العمري الكبير في البسملة وما تتضمنه من العلوم والمعارف والفنون (٤) وكان الناس ينتظرون منه أن يلقي محاضرة في أمراض العالم الإسلامي ووسائل علاجه.
стр. 44
ولا شك أن المنار أثر في الحياة الثقافية في المغرب الأقصى مما جعل بعض وزراء مولاي عبد العزيز سلطان المغرب يكتبون إلى السيد رشيد رضا طالبين منه أن يرسل إليهم رجلاً مصلحاً يجمع بين الشريعة والسياسة ويعرف شؤون الإدارة ليكون وسيلة لإقناع السلطان بضرورة الإصلاح السياسي والاجتماعي والديني الذي يدعو إليه المنار. وأخبر رشيد رضا أستاذه محمد عبده بالأمر فمال إلى السفر بنفسه ولكنه عرف الصعوبات التي تحول بينه وبين الاتصال بالسلطان لأن الإنكليز والفرنسيين والأوربيين بصفة عامة يعارضون ذلك ويتربصون الدوائر بالمغرب الأقصى وهم قد شرطوا أن يكون الأمر سراً فقرر السيد رشيد رضا إرسال السيد عبد الحميد الزهراوي ولكن لم ينفذ شيء من ذلك (١). ومن المغاربة الذين لهم صلة بالشيخ محمد عبده: الشيخ إدريس بن عبد الهادي، والمهدي الوزاني وأكثرهم تأثراً بمحمد عبده إنما هو الشيخ شعيب الدكالي الذي زار الشرق ورجع لقيادة الشبان نحو الدعوة الإصلاحية سنة ١٣٢٥هـ (٢) وواصل العمل الإصلاحي من بعده الشيخ المجاهد محمد بن العربي العلوي (١٩٦٤م) الممثل الحي للسلفية في المغرب الأقصى.
وهناك نوع آخر من خدمة المجتمع يعتبر من عوامل الإصلاح الثقافي ونشر الوعي بماضي الأمة وهو يتمثل في عمل أبي القاسم الحفناوي (٣) الذي قام بتأليف كتاب يحوي تراجم العلماء الجزائريين
стр. 45
فرغم أن هذا الكتاب ليست له صبغة علمية فإنه مفيد لأنه جمع مادة غزيرة يمكن للباحث أن يدرسها دراسة علمية.
وأهم شخصية خدمت اللغة العربية والثقافة الإسلامية وتاريخ الحضارة الإسلامية في المغرب الأوسط إنما هو العلامة الدكتور محمد بن أبي شنب (١) وعمله يتسم بطابع علمي مما جعله ينتخب للتدريس بكلية الآداب بجامعة الجزائر ولعضوية المجتمع العلمي العربي بدمشق ويمتاز بمعرفته عدة لغات حية وميتة من لاتينية وألمانية وفرنسية وإيطالية وإسبانية وفارسية وتركية (٢).
من الكتب التاريخية التي حققها ونشرها كتاب "الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية" لأبي العباس أحمد الغبريني (٣). وكتاب "البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان"، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن أحمد الملقب بابن مريم الشريف المليتي المديوني التلمساني (٤) ومن أهم الآثار التي أخرجها الأستاذ ابن أبي شنب كتاب "طبقات علماء إفريقيا" لأبي العرب التميمي (٥) مع كتاب "طبقات علماء تونس" لمحمد الخشني (٦) كل ذلك في مجلد واحد. ومنها
стр. 46
كتاب "الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية" لمجهول. وغير هذا كثير مما يتعلق باللغة والأدب والتراجم والرحلات. وقد كتب في مجلة "الشهاب" لابن باديس بحثاً ولما توفي (١) قال فيه: "لما عرفناه فقدناه".
ومن الذين شاركوا في هذه الحركة التاريخية الشيخ مبارك الميلي الذي ألف كتابه تاريخ الجزائر في القديم والحديث في سنة ١٣٤٧هـ (١٩٢٩) وقرظه الشيخ عبد الحميد بن باديس برسالة مؤرخة بـ (١٥ - ١ - ١٣٤٧هـ) (٢) والشيخ أحمد توفيق المدني الذي ألف كتاب الجزائر في سنة ١٣٥٠هـ (١٩٣١) وكتاب "محمد عثمان باشا" الذي أهداه (٣) إلى الشيخ عبد الحميد بن باديس وكتب الأخير تقريظاً له في مجلة الشهاب (٤) أيضاً.
-٢ -
و الحياة الإجتماعية والدينية كانت في تدهور وخمود مما دعا إلى رد الفعل ونشوء الحركات الإصلاحية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وأوائل القرن العشرين. يقول المؤرخ الجزائري إسماعيل حامت: "كان للإلحاد الغربي مبلغ كبير من التأثير في جمهورٍ ليس بالقليل من مسلمي الجزائر الذين وإن كانوا ما برحوا مسلمين في الظاهر
стр. 47
فهم يجهلون حدَّ ما وصلت إليه روحهم الدينية من الثلاشي. إن هؤلاء لا ينكرون الإسلام دينهم ومعتقدهم غير أنهم قد أضحوا من فتور الغيرة الدينية في نفوسهم بحيث غدوا لا يبالون البتة بنشره في الناس وبالدعوة إليه في غير المسلمين فالإسلام عندهم إنما هو مقصور على من يأتي بعدهم من الأولاد والأحفاد فحسب وليس يتناول أحداً سواهم من الخلق أجمعين. فالحق أن الإسلام لبراء ممَّا هم فاعلون. وليس ذلك هو الحرية الفكرية على ما يزعمون بل إنما هو الفتور فالتلاشي (١) " هذا ضمير جزائري يأسى ويأسف للحالة التي أصبح عليها المسلمون الجزائريون من الاتجاه الإلحادي ومن القعود عن الدعوة الإسلامية.
وهذا رحالة بلجيكي يصف الجزائر قبيل الحرب العالمية مشيراً إلى الأفكار الغربية التي أخذت تتسرب إلى الجزائريين وخصوصاً طبقة العمال: ((إن الإسلام ليرى متمزقاً تمزق"الثوب البالي" على أرصفة الجزائر، فعمّال المرفأ ونقلة الفحم وساقة الآلات البخارية على اختلاف جنسيتهم عادوا لا يبالون بالإسلام، بل ترى فيهم صبغة آداب العمال الأوربيين راسخة وهم يشتركون مع زملائهم العمال الغربيين في السعي وراء الغرض ونيل الغاية اشتراكاً قائماً على أساس واحد هو وجوب مقاومة أرباب رؤوس الأموال ونزاعهم نزاعاً إقتصادياً، فلو كان في الجزائر معامل مثل تلك التي في أوروبا لاختفى الإسلام السني من تلك الديار
стр. 48
المغربية اختفاء الكاثوليكية القديمة من ديارنا أمام تيار الصناعة وثورتها الكبرى)) (١) ولا يخفى على القاريء كيف حاول هذا السائح الأوروبي تصوير الجزائر تصويراً متأثراً فيه بتاريخ المسيحية في بلاده وبالصراع الطبقي الذي نشأ فيها لوجود التقدم الصناعي، وعمَّم ما رآه في مرسى الجزائر على المجتمع الإسلامي الجزائري كله. ومهما يكن من أمر فإن المسألة لا تعدو أن تكون شهادة عابرة لسائح ابن سبيل.
والواقع أن السياسة الاستعمارية الفرنسية فيما يتعلق بالناحية التربوية التعلمية كانت ترمي إلى تكوين جماعات منفصلة عن مقومات الشخصية الإسلامية العربية وإلى تحويل الشعب الجزائري كله وإدماجه في الحضارة الأوروبية والثقافة الفرنسية عن طريق نشر اللغة الفرنسية، ومقاومة الشريعة الإسلامية التي ترى أنها هي العقبة الوحيدة التي تحول دون الإندماج ولذلك فإنها تشترط فيمن يتمتع بالحقوق الفرنسية أن يتجنس. ويتضمن التجنيس عدم الارتباط بالقانون الإسلامي، بل أكثر من ذلك فإن كثيراً من الحقوق لا ينالها إلا النصراني، فأصبح التنصر بذلك طريقاً إلى التمتع ببعض الحقوق، ولم يَرْقَ الجنرال يوسف رتبة جنرال إلا على هذا الشرط (٢).
ورسمت السياسة الفرنسية وسيلة أخرى تعتقد أنها ستربح بها اللعبة وهي بَثُّ الخلاف بين عناصر المجتمع الجزائري، بين العرب والبربر. وحاولوا أن يقنعوا البربر بأنهم من سلالة أورويية وأن لهم لغة خاصة لا ينبغي التفريط فيها، وأن يمنعوا تعليم العربية للبربر.
стр. 49
يقول أحد المختصين (١) بهذه المسألة: "إن العالم المختص في أمور البربر المسيو دوتيه" الذي جال بين قبائل البربر نوَّه بمحاسن سجايا هذا الشعب البربري وقال: إن به مناط الآمال في إفريقيا ... إنه شعب يظهر عليه الميل من نفسه إلى المدنية الفرنسية (٢) لذلك يجب علينا قبل كل شيء أن لا نعرِّبه أكثر ممَّا هو ولأجل بلوغ هذه الغاية يجب أن يحمل البربر على الثقافة الفرنسية أو أن يتكلموا بالفرنساوي قبل وصول الثقافة العربية واللسان العربي إليهم، وعلى هذا الشكل يتحقق بلا ريب- أكثر ممّا هو مظنون- خيالنا العظيم بمراكش فرنسية ... وفي النية تأسيس مكاتب فرنسوية بربرية في الجهات التي لم تستعرب من بلاد البربر، وهذا تصور حسن جداً ... فإذا كانت بلاد القبائل من الجزائر ليس فيها إلا بعض أقوام من البربر، فإن قسماً عظيماً من أهل المغرب الأقصى، لا يعرفون العربية، أو يتكلمون اللغتين البربرية والعربية، وليس لنا أدنى مصلحة أن ننشر بينهم اللغة العربية، لغة الجامعة الإسلامية، بل بالعكس" (٣) وقصة الظهير البربري (٤) أشهر من أن نفصل القول عنها بالإضافة إلى مئات الكتب باللغة البربرية بجميع لهجاتها. والمستشرق الفرنسي ماسيينون نفسه ألقى محاضرة في سنة ١٩٢٧م بمعهد كوليج دي فرانس: تحت عنوان "الوحدة البربرية" (٥).
стр. 50
وأسس الفرنسيون بالمغرب الأقصى، معهد البحوث العليا المغربية، للدراسات البربرية وخصصوا لذلك مجلة "هيبريس" والواقع أن هذه المحاولات لتمزيق الشعب الواحد لم تقتصر على المغرب الأقصى، بل شملت الجزائر وتونس وطرابلس من طرف ايطاليا- واكتست المحاولات طابعاً علمياً في ظاهرها. ففي تونس قام طبيبان بتأليف كتاب ضخم في مقاييس جماجم البربر وأوصافهم وسماتهم العضوية العرقية،
مع مقارنة بسِمات ومقاييس جماجم الغاليين (١) وفرض الإستعمار على أبناء المدارس المسلمين الجزائريين أن ينشدوا: "كان أجدادنا من الغاليين وكانت بلادنا في القديم تسمى غاليا"، وأن يتشرفوا بالإنتساب إليهم! والغرض من هذه المحاولات إنما هو الإدماج، كما أشرنا إلى ذلك من قبل. وفعلاً فقد نبتت طائفة من هذه المدارس تدعو إليه، وتتحمس له بالرغم من معارضة الغلاة من الإستعماريين لهذا الإدماج الذي يجعل المسلمين متساويين في الحقوق مع الفرنسيبن، وهذا ما لا يمكن أن يتصوروه في عقولهم.
في الربع الأول من القرن العشرين تطورت ردود الأفعال على الأوضاع الإجتماعية والأخلاقية والسياسية التي تحياها الجزائر.
الإتجاهات الإصلاحية:
ظهرت جماعة صغيرة لائيكية "علمانية" مفرنسة بصحافتها وجمعياتها وصداقاتها وبمطالبها التي تعتبرها "تقدمية" واعتمد هؤلاء الشبان الجزائريون على بعض الأحرار من الفرنسيين أمثال بول بورد: Paul Bourde والبان روزي Albin rozet (٢) وكانت هذه الفئة لا تطالب
стр. 51
بمجرد المساواة مع الفرنسيين بل وبالإندماج التام (١) ثم انقسمت هذه الفئة إلى قسمين: قسم يطالب بالمواطنية الفرنسية دون الإرتباط بالقوانين الإسلامية الشخصية، وقسم يطالب بالمساواة السياسية مع بقاء التعامل بالقانون الإسلامي. ويمثل القسم الأخير حفيد الأمير عبد القادر الأمير خالد بن الهاشمي (٢) الذي عرض برنامجه في جريدة "الإقدام" وبصفة عامة، فإن هذه النزعة تهدف إلى فصل الدين عن الدولة مقلدة في ذلك تركيا الفتاة التي كان لثورتها صدى في الجزائر، ويقود هذه الحركة ويمثل هذه النزعة معلمون في المدارس الابتدائية وطلبة في المدارس الفرنسية وموظفون لدى الحكومة الفرنسية ومن النواب وغيرهم ممن يجيدون اللغة الفرنسية ويستعملونها وسيلة لصحافتهم. وأشهر الصحف التي تعبر عن أفكارهم هي:
١ - الصوت الأهلي تصدر في قسنطينة ويديرها ربيع الزناتي: La Voix Indigène.
٢- صوت المتواضعين تصدر في الجزائر العاصمة ويديرها عمر قندوز (٣). La voix des humbles
ويحلو للمستشرق ماسينيون أن يذكر لنا أن اللغة الفرنسية أصبحت أداة للفكر الإسلامي لا في الناحية السياسية فحسب بل وفي الناحية
стр. 52
الدينية. ويضرب لنا مثلاً بما قام به الأستاذ أحمد ليميش من ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية ترجمة يحوطها التقديس والشعور الإسلامي الصادق رغم أنها لم تبلغ غايتها من الجودة كأنه يعد هذا انتصاراً للحضارة الأوروبية. ومنهم من كتب قائلاً: "الجزائر أرض فرنسية. نحن فرنسيون مع الإحتفاظ بقانون الأحوال الشخصية الإسلامي ... لا يوجد في الكتاب المقدس ما يمنع جزائرياً مسلماً من أن تكون جنسيته- فرنسية- .. الخ (٢) بل إنه عبر عن الوحدة الوجودية بينه وبين فرنسا فقال: "أنا فرنسا"!
كما كان هناك أتباع الطرق الصوفية وترجع في أغلبها إلى طوائف ثلاث (٣):
أ- الطائفة العليوية التي يرأسها الشيخ أحمد بن عليوه في مستغانم. وهي طائفة متشعبة عن الطريقة الدرقاوية، ولهذه الحركة الصوفية صحيفة تعبر عن أفكارها المعارضة للحركة الإصلاحية التي يمثلها الشيخ عبد الحميد بن باديس وهي جريدة "البلاغ".
ب- طائفة درقاوية أخرى يرأسها غلام الله في مدينة تيارت يدعو صاحبها إلى سياسة الإتفاق الديني بين الإسلام وفرنسا (٤).
стр. 53
جـ- طائفة التيجانية تتكون من كبار الموظفين والأغنياء والتجار وقامت بدعاية بلغ نشاطها باريس وأقامت هناك مسجداً، والواقع أن هذا الفرع قوي في مراكش أكثر من الجزائر. وأما الطريقة السنوسية (١) فقد أضعفتها المجازر التي سلطتها عليها إيطاليا وكادت أن تودي بها. والحقيقة أن الحركة الأساسية التي تمثل آمال الشعب الجزائري وتعبر عن شخصيته هي الحركة السلفية. التي يمثلها ابن باديس وزملاؤه ويصفها المستشرق ماسينيون بأنها حركة متشددة نصف وهابية ويعتبرها فرعاً أو شعبة من الحركة التي تمثلها "المنار" في القاهرة. ويذكر أن ابن باديس وثيق الصلة بالحركة في مصر مترسم لخطاها ويعترف بأن لهذه الحركة السلفية تأثيراً لما ينطوي عليه برنامجها من الرجوع إلى تعاليم القرآن بالرغم من أنه يقلل من شأنها من ناحية أخرى فيقول: "إن هذا الحزب لا ينتمي إليه حتى الآن إلا شرذمة قليلة في مدن المغرب" والظاهرة التي تلفت النظر أنه يذكر لنا وهو المتتبع لحركات المسلمين وسكناتهم أن حركة ابن باديس لها أتباع في الرباط من أعمال مراكش فيقول: (ومن أتباع هذا الحزب جرثومة صغيرة ولكنها مترعرعة في رباط من أعمال مراكش) (٢) ولسان حال هذا الحزب أو هذه الحركة هو مجلة "الشهاب" الصادرة بقسنطينة ويديرها الشيخ عبد الحميد بن باديس. وسيأتي تفصيل القول في ذلك.
стр. 54
دور الصحافة العربية:
وبهذا نرى أن الصحافة لعبت دوراً كبيراً في النهضة فلا بد من أن نقول عنها كلمة:
أن أول جريدة عربية صدرت لا عن مصدر حكومي (١) بل بمجهود صحافي جزائري حر هي جريدة "الجزائر" التي أصدرها الفنان الأستاذ عمر راسم سنة ١٩٠٨ وصدرت جريدة "الحق" سنة ١٩١١م في وهران وهي أول جريدة فتحت الاكتتاب للهلال الأحمر العثماني أيام حرب طرابلس (٢) ثم "الفاروق" وصدرت في سنة ١٣٣١هـ (١٩١٣م) أسسها عمر بن قدور وهو مؤدب يقرىء القرآن الكريم، ويعتبر هذا الرجل من المدرسة الإصلاحية المتأثرة بمحمد عبده وبالمنار، فعزم على مقاومة الخرافات والبدع واستعمل هذه الصحيفة للقيام بمهمته وشعار صحيفته:
" قَلَمِي لِسَانِي ثَلَاثَةٌ بِفُؤَادِي ... دِينِي وَوُجْدَانِي وَحُبُّ بِلَادِي "
ويستعين بما تنشره مجلة المنار فينقل بعض مقالاتها في هذه
стр. 55
الجريدة ويهتم بأخبار العالم الإسلامي. ولم تعش هذه طويلاً (١) وأبعد صاحبها إلى الأغواط سنة ١٩١٥م كتب فيها أحمد توفيق المدني مقالاً تحت عنوان: "القرآن الشريف وكيف يجب أن نتعلمه" سنة ١٩١٤م وهو أول مقال يكتبه في حياته.
ثم عاد الأستاذ الفنان عمر راسم وأصدر جريدة أخرى تحت إسم مستعار وهي "ذو الفقار" (٢) وأسمى نفسه ابن المنصور الصنهاجي ووسم صحيفته المصورة بأنها "عمومية اشتراكية انتقادية " ونشر في هذه الصحيفة (في عددها الثالث) -صورة الأستاذ الشيخ محمد عبده وكتب عمر راسم تعليقاً عليها وهو أن الشيخ محمد عبده "مدير الجريدة الديني" (٣).
والغريب أن مؤسسها هو الذي يحررها ويكتبها بخطه، ويرسم صورها الرمزية ويطبعها طبعاً حجرياً وحده، فمن صورها الرمزية في العدد الثالث فارس عربي على باب مدينة الجزائر وشمس مرسلة أشعتها مكتوب في وسط قرصها: "الإصلاح" وهذا يرمز إلى العودة إلى الدين والشخصية الجزائرية العربية، كما نشر في هذا العدد قصيدة حماسية لعنترة بن شداد ومقالاً بعنوان "الإسلام والمسلمون" مفاده أن سبب تأخر المسلمين يعود إلى انفصالهم عن الشريعة الإسلامية ومقالاً آخر نقله عن المنار يعالج مشكلة المقلدين للإفرنج وفسادهم الأخلاقي، ورسم صورة ترمز إلى رجل مقلد للغرب يطلب من زوجه أن تخلع
стр. 56
لباسها العربي لتتعلم الرقص ولتتمدن فأجابته بأن لباسها القومي لا يكون عائقاً لها عن التمدن (١). وبما أن اليوم الذي صدرت فيه الجريدة كان يوم ١٤ جوان فإنه كتب عن الحوادث المحلية: "في هذا اليوم نزل الجيش الفرنسي في شبه جزيرة سيدي فرج وفي هذه السنة (١٩١٤م) تشكلت جمعيات لإحياء هذا اليوم والإحتفال باستيلاء فرنسا على أكبر وأغنى مستعمراتها: الجزائر. سنذكر في العدد الآتي الأسباب التي أدت إلى الحرب وكيفية دخول الفرنسيس إلى عاصمة الجزائر" (٢) وكانت هذه الصحيفة أول من نبه الناس إلى الخطر الصهيوني، وأول من اكتشفه (٣) ولما جاءت الحرب العالمية الأولى، ألقي القبض على مديرها عمر راسم (٤) بتهمة الإتصال بالعدو والإتفاق معه فحوكم عسكرياً وصدر ضده حكم بالأشغال الشاقة ثم بعد الحرب صدر العفو عنه (٥).
وفي سنة ١٩١٩ أصدر الأمير خالد صحيفة "الإقدام" باللغتين كما أصدر الحزب المعارض له صحيفة "النصيح".
وفي السنة نفسها أصدر الشيخ عبد الحفيظ الهاشمي جريدة "النجاح" التي كانت حرة واشترك عبد الحميد بن باديس في تأسيسها ثم انفصل عنها، ثم انحرفت هذه الجريدة وارتبطت بالحكومة الفرنسية وأصبحت في سنة ١٩٣٠ جريدة يومية يطبع منها ٥٠٠٠ نسخة في اليوم.
وفي سنة ١٩٢٤ أصدر عمر بن قدور الجزائري جريدة "الفاروق" من جديد وكانت أسبوعية ثم اشترك مع محمد بن بكير في إصدار
стр. 57
المطبعة الجزائرية الإسلامية التي كانت تطبع جريدة ومجلة الشهاب، تأسست هذه المطبعة سنة ١٣٤٣ - ١٩٢٥ في نفس التاريخ الذي صدر فيه الشهاب. وتقع في نهج عبد الحميد بن باديس- قسنطينة.
ــ
جريدة "الصديق". وصدر "لسان الدين" جريدة أسبوعية دينية سياسية سنة ١٩٢٣ أصدرها مصطفى حافظ وابن عبد العزيز حسن.
وفي سنة ١٩٢٥ صدر "المنتقد" (١) فتوقف بعد صدور ثمانية عشر عدداً منه، ثم خلفه "الشهاب" في نفس السنة وكان أسبوعياً ثم انتقل في سنة ١٩٢٩ إلى مجلة شهرية (٢) ومؤسسها معاً هو الأستاذ
стр. 58
عبد الحميد بن باديس واستمرت الشهاب في أداء رسالتها إلى الحرب العالمية الثانية فتوقفت في سبتمبر ١٩٣٩ (١). وفي نفس السنة أصدر الشيخ محمد السعيد الزاهري جريدة "الجزائر" وعطلتها الحكومة.
وأصدر الشيخ العقبي والشيخ أحمد العابد جريدة "صدى الصحراء" ثم صدرت جريدة "البرق" سنة ١٩٣٧ وأصدر العقبي أيضاً جريدة "الحق" في بسكرة سنة ١٩٣٦م.
كما أصدر الشيخ العلامة الصحفي أبو اليقظان جريدة "وادي ميزاب" في سنة ١٩٢٦ فعطلتها الحكومة بعد نحو عامين ونصف ثم أصدر بعدها جريدة "ميزاب" فصودرت، فأصدر من بعدها "المغرب" ثم "النور" ثم "النبراس" وأسس الشيخ العقبي كذلك جريدة "الإصلاح" (٢) وفي هذه الأثناء أصدرت الزاوية العليوية جريدة "البلاغ الجزائري" معارضة بها حركات الإصلاح، ورغم كونها تقاوم بعض عادات المتصوفة، فإنها تدافع عن التصوف ولها مطبعة خاصة. ولم يكن في الجزائر قبل الحرب العالمية الأولى من المطابع إلا مطبعة رودوسي مراد، ثم وجدت فيها أربع مطابع أخرى: الطبعة الإسلامية وهي مطبعة الشهاب ومطبعة النجاح بقسنطينة، والمطبعة العربية لأبي اليقظان بالعاصمة، ومطبعة البلاغ الجزائري بعاصمة الجزائر أيضاً (٣). والواقع أنه توجد هناك مطابع أخرى لكنها تابعة للفرنسيين كمطبعة فونتانا الشرقية (٥) مثلاً.
стр. 59
- صورة -
إدارة الشهاب سابقاً واقعة في نهج الشيخ عبد الحميد بن باديس
ــ
وهذه الصحافة كلها تدل على النشاط الفكري، وعلى ظاهرة القلق التي هي علامة على اليقظة والوعي بالمسؤولية، وخطوة في سبيل تغيير المظاهر الإجتماعية، ومحاولة لإعادة المجتمع إلى أداء وظيفته التاريخية وإدراكه نفسه التي نسيت التاريخ أو نسيها التاريخ!!
стр. 60
-٣ -
يلاحظ المستشرق الفرنسي ماسينيون على الإتجاه الفكري في المغرب الإسلامي أنه مصطبغ بالصبغة العملية وأن الناحية العقيدية محتفظة بصلابتها الموروثة عن صدر الإسلام (١) وأن أصحابه من أنصار الخوارج وأتباع مذهب الإمام مالك، كما وصف المغاربة من الناحية العقلية بأنهم ذوو عزيمة وجدٍّ، وهو يحاول بهذا أن يجعلهم أقرب ما يكونون إلى الأوروبيين يقول: "إن لمسلمي المغرب عقولاً عملية من الطراز الأوروبي" (٢) ويجعل ذلك سبباً في عدم وجود شخصيات بارزة كثيرة على حد تعبيره أو رجالات نابغة كالذين نجدهم في المشرق، وهو بذلك يجعل فوارق بين مسلمي المغرب ومسلمي المشرق فيقول: "وإذا قارنا هذه البيئة الإجتماعية الإسلامية في المغرب، بنظيرتها في المشرق وجدنا فوارق ليست ظاهرية فحسب ولكنها تتغلغل في الصميم" (٣)، وهو بهذا يحاول أن يفرق أبناء مجتمع واحد واتجاه عقيدي واحد كما يحلو له أن يفعل ذلك في كل مناسبة، ولكن نجد للمستشرق ملاحظة دقيقة وصحيحة في آن واحد، وهي أنه يسود الشعورَ الإسلامي- في الجزائر بصفة خاصة- عاطفة غريبة جداًّ، وهي طموح المسلمين لأن يدخلوا الإسلام ويشقوا له طريقاً في عقول الفرنسيين وأرواحهم أنفسهم.
ويضيف إلى ذلك ملاحظة أخرى تشير إلى أن في الجزائر كُتّاباً مسلمين يجيدون الفرنسية أيما إجادة، ويستخدمونها في بث الدعاية في فرنسا (٤)
стр. 61
ولا يقتصرون في هذه الدعاية على الجالية الإسلامية المقيمة في فرنسا التي ربما تتعرض لخطر الخروج عن أصول الدين، وإنما يطمحون إلى أبعد من ذلك مما أدَّى فعلاً إلى إسلام بعض الفرنسيين من الرجال والنساء (١). ومن ناحية أخرى يزعم أن "هناك حقيقة لا يمكن انكارها وهي أن بين فرنسا والمغرب اتصالاً روحياً يتمثل في أذهان بعض المفكرين ضرباً من التجاذب العقلي يشبه ما نشأ بين انجلترا والهند" (٢) والواقع أن هذا لا يصدق إلا على شرذمة قليلة تفسخت، وذابت في شخصية الغالب وانفصلت عن صف الشعب المغربي الإسلامي. ويرى أن روح "المحافظة الصلبة" التي تسيطر على الفكر الإسلامي المغربي لا تجيز لأحد أن يفكر في تحقيق الهدف الإستعماري ألا وهو استعمال الحروف اللاتينية بدل الحروف العربية، كما أن السلفيين "المتشددين" لايقبلون استعمال اللهجة العامية التي يروج لها المستشرقون، في الوقت الذي نجد فيه المشارقة يقبلون فيهما النظر (٣). والواقع أن هذا يعود إلى وجود عناصر مسيحية عربية في المشرق، بخلاف المغرب فإنه يخلو من العرب المسيحيين الذين يرتبطون بالثقافة اللاتينية من حيث المعتقد والوجدان، وبالرغم من اعتراف ماسينيون بتأثير المغاربة بالمشارقة فيما يختص بالجامعة الإسلامية والعربية تلك الجامعة التي يدعو لها شكيب أرسلان وفريد وجدي، فإنه يقرر أن "تيار التطوُّر يزداد انحرافاً نحو باريس وإليها لا إلى المشرق، نجد جمهور أهل المغرب يولون وجوههم نحوها" (٤) يريد أن يثبت أن باريس أصبحت قبلة المغاربة المسلمين.
والغريب أنه جعل الجمهور هو الذي انحرف نحو باريس، فلو اقتصر
стр. 62
على ذكر طائفة قليلة لصدَّقناه، ولكنه جازف في القول ولم يزنه. وإني أشكره (١) من ناحية أخرى حيث عبر عن ذلك بكلمة "انحراف" فهذا هو التعبير الطبيعي في مثل هذا المقام.
ولم يعالج أحد من المسلمين في النصف الأول من القرن العشرين - فيما أعلم- مشكلة الفكر الإصلاحي في المغرب الأوسط إلا استاذنا مالك بن نبي، فإنه تناول هذه النهضة الحديثة وحللها تحليلاً علمياً نقدياً، ودرسها دراسة إجتماعية تكتسي طابعاً موضوعياً مع أنها أشد ما تكون امتزاجاً بذاتيته، وبالرغم من المراقبة الشديدة التي مارسها الإستعمار على مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي فإنه تمكن في ظروف قاسية من إصدار كتابه "شروط النهضة ومشكلات الحضارة " (٢) فالإصلاح قد شغل اهتمامه منذ طفولته كما يحدثنا في كتابه الأخير: "مذكرات شاهد القرن". كما شغله منظر ابن باديس وهو يمر أمام مقهى "ابن يمينة" ذاهباً إلى مكتبه في "نهج الأربعين شريف" (٣) وهو أول من أدخل العدد الأول من جريدة الشهاب إلى آفلو (٤) جنوب
стр. 63
- صورة -
صومعة ومسجد الأربعين شريف
ــ
وهران حيث يقوي نفوذ الطرقيين، واتصل بالشيخ عبد الحميد في مكتبه ليبثه ما يجده في نفسه من بعض الأفكار المتصلة بالمجتمع في قرية آفلو خصوصاً ما يتعلق بمشكلة الأرض بجبل لعمور (١).
والفكرة الأساسية في كتابه "شروط النهضة ومشكلات الحضارة" تتلخص فيما يلي: "إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة
стр. 64
- صورة -
مسجد سيدي بومعزه أول مدرسة أسسها للتعليم تحت اسم "المكتب"، وهو بمثابة مدرسة ابتدائية، وقد اشترى هذا العمل الفاضلان: العربي وعمر بن مفسولة
ــ
حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم مشكلته أو يحلها ما لم يرتفع بفكرته إلى مستوى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها" (١) فالإصلاح والنهضة في
стр. 65
- صورة -
مدخل جامع أربعبن شريفاً، وهو الآن مقر المحكمة المالكية، ويسمى مسجد سيدي علي مخلوف، وهو واقع بنهج عبد الحميد بن باديس
ــ
نظره إنما يُدْرَكان في إطار فكرة شاملة وجوهرية هي فكرة الحضارة التي تعتبر من أهم المشكلات التي تتناولها الآن الدراسات الفلسفية والتاريخية وخاصة الدراسات الإجتماعية، في شتى المدارس العلمية في الشرق والغرب، ولكن ينفرد من بين المفكرين المسلمين بهذه الفكرة التي طالما نبه إليها أذهان الشبان المسلمين، وتفكيرهم فيها على غير نمط
стр. 66
الغربيين والشرقيين لأنه ينظر إليها بمنظار آخر مستمداً شواهده من المجتمعات المتخلفة الممتدة على خط طنجة- جاكارتا. يقسم الأستاذ مالك بن نبي الفترة الحديثة إلى قسمين ما قبل ١٩٢٥ وما بعدها.
أما الفترة الأولى فتتمثل فيها البطولات الجزائرية في صورة أفراد، وفي قوة رجال يمرون كأطياف أحلام في نوم تاريخي عميق.
وأما الفترة الثانية فتتمثل في حركة مجتمع، وتصارع أفكار، ومحاولة تغيير للحياة الأخلاقية والعقلية والإجتماعية والسياسية والدينية، وبعبارة أخرى فإن الشعب في هذه الفترة إستأنف رسالته، وبدأ تاريخه الجديد "أما في الماضي فقد كانت البطولات تتمثل في جرأة فرد، لا في ثورة شعب، وفي قوة رجل لا في تكاتف مجتمع، فلم تكن حوادثها تاريخاً بل كانت قصصاً ممتعة، ولم تكن صيحاتها صيحات شعب بأكمله وإنما كانت مناجاة ضمير لصاحبه، لا يصل صداه إلى الضمائر الأخرى فيوقظها من نومها العميق" (١) ويعتبر أنه كان صوت جمال الدين الأفغاني أثر في انبلاج فجر النهضة الجزائرية، ومعجزة الحياة في الجزائر بدأت بصوت الشيخ عبد الحميد بن باديس وندائه فأيقظ المعنى الجماعي، وحول مناجاة الفرد إلى حديث الشعب (٢) ويصور لنا حركة الأفكار وانتشار النظريات الإجتماعية في أوساط الشباب فيقول: "فهذا يرنو إلى المذهب الكمالي، وذاك يأخذ بالمذهب الوهابي، وذلك ينزع إلى التمدن الغربي، ومنهم من انحدر بفكره إلى مذهب المادة ... ونرى من بين هؤلاء وأولئك عمائم الإصلاح تدلنا على منهاج آخر يقوم على عقيدة صحيحة، ورجوع إلى السلف الصالح، وتغيير ما بالنفس من آثار الانحطاط" (٣) ويجعل حركة العلماء
стр. 67
المسلمين أقرب الحركات والقيادات إلى النفوس، ولكنها ما لبثت أن انحرفت منهجياً عن أهدافها، وأعطت القيادة للإنتهازيين السياسيين في سنة ١٩٣٦ في المؤتمر الجزائري الإسلامي (١) فأخفق المؤتمر ودب الشقاق في صفوف الجمعية كأن مركب النقص هو الذي جعلهم يسلمون الزعامة لرجل اللغة الأجنبية فسايروا قادة السياسة (٢)، في تلك الفترة ظناً منهم أنهم سيحمونهم ويدفعون عنهم شر الحكومة الفرنسية، باعتبار أن التغيير الإجتماعي الذي يبدأ في تغيير النفس هو الأساس في المشكلة، لا الذهاب إلى باريس والتعلق بسراب وعود الجبهة الشعبية، وهذا ما تأكد لهم فيما بعد حيث عبر ابن باديس عن ذلك بوجوب "الاعتماد على أنفسنا والإتكال على الله"، (٣).
ويوجه من ناحية أخرى نقداً للحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي التي وإن أخذت بفكرة الإصلاح الديني الذي يعتبر نقطة انطلاق في كل تغيير اجتماعي (٤) إلا أنها ابتدأت بمرحلة علم الكلام التي هي المرحلة الفكرية أو العقلية، وتخطت المرحلة الأخلاقية الروحية التي تؤدي إلى أول تغيير للقيم الإجتماعية فهذا يعتبر "مزلقة لا تؤدي إلى الوعي بقدر ما تؤدي إلى تعلم جدليات الكلام". إنه خطأ منهجي أدى إلى عدم تسجيل هذا الإصلاح في نسق الأحداث التاريخية التي تقرر مصير الجماعات الإنسانية (٥) ولكنه يستثني حركة الإصلاح في الجزائر، ويعود الفضل في ذلك في
стр. 68
رأيه إلى شخصية الشيخ عبد الحميد بن باديس العظيمة، لأنه استطاع أن يجعل اشعاعه ينفذ إلى أعماق الضمير الشعبي، هذا في بداية الأمر حيث كانت الحركة تنطوي على جذوة روحية، وروح صوفية. ولكن ما لبثت- كما أشرنا من قبل- أن أضحت تكون متخصصين بارعين أكثر مما تعمل على تكوين دعاة مخلصين (١)!
ويقول بهذا الصدد: إن مخلفات إنسان ما بعد الموحدين، وما تنطوي عليه من أعباء وتقاليد من ذرِّبة في التفكير، وتزمت ونزوع إلى المدح، والجدل والحرفية والتحليق في الخيال، هذا كله يحتاج إلى فكر ثوري كفكر جمال الدين يهدم ويبني على أساس منهج مرسوم. ويرى أستاذنا مالك بن نبي أن الشيخ عبد الحميد بن باديس قد قام بتلك الثورة الفكرية على أحسن وجه، وبدَّد ما كان مخيماً على الجزائر من تقاليد ثقيلة تتمثل في تلك الطرق الجامدة المخدرة للشعب (٢).
ومن الملاحظات الدقيقة التي سجلها على الحياة العلمية والفكرية في الجزائر أنها تعتبر بمثابة الزينة والترف، ومن ثمَّ فإن الفكر لم يكن إيجابياً ذا فعالية وحركة (٣) وفكرة الفعالية من الأفكار الأساسية في فلسفة مالك بن نبي الإجتماعية. وهناك أمراض نفسية أصيبت بها النخبة في شمال إفريقيا، منها مرضان أساسيان وهما: إما النظر إلى الأشياء على أساس أنها في غاية "السهولة" وإما النظر إليها على أنها "مستحيلة" وكلا النظرتين تؤدي إلى نتيجة خطيرة هي إما الشلل وإما السلوك الأعمى (٤).
стр. 69
لم يغفل المستشرق الإنجليزي جيب في كتابه "الإتجاهات الحديثة في الإسلام" الحركة السلفية الإصلاحية في الجزائر فتحدث عنها، وجعلها بمثابة التابعة لمباديء أصحاب مجلة المنار العاملة على نشرها، وعلى معارضة أصحاب الطرق، ويقول بصفة خاصة: "وذهب الجزائريون إلى أبعد مما ذهبت إليه جماعة المنار لأنهم بدأوا بالإضافة لدعايتهم المطبوعة والشفوية، في إحياء المدارس القرآنية "البدائية" في جميع أنحاء البلاد للتأثير على الجيل الصاعد، وقد تكلَّلت مساعيهم بالنجاح الكبير، إذا أخذنا بعين الإعتبار الحواجز التي صادفوها في طريقهم (١) ولكن جيب يلاحظ بهذا الصدد أن "مستقبل الجمعية (٢) أصبح مظلماً بعد وفاة عبد الحميد بن باديس عام ١٩٤٠" (٣).
والعملية النقدية ضرورية في أية حركة تقوم على منهج ونظام، يهدف إلى تحقيق أهداف معينة، وإلى تسجيل غايات في الواقع التاريخي، وهذا ما عمل أستاذنا لتنبيه الأذهان إليه، لأنه اكتشف عيوباً منهجية في داخل الحركات الإسلامية الحديثة، أدت في كثير من الأحيان إلى الفشل. فرغم توفر الطاقات والإمكانيات النفسية والعقلية، إلا أنها تسطو عليها عملية التبديد، لعدم وجود عنصر التوجيه والضبط الذي يتيح لها ويضمن بلوغ الغاية المرسومة.
وأغلب من يكتب عن تاريخ الحركات الإصلاحية أو عن تاريخنا الحديث لا يحاول أبداً أن يوجه نقداً وإنما يسلك مسلكاً أقل ما يقال
стр. 70
فيه أنه عاطفي ساذج وهذا ما يزيد في الطين بلة. وإخفاء الداء يزيده تمكناً وانتشاراً دون شك.
لأن جوهر التغيير الإجتماعي أو الإصلاح النفسي والخلقي، يقوم على أساس النقد. والحركة الإصلاحية في الجزائر قامت على الصراع بين ظاهرتين: ظاهرة النقائص والعيوب التي تتمثل في الطرقية، وظاهرة الفضائل والإستعداد النفسي لتقبل الحقيقة (١)، وللتغير الذي يوجد في الشعب. ولا بد من وجود عامل من نوع عقلي تنظيمي، يجعل إحدى الظاهرتين تتغلب على الأخرى، وفعلاً فإنه قام صراع بين مخطط الإستعمار الذي يهدف إلى تغليب ظاهرة الخمود، وبين المنظمات الإصلاحية التي تبذل جهدها للقضاء على هذه الظاهرة وإيجاد نوع من الحركة الإجتماعية التي تهدم الفاسد وتنمي الصالح، وهكذا يقوم في داخل المجتمع نوع من الجدل بين السكون والحركة، ولكن المهم في المشكلة هو أنه إذا وجدت الحركة فكيف نعمل على ضمان استمرارها من ناحية وما هي الشروط اللازم توفرها لتصيب الهدف من جهة أخرى
-٤ -
إن المحاولات التي سبقت الشيخ ابن باديس كلها جزئية فردية غير شاملة للوطن كله كما أشرنا من قبل، وتاريخ الثورات في الجزائر كان على هذا النحو حتى جاءت ثورة نوفمبر ١٩٥٤ فعمت، والثورة الفكرية إنما حاولت أن تكتسب الصبغة العامة في عهد ابن باديس، ففترته فترة ذهبية خصبة من فترات الصراع الفكري، والعمل على تغيير المجتمع في تاريخ الجزائر المعاصر، فابن باديس هو الذي أدخل الجزائر في حركة النهضة الإسلامية العامة.
стр. 71
ابن باديس
ألقينا بعض الأضواء على العناصر الأساسية للحياة العقلية والإجتماعية في الفترة السابقة لعهد ابن باديس وأشرنا إليها أيضاً في عهده، ومن ثم فإن تلك اللحظات التاريخية كانت تنتظر شخصية كشخصية ابن باديس تقوم بدور ثوري، يعبر عما يختلج في النفوس من قلق وأمل، ويضيء الطريق أمام الحائرين، ويجمع الشتات، ويوجه الطاقات، ويحيي الشخصية الإسلامية التي أتاها البلاء من كل مكان، وأصابها القرح، وتكالبت عليها ذئاب الغرب، وهكذا جاءت الأيام بالمولود الجديد، منقذ الأمة وقائدها لصنع مصيرها، وخلق تاريخها.
ترجمته:
ولد عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي بن باديس في سنة ١٣٠٨هـ (ديسمبر ١٨٨٩) (١) فكان الولد البكر لأبويه، وأسرته أسرة قسنطينية مشهورة بالعلم والثراء والجاه، وكانت منذ القدم ذات نفوذ، ومسيرة للسياسة والحكم في المغرب الإسلامي، ونبغ من هذه الأسرة شخصيات تاريخية لامعة منها بلكين بن زيري والمعز بن باديس (٢) الذي كان يفتخر به الشيخ عبد الحميد ولا عجب في ذلك فهو بمثابة خليفة له في مقاومة البدع والضلال إذ كان جده يناضل الاسماعيلية الباطنية، وبدع الشيعة في إفريقية، ومن أسلافه المتأخرين
стр. 72
قاضي قسنطينة الشهير أبو العباس أحميده بن باديس ومكي بن باديس القاضي بها أيضاً.
وأمه من أسرة مشهورة في قسنطينة كذلك هي أسرة "عبد الجليل" تدعى "زهيرة " بن جلول (لقب) بنت علي بن جلول. وأبوه عضو في المجلس الجزائري الأعلى والمجلس العام (١) كما هو عضو في المجلس
.....
منزل الشيخ عبد الحميد بن باديس، ويقع في زنقة جورج كنستن رقم ٨، بنهج السادس والعشرين دولينيو- قسنطينة
.....
стр. 73
العمالي. وعرف دائماً بدفاعه عن مطالب السكان المسلمين بالعمالة القسنطينة (١) وأسرته كانت تنتمي إلى الطريقة القادرية.
حفظ ابن باديس القرآن على الشيخ محمد المداسي، وأتم حفظه في السنة الثالثة عشرة من عمره، ومن شدة إعجاب المؤدب بذكائه وسيرته الطيبة قدمه ليصلِّي بالناس صلاة التراويح ثلاث سنوات متتابعة في الجامع الكبير (٢) وفي سنة ١٩٠٣ أدخل الشاب في طور جديد من أطوار دراسته فخيره والده بين أن يسلك طريق أجداده أو طريقاً آخر، فاختار طريق سلفه وهو طريق العلم والجهاد فانتخب له أبوه أحد الشيوخ الصالحين من دوي المعارف الإسلامية والعربية وهو الشيخ أحمد أبو حمدان لونيسي الذي كان منتمياً إلى الطريقة التيجانية سالكاً منهجهاً فأخذ يعلمه بجامع سيدي محمد النجار (٣) مبادىء العربية والمعارف الإسلامية ويوجهه وجهة علمية أخلاقية. وكان ابن باديس يعترف له بالفضل، وبما كان له من تأثير في نفسه، ثم هاجر حمدان لونيسي إلى المدينة المنورة متبرماً من الاستعمار الفرنسي، وسلطته، مجاوراً، بها، مدرساً للحديث إلى أن توفاه الله. وحين عزم على الهجرة تعلل لدى السلطات الإستعمارية بأنه يسافر لمعالجة بصره، رغب ابن باديس أن يسافر معه ولكن أباه منعه وصرفه عن ذلك.
وحين بلغ الخامسة عشر من عمره (١٩٠٤) زوَّجه والده وأنجب ولداً اسماه عبده اسماعيل توفي وعمره سبعة عشر
стр. 74
عاماً (١) وهذا الإسم له دلاله، لأن هذا الإبن ولد تقريباً في السنة التي توفي فيها محمد عبده، أو في التي بعدها، والشيخ محمد عبده زار الجزائر العاصمة ومدينة قسنطينة سنة ١٩٠٣ وعمر ابن باديس أربعة عشر عاماً فمن الممكن أن يكون قد اتصل به أو سمع عنه، ولا سيما إذا أخذنا في الاعتبار تردد ابن باديس الشاب على الجامع الكبير، وإمامته بالناس في صلاة التراويح، وهو المسجد الذي زاره محمد عبده في قسنطينة.
ثم جاء دور الرحلة في حياة الشاب فسافر إلى مدينة تونس في سنة ١٩٠٨ وسنه إذ ذاك تسعة عشر عاماً وانتسب إلى جامع الزيتونة، وعرف في دراسته بالجد والنشاط، فأخذ يتلقى الثقافة الإسلامية العربية، ويأخذ عن جماعة من أكابر علماء الزيتونة أمثال العلامة المفكر الصدر محمد النخلي القيرواني المتوفى في رجب سنة ١٣٤٢هـ (١٩٢٤م) وكان قد قرظ الرسالة التي ألفها عبد الحميد بن باديس في الرد على بن عليوة الصوفي (٢) والشيخ محمد الطاهر بن عاشور (٣) الذي كان له تأثير
стр. 75
كبير في تكوين عبد الحميد بن باديس اللغوي وفي الشغف بالأدب العربي والإعتزاز به.
وقرظ بدوره رسالته المذكورة (١) ومن أساتذته الشيخ الخضر بن الحسين الجزائري الأصل (٢) الذي درس بجامع الزيتونة وحضر عليه عبد الحميد دروساً في المنطق من كتاب "التهذيب" للسعد بجامع الزيتونة، كما أخذ عنه دروساً في التفسير في أوائل كتاب البيضاوي بدار الأستاذ: شارع باب منارة تونس (٣) ومنهم أبو محمد بلحسن إبن الشيخ المفتي محمد النجار الذي تولى الإفتاء سنة ١٣٤٢هـ (٤) وهو من بين الذين قرظوا رسالته أيضاً، ومنهم محمد الصادق النيفر وسعد العياض السطايفي المصلح المجدد، ومحمد بن القاضي، والبشير صفر المؤرخ المجدد، وغيرهم كثير. وتخرج بشهادة التطويع في سنة ١٩١١ - ١٩١٢ وعمره ثلاث وعشرون سنة وعلم سنة واحدة في جامع الزيتونة على عادة المتخرجين في ذلك الوقت. ولا شك فإن البيئة الثقافية والإجتماعية التي احتك بها، والعلاقات التي كانت له مع بعض العلماء أثرت في تكوينه وشخصيته، واتجاهه العقلي، وأكثر ما كان اتصاله قوياً وعميقاً ومؤثراً إنما كان بالشيخ محمد الطاهر بن عاشور، والشيخ محمد النخلي، اللذين يعتبران زعيمي النهضة الفكرية والعلمية والإصلاحية في الحاضرة التونسية لأنهما كانا من أنصار أفكار جمال الدين ومحمد عبده الإصلاحية، ويذكر لنا الشيخ عبد الحميد بن باديس، أن الشيوخ الجامدين كانوا ينفرونه من الاتصال بهما، وبقي