Полный текст (2 292 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
التَّدْبِيرِ وَتَكُونُ بِالْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ ﵊ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، ثُمَّ يَمْضِي لِمَا انْشَرَحَ صَدْرُهُ وَعَمِلَ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ «كَانَ الرَّسُولُ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ يَقُولُ إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِأَمْرٍ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُك بِعِلْمِك وَأَسْتَقْدِرُك بِقُدْرَتِك وَأَسْأَلُك مِنْ فَضْلِك الْعَظِيمِ فَإِنَّك تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ قَالَ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ» .
وَرَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ وَتَكُونُ بِالْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ إلَخْ) أَيْ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَقَبْلَ الدُّعَاءِ وَبَعْدَهُ كَمَا أَفَادَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ (قَوْلُهُ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا) أَيْ غَيْرِ الْوَاجِبِ الْمُحَتَّمِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْحَرَامِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَهُ، وَالْحَاصِلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا سَابِقًا أَنَّهَا تَكُونُ فِي الْمُبَاحِ وَالْمُسْتَحَبِّ خَوْفًا مِنْ حُصُولِ الرِّيَاءِ وَإِذَا تَعَارَضَ فِيهِ أَمْرَانِ أَيُّهُمَا يَبْدَأُ بِهِ أَوْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ وَفِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ وَالْمُسْتَحَبِّ الْمُخَيَّرِ وَفِيمَا كَانَ مُوَسَّعًا كَالْحَجِّ فِي هَذَا الْعَامِ وَيَتَنَاوَلُ الْعُمُومُ الْعَظِيمَ وَالْحَقِيرَ (قَوْلُهُ كَمَا يُعَلِّمُنَا إلَخْ) التَّشْبِيهُ فِي تَحَفُّظِ حُرُوفِهِ وَتَرْتِيبِ كَلِمَاتِهِ وَمَنْعِ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ مِنْهُ وَالدَّرْسِ لَهُ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ) أَيْ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ الْحِكْمَةُ فِي تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى الدُّعَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِخَارَةِ حُصُولُ الْجَمْعِ بَيْنَ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَيَحْتَاجُ إلَى قَرْعِ بَابِ الْمِلْكِ وَلَا شَيْءَ لِذَلِكَ أَنْجَعُ وَلَا أَنْجَحُ مِنْ الصَّلَاةِ لِمَا فِيهَا مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالِافْتِقَارِ إلَيْهِ قَالَا وَحَالًا.
وَقَوْلُهُ إذَا هَمَّ إنَّمَا قَالَ إذَا هَمَّ وَلَمْ يَقُلْ عَزَمَ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَمَكَّنَ الْأَمْرُ عِنْدَهُ وَقَوِيَتْ فِيهِ عَزِيمَتُهُ وَإِرَادَتُهُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ لَهُ إلَيْهِ مَيْلٌ وَحَبٌّ فَيَخْشَى أَنْ يَخْفَى عَنْهُ وَجْهُ الْأَرْشَدِيَّةِ لِغَلَبَةِ مَيْلِهِ إلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْهَمِّ الْعَزْمُ؛ لِأَنَّ الْخَاطِرَ لَا يَثْبُتُ فَلَا يَسْتَمِرُّ إلَّا عَلَى مَا يَقْصِدُ التَّصْمِيمَ عَلَى فِعْلِهِ وَإِلَّا لَوْ اسْتَخَارَ فِي كُلِّ خَاطِرٍ لَاسْتَخَارَ فِيمَا لَا يَعْبَأُ بِهِ فَتَضِيعُ عَلَيْهِ أَوْقَاتُهُ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ وَقَوْلُهُ فَلْيَرْكَعْ جَوَابُ إذَا الْمُتَضَمِّنَةِ مَعْنَى الشَّرْطِ وَلِذَلِكَ دَخَلَتْ فِيهِ الْفَاءُ (قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ كَمَا فِي الشَّيْخِ خِضْرِ الشَّافِعِيِّ وَتَقْيِيدُ حُصُولِهَا بِالنَّوَافِلِ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تَحْصُلُ بِالْفَرْضِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْخَبَرِ وَالْقِيَاسُ حُصُولُهَا بِهِ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَكْمَلِ شَرْحُ الْعُبَابِ (قَوْلُهُ «، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُك» إلَخْ) أَيْ بَعْدَ السَّلَامِ كَمَا فِي الشَّيْخِ خِضْرِ وَكَتَبَ الشَّوْبَرِيُّ أَيْ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَوْ فِي أَثْنَائِهَا فِي السُّجُودِ أَوْ بَعْدَ التَّشَهُّدِ اهـ.
(قَوْلُهُ «أَسْتَخِيرُك» ) أَيْ أَطْلُبُ مِنْك الْخِيرَةَ مُلْتَبِسًا بِعِلْمِك وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ أَوْ لِلْقَسَمِ وَقِيلَ الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَهُوَ أَوْلَى (قَوْلُهُ «وَأَسْتَقْدِرُك» ) أَيْ أَطْلُبُ مِنْك أَنْ تَجْعَلَ لِي عَلَى ذَلِكَ قُدْرَةً أَوْ الْمُرَادُ بِالتَّقْدِيرِ التَّيْسِيرُ (قَوْلُهُ «بِقُدْرَتِك» ) أَيْ بِسَبَبِ أَنَّك الْقَادِرُ الْحَقِيقِيُّ وَيُحْتَمَلُ كَوْنُهَا لِلْقَسَمِ مَعَ الِاسْتِعْطَافِ وَالتَّذَلُّلِ كَمَا فِي ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ١٧] شَوْبَرِيُّ وَقَوْلُهُ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ أَيْ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُمْكِنٍ تَعَلَّقَتْ بِهِ إرَادَتُك (قَوْلُهُ وَتَعْلَمُ) أَيْ كُلَّ شَيْءٍ مُمْكِنٍ وَغَيْرَهُ كُلِّيٌّ وَجُزْئِيٌّ شَوْبَرِيُّ (قَوْلُهُ إنْ كُنْت تَعْلَمُ إلَخْ) فِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ عِلْمِهِ تَعَالَى وَأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأَجْوِبَةٍ أَحَدُهَا أَنْ يُقَالَ الشَّكُّ فِي مُتَعَلِّقِ الْعِلْمِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ خَيْرًا أَوْ شَرًّا أَوْ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مُرَادُهُ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْ أَنَّ أَنَّ بِمَعْنَى إذْ التَّعْلِيلِيَّةِ فَالْأَجْوِبَةُ ثَلَاثَةٌ قَالَ الْقَلْيُوبِيُّ مُعْتَرِضًا الْأَخِيرُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ إنْ إذَا كَانَتْ بِمَعْنَى إذْ تَكُونُ ظَرْفًا مَعْمُولَةً لَا قَدْرًا وَقَرْنُهُ بِالْفَاءِ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْفَاءِ لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا إلَّا بَعْدَ أَمَّا فَتَأَمَّلْ (قَوْله «وَمَعَاشِي» ) بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ حَيَاتِي أَوْ مَا يُعَاشُ فِيهِ ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ (قَوْلُهُ «أَوْ قَالَ عَاجِلَ أَمْرِي» إلَخْ) أَيْ بَدَلَ قَوْلِهِ «فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرَى» كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ نَصُّ بَعْضِ الشُّرَّاحِ ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْأَمْرِ الْحَيَاةُ أَيْ فِي حَيَاتِي الْعَاجِلَةِ وَحَيَاتِي الْآجِلَةِ أَيْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْحَيَاةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَحْوَالُهُ الدُّنْيَوِيَّةُ وَأَحْوَالُهُ الْأُخْرَوِيَّةُ وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّوَابَ أَنْ يُقَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي إلَخْ بِزِيَادَةِ فِي وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي الرِّوَايَةِ وَيُسَنُّ الْجَمْعُ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ احْتِيَاطًا.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَمِنْهُ تُؤْخَذُ قَاعِدَةٌ حَسَنَةٌ وَهِيَ أَنَّ كُلَّ ذِكْرٍ جَاءَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي فَيُسَنُّ الْجَمْعُ بَيْنَهَا كُلِّهَا لِيَتَحَقَّق الْإِتْيَانُ بِالْوَارِدِ اهـ.
(قَوْلُهُ «فَاقْدُرْهُ لِي» ) بِضَمِّ الدَّالِ كَمَا فِي الْقَسْطَلَّانِيِّ وَقَالَ الشَّوْبَرِيُّ فَاقْدُرْهُ لِي بِضَمِّ الدَّالِ وَكَسْرِهَا أَيْ اجْعَلْهُ مَقْدُورًا لِي وَقِيلَ مَعْنَاهُ يَسِّرْهُ لِي فَقَوْلُهُ بَعْدُ «وَيَسِّرْهُ لِي» عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ «وَاصْرِفْنِي عَنْهُ» ) حَتَّى لَا يَبْقَى فِي قَلْبِي بَعْدَ صَرْفِهِ عَنِّي تَعَلُّقٌ بِهِ (قَوْلُهُ «ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ» ) بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَعِبَارَةٌ أُخْرَى قَوْلُهُ «ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ» بِالتَّعَدِّيَةِ بِالْهَمْزِ وَفِي رِوَايَةِ، ثُمَّ رَضِّنِي بِالتَّضْعِيفِ وَالْمَعْنَى عَلَى كُلٍّ اجْعَلْنِي رَاضِيًا بِهِ حَتَّى لَا أَنْدَمَ عَلَى طَلَبِهِ وَلَا عَلَى وُقُوعِهِ اهـ. .
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لِدَقِيقَةٍ يُغْفَلُ عَنْهَا وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهَا، وَهِيَ أَنَّ الْوَاوَ فِي الْمُتَعَاطِفَاتِ الَّتِي بَعْدَ " خَيْرٌ " عَلَى بَابِهَا وَاَلَّتِي بَعْدَ " شَرٌّ " بِمَعْنَى أَوْ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ تَيَسُّرُهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ أَحْوَالِهِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْعَاجِلِ وَالْآجِلِ خَيْرًا وَالْمَطْلُوبُ صَرْفُهُ يَكْفِي فِيهِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ أَحْوَالِهِ الْمَذْكُورَةِ شَرًّا اوَفِي إبْقَاءِ الْوَاوِ عَلَى حَالِهَا إيهَامُ أَنَّهُ لَا يَطْلُبُ صَرْفَهُ إلَّا إذَا كَانَ جَمِيعُ أَحْوَالِهِ لَا بَعْضُهَا شَرًّا، وَلَيْسَ مُرَادًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ أَوْ قَالَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي خَضِرٌ (قَوْلُهُ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ) أَيْ يَنْطِقُ بِهَا بَعْدَ الدُّعَاءِ أَوْ يَسْتَحْضِرُهَا بِقَلْبِهِ عِنْدَ الدُّعَاءِ أَيْ فَلْيَدْعُ مُسَمِّيًا حَاجَتَهُ قَسْطَلَّانِيٌّ فَيُسَمِّيهَا عِنْدَ قَوْلِهِ هَذَا الْأَمْرُ وَرُبَّمَا يَتَبَادَرُ مِنْ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ الْأَدْعِيَةِ أَنَّ الْقَائِلَ وَيُسَمِّي هُوَ جَابِرٌ فَيَكُونُ فَاعِلًا لِقَالَ
стр. 37
أَنَسٍ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا أَنَسُ إذَا هَمَمْت بِأَمْرٍ فَاسْتَخِرْ رَبَّك سَبْعَ مَرَّاتٍ ثُمَّ اُنْظُرْ إلَى الَّذِي سَبَقَ إلَى قَلْبِك فَإِنَّ الْخَيْرَ فِيهِ» النَّوَوِيُّ وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] بَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ بِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، ثُمَّ قَالَ وَلَوْ تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ اسْتَخَارَ بِالدُّعَاءِ انْتَهَى وَإِنَّمَا أَتَى بِالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ فَأَجَبْت دُونَ ثُمَّ لِلْإِشَارَةِ إلَى عَدَمِ التَّأَخُّرِ مُدَّةً تَضُرُّ بِهِمْ وَقَوْلُهُ: " سُؤَالَهُمْ " حَشْوٌ؛ لِأَنَّ الْمُجَابَ السَّائِلُ لَا السُّؤَالُ فَكَانَ يَقُولُ فَأَجَبْتهمْ لَكِنْ إذَا أَجَابَ سُؤَالَهُمْ فَقَدْ أَجَابَهُمْ وَقِيلَ إنَّمَا أَقْحَمَ السُّؤَالَ لِيُفِيدَ أَنَّهُ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْ سُؤَالِهِمْ شَيْئًا بَلْ أَتَى بِهِ مُقَيَّدًا بِالْقُيُودِ الثَّلَاثَةِ.
(ص) مُشِيرًا بِفِيهَا لِلْمُدَوَّنَةِ (ش) هُوَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ أَجَبْت؛ لِأَنَّ إجَابَتَهُ سُؤَالُهُمْ إنَّمَا هُوَ بِوَضْعِ الْمُخْتَصَرِ، وَهُوَ حَالَةُ الْوَضْعِ مُشِيرٌ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ سُؤَالِهِمْ بِمَعْنَى مَسْئُولِهِمْ كَمَا لَا يَخْفَى وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّهُ يَقُولُ مَهْمَا قُلْت وَفِيهَا وَمِنْهَا وَظَاهِرُهَا وَحَمَلْت وَقَيَّدْت وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ كُلِّ ضَمِيرٍ غَائِبٍ مُؤَنَّثٍ عَائِدٍ لِغَيْرِ مَذْكُورٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ إشَارَةً لِلْمُدَوَّنَةِ وَصَحَّ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهَا غَيْرَ مَذْكُورَةٍ لِتَقَرُّرِهَا فِي أَذْهَانِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ حَتَّى قَالَ مَشَايِخُهُمْ أَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ «فَاسْتَخِرْ رَبَّك سَبْعَ مَرَّاتٍ» ) بِتَكَرُّرِ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ (قَوْلُهُ «، ثُمَّ اُنْظُرْ إلَى الَّذِي سَبَقَ فِي قَلْبِك» ) أَيْ فَيَمْضِي لِمَا انْشَرَحَ لَهُ صَدْرُهُ الْمُرَادُ انْشِرَاحٌ خَالٍ عَنْ هَوَى النَّفْسِ وَمَيْلِهَا الْمَصْحُوبِ بِغَرَضٍ ظَاهِرٍ أَوْ بَاطِنٍ يُجَمِّلُهُ وَيُزَيِّنُهُ لِلْقَلْبِ حَتَّى يَكُونَ سَبَبًا لِمَيْلِهِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَيُوَافِقُهُ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُفْرِغَ قَلْبَهُ مِنْ جَمِيعِ الْخَوَاطِرِ حَتَّى لَا يَكُونَ مَائِلًا إلَى أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ فَعِنْدَ ذَلِكَ مَا يَسْبِقُ إلَى قَلْبِهِ يُعْمَلُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْخَيْرَ فِيهِ.
(تَنْبِيهٌ) : كَانَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ يَسْتَخِيرُ لِلْغَيْرِ وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ» أَنَّ الْإِنْسَانَ يَسْتَخِيرُ لِغَيْرِهِ وَالْحَدِيثُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِمَا ذَكَرَ شَيْءٌ كَمَا فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ (قَوْلُهُ «وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى» ) قَالَ الشَّيْخُ خِضْرُ الشَّافِعِيُّ وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ أَنْ يَزِيدَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: ٦٩] وَفِي الثَّانِيَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٦] الْآيَةَ اهـ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ قَالَ) أَيْ ابْنُ السُّنِّيِّ وَإِنَّمَا أَتَى بِثُمَّ إشَارَةً إلَى حَذْفٍ فِي كَلَامِهِ كَمَا قَيَّدَ بِهِ بَعْضُ الشُّيُوخِ (قَوْلُهُ وَلَوْ تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ) أَيْ لِكَوْنِهِ لَيْسَ وَقْتَ نَفْلٍ أَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يَتَطَهَّرُ بِهِ (قَوْلُهُ عَدَمِ التَّأَخُّرِ مُدَّةً تَضُرُّ بِهِمْ) وَالتَّعْقِيبُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِجَابَةَ إمَّا بِوَضْعِ التَّأْلِيفِ أَوْ بِالشُّرُوعِ فِيهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُجَابَ السَّائِلُ إلَخْ) أَيْ فَالْإِجَابَةُ حَقُّهَا أَنْ تَقَعَ عَلَى السَّائِلِ فَإِيقَاعُهَا عَلَى السُّؤَالِ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَقَوْلُهُ لَكِنْ إذَا أَجَابَ السُّؤَالَ أَيْ عَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ وَأَتَى بِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّ لَهُ وَجْهَ صِحَّةٍ فِي الْجُمْلَةِ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّهُ لَا صِحَّةَ لَهُ (قَوْلُهُ وَقِيلَ إنَّمَا أَقْحَمَ السُّؤَالَ) عَبَّرَ بِأَقْحَمَ نَظَرًا لِكَوْنِهِ لَيْسَ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَيْ وَأَتَى بِهِ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ الْإِيقَاعِيِّ (قَوْلُهُ مُقَيَّدًا بِالْقُيُودِ الثَّلَاثَةِ) ، وَهُوَ كَوْنُهُ مُخْتَصَرًا عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ مُبَيِّنًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَيْدَ الْوَسَطُ، وَهُوَ كَوْنُهُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ إنَّمَا هُوَ مِنْ قَرِينَةِ الْمَقَامِ لَا أَنَّهُمْ نَطَقُوا بِالسُّؤَالِ فِيهِ فَتَدَبَّرْ
١ -
(قَوْلُهُ إنَّمَا هُوَ بِوَضْعِ الْمُخْتَصَرِ) هَذَا عَلَى أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ لَهُ، وَأَمَّا عَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي فَيُقَالُ فِي قَوْلِهِ مُشِيرًا أَيْ مُقَدِّرًا الْإِشَارَةَ فَيَكُونُ حَالًا مُنْتَظِرَةً؛ لِأَنَّهُ حِينَ الشُّرُوعِ لَمْ يَكُنْ مُشِيرًا بِالْفِعْلِ (قَوْلُهُ كَمَا لَا يَخْفَى) ؛ لِأَنَّ مَسْئُولَهُمْ لَيْسَ هُوَ الْمُشِيرُ، وَقَدْ يُقَالُ بِصِحَّتِهِ عَلَى طَرِيقِ الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ كَمَا فِي مُبِينًا لِمَا بِهِ الْفَتْوَى.
(قَوْلُهُ وَمَعْنَى كَلَامِهِ) إنَّمَا عَبَّرَ بِمَعْنَى إلَخْ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَبَادِرٍ مِنْ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ وَحُمِلَتْ وَقُيِّدَتْ) أَيْ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ فَسَّرْت وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي أَوَّلَ؛ لِأَنَّهُ إذَا حُمِلَتْ الْمُدَوَّنَةُ عَلَى شَيْءٍ وَلَمْ يَحْمِلْهَا أَحَدٌ عَلَى غَيْرِهِ لَا يَجِيءُ إلَّا ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ مِنْ كُلِّ ضَمِيرٍ غَائِبٍ مُؤَنَّثٍ إلَخْ) أَيْ فِي الْأَغْلَبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُشِيرَ لَهَا بِضَمِيرِ الْمُذَكَّرِ فِي مَوْضِعَيْنِ هُمَا قَوْلُهُ فِي الْحَجِّ وَقَيْدُ إنْ أَمِنَ وَقَوْلُهُ فِي الشَّرِكَةِ وَقَيَّدَ بِمَا إذَا لَمْ يَبْدُ وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ مَا يَصْرِفُ الْإِشَارَةَ بِالضَّمِيرِ الْمَذْكُورِ لِغَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ كَقَوْلِهِ فِي التَّلْبِيَةِ وَتَوَسَّطَ فِي عُلُوِّ صَوْتِهِ، وَفِيهَا وَعَاوَدَهَا أَيْ التَّلْبِيَةَ وَقَوْلُهُ فِي الطَّلَاقِ لَا مَحْلُوفٍ لَهَا فَفِيهَا وَغَيْرِهَا.
(فَائِدَةٌ) الْأُمَّهَاتُ أَرْبَعٌ الْمُدَوَّنَةُ وَالْمَوَّازِيَّةُ وَالْعُتْبِيَّةُ وَالْوَاضِحَةُ فَالْمُدَوَّنَةُ لِسَحْنُونٍ وَالْعُتْبِيَّةُ لِلْعُتْبِيِّ وَالْمَوَّازِيَّةُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ وَالْوَاضِحَةُ لِابْنِ حَبِيبٍ وَيُقَالُ إنَّ الدَّوَاوِينَ سَبْعَةٌ الْأَرْبَعَةُ الْأُوَلُ وَالْمُخْتَلِطَةُ وَالْمَبْسُوطَةُ وَالْمَجْمُوعَةُ فَالْمَجْمُوعَةُ لِابْنِ عَبْدُوسٍ وَالْمَبْسُوطَةُ لِلْقَاضِي إسْمَاعِيلَ وَالْمُخْتَلِطَةُ لِابْنِ الْقَاسِمِ انْتَهَى ك وَلَا يَخْفَى مَا فِي عَدِّهَا سَبْعًا مِنْ التَّسَامُحِ؛ لِأَنَّ الْمُدَوَّنَةَ هِيَ نَفْسُ الْمُخْتَلِطَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا تِلْكَ الْفَائِدَةَ لِوُقُوعِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ فِي كَلَامِهِ ﵀ (قَوْلُهُ وَصَحَّ إلَخْ) لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ اصْطِلَاحَهُ يُصَحِّحُ الْإِشَارَةَ وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهَا لَمْ تُقَرَّرْ فِي أَذْهَانِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ (قَوْلُهُ فِي أَذْهَانِ) الْأَذْهَانُ جَمْعُ ذِهْنٍ، وَهُوَ قُوَّةٌ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَعُدَّ النَّفْسَ لِاكْتِسَابِ الْآرَاءِ وَالْفَهْمُ اسْتِعْمَالُهَا وَالذَّكَاءُ أَنْ يَكُونَ سُرْعَةُ إنْتَاجِ الْقَضَايَا وَسُهُولَةُ اسْتِخْرَاجِ النَّتَائِجِ مَلَكَةً لِلنَّفْسِ كَالْبَرْقِ الْأَلْمَعِ بِوَاسِطَةِ كَثْرَةِ مُزَاوَلَةِ الْمُقَدِّمَاتِ الْمُنْتِجَةِ كَذَا قِيلَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَهْمَ نَاشِئٌ عَنْ اسْتِعْمَالِ تِلْكَ الْقُوَّةِ (قَوْلُهُ حَتَّى قَالَ مَشَايِخُهُمْ) أَيْ كَابْنِ رُشْدٍ فِيهِ شَيْءٌ لَكِنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْمُبَالَغَةِ بِالْمَدْحِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ.
(فَائِدَةٌ) وَإِذَا أُطْلِقَ الْكِتَابُ فَإِنَّمَا يُرِيدُونَهَا لِصَيْرُورَتِهِ عِنْدَهُمْ عَلَمًا بِالْغَلَبَةِ عَلَيْهَا كَالْقُرْآنِ عِنْدَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَكِتَابِ سِيبَوَيْهِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ
стр. 38
الْمَذْهَبِ كَالْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ تُجْزِئُ عَنْ غَيْرِهَا وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُهَا عَنْهَا.
(ص) وَبِأَوَّلَ إلَى اخْتِلَافِ شَارِحِيهَا فِي فَهْمِهَا (ش) أَيْ مُشِيرًا فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ أَيْضًا بِمَادَّةِ أَوَّلَ وَهِيَ التَّأْوِيلُ لِيَنْدَرِجَ فِيهِ تَأْوِيلَانِ وَتَأْوِيلَاتٌ إلَى اخْتِلَافِ شَارِحِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَتَصَدَّ وَالشَّرْحُ سَائِرُهَا فِي فَهْمِ الْمُرَادِ مِنْهَا وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الِاخْتِلَافِ إنَّمَا هُوَ فِي جِهَاتِ مَحْمَلِ الْكِتَابِ وَلَيْسَ فِي آرَاءٍ فِي الْحَمْلِ عَلَى حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ فَتُعَدُّ أَقْوَالًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَكُونُ التَّأْوِيلَاتُ أَقْوَالًا فِي الْمَسْأَلَةِ وَاخْتَلَفَ شُرَّاحُ الْمُدَوَّنَةِ فِي فَهْمِهَا عَلَى تِلْكَ الْأَقْوَالِ فَكُلٌّ فَهِمَهَا عَلَى قَوْلٍ كَقَوْلِهِ وَهَلْ هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ أَوْ مَعَ الْإِمْسَاكِ تَأْوِيلَانِ وَخِلَافٌ وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ مُوَافِقًا لِلْمَشْهُورِ فَيُقَدِّمُهُ، ثُمَّ يَعْطِفُ الثَّانِيَ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ كَثِيرًا وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى خِلَافِهِ وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى عَدَمِ الْأَكْلِ إنْ قَصَدَهُ أَوَّلًا كَمَا سَتَرَى ذَلِكَ بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ فِي كَلَامِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَوْلُهُ وَلَيْسَ فِي آرَاءٍ فِي الْحَمْلِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ بِمُجَرَّدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ خِلَافٌ خَارِجِيٌّ لَا يَقْتَضِي التَّخَالُفَ.
وَرَدُّ تت عَلَى الْبِسَاطِيِّ مُتَعَقَّبٌ كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ (ص) وَبِالِاخْتِيَارِ لِلَّخْمِيِّ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ وَبِأَوَّلَ إلَخْ) التَّأْوِيلُ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ الْمُتَبَادِرِ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ أَرَدْت الصَّحِيحَ مِنْهُ فَقَطْ زِدْت بِدَلِيلٍ يُصَيِّرُهُ رَاجِحًا وَمُرَادُنَا بِاللَّفْظِ فِي قَوْلِنَا صَرْفُ اللَّفْظِ إلَخْ الظَّاهِرُ، وَهُوَ مَا احْتَمَلَ كُلًّا مِنْ مَعْنَيَيْنِ لَهُ مَثَلًا بَدَلًا عَنْ الْآخَرِ أَحَدُهُمَا أَظْهَرُ عِنْدَ الْعَقْلِ مِنْ الْآخَرِ لِكَوْنِهِ الْمَوْضُوعَ لَهُ أَوْ لِغَلَبَةِ الْعُرْفِ لِلِاسْتِعْمَالِ فِيهِ كَلَفْظِ أَسَدٍ فِي رَأَيْت الْيَوْمَ أَسَدًا فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، وَهُمَا الْحَيَوَانُ الْمُفْتَرِسُ وَالرَّجُلُ الشُّجَاعُ لَكِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَعَيِّنُ لَهُ وَلَا صَارِفَ عَنْهُ وَمُحْتَمِلٌ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ لَا مَعَهُ بَلْ بَدَلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى مَجَازِيٌّ لَهُ وَلَا صَارِفَ لَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ إنْ حُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى الْمَرْجُوحِ سُمِّيَ مُؤَوَّلًا وَالظَّاهِرُ هُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي أَظْهَرِ مَعْنَيَيْهِ وَالْمُؤَوَّلُ هُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْمَرْجُوحِ مِنْهُمَا، فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَ مَعْنَى التَّأْوِيلِ مَا ذَكَرَ فَكَيْفَ يُطْلِقُهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى إبْقَاءِ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ اصْطِلَاحٌ لَهُ وَلَا مُشَاحَطَةَ فِي الِاصْطِلَاحِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّنَوَانِيُّ ﵀ (قَوْلُهُ وَهِيَ التَّأْوِيلُ) أَيْ مَادَّةُ التَّأْوِيلِ وَإِلَّا فَلَفْظُ التَّأْوِيلِ هَيْئَةٌ وَالْمُرَادُ بِالْمَادَّةِ كَمَا فِي ك الْحُرُوفُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَالتَّقْدِيمِ وَضِدِّهِ (قَوْلُهُ لِيَنْدَرِجَ تَأْوِيلَانِ) بَقِيَ تَفْسِيرَانِ قَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ دَاخِلَةٌ فِي مَادَّةِ أَوَّلَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى (قَوْلُهُ فِي فَهْمِ الْمُرَادِ مِنْهَا) كَذَا قَالَ النَّاصِرُ.
قَالَ فِي ك وَإِنَّمَا قَالَ النَّاصِرُ فِي فَهْمِ الْمُرَادِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْفَهْمَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْنَى لَا بِاللَّفْظِ (قَوْلُهُ وَهَذَا النَّوْعُ) أَيْ هَذَا النَّوْعُ الَّذِي هُوَ اخْتِلَافُ شَارِحِيهَا فِي فَهْمِهَا وَقَوْلُهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ أَيْ هَذَا النَّوْعُ الَّذِي هُوَ اخْتِلَافُ شَارِحِيهَا فِي فَهْمِهَا وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ صَادِقٌ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ كَخِلَافٍ وَقَوْلَانِ أَوْ أَنَّ مِنْ بَيَانِيَّةٌ (قَوْلُهُ إنَّمَا هُوَ فِي جِهَاتِ مَحْمَلِ الْكِتَابِ) لَا يَخْفَى أَنَّ مَحْمَلَ اسْمُ مَكَان أَيْ مَحَلِّ الْحَمْلِ أَيْ مَا يُحْمَلُ لَفْظُ الْكِتَابِ عَلَيْهِ فَمَصْدُوقُهُ الْمَعْنَى وَإِضَافَةُ جِهَاتٍ إلَى مَا بَعْدَهُ لِلْبَيَانِ أَيْ جِهَاتٍ هِيَ مُحَامِلُ الْكِتَابِ (قَوْلُهُ فِي آرَاءٍ) جَمْعُ رَأْيٍ (قَوْلُهُ فِي الْحَمْلِ) أَيْ وَلَيْسَ فِي آرَاءٍ كَائِنَةٍ فِي الْحَمْلِ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ أَوْ بَدَلٌ أَوْ فِي بِمَعْنَى مِنْ وَقَوْلُهُ عَلَى حُكْمٍ مُتَعَلِّقٍ بِالْحَمْلِ وَقَوْلُهُ فَتُعَدُّ جَوَابُ النَّفْيِ أَيْ وَلَيْسَ الِاخْتِلَافُ فِي آرَاءٍ فِي الْحَمْلِ عَلَى حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ يَعْقُبُ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ الْمَذْكُورَ عَدَّهَا أَقْوَالًا أَيْ لَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ وَقَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ الْوَاوُ لِلْحَالِ وَأَرَادَ بِالْحُكْمِ الْمَعْنَى فَيَشْمَلُ التَّفْسِيرَ كَمَا فِي الْعَوْدِ.
(ثُمَّ أَقُولُ) وَقَوْلُهُ فَتُعَدُّ مَعْطُوفٌ عَلَى اخْتِلَافٍ بِحَسَبِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ وَلَيْسَ هُنَاكَ اخْتِلَافٌ فِي آرَاءٍ فِي الْحَمْلِ عَلَى حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ فَتُعَدُّ أَقْوَالًا وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ لِلْبِسَاطِيِّ وَاعْتَرَضَهَا تت بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الشُّيُوخَ مَتَى اخْتَلَفَتْ عُدَّ اخْتِلَافُهُمْ أَقْوَالًا وَظَاهِرُهُ كَانَتْ أَقْوَالًا خَارِجِيَّةً أَوْ لَا فَرَدَّ شَارِحُنَا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ أَقْوَالًا إلَّا إذَا كَانَتْ أَقْوَالًا خَارِجِيَّةً وَوَجْهُ كَوْنِهَا لَا تُعَدُّ أَقْوَالًا أَنَّ الشَّارِحَ لِلَفْظِ الْإِمَامِ إنَّمَا يَحْتَجُّ عَلَى صِحَّةِ مُرَادِهِ بِقَوْلِ ذَلِكَ الْإِمَامِ وَبِقَرَائِنِ كَلَامِهِ مِنْ عَوْدِ ضَمِيرٍ وَمَا أَشْبَهَهُ وَغَيْرَ الشَّارِحِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَقْوَالِ إنَّمَا يَحْتَجُّ لِقَوْلِهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ فَلَمْ يَقَعْ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ تَوَارُدٌ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُجْمَعَ أَقْوَالُهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ الْكَلَامُ الَّذِي شَرَحُوهُ قَوْلًا وَاحِدًا وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي تَصَوُّرِ مَعْنَاهُ (قَوْلُهُ ظَاهِرٌ) أَيْ صَحِيحٌ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُرَادَ الْمُرَادُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ) أَيْ لَفْظَ تَأْوِيلٍ (قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ إلَخْ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ بِمُجَرَّدِهِ أَيْ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ خِلَافٌ خَارِجِيٌّ (قَوْلُهُ لَا يَقْتَضِي التَّخَالُفَ) أَيْ لَا يَقْتَضِي أَنَّ هُنَاكَ خِلَافًا خَارِجِيًّا أَيْ لَا يَقْتَضِي وُجُودَ أَقْوَالٍ لِمَا عَلِمْت أَنَّهَا تَرْجِعُ لِقَوْلٍ وَاحِدٍ اخْتَلَفَا فِي تَفْسِيرِهِ (قَوْلُهُ وَرَدَّ تت إلَخْ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ (قَوْلُهُ وَبِالِاخْتِيَارِ لِلَّخْمِيِّ إلَخْ) كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ اخْتَارَ غَيْرَهُ أَوْ لَا نَصَّ فِيهَا جَعَلَ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ شَامِلًا لِلصُّورَتَيْنِ فِي التَّعْبِيرِ بِالْفِعْلِ مَعَ أَنَّهُ يُعَبِّرُ بِالِاسْمِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى كَقَوْلِهِ فِي الْجِهَادِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ وَكَقَوْلِهِ فِي الْجِزْيَةِ وَالظَّاهِرُ آخِرُهَا حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُؤَلِّفُ سَكَتَ عَنْ اصْطِلَاحِهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَوْ أَطْلَقَ الْخِلَافَ عَلَى مَا يَشْمَلُ هَذِهِ الصُّورَةَ تَغْلِيبًا (قُلْت) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ وَنَحْوِهِمَا خَالَفَ اصْطِلَاحَهُ إمَّا سَهْوًا أَوْ تَصْحِيفًا مِنْ النَّاسِخِ كَتَعْبِيرِهِ بِالْفِعْلِ فِيمَا فِيهِ خِلَافٌ كَقَوْلِهِ وَاخْتَارَ فِي الْأَخِيرِ خِلَافَ الْأَكْثَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مُحَشِّي تت، ثُمَّ إنَّ اللَّامَ الدَّاخِلَةَ عَلَى الشُّيُوخِ الْمَذْكُورِينَ فِي كَلَامِهِ بِمَعْنَى إلَى دَاخِلَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مُتَعَلِّقٍ بِمُشِيرًا وَالتَّقْدِيرُ وَمُشِيرًا بِمَادَّةِ الِاخْتِيَارِ إلَى اخْتِيَارِ أَبِي الْحَسَنِ
стр. 39
لَكِنْ إنْ كَانَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ فَذَلِكَ لِاخْتِيَارِهِ هُوَ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ بِصِيغَةِ الِاسْمِ فَذَلِكَ لِاخْتِيَارِهِ مِنْ الْخِلَافِ (ش) أَيْ وَمُشِيرًا بِمَادَّةِ الِاخْتِيَارِ إلَى اخْتِيَارِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ الرَّبَعِيِّ الْمَعْرُوفِ بِاللَّخْمِيِّ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ، وَهُوَ ابْنُ بِنْتِ اللَّخْمِيِّ لَكِنْ إنْ كَانَ اخْتِيَارُهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ لَا مِنْ أَقْوَالٍ مَنْصُوصَةٍ لِغَيْرِهِ فَيُشِيرُ إلَى ذَلِكَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي كَاخْتَارَ، وَإِنْ كَانَ اخْتِيَارُهُ مِنْ الْأَقْوَالِ الْمَنْصُوصَةِ فَيُشِيرُ إلَى ذَلِكَ بِصِيغَةِ الِاسْمِ نَحْوَ الْمُخْتَارِ كَذَا وَإِنَّمَا جَعَلَ الْفِعْلَ لِاخْتِيَارِ الْأَشْيَاخِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَالِاسْمَ لِاخْتِيَارِهِمْ مِنْ الْخِلَافِ الْمَنْصُوصِ. لِأَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى الْحُدُوثِ وَالْوَصْفَ يَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ وَمُنَاسَبَةُ كُلٍّ لَا تَخْفَى وَاللَّخْمِيُّ الْمَذْكُورُ نَزَلَ صَفَاقُصَ وَتَفَقَّهَ بِابْنِ مُحْرِزٍ وَأَبِي الْفَضْلِ ابْنِ بِنْتِ خَلْدُونٍ وَأَبِي الطَّيِّبِ وَأَبِي إِسْحَاقَ التُّونُسِيِّ وَالسُّيُورِيُّ وَظَهَرَ فِي أَيَّامِهِ وَطَارَتْ فَتَاوِيهِ وَكَانَ فَقِيهًا فَاضِلًا دَيِّنًا وَبَقِيَ بَعْدَ أَصْحَابِهِ فَحَازَ رِيَاسَةَ إفْرِيقِيَةَ وَتَفَقَّهَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ وَأَبُو الْفَضْلِ النَّحْوِيُّ وَالْكَلَاعِيُّ وَلَهُ تَعْلِيقٌ مُحَاذِي لِلْمُدَوَّنَةِ سَمَّاهُ التَّبْصِرَةَ حَسَنٌ مُفِيدٌ تَوَفَّى ﵀ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعَمِائَةٍ بِصَفَاقِس وَقَبْرُهُ بِهَا مَعْرُوفٌ وَخَصَّهُ عَمَّنْ ذَكَرَ مَعَهُ بِمَادَّةِ الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّهُ أَجْرَؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
(ص) وَبِالتَّرْجِيحِ لِابْنِ يُونُسَ كَذَلِكَ (ش) أَيْ وَمُشِيرًا بِمَادَّةِ التَّرْجِيحِ لِتَرْجِيحِ ابْنِ يُونُسَ لَكِنْ إنْ كَانَ اخْتِيَارُهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ فَيُشِيرُ إلَيْهِ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي كَرَجُحَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْخِلَافِ الْمَنْصُوصِ فَيُشِيرُ إلَيْهِ بِصِيغَةِ الِاسْمِ، وَهُوَ الْأَرْجَحُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ كَذَلِكَ وَابْنُ يُونُسَ هُوَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ تَمِيمِيٌّ صَقَلِّيٌّ كَانَ فَقِيهًا إمَامًا عَالِمًا فَرْضِيًّا أَخَذَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْحَصَائِرِيِّ وَعَتِيقِ بْنِ الْفَرْضِيِّ وَابْنِ أَبِي الْعَبَّاسِ وَكَانَ مُلَازِمًا لِلْجِهَادِ مَوْصُوفًا بِالنَّجْدَةِ تُوُفِّيَ فِي عَشْرٍ بَقَيْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَقِيلَ فِي رَبِيعٍ الْأَخِيرِ وَيُعَبِّرُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِالصَّقَلِّيِّ.
(ص) وَبِالظُّهُورِ لِابْنِ رُشْدٍ كَذَلِكَ (ش) أَيْ وَمُشِيرًا بِمَادَّةِ الظُّهُورِ إلَى تَظْهِيرِ ابْنِ رُشْدٍ
ــ
[حاشية العدوي]
(قَوْلُهُ لَكِنْ إنْ كَانَ) فِي الْعِبَارَةِ اسْتِخْدَامٌ حَيْثُ أَطْلَقَ الِاخْتِيَارَ أَوَّلًا مُرَادًا بِهِ لَفْظُهُ، ثُمَّ رَجَعَ الضَّمِيرُ لَهُ بِاعْتِبَارِ حَقِيقَتِهِ النَّفْسَانِيَّةِ وَقَوْلُهُ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ أَيْ مُعَبِّرًا عَنْهُ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ كَذَا قِيلَ وَأَقُولُ لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّامَ الدَّاخِلَةَ عَلَى الْمَشَايِخِ بِمَعْنَى إلَى دَاخِلَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ فِي كَانَ عَائِدًا عَلَى ذَلِكَ الْمَحْذُوفِ هَذَا مَا يَقْتَضِيهِ حَلُّ الشَّارِحِ وَيَصِحُّ أَنْ تَقُولَ لَكِنْ إنْ كَانَ الِاخْتِيَارُ أَيْ تِلْكَ الْمَادَّةُ آتِيَةً بِصِيغَةِ الْفِعْلِ إلَخْ (قَوْلُهُ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ) أَيْ الْمَاضِي إذْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ إلَّا ذَلِكَ (قَوْلُهُ لِاخْتِيَارِهِ هُوَ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَصْدَرُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُضَافًا لِلْفَاعِلِ فَيَكُونَ هُوَ تَأْكِيدًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا لِلْمَفْعُولِ فَيَكُونَ هُوَ فَاعِلًا (قَوْلُهُ بِصِيغَةِ الِاسْمِ) أَيْ اسْمِ الْمَفْعُولِ قِيلَ خَالَفَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي قَوْلِهِ وَاخْتَارَ فِي الْأَخِيرِ خِلَافَ الْأَكْثَرِ فَإِنَّ اللَّخْمِيَّ اخْتَارَ فِيهَا قَوْلَ الْأَقَلِّ وَمَعَ ذَلِكَ عَبَّرَ بِالْفِعْلِ وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْأَكْثَرِ الْكُلَّ (قَوْلُهُ فَذَلِكَ لِاخْتِيَارِهِ مِنْ الْخِلَافِ) أَيْ غَالِبًا وَقَدْ يُشِيرُ بِهِ لِلْخِلَافِ خَارِجَ الْمَذْهَبِ كَقَوْلِهِ وَالْأَظْهَرُ وَالْأَصَحُّ لَا جَعْلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ (قَوْلُهُ الرَّبَعِيِّ) مَنْسُوبٌ لِرَبِيعَةَ (قَوْلُهُ ابْنُ بِنْتِ اللَّخْمِيِّ) فَاللَّخْمِيُّ حَقِيقَةً إنَّمَا هُوَ جَدُّهُ مَنْسُوبٌ لِلَخْمٍ حَيٍّ بِالْيَمَنِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى الْحُدُوثِ) أَيْ بَعْدَ الْعَدَمِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ وَعَلَى التَّجَدُّدِ شَيْئًا فَشَيْئًا بِالْقَرِينَةِ إلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ الْمُضَارِعِ.
(قَوْلُهُ وَالْوَصْفُ يَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ وَالصِّفَةُ الْمُشَبَّهَةُ، وَأَمَّا اسْمُ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ فَهُمَا لِلْحُدُوثِ قَطْعًا إلَّا أَنْ يُرِيدَ كَوْنَ الْمُؤَلِّفِ قَابَلَ الْفِعْلَ بِالِاسْمِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ خُصُوصِ الْوَصْفِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي ك فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالْمُنَاسِبُ لِشَارِحِ أَنْ يَقُولَ وَالِاسْمُ يَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ بَدَلَ الْوَصْفِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الِاسْمِيَّةَ تَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ بِأَصْلِ الْوَضْعِ وَعَلَى الدَّوَامِ بِالْقَرِينَةِ (قَوْلُهُ وَمُنَاسَبَةُ كُلٍّ لَا تَخْفَى) ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَا اخْتَارَهُ فِي نَفْسِهِ حَادِثًا نَاسَبَ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَمَّا كَانَ مَا اخْتَارَهُ مِنْ الْخِلَافِ ثَابِتًا قَبْلُ نَاسَبَ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِالِاسْمِ أَيْ فَالتَّعْبِيرُ بِالِاسْمِ بِالنَّظَرِ لِلْمُخْتَارِ لَا لِلِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّهُ حَادِثٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ (قَوْلُهُ صَفَاقُصَ) فِي نُسْخَتِهِ بِالصَّادِ إلَّا أَنَّ الَّذِي فِي الْقَامُوسِ سِينٌ آخِرًا وَحَاصِلُ مَا فِيهَا أَنَّهَا بِفَتْحِ الصَّادِ أَوَّلًا وَضَمِّ الْقَافِ وَالسِّينِ آخِرًا وَهِيَ بَلَدٌ بِإِفْرِيقِيَّةَ عَلَى الْبَحْرِ شُرْبُهُمْ مِنْ الْآبَارِ (قَوْلُهُ وَطَارَتْ فَتَاوِيهِ) أَيْ وَانْتَشَرَتْ فَتَاوِيهِ أَوْ نُقِلَتْ فَتَاوِيهِ إلَى الْبِلَادِ فَهُوَ مَجَازٌ اسْتِعَارَةٌ أَوْ تَجْعَلُهُ مَجَازًا عَقْلِيًّا (قَوْلُهُ وَبَقِيَ بَعْدَ أَصْحَابِهِ) أَيْ أَقْرَانِهِ (قَوْلُهُ وَالْكَلَاعِيُّ) بِالْفَتْحِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ نِسْبَةً إلَى كَلَاعٍ قَبِيلَةٍ مِنْ حِمْيَرَ (قَوْلُهُ مُحَاذِي لِلْمُدَوَّنَةِ) أَيْ فِي التَّرَاجِمِ وَالْمَعَانِي.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَجْرَؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ أَكْثَرُهُمْ اسْتِعْمَالًا لِهَذِهِ الْمَادَّةِ هَذَا مَا يُفِيدُهُ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ إلَّا أَنَّ عِبَارَةَ الْحَطَّابِ تُفِيدُ أَنَّ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ أَجْرَؤُهُمْ عَلَى الِاخْتِيَارِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ لَفْظِ الِاخْتِيَارِ وَسَيَأْتِي فَيُحْمَلُ كَلَامُ الشَّارِحِ عَلَيْهَا إلَّا أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ سِرُّ التَّعْبِيرِ بِالِاخْتِيَارِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الشَّأْنُ فِي ذَلِكَ التَّعْبِيرِ عِنْدَهُ بِمَادَّةِ الِاخْتِيَارِ (قَوْلُهُ لَكِنْ إنْ كَانَ اخْتِيَارُهُ) الْأَوْلَى تَرْجِيحُهُ (قَوْلُهُ صَقَلِّيٌّ) قَالَ فِي ك وُجِدَ عِنْدِي مَا نَصُّهُ الصَّقَلِّيُّ بِفَتْحِ الصَّادِ وَالْقَافِ وَكَسْرِهِمَا وَيَجُوزُ فَتْحُ الصَّادِ وَكَسْرُ الْقَافِ انْتَهَى (قَوْلُهُ الْحَصَائِرِيِّ) نِسْبَةً إلَى الْحَصِيرِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ نِسْبَةً مِنْ حَيْثُ بَيْعُهَا أَوْ عَمَلِهَا (قَوْلُهُ بِالنَّجْدَةِ) بِكَسْرِ النُّونِ مَعْنَاهُ الشَّجَاعَةُ وَالشِّدَّةُ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ
стр. 40
لَكِنْ إنْ كَانَ لَمَّا ظَهَرَ لَهُ أَوْ رَجَّحَهُ أَوْ اخْتَارَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَيُشِيرُ لِذَلِكَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي كَظَهَرَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَقْوَالِ الْخِلَافِيَّةِ فَيُشِيرُ لَهُ بِصِيغَةِ الِاسْمِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ كَذَلِكَ وَابْنُ رُشْدٍ هُوَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رُشْدٍ يُكْنَى بِأَبِي الْوَلِيدِ قُرْطُبِيٌّ فَقِيهُ وَقْتِهِ وَتَفَقَّهَ بِأَقْطَارِ الْأَنْدَلُسِ وَالْمَغْرِبِ الْمَعْرُوفِ بِصِحَّةِ النَّظَرِ وَجَوْدَةِ التَّأْلِيفِ وَدِقَّة الْفِقْهِ وَكَانَ إلَيْهِ الْمَفْزَعُ فِي الْمُشْكِلَاتِ مَاتَ لَيْلَةَ الْأَحَدِ حَادِي عَشَرَ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ عِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الْعَبَّاسِ وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ أَبُو الْقَاسِمِ وَكَانَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ جَمِيلًا وَالتَّفَجُّعُ عَلَيْهِ جَلِيلًا وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
(ص) وَبِالْقَوْلِ لِلْمَازِرِيِّ كَذَلِكَ (ش) أَيْ وَمُشِيرًا بِمَادَّةِ الْقَوْلِ لِقَوْلِ الْمَازِرِيِّ لَكِنْ إنْ كَانَ لِمَا ظَهَرَهُ أَوْ رَجَّحَهُ أَوْ اخْتَارَهُ مِنْ رَأْيِهِ فَيُشِيرُ لَهُ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي كَقَالَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَقْوَالِ الْمَذْهَبِ فَيُشِيرُ لَهُ بِصِيغَةِ الِاسْمِ، وَهُوَ لَفْظُ الْمَقُولِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ كَذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يَتَّفِقْ لَلْمُؤَلِّفِ إطْلَاقُ صِيغَةِ الْفِعْلِ عَلَى مَعْنَى رَجَّحَ بَلْ إنَّمَا يُرِيدُ بِهَا مُجَرَّدَ حِكَايَةِ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ وَالتَّرْجِيحُ إنْ كَانَ فَإِنَّمَا هُوَ مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ لَا مِنْ لَفْظِ قَالَ تَأَمَّلْ، وَأَمَّا صِيغَةُ الِاسْمِ فَمُسَلَّمٌ وَالْمَازِرِيُّ هُوَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ الْمَازِرِيُّ يُعْرَفُ بِالْإِمَامِ أَصْلُهُ مِنْ مَازِرَةَ بِفَتْحِ الزَّايِ وَكَسْرِهَا مَدِينَةٌ فِي جَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ نَزَلَ الْمَهْدِيَّةَ إمَامَ بِلَادِ أَفْرِيقِيَّةَ وَمَا وَرَاءَهَا مِنْ الْمَغْرِبِ. وَيُحْكَى أَنَّهُ رَأَّى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَقُّ مَا يَدْعُونَنِي بِهِ فَقَالَ لَهُ وَسَّعَ اللَّهُ صَدْرَك لِلْفُتْيَا وَكَانَ آخِرَ الْمُشْتَغِلِينَ بِإِفْرِيقِيَةَ بِتَحْقِيقِ الْعِلْمِ وَرُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ وَدِقَّةِ النَّظَرِ وَكَانَ يُفْزَعُ إلَيْهِ فِي الْفُتْيَا فِي الطِّبِّ كَمَا يُفْزَعُ إلَيْهِ فِي الْفُتْيَا فِي الْفِقْهِ وَيُحْكَى أَنَّ سَبَبَ اشْتِغَالِهِ فِي الطِّبِّ أَنَّهُ مَرِضَ فَكَانَ يَطِبُّهُ يَهُودِيٌّ فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ يَا سَيِّدِي وَمِثْلِي يَطِبُّ مِثْلَكُمْ وَأَيُّ قُرْبَةٍ أَجِدُهَا أَتَقَرَّبُ بِهَا فِي دِينِي مِثْلَ أَنْ أَفْقِدَكُمْ فَحِينَئِذٍ اشْتَغَلَ بِالطِّبِّ وَمِمَّنْ أَخَذَ عَنْهُ بِالْإِجَازَةِ الْقَاضِي عِيَاضٌ تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ وَقَدْ نَيَّفَ سِنُّهُ عَلَى الثَّمَانِينَ وَبِقَوْلِنَا فِيمَا تَقَدَّمَ بِمَادَّةِ الظُّهُورِ أَوْ التَّرْجِيحِ أَوْ الِاخْتِيَارِ يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ إنَّ التَّقْسِيمَ إلَى اسْمٍ وَفِعْلٍ لَا يَصِحُّ لِمُنَافَاتِهِ الْمُقْسَمَ لِكَوْنِهِ اسْمًا فَقَطْ وَتَخْصِيصُهُ الشُّيُوخَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ مُجَرَّدُ اصْطِلَاحٍ لِقَصْدِ التَّمْيِيزِ لَا أَنَّ مَنْ نُسِبَ إلَيْهِ بَعْضُهَا رَجَحَ بِذَلِكَ إذْ كَثِيرًا مَا يُشِيرُ بِالظُّهُورِ.
لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ الْأَصَحِّ يُعْلَمُ ذَلِكَ بِتَصَفُّحِ مَسَائِلِهِمْ وَلِيُعْلَمَ أَنَّ الْمُرَادَ مَتَى ذَكَرَ ذَلِكَ فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى التَّرْجِيحِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ مَتَى رَجَّحَ بَعْضُهُمْ شَيْئًا أَشَارَ إلَيْهِ حَتَّى يَعْتَرِضَ بِوُجُودِ تَرْجِيحَاتٍ كَثِيرَةٍ لَهُمْ لَمْ يُشِرْ إلَيْهَا وَلَمْ يَذْكُرْهُمْ الْمُؤَلِّفُ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ فِي الْوُجُودِ وَأَقْدَمُهُمْ ابْنُ يُونُسَ الصَّقَلِّيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، ثُمَّ اللَّخْمِيُّ، ثُمَّ ابْنُ رُشْدٍ، ثُمَّ الْمَازِرِيُّ وَاخْتَارَ عَدَدَ الْأَرْبَعَةِ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ إنْ كَانَ لِمَا ظَهَرَ لَهُ إلَخْ) هَذَا التَّنْوِيعُ لُحِظَ فِيهِ الصِّيغَةُ الصَّادِرَةُ مِنْهُ أَمَّا مَادَّةُ الظُّهُورِ أَوْ التَّرْجِيحِ أَوْ غَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ بِأَقْطَارِ الْأَنْدَلُسِ) أَيْ نَوَاحِي الْأَنْدَلُسِ وَنَوَاحِي الْمَغْرِبِ أَوْ بِقُطْرَيْنِ هُمَا الْأَنْدَلُسُ وَالْمَغْرِبُ وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْأَنْدَلُسَ إقْلِيمٌ آخَرُ غَيْرُ الْمَغْرِبِ (قَوْلُهُ بِصِحَّةِ النَّظَرِ) أَيْ الْفِكْرِ وَقَوْلُهُ وَكَانَ إلَيْهِ الْمَفْزَعُ أَيْ الْفَزَعُ (قَوْلُهُ بِمَقْبَرَةِ الْعَبَّاسِ) لَا أَدْرِي كَيْفَ كَانَ هُوَ (قَوْلُهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ كَانَ إمَامًا (قَوْلُهُ وَالتَّفَجُّعُ) أَيْ حُزْنُ النَّاسِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ لِمَا ظَهَرَهُ إلَخْ) نَاظِرٌ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ لِلصِّيغَةِ الصَّادِرَةِ مِنْهُ (قَوْلُهُ إنْ كَانَ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّرْجِيحَ لَيْسَ بِلَازِمٍ مِنْ كَلَامِهِ.
(قَوْلُهُ لَا مِنْ لَفْظِ قَالَ) كَقَوْلِ الْمُصَنِّفِ قَالَ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ فَالتَّرْجِيحُ مِنْ قَوْلِهِ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ وَاعْتُرِضَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يُرِدْ حِكَايَةَ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ كَمَا ادَّعَى مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْ قَالَ فِي مَعْنَى رَجَّحَ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَازِرِيَّ لَمَّا جَزَمَ بِذَلِكَ أَفَادَ تَرْجِيحَهُ لَهُ فَقَوْلُهُ قَالَ وَكَذَا شَيْءٌ وَقَوْلُهُ قَالَ، وَإِنْ قَالَ أَقَرَّ عَنِي بِأَلْفٍ فَإِقْرَارٌ يُسْتَفَادُ مِنْهُ تَرْجِيحُ مَا ذَكَرَهُ لِكَوْنِهِ جَزَمَ بِهِ حُكْمًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ ظَاهِرٌ بِاعْتِبَارِ قَوْلِهِ قَالَ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ بِالنِّسْبَةِ لِقَوْلِهِ قَالَ وَكَذَا شَيْءٌ وَنَحْوُهُ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ نَزَلَ الْمَهْدِيَّةَ) بَلْدَةٌ مِنْ أَعْمَالِ تُونِسَ (قَوْلُهُ إمَامَ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ كَمَا هُوَ مَضْبُوطٌ بِالْقَلَمِ فِي نُسْخَتِهِ (قَوْلُهُ أَحَقُّ مَا يَدْعُونَنِي بِهِ) أَيْ، وَهُوَ إمَامٌ أَيْ فَصَارَ إمَامُ لَقَبًا عَلَيْهِ وَمَا يَدْعُونَنِي فَاعِلٌ بِأَحَقَّ سَادٌّ مَسَدَ الْخَبَرِ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَنِي مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ حَقٌّ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ (قَوْلُهُ فَقَالَ لَهُ وَسَّعَ إلَخْ) لَمْ يُجِبْهُ الْمُصْطَفَى ﵇ بَلْ دَعَا لَهُ بِمَا هُوَ أَنْفَعُ وَمُسْتَلْزِمٌ لِجَوَابِهِ عُرْفًا أَيْ مَلَأَ اللَّهُ صَدْرَك عِلْمًا حَتَّى لَا يَشُقُّ عَلَيْك مَا يَرِدُ مِنْ أَسْئِلَةِ السَّائِلِينَ أَوْ زَادَ اللَّهُ فِي حُسْنِ خُلُقِك حَتَّى لَا تَسْأَمَ مِمَّا ذَكَرَ (قَوْلُهُ رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ) أَيْ اجْتِهَادِ الْفَتْوَى فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ فَكَانَ يَطِبُّهُ) مِنْ بَابِ ضَرَبَ.
(قَوْلُهُ مِثْلَ أَنْ أَفْقِدَكُمْ) مِنْ بَابِ ضَرَبَ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ أَيْ فَالْقَافُ مَكْسُورَةٌ (قَوْلُهُ رَجَحَ بِذَلِكَ) أَيْ بِخُصُوصِ الظُّهُورِ أَوْ التَّرْجِيحِ أَوْ الْقَوْلِ أَوْ الِاخْتِيَارِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ مَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي اللَّخْمِيِّ حَيْثُ قَالَ؛ لِأَنَّهُ أَجْرَؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَعِبَارَةُ الْحَطَّابِ أَحْسَنُ وَنَصُّهُ وَخَصَّهُمْ بِالتَّعْيِينِ لِكَثْرَةِ تَصَرُّفِهِمْ فِي الِاخْتِيَارِ وَبَدَأَ بِاللَّخْمِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَجْرَؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ؛ وَلِذَلِكَ خَصَّهُ بِمَادَّةِ الِاخْتِيَارِ وَخَصَّ ابْنَ يُونُسَ بِالتَّرْجِيحِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ اجْتِهَادِهِ فِي الْمَيْلِ مَعَ بَعْضِ أَقْوَالِ مَنْ سَبَقَهُ وَمَا يَخْتَارُ لِنَفْسِهِ قَلِيلٌ وَخَصَّ ابْنَ رُشْدٍ بِالظُّهُورِ لِاعْتِمَادِهِ كَثِيرًا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ فَيَقُولُ يَأْتِي عَلَى رِوَايَةِ كَذَا كَذَا وَظَاهِرُ مَا فِي سَمَاعِ كَذَا كَذَا وَخَصَّ الْمَازِرِيَّ بِالْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَوِيَتْ عَارِضَتُهُ فِي الْعُلُومِ وَتَصَرَّفَ فِيهَا تَصَرُّفَ الْمُجْتَهِدِينَ كَانَ صَاحِبَ قَوْلٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ اهـ.
وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى إنَّمَا ذَكَرَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ التَّعَبِ فِي تَحْرِيرِ الْمَذْهَبِ وَتَهْذِيبِهِ وَتَرْتِيبِهِ (قَوْلُهُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُجَوِّزُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ
стр. 41
كَالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَالْأَئِمَّةِ الَّذِينَ هُمْ لِنِظَامِ الدِّينِ كَقَوَاعِدِ الْبَيْتِ الْأَرْبَعِ الَّتِي لَا يَتِمُّ شَكْلُهُ إلَّا بِهَا.
(ص) وَحَيْثُ قُلْت خِلَافٌ فَذَلِكَ لِلِاخْتِلَافِ فِي التَّشْهِيرِ (ش) حَيْثُ ظَرْفٌ لِفِعْلِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أَيْ مَهْمَا وُجِدَ شَيْءٌ حَيْثُ قُلْت خِلَافٌ وَخِلَافٌ مَرْفُوعٌ عَلَى الْحِكَايَةِ إذْ هُوَ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ الْآتِي لَهُ فِي الْأَبْوَابِ مَرْفُوعٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وَلَوْ نَصَبَهُ لَاقْتَضَى أَنَّهُ مَتَى ذَكَرَ أَقْوَالًا مُخْتَلِفَةً فِي مَسْأَلَةٍ كَقَوْلِهِ اُعْتُدَّ بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ لَا ابْنِ الْقَاسِمِ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً فِي التَّشْهِيرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا أَشَارَ لَهُ النَّاصِرُ اللَّقَانِيِّ وَكَأَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْطِ دُخُولُ الْفَاءِ بَعْدَهَا مَعَ أَنَّ دُخُولَ الْفَاءِ بَعْدَ الظَّرْفِ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِإِجْرَاءِ الظَّرْفِ مَجْرَى كَلِمَةِ الشَّرْطِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ﴾ [الأحقاف: ١١] وَحَيْثُ دَالَّةٌ عَلَى الْمَكَانِ قِيلَ كَمَا هُنَا، وَهُوَ عَجِيبُ التَّقْدِيرِ وَكُلُّ مَكَان مِنْ هَذَا الْكِتَابِ قُلْت فِيهِ خِلَافٌ.
وَزَعَمَ الْأَخْفَشُ أَنَّهَا تَرِدُ لِلزَّمَانِ انْتَهَى وَتَأَمَّلْ قَوْلُهُ وَلَوْ نَصَبَهُ إلَخْ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَوْلَا هَذَا الِاقْتِضَاءُ لَصَحَّ النَّصْبُ مَعَ أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّتِهِ أَيْضًا لَفْظُ الْقَوْلِ الْخَاصِّ بِالْجُمَلِ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الذِّكْرُ وَمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الشُّيُوخَ إذَا اخْتَلَفُوا فِي التَّشْهِيرِ لِلْأَقْوَالِ وَتَسَاوَى الْمُشَهِّرُونَ فِي الرُّتْبَةِ فَإِنَّهُ يَذْكُرُ الْقَوْلَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ وَالْأَقْوَالَ الْمَشْهُورَةَ وَيَأْتِي بَعْدَهَا بِلَفْظِ خِلَافٌ إشَارَةً إلَى ذَلِكَ وَسَوَاءٌ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي تَشْهِيرِ التَّرْجِيحِ بِلَفْظِ التَّشْهِيرِ أَوْ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِمْ الْمَذْهَبُ كَذَا أَوْ الظَّاهِرُ أَوْ الرَّاجِحُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَ الْمُشَهِّرُونَ فِي الرُّتْبَةِ فَإِنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى مَا شَهَّرَهُ أَعْلَاهُمْ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ اسْتِقْرَاءِ كَلَامِهِ (ص) وَحَيْثُ ذَكَرْت قَوْلَيْنِ أَوْ أَقْوَالًا فَذَلِكَ لِعَدَمِ اطِّلَاعِي فِي الْفَرْعِ عَلَى أَرْجَحِيَّةٍ مَنْصُوصَةٍ (ش) أَيْ وَكُلُّ مَكَان
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ الَّذِينَ هُمْ إلَخْ) صِفَةٌ لِلْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَلَمَّا كَانَ مَا عَلَيْهِ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ هُوَ مَا عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ عُدُّوا كَأَنَّهُمْ هُمْ فَلِذَلِكَ جُعِلُوا أَرْكَانًا أَرْبَعَةً لَا أَكْثَرَ أَيْ فَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ أَرْكَانُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فَلِذَلِكَ خَصَّهُمْ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ لِقُوَّةِ تَصَرُّفِهِمْ أَرْكَانَ الْمَذْهَبِ كَمَا أَنَّ الْأَئِمَّةَ أَرْكَانُ الدِّينِ خَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ (قَوْلُهُ لِنِظَامِ الدِّينِ) أَيْ لِاسْتِقَامَةِ الدِّينِ أَيْ الَّذِينَ هُمْ لِلدِّينِ مِنْ حَيْثُ اسْتِقَامَتُهُ (قَوْلُهُ فَذَلِكَ) أَيْ قَوْلِي خِلَافٌ فَالْمُشَارُ لَهُ مُتَقَدِّمٌ مَعْنًى فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ لِلِاخْتِلَافِ إلَخْ) أَيْ فِي غَيْرِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ وَفِي غَيْرِ مَنْ يَأْتِي وَيُشِيرُ لِمَنْ تَقَدَّمَ بِمَا سَبَقَ وَلِمَنْ يَأْتِي بِصَحَّحَ أَوْ اسْتَحْسَنَ فَلَا اعْتِرَاضَ.
(قَوْلُهُ لِفِعْلِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ) فَحَذَفَ الشَّرْطَ، وَهُوَ مَهْمَا لِدَلَالَةِ دُخُولِ الْفَاءِ فِي جَوَابِهِ وَفِعْلِهِ، وَهُوَ وُجِدَ لِدَلَالَةِ الْمَعْمُولِ، وَهُوَ حَيْثُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْمُولَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ فِيهِ (قَوْلُهُ أَيْ مَهْمَا وُجِدَ شَيْءٌ) أَيْ مَهْمَا وُجِدَ شَيْءٌ فِي الْمَكَانِ يُرَادُ بِهِ الْعِبَارَةُ الَّتِي مِنْ أَجْزَائِهَا خِلَافٌ كَقَوْلِهِ وَهَلْ تُكْرَهُ الرَّابِعَةُ أَوْ تُمْنَعُ خِلَافٌ وَيَرِدُ بِالشَّيْءِ مَعْنَى تِلْكَ الْعِبَارَةِ (قَوْلُهُ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ) أَيْ غَالِبًا إذْ قَدْ يَذْكُرُهُ نَحْوَ وَفِي وُجُوبِ غُسْلِ الْمَيِّتِ إلَى أَنْ قَالَ خِلَافٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ نَصَبَهُ إلَخْ) ، فَإِنْ قُلْت يُمْكِنُ أَنْ يُنْصَبَ وَيُرَادُ بِهِ لَفْظُهُ وَالْقَوْلُ يُنْصَبُ الْمُفْرَدُ إذَا أُرِيدَ بِهِ لَفْظُهُ وَلَا يُرَادُ بِهِ مَعْنَاهُ الْمُوهِمُ قُلْت يَقْتَضِي أَنَّهُ يَذْكُرُهُ مَنْصُوبًا دَائِمًا مَعَ أَنَّهُ إنَّمَا يَذْكُرُهُ مَرْفُوعًا (قَوْلُهُ كَقَوْلِهِ اُعْتُدَّ بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ) أُدْخِلَتْ الْكَافُ قَوْلَهُ وَتَصَرُّفُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَى الْإِجَازَةِ عِنْدَ مَالِكٍ لَا ابْنِ الْقَاسِمِ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ شُهِرَ كُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فَالْجَوَابُ أَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ لِلِاخْتِلَافِ فِي التَّشْهِيرِ وَتَسَاوَى الْمُشَهِّرُونَ فِي الرُّتْبَةِ (قَوْلُهُ دَالَّةٌ عَلَى الْمَكَانِ قِيلَ كَمَا هُنَا) أَيْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ إجْرَاءُ الظَّرْفِ مَجْرَى كَلِمَةِ الشَّرْطِ (قَوْلُهُ، وَهُوَ عَجِيبٌ) أَيْ أَمْرٌ يُتَعَجَّبُ مِنْهُ لِحُسْنِهِ (قَوْلُهُ وَكُلُّ مَكَان) أَيْ وَكُلُّ عِبَارَةٍ ذُكِرَتْ فِي خِلَالِهَا لَفْظُ خِلَافٌ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْفِيشِيُّ فِي الْحَاشِيَةِ حَيْثُ قَالَ وَحَيْثُ مُبْتَدَأٌ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الظُّرُوفِ اللَّازِمَةِ الَّتِي لَا تَتَصَرَّفُ نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى الْمُرَادِفِ لَا اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى الْمُرَادِفِ كُلُّ مَوْضِعٍ قُلْت فِيهِ خِلَافٌ وَقَوْلُهُ فَذَلِكَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَالْفَاءُ تَدْخُلُ فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ إذَا كَانَ عَامًّا وَهَذَا الْإِعْرَابُ يَجْرِي فِي قَوْلِهِ وَحَيْثُ ذَكَرْت قَوْلَيْنِ إلَخْ اهـ.
(قَوْلُهُ وَزَعَمَ الْأَخْفَشُ) أَقُولُ وَيَصِحُّ إرَادَةُ الزَّمَانِ أَيْضًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالزَّعْمِ مُجَرَّدَ الْقَوْلِ بِمَثَابَةِ قَوْلِهِ وَقَالَ الْأَخْفَشُ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهُ كَذِبٌ.
(قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى مَا شَهَرَهُ أَعْلَاهُمْ) غَيْرُ ظَاهِرٍ إذْ قَدْ اُتُّفِقَ أَنَّهُ لَمْ يَتَسَاوَ الْمُشْهِرُونَ فِي الرُّتْبَةِ وَلَمْ يُقْتَصَرْ عَلَى الْأَعْلَى كَقَوْلِهِ فِي الذَّكَاةِ وَشُهِرَ أَيْضًا الِاكْتِفَاءُ بِنِصْفِ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ وَقَوْلُهُ فِي الظِّهَارِ وَشُهِرَ أَيْضًا الْقَطْعُ بِالنِّسْيَانِ إلَّا أَنْ يُبْنَى كَلَامُهُ عَلَى الْغَالِبِ (قَوْلُهُ فَذَلِكَ) اسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ لِلْقَوْلَيْنِ أَوْ الْأَقْوَالِ (قَوْلُهُ فِي الْفَرْعِ إلَخْ) الْفَرْعُ هُوَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الْمُتَعَلِّقُ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ قَلْبِيٍّ كَالنِّيَّةِ أَوْ غَيْرِ قَلْبِيٍّ كَالْوُضُوءِ كَمَا قَالَ النَّاصِرُ اللَّقَانِيِّ وَأَرَادَ بِالْحُكْمِ النِّسْبَةَ التَّامَّةَ وَهِيَ الْوُقُوعُ وَاللَّاوُقُوعَ أَعَنَى وُقُوعَ ثُبُوتِ الْمَحْمُولِ الَّذِي هُوَ كَيْفِيَّةُ الْعَمَلِ لِلْمَوْضُوعِ كَقَوْلِك النِّيَّةُ وَاجِبَةٌ فَالْحُكْمُ هُوَ وُقُوعُ ثُبُوتِ الْوُجُوبِ الَّذِي هُوَ كَيْفِيَّةُ النِّيَّةِ الَّتِي هِيَ الْعَمَلُ وَقَوْلُنَا النِّيَّةُ فِي الْأَذَانِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ الْحُكْمُ فِيهِ هُوَ انْتِفَاءُ ثُبُوتِ الْوُجُوبِ الَّذِي هُوَ كَيْفِيَّةٌ عَنْ النِّيَّةِ فَمَعْنَى تَعَلُّقِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ وُقُوعُ النِّسْبَةِ التَّامَّةِ أَنَّهُ وَقَعَ ثُبُوتُ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ لِذَلِكَ الْعَمَلِ أَوْ لَمْ يَقَعْ وَهَذَا مَا أَفَادَهُ بَعْضُهُمْ وَيَصِحُّ أَنْ تَقُولَ الْحُكْمُ هُوَ ثُبُوتُ الْوُجُوبِ الَّذِي هُوَ كَيْفِيَّةُ الْعَمَلِ إلَخْ وَأَرَادَ بِالشَّرْعِيِّ الْمَأْخُوذَ مِنْ الشَّرْعِ الْمَبْعُوثَ بِهِ النَّبِيُّ ﵇ وَالْأَخْذُ مِنْهُ يَشْمَلُ الْأَخْذَ مِنْ صَرِيحِهِ بِأَنْ يُصَرِّحَ بِالنِّسْبَةِ وَالْأَخْذِ بِالِاسْتِنْبَاطِ مِنْهُ، فَإِنْ قُلْت وَهَلْ تَخْتَصُّ الْكَيْفِيَّةُ بِالْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْكَرَاهَةِ أَوْ السَّبْعَةِ بِزِيَادَةِ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ أَوْ لَا قُلْت لَا تَخْتَصُّ بِذَلِكَ لِشُمُولِهَا لِلضَّرْبِ فِي قَوْلِك الصَّبِيُّ يُضْرَبُ عَلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ بُلُوغِ الْعَشْرِ وَالْمَنْعُ فِي قَوْلِك الرِّقُّ مَانِعٌ مِنْ الْإِرْثِ وَغَيْرُ ذَلِكَ أَفَادَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي ك.
(قَوْلُهُ أَيْ وَكُلُّ مَكَان) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ حَيْثُ فِي مَعْنَى مُبْتَدَأٍ
стр. 42
مِنْ هَذَا الْمُخْتَصَرِ ذَكَرْت فِيهِ قَوْلَيْنِ أَوْ أَقْوَالًا أَوْ وَهَلْ كَذَا أَوْ كَذَا وَثَالِثُهَا كَذَا وَرَابِعُهَا كَذَا فَذَلِكَ لِعَدَمِ اطِّلَاعِي فِي الْفَرْعِ الَّذِي ذَكَرْت فِيهِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ رَجَّحَ أَحَدَهُمَا أَوْ أَحَدَهَا عَلَى الْآخَرِ وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْأَقْوَالِ بَيْنَ التَّلَفُّظِ بِصِيغَةِ الْقَوْلِ أَمْ لَا وَفِي كَلَامِ النَّاصِرِ اللَّقَانِيِّ هُنَا نَظَرٌ وَمِثْلُهُ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ فَانْظُرْهُ فِي شَرْحِنَا الْكَبِيرِ.
(ص) وَاعْتُبِرَ مِنْ الْمَفَاهِيمِ مَفْهُومُ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ قَوْلَيْنِ) أَيْ لَفْظَ قَوْلَيْنِ أَوْ لَفْظَ أَقْوَالٍ وَقَوْلُهُ أَوْ وَهَلْ إلَخْ إشَارَةٌ إلَى مَا كَتَبَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ، فَإِنْ قُلْت لِمَ قَالَ أَوَّلًا وَحَيْثُ قُلْت خِلَافٌ فَعَبَّرَ بِالْقَوْلِ وَرَفَعَ لَفْظَ خِلَافٌ وَقَالَ ثَانِيًا وَحَيْثُ ذَكَرْت قَوْلَيْنِ أَوْ أَقْوَالًا فَعَبَّرَ بِالذِّكْرِ وَنَصَبَ قَوْلَيْنِ أَوْ أَقْوَالًا قُلْت لَمَّا كَانَ ذِكْرُهُ الْأَقْوَالَ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِهَا أَوْ يَقُولَ مَثَلًا وَهَلْ كَذَا أَوْ كَذَا ثَالِثُهَا كَذَا وَرَابِعُهَا كَذَا لَمْ يَصْلُحْ الرَّفْعُ عَلَى الْحِكَايَةِ وَلَا الْقَوْلِ الْمُنَاسِبِ لِذَلِكَ فَلَوْ قَالَ وَحَيْثُ قُلْت أَقْوَالٌ لَخَرَجَ مَا لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ بِصِيغَةِ الْقَوْلِ كَثَالِثِهَا وَرَابِعِهَا بِخِلَافِ خِلَافٌ فَإِنَّ حِكَايَتَهُ بَعْدَ الْقَوْلِ لَا يُخْرِجُ مَعْنًى يُرِيدُ إدْخَالَهُ، فَإِنْ قُلْت لَا يَطَّرِدُ ذَلِكَ إلَّا فِي الْأَقْوَالِ لَا الْقَوْلَيْنِ قُلْت بَلْ هُوَ جَارٍ فِي الْقَوْلَيْنِ أَيْضًا كَقَوْلِهِ فِي بَابِ الرَّهْنِ وَرَجَعَ صَاحِبُهُ بِقِيمَتِهِ أَوْ بِمَا أَدَّى مِنْ ثَمَنِهِ نُقِلَتْ عَلَيْهِمَا وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ مَا حَلَّ بِهِ الشَّارِحُ هُوَ عَيْنُ ذَلِكَ الَّذِي كَتَبَهُ الْبَعْضُ بِأَنْ يُلَاحِظَ التَّعْمِيمَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَحَيْثُ ذَكَرْت قَوْلَيْنِ أَيًّا كَانَ بِهَذِهِ الْمَادَّةِ أَوْ غَيْرِهَا وَالتَّخْصِيصُ بِمَادَّةِ الْقَوْلِ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ وَكُلُّ مَكَان ذَكَرْت إلَخْ (قَوْلُهُ وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا إلَخْ) أَيْ بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ فِي الْجَمْعِ وَالْقِيَاسِ فِي الْمُثَنَّى أَيْ فِيمَا كَانَ بِغَيْرِ مَادَّةِ الْقَوْلِ.
(قَوْلُهُ وَفِي كَلَامِ النَّاصِرِ اللَّقَانِيِّ هُنَا نَظَرٌ) لَا حَاجَةَ لِذِكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَدْعِي طُولًا (قَوْلُهُ وَمِثْلُهُ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ) هَذَا الِاعْتِرَاضُ أَشَارَ لَهُ النَّاصِرُ حَيْثُ قَالَ وَالتَّعْبِيرُ بِرُجْحَانِيَّةٍ وَهِيَ كَوْنُهُ رَاجِحًا أَظْهَرَ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ يَقْتَصِرُ عَلَى رُجْحَانِيَّةِ الرَّاجِحِ الَّذِي يُقَابِلُهُ ضَعِيفٌ وَعَلَى مَا كَانَ أَرْجَحَ مِنْ غَيْرِهِ وَالتَّعْبِيرُ بِأَرْجَحِيَّةٍ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَقْتَصِرُ إلَّا عَلَى مَا كَانَ أَرْجَحَ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا مَا كَانَ رَاجِحًا وَمُقَابِلُهُ ضَعِيفٌ لَا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ وَيَقْتَضِي عَدَمَ التَّعْبِيرِ بِالْقَوْلَيْنِ أَوْ الْأَقْوَالِ حَيْثُ انْتَفَتْ الرَّاجِحِيَّةُ عَنْهُمَا أَوْ عَنْهَا وَلَا يَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالْقَوْلَيْنِ أَوْ الْأَقْوَالِ إلَّا إذَا رَجَحَ كُلٌّ مِنْهُمَا وَتَسَاوَيَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَكَانَ التَّعْبِيرُ بِأَظْهَرَ الْمُشْعِرِ بِظُهُورِ تَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ مَعَ خُرُوجِ هَذِهِ الصُّورَةِ عَنْهُ أَعْنِي مَا إذَا انْفَرَدَ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ بِالرَّاجِحِ وَخَلَا الْآخَرُ نَظَرًا إلَى أَنَّ أَرْجَحَ خَرَجَ بِوَاسِطَةِ يَاءِ النِّسْبَةِ عَنْ التَّفْضِيلِ وَصَارَ مَصْدَرًا دَالًّا عَلَى الْحَدَثِ وَيَكُونُ الْمَعْنَى وَحَيْثُ ذَكَرْت قَوْلَيْنِ أَوْ أَقْوَالًا فَذَلِكَ لِكَوْنِهِمَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِوَاحِدٍ رُجْحَانِيَّةٌ أَصْلًا، وَأَمَّا لَوْ تَعَلَّقَتْ بِكُلِّ وَاحِدٍ رُجْحَانِيَّةٌ وَتَسَاوَيَا يُعَبِّرُ بِخِلَافٍ فَهَاتَانِ صُورَتَانِ، وَأَمَّا لَوْ تَعَلَّقَ لِوَاحِدٍ رُجْحَانِيَّةٌ دُونَ الْآخَرِ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ وَكَذَا لَوْ تَعَلَّقَ بِوَاحِدٍ أَرْجَحِيَّةٌ دُونَ الْآخَرِ وَخُلَاصَةُ مَا فِي الْمَقَامِ أَنَّ الِاسْمَ إذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ يَاءُ النِّسْبَةِ صَارَ مَصْدَرًا دَالًّا عَلَى الْحَدَثِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُشْتَقِّ كَأَرْجَحَ؛ لِأَنَّهُ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ أَوْ لَا كَزَوْجٍ فَتَقُولُ زَوْجِيَّةٌ وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ إذَا تَنَازَعَا فِي الزَّوْجِيَّةِ أَيْ فِي كَوْنِ أَحَدِهِمَا زَوْجًا لِلْآخَرِ أَمْ لَا كَمَا أَنَّ الْمَصْدَرَ إذَا زِيدَ عَلَيْهِ يَاءُ النَّسَبِ صَارَ صِفَةً وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مَنْصُوصَةً مِمَّا إذَا ظَهَرَ لَهُ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْأَقْوَالِ وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ مَنْصُوصًا فَإِنَّهُ لَا يُرَجِّحُ مَا ظَهَرَ لَهُ تَوَرُّعًا مِنْهُ ﵀ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ بِمَا رَجَّحَهُ غَيْرُهُ وَلِضِيقِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ عَنْ أَنْ يَجْعَلَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْجِيحِهِ بِخُصُوصِهِ بِخِلَافِ التَّوْضِيحِ فَإِنَّهُ يُشِيرُ فِيهِ إلَى مَا ظَهَرَ لَهُ.
(تَتِمَّةٌ) حَكَى الْقَرَافِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَخْيِيرِ الْمُقَلِّدِ بَيْنَ قَوْلَيْ إمَامِهِ إذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا أَيْ يَخْتَارُ قَوْلًا وَيُفْتِي بِهِ لَا أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَإِذَا أَفْتَى بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي نَازِلَةٍ ثُمَّ حَصَلَتْ نَازِلَةٌ أُخْرَى مُمَاثِلَةٌ لِتِلْكَ فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِيهَا بِالْقَوْلِ الْآخَرِ مَعَ أَنَّ النَّازِلَةَ مُمَاثِلَةٌ وَإِذَا قُلْنَا يُفْتَى بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ اشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ لَا يُفْتَى الْفُقَرَاءُ بِمَا فِيهِ تَشْدِيدٌ وَالْأَغْنِيَاءُ بِمَا فِيهِ تَخْفِيفٌ وَنَقْلُهُ الْإِجْمَاعَ طَرِيقَةٌ وَنَحْوُ مَا ذَكَرَ قَوْلُ ابْنِ غَازِيٍّ وَيَحْمِلُ الْمُسْتَفْتِي عَلَى مُعَيَّنٍ مِنْ الْأَقْوَالِ الْمُتَسَاوِيَةِ جَرَى الْعَمَلُ وَقِيلَ إنَّهُ يَذْكُرُ لَهُ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْأَقْوَالَ، وَهُوَ يُقَلِّدُ أَيُّهُمْ أَحَبَّ قَالَ بَعْضُهُمْ وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُسْتَفْتِينَ وَمَنْ لَدَيْهِ مِنْهُمْ مَعْرِفَةٌ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ أَقُولُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ عِنْدِي وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ بَعْدَ عَجْزِهِ عَنْ التَّرْجِيحِ وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ وَلَا الْفَتْوَى وَلَا الْحُكْمُ بِالضَّعِيفِ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ عج فِي الْفَتَاوِي فِي مَوْضِعِ وَإِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ فَلَا يُنْقَضُ حُكْمُهُ مَا لَمْ يَشْتَدَّ ضَعْفُهُ كَالْحُكْمِ بِشُفْعَةِ الْجَارِ وَمَحَلٍّ مَضَى حُكْمُهُ بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ حَيْثُ لَمْ يُوَلَّ عَلَى الْحُكْمِ بِغَيْرِ الضَّعِيفِ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي قُضَاةِ مِصْرَ وَأَجَابَ الْأُجْهُورِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِقَوْلِهِ لَيْسَ لِقَاضِي زَمَانِنَا الْحُكْمُ بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ بِهِ وَلَوْ عَلِمَهُ وَقَصَدَهُ، فَإِنْ حَكَمَ بِهِ فَحُكْمُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَوَلَّى عَلَى الْحُكْمِ بِمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ تَوْلِيَتُهُ إنَّمَا هِيَ عَلَى مَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ أَوْ الْمَشْهُورُ وَحَكَمَ بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ فَإِنَّهُ يُنْقَضُ حُكْمُهُ، وَإِنْ كَانَتْ تَوْلِيَتُهُ إنَّمَا هِيَ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا يَقْتَضِيهِ رَأْيُهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِالضَّعِيفِ وَإِذَا وَقَعَ وَنَزَلَ فَإِنَّهُ لَا يُنْقَضُ حُكْمُهُ وَيَجُوزُ تَقْلِيدُ مَذْهَبِ الْغَيْرِ فِي بَعْضِ النَّوَازِلِ وَلَوْ بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَمَلِ بِالضَّعِيفِ وَإِذَا لَمْ يَجِدْ نَصًّا فِي نَازِلَتِهِ فَيَرْجِعُ لِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ مَسَائِلَ الْخِلَافِ الَّتِي بَيْنَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ مَسْأَلَةً فَقَطْ كَذَا أَفْتَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَرَافِيِّ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ فِي تِلْكَ النَّازِلَةِ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ تِلْمِيذُ الْإِمَامِ وَقَدْ كَانَ جَدُّ عج إذَا سَأَلَ فِي مَسْأَلَةٍ وَلَمْ يَرَ فِيهَا نَصٌّ يَقُولُ لِلسَّائِلِ اذْهَبْ لِلشَّافِعِيِّ يَكْتُبُ لَك وَائْتِنِي بِالسُّؤَالِ أَكْتُبُ لَك جَوَابِي كَذَلِكَ. . . .
(قَوْلُهُ وَاعْتُبِرَ إلَخْ) مَعْنَى اعْتِبَارِهِ أَنَّهُ كَالشَّيْءِ الْمُصَرَّحِ بِهِ فَلَا يُصَرِّحُ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَيَعْمَلُ بِهِ وَيُفْتِي بِهِ كَالْمُصَرَّحِ بِهِ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ قُلْت إنَّ تَصْرِيحَهُ بِهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لِنُكْتَةٍ كَتَشْبِيهِ غَيْرِهِ بِهِ أَوْ قُيُودٍ يَذْكُرُهَا (قَوْلُهُ مِنْ الْمَفَاهِيمِ)
стр. 43
الشَّرْطِ فَقَطْ (ش) الْمَفَاهِيمُ جَمْعُ مَفْهُومٍ، وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ لَا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ أَيْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ بِمَنْطُوقِهِ، وَهُوَ قِسْمَانِ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ وَمَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ فَمَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْمَفْهُومِ مُوَافِقًا لِحُكْمِ الْمَنْطُوقِ، وَهُوَ قِسْمَانِ فَحَوَى الْخِطَابِ وَلَحْنُ الْخِطَابِ فَفَحْوَى الْخِطَابِ أَنْ يَكُونَ الْمَفْهُومُ أَوْلَى بِالْحُكْمِ مِنْ الْمَنْطُوقِ كَتَحْرِيمِ ضَرْبِ الْوَالِدَيْنِ الدَّالِّ عَلَيْهِ نَظَرًا لِلْمَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ الْمَنْطُوقِ بِهِ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الْإِذَايَةِ وَالْعُقُوقِ وَلَحْنُ الْخِطَابِ أَنْ يَكُونَ الْمَفْهُومُ مُسَاوِيًا لِحُكْمِ الْمَنْطُوقِ كَتَحْرِيمِ إحْرَاقِ مَالِ الْيَتِيمِ الدَّالِّ عَلَيْهِ نَظَرًا لِلْمَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] فَإِنَّ الْإِحْرَاقَ مُسَاوٍ لِلْأَكْلِ فِي إتْلَافِهِ عَلَى الْيَتِيمِ وَمَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْمَفْهُومِ مُخَالِفًا لِحُكْمِ الْمَنْطُوقِ، وَهُوَ عَشَرَةُ أَنْوَاعٍ كَمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ مَفْهُومُ الصِّفَةِ نَحْوَ فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ وَمَفْهُومُ الْعِلَّةِ نَحْوَ أَعْطِ السَّائِلَ لِحَاجَتِهِ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ نَحْوَ مَنْ تَطَهَّرَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَمَفْهُومُ الِاسْتِثْنَاءِ نَحْوَ قَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا وَمَفْهُومُ الْغَايَةِ نَحْوَ ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَمَفْهُومُ الْحَصْرِ نَحْوَ ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨] .
وَمَفْهُومُ الزَّمَانِ نَحْوَ سَافَرْت يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمَفْهُومُ الْمَكَانِ نَحْوَ جَلَسْت أَمَامَ زَيْدٍ وَمَفْهُومُ الْعَدَدِ نَحْوَ ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]
ــ
[حاشية العدوي]
حَالٌ مِنْ مَفْهُومِ الشَّرْطِ مُقَدَّمٌ أَيْ حَالُ كَوْنِ مَفْهُومِ الشَّرْطِ بَعْضُ الْمَفَاهِيمِ وَلَمْ تَظْهَرْ نُكْتَةُ التَّقْدِيمِ وَلَا يُقَالُ الِاخْتِصَاصُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ فَقَطْ أَوْ ظَرْفٌ لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِأَعْتَبِرُ قَالَ فِي ك (قَوْلُهُ جَمْعُ مَفْهُومٍ) أَيْ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ إذْ الْقِيَاسُ فِي وَزْنِ مَفْعُولٍ أَنْ لَا يُجْمَعَ جَمْعَ تَكْسِيرٍ اسْتِغْنَاءً عَنْ تَكْسِيرِهِ بِجَمْعِهِ جَمْعَ تَصْحِيحٍ إنْ كَانَ صِفَةَ مُذَكَّرٍ عَاقِلٍ كَمُعْتَقُونَ فِي مُعْتَقٍ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ صِفَةَ مُؤَنَّثٍ عَاقِلٍ أَوْ صِفَةَ مَا لَا يَعْقِلُ كَمَا هُنَا فَبِالْأَلِفِ وَالتَّاءِ كَمُعْتَقَاتٍ جَمْعُ مُعْتَقَةٍ وَكَمَفْهُومَاتِ جَمْعُ مَفْهُومٍ وَشَذَّ مِنْ تَكْسِيرِ هَذَا النَّوْعِ مَيَاسِيرُ وَمَلَاعِينُ وَمَكَاسِيرُ أَشَارَ لَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ (قَوْلُهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ) أَيْ مَعْنَى دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ حَالَةَ كَوْنِ ذَلِكَ الْمَعْنَى مَظْرُوفًا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ وَأَرَادَ بِالنُّطْقِ التَّلَفُّظَ وَأَرَادَ بِمَحَلِّهِ نَفْسَ الْمَلْفُوظِ، فَإِنْ قُلْت لَزِمَ مِنْ تَقْرِيرِك أَنَّ الْمَلْفُوظَ مَحَلٌّ لِأَمْرَيْنِ الْمَعْنَى وَالتَّلَفُّظِ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ قُلْت مَحَلِّيَّةُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى بِمَعْنَى دَلَالَةِ الْمَلْفُوظِ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى وَمَحَلِّيَّةُ الْمَلْفُوظِ لِلتَّلْفِيظِ بِمَعْنَى التَّعَلُّقِ فَمِثَالُهُ أَيْ الْمَنْطُوقِ التَّأْفِيفُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] ، وَهُوَ مَظْرُوفٌ فِي أُفٍّ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْمَدْلُولِ فِي الدَّالِّ وَالْمَنْطُوقُ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى التَّأْفِيفِ يُطْلَقُ عَلَى حُرْمَتِهِ (قَوْلُهُ لَا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ) أَيْ مَعْنَى دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ حَالَةَ كَوْنِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ لَا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ كَالضَّرْبِ فِي ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] ، وَهُوَ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْمَدْلُولِ فِي الدَّالِّ فَالسُّكُوتُ يُقَابِلُهُ النُّطْقُ وَمَحَلُّ السُّكُوتِ لَفْظُ اضْرِبْ فِي ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] ، وَهُوَ يُقَابِلُ مَحَلَّ النُّطْقِ الَّذِي هُوَ لَفْظُ أُفٍّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَحَلَّ النُّطْقِ أُفٍّ وَمَحَلُّ السُّكُوتِ تَضْرِبُ (قَوْلُهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ إلَخْ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ لَا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ أَيْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ بِمَحَلِّ النُّطْقِ وَإِنَّمَا دَلَّ عَلَيْهِ بِمَحَلِّ السُّكُوتِ (قَوْلُهُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْمَفْهُومِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ هُوَ الْمَفْهُومُ الْمُوَافِقُ لِلْمَنْطُوقِ فِي الْحُكْمِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ قِسْمَانِ) أَيْ ذُو قِسْمَيْنِ (قَوْلُهُ فَحْوَى الْخِطَابِ) فَحْوَى الْكَلَامِ مَا يُعْلَمُ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْمَفْهُومُ يُعْلَمُ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ سُمِّيَ بِذَلِكَ وَلَوْ قَالَ الشَّارِحُ كَمَا قُلْنَا لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ لَا يُوصَفُ بِهَا الْمَنْطُوقُ (قَوْلُهُ كَتَحْرِيمٍ إلَخْ) الْأَوْلَى كَضَرْبٍ إذْ هُوَ الْمَفْهُومُ (قَوْلُهُ نَظَرًا لِلْمَعْنَى) أَيْ الْمُوجِبِ لِلْحُكْمِ، وَهُوَ الْإِيذَاءُ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ قَوْله تَعَالَى) فَاعِلٌ بِ الدَّالُّ (قَوْلُهُ الْمَنْطُوقِ) صِفَةٌ لِتَحْرِيمِ الْمُنَاسِبِ أَنْ يَقُولَ كَضَرْبِ الْوَالِدَيْنِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ التَّأْفِيفِ الْمَنْطُوقِ فِي التَّحْرِيمِ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْمَنْطُوقَ يُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنْ التَّأْفِيفِ وَتَحْرِيمِهِ وَالْمَفْهُومُ يُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الضَّرْبِ وَتَحْرِيمِهِ وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ أَنْ يَكُونَ الْمَفْهُومُ أَوْلَى بِالْحُكْمِ مِنْ الْمَنْطُوقِ فَالضَّرْبُ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ مِنْ التَّأْفِيفِ (قَوْلُهُ وَلَحْنُ الْخِطَابِ) لَحْنُ الْكَلَامِ فِي الْأَصْلِ مَعْنَاهُ وَاصْطُلِحَ عَلَى أَنَّ لَحْنَ الْخِطَابِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَفْهُومُ مُسَاوِيًا لِلْمَنْطُوقِ فِي الْحُكْمِ (قَوْلُهُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْهُومُ مُسَاوِيًا إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَنْ يَكُونَ الْمَفْهُومُ مُسَاوِيًا لِلْمَنْطُوقِ فِي الْحُكْمِ (قَوْلُهُ كَتَحْرِيمِ) الْأَوْلَى كَإِحْرَاقٍ (قَوْلُهُ نَظَرًا لِلْمَعْنَى) الَّذِي هُوَ الْإِتْلَافُ (قَوْلُهُ قَوْله تَعَالَى) فَاعِلٌ بِ الدَّالُّ (قَوْلُهُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ﴾ [النساء: ١٠] إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ عَلَى مَا.
قُلْنَا مَحَلُّ النُّطْقِ وَالْمَظْرُوفُ فِيهِ الْأَكْلُ الَّذِي هُوَ الْمَنْطُوقُ وَالْمَفْهُومُ الْإِحْرَاقُ، وَهُوَ مَظْرُوفٌ فِي يُحْرَقُونَ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ السُّكُوتِ (قَوْلُهُ فِي إتْلَافِهِ عَلَى الْيَتِيمِ) أَيْ فِي حُرْمَةِ إتْلَافِهِ عَلَى الْيَتِيمِ (قَوْلُهُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْمَفْهُومِ مُخَالِفًا إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَنْ يَكُونَ الْمَفْهُومُ مُخَالِفًا لِلْمَنْطُوقِ فِي الْحُكْمِ (قَوْلُهُ فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ إلَخْ) أَيْ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ الْمَعْلُوفَةَ وَالْعَامِلَةَ لَا زَكَاةَ فِيهِمَا وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ لَكِنْ عَارَضَهُ عِنْدَنَا دَلِيلٌ آخَرُ دَالٌّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِمَا، وَهُوَ فِي الْأَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ، وَهُوَ يُقَدَّمُ عَلَى الْمَفْهُومِ فِي ك نَقْلًا وَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّهُ يَسْتَثْنِي مِمَّا ذَكَرَهُ مَفْهُومَ الْوَصْفِ الْكَائِنِ بِالتَّعْرِيفَاتِ، فَإِنَّهَا فُصُولٌ أَوْ خَوَاصُّ يُؤْتَى بِهَا لِلْإِدْخَالِ وَالْإِخْرَاجِ (قَوْلُهُ لِحَاجَتِهِ) مَفْهُومُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا فَلَا تُعْطِهِ (قَوْلُهُ مَنْ تَطَهَّرَ) مَفْهُومُهُ إذَا لَمْ يَتَطَهَّرْ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ (قَوْلُهُ قَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا) مَنْطُوقُهُ قِيَامُ غَيْرِ زَيْدٍ وَمَفْهُومُهُ نَفْيُ الْقِيَامِ عَنْ زَيْدٍ إلَّا أَنَّهُ مَفْهُومٌ قَوِيٌّ (قَوْلُهُ نَحْوَ ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] أَيْ غَايَةُ الْإِتْمَامِ اللَّيْلُ أَيْ دُخُولُهُ فَمَفْهُومُهُ لَا إتْمَامَ بَعْدَ دُخُولِهِ (قَوْلُهُ ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨] مَنْطُوقُهُ إثْبَاتُ الْأُلُوهِيَّةِ لِلَّهِ وَمَفْهُومُهُ نَفْيُهَا عَنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْحَصْرَ إثْبَاتُ الْحُكْمِ لِلْمَذْكُورِ وَنَفْيَهُ عَمَّا عَدَاهُ فَعَلَيْهِ تَكُونُ إضَافَةُ مَفْهُومٍ لِلْحَصْرِ مِنْ إضَافَةِ الْجُزْءِ لِلْكُلِّ فَلَا يَكُونُ مِنْ الْمَفْهُومِ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمَعْنَى مَفْهُومُ اللَّفْظِ فِي مَقَامِ الْحَصْرِ (قَوْلُهُ سَافَرْت يَوْمَ الْجُمُعَةِ) مَفْهُومُهُ نَفْيُ السَّفَرِ فِي خِلَافِهِ.
(قَوْلُهُ ثَمَانِينَ) أَيْ لَا أَقَلَّ وَلَا أَكْثَرَ
стр. 44
وَمَفْهُومُ اللَّقَبِ، وَهُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَى مُجَرَّدِ أَسْمَاءِ الذَّوَاتِ نَحْوَ فِي الْغَنَمِ الزَّكَاةُ وَهِيَ حُجَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَّا مَفْهُومَ اللَّقَبِ فَقَالَ بِهِ الدَّقَّاقُ وَابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَإِنَّمَا خَصَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَاهَا إذْ يَقُولُ بِهِ بَعْضُ مَنْ لَا يَقُولُ بِغَيْرِهِ إلَّا الْغَايَةَ فَإِنَّهُ يَقُولُ بِهِ بَعْضُ مَنْ لَا يَقُولُ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ إلَّا أَنَّهُ قَلِيلٌ لَا يَتَأَتَّى مَعَهُ اخْتِصَارٌ.
فَلِذَلِكَ تَرَكَهُ بَلْ جَعَلَ بَعْضُهُمْ الْغَايَةَ مِنْ الْمَنْطُوقِ وَفِي رُتْبَةِ الْغَايَةِ مَفْهُومُ الْحَصْرِ وَقِيلَ فِيهِ إنَّهُ مَنْطُوقٌ، وَأَمَّا مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ عِنْدَهُ كَقَوْلِهِ فِي بَابِ الْحَجْرِ وَلِلْوَلِيِّ رَدُّ تَصَرُّفِ مُمَيِّزٍ إذْ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ أَحْرَى فَعَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّصِّ أَوْ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ قُلْنَا أَنَّهُ مِنْ الْمَفْهُومَاتِ فَهُوَ أَحْرَى مِنْ مَفْهُومِ الشَّرْطِ فَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَهُ فِي نَفْسِ مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ إذَا اعْتَبَرْت مَفْهُومَ الشَّرْطِ فَأَحْرَى مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ وَعَلَى قِيَاسِ مَا قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ فِي مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ يُقَالُ فِي مَفْهُومِ الْغَايَةِ وَالْحَصْرِ إنَّهُمَا مُعْتَبَرَانِ؛ لِأَنَّهُمَا أَعْلَى مِنْ مَفْهُومِ الشَّرْطِ وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِالشَّرْطِ قَالَ بِهِمَا وَالْخِلَافُ فِيهِمَا أَضْعَفُ مِنْ الْخِلَافِ فِي غَيْرِهِمَا فَكَأَنَّهُ قَالَ أَعْتَبِرُ مَفْهُومَ الشَّرْطِ وَمَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ كَلَامَهُ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ هَذَيْنِ الْمَفْهُومَيْنِ لُزُومًا فَمَفْهُومُ الْغَايَةِ كَقَوْلِهِ وَالْمَبْتُوتَةُ حَتَّى يُولِجَ بَالِغٌ وَكَقَوْلِهِ فِي الْحَجْرِ الْمَجْنُونُ مَحْجُورٌ لِلْإِفَاقَةِ وَكَقَوْلِهِ إلَى حِفْظِ مَالِ ذِي الْأَبِ وَمَفْهُومُ الْحَصْرِ كَقَوْلِهِ إنَّمَا يَجِبُ الْقَسْمُ لِلزَّوْجَاتِ فِي الْمَبِيتِ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ حَصْرُ الْقَسْمِ فِي الزَّوْجَاتِ وَكَقَوْلِهِ فِي بَابِ الْحَجْرِ وَإِنَّمَا يَحْكُمُ فِي الرُّشْدِ وَضِدِّهِ إلَخْ الْقُضَاةُ.
(ص) وَأُشِيرَ بِصَحَّحَ أَوْ اسْتَحْسَنَ إلَى أَنَّ شَيْخًا غَيْرَ الَّذِي قَدَّمْتهمْ صَحَّحَ هَذَا أَوْ اسْتَظْهَرَهُ (ش) لَمَّا عَيَّنَ الْأَشْيَاخَ الْأَرْبَعَةَ وَمَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مُخْتَارِهِمْ وَلَمْ يَسَعْهُ تَرْكُ التَّنْبِيهِ عَلَى مَا صَحَّحَهُ غَيْرُهُمْ مِنْ الْأَقْوَالِ أَوْ اسْتَحْسَنَهُ مِنْهَا أَوْ مِمَّا ظَهَرَ لَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ أَخْبَرَ هُنَا أَنَّهُ يُشِيرُ إلَى مُخْتَارِ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ، وَهُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ) أَيْ مَفْهُومُ اللَّقَبِ أَمْرٌ دَلَّ عَلَيْهِ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَى مُجَرَّدِ أَسْمَاءِ الذَّوَاتِ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ لَيْسَ نَفْسَ التَّعْلِيقِ وَالْمُرَادُ بِاللَّقَبِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ مَا يَشْمَلُ أَقْسَامَ الْعَلَمِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ نَحْوَ أَعْطِ مُحَمَّدًا أَوْ أَبَا بَكْرٍ أَوْ زَيْنَ الْعَابِدِينَ وَيَشْمَلُ أَيْضًا اسْمَ الْجِنْسِ الْإِفْرَادِيَّ كَرَجُلٍ وَمَاءٍ وَالْجَمْعِيَّ كَتَمْرٍ وَكَلِمٍ كَذَا ذَكَرُوا (قَوْلُهُ وَهِيَ) أَيْ مَفَاهِيمُ الْمُخَالَفَةِ حُجَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُهُمْ كَأَبِي حَنِيفَةَ يُنْكِرُ كُلَّ الْمَفَاهِيمِ أَيْ مَفَاهِيمَ الْمُخَالَفَةِ، وَإِنْ قَالَ فِي الْمَسْكُوتِ بِخِلَافِ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ فَلِأَمْرٍ آخَرَ كَمَا فِي انْتِفَاءِ الزَّكَاةِ عَنْ الْمَعْلُوفَةِ قَالَ الْأَصْلُ عَدَمُ الذَّكَاةِ وَرَدَتْ فِي السَّائِمَةِ فَبَقِيَتْ الْمَعْلُوفَةُ عَلَى الْأَصْلِ (قَوْلُهُ فَقَالَ بِهِ الدَّقَّاقُ) أَيْ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوْلُهُ وَابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْقَامُوسِ بِضَمِّ الْخَاءِ وَكَسْرِ الزَّاي وَفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَالِدُ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ الْمَالِكِيِّ الْأُصُولِيِّ اهـ.
وَفِي عج بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا وَقَدْ تُبْدَلُ بَاءً مَكْسُورَةً وَبِإِعْجَامِ الْحَرْفِ الْأَخِيرِ وَهِيَ الذَّالُ، وَأَمَّا الْأُولَى فَفِيهَا لُغَتَانِ الْإِعْجَامُ وَالْإِهْمَالُ اهـ.
(قَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُ قَلِيلٌ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ إلَّا فِي مَوَاضِعَ ثَلَاثَةٍ (قَوْلُهُ لَا يَتَأَتَّى مَعَهُ اخْتِصَارٌ) أَيْ لَا يَتَأَتَّى مَعَ مُرَاعَاتِهِ اخْتِصَارٌ دُونَ عَدَمِ مُرَاعَاتِهِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِهِ كَانَ الِاخْتِصَارُ مَوْجُودًا فَالِاخْتِصَارُ مَوْجُودٌ اعْتَبَرَهُ أَمْ لَا.
(قَوْلُهُ وَقِيلَ فِيهِ) أَيْ فِي مَفْهُومِ الْحَصْرِ، وَهُوَ قَلِيلٌ أَيْضًا فَلَا يَتَأَتَّى مَعَهُ اخْتِصَارٌ (قَوْلُهُ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى حُجِّيَّتِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مُعْتَبَرٌ عِنْدَهُ إلَخْ) تَقَدَّمَ مَعْنَى الِاعْتِبَارِ (قَوْلُهُ إذْ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ مُعْتَبَرٌ عِنْدَهُ لَكِنَّ قَضِيَّتَهُ أَنَّ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ الرَّدُّ مَعَ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِي حَقِّهِ الرَّدُّ فَالْأَوْلَى أَنْ يُمَثِّلَ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ فِي يَدِهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ وَلِلْوَلِيِّ إلَخْ لِلِاخْتِصَاصِ فَيَصْدُقُ بِتَعَيُّنِ الرَّدِّ فِي الْمَفْهُومِ وَيَكُونُ النَّظَرُ فِي كَوْنِهِ مَفْهُومًا بِالنِّسْبَةِ لِذَلِكَ (قَوْلُهُ فَعَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّصِّ) وَعَلَيْهِ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ نَقْلُ اللَّفْظِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْأَعَمِّ عُرْفًا بَدَلًا عَنْ الدَّلَالَةِ عَلَى الْأَخَصِّ لُغَةً فَنَقَلَ لَفْظَ أُفٍّ لِلْإِيذَاءِ وَأَطْلَقَ لَفْظَ يَأْكُلُونَ لِلْإِتْلَافِ فَمَعْنَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] لَا تُؤْذِهِمَا وَمَعْنَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ﴾ [النساء: ١٠] الَّذِينَ يُتْلِفُونَ وَقِيلَ إنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الْأَعَمِّ فُهِمَتْ مِنْ الْقَرَائِنِ وَهِيَ تَعْظِيمُ الْوَالِدَيْنِ وَصِيَانَةُ مَالِ الْيَتِيمِ وَعَلَى هَذَا فَاللَّفْظُ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مِنْ إطْلَاقِ الْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ فَالْعَلَاقَةُ الْخُصُوصُ (قَوْلُهُ أَوْ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ) الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ وَالْعِلَّةُ فِي وَ ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] الْإِيذَاءُ وَفِي ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ﴾ [النساء: ١٠] الْإِتْلَافُ (قَوْلُهُ فَلَا إشْكَالَ) أَيْ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنَّا فِي الْمَفَاهِيمِ لَا فِي النَّصِّ وَلَا فِي الْقِيَاسِ (قَوْلُهُ فِي نَفْسِ إلَخْ) لَفْظَةُ نَفْسٍ تَأْكِيدٌ (قَوْلُهُ بِصَدَدِهِ) الصَّدَدُ بِفَتْحَتَيْنِ الْقُرْبُ.
(قَوْلُهُ فَهُوَ أَحْرَى إلَخْ) أَيْ إنْ قُلْنَا بِدُخُولِهِ فِي الْمَفَاهِيمِ، فَإِنْ خَصَصْنَاهَا بِالْمُخَالَفَةِ فَلَا يَرِدُ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ (قَوْلُهُ وَعَلَى قِيَاسِ مَا قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ) أَيْ مِنْ كَوْنِهِ اعْتَبَرَ مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ (قَوْلُهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ إلَخْ) وَفِي بَعْضِ الْحَوَاشِي أَنَّهُ يَعْتَبِرُ مَفْهُومَ الشَّرْطِ لُزُومًا وَغَيْرَهُ جَوَازًا يَظْهَرُ ذَلِكَ بِتَأَمُّلِ كَلَامِهِ (قَوْلُهُ وَالْمَبْتُوتَةُ إلَخْ) أَيْ وَتَحْرُمُ الْمَبْتُوتَةُ حَتَّى يُولِجَ بَالِغٌ مَفْهُومُهُ لَا حُرْمَةَ بَعْدَ الْإِيلَاجِ (قَوْلُهُ وَكَقَوْلِهِ فِي الْحَجْرِ إلَخْ) مَفْهُومُهُ لَا حَجْرَ عَلَى الْمَجْنُونِ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ وَقِسْ (قَوْلُهُ لِلزَّوْجَاتِ) أَيْ لَا لِلسَّرَارِي وَالْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ فَيَقُولَ فِي الزَّوْجَاتِ وَفِي الْمَبِيتِ أَيْ لَا لِلسَّرَارِي وَلَا الْكِسْوَةِ وَالنَّفَقَةِ (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا يَحْكُمُ فِي الرُّشْدِ وَضِدِّهِ الْقُضَاةُ) مَفْهُومُهُ لَا حُكْمَ فِي ذَلِكَ لِغَيْرِ الْقُضَاةِ.
(قَوْلُهُ وَأُشِيرَ بِصَحَّحَ أَوْ اسْتَحْسَنَ) أَيْ فِي حُكْمٍ (قَوْلُهُ صَحَّحَ هَذَا إلَخْ) أَشَارَ بِهَذَا إلَى الْحُكْمِ الْمُقَدَّرِ أَيْ بِقَوْلِنَا أَيْ فِي حُكْمٍ (قَوْلُهُ أَوْ اسْتَظْهَرَهُ) أَيْ عَدَّهُ ظَاهِرًا أَيْ ظَنَّهُ ظَاهِرًا أَوْ أَلْفَاهُ ظَاهِرًا (قَوْلُهُ أَوْ اسْتَحْسَنَهُ إلَخْ) الْإِتْيَانُ بِأَوْ بِاعْتِبَارِ الْعِبَارَةِ الصَّادِرَةِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَشْيَاخِ وَإِلَّا فَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَ لَيْسَ نَظِيرَ مَا يُشِيرُ إلَيْهِ بِالِاسْمِ فِي اصْطِلَاحِ الْأَشْيَاخِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةُ وَإِنَّمَا قُلْنَا لَيْسَ نَظِيرَ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ يُشِيرُ بِتَيْنِكَ الْمَادَّتَيْنِ لِمَا اسْتَحْسَنَهُ مِنْ الْأَقْوَالِ أَوْ مِنْ نَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ أَوْ مِمَّا ظَهَرَ لَهُ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَوْ مَا ظَهَرَ لَهُ عَطْفًا عَلَى مَا صَحَّحَهُ
стр. 45
غَيْرِ الْأَرْبَعَةِ بِصَحَّحَ أَوْ اُسْتُحْسِنَ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ تَعْيِينُ ذَلِكَ الْفَاعِلِ وَلِذَا قَالَ شَيْخُنَا بِالتَّنْكِيرِ وَإِنَّمَا لَمْ يُسَمِّهِمْ مَعَ مَنْ قَدَّمَهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ اصْطِلَاحَهُ لِكَثْرَتِهِمْ فَيُؤَدِّي إلَى الطَّوْلِ، فَإِنْ قُلْت لِمَ لَمْ يَقُلْ أَوْ اسْتَحْسَنَهُ فَيُعِيدُ اللَّفْظَةَ كَمَا فَعَلَ بِصَحَّحَ أَوْ يَقُولُ أَوَّلًا بِصَحَّحَ أَوْ اسْتَظْهَرَ قُلْت إنَّمَا لَمْ يَقُلْهُ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَ مَادَّةَ الظُّهُورِ لِابْنِ رُشْدٍ.
وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ اسْتَفْعَلَ كَمَا تَقَدَّمَ لَكِنَّهُ فَرَّ مِنْ التَّشْرِيكِ وَأَتَى بِهِ ثَانِيًا تَفْسِيرًا لِمَعْنَى الِاسْتِحْسَانِ وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ أَوْ اسْتَحْسَنَهُ لِيُطَابِقَ اُسْتُحْسِنَ إشَارَةً إلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يُشِيرَ إلَى التَّرْجِيحِ الصَّادِرِ مِنْ الْمُرَجِّحِ بِمَادَّةِ لَفْظِهِ الْمَخْصُوصِ وَالْأَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ أَنَّ التَّصْحِيحَ فِيمَا يُصَحِّحُهُ الشَّيْخُ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ وَالِاسْتِحْسَانُ فِيمَا يَرَاهُ مَعَ احْتِمَالِ الشُّمُولِ فِيهِمَا وَأَدْخَلَ بَعْضٌ فِي قَوْلِهِ بِصَحَّحَ أَوْ اُسْتُحْسِنَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ كُلُّ لَفْظٍ دَلَّ أَوْ اقْتَضَى التَّرْجِيحَ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ مَا كَانَ بِلَفْظِ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ وَالتَّصْوِيبِ وَغَيْرِهَا كَقَوْلِهِ وَالْقِيَاسُ رَدُّ الْجَمِيعِ إنْ رَدَّ بَعْضُهُمْ وَالِاسْتِحْسَانُ أَخْذُ الْمُجِيزِ الْجَمِيعَ وَصَوَّبَ وُقُوفَهُ عَنْ الْأَوْلَى حَتَّى يَنْكِحَ ثَانِيَةً وَدَخَلَ الْمُؤَلِّفُ فِي قَوْلِهِ شَيْخُنَا بِدَلِيلِ اسْتِقْرَاءِ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُشِيرُ لِاسْتِظْهَارِ نَفْسِهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ.
(ص) وَبِالتَّرَدُّدِ لِتَرَدُّدِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ أَوْ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ (ش) أَيْ وَأُشِيرَ بِلَفْظِ التَّرَدُّدِ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ وَإِنَّمَا لَمْ يُسَمِّهِمْ إلَخْ) كَأَنْ يَقُولَ وَأُشِيرُ بِمَادَّةِ التَّصْحِيحِ إلَى مَا صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَثَلًا لَكِنْ إنْ كَانَ بِصِيغَةِ الِاسْمِ فَإِشَارَةٌ إلَى مَا صَحَّحَهُ مِنْ الْأَقْوَالِ، وَإِنْ كَانَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ فَذَلِكَ لِمَا كَانَ مِنْ نَفْسِهِ وَهَكَذَا، فَإِنْ قُلْت لِمَ يُسَمِّي مَنْ تَقَدَّمَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ هَؤُلَاءِ قُلْت لَمَّا اخْتَصَّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ بِمَزِيدِ التَّرْجِيحِ دُونَ غَيْرِهِمْ خَصَّهُمْ بِالتَّسْمِيَةِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ اسْتَفْعَلَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ بِغَيْرِ اسْتَفْعَلَ (قَوْلُهُ لَكِنَّهُ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بَدَلَ ذَلِكَ فَيُوقِعُ فِي اللَّبْسِ لِوُجُودِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْجُمْلَةِ فَفَرَّ مِنْ التَّشْرِيكِ فِي الْمَادَّةِ فِي الْجُمْلَةِ لِدَفْعِ ذَلِكَ اللَّبْسِ (قَوْلُهُ تَفْسِيرًا لِمَعْنَى الِاسْتِحْسَانِ) أَيْ إنَّ الِاسْتِحْسَانَ لَمَّا كَانَ خَفِيًّا احْتَاجَ إلَى تَفْسِيرِهِ وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ فِي الْعِبَارَةِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ (قَوْلُهُ إشَارَةً إلَى مَا تَقَدَّمَ إلَخْ) وَحَاصِلُ هَذَا أَنَّهُ إذَا وَقَعَ مِنْ غَيْرِهِمْ اسْتِحْسَانٌ أَوْ اسْتِظْهَارٌ أَوْ تَصْحِيحٌ أَيْ بِهَذِهِ الْمَادَّةِ لَا بِالْمَعْنَى وَإِلَّا لَاكْتَفَى بِوَاحِدَةٍ فَأَمَّا أَنْ يُعَبِّرَ بِصَحَّحَ أَوْ اسْتَحْسَنَ فَلَا يَكُونُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ صَحَّحَ هَذَا أَوْ اسْتَظْهَرَهُ لَفًّا وَنَشْرًا بَلْ كُلٌّ مِنْ صَحَّحَ هَذَا أَوْ اسْتَظْهَرَهُ رَاجِعٌ لِكُلٍّ وَيَكُونُ قَوْلُهُ صَحَّحَ هَذَا أَوْ اسْتَظْهَرَهُ عَلَى مَعْنَى أَوْ اسْتَحْسَنَهُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا صَدَرَ مِنْهُ وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ الصَّادِرَ لَا يُخَصُّ بِمَادَّةٍ وَاَلَّذِي يَعْنُونَ بِهِ لَهُمْ إنَّمَا هُوَ إحْدَى الصِّيغَتَيْنِ تَابِعًا لِأَيِّ صِيغَةٍ صَدَرَتْ مِنْهُمْ لَكِنْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ لَمْ يَظْهَرْ سِرُّ التَّعْبِيرِ بِهِمَا دُونَ غَيْرِهِمَا وَدُونَ الِاكْتِفَاءِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ بِوَاحِدٍ مِنْ غَيْرِهِمَا فَلِذَلِكَ قَالَ وَالْأَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ أَيْ إلَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَالْمَقْصُودُ وَالْمُوَافِقُ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ تَحَرِّيًا لِلصِّدْقِ وَتَنَزُّهًا عَنْ التَّجَاسُرِ بِالْجَزْمِ بِمَا هُوَ مَغِيبٌ.
(قَوْلُهُ: أَنَّ التَّصْحِيحَ) أَيْ فَيُعَبِّرُ بِصَحَّحَ إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ وَرَجَّحَ أَحَدَهُمَا فَيَكُونُ التَّعْبِيرُ بِصَحَّحَ بِمَثَابَةِ التَّعْبِيرِ بِالِاسْمِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَيُعَبِّرُ بِاسْتَحْسَنَ إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ وَاسْتَنْتَجَ خِلَافَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ قَوْلٌ أَصْلًا وَظَهَرَ لَهُ شَيْءٌ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ فَيَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالِاسْتِحْسَانِ شَبِيهًا بِالتَّعْبِيرِ بِالْفِعْلِ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا أَقْرَبَ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ التَّكْرَارِ، فَإِنْ قُلْت هَلَّا عَكَسَ قُلْت وَجْهُ مَا قَالَهُ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضٌ أَنَّ التَّصْحِيحَ يَسْتَدْعِي وُجُودَ مُصَحَّحٍ قَابِلٍ الْفَسَادَ وَالِاسْتِحْسَانُ يَتَبَادَرُ مِنْهُ صِدْقُهُ بِاعْتِبَارٍ حَسَنٍ سَوَاءٌ كَانَ مُقَرَّرًا أَوْ مُنْشَأً فَأُرِيدَ الثَّانِي لِلتَّمْيِيزِ (قَوْلُهُ مَعَ احْتِمَالِ الشُّمُولِ فِيهِمَا) أَيْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنَّ كُلًّا مِنْ الصِّيغَتَيْنِ لِكُلٍّ مِنْ الْقِسْمَيْنِ التَّعْبِيرُ بِصَحَّحَ تَارَةً أَوْ اسْتَحْسَنَ أَيْ تَارَةً بِحَسَبِ مَا يَتَّفِقُ (قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ إلَخْ) أَيْ لَا عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ خُصُوصُ هَاتَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ كَمَا هُوَ مُفَادُ مَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ دَلَّ أَوْ اقْتَضَى إلَخْ) أَيْ دَلَّ عَلَى التَّرْجِيحِ أَوْ اقْتَضَاهُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا دَلَّ عَلَيْهِ فَقَدْ اقْتَضَاهُ فَهُوَ تَنْوِيعٌ فِي الْعِبَارَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا (قَوْلُهُ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ) الْأَوْلَى حَذْفُ الْبَاءِ (قَوْلُهُ وَالِاسْتِحْسَانِ) أَيْ بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ لِقَوْلِهِ وَالِاسْتِحْسَانِ إلَخْ (قَوْلُهُ وَالتَّصْوِيبِ) أَيْ بِهَذِهِ الْمَادَّةِ لَا بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ لِقَوْلِهِ وَصَوَّبَ وُقُوفَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ وَغَيْرِهَا) أَيْ كَعِنْدِي أَيْ وَدُخُولُ صَحَّحَهُ أَوْ اسْتَحْسَنَ أَوْلَوِيٌّ، ثُمَّ أَقُولُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لِلتَّعْبِيرِ بِالْمَادَّتَيْنِ بَلْ أَحَدُهُمَا يَكْفِي وَيَكُونُ كِنَايَةً إلَّا أَنْ يُقَالَ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدَةٍ لَتُوُهِّمَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا وَلَمَّا ذَكَرِ الثَّانِيَةَ آذَنَ بِتَوْسِيعِ الدَّائِرَةِ (قَوْلُهُ وَدَخَلَ إلَخْ) هَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ تَرْجِيحُ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْأَرْجَحِيَّةُ الْمَنْصُوصَةُ وَحَيْثُ أَشَارَ لِنَفْسِهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ نَادِرًا اسْتِطْرَادِيٌّ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ (فَائِدَةٌ) إذَا قِيلَ الْأَظْهَرُ كَانَ فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ مُقَابَلَةً فِيهِ ظُهُورٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأَظْهَرَ اسْمُ تَفْضِيلٍ يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ وَزِيَادَةً وَالْمَشْهُورُ يُقَابِلُهُ الْغَرِيبُ وَهَذَا بِحَسَبِ الْأَصْلِ وَالصَّحِيحُ يُقَابِلُهُ الضَّعِيفُ وَالْأَصَحُّ يُشْعِرُ بِصِحَّةِ مُقَابِلِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ تَفْضِيلٍ كَالْأَظْهَرِ (قَوْلُهُ أَيْ وَأُشِيرُ بِلَفْظِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ وَبِالتَّرَدُّدِ عَطْفٌ عَلَى بِصَحَّحَ فَكُلٌّ مِنْ بِالتَّرَدُّدِ وَلِتَرَدُّدِ وَلِعَدَمِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ إلَّا أَنْ أَشَارَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ إنَّمَا يَتَعَدَّى بِإِلَى قَالَ الْجَوْهَرِيُّ أَشَارَ إلَيْهِ بِالْيَدِ أَوْمَأَ وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالرَّأْيِ اهـ. لَكِنْ إلَى لِلِانْتِهَاءِ أَيْ انْتَهَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ وَاللَّامُ تَجِيءُ لِلِانْتِهَاءِ أَيْضًا وَلِذَا تَعَاقَبَا فِي نَحْوِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَلِذَا عَدَّاهُ الْمُؤَلِّفُ بِهَا وَهِيَ أَخْصَرُ. .
(تَنْبِيهٌ) : مُفَادُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مَتَى ذَكَرَ التَّرَدُّدَ فَهُوَ لِتَرَدُّدِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّهُ كُلَّمَا تَرَدَّدَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي نَقْلٍ أَوْ فِي حُكْمٍ يُشِيرُ لَهُ بِتَرَدُّدِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَشَارَ لِذَلِكَ بِقَوْلَانِ فَقَالَ وَفِي غَيْرِهِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلَانِ (قَوْلُهُ بِلَفْظِ التَّرَدُّدِ) أَيْ بِالتَّجْرِيدِ مِنْ أَلْ لَا بِالِاقْتِرَانِ بِهَا
стр. 46
كَقَوْلِي وَفِي كَذَا تَرَدُّدٌ إلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ الْأَوَّلُ تَرَدُّدُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَمَنْ بَعْدَهُ فِي النَّقْلِ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ كَأَنْ يَنْقُلُوا عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِمَا فِي مَكَان حُكْمًا مُعَيَّنًا فِي مَسْأَلَةٍ، ثُمَّ يَنْقُلُوا عَنْهُ فِي مَكَان آخَرَ خِلَافَ ذَلِكَ الْحُكْمِ أَوْ يَنْقُلَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ حُكْمًا فِيهَا وَيَنْقُلَ آخَرُونَ عَنْهُ فِيهَا خِلَافَهُ وَسَبَبُ ذَلِكَ إمَّا اخْتِلَافُ قَوْلِ الْإِمَامِ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ قَوْلَانِ وَإِمَّا الِاخْتِلَافُ فِي فَهْمِ كَلَامِ الْإِمَامِ فَيُنْسَبُ لَهُ كُلُّ مَا فَهِمَ عَنْهُ الثَّانِي تَرَدُّدَ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْحُكْمِ نَفْسِهِ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ وَبِمَا قَرَّرْنَا ظَهَرَ أَنَّ الْمَعْطُوفَ بِأَوْ مُقَدَّرٌ لَا قَوْلُهُ لِعَدَمِ وَأَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي النَّقْلِ لَا قَوْلُهُ لِتَرَدُّدِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُهُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُشِيرُ بِالتَّرَدُّدِ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ.
وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ تَرَدُّدٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِفَقْدِ مَعْنَى التَّرَدُّدِ الَّذِي هُوَ التَّحَيُّرُ إذْ لَا تَحَيُّرَ مَعَ جَزْمِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُقْتَدَى بِهِمْ وَلَا سِيَّمَا أَمْثَالُ مَنْ تَقَدَّمَ وَتَرَدُّدُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ وَاخْتِلَافُ طُرُقِهِمْ فِي الْعَزْوِ لِلْمَذْهَبِ فَهُوَ كَقَوْلِ غَيْرِهِ وَفِي كَذَا طُرُقٌ أَوْ طَرِيقَانِ وَلَمْ يُعْطِ عَلَامَةً يُمَيِّزُ بِهَا بَيْنَ التَّرَدُّدَيْنِ إلَّا أَنَّ الثَّانِيَ فِي كَلَامِهِ أَقَلُّ كَقَوْلِهِ وَفِي اعْتِبَارِ الْمُلَازَمَةِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ مُطْلَقًا تَرَدُّدٌ وَفِي خُفٍّ غُصِبَ تَرَدُّدٌ وَفِي رَابِعٍ تَرَدُّدٌ وَفِي أَجْزَاءِ مَا وُقِفَ بِالْبِنَاءِ تَرَدُّدٌ وَفِي جَوَازِ مَنْ أَسْلَمَ بِخِيَارٍ تَرَدُّدٌ وَلَوْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ بِتَرَدُّدٌ بِالرَّفْعِ عَلَى الْحِكَايَةِ كَقَوْلِهِ خِلَافٌ لَكَانَ أَوْجَهَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشِرْ بِهِ إلَّا كَذَلِكَ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ يُشِيرُ بِالنَّظَرِ مَوْضِعَ التَّرَدُّدِ.
كَقَوْلِهِ وَفِي جَعْلِ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ كَالْمُخَالِفِ نَظَرٌ وَقَوْلُهُ، فَإِنْ شَقَّ فَفِي الِاجْتِهَادِ نَظَرٌ قُلْت قَالَ بَعْضٌ إنَّهُ يُشِيرُ بِالتَّرَدُّدِ لَلْمُتَأَخِّرِينَ إذَا جَزَمُوا بِالْحُكْمِ وَاخْتَلَفُوا بِالنَّظَرِ إذَا جَمَحُوا وَوَقَفُوا وَقَدْ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ وَمَنْ بَعْدَهُ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَنْ قَبْلَهُ مُتَقَدِّمُونَ وَأَلْ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ لِلْجِنْسِ الْمُتَحَقِّقِ وَلَوْ فِي وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُشِيرُ بِالتَّرَدُّدِ لِتَرَدُّدِ وَاحِدٍ كَمَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ كَأَنْ يَنْقُلُوا) وَلَوْ كَانَ وَاحِدًا (قَوْلُهُ وَابْنِ الْقَاسِمِ) أَيْ أَوْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَكَذَا قَوْلُهُ وَغَيْرِهِمَا أَيْ أَوْ غَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ أَوْ يَنْقُلُ بَعْضُهُمْ إلَخْ) وَجْهُ مُغَايَرَةِ هَذَا لِمَا قَبْلَهُ أَنَّ الْجَمِيعَ اتَّفَقُوا فِي النَّقْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى خِلَافِ مَا نَقَلُوهُ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَفِي الثَّانِي نَقَلَ بَعْضٌ عَنْهُ خِلَافَ مَا نَقَلَهُ الْبَعْضُ الْآخَرُ.
(قَوْلُهُ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ قَوْلَانِ) أَيْ بِأَنْ يَقُولَ شَيْئًا، ثُمَّ يَرْجِعَ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ وَيُعْرَفُ رُجُوعُهُ عَنْهُ أَوْ لَا يُعْرَفُ أَوْ يَكُونُ لَهُ قَوْلَانِ بِشَرْطِهِمَا، وَهُوَ اخْتِلَافُ الْوَقْتِ أَوْ نَحْوِهِ فَيَنْقُلُ النَّاقِلُ قَوْلًا فِي مَكَان وَآخَرَ فِي غَيْرِهِ أَوْ يَقْتَصِرُ نَاقِلٌ عَلَى قَوْلٍ وَآخَرُ عَلَى الْآخَرِ كَذَا قَالَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يُشِيرُ بِالتَّرَدُّدِ لِلْمَرْجُوعِ إلَيْهِ وَالْمَرْجُوعِ عَنْهُ وَذَكَرَ فِيمَا يَأْتِي مَا يُفِيدُ خِلَافَهُ (قَوْلُهُ لِتَرَدُّدِ الْمُتَأَخِّرِينَ) أَيْ جِنْسِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُتَحَقِّقِ وَلَوْ فِي وَاحِدٍ لَكِنْ إنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ اثْنَيْنِ فَكُلٌّ جَازِمٌ بِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ كَأَنْ يَظْهَرَ لِابْنِ رُشْدٍ الْوُجُوبُ وَيَجْزِمَ بِهِ وَيَظْهَرَ لِابْنِ يُونُسَ النَّدْبُ مَثَلًا وَيَجْزِمَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ وَاحِدٍ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُتَحَيِّرٌ هَلْ الْحُكْمُ كَذَا أَوْ كَذَا (قَوْلُهُ أَنَّ الْمَعْطُوفَ بِأَوْ مُقَدَّرٌ) أَيْ وَتَقْدِيرُهُ أَوْ فِي الْحُكْمِ أَيْ لِتَرَدُّدِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ أَوْ فِي الْحُكْمِ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ أَيْ فِي إنْشَاءِ الْحُكْمِ وَالْأَوَّلُ فِي إبْقَاءِ الْحُكْمِ فَلَا تَكْرَارَ وَلَا اعْتِرَاضَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَوْ فِي الْحُكْمِ لَا يُغَايِرُ فِي الْمَعْنَى فِي النَّقْلِ حَتَّى يَعْطِفَ عَلَيْهِ إذْ الِاخْتِلَافُ فِي النَّقْلِ لَا يُعْقَلُ إلَّا إذَا كَانَ اخْتِلَافٌ فِي الْحُكْمِ.
(قَوْلُهُ الَّذِي هُوَ التَّحَيُّرُ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يُنَافِيهِ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ التَّرَدُّدَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْجَزْمِ مَعَ الِاخْتِلَافِ وَيُشِيرُ بِالنَّظَرِ لِلتَّحَيُّرِ وَبَعْدَ أَنْ عَلِمْت هَذَا فَكُلٌّ مِنْهُمَا غَيْرُ ظَاهِرٍ وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ التَّرَدُّدُ مُسْنَدًا لِوَاحِدٍ فَالْمُرَادُ بِهِ التَّحَيُّرُ، وَإِنْ كَانَ مُسْنَدًا لِمُتَعَدِّدٍ فَالْمُرَادُ بِهِ الِاخْتِلَافُ مَعَ الْجَزْمِ (قَوْلُهُ اخْتِلَافُ طُرُقِهِمْ) أَيْ أَحْوَالِهِمْ (قَوْلُهُ فِي الْعَزْوِ) فِي بِمَعْنَى مِنْ أَيْ الْعَزْوِ لِلْمَذْهَبِ أَيْ لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَأَنْ يَقُولُوا فِي مَوْضِعٍ قَالَ مَالِكٌ كَذَا، ثُمَّ يَقُولُوا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
قَالَ مَالِكٌ كَذَا خِلَافَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ بِمَعْنَى تَرَدُّدِهِمْ فِي النَّقْلِ (قَوْلُهُ وَفِي كَذَا طُرُقٌ) أَيْ نَقُولُ وَقَوْلُهُ أَوْ طَرِيقَانِ أَيْ نَقْلًا فَيَأْتِي عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ إلَّا أَنَّهُ يَأْتِي تَفْسِيرُ التَّرَدُّدِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بِالطُّرُقِ طَرِيقَةٌ تَحْكِي الِاتِّفَاقَ وَطَرِيقَةٌ تَحْكِي الْخِلَافَ كَمَا فِي قَوْلِهِ إلَّا بِسُكْرٍ فَتَرَدُّدٌ، وَهُوَ لَا يَأْتِي عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّقْلِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمَعْنَى لِتَرَدُّدِهِمْ فِي النَّقْلِ وَلَوْ بِاعْتِبَارِ الْفَهْمِ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ إلَّا أَنَّ الثَّانِيَ فِي كَلَامِهِ أَقَلُّ) أَيْ قَلِيلٌ أَوْ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَلِيلٌ فَأَفْعَلُ عَلَى بَابِهِ.
(قَوْلُهُ كَقَوْلِهِ، وَفِي اعْتِبَارِ إلَخْ) الْمُتَبَادِرُ مِنْ عِبَارَتِهِ حَيْثُ عَدَّدَ أَمْثِلَةً وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا أَنَّ الْكَافَ اسْتِقْصَائِيَّةٌ لَا تُدْخِلُ شَيْئًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَمْ يُشِرْ بِهِ إلَخْ) وَقَدْ يُقَالُ لَوْ قَالَ تَرَدُّدٌ بِالرَّفْعِ وَحَكَاهُ بِالْقَوْلِ وَقَعَ فِي التَّطْوِيلِ بَلْ أَوْ بِدُونِهِ، وَهُوَ مُفْرَدٌ ارْتَكَبَ شُذُوذًا؛ لِأَنَّ حِكَايَةَ الْمُفْرَدِ شَاذَّةٌ إلَّا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُ أَوْ، وَهُوَ جُمْلَةٌ بِأَنْ يُقَدِّرَ الْخَبَرَ الْمُرَاعَى فِي مَوَاقِعِهِ مِنْ الْكِتَابِ أَدَّى إلَى حِكَايَةِ الْجُمَلِ بِدُونِ الْقَوْلِ كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ (قَوْلُهُ إلَّا كَذَلِكَ) أَيْ إلَّا مَرْفُوعًا لَا مَنْصُوبًا أَيْ وَلَفْظُ الْمُصَنِّفِ يُفِيدُ أَنَّهُ أَعَمُّ (قَوْلُهُ: فَإِنْ قِيلَ إلَخْ) السُّؤَالُ وَارِدٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَبِالتَّرَدُّدِ بِأَنْ يُقَالَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَا يُشِيرُ لَهُ إلَّا بِمَادَّةِ التَّرَدُّدِ مَعَ أَنَّهُ يُشِيرُ لَهُ بِغَيْرِهَا وَقَدْ يُقَالُ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنِّي مَتَى أَشَرْت بِتَرَدُّدٍ يَكُونُ لِكَذَا لَا أَنَّ الْمُرَادَ مَتَى كَانَ كَذَا أَشَرْت بِتَرَدُّدٍ (قَوْلُهُ: فَإِنْ قِيلَ) سُؤَالٌ وَارِدٌ عَلَى هَذَا التَّصْوِيبِ أَيْ قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ إلَخْ (قَوْلُهُ إذَا جَزَمُوا بِالْحُكْمِ) أَيْ بِأَنْ قَالَ بَعْضُهُمْ الْحُكْمُ الْوُجُوبُ وَبَعْضُهُمْ قَالَ النَّدْبُ (قَوْلُهُ وَبِالنَّظَرِ إذَا جَمَحُوا إلَخْ) أَيْ بِحَسَبِ الْغَالِبِ إذْ قَدْ يُشِيرُ بِالنَّظَرِ لِلِاعْتِرَاضِ (قَوْلُهُ وَوَقَفُوا) عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَالْأَحْسَنُ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ يُشِيرُ بِالتَّرَدُّدِ لِلتَّحَيُّرِ فِيمَا إذَا كَانَ لِوَاحِدٍ وَلِلْجَزْمِ بِالْحُكْمِ وَالِاخْتِلَافِ فِيهِ إذَا كَانَ لِأَكْثَرَ فَإِنَّ الْمُؤَلِّفَ اسْتَعْمَلَهُ فِيهِمَا
стр. 47
وَقَعَ لَهُ مَا يُشْبِهُ النَّظَرَ فِي الْمَعْنَى فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ مِنْهَا قَوْلُهُ وَالتَّوَقُّفُ فِي الْكِيمَخْتِ وَفِيهَا يَجُوزُ طَرْحُهَا خَارِجَهُ وَاسْتَشْكَلَ وَأَوْرَدَ لَوْ كَفَّرَ عَنْهَا وَلَمْ تُصَدِّقْهُ وَحَدَّتْ وَاسْتَشْكَلَتْ وَنِيَّتُهُ الْجَمْعُ وَاسْتَشْكَلَ وَقَدْ يَقَعُ التَّرَدُّدُ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَ.
(ص) وَبِلَوْ إلَى خِلَافٍ مَذْهَبِيٍّ (ش) كَذَا يَقَعُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَيْ وَحَيْثُ قَالَ الْحُكْمُ كَذَا وَلَوْ كَانَ كَذَا فَإِنَّهُ يُشِيرُ بِإِتْيَانِهِ بِلَوْ إلَى أَنَّ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ قَوْلًا آخَرَ فِي الْمَسْأَلَةِ مُخَالِفًا لِمَا نَطَقَ بِهِ فَالْعَامِلُ فِي بِلَوْ أُشِيرُ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَعْمُولِهِ أَوْ عَلَى مَا عُطِفَ عَلَى مَعْمُولِهِ وَخِلَافٌ مُنَوَّنٌ وَمَذْهَبِيٌّ بِيَاءِ النِّسْبَةِ مُنَوَّنٌ أَيْضًا صِفَةٌ لِخِلَافٍ وَيُرِيدُ بِالْمَذْهَبِ مَذْهَبُ مَالِكٍ كَمَا ذَكَرْنَا وَحَقَّقَهُ الِاسْتِقْرَاءُ وَفِي لَفْظِ الْمُؤَلِّفِ قَلَقٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ وَبِلَوْ أَنَّهَا تُفِيدُ مَا ذَكَرَ حَيْثُمَا وَقَعَتْ وَلَوْ صَرَّحَ بِجَوَابِهَا بَعْدَهَا وَلَمْ تَقْتَرِنْ بِوَاوٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا تُفِيدُ مَعَ عَطْفِهَا بِالْوَاوِ وَالِاكْتِفَاءِ عَنْ جَوَابِهَا بِمَا تَقَدَّمَ فَلَوْ قَالَ وَبِلَوْ وَلَا جَوَابَ بَعْدَهَا، وَإِنْ الْتَزَمَ ذَلِكَ فِي إنْ يَقُولُ وَبِلَوْ وَبِلَوْ إنْ وَلَا جَوَابَ بَعْدَهُمَا إلَى خِلَافٍ مَذْهَبِيٍّ لَكَانَ أَظْهَرَ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ يُرِيدُ أَنَّهُ يُشِيرُ بِلَوْ الْإِغْيَائِيَّةِ الْمَقْرُونَةِ بِوَاوِ النِّكَايَةِ الْمُكْتَفَى عَنْ جَوَابِهَا بِمَا قَبْلَهَا إلَى خِلَافٍ مَنْسُوبٍ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَشَاهِدُ الِاسْتِقْرَاءِ يَقْضِي بِصِحَّتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَكِنْ لَا يُشِيرُ بِهَا إلَّا إلَى خِلَافٍ قَوِيٍّ وَلَا يَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي، وَإِنْ مَعَ أَنَّهُ كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِ اهـ.
(فَائِدَةٌ) الْمُرَادُ بِالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَاخْتُلِفَ فِي السَّابِعِ فَقِيلَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَقِيلَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَقِيلَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالْمَدَنِيُّونَ يُشَارُ بِهِمْ إلَى ابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمُطَّرِفٍ وَابْنِ نَافِعٍ وَابْنِ مَسْلَمَةَ وَنُظَرَائِهِمْ وَالْمِصْرِيُّونَ يُشَارُ بِهِمْ إلَى ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَابْنِ وَهْبٍ وَأَصْبَغَ بْنِ الْفَرَجِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ مَا يُشْبِهُ النَّظَرَ) وَقَدْ يُقَالُ النَّظَرُ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْجَوَابِ هُوَ التَّوَقُّفُ وَالتَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ يُشْبِهُ يُنَافِيهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ مَا يُوَافِقُ النَّظَرَ فِي الْمَعْنَى (قَوْلُهُ وَأُورِدُ إلَخْ) أَيْ فَالْإِيرَادُ تَوَقُّفٌ.
(قَوْلُهُ وَقَدْ يَقَعُ التَّرَدُّدُ إلَخْ) اعْتَرَضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ يُشِيرُ بِالتَّرَدُّدِ لِغَيْرِ مَا ذَكَرَ فَإِنَّهُ يَقَعُ إشَارَةً لِكَثْرَةِ الِاخْتِلَافِ وَشِدَّةِ تَشَعُّبِهِ وَانْتِشَارِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ فِي آخِرِ الْأَقْضِيَةِ وَفِي تَمْكِينِ الدَّعْوَى لِغَائِبٍ بِلَا وَكَالَةٍ تَرَدُّدٌ وَفِي قَوْلِهِ فِي الشَّهَادَاتِ، وَإِنْ شَهِدَ ثَانِيًا فَفِي الِاكْتِفَاءِ بِالتَّزْكِيَةِ الْأُولَى تَرَدُّدٌ فَإِنَّ التَّرَدُّدَ فِي ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْقِسْمَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَإِنَّمَا هُوَ لِكَثْرَةِ الْخِلَافِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَطَّابُ قَالَ بَعْضٌ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مَا ذَكَرَ هُوَ الْغَالِبُ أَوْ يُقَالُ إنَّ أَوْ فِي الْمُصَنَّفِ مَانِعَةُ جَمْعٍ (قَوْلُهُ كَذَا يَقَعُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ) أَيْ نُسَخِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ بَعْدَ قَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَبِلَوْ إلَى خِلَافٍ مَذْهَبِيٍّ إلَخْ وَنُسْخَةُ النَّاصِرِ لَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ فَفِيهَا بَعْدَ قَوْلِهِ أَوْ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ وَاَللَّهُ أَسْأَلُ إلَخْ (قَوْلُهُ أَوْ عَلَى مَا عُطِفَ عَلَى مَعْمُولِهِ) فِيهِ أَنَّ الْمَعْطُوفَاتِ بِالْوَاوِ كُلَّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ وَحَقَّقَهُ الِاسْتِقْرَاءُ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْمَعْنَى إلَى خِلَافٍ مَنْسُوبٍ لِمَذْهَبٍ، وَهُوَ نَكِرَةٌ صَادِقٌ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَبِغَيْرِهِ وَلَكِنَّ الِاسْتِقْرَاءَ أَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَنُسْخَةُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِي خِلَافٍ وَمَا بَعْدَهُ أَيْ الْخِلَافُ الْوَاقِعُ فِي مَذْهَبِي وَلَا يُرِيدُ إلَى خِلَافٍ مَذْهَبِيٍّ بِمَعْنَى الْمُغَايِرِ لِمَذْهَبِي (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا تُفِيدُ مَعَ عَطْفِهَا بِالْوَاوِ إلَخْ) هَذَا أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْوَاوِ الدَّاخِلَةِ عَلَى إنْ وَلَوْ الْوَصْلِيَّةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ كَوْنُهَا لِلْحَالِ وَكَوْنُهَا لِلْعَطْفِ وَكَوْنُهَا لِلِاعْتِرَاضِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَوْلَى سَعْدُ الدِّينِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْإِعْيَاءَ مَوْجُودٌ مَعَ جَعْلِهَا لِلْحَالِ وَلَا يَسْلَمُ هَذَا إذَا الَّتِي لِلْمُبَالَغَةِ يَكُونُ مَا قَبْلَهَا أَوْلَى بِالْحُكْمِ مِمَّا بَعْدَهَا وَاَلَّتِي لِلْحَالِ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ فَلَوْ قَالَ) شَرْطِيَّةٌ وَجَوَابُهَا قَوْلُهُ لَكَانَ أَجْمَلَ (قَوْلُهُ: وَإِنْ الْتَزَمَ ذَلِكَ فِي إنْ) أَيْ إنْ فُرِضَ أَنَّهُ الْتَزَمَ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ بِدَلِيلٍ آخِرِ الْعِبَارَةِ، وَهُوَ شَرْطٌ وَجَوَابُهُ يَقُولُ وَالْمُنَاسِبُ يَقُلْ بِحَذْفِ الْوَاوِ.
(قَوْلُهُ الْإِغْيَائِيَّةِ) مَعْنَى الْإِغْيَائِيَّةِ الدَّالَّةُ عَلَى غَايَةِ الشَّيْءِ نَحْوَ إنْ شَتَمَتْنِي ضَرَبْتُك وَلَوْ كُنْت الْأَمِيرَ وَمَعْنَى وَاوِ النِّكَايَةِ الْإِغَاظَةِ وَالْمُخَالَفَةِ لِلْمَرْدُودِ عَلَيْهِ بِلَوْ وَالْإِنْكَاءُ الْقَهْرُ وَالْإِغَاظَةُ وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ ابْنِ الْفُرَاتِ وَبِلَوْ غَالِبًا إلَى خِلَافٍ مَذْهَبِيٍّ فَقَيَّدَ بِغَالِبًا، وَهُوَ وَاضِحٌ إذْ قَدْ يُشِيرُ بِهَا لِلْمُبَالَغَةِ لَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى خِلَافِ مَا هُنَاكَ (قَوْلُهُ وَشَاهِدُ الِاسْتِقْرَاءِ) أَيْ وَشَاهِدٌ هُوَ الِاسْتِقْرَاءُ فَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ (قَوْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ) أَيْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ الَّتِي هِيَ قَوْلُهُ وَبِلَوْ إلَى خِلَافٍ إلَخْ (قَوْلُهُ وَلَا يَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي، وَإِنْ) أَيْ الْخِلَافُ الْمَذْهَبِيُّ فِي إنْ (قَوْلُهُ مَعَ أَنَّهُ كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِ) وَالْأَكْثَرُ اسْتِعْمَالُهُ خَارِجَ الْمَذْهَبِ
١ -
(قَوْلُهُ فَائِدَةٌ) فَائِدَتُهَا أَنَّ مَا ذَكَرَ يَقَعُ فِي الشُّرُوحِ فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ الْمُرَادَ مِنْهَا وَمِنْ الْفَوَائِدِ أَنَّ قَاعِدَةَ الْمُؤَلِّفِ وَغَيْرَهُ غَالِبًا أَنْ يُرِيدُوا بِالرِّوَايَاتِ أَقْوَالَ مَالِكٍ وَبِالْأَقْوَالِ أَقْوَالَ أَصْحَابِهِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ كَابْنِ رُشْدٍ وَنَحْوِهِ وَالْمُرَادُ بِالِاتِّفَاقِ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَبِالْإِجْمَاعِ إجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ وَإِذَا قَالُوا الْجُمْهُورَ عَنَوْا بِهِمْ الْأَئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ كَذَا فِي ك وَذَكَرَ فِي مُطَرِّفٍ أَنَّهُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَفَاءٍ، وَهُوَ أَبُو مُصْعَبٍ مُطَرِّفُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطَرِّفٍ ابْنُ أُخْتِ الْإِمَامِ مَالِكٍ (قَوْلُهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بِفَتْحِ الْيَاءِ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَنَظَمَهُمْ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فَقَالَ
أَلَا كُلُّ مَنْ لَا يَقْتَدِي بِأَئِمَّةٍ ... فَقِسْمَتُهُ ضِيزَى عَنْ الْحَقِّ خَارِجَهْ
فَخُذْهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ ... سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ
(قَوْلُهُ وَالْمَدَنِيُّونَ) أَيْ مِنْ أَتْبَاعِ مَالِكٍ وَكَذَا مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ وَابْنُ مَسْلَمَةَ) مُحَمَّدٌ لَا عَبْدُ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَخَذَ عَنْ مَالِكٍ (قَوْلُهُ ابْنِ الْفَرَجِ) هَكَذَا ابْنٌ مِنْ الْبُنُوَّةِ وَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ أَبِي الْفَرَجِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ
стр. 48
وَنَظَائِرُهُمْ وَالْعِرَاقِيُّونَ يُشَارُ بِهِمْ إلَى الْقَاضِي إسْمَاعِيلِ وَالْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ وَابْنِ الْقَصَّارِ وَابْنِ الْجَلَّابِ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ وَالْقَاضِي أَبِي الْفَرَجِ وَالشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الْأَبْهَرِيِّ وَنَظَائِرِهِمْ وَالْمَغَارِبَةُ يُشَارُ بِهِمْ إلَى الشَّيْخِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَالْقَابِسِيِّ وَابْنِ اللَّبَّادِ وَالْبَاجِيِّ وَاللَّخْمِيِّ وَابْنِ مُحْرِزٍ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ وَالْقَاضِي سَنَدٍ وَالْمَخْزُومِيِّ، وَهُوَ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَرَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ. وَذَكَرَهُ فِي الْمَدَارِكِ فِي أَوَّلِ الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَابْنِ شَبْلُونٍ هُوَ أَبُو مُوسَى بْنُ مُنَاسٍ ذَكَرَهُ عِيَاضٌ فِي الطَّبَقَةِ السَّادِسَةِ مِنْ الْمَدَارِكِ وَابْنُ شَعْبَانَ هُوَ صَاحِبُ الزَّاهِي، وَهُوَ ابْنُ الْقُرْطِيِّ بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَبَعْدَ الرَّاءِ طَاءٌ مُهْمَلَةٌ مَكْسُورَةٌ، ثُمَّ يَاءُ نَسَبٍ (ص) وَاَللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ مَنْ كَتَبَهُ أَوْ قَرَأَهُ أَوْ حَصَّلَهُ.
ــ
[حاشية العدوي]
(قَوْلُهُ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ) هُوَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إسْمَاعِيلَ تَفَقَّهَ بِابْنِ الْمُعَذَّلِ وَكَانَ يَقُولُ أَفْخَرُ عَلَى النَّاسِ بِرَجُلَيْنِ بِالْبَصْرَةِ ابْنُ الْمُعَذَّلِ يُعَلِّمُنِي الْفِقْهَ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ يُعَلِّمُنِي الْحَدِيثَ رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ جَمَعَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ وَآثَارَ الْعُلَمَاءِ وَالْفِقْهَ وَالْكَلَامَ وَالْمَعْرِفَةَ بِعِلْمِ اللِّسَانِ وَكَانَ مِنْ نُظَرَاءِ الْمُبَرِّدِ فِي عِلْمِ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ وَكَانَ الْمُبَرِّدُ يَقُولُ لَوْلَا اشْتِغَالُهُ بِرِيَاسَةِ الْفِقْهِ وَالْقَضَاءِ لَذَهَبَ بِرِيَاسَتِنَا فِي النَّحْوِ وَالْأَدَبِ وُلِّيَ قَضَاءَ بَغْدَادَ قَالَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ وُلِّيَ إسْمَاعِيلُ الْقَضَاءَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَفِي تَارِيخِ الْخَطِيبِ أَقَامَ إسْمَاعِيلُ عَلَى الْقَضَاءِ نَيِّفًا وَخَمْسِينَ سَنَةً فَمَا عُزِلَ إلَّا سَنَتَيْنِ وَمَرَّ إسْمَاعِيلُ بِالْمُبَرِّدِ فَوَثَبَ إلَيْهِ وَقَبَّلَ يَدَهُ وَأَنْشَدَهُ
فَلَمَّا بَصَرْنَا بِهِ مُقْبِلًا ... حَلَلْنَا الْحُبَا وَابْتَدَرْنَا
الْقِيَامَا ... فَلَا تُنْكِرَنَّ قِيَامِي لَهُ
فَإِنَّ الْكَرِيمَ يُجِلُّ الْكِرَامَا
مَوْلِدُهُ سَنَةَ مِائَتَيْنِ وَتُوُفِّيَ، وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً ﵀ (قَوْلُهُ وَابْنِ الْقَصَّارِ) هَكَذَا فِي النُّسَخِ وَابْنِ بِالْوَاوِ، وَهُوَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ وَالْمُنَاسِبُ وَالْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْقَصَّارِ كَمَا أَفَادَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي دِيبَاجِهِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ وَابْنِ مُحْرِزٍ) بِكَسْرِ الرَّاءِ.
(قَوْلُهُ وَالْقَاضِي سَنَدٌ) هُوَ إسْكَنْدَرَانِيٌّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ مِصْرِيًّا بِاعْتِبَارِ الْإِقْلِيمِ فَإِنَّ إسْكَنْدَرِيَّةَ مِنْ إقْلِيمِ مِصْرَ كَمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمَقْرِيزِيِّ فِي خُطَطِهِ، وَهُوَ سَنَدُ بْنُ عِنَانٍ كُنْيَتُهُ أَبُو عَلِيٍّ سَمِعَ مِنْ شَيْخِهِ أَبِي بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيِّ وَكَانَ مِنْ زُهَّادِ الْعُلَمَاءِ وَكُبَرَاءِ الصَّالِحِينَ فَقِيهًا فَاضِلًا تَفَقَّهَ بِالشَّيْخِ أَبِي بَكْرِ الطُّرْطُوشِيِّ وَجَلَسَ لِإِلْقَاءِ الدَّرْسِ بَعْدَ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيِّ وَانْتَفَعَ النَّاسُ بِهِ وَأَلَّفَ كِتَابًا حَسَنًا سَمَّاهُ الطِّرَازَ فِي الْفِقْهِ شَرَحَ بِهِ الْمُدَوَّنَةَ فِي نَحْوِ ثَلَاثِينَ سِفْرًا وَتُوُفِّيَ قَبْلَ إكْمَالِهِ وَلَهُ تَأْلِيفٌ فِي الْجَدَلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ تَمِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَادِشِيُّ وَكَانَ مِنْ الْفُقَهَاءِ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ اُكْتُبْ لِي بَرَاءَةً مِنْ النَّارِ فَقَالَ امْضِ إلَى الْفَقِيهِ سَنَدٍ يَكْتُبُ لَك بَرَاءَةً فَقُلْت لَهُ مَا يَفْعَلُ فَقَالَ قُلْ لَهُ بِأَمَارَةِ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَانْتَبَهْت فَمَضَيْت إلَى الْفَقِيهِ سَنَدٍ فَقُلْت لَهُ اُكْتُبْ لِي بَرَاءَةً مِنْ النَّارِ فَبَكَى وَقَالَ مَنْ يَكْتُبُ لِي بَرَاءَةً مِنْ النَّارِ فَقُلْت لَهُ الْأَمَارَةَ فَكَتَبَ لِي رُقْعَةً وَلَمَّا أَدْرَكَتْ تَمِيمًا الْوَفَاةُ أَوْصَى أَنْ تُجْعَلَ الرُّقْعَةُ فِي حَلَقَةٍ وَتُدْفَنَ مَعَهُ وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَخْلُوفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّهُ رَأَى الْفَقِيهَ أَبَا عَلِيٍّ سَنَدَ بْنَ عِنَانٍ بَعْدَ مَوْتِهِ فَقُلْت لَهُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك فَقَالَ عُرِضْتُ عَلَى رَبِّي فَقَالَ لِي أَهْلًا بِالنَّفْسِ الطَّاهِرَةِ الزَّكِيَّةِ الْعَالِمَةِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ كَانَ فَاضِلًا مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ تُوُفِّيَ ﵀ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ سَنَةَ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ وَدُفِنَ بِجَبَّانَةِ بَابِ الْأَخْضَرِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الدِّيبَاجِ وَكَانَ يُمْكِنُ ذِكْرُ تَرَاجِمِ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ لَكِنْ خِفْنَا مِنْ التَّطْوِيلِ.
(فَائِدَةٌ) وَجَدْت فِي خَطِّهِ عَلَى نُسْخَتِهِ مَا نَصُّهُ وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمِصْرِيُّونَ وَالْمَدَنِيُّونَ قُدِّمَ الْمِصْرِيُّونَ غَالِبًا وَالْمَغَارِبَةُ وَالْعِرَاقِيُّونَ قُدِّمَتْ الْمَغَارِبَةُ كَذَا نَقَلَهُ الْفِيشِيُّ قَالَ عج تَقْدِيمُ الْمِصْرِيِّينَ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْلَامُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ مِنْهُمْ ابْنَ وَهْبٍ وَقَدْ عَلِمْت جَلَالَتَهُ وَابْنَ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَكَذَا تَقْدِيمُ الْمَدَنِيِّينَ عَلَى الْمَغَارِبَةِ إذْ مِنْهُمْ الْأَخَوَانِ وَيَظْهَرُ تَقْدِيمُ الْمَغَارِبَةِ عَلَى الْعِرَاقِيِّينَ إذْ مِنْهُمْ الشَّيْخَانِ (قَوْلُهُ وَذَكَرَهُ فِي الْمَدَارِكِ) أَيْ ذَكَرَهُ عِيَاضٌ فِي الْمَدَارِكِ، وَهُوَ كِتَابٌ ذَكَرَ فِيهِ عُلَمَاءَ الْمَذْهَبِ (قَوْلُهُ وَابْنُ شَبْلُونٍ) هُوَ عَبْدُ الْخَالِقِ قَيْرَوَانِيٌّ تُوُفِّيَ سَنَةَ إحْدَى وَتِسْعِينَ وَقِيلَ سَنَةَ تِسْعِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ، وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ حَاصِلُهُ أَنَّنَا نَرَاهُمْ يَقُولُونَ ابْنُ شَبْلُونٍ ابْنُ شَعْبَانَ مَنْ هُوَ ابْنُ شَبْلُونٍ مَنْ هُوَ ابْنُ شَعْبَانَ إلَّا أَنَّهُ يَرِدُ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ هَذَيْنِ بِالذِّكْرِ (قَوْلُهُ وَابْنُ شَعْبَانَ إلَخْ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ شَعْبَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ كَانَ أَرْأَسَ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ بِمِصْرَ فِي وَقْتِهِ وَأَحْفَظَهُمْ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ مَعَ التَّفَنُّنِ فِي سَائِرِ الْعُلُومِ مِنْ الْخَبَرِ وَالتَّارِيخِ وَالْأَدَبِ إلَى التَّدَيُّنِ وَالْوَرَعِ وَكَانَ يُلْحِنُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَصِيرَةٌ بِالْعَرَبِيَّةِ مَعَ غَزَارَةِ عِلْمِهِ وَكَانَ وَاسِعَ الرِّوَايَةِ كَثِيرَ الْحَدِيثِ مَلِيحَ التَّأْلِيفِ شَيْخَ الْفَتْوَى حَافِظَ الْبَلَدِ وَإِلَيْهِ انْتَهَتْ رِيَاسَةُ الْمَالِكِيِّينَ بِمِصْرَ وَوَافَقَ مَوْتُهُ دُخُولَ بَنِي عُبَيْدٍ الرَّوَافِضِ وَكَانَ شَدِيدَ الذَّمِّ لَهُمْ وَكَانَ يَدْعُو عَلَى نَفْسِهِ بِالْمَوْتِ قَبْلَ دَوْلَتِهِمْ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ أَمِتْنِي قَبْلَ دُخُولِهِمْ مِصْرَ فَكَانَ ذَلِكَ وَأَلَّفَ كِتَابَ الزَّاهِي الشَّعْبَانِيِّ الْمَشْهُورِ فِي الْفِقْهِ وَكِتَابًا فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَكِتَابَ: مُخْتَصَرُ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَغَيْرَ ذَلِكَ وَتُوُفِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ لِأَرْبَعَ عَشَرَةَ بَقِيَتْ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ وَدُفِنَ يَوْمَ الْأَحَدِ وَقَدْ جَاوَزَ سِنُّهُ ثَمَانِينَ سَنَةً.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ ابْنُ الْقُرْطِيِّ) كَانَ يُعْرَفُ بِهِ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مِصْرِيٌّ لَا مَغْرِبِيٌّ وَيَنْبَغِي إتْمَامُ الْفَائِدَةِ بِذِكْرِ مَا يَقَعُ كَثِيرًا فَنَقُولُ وَالْقَرِينَانِ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ فَقَرَنَ أَشْهَبَ مَعَ ابْنِ نَافِعٍ لِعَدَمِ بَصَرِهِ وَالْأَخَوَانِ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونَ وَسِيَّمَا بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ وَمُلَازَمَتِهِمَا وَالْقَاضِيَانِ ابْنُ الْقَصَّارِ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ وَالْمُحَمَّدَانِ ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ سَحْنُونَ وَإِذَا قِيلَ مُحَمَّدٌ فَهُوَ ابْنُ الْمَوَّازِ (قَوْلُهُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ) لَمْ يَقُلْ النَّفْعَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ أَخْصَرَ؛ لِأَنَّ
стр. 49
أَوْ سَعَى فِي شَيْءٍ مِنْهُ (ش) هَذَا دُعَاءٌ مِنْ الْمُؤَلِّفِ ﵀ وَابْتِهَالٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَنْ يَنْفَعَ بِمُخْتَصَرِهِ هَذَا مَنْ كَتَبَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ أَوْ قَرَأَهُ بِدَرْسٍ أَوْ مُقَابَلَةٍ أَوْ مُطَالَعَةٍ أَوْ حَصَّلَهُ بِمِلْكٍ أَوْ بِحِفْظٍ أَوْ فَهْمٍ أَوْ بِهِمَا أَوْ سَعَى فِي شَيْءٍ مِنْهُ يُحْتَمَلُ ضَمِيرٌ مِنْهُ أَنْ يَعُودَ عَلَى جُمْلَةِ الْمُخْتَصَرِ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ بِمَا قَبْلَ هَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِ كُلِّهِ وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِهِ فِي وَاحِدٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ فِي جُمْلَتِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ وَهَذَا أَبْلَغُ وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَسَلَكَ سُنَنَ الْأَئِمَّةِ فِي الدُّعَاءِ بِالِانْتِفَاعِ بِتَآلِيفِهِمْ لِتَحْصُلَ الثَّمَرَةُ عَاجِلًا بِالِانْتِفَاعِ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَآجِلًا بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ وَالظَّنُّ بِجَمِيلِ صُنْعِ اللَّهِ قَبُولُ دَعْوَتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ نَشَرَ ذِكْرَهُ فِي الْآفَاقِ وَجَبَلَ قُلُوبَ كَثِيرٍ مِنْ الْخَلْقِ عَلَى مَحَبَّتِهِ وَالِاشْتِغَالِ بِهِ وَهِيَ مِنْ عَلَامَاتِ الْقَبُولِ وَتَعْجِيلِ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ وَإِلَّا فَكَمْ مِنْ تَأْلِيفٍ حَسَنٍ طُوِيَ ذِكْرُهُ وَلَمْ يُشْتَغَلْ بِهِ وَالرَّجَاءُ مِنْهُ تَعَالَى أَنْ يُتِمَّ الْإِنْعَامَ بِالْإِحْسَانِ الْأُخْرَوِيِّ إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَقَدَّمَ لَفْظَ الْجَلَالَةِ مَنْصُوبًا بِأَسْأَلُ لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ أَيْ لَا أَسْأَلُ ذَلِكَ الْأَمْرَ إلَّا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ الْقَادِرُ عَلَيْهِ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَرَقَّبْ عَلَيْهِ مَنْفَعَةٌ مِنْ مَخْلُوقٍ وَلَا قَصَدَ بِتَأْلِيفِهِ التَّوَسُّلَ إلَى الْقُرْبِ مِنْهُ كَعَادَةِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُصَنَّفِينَ لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ بَلَّغَهُ مُرَادَهُ بِحُسْنِ نِيَّتِهِ وَالسُّؤَالُ لُغَةً الطَّلَبُ وَاصْطِلَاحًا طَلَبُ الْأَدْنَى مِنْ الْأَعْلَى.
(ص) وَاَللَّهُ يَعْصِمُنَا
ــ
[حاشية العدوي]
السُّؤَالَ مُحَادَثَةٌ مَعَ الْمَوْلَى وَالْمُحَادَثَةُ مَعَ الْمَوْلَى الْكَرِيمِ يَنْبَغِي فِيهَا التَّطْوِيلُ وَالنَّفْعُ إيصَالُ الْخَيْرِ أَوْ دَفْعُ الضَّرَرِ وَقَوْلُهُ مِنْ كُتُبِهِ إلَخْ أَوْقَعَ هَذِهِ الْأَفْعَالَ الْمَاضِيَةَ مَوْضِعَ الْمُسْتَقْبَلِ تَحْقِيقًا لَهُ وَتَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْوَاقِعِ عَلَى تَقْدِيرِ وَضْعِ الْخُطْبَةِ قَبْلَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَضَعَ الْخُطْبَةَ أَوَّلًا وَاسْتَحْضَرَهُ فِي ذِهْنِهِ (قَوْلُهُ وَابْتِهَالٌ إلَى اللَّهِ) أَيْ وَتَضَرُّعٌ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ (قَوْلُهُ كَتَبَهُ لِنَفْسِهِ) أَيْ وَلَوْ لَمْ يَقْرَأْهُ وَلَمْ يَفْهَمْ مَا فِيهِ (قَوْلُهُ أَوْ لِغَيْرِهِ) أَيْ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ (قَوْلُهُ أَوْ حَصَّلَهُ بِمِلْكٍ) صَادِقٍ بِالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالشِّرَاءِ وَلَوْ لِلتِّجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَأَرَادَ بِالْمِلْكِ مَا يَشْمَلُ مِلْكَ الذَّاتِ وَمِلْكَ الْمَنْفَعَةِ (قَوْلُهُ أَوْ بِحِفْظٍ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ أَوْ قَرَأَهُ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ تَصْدُقُ بِهِ وَبِمُجَرَّدِ قِرَاءَةٍ بِدُونِ حِفْظٍ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْحِفْظِ حِفْظًا حَصَلَ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ (قَوْلُهُ أَوْ فَهْمٍ) أَيْ لِمَعَانِيهِ.
(قَوْلُهُ أَوْ سَعَى فِي شَيْءٍ مِنْهُ) أَيْ شَيْءٍ يَنْتَفِعُ بِهِ احْتِرَازٌ عَنْ كِتَابَةٍ أَوْ قِرَاءَةِ كَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَتَيْنِ مَثَلًا (قَوْلُهُ وَهَذَا أَبْلَغُ) أَيْ أَحْسَنُ، ثُمَّ يُقَالُ لَا وَجْهَ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ قَبْلُ وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِوَاحِدٍ إلَخْ وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِأَنَّ الْأَبْلَغِيَّةَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ قَابِلٌ؛ لَأَنْ يُخَصَّ بِمَا عَدَا ذَلِكَ الْوَجْهِ إلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ عَدَمُ جَرَيَانِ الضَّمَائِرِ عَلَى سَنَنٍ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ سَنَنَ الْأَئِمَّةِ) أَيْ طَرِيقَ الْأَئِمَّةِ (قَوْلُهُ بِالِانْتِفَاعِ إلَخْ) أَيْ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى (قَوْلُهُ بِالِانْتِفَاعِ) أَيْ الثَّمَرَةِ الْمُصَوَّرَةِ بِالِانْتِفَاعِ وَكَذَا فِي قَوْلِهِ بِالثَّوَابِ (قَوْلُهُ وَالظَّنُّ) مُبْتَدَأٌ بِمَعْنَى الْمَظْنُونِ وَقَوْلُهُ قَبُولُ دَعْوَتِهِ خَبَرٌ وَالْبَاءُ فِي بِجَمِيلٍ بِمَعْنَى مِنْ وَإِضَافَةُ جَمِيلٍ لِمَا بَعْدَهُ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ وَالتَّقْدِيرُ وَالْمَظْنُونُ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ الْجَمِيلِ قَبُولُ دَعْوَتِهِ أَيْ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ وَقَوْلُهُ فَإِنَّ اللَّهَ إلَخْ أَشَارَ إلَى قَبُولِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِالْمُشَاهَدَةِ، فَإِنْ قُلْت لَا وَجْهَ لِلتَّعْبِيرِ بِالظَّنِّ قُلْت يُمْكِنُ أَنَّهُ عَبَّرَ بِالظَّنِّ بِاعْتِبَارِ الْمَجْمُوعِ نَظَرًا لِلثَّانِيَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ (قَوْلُهُ الْآفَاقِ) جَمْعُ أُفُقٍ بِضَمَّتَيْنِ بِمَعْنَى النَّاحِيَةِ مِنْ الْأَرْضِ وَمِنْ السَّمَاءِ (قَوْلُهُ وَجَبَلَ) أَيْ فَطَرَ أَيْ خَلَقَ (قَوْلُهُ وَتَعْجِيلِ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْقَبُولِ (قَوْلُهُ وَإِلَّا فَكَمْ إلَخْ) أَيْ، وَإِنْ لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ مِنْ عَلَامَاتِ الْقَبُولِ فَالْأَمْرُ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّا وَجَدْنَا غَيْرَهُ انْطَوَى، وَهُوَ لَمْ يَنْطَوِ، فَإِنْ لَمْ نَقُلْ مِنْ عَلَامَاتِ الْقَبُولِ لَحَصَلَتْ الْحِيرَةُ فِي كَوْنِ كِتَابِهِ لَمْ يَنْطَوِ وَكِتَابُ غَيْرِهِ انْطَوَى.
(قَوْلُهُ وَالرَّجَاءُ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى النِّعْمَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ أَيْ وَالْمَرْجُوُّ، فَإِنْ قُلْت مَنْ الثَّمَرَتَانِ لَهُ قُلْت لِلْمُشْتَغِلِ بِهِ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ إنَّمَا هُوَ ثَمَرَةٌ لَهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَى تَأْلِيفِهِ الثَّمَرَتَانِ لِغَيْرِهِ يَكُونُ دَالًّا عَلَى الْخَيْرِ وَقَدْ قَالَ ﵇ «الدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ» (قَوْلُهُ إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ) أَيْ مَوْلَى ذَلِكَ أَيْ مُعْطِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ مَنْصُوبًا إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ أَسْأَلُ لِيُفِيدَ التَّجَدُّدَ فِي السُّؤَالِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَقَوْلُهُمْ إنَّ الْجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ تَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ خَبَرُهَا اسْمًا أَمَّا لَوْ كَانَ فِعْلًا فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى التَّجَدُّدِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ (فَإِنْ قُلْت) يَلْزَمُ عَلَى الرَّفْعِ حَذْفُ الْعَائِدِ بِخِلَافِ النَّصْبِ (قُلْت) حَذْفُ الْعَائِدِ جَائِزٌ (فَإِنْ قُلْت) فَيَفُوتُ الِاخْتِصَاصُ (قُلْت) صُدُورُ السُّؤَالِ مِنْ الْمُوَحِّدِ قَاضٍ بِهِ كَذَا قِيلَ (أَقُولُ) الْفِعْلُ الْمُضَارِعُ مُفِيدٌ لِلتَّجَدُّدِ وَالْحُدُوثِ، وَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ خَبَرًا مَعَ إفَادَةِ الْحَصْرِ صَرِيحًا فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ وَلَا قَصْدَ إلَخْ) مَعْطُوفٌ عَلَى يَتَرَقَّبُ عَطْفُ سَبَبٍ عَلَى مُسَبَّبٍ؛ لِأَنَّ التَّوَسُّلَ لِلْقُرْبِ مِنْهُ إنَّمَا هُوَ لِتِلْكَ الْمَنْفَعَةِ وَلَا زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أَيْ لَمْ يَتَرَقَّبْ وَلَمْ يَقْصِدْ (قَوْلُهُ كَعَادَةِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ) كَالسَّعْدِ لَمَّا وَضَعَ الْمُطَوَّلَ وَمُخْتَصَرَهُ عَلَى تَلْخِيصِ الْمِفْتَاحِ فَإِنَّهُ قَصَدَ بِهِ الْقُرْبَ مِنْ الْمَلِكِ لِيَشْتَهِرَ بِذَلِكَ عِلْمُهُ لِيُؤْخَذَ عَنْهُ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ هَكَذَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ مَقَاصِدُ الْعُظَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ هَذَا الْقُرْبُ الْمُتَوَسَّلُ إلَيْهِ صُورَةً لَا حَقِيقَةً (فَإِنْ قُلْت) كَيْفَ يَتْرُكُ الْمُؤَلِّفُ الْمَنْدُوبَ، وَهُوَ أَوْلَى بِفِعْلِهِ.
(قُلْت) لَعَلَّ وَجْهَ النَّدْبِ إذَا لَمْ يُوجَدْ بَاعِثٌ رُوحَانِيٌّ يُحْمَلُ عَلَى تَرْكِهِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَّا فَتَرْكُهُ أَوْلَى وَيَعْتَمِدُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى (قَوْلُهُ لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ إلَخْ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ وَقَوْلُهُمْ لَا جَرَمَ قَالَ الْفَرَّاءُ هِيَ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى لَا بُدَّ وَلَا مُحَالَةَ، ثُمَّ كَثُرَتْ فَحُوِّلَتْ إلَى مَعْنَى الْقَسَمِ وَصَارَتْ بِمَعْنَى حَقًّا وَلِهَذَا تُجَابُ بِاللَّامِ نَحْوَ لَا جَرَمَ لَأَفْعَلَنَّ اهـ.
وَمُرَادُهُ الثَّمَرَتَانِ إمَّا الدُّنْيَوِيَّةُ فَظَاهِرَةٌ وَإِمَّا الْأُخْرَوِيَّةُ فَلِأَنَّ حُصُولَ الدُّنْيَوِيَّةِ عِنْوَانٌ عَلَى حُصُولِ الْأُخْرَوِيَّةِ خُصُوصًا وَالْمَرْجُوُّ كَرِيمٌ غَايَةَ الْكَرَمِ (قَوْلُهُ بِحُسْنِ نِيَّتِهِ) أَيْ بِسَبَبِ حُسْنِ نِيَّتِهِ (قَوْلُهُ وَاَللَّهُ) بِالرَّفْعِ وَيُقَالُ فِيهِ مَا قِيلَ فِي.
стр. 50
مِنْ الزَّلَلِ وَيُوَفِّقُنَا فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ (ش) هَذَا دُعَاءٌ آخَرُ بِأَنْ يَمْنَعَهُ اللَّهُ وَيَحْفَظَهُ مِنْ الْعُدُولِ عَنْ الْحَقِّ الَّذِي هُوَ شَبِيهٌ بِالزَّلِقِ فِي طِينٍ أَوْ وَحْلٍ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْمُخَالَفَةِ وَلِذَا أَرْدَفَهُ بِطَلَبِ التَّوْفِيقِ إلَى الِاسْتِقَامَةِ فِي أَقْوَالِهِ اللِّسَانِيَّةِ وَأَفْعَالِهِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْجَوَارِحِيَّةِ غَيْرِ اللِّسَانِ وَالْعِصْمَةُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنْ لَا يَخْلُفَ اللَّهُ فِي الْعَبْدِ ذَنْبًا وَعِنْدَ الْحُكَمَاءِ مَلَكَةٌ تَمْنَعُ الْفُجُورَ وَيَصِحُّ تَفْسِيرُهَا عَلَى طَرِيقِ أَهْلِ السُّنَّةِ بِالْمَلَكَةِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ إرَادَةِ أَنَّهَا مَلَكَةٌ أَيْ كَيْفِيَّةٌ يَخْلُقُهَا اللَّهُ تَعَالَى تَمْنَعُ الْفُجُورَ بِطَرِيقٍ جَرْيِ الْعَادَةِ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ عَادَةً وُقُوعُ الْفُجُورِ مَعَهَا وَأَصْلُ زَلَلْت زَلَّ يَزِلُّ، وَهُوَ الزَّلِقُ فِي الطِّينِ أَوْ الْمَنْطِقُ أُرِيدَ بِهِ لَازِمُهُ مِنْ النَّقْصِ؛ لِأَنَّ مَنْ زَلَّ فَقَدْ نَقَصَ فِي الْعَرَضِ أَوْ الْمَالِ أَوْ الدَّيْنِ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلِهِ وَاَللَّهُ أَسْأَلُ فَهِيَ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ خَبَرِيَّةً لَفْظًا إنْشَائِيَّةً مَعْنًى وَلِذَا تَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلَى الْجُمْلَةِ الْإِنْشَائِيَّةِ الدِّعَائِيَّةِ وَلَوْ تَجَرَّدَتْ لِلْخَبَرِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ الْعَطْفُ بِاتِّفَاقٍ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعَانِي وَبِاخْتِلَافٍ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ (فَإِنْ قُلْت) لَوْ نُصِبَ اللَّهُ بِأَسْأَلُ هَلْ يَصِحُّ عَطْفُ وَاَللَّهُ يَعْصِمُنَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ (قُلْت) يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْعَطْفُ عَلَى مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَالْعَاطِفُ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْوَاوُ وَسِيبَوَيْهِ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ) قَابَلَ الْمُؤَلِّفُ الْقَوْلَ بِالْعَمَلِ لِلْعُرْفِ الشَّائِعِ وَلِقَوْلِهِ ﵇ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ» ، وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا يَتَنَاوَلُهُ كَقَوْلِهِ ﵇ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (قَوْلُهُ وَيَحْفَظُهُ) مَعْطُوفٌ عَلَى يَمْنَعُهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَيْ فَالْمُرَادُ مِنْ الْعِصْمَةِ الْحِفْظُ (قَوْلُهُ الَّذِي هُوَ شَبِيهٌ) صِفَةٌ لِلْعُدُولِ فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ مُصَرِّحَةٌ وَتَقْرِيرُهَا أَنْ تَقُولَ شَبَّهَ الْعُدُولَ عَنْ الْحَقِّ بِالزَّلْقِ فِي الطِّينِ وَالْوَحْلِ وَاسْتَعَارَ اسْمَ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ عَلَى طَرِيقِ التَّصْرِيحِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ فَهُوَ كِنَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ فَهُوَ عِبَارَةٌ (قَوْلُهُ أَوْ وَحْلٍ) الْوَحْلُ بِالسُّكُونِ اسْمٌ وَجَمْعُهُ وُحُولٌ مِثْلَ فَلْسٍ وَفُلُوسٍ وَيَجُوزُ فَتْحُهُ لِيُجْمَعَ عَلَى أَوْحَالٍ مِثْلَ سَبَبٍ وَأَسْبَابٍ، وَهُوَ الطِّينُ الرَّقِيقُ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ فَهُوَ إذَنْ عَطْفُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ بِأَوْ فَالْمُخَلِّصُ أَنْ يُرَادَ بِالطِّينِ الثَّخِينُ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْمُغَايِرِ.
(قَوْلُهُ وَلِذَا أَرْدَفَهُ) أَيْ لِكَوْنِهِ دُعَاءً بِالْحِفْظِ يَكُونُ مِنْ بَابِ التَّخْلِيَةِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّخْلِيَةُ يُطْلَبُ بَعْدَهَا التَّحْلِيَةُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَرْدَفَهُ بِطَلَبِ التَّوْفِيقِ إلَخْ الَّذِي هُوَ مِنْ بَابِ التَّحْلِيَةِ؛ لِأَنَّهُ خَلْقُ الطَّاعَةِ فِي الْعَبْدِ إلَّا أَنَّ هَذَا ظَاهِرُهُ وَلَوْ تَأَمَّلْت لَوَجَدْتهَا تَحْلِيَةً مُتَضَمِّنَةً لِتَخْلِيَةٍ وَكَذَلِكَ تَجِدُ التَّوْفِيقَ تَحْلِيَةً مُتَضَمِّنَةً لِتَخْلِيَةٍ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْمُتَلَازِمَيْنِ (قَوْلُهُ وَأَفْعَالِهِ الْقَلْبِيَّةِ إلَخْ) أَيْ الْمُشَارِ لَهَا بِقَوْلِهِ وَالْعَمَلِ (قَوْلُهُ والجوارحية) مَعْطُوفٌ عَلَى الْقَلْبِيَّةِ (قَوْلُهُ غَيْرِ اللِّسَانِ) إنَّمَا أَخْرَجَ اللِّسَانَ لِدَفْعِ التَّكْرَارِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْعَمَلَ يُطْلَقُ عَلَى فِعْلِ اللِّسَانِ كَمَا بَيَّنَّا (قَوْلُهُ أَنْ لَا يَخْلُقَ اللَّهُ) أَيْ فَهِيَ عَدَمُ تَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ بِوُجُودِ ذَنْبٍ فِي الْعَبْدِ فَظَهَرَ أَنَّ الْعِصْمَةَ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ لَا وُجُودِيٌّ وَقَوْلُهُ ذَنْبًا أَيْ أَيَّ ذَنْبٍ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، ثُمَّ إنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ نُقِضَ بِكَثِيرٍ مِنْ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ بَلَغُوا وَمَاتُوا قَرِيبَ بُلُوغِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْصُوا أَيْ مِنْ غَيْرِ إمْكَانِ الْمَعْصِيَةِ وَقَدْ صَدَقَ مَعْنَى الْعِصْمَةِ فِي حَقِّهِمْ مَعَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مَعْصُومِينَ وَكَذَلِكَ الْمَيِّتُ وَمَنْ مَنَعَهُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ مَانِعٌ فَالْأَوْلَى مَا فَسَّرَهَا بِهِ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ عَدَمُ خَلْقِ اللَّهِ الذَّنْبَ فِي الْعَبْدِ مَعَ بَقَاءِ الْقُدْرَةِ وَالِاخْتِيَارِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ نَفْيَ الذَّنْبِ فَرْعٌ عَنْ إمْكَانِهِ فَهُوَ مُحْرِزٌ لِقَيْدِ الْقُدْرَةِ وَالِاخْتِيَارِ (قَوْلُهُ وَعِنْدَ الْحُكَمَاءِ) مُقَابِلُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهُمْ قَوْمٌ كُفَّارٌ (قَوْلُهُ مَلَكَةٌ) أَيْ كَيْفِيَّةٌ رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ (قَوْلُهُ تَمْنَعُ الْفُجُورَ) أَيْ الْمَعَاصِيَ عَقْلًا أَيْ بِحَيْثُ تَكُونُ هِيَ الْمُؤَثِّرَةُ فِي ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ بِطَرِيقِ جَرْيِ الْعَادَةِ) هَذَا هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحُكَمَاءِ وَسَكَتَ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُمْ عُصَاةٌ وَالْقَوْلُ بِالْمَنْعِ الْعَقْلِيِّ يَقْتَضِي الْكُفْرَ فَيَظْهَرُ أَنَّهُمْ مُوَافِقُونَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ، ثُمَّ إذَا عَلِمْت ذَلِكَ أَقُولُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَقُولَ تُمْنَعُ عَقْلًا وَالْمُؤَثِّرُ هُوَ اللَّهُ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ كَوْنِهِ مُخْتَارًا بِأَنْ يُقَالَ إنَّ الْمَوْلَى تَعَالَى إنْ شَاءَ أَبْقَى الْمَلَكَةَ الْمَذْكُورَةَ فَلَا تَقَعُ الْمَعْصِيَةُ قَطْعًا، وَإِنْ شَاءَ أَزَالَهَا فَتَقَعُ الْمَعْصِيَةُ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الِاخْتِيَارَ فِي بَقَاءِ الْمَلَكَةِ وَالطَّاعَةِ أَوْ إزَالَتِهَا كَمَا قِيلَ فِي الْجَوْهَرِ وَالْعَرَضِ إنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ عَقْلًا وَلَا يَمْنَعُ اخْتِيَارَ الْمَوْلَى تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ إنْ شَاءَ أَوْجَدَهُمَا مَعًا، وَإِنْ شَاءَ أَعْدَمَهُمَا مَعًا وَكَمَا قَالُوا فِي التَّلَازُمِ بَيْنَ النَّتِيجَةِ وَالْقِيَاسِ عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ بِالتَّلَازُمِ الْعَقْلِيِّ بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ وَأَصْلُ زَلَلْت إلَخْ) أَيْ إنَّهُ إذَا أَسْنَدَ إلَى الضَّمِيرِ يُفَكُّ مِنْ الْإِدْغَامِ أَيْ وَأَصْلُهُ قَبْلَ الْإِسْنَادِ إلَى الضَّمِيرِ زَلَّ بِدُونِ إدْغَامٍ (قَوْلُهُ يَزِلُّ) مِنْ بَابِ ضَرَبَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الزَّلْقُ فِي الطِّينِ أَوْ الْمَنْطِقِ) أَيْ النُّطْقِ إلَخْ لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا وَمَجَازٌ فِي الزَّلْقِ فِي الْفِعْلِ غَيْرِ النُّطْقِيِّ فَإِذَنْ يَكُونُ مُنَافِيًا لِصَدْرِ الْعِبَارَةِ مِنْ أَنَّهُ مَجَازٌ فِي النُّطْقِ وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ زَلَّ فِي مَنْطِقِهِ أَوْ فِعْلِهِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ الْفِعْلَ أَعَمُّ فَهِيَ عِبَارَاتٌ ثَلَاثَةٌ مُتَنَافِيَةٌ إنْ كَانَ كَلَامُ الْمِصْبَاحِ مُفَسِّرًا لِلْحَقِيقَةِ وَوَقَفْت عَلَى نُسْخَةٍ فِي الْأَسَاسِ وَقَعَ فِي ظَنِّي أَنَّ فِيهَا سَقْطًا وَعَلَيْهِ فَتَكُونُ مُؤَيِّدَةً لِلتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ الْمُصَرِّحِ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الزَّلْقِ فِي الطِّينِ وَحْدَهُ (قَوْلُهُ أُرِيدَ بِهِ لَازِمُهُ) أَيْ فَهُوَ كِنَايَةٌ لِجَوَازِ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ.
(قَوْلُهُ فِي الْعَرَضِ) مَوْضِعُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ مِنْ الْإِنْسَانِ وَأَوْ فِي ذَلِكَ مَانِعَةُ خُلُوٍّ تُجَوِّزُ الْجَمْعَ (قَوْلُهُ أَوْ الْمَالِ) كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ مِنْ كَوْنِ الْإِنْسَانِ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ذَهَابُ مَالِهِ بَلْ يَتَرَتَّبُ ذَهَابُ نَفْسِهِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ النَّقْصَ فِي الْعَرْضِ يَتَرَتَّبُ عَلَى الزَّلْقِ فِي الْمَنْطِقِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ وَكَذَا الزَّلْقُ فِي الطِّينِ إذَا تَعَاطَى أَسْبَابَهُ وَالنَّقْصُ فِي الْمَالِ تَرَتُّبُهُ عَلَى الزَّلْقِ فِي الْمَنْطِقِ ظَاهِرٌ وَكَذَا فِي الطِّينِ مِنْ حَيْثُ تَلَوُّثُ ثِيَابِهِ الَّتِي يُنْقِصُ قِيمَتَهَا الْغَسْلُ وَلَا بُدَّ مِنْهُ أَوْ يَكُونُ مَعَهُ شَيْءٌ يَسْقُطُ فِي الطِّينِ فَيَتْلَفُ، وَأَمَّا الدَّيْنُ فَتَرَتُّبُهُ عَلَى الزَّلْقِ فِي الْمَنْطِقِ ظَاهِرٌ وَكَذَا فِي الطِّينِ إذَا تَعَاطَى أَسْبَابَهُ وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَوَاتُ طَاعَةٍ
стр. 51
أَوْ الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَهِيَ حِينَئِذٍ عِصْمَةٌ مُطْلَقَةٌ سَأَلَهَا الْمُؤَلِّفُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْجَوَازِ لِذَلِكَ وَالتَّوْفِيقُ جَعْلُ الْأَسْبَابِ مُتَوَافِقَةٌ أَوْ اسْتِعْدَادُ الْإِقْدَامِ عَلَى الشَّيْءِ وَقِيلَ جَعَلَ اللَّهُ فِعْلَ الْعَبْدِ مُوَافِقًا لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَقِيلَ هُوَ الْأَمْرُ الْمُقَرِّبُ إلَى السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ وَالنِّعَمِ السَّرْمَدِيَّةِ وَالْهِدَايَةُ هِيَ الدَّلَالَةُ عَلَى طَرِيقٍ يُوَصِّلُ إلَى الْمَطْلُوبِ سَوَاءٌ حَصَلَ الْوُصُولُ وَالِاهْتِدَاءُ أَمْ لَمْ يَحْصُلْ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ الدَّلَالَةُ الْمُوَصِّلَةُ إلَى الْمَطْلُوبِ وَضِدُّ التَّوْفِيقِ الْخِذْلَانُ، وَهُوَ خَلْقُ قُدْرَةِ الْمَعْصِيَةِ فِي الْعَبْدِ وَالْمُخْتَصُّ بِالْمُتَعَلِّمِ مِنْ التَّوْفِيقِ أَرْبَعَةٌ شِدَّةُ الْعِنَايَةِ وَذَكَاءُ الْقَرِيحَةِ وَمُعَلِّمٌ ذُو نَصِيحَةٍ وَاسْتِوَاءُ الطَّبِيعَةِ أَيْ خُلُوُّهَا مِنْ الْمَيْلِ لِغَيْرِ مَا يُلْقَى إلَيْهَا قَالَ بَعْضُهُمْ إذَا جَمَعَ الْعَالِمُ ثَلَاثًا تَمَّتْ النِّعْمَةُ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ الصَّبْرَ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ أَوْ الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ) أَيْ مَنْ زَلَّ فِي مَنْطِقِهِ فَقَدْ نَقَصَ فِي قَوْلِهِ أَوْ فِي فِعْلِهِ وَقَوْلُهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ كَعِلْمِهِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ التَّكَلُّمَ بِمَا لَا يَنْبَغِي يُوجِبُ كَسَلًا عَنْ الطَّاعَاتِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ النَّقْصِ فِي الدِّينِ النَّقْصُ فِي الْعَرَضِ وَكَذَا يَلْزَمُ مِنْ نَقْصِهِ فِي قَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ النَّقْصُ فِي الدِّينِ وَعَلَيْك بِالتَّأَمُّلِ فِي بَقِيَّةِ أَطْرَافِ الْكَلَامِ فَإِنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ يُنَبِّهُ عَلَى الْبَاقِي (قَوْلُهُ فَهِيَ) أَيْ الْعِصْمَةُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ يَعْصِمُنَا (قَوْلُهُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ قُلْنَا أُرِيدَ بِهِ لَازِمُهُ مِنْ النَّقْصِ؛ لِأَنَّ مَنْ زَلَّ فَقَدْ إلَخْ (قَوْلُهُ وَفِيهِ) أَيْ سُؤَالِ الْمُؤَلِّفِ (قَوْلُهُ لِذَلِكَ) أَيْ لِسُؤَالِ الْعِصْمَةِ الْمُطْلَقَةِ أَيْ لَمْ تُقَيَّدْ بِذَنْبٍ مَخْصُوصٍ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا؛ لِأَنَّ الْمُؤَلِّفَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ الَّذِينَ يُقَلِّدُونَ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَمُقَابِلُ ذَلِكَ عَدَمُ جَوَازِ سُؤَالِهَا؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ إنَّمَا هِيَ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهَا فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَاجِبَةٌ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِمْ جَائِزَةٌ وَسُؤَالُ الْجَائِزِ جَائِزٌ وَأَنَّ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وُقُوعُهَا لَهُمْ لَا طَلَبُهَا إلَّا أَنَّ الْأَدَبَ سُؤَالُ الْحِفْظِ وَالْحِفْظُ فِي حَقِّنَا الْعِصْمَةُ وَقَدْ يَكُونُ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ هُنَا اهـ.
وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَالْوَجْهُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ إنْ قَصَدَ التَّوَقِّيَ مِنْ جَمِيعِ الْمَعَاصِي وَالرَّذَائِلِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ امْتَنَعَ؛ لِأَنَّهُ سُؤَالُ مَقَامِ النُّبُوَّةِ أَوْ التَّحَفُّظُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَالتَّحَصُّنُ مِنْ أَفْعَالِ السُّوءِ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ وَيَبْقَى الْكَلَامُ حَالَ الْإِطْلَاقِ قَالَ بَعْضٌ وَالْمُتَّجَهُ الْجَوَازُ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ لِلْمَحْذُورِ وَاحْتِمَالِهِ الْوَجْهَ الْجَائِزَ أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ (قَوْلُهُ مُتَوَافِقَةً) أَيْ جَعْلُ أَسْبَابِ الشَّيْءِ مُجْتَمِعَةً وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ تَحْصِيلُ أَسْبَابِ الشَّيْءِ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ وَلَوْ دُنْيَوِيًّا (قَوْلُهُ أَوْ اسْتِعْدَادَ إلَخْ) يَرْجِعُ لِلْمَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ تَحْصِيلَ أَسْبَابِ الشَّيْءِ اسْتِعْدَادٌ لِلْإِقْدَامِ عَلَيْهِ وَيَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ هَذَانِ الْمَعْنَيَانِ لُغَوِيَّيْنِ، وَإِنْ كَانَ فِي عِبَارَةِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ فِي اللُّغَةِ التَّأْلِيفُ سَائِقًا لَهُ بَعْدَ تَفْسِيرِهِ بِمَا يُؤْذِنُ أَنَّهُ بِالْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ شَرْعِيٌّ (قَوْلُهُ جَعَلَ اللَّهُ فِعْلَ الْعَبْدِ مُوَافِقًا إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ لِمَنْ يُفَسِّرُهُ بِأَنَّهُ خَلْقُ الطَّاعَةِ بَلْ وَيَرْجِعُ لِمَنْ فَسَّرَهُ بِخَلْقِ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ (فَإِنْ قُلْت) الْقُدْرَةُ عَلَى الطَّاعَةِ تَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ مُكَلَّفٍ فَلَا يَصِحُّ الثَّانِي (قُلْت) يُرَادُ بِالْقُدْرَةِ الْعَرْضُ الْمُقَارِنُ لِلْفِعْلِ وَبَعْدُ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّوْفِيقَ مَا بِهِ الْوِفَاقُ، وَهُوَ يَكُونُ بِخَلْقِ الطَّاعَةِ، وَإِنْ صَاحَبَهَا خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ وَيَرْضَاهُ) عَطْفٌ عَلَى يُحِبُّهُ أَمَّا مَذْهَبُ السَّلَفِ فَمَعْنَى الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا مُفَوَّضٌ إلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْخَلَفِ فَيَرْجِعَانِ لِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ الْإِنْعَامُ أَوْ إرَادَةُ الْإِنْعَامِ (قَوْلُهُ هُوَ الْأَمْرُ الْمُقَرِّبُ) ، وَهُوَ التَّوْفِيقُ الْمَذْكُورُ أَوْ يُقَدَّرُ مُضَافٌ وَالتَّقْدِيرُ هُوَ خَلْقُ الْأَمْرِ الْمُقَرِّبِ وَيُرَادُ بِهِ الطَّاعَاتُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّوْفِيقَ صِفَةُ الْمَوْلَى تَعَالَى وَالْأَمْرُ الْمُقَرِّبُ عَلَى هَذَا صِفَةُ الْعَبْدِ وَلَا يَصِحُّ تَفْسِيرُ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي (قَوْلُهُ السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ) أَيْ الْمَنْسُوبَةِ لِلْأَبَدِ، وَهُوَ الدَّهْرُ الطَّوِيلُ الَّذِي لَيْسَ بِمَحْدُودٍ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ فَالْمَعْنَى السَّعَادَةُ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَهِيَ الْحُلُولُ فِي الْجَنَّةِ (قَوْلُهُ وَالنِّعَمِ السَّرْمَدِيَّةِ) أَيْ الْمَنْسُوبَةِ لِلسَّرْمَدِ، وَهُوَ الدَّوَامُ أَيْ النِّعَمِ الدَّائِمَةِ الَّتِي لَا تَنْقَضِي أَيْ النِّعَمِ الَّتِي يُتَنَعَّمُ بِهَا فِي الْجِنَانِ وَعَلَى هَذَا فَالنِّعَمُ غَيْرُ السَّعَادَةِ إلَّا أَنَّهَا أَمْرٌ لَازِمٌ لَهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ الْحُلُولُ فِي الْجَنَّةِ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ النِّعَمِ الْأُخْرَوِيَّةِ جَعَلَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَالْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ بِدُونِ سَابِقَةِ عَذَابٍ وَلَا مِحْنَةٍ وَلَا عِتَابٍ فَإِنَّهُ جَوَّادٌ كَرِيمٌ وَرَبٌّ رَحِيمٌ.
(قَوْلُهُ حَصَلَ الْوُصُولُ) أَيْ الْوُصُولُ لِلْمَطْلُوبِ وَقَوْلُهُ وَالِاهْتِدَاءُ أَيْ كَوْنُهُ مَهْدِيًّا الَّذِي هُوَ الْمَطْلُوبُ فَهُوَ مُغَايِرٌ لِمَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْوُصُولَ لِلشَّيْءِ غَيْرُ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَإِنْ تَلَازَمَا (قَوْلُهُ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ الدَّلَالَةُ الْمُوَصِّلَةُ) أَيْ فَهِيَ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ أَخَصُّ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ كُلًّا مِنْ التَّعْرِيفَيْنِ مَنْقُوضٌ الْأَوَّلُ مَنْقُوضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] وَبِقَوْلِهِ ﵊ «اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي» مَعَ أَنَّهُ بَيَّنَ الطَّرِيقَ وَدَعَاهُمْ إلَى الِاهْتِدَاءِ وَالثَّانِي مَنْقُوضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] فَالْأَوْلَى تَفْسِيرُهَا فِي كُلِّ مَحَلٍّ بِمَا يُنَاسِبُهُ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ خَلْقُ قُدْرَةِ الْمَعْصِيَةِ) أَيْ أَوْ خَلْقُ الْمَعْصِيَةِ لَمْ يَأْتِ بِأَقْوَالٍ فِي الْخِذْلَانِ عَلَى طِبْقِ مَا ذَكَرَ فِي التَّوْفِيقِ مَعَ أَنَّهُ ضِدُّهُ فَمَا جَرَى فِي التَّوْفِيقِ مِنْ الْأَقْوَالِ يَأْتِي هُنَا لَكِنْ عَلَى الضِّدِّ وَلَعَلَّ اقْتِصَارَهُ عَلَى ذَلِكَ يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمَعْنَيَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فِي التَّوْفِيقِ لُغَوِيَّانِ خِلَافُ مَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ الشَّارِحِ مِنْ أَنَّهُمَا شَرْعِيَّانِ (قَوْلُهُ مِنْ التَّوْفِيقِ) أَيْ مِنْ آثَارِ التَّوْفِيقِ (قَوْلُهُ شِدَّةُ الْعِنَايَةِ) أَيْ الِاهْتِمَامِ (قَوْلُهُ الْقَرِيحَةِ) أَيْ إنَّ الْقَرِيحَةَ أَوَّلُ مَا يُسْتَنْبَطُ مِنْ الْبِئْرِ، ثُمَّ نُقِلَتْ لِأَوَّلِ مُسْتَنْبَطٍ مِنْ الْعِلْمِ، ثُمَّ نُقِلَتْ لِلْعَقْلِ مَجَازًا مُرْسَلًا مِنْ قَبِيلِ إطْلَاقِ اسْمِ الْحَالِ عَلَى الْمَحَلِّ وَقَوْلُهُ وَمُعَلِّمٌ ذُو نَصِيحَةٍ بِأَنْ يُتْقِنَ مَا قَرَأَهُ مِنْ الْعُلُومِ وَيُبَلِّغَ الْمَقْصُودَ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ (قَوْلُهُ مِنْ الْمَيْلِ) أَيْ خُلُوِّ الطَّبِيعَةِ مِنْ أَنْ تَمِيلَ إلَى غَيْرِ مَا يُلْقَى إلَيْهَا، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الطَّبِيعَةَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ مِزَاجُ الْإِنْسَانِ الْمُرَكَّبُ مِنْ الْأَخْلَاطِ اهـ.
فَإِذَنْ يَكُونُ إسْنَادُ الْمَيْلِ إلَيْهَا مَجَازٌ عَقْلِيٌّ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَصْفٌ لِلنَّفْسِ فَالْإِسْنَادُ إلَيْهَا حَقِيقِيٌّ (قَوْلُهُ الصَّبْرَ إلَخْ) أَيْ عَلَى الْإِلْقَاءِ وَعَلَى أَسْئِلَةِ.
стр. 52
وَالتَّوَاضُعَ وَحُسْنَ الْخُلُقِ وَإِذَا جَمَعَ الْمُتَعَلِّمُ ثَلَاثًا تَمَّتْ النِّعْمَةُ عَلَى الْعَالِمِ الْعَقْلَ وَالْأَدَبَ وَحُسْنَ الْفَهْمِ فَمَنْ أَرَادَ الرِّفْعَةَ فَلْيَتَوَاضَعْ لِلَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ الْعِزَّةَ لَا تَقَعُ إلَّا بِقَدْرِ النُّزُولِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَاءَ لَمَّا نَزَلَ إلَى أَصْلِ الشَّجَرَةِ صَعِدَ إلَى أَعْلَاهَا فَكَأَنَّ سَائِلًا سَأَلَهُ مَا صَعِدَ بِكَ هَاهُنَا أَعْنِي فِي رَأْسِ الشَّجَرَةِ وَأَنْتَ قَدْ نَزَلْت فِي أَصْلِهَا فَكَأَنَّ لِسَانَ حَالِهِ يَقُولُ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ.
(ص) ، ثُمَّ أَعْتَذِرُ لِذَوِي الْأَلْبَابِ مِنْ التَّقْصِيرِ الْوَاقِعِ فِي هَذَا الْكِتَابِ (ش) لِمَا أَعْلَمُ بِمَا سَأَلَ مِنْ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِمَا يُرِيدُهُ مِنْ الْخَلْقِ، وَهُوَ أَنَّهُ اعْتَذَرَ إلَى ذَوِي الْأَلْبَابِ أَيْ أَصْحَابِ الْعُقُولِ الرَّاجِحَةِ مِنْ التَّقْصِيرِ الْوَاقِعِ مِنْهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَمَعْنَى أَعْتَذِرُ أَيْ أَطْلُبُ مِنْهُمْ أَنْ يَعْذِرُونِي أَيْ يَقْبَلُوا اعْتِذَارِي إلَيْهِمْ فَيَجُوزُ فِي
ــ
[حاشية العدوي]
الطَّلَبَةِ وَأَحْوَالِهِمْ الَّتِي تَقْتَضِي التَّغْيِيرَ وَقَوْلُهُ وَالتَّوَاضُعَ أَيْ لِلْعِبَادِ أَوْ الطَّلَبَةِ؛ لِأَنَّ بِالتَّوَاضُعِ يُقْبَلُ عَلَيْهِ لِلتَّعْلِيمِ وَالْأَخْذِ عَنْهُ وَبِالْكِبْرِ تَنْفِرُ النَّاسُ مِنْهُ وَمِنْ عِلْمِهِ (فَائِدَةٌ) قِيلَ التَّوَاضُعُ الِانْكِسَارُ وَالتَّذَلُّلُ وَقِيلَ هُوَ خَفْضُ الْجَنَاحِ لِلْخَلْقِ وَلِينِ الْجَانِبِ لَهُمْ وَقَالَ الْفُضَيْلُ يَخْضَعُ لِلْحَقِّ وَيَنْقَادُ لَهُ وَيَقْبَلُهُ مِمَّنْ قَالَهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا شَرِيفًا أَوْ وَضِيعًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (قَوْلُهُ وَحُسْنَ الْخُلُقِ) فَقَدْ نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ مَا شَيْءٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ عَالِمٍ مَعَهُ حِلْمٌ إنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِعِلْمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ بِحِلْمٍ يَقُولُ الشَّيْطَانُ إنَّ سُكُوتَهُ عَلَيَّ أَشَدُّ مِنْ كَلَامِهِ اهـ.
وَمِنْ ذَلِكَ يُسْتَفَادُ أَنَّ الْأَوْلَى لِلْعَالِمِ أَنْ يَكُونَ قَلِيلَ الْكَلَامِ جِدًّا إلَّا فِيمَا يُعْنِي وَمِنْ حِكَمِ إمَامِنَا نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ مَنْ صَدَقَ فِي حَدِيثِهِ مُتِّعَ بِعَقْلِهِ وَلَمْ يُصِبْهُ مَا يُصِيبُ النَّاسَ مِنْ الْهَرَمِ وَالْخَرَفِ وَقَالَ لَا يَصْلُحُ الرَّجُلُ حَتَّى يَتْرُكَ مَا لَا يَعْنِيهِ وَيَشْتَغِلُ بِمَا يَعْنِيهِ وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ يُوشِكُ أَنْ يُفْتَحَ لَهُ قَلْبُهُ وَقَالَ كَثْرَةُ الْكَلَامِ تَمُجُّ الْعَالِمَ وَتُذِلُّهُ وَتُنْقِصُهُ وَمَنْ عَمِلَ هَذَا ذَهَبَ بَهَاؤُهُ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ إلَّا فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَكَانَ يَقُولُ نِعْمَ الرَّجُلُ فُلَانٌ لَوْلَا أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ شَهْرٍ فِي يَوْمٍ وَقَالَ طَلَبُ الرِّزْقِ فِي شُبْهَةٍ خَيْرٌ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى النَّاسِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَوَاضُعَ الْعَالِمِ لِلَّهِ وَصَبْرَهُ وَحُسْنَ خُلُقِهِ يُحَصِّلُ نَفْعَ الطَّالِبِ بَلْ حُسْنُ الْخُلُقِ مُسْتَلْزِمٌ لِلصَّبْرِ بَلْ وَلِلتَّوَاضُعِ فَهُوَ مَعْنًى جَامِعٌ.
(قَوْلُهُ الْعَقْلَ) أَيْ كَمَالَ الْعَقْلِ وَمِنْ لَوَازِمِهِ الْأَدَبُ فَعَطَفَ الْأَدَبَ عَلَيْهِ مِنْ عَطْفِ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ (قَوْلُهُ وَالْأَدَبَ) أَيْ التَّخَلُّقَ بِالْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ مِنْ امْتِثَالِهِ أَمْرَ شَيْخِهِ وَرُؤْيَتِهِ إيَّاهُ بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ وَعَدَمِ اعْتِرَاضِهِ عَلَيْهِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَمِنْ اعْتِقَادِهِ صَلَاحَ شَيْخِهِ وَإِذَا رَأَى مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ الشَّرْعِ أَوَّلَهُ بِتَأْوِيلٍ حَسَنٍ وَقَدْ وَرَدَ عَنْ الثِّقَاتِ قِيرَاطٌ مِنْ الْأَدَبِ خَيْرٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ قِيرَاطًا مِنْ الْعِلْمِ وَاجْعَلْ أَدَبَك دَقِيقًا وَعِلْمَك مِلْحًا، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ مُرَادَهُ بِالْعَقْلِ الْعَقْلُ الْكَامِلُ فَإِذَنْ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالْأَدَبِ التَّلَازُمُ (قَوْلُهُ وَحُسْنَ الْفَهْمِ) أَيْ وَالْفَهْمِ الْحَسَنِ الْحَاصِلِ بِسُهُولَةِ الْوَاقِفِ عَلَى الْحَقِيقَةِ (قَوْلُهُ فَمَنْ أَرَادَ الرِّفْعَةَ) أَيْ دُنْيَا وَأُخْرَى انْتِقَالٌ قَصَدَ بِهِ إرْشَادَ النَّاسِ عُمُومًا وَلِأَهْلِ الْعِلْمِ خُصُوصًا (قَوْلُهُ فَلْيَتَوَاضَعْ لِلَّهِ تَعَالَى) فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَتَعَلَّمُوا لِلْعِلْمِ السَّكِينَةَ وَالْوَقَارَ وَتَوَاضَعُوا لِمَنْ تَعَلَّمُونَ مِنْهُ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ تَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ فَحُذِفَتْ إحْدَى التَّاءَيْنِ لِلتَّخْفِيفِ فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يُنَالُ إلَّا بِالتَّوَاضُعِ وَإِلْقَاءِ السَّمْعِ وَتَوَاضُعُ الطَّالِبِ لِشَيْخِهِ رِفْعَةٌ وَذُلُّهُ لَهُ عِزٌّ وَخُضُوعُهُ لَهُ فَخْرٌ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ التَّوَاضُعَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْوَالِدِ وَالشَّيْخِ وَالسُّلْطَانِ وَاجِبٌ وَلِلْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُمْ مُسْلِمِينَ مَنْدُوبٌ وَلِأَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ حَيْثُ دُنْيَاهُمْ حَرَامٌ كَمَا أَفَادَهُ الْعُلَمَاءُ.
فَإِذَنْ قَوْلُهُ لِلَّهِ لَا مَفْهُومَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ أَوْ يُجَابُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مُتَوَاضِعًا لِلَّهِ التَّوَاضُعُ لِهَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّ رَبَّنَا أَمَرَ بِالتَّوَاضُعِ لَهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَتَوَاضَعْ لَهُمْ فَلَا يَكُونُ مُتَوَاضِعًا لِلَّهِ فَتَدَبَّرْ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ لِلَّهِ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ فَلْيَتَوَاضَعْ لِلْعِبَادِ وَلِلَّهِ لِأَجْلِ اللَّهِ (قَوْلُهُ صَعِدَ) فِي الْمِصْبَاحِ صَعِدَ فِي السُّلَّمِ وَالدَّرَجَةِ يَصْعَدُ مِنْ بَابِ تَعِبَ صُعُودًا اهـ.
(قَوْلُهُ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ إلَخْ) اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ أَوْ لِلتَّعْدِيَةِ
١ -
(قَوْلُهُ: ثُمَّ أَعْتَذِرُ) إنَّمَا عَطَفَ الْمُؤَلِّفُ هَذِهِ الْجُمْلَةَ بِثُمَّ؛ لِأَنَّهُ طَلَبٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعَاظَمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا فَهَرَبَ مِنْ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ لِمَا تُوهِمُهُ مِنْ التَّشْرِيكِ امْتِثَالًا لِمَا فِي الصَّحِيحِ «لَا يَقُلْ أَحَدٌ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ وَلَكِنْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ مَا شَاءَ فُلَانٌ» لِمَا تُعْطِيهِ مِنْ تَرَاخِي الثَّانِي عَنْ الْأَوَّلِ وَعَطَفَ الَّتِي قَبْلَهَا بِالْوَاوِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ اللَّهِ وَاَلَّتِي بَعْدَ هَذِهِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْعَبِيدِ وَلِذَوِي الْأَلْبَابِ وَمِنْ التَّقْصِيرِ مُتَعَلِّقَانِ بِأَعْتَذِرُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ اللَّامَ لِلِانْتِهَاءِ وَمِنْ لِلتَّعْلِيلِ ك (قَوْلُهُ التَّقْصِيرِ) هُوَ عَدَمُ بَذْلِ الْوُسْعِ فِي تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ أَيْ مِنْ خَلَلِ التَّقْصِيرِ أَوْ عَيْبِهِ أَوْ لَوَاحِقِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ إنْ كَانَ وَحَاشَاهُ قَائِمٌ بِهِ لَا بِالْكِتَابِ، ثُمَّ الْمُرَادُ مَا يَظُنُّ أَنَّهُ تَقْصِيرٌ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ لِلشَّخْصِ ارْتِكَابُ الْخَطَأِ، ثُمَّ يَعْتَذِرُ عَنْهُ وَقَوْلُهُ الْوَاقِعِ فِيهِ كَمَالُ هَضْمِ النَّفْسِ حَيْثُ نَزَّلَ ظَنَّ التَّقْصِيرِ مَنْزِلَةَ الْوَاقِعِ الْمُحَقَّقِ الْوُقُوعِ فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمُبَالَغَةُ وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ الشَّيْخِ الْفَقِيهِ الْفَاضِلِ نَاصِرِ الدِّينِ الْإِسْحَاقِيِّ الْمِصْرِيِّ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ هَذَا الْمُخْتَصَرَ إنَّمَا لَخَصَّ مِنْهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ إلَى النِّكَاحِ وَبَاقِيهِ وُجِدَ فِي تَرِكَتِهِ مُفَرَّقًا فِي أَوْرَاقٍ مُسَوَّدَةٍ فَجَمَعَهُ أَصْحَابُهُ وَضَمُّوهُ إلَى مَا لُخِّصَ فَكَمُلَ وَنَفَعَ اللَّهُ بِهِ ك.
(قَوْلُهُ أَيْ أَصْحَابِ) ، فَإِنْ قُلْت لِمَ عَدَلَ عَنْ أَصْحَابِ إلَى ذَوِي قُلْت إنَّمَا عَدَلَ إلَيْهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى عِظَمِ مَدْخُولِهَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٤٣] إنَّ إدْخَالَ ذُو يَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ فَضْلِهِ وَكَثْرَتِهِ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْخَطِيبِ (قَوْلُهُ الْعُقُولِ الرَّاجِحَةِ) اعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الْقَامُوسِ فَسَّرَ اللُّبَّ بِالْعَقْلِ وَيُمْكِنُ تَمْشِيَةُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ وَيَكُونُ الْوَصْفُ بِالرُّجْحَانِ أَخَذَهُ الشَّارِحُ مِنْ جَعْلِ أَلْ فِي الْأَلْبَابِ لِلْكَمَالِ وَصَرِيحُ كَلَامِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ اللُّبَّ الْعَقْلُ الرَّاجِحُ فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْعَقْلِ فَيَكُونُ الْوَصْفُ بِالرُّجْحَانِ مِنْ تَمَامِ تَفْسِيرِ اللُّبِّ لَا مِنْ جَعْلِ أَلْ لِلْكَمَالِ (قَوْلُهُ فَيَجُوزُ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ الَّذِي يَتَفَرَّعُ عَلَى الْحَلِّ الْمَذْكُورِ إنَّمَا هُوَ الْإِنْشَائِيَّةُ لَا الْخَبَرِيَّةُ الْمُشَارُ لَهَا بِقَوْلِهِ وَالْخَبَرُ
стр. 53
أَعْتَذِرُ الْإِنْشَاءُ أَيْ أَسْأَلُ قَبُولَ الْعُذْرِ وَالْخَبَرُ أَيْ أَبُثُّ اعْتِذَارِي وَأَقُولُ لِذَوِي الْأَلْبَابِ، وَقَبُولُ الْعُذْرِ مِنْ الْمُعْتَذِرِينَ شَأْنُ كِرَامِ النَّاسِ وَالْكِرَامُ أَهْلُ التَّقْوَى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وَهُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ [المائدة: ١٠٠] وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُنْذَرِينَ وَالْمُبَشِّرِينَ وَإِنَّمَا خَصَّصَ ذَوِي الْأَلْبَابِ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ وَانْظُرْ تَعْرِيفَ الْعَقْلِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِمَرْجِعِ الْإِشَارَةِ فِي شَرْحِنَا الْكَبِيرِ.
(ص) وَأَسْأَلُ بِلِسَانِ التَّضَرُّعِ وَالْخُشُوعِ وَخِطَابِ التَّذَلُّلِ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ أَيْ أَسْأَلُ قَبُولَ الْعُذْرِ) فَالْعُذْرُ وَالِاعْتِذَارُ شَيْءٌ وَاحِدٌ (قَوْلُهُ أَيْ أَبُثُّ) أَيْ أُظْهِرُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَكُونُ إخْبَارًا عَنْ شَيْءٍ حَاصِلٍ بِهَذَا اللَّفْظِ كَمَا فِي قَوْلِهِ أَتَكَلَّمُ مُخْبِرًا عَنْ تَكَلُّمٍ حَصَلَ بِهَذَا اللَّفْظِ (قَوْلُهُ وَأَقُولُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ وَالْكِرَامُ أَهْلُ التَّقْوَى) أَتَى بِهِ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّهُمْ الْبَاذِلُونَ الدُّنْيَا، وَإِنْ كَانُوا عُصَاةً (قَوْلُهُ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] دَلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَالْكِرَامُ أَهْلُ التَّقْوَى (قَوْلُهُ وَهُمْ) أَيْ أَهْلُ التَّقْوَى (قَوْلُهُ أُولُو الْأَلْبَابِ) أَيْ أَصْحَابُ الْعُقُولِ الرَّاجِحَةِ.
(قَوْلُهُ ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩] أَتَى بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ أَهْلَ التَّقْوَى أُولُو الْأَلْبَابِ؛ لِأَنَّهُ أَسْنَدَ التَّذَكُّرَ لِأُولِي الْأَلْبَابِ وَطَلَبَ التَّقْوَى مِنْهُمْ وَلَا يَتَذَكَّرُ إلَّا الْمُتَّقِي وَلَا يُخَاطَبُ بِالتَّقْوَى خِطَابًا نَافِعًا إلَّا أَهْلُ التَّقْوَى فَإِذَنْ يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ [الطلاق: ١٠] دُومُوا عَلَى التَّقْوَى أَوْ زِيدُوا فِي التَّقْوَى لِمَا عُلِمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ مِنْ أَنَّ لَهَا مَرَاتِبَ ثَلَاثَةً فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ وَلَا أَحَدَ أَحَبَّ إلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ) أَحَدَ اسْمُهَا وَأَحَبَّ صِفَتُهُ وَالْعُذْرُ فَاعِلٌ بِأَحَبَّ وَإِلَيْهِ حَالٌ مِنْ الْعُذْرُ وَأَحَبَّ بِمَعْنَى مَحْبُوبِيَّةً وَمِنْ بِمَعْنَى بَدَلَ نَحْوُ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ أَيْ بَدَلَ الْآخِرَةِ فَالْمَعْنَى لَا أَحَدَ مَوْصُوفٌ بِأَنَّ الْعُذْرَ أَحَبُّ الْأَشْيَاءِ إلَيْهِ بَدَلَ اللَّهِ أَيْ غَيْرَ اللَّهِ أَيْ بَلْ اللَّهُ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِأَنَّ الْعُذْرَ أَشَدُّ الْأَشْيَاءِ حُبًّا إلَيْهِ أَيْ مَحْبُوبِيَّةً لَهُ فَظَهَرَ أَنَّ مِنْ خَبَرُ لَا (قَوْلُهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَا أَحَدَ أَحَبَّ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَوْلَى فَاعِلٌ مُخْتَارٌ مَالِكٌ لِلْخَلْقِ بِأَجْمَعِهِمْ فَلَوْ عَذَّبَ الْخَلْقَ بِدُونِ إرْسَالِ رُسُلٍ لَمَا لَحِقَهُ لَوْمٌ؛ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ الْحَقِيقِيُّ يَتَصَرَّفُ فِي مُلْكِهِ كَيْفَ شَاءَ فَبَعْثَتُهُ الرُّسُلَ لِلْخَلْقِ وَلَمْ يُعَذِّبْهُمْ إلَّا بِالْمُخَالَفَةِ بَعْدَهَا قَطْعًا لِعُذْرِهِمْ مَعَ أَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُمْ وَلَوْ لَمْ يُرْسِلْ رُسُلًا لَمَا تَقَدَّمَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا أَحَدَ أَحَبَّ مِنْ اللَّهِ لِقَبُولِ الْعُذْرِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ) عَطْفُ الرَّحْمَةِ عَلَى مَا قَبْلَهُ تَفْسِيرٌ أَيْ وَأَهْلُ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَوَاهِبَ وَالْمَزَايَا مِنْ اللَّهِ وَأَنَّ مَقَامَ الْعَبْدِ حَيْثُ أَقَامَهُ فَيَلْتَمِسُونَ لِلْأَئِمَّةِ وَلَا يَتَّبِعُونِ الْهَوَى.
(قَوْلُهُ وَانْظُرْ تَعْرِيفَ الْعَقْلِ إلَخْ) قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْإِرْشَادِ هُوَ عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ بِهَا يَتَمَيَّزُ الْعَاقِلُ مِنْ غَيْرِهِ إذَا اتَّصَفَ بِهِ، وَهُوَ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ الْوَاجِبَاتِ وَاسْتِحَالَةِ الْمُسْتَحِيلَاتِ وَجَوَازِ الْجَائِزَاتِ إلَى آخَرِ كَلَامِهِ الطَّوِيلِ وَأَخْصَرَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّنُوسِيُّ أَنَّهَا مَعْرِفَةُ الْوَاجِبِ وَالْجَائِزِ وَالْمُسْتَحِيلِ فَالْوَاجِبُ هُوَ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الِانْتِفَاءَ وَالْمُسْتَحِيلُ هُوَ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الثُّبُوتَ وَالْجَائِزُ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ الثُّبُوتَ وَالِانْتِفَاءَ وَكُلُّ عَاقِلٍ مَرْكُوزٍ فِي قَلْبِهِ ذَلِكَ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ التَّعْبِيرِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُدْرِكُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا لَا يَقْبَلُ الثُّبُوتَ وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَى الْمُسْتَحِيلِ وَيُدْرِكُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا لَا يَقْبَلُ الِانْتِفَاءَ وَذَلِكَ مَعْنَى الْوَاجِبِ وَيَعْلَمُ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا يَقْبَلُهُمَا، وَهُوَ الْجَائِزُ وَقِيلَ إنَّهُ نُورٌ رُوحَانِيٌّ بِهِ تُدْرِكُ النَّفْسُ الْعُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ وَالنَّظَرِيَّةَ وَابْتِدَاءَ وُجُودِهِ عِنْدَ اجْتِنَانِ الْوَلَدِ، ثُمَّ لَا يَزَالُ يَنْمُو إلَى أَنْ يَكْمُلَ عِنْدَ الْبُلُوغِ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ قَائِلًا إنَّ تَفْسِيرَهُ بِذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ قَالَ مُحَشِّي تت اجْتِنَانُ بِالْجِيمِ وَالنُّونِ بَعْدَ التَّاءِ أَيْ حِينَ يَكُونُ جَنِينًا وَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ مِنْ أَنَّ كَمَالَهُ عِنْدَ الْبُلُوغِ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّ كَمَالَهُ عِنْدَ الْأَرْبَعِينَ؛ وَلِذَلِكَ بُعِثَتْ الْأَنْبِيَاءُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَمَرْجِعُ الْإِشَارَةِ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ ذَكَرَ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ كَلَامًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ قَابِلٌ لِلْبَحْثِ وَفِيهِ تَطْوِيلٌ فَنَذْكُرُ لَك لُبَّ مَا قَالُوهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ مُسَمَّى الْكُتُبِ الْأَلْفَاظُ الْمَخْصُوصَةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ، وَهِيَ أَعْرَاضٌ تَنْقَضِي بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِهَا فَالْإِشَارَةُ إذَنْ لِمَا فِي الذِّهْنِ تَقَدَّمَتْ الْخُطْبَةُ عَلَى التَّأْلِيفِ أَوْ تَأَخَّرَتْ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ أَسْمَاءَ الْكُتُبِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَبِيلِ عَلَمِ الْجِنْسِ مَعَ أَنَّ مَا فِي ذِهْنِ الْمُصَنِّفِ جُزْئِيٌّ شَخْصِيٌّ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَيْضًا أَنَّ مَا فِي الذِّهْنِ مُجْمَلٌ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ وَمُسَمَّى الْكُتُبِ الْأُمُورُ الْمُفَصَّلَةُ فَإِذَنْ يَحْتَاجُ لِتَقْدِيرِ مُضَافَيْنِ أَيْ مُفَصِّلُ نَوْعِ هَذِهِ أَوْ نَوْعُ مُفَصِّلِ هَذِهِ، وَأَمَّا إنْ قُلْنَا إنَّ أَسْمَاءَ الْكُتُبِ مِنْ قَبِيلِ عَلَمِ الشَّخْصِ فَلَا يَحْتَاجُ لِتَقْدِيرِ نَوْعٍ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ لِتَقْدِيرِ مُفَصِّلٍ، فَإِنْ قُلْنَا مَا فِي الذِّهْنِ مُفَصِّلٌ فَيَحْتَاجُ لِتَقْدِيرِ نَوْعٍ فَقَطْ عَلَى جَعْلِهَا مِنْ عَلَمِ الْجِنْسِ وَلَا يَحْتَاجُ لِتَقْدِيرٍ أَصْلًا عَلَى تَقْدِيرِ جَعْلِهَا مِنْ عَلَمِ الشَّخْصِ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ وَأَسْأَلُ إلَخْ) قَضِيَّةُ حَلِّ الشَّارِحِ أَنْ يَكُونَ وَأَسْأَلُ مُتَعَلِّقًا بِمَفْعُولٍ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ ضَمِيرُ ذَوِي الْأَلْبَابِ السَّابِقُ ذِكْرُهُ وَحَذَفَهُ اخْتِصَارًا أَوْ اقْتِصَارًا لِقَرِينَةِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِمْ وَالْأَصْلُ وَأَسْأَلُهُمْ إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يُعَلَّقَ بِمَفْعُولٍ تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ لِيَعُمَّ كُلَّ مَنْ يَصْلُحُ مِنْهُ السُّؤَالُ مِنْ النَّاظِرِينَ فِي كِتَابِهِ وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ النَّاظِرِينَ فِيهِ يَنْظُرُونَهُ بِعَيْنِ الْكَمَالِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَمَا كَانَ إلَخْ يُقَوِّي إرَادَتَهُ سُؤَالَ النَّاظِرِينَ فِي كِتَابِهِ أَفَادَهُ فِي ك وَأَفَادَ أَيْضًا أَنَّ التَّضَرُّعَ وَالْخُشُوعَ وَالتَّذَلُّلَ وَالْخُضُوعَ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ أَوْ كَالْمُتَرَادِفَةِ.
(قَوْلُهُ بِلِسَانِ التَّضَرُّعِ إلَخْ) فِيهِ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ حَيْثُ شَبَّهَ تَضَرُّعَهُ وَخُشُوعَهُ بِإِنْسَانٍ وَإِثْبَاتُ اللِّسَانِ تَخْيِيلٌ أَوْ يُقَدَّرُ مُضَافٌ أَيْ بِلِسَانِ ذِي التَّضَرُّعِ وَالْخُشُوعِ أَوْ يُؤَوَّلُ التَّضَرُّعُ وَالْخُشُوعُ بِالْمُتَضَرِّعِ الْخَاشِعِ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ قَالَ فِي ك وَلَا يَظْهَرُ كَبِيرُ فَرْقٍ لِإِضَافَةِ اللِّسَانِ لِلتَّضَرُّعِ وَالْخُشُوعِ وَالْخِطَابُ لِلتَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعُ مِنْ قُرْبِ مَعَانِي الْأَلْفَاظِ (قَوْلُهُ وَخِطَابُ التَّذَلُّلِ) الْخِطَابُ مَصْدَرُ خَاطَبَهُ بِالْكَلَامِ مُخَاطَبَةً
стр. 54
وَالْخُضُوعِ أَنْ يُنْظَرَ بِعَيْنِ الرِّضَا وَالصَّوَابِ فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ كَمَّلُوهُ وَمِنْ خَطَأٍ أَصْلَحُوهُ (ش) مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَ ذَوِي الْأَلْبَابِ بِلِسَانِ تَضَرُّعِهِ وَخُشُوعِهِ وَخِطَابِ تَذَلُّلِهِ وَخُضُوعِهِ، فَإِنَّ أَلْ فِي تِلْكَ الْكَلِمَاتِ نَائِبَةٌ عَنْ الضَّمِيرِ أَنْ يَنْظُرَ كِتَابَهُ بِعَيْنِ الرِّضَا وَالصَّوَابِ لَا بِعَيْنِ السُّخْطِ وَالْخَطَأِ فَمَا وُجِدَ فِيهِ مِنْ نَقْصِ لَفْظٍ يُخِلُّ بِالْمَعْنَى الْمَقْصُودِ كَمَّلُوا ذَلِكَ النَّقْصَ لِمَا يُتِمُّهُ حَتَّى يُفْهَمَ الْمَعْنَى الْمُرَادُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ نَقْصِ أَحْكَامٍ وَمَسَائِلَ وَفُرُوعٍ لَمْ تُذْكَرْ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا غَايَةَ لَهُ وَلَا يَقْدِرُ بَشَرٌ عَلَى تَكْمِيلِ ذَلِكَ النَّقْصِ وَمَا وُجِدَ مِنْ خَطَأٍ فِي الْمَعَانِي وَالْأَحْكَامِ وَفِي إعْرَابِ الْأَلْفَاظِ أَصْلَحُوهُ فَكَانَ تَامَّةٌ وَفَاعِلُهَا ضَمِيرٌ عَائِدٌ عَلَى مَا وَهِيَ شَرْطِيَّةٌ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِدَاءِ وَجَوَابُهَا كَمَّلُوهُ وَمِنْ لِبَيَانِ الْجِنْسِ وَالْمُبَيَّنُ فَاعِلُ كَانَ وَيُحْتَمَلُ نُقْصَانُهَا وَخَبَرُهَا مِنْ نَقْصٍ وَمِنْ لِلِابْتِدَاءِ وَمِنْ خَطَأٍ أَصْلَحُوهُ عَلَى تَقْدِيرِ وَمَا كَانَ مِنْ خَطَأٍ أَصْلَحُوهُ كَالْأَوَّلِ وَفِي كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ كَمَّلُوهُ وَأَصْلَحُوهُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَاللَّامِ عَلَى أَنَّهُمَا أَمْرَانِ قَالَ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ فِي الْأَمْرَيْنِ لِذَوِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ قَالَ وَيَجُوزُ فَتْحُهُمَا عَلَى الصِّفَةِ لِمَا قَبْلَهُمَا انْتَهَى وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ
ــ
[حاشية العدوي]
وَخِطَابًا، وَهُوَ عِنْدَ أُصُولِ الْفِقْهِ الْكَلَامُ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْإِفْهَامُ وَقِيلَ الَّذِي يَصْلُحُ لِلْإِفْهَامِ وَعَلَيْهِمَا الْخِلَافُ فِي تَسْمِيَةِ الْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ خِطَابًا فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يُسَمَّى بِهِ إذْ لَيْسَ هُنَاكَ مَخْلُوقٌ يُقْصَدُ إفْهَامُهُ وَعَلَى الثَّانِي يُسَمَّى بِهِ لِصَلَاحِيَّتِهِ لِلْإِفْهَامِ بِتَقْدِيرِ الْوُجُودِ ك (قَوْلُهُ أَنْ يَنْظُرَ) أَيْ مِنْ ذِكْرِ مِنْ أُولِي الْأَلْبَابِ (قَوْلُهُ بِعَيْنِ الرِّضَا) أَيْ بِعَيْنِ ذِي الرِّضَا وَذِي الصَّوَابِ أَوْ الرَّاضِي وَالْمُصِيبِ أَوْ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ بِتَشْبِيهِ الرِّضَا وَالصَّوَابِ بِإِنْسَانٍ وَإِثْبَاتُ الْعَيْنِ تَخْيِيلٌ أَوْ الْإِضَافَةُ تَأْتِي لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ؛ لِأَنَّ الرِّضَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الْعَيْنِ وَكَذَا الصَّوَابُ وَالرِّضَا ضِدُّ السُّخَطِ الَّذِي هُوَ تَصَوُّرُ الْحَقِّ بِصُورَةِ الْبَاطِلِ وَالصَّوَابُ ضِدُّ الْخَطَأِ وَفِيهِ أَنَّ الصَّوَابَ صِفَةُ الْآمِرِ الَّذِي يَرْضَى بِهِ لَا صِفَةُ النَّاظِرِ كَالرِّضَا وَيُجَابُ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ وَاعْتِقَادُ الصَّوَابِ.
(قَوْلُهُ فَإِنَّ أَلْ فِي تِلْكَ الْكَلِمَاتِ نَائِبَةٌ إلَخْ) أَيْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ النِّيَابَةِ فَيُقَدِّرُ مِنْهُ أَيْ التَّضَرُّعِ مِنْهُ (قَوْلُهُ لَا بِعَيْنِ السُّخَطِ) الَّذِي هُوَ ضِدُّ الرِّضَا فَهُوَ تَصَوُّرُ الْحَقِّ بِصُورَةِ الْبَاطِلِ وَقَوْلُهُ وَالْخَطَأُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الصَّوَابِ.
(قَوْلُهُ مِنْ نَقْصِ لَفْظٍ) أَيْ مِنْ لَفْظٍ نَاقِصٍ نَقْصًا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى وَقَوْلُهُ كَمِّلُوهُ أَيْ كَمِّلُوا ذَلِكَ اللَّفْظَ النَّاقِصَ بِمَا يُتِمُّهُ وَأَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ إسْقَاطَ حَرْفٍ مِنْ كَلِمَةٍ كَمِيمِ حَرَمٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ إسْقَاطُ كَلِمَةٍ مِنْ جُمْلَةٍ فَأَرَادَ بِاللَّفْظِ مَا يَشْمَلُ الْمُفْرَدَ وَالْجُمْلَةَ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّ النَّقْصَ هُوَ التَّرْكُ وَالتَّكْمِيلُ إنَّمَا يَكُونُ لِلْمَوْجُودِ وَحَاصِلُ مَا أُجِيبُ بِهِ أَنَّ النَّقْصَ يُطْلَقُ تَارَةً عَلَى الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ، وَهُوَ مَا ذَكَرْت وَتَارَةً عَلَى الْمَحْذُوفِ وَتَارَةً عَلَى الْمَحْذُوفِ مِنْهُ وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَإِطْلَاقُ النَّقْصِ عَلَيْهِ مِنْ إطْلَاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى الْمَفْعُولِ أَوْ الْفَاعِلِ أَيْ الْمَنْقُوصِ أَوْ النَّاقِصِ أَفَادَ ذَلِكَ الْحَاصِلُ فِي ك (قَوْلُهُ أَحْكَامٍ) جَمْعُ حُكْمٍ بِمَعْنَى النِّسْبَةِ التَّامَّةِ وَقَوْلُهُ وَمَسَائِلَ جَمْعُ مَسْأَلَةٍ إنْ أُرِيدَ مِنْهَا الْقَضِيَّةُ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الدَّالِّ عَلَى الْمَدْلُولِ، وَإِنْ أُرِيدَ مِنْهَا النِّسْبَةُ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْمُرَادِفِ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ تُطْلَقُ عَلَى الْقَضِيَّةِ وَعَلَى نِسْبَتِهَا (قَوْلُهُ وَفُرُوعٍ) جَمْعُ فَرْعٍ هُوَ لُغَةً مَا بُنِيَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ بُنِيَ عَلَى غَيْرِهِ فَخَرَجَ أَدِلَّةُ الْفِقْهِ مِنْ حَيْثُ يَنُبْنِي عَلَيْهَا الْفِقْهُ إذْ هِيَ بِذَلِكَ أُصُولٌ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حَيْثُ تُبْنَى عَلَى عِلْمِ التَّوْحِيدِ فُرُوعًا لَا أُصُولًا وَاصْطِلَاحًا مَا انْدَرَجَ تَحْتَ أَصْلٍ كُلِّيٍّ فَالْفُرُوعُ هِيَ الْقَضَايَا الَّتِي تَحْتَ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ وَقَدْ تُطْلَقُ الْفُرُوعُ مَجَازًا عَلَى إفْرَادِ الْمَفْهُومِ الْكُلِّيِّ كَذَا فِي ك وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْفُرُوعَ هِيَ الْمَسَائِلُ الَّتِي بِمَعْنَى الْقَضَايَا فَعَطْفُهَا عَلَى الْأَحْكَامِ مِنْ عَطْفِ الدَّالِّ عَلَى الْمَدْلُولِ وَيُطْلَقُ الْفَرْعُ عَلَى الْحُكْمِ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْمُرَادِفِ وَيَكُونُ مُرَادِفًا لِلْمَسْأَلَةِ بِمَعْنَى الْحُكْمِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ تَفْسِيرَ التَّمْهِيدِ حِينَ ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فَقَالَ وَالتَّمْهِيدُ التَّوْطِئَةُ لِلْمَقْصُودِ لِيَكُونَ فَهْمُهُ بَعْدَهَا أَتَمُّ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ وَالْأَحْكَامُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ بِاعْتِبَارِ خُصُوصِ مَا نَحْنُ فِيهِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَإِنْ كَانَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ (قَوْلُهُ فِي إعْرَابِ الْأَلْفَاظِ) الْأَوْلَى جَعْلُ ذَلِكَ مِنْ أَفْرَادِ النَّاقِصِ (قَوْلُهُ فَكَانَ تَامَّةٌ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ فَمَا وُجِدَ إذْ مِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهَا تَامَّةٌ (قَوْلُهُ وَالْمُبِينُ فَاعِلٌ) وَالتَّقْدِيرُ فَأَيُّ شَيْءٍ وُجِدَ فِي حَالِ كَوْنِهِ نَقْصًا أَيْ لَفْظًا نَاقِصًا كَمِّلُوهُ أَيْ أَذِنْت لَهُمْ فِي تَكْمِيلِهِ (قَوْلُهُ وَمِنْ لِلِابْتِدَاءِ) أَيْ وَمَا كَانَ نَاشِئًا مِنْ نَقْصٍ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُرَادُ بِالنَّقْصِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ وَيُرَادُ بِالنَّاشِئِ مِنْهُ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ الْمُكَمِّلُ وَجَعْلُهُ نَاشِئًا مِنْ النَّقْصِ بِاعْتِبَارِ تَفَرُّدِهِ وَحْدَهُ دُونَ الْمَتْرُوكِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَتْرُوكُ وَمَعْنَى كَمِّلُوهُ أَتَوْا بِهِ وَهَذَا التَّوْجِيهُ لَا يَتِمُّ فِي قَوْلِهِ وَمِنْ خَطَأٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ أَرَادَ بِالْخَطَأِ الْأَخْطَاءَ الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ أَخْطَأَ قِيَاسًا وَالنَّاشِئُ عَنْهُ الْخَطَأُ، ثُمَّ أَقُولُ وَإِنَّمَا قَدَّرَ الشَّارِحُ وَمَا كَانَ لِدَفْعِ مَا يَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ مِنْ خَطَأٍ مَعْطُوفٌ عَلَى مِنْ نَقْصٍ وَالْعَامِلُ فِيهِ كَائِنًا الْمَحْذُوفُ وَأَصْلِحُوهُ مَعْطُوفٌ عَلَى كَمِّلُوهُ وَالْعَامِلُ فِيهِ مَا فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ الْعَطْفُ عَلَى مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ وَحَاصِلُ جَوَابِ الشَّارِحِ أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ لَا مِنْ عَطْفِ الْمُفْرَدَاتِ حَتَّى يَلْزَمَ مَا ذَكَرَ لَا يُقَالُ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَنْ جَوَّزَهُ بِشَرْطِ تَقَدُّمِ الْمَجْرُورِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ عِنْدَهُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ إعَادَةِ الْجَارِ فِي الثَّانِي نَعَمْ يَتَوَجَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا.
(قَوْلُهُ وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ لَا يَصِحُّ) أَيْ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا شَرْطِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ وَالْأَمْرُ لَا يَكُونُ جَوَابَ الشَّرْطِ إلَّا إذَا قُرِنَ بِالْفَاءِ وَحَذْفُهَا فِي مِثْلِهِ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي الشِّعْرِ وَلَيْسَ قَبْلَ جُمْلَتَيْ كَمِّلُوهُ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِهِمَا وَلَوْ سَلِمَ عَلَى فَسَادِهِ لَزِمَ بَقَاءُ الشَّرْطِ مِنْ غَيْرِ جَوَابٍ وَالْمُبْتَدَأُ بِلَا خَبَرٍ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْخَبَرَ هُوَ الْجَزَاءُ نَعَمْ يَصِحُّ الْأَمْرُ عَلَى جَعْلِ مَا مَوْصُولَةً مَفْعُولَةً بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ كَمِّلُوهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاشْتِغَالِ وَيُقَدَّرُ مَعَ وَمِنْ خَطَأٍ وَمَا كَانَ وَيُعْرَبُ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَلَا يُقَالُ يَمْتَنِعُ لِمَا فِيهِ مِنْ حَذْفِ الْمَوْصُولِ لِوُرُودِ مِثْلِهِ نَحْوَ وَقُولُوا آمَنَّا بِاَلَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنَا وَأُنْزِلَ إلَيْكُمْ
стр. 55
لَا يَصِحُّ وَانْظُرْ وَجْهَهُ فِي شَرْحِنَا الْكَبِيرِ.
قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ فِي شَرْحِهِ وَمَا أَذِنَ الْمُؤَلِّفُ فِيهِ مِنْ تَكْمِيلِ النَّقْصِ الْوَاقِعِ فِي كِتَابِهِ وَإِصْلَاحِ الْخَطَأِ الْكَائِنِ فَمَحْمَلُهُ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرَادَ تَكْمِيلَهُ بِالتَّنْبِيهِ عَلَى النَّقْصِ وَالْخَطَأِ وَإِصْلَاحِ ذَلِكَ بِأَلْفَاظِهِمْ حَالَ الْإِقْرَاءِ وَالْفَتْوَى بِمَا فِيهِ أَوْ التَّنْبِيهِ عَلَى ذَلِكَ بِكِتَابَةٍ فِي الشُّرُوحَاتِ لِمَنْ تَصَدَّى لِلْوَضْعِ عَلَيْهِ أَوْ بِالْكِتَابَةِ فِي حَوَاشِي كِتَابِهِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ حَاشِيَةٌ، وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ أَذِنَ فِي إصْلَاحِ ذَلِكَ بِالتَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ بِالْكِتَابَةِ فِي أَصْلِ كِتَابِهِ بِحَيْثُ يُكْشَطُ يَعْنِي أَلْفَاظَهُ وَيُؤْتَى بِبَدَلِهَا أَوْ يُزَادُ فِيهَا أَوْ يُنْقَصُ فَمَا أَظُنُّهُ يَأْذَنُ فِي هَذَا وَلَا أَظُنُّ جَوَازَهُ؛ لِأَنَّ فَتْحَ هَذَا الْبَابِ يُؤَدِّي إلَى نَسْخِ الْكِتَابِ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَرُبَّمَا ظَنَّ النَّاسِخُ أَنَّ الصَّوَابَ مَعَهُ مَعَ كَوْنِ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِخِلَافِهِ وَمَا قَالَهُ هَذَا السَّيِّدُ الْعَظِيمُ فَمِنْ بَابِ تَوَاضُعِهِ الَّذِي رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ مَعَ أَنَّ مَا أُتِيَ بِهِ عَيْنُ الْكَمَالِ فِي نَوْعِهِ وَغَايَةُ الْمَرَامِ فِي جَمْعِهِ وَهَكَذَا الْفُضَلَاءُ الْعَارِفُونَ لَا يَرَوْنَ لِأَنْفُسِهِمْ وَلَا لِأَعْمَالِهِمْ مَزِيَّةً وَلَا يَتَكَبَّرُونَ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٢] (ص) فَقَلَّمَا يَخْلُصُ مُصَنِّفٌ مِنْ الْهَفَوَاتِ أَوْ يَنْجُو مُؤَلِّفٌ مِنْ الْعَثَرَاتِ (ش) لَمَّا اعْتَذَرَ الْمُؤَلِّفُ مِنْ التَّقْصِيرِ الْوَاقِعِ فِي تَصْنِيفِهِ مَعَ ظُهُورِ الْكَمَالِ فِيمَا أَتَى بِهِ فِيهِ عَلَّلَ ذَلِكَ الِاعْتِذَارَ بِهَذَا الْكَلَامِ.
وَالْمُرَادُ بِقَلَّمَا النَّفْيُ أَيْ لَا يَخْلُصُ وَلَا يَنْجُو أَيْ إنَّمَا اعْتَذَرْت لِأَنِّي مُصَنِّفٌ وَكُلُّ مُصَنِّفٍ لَا يَخْلُصُ مِنْ خَطَأِ طَرِيقِ الصَّوَابِ، وَهُوَ مُرَادُهُ بِالْهَفَوَاتِ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ وَإِصْلَاحِ) مَعْطُوفٌ عَلَى التَّنْبِيهِ وَقَوْلُهُ بِأَلْفَاظِهِمْ تَنَازَعَ فِيهِ تَنْبِيهٌ وَإِصْلَاحٌ (قَوْلُهُ بِأَلْفَاظِهِمْ حَالُ الْإِقْرَاءِ) مُرْتَبِطٌ بِكُلٍّ مِنْ التَّنْبِيهِ وَإِصْلَاحِ أَيْ التَّنْبِيهِ عَلَى النَّقْصِ وَالْخَطَأِ بِأَلْفَاظِهِمْ حَالَ الْإِقْرَاءِ وَالْفَتْوَى أَيْ الْإِفْتَاءِ وَإِصْلَاحِ ذَلِكَ بِأَلْفَاظِهِمْ حَالَ الْإِقْرَاءِ وَالْفَتْوَى بِمَا فِيهِ أَيْ بِأَنْ يَقُولَ هَذَا فِيهِ نَقْصٌ هَذَا فِيهِ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ كَذَا وَكَذَا فَقَوْلُهُ هَذَا فِيهِ نَقْصٌ هَذَا فِيهِ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ كَذَا وَكَذَا تَنْبِيهُ عَلَى النَّقْصِ وَالْخَطَأِ وَإِصْلَاحٍ بِأَلْفَاظِهِمْ.
(تَنْبِيهٌ) : اعْلَمْ أَنَّ التَّنْبِيهَ بِحَاشِيَةِ عَلَى الْخَطَأِ أَوْ النَّقْصِ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ عَلَى أَنَّ اتِّهَامَهُمْ أَنْفُسَهُمْ أَوْلَى بِهِمْ، وَأَمَّا أَهْلُ الْغَبَاوَةِ وَخُصُوصًا أَهْلَ هَذَا الزَّمَانِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ السُّكُوتُ كَمَا أَفَادَ ذَلِكَ أَهْلُ الْعِرْفَانِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ فِي غَابِرِ الْأَزْمَانِ وَاَللَّهُ الْمُلْهِمُ لِلصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
(قَوْلُهُ أَوْ التَّنْبِيهُ) مُقَابِلٌ لِلتَّنْبِيهِ وَالْإِصْلَاحِ بِالْأَلْفَاظِ (قَوْلُهُ أَوْ بِالْكِتَابَةِ) مَعْطُوفٌ عَلَى بِكِتَابِهِ أَيْ أَوْ التَّنْبِيهِ عَلَى ذَلِكَ بِالْكِتَابَةِ فِي حَوَاشِي كِتَابِهِ (قَوْلُهُ وَالتَّغْيِيرِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ بِالْكِتَابَةِ) الْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ أَوْ أَرَادَ بِالْكِتَابَةِ الْمَكْتُوبَ (قَوْلُهُ يَعْنِي أَلْفَاظَهُ) أَيْ دَالَّ أَلْفَاظِهِ وَهِيَ النُّقُوشُ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُكْشَطُ هُوَ النُّقُوشُ (قَوْلُهُ أَوْ يُزَادُ فِيهَا) يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا فَاتَهُ مِنْ الْمَسَائِلِ مِمَّا بُيِّضَ لَهُ وَلَمْ يُكْمِلْهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ، وَإِنْ ادَّعَتْ اسْتَكْرَاهَا عَلَى غَيْرِ لَائِقٍ بِلَا تَعَلُّقٍ حَدَثَ لَهُ وَمِنْ الْأَبْوَابِ مِمَّا بُيِّضَ لَهُ كَذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ، وَهُوَ بَابُ الْمُقَاصَّةِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ كَمَّلَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ وَالثَّانِي أَلَّفَهُ بَهْرَامُ (قَوْلُهُ وَرُبَّمَا ظَنَّ إلَخْ) الْوَاوُ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا ظَنَّ إلَخْ (قَوْلُهُ فَمِنْ بَابِ تَوَاضُعِهِ) أَيْ فَمِنْ بَابٍ هُوَ تَوَاضُعُهُ فَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ (قَوْلُهُ مَعَ أَنَّ) لِلتَّعْلِيلِ أَيْ؛ لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ (قَوْلُهُ عَيْنُ الْكَمَالِ) أَيْ الْكَامِلِ مِنْ نَوْعِهِ أَوْ هُوَ مُبَالَغَةٌ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِنَوْعِهِ تَأْلِيفٌ فِي الْفِقْهِ جَامِعٌ (قَوْلُهُ وَغَايَةُ الْمَرَامِ فِي جَمْعِهِ) أَيْ وَغَايَةُ الْمَقْصُودِ مِنْ جَمْعِهِ (قَوْلُهُ الَّذِينَ) أَيْ وَهُمْ الَّذِينَ مَدَحَهُمْ اللَّهُ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] إلَخْ أَيْ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الَّذِي لَا يَرَى لِعَمَلِهِ مَزِيَّةً وَلَا يَتَكَبَّرُ أَيْ عِنْدَ إنْفَاقِهِ لَا يُتْبِعُهُ مَنًّا وَلَا أَذًى ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] وَمِنْ شَأْنِ مَنْ يَرَى لِنَفْسِهِ وَعَمَلِهِ مَزِيَّةً وَيَتَكَبَّرُ أَنَّهُ يَمُنُّ وَيُؤْذِي مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ مُصَنَّفٌ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ التَّأْلِيفَ يَسْتَلْزِمُ الْأُلْفَةَ بَيْنَ أَشْخَاصِ الْمَسَائِلِ فَضْلًا عَنْ أَنْوَاعِهَا وَأَجْنَاسِهَا الْقَرِيبَةِ وَالتَّصْنِيفُ مُرَاعَاتُهُ بَيْنَ الْأَصْنَافِ وَيَلْزَمُ مِنْهُ مُرَاعَاتُهُ فِي الْأَجْنَاسِ رُوعِيَ فِي الْأَشْخَاصِ أَمْ لَا فَالتَّأْلِيفُ أَخَصُّ فَكُلُّ مُؤَلَّفٍ مُصَنَّفٌ وَلَا عَكْسُ وَالتَّأْلِيفُ أَخَصُّ مِنْ التَّرْكِيبِ بِعَيْنِ مَا ذَكَرَ فِي التَّصْنِيفِ أَوْ بِقَرِيبٍ مِنْهُ كَذَا فِي ك.
(أَقُولُ) هَذَا بِحَسَبِ الْأَصْلِ وَإِلَّا فَفِي الْمَقَامِ الْمُؤَلَّفُ وَالْمُصَنَّفُ شَيْءٌ وَاحِدٌ (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِقَلَّمَا النَّفْيُ) أَيْ بِقَلَّ مِنْ قَلَّمَا فَلَا دَخْلَ لِمَا فِي النَّفْيِ سَوَاءٌ جُعِلَتْ مَا كَافَّةً أَوْ مَصْدَرِيَّةً (قَوْلُهُ أَيْ إنَّمَا اعْتَذَرْت إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قِيَاسًا مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ حُذِفَتْ صُغْرَاهُ وَنَتِيجَتُهُ وَالشَّارِحُ ذَكَرَ الْقِيَاسَ وَحَذَفَ نَتِيجَتَهُ وَالتَّقْدِيرُ إنَّمَا اعْتَذَرْت لِأَنِّي مُصَنِّفٌ وَكُلُّ مُصَنِّفٍ لَا يُخْلَصُ مِنْ الْهَفَوَاتِ فَأَنَا لَا أَخْلُصُ مِنْهَا (قَوْلُهُ طَرِيقَ الصَّوَابِ) أَيْ طَرِيقٍ هُوَ الصَّوَابُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مُرَادُهُ بِالْهَفَوَاتِ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى هَذَا الْحَلِّ يَكُونُ الْمَعْنَى الْمُرَادُ مِنْ الْهَفَوَاتِ مُغَايِرًا لِلْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنْ الْعَثَرَاتِ وَعَلَيْهِ فَالتَّعْبِيرُ فِي الْأَوَّلِ بِمُصَنَّفٍ وَيَخْلُصُ وَبِالثَّانِي بِمُؤَلَّفٍ وَيَنْجُو تَفَنُّنٌ إذْ لَوْ اتَّحَدَ التَّعْبِيرُ فِيهِمَا أَوْ عُكِسَ لَصَحَّ وَحَاصِلُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِالْهَفْوَةِ الْعُدُولَ عَنْ الصَّوَابِ كَأَنْ يَذْكُرَ فِي مَسْأَلَةٍ حُكْمُهَا الْجَوَازُ مَثَلًا الْوُجُوبُ وَأَرَادَ بِالْعَثْرَةِ الْوُقُوعُ فِي السَّقْطِ كَأَنْ يَذْكُرَ بَعْضَ الْكَلِمَةِ أَوْ بَعْضَ الْجُمْلَةِ (وَأَقُولُ) وَلَوْ عَكَسَ لَصَحَّ وَاعْلَمْ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمُحْكَمِ أَنَّ الْهَفْوَةَ السَّقْطَةُ وَالزَّلَّةُ اهـ. فَإِذَا عَلِمْت مَا ذَكَرَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرَ حَقِيقَةً فِي السُّقُوطِ إلَى الْأَرْضِ وَالزَّلَلِ فِي الْمُدْحِضِ كَالطِّينِ فَيَكُونُ اسْتِعْمَالُ الْهَفْوَةِ فِي خَطَأٍ طَرِيقُ الصَّوَابِ كَانَ فِي رَأْيٍ أَوْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ مَجَازًا أَوْ كِنَايَةً وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي خَطَأِ طَرِيقِ الصَّوَابِ فَقَطْ أَوْ حَقِيقَةً فِيهِمَا فَيَكُونُ تَعْبِيرُ الْمُؤَلِّفِ حَقِيقَةً وَالْعَثَرَاتُ جَمْعُ عَثْرَةٍ وَهِيَ الزَّلَّةُ فَيَجْرِي فِيهِ مِنْ الْأَوْجُهِ مَا جَرَى فِي الْهَفْوَةِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ خَطَأُ طَرِيقِ الصَّوَابِ (قَوْلُهُ مُرَادُهُ بِالْهَفَوَاتِ) ، فَإِنْ قُلْت الْهَفَوَاتُ جَمْعٌ
стр. 56
وَلِأَنِّي مُؤَلِّفٌ وَكُلُّ مُؤَلِّفٍ لَا يَنْجُو مِنْ السُّقُوطِ فِي التَّحْرِيفِ، وَهُوَ مُرَادُهُ بِالْعَثَرَاتِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فَقَلَّمَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُ اعْتِذَارُك مِنْ التَّقْصِيرِ الْوَاقِعِ فِي كِتَابِك يَقْتَضِي أَنَّك عَالِمٌ بِهِ وَإِلَّا فَمِنْ أَيْنَ لَك ذَلِكَ حَتَّى تَعْتَذِرَ وَإِذَا عَلِمْته فَأَصْلِحْهُ وَلَا تَعْتَذِرْ وَتَطْلُبْ مِنْ غَيْرِك بِهَذَا التَّذَلُّلِ فَقَالَ لَهُ لَمْ أَعْلَمْ بِهِ عَلَى التَّعْيِينِ وَلَكِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ التَّصْنِيفَ مَظِنَّةُ ذَلِكَ فَقَلَّمَا إلَخْ وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَقَلَّمَا وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ لَامِ التَّعْلِيلِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ قَلَّمَا يَخْلُصُ، وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ أَعْتَذِرُ لِذَوِي الْأَلْبَابِ وَيَجُوزُ فِي مُصَنِّفٍ وَمُؤَلِّفٍ الْكَسْرُ وَالْفَتْحُ.
ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَا كَافَّةً لِقَلَّ عَنْ الطَّلَبِ لِلْفَاعِلِ وَحِينَئِذٍ تُكْتَبُ مُتَّصِلَةً بِقَلَّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةٌ فَيَجُوزُ فِيهَا الِاتِّصَالُ وَالِانْفِصَالُ وَالْفَاعِلُ الْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْهَا وَمِنْ الْفِعْلِ بَعْدَهَا، وَهُوَ يَخْلُصُ مُصَنَّفٌ أَيْ خَلَاصُ مُصَنَّفٍ وَقَدِيمًا خَافَ النَّاسُ سَقْطَةَ التَّأْلِيفِ وَخَافُوا زَلَّةَ التَّأْلِيفِ كَمَا ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ حَتَّى قِيلَ مَنْ صَنَّفَ فَقَدْ اسْتَهْدَفَ وَمَنْ أَلَّفَ فَقَدْ اسْتَقْذَفَ وَمَعْنَى اسْتَهْدَفَ جَعَلَ نَفْسَهُ هَدَفًا أَيْ غَرَضًا لِمَنْ يَرْمِيهِ بِالْعَيْبِ كَمَا يُرْمَى الْغَرَضُ بِالنَّبْلِ وَاسْتَقْذَفَ أَيْ طَلَبَ أَنْ يُقْذَفَ أَيْ يُرْمَى، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ وَكَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ كَثِيرًا مَا يَقُولُ مَنْ صَنَّفَ فَقَدْ اسْتَهْدَفَ، فَإِنْ أَحْسَنَ فَقَدْ اسْتَعْطَفَ، وَإِنْ أَسَاءَ فَقَدْ اسْتَقْذَفَ قِيلَ مَعْنَى اسْتَهْدَفَ ارْتَفَعَ عَلَى أَقْرَانِهِ.
فَإِنْ أَحْسَنَ فِيهِ فَقَدْ مَيَّلَ الْقُلُوبَ إلَيْهِ، وَإِنْ قَصَّرَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلْقَذْفِ وَالْمَعْنَيَانِ صَحِيحَانِ.
ــ
[حاشية العدوي]
وَخَطَأُ طَرِيقِ الصَّوَابِ مُفْرَدٌ فَكَيْفَ يَكُونُ الْمُفْرَدُ مَعْنَى الْجَمْعِ قُلْت مُرَادُهُ هَذِهِ الْمَادَّةُ أَيْ مَادَّةُ هَفْوَةٍ (قَوْلُهُ وَيُحْتَمَلُ إلَخْ) هَذَا مُقَابِلٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ جَعْلِ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ فَقَلَّ لِلتَّعْلِيلِ مَعَ أَنَّهُ مَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ هِيَ لِلتَّعْلِيلِ أَيْضًا وَالْمُعَلَّلُ هُوَ قَوْلُهُ وَلَكِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ التَّصْنِيفَ مَظِنَّةُ ذَلِكَ فَالسُّؤَالُ وَالْجَوَابُ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ مَحْذُوفَانِ وَهِيَ لِلتَّعْلِيلِ فَالْفَارِقُ بَيْنَ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ تَقْدِيرُ السُّؤَالِ وَالْجَوَابُ فِي هَذَا دُونَ مَا قَبْلَهُ وَهِيَ لِلتَّعْلِيلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ (قَوْلُهُ وَإِلَّا إلَخْ) أَيْ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَالِمًا بِهِ فَلَا يَصِحُّ اعْتِذَارُك؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَيْنَ لَك ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَإِذَا عَلِمْته) أَيْ وَحَيْثُ عَلِمْته كَمَا تَبَيَّنَ بِقَوْلِنَا وَإِلَّا إلَخْ (قَوْلُهُ وَتَطْلُبْ إلَخْ) تَفْسِيرٌ لِتَعْتَذِرَ (قَوْلُهُ بِهَذَا التَّذَلُّلِ) أَيْ طَلَبًا مُلْتَبَسًا بِهَذَا التَّذَلُّلِ أَوْ طَلَبًا مُصَوَّرًا بِهَذَا التَّذَلُّلِ (قَوْلُهُ وَبِعِبَارَةٍ إلَخْ) هُوَ عَيْنُ الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ الْكَسْرُ وَالْفَتْحُ) فِيهِ أَنَّ الْهَفْوَةَ وَالْعَثْرَةَ مِنْ صِفَاتِ الشَّخْصِ لَا الْمُصَنَّفِ بِفَتْحِ النُّونِ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلشَّخْصِ وَالْمَعْنَى الْهَفْوَةُ مِنْهُ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمُصَنَّفِ وَالْمَعْنَى الْهَفْوَةُ فِيهِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَا كَافَّةً لِقَلَّ إلَخْ) وَالْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُصُ مُصَنَّفٌ كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ خَلَاصُ مُصَنَّفٍ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ قَلَّ خَلَاصُ مُصَنَّفٍ وَالْمَعْنَى عَلَى النَّفْيِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُصُ إلَخْ.
اعْلَمْ أَنَّ حَاصِلَ مَا قِيلَ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ قَلَّ إذَا كَانَتْ لِلْإِثْبَاتِ ضِدَّ كَثُرَ فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ فَاعِلٍ مَعَ غَيْرِ مَا وَكَذَا مَعَ مَا وَهِيَ مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ أَوْ حَرْفِيَّةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ مَوْصُولًا اسْمِيًّا أَوْ مَوْصُوفَةً فَهِيَ الْفَاعِلُ وَإِلَّا فَالْمُنْسَبِكُ مِنْ الْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلنَّفْيِ فَلَهَا فَاعِلٌ إنْ لَمْ تَتَّصِلْ بِمَا وَتَرْفَعُ الْفَاعِلَ مَوْصُوفًا بِجُمْلَةٍ نَحْوِ قَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ أَيْ مَا رَجُلٌ يَقُولُهُ وَقَلَّ رَجُلَانِ يَقُولَانِهِ وَرِجَالٌ يَقُولُونَهُ وَإِلَّا كَانَتْ مَا كَافَّةً لَهَا عَنْ طَلَبِ الْفَاعِلِ فِي الْأَشْهَرِ لِإِجْرَائِهَا مَجْرَى حَرْفِ النَّفْيِ وَلَا يَتَّصِلُ بِهَا غَيْرُهَا أَيْ غَيْرُ مَا الْكَافَّةِ وَمِثْلُ قَلَّ طَالَ وَكَثُرَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ لَا فَاعِلَ لَهَا إذَا اتَّصَلَتْ بِهَا مَا الْكَافَّةُ وَمِثْلُهَا الْفِعْلُ الْمُؤَكَّدُ فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ وَيُحْتَمَلُ إلَخْ لَا يَظْهَرُ مَعَ فَرْضِ مَا لَاحَظَهُ مِنْ أَنَّ قَلَّ لِلنَّفْيِ وَإِنَّمَا جَعَلَهَا لِلنَّفْيِ لِتَوَقُّفِ بَسْطِ عُذْرِهِ عَلَى ذَلِكَ إذْ مَعَ قِلَّةِ النَّجَاةِ يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا (قَوْلُهُ وَقَدِيمًا) أَيْ وَزَمَنًا قَدِيمًا أَوْ خَوْفًا قَدِيمًا فَهُوَ اسْمُ زَمَانٍ أَوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ (قَوْلُهُ سَقْطَةَ التَّأْلِيفِ) أَيُّ سَقْطَةٍ مِنْهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْعَثْرَةِ وَقَوْلُهُ وَخَافُوا إلَخْ عِبَارَةٌ عَنْ الْهَفْوَةِ وَيَجُوزُ الْعَكْسُ كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ (قَوْلُهُ حَتَّى قِيلَ) لَيْسَ مَقْصُودُهُ التَّضْعِيفَ بَلْ مُرَادُهُ حِكَايَةُ مَا قَالُوهُ (قَوْلُهُ جَعَلَ نَفْسَهُ هَدَفًا) أَيْ طَلَبَ عَلَى أَنَّ السِّينَ وَالتَّاءَ لِلطَّلَبِ أَوْ عَلَى حَقِيقَتِهِ إنْ لَمْ يُجْعَلَا كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ أَيْ غَرَضًا) أَيْ كَالْغَرَضِ الَّذِي يُرْمَى بِالنَّبْلِ وَأَنَا أَسْأَلُ بِلِسَانِ التَّذَلُّلِ وَالْخُشُوعِ وَخِطَابِ الِاحْتِرَامِ وَالْخُضُوعِ مِنْ الْمُتَصَفِّحِينَ لِهَذِهِ الْحَوَاشِي أَنْ يَنْظُرُوهَا بِعَيْنِ الرِّضَا وَالصَّوَابِ فَمَا كَانَ مِنْ صَوَابٍ حَسَّنُوهُ وَبَيَّنُوهُ وَمَا كَانَ مِنْ خَطَأٍ أَزَالُوهُ وَغَيَّرُوهُ؛ لِأَنَّهُ قَلَّمَا يَخْلُصُ مُصَنَّفٌ مِنْ هَفْوَةٍ أَوْ يَنْجُو مُؤَلَّفٌ مِنْ عَثْرَةٍ خُصُوصًا مَعَ الْبَاحِثِينَ عَنْ الْعَثَرَاتِ قَالَ ﷺ «مَنْ طَلَبِ عَثْرَةَ أَخِيهِ لِيَهْتِكَهُ طَلَبَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ فَيَهْتِكُهُ» وَأَنْشَدُوا
لَا تَلْتَمِسْ مِنْ عُيُوبِ النَّاسِ مَا سَتَرُوا ... فَيَهْتِكُ اللَّهُ سِتْرًا عَنْ مَسَاوِيكَا
وَاذْكُرْ مَحَاسِنَ مَا فِيهِمْ إذَا ذُكِرُوا ... وَلَا تَعِبْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِمَا فِيكَا
(قَوْلُهُ بِالنَّبْلِ) السِّهَامِ الْعَرَبِيَّةِ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا بَلْ الْوَاحِدُ سَهْمٌ فَهِيَ مُفْرَدَةُ اللَّفْظِ مَجْمُوعَةُ الْمَعْنَى كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمِصْبَاحِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ) يُشْعِرُ بِوُجُودِ الْمُغَايَرَةِ وَبِوُجُودِ الْقُرْبِ وَوَجْهُ الْمُغَايَرَةِ ظَاهِرٌ وَوَجْهُ الْقُرْبِ أَنَّ مَنْ طَلَبَ الْقَذْفَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ نَفْسَهُ هَدَفًا وَمَنْ جَعَلَ نَفْسَهُ هَدَفًا يَلْزَمُهُ أَنْ يَطْلُبَ أَنْ يُقْذَفَ (قَوْلُهُ مَا) تَأْكِيدٌ لِمَعْنَى الْكَثْرَةِ أَيْ كَأَنْ يَقُولَ قَوْلًا كَثِيرًا (قَوْلُهُ ارْتَفَعَ عَلَى أَقْرَانِهِ) أَيْ إنَّهُ حِينَ يَظْهَرُ تَأْلِيفُهُ يَثْبُتُ لَهُ ارْتِفَاعٌ عَلَى أَقْرَانِهِ فَلَا يُنَافِي زَوَالَهُ بَعْدَ حِينٍ يَظْهَرُ تَقْصِيرُهُ وَيَصِيرُ مُعَرَّضًا لِلْقَذْفِ (قَوْلُهُ فَقَدْ مَيَّلَ) أَيْ طَلَبَ مَيْلَ الْقُلُوبِ إلَيْهِ إنْ جُعِلَتْ السِّينُ وَالتَّاءُ لِلطَّلَبِ أَوْ مَيَّلَ بِالْفِعْلِ إنْ جُعِلَتَا زَائِدَتَيْنِ وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلْقَذْفِ (قَوْلُهُ وَالْمَعْنَيَانِ صَحِيحَانِ) أَيْ كَوْنُ اسْتَهْدَفَ جَعَلَ نَفْسَهُ هَدَفًا أَيْ غَرَضًا أَوْ ارْتَفَعَ عَلَى أَقْرَانِهِ هَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى
стр. 57
(بَابٌ) هُوَ فِي الْعُرْفِ مَعْرُوفٌ وَفِي اللُّغَةِ فُرْجَةٌ فِي سَاتِرٍ يُتَوَصَّلُ بِهَا مِنْ دَاخِلٍ إلَى خَارِجٍ وَعَكْسُهُ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَامِ كَبَابِ الدَّارِ مَجَازٌ فِي الْمَعَانِي كَ بَابِ الطَّهَارَةِ وَفِي الِاصْطِلَاحِ اسْمٌ لِطَائِفَةٍ مِنْ الْمَسَائِلِ مُشْتَرَكَةٍ فِي حُكْمٍ وَالْبَابُ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ إمَّا مَرْفُوعٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَوْ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَوْ مَوْقُوفٌ عَلَى حَدِّ مَا قِيلَ فِي الْأَعْدَادِ الْمَسْرُودَةِ وَاعْتُرِضَ الْإِعْرَابُ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُسَوِّغَ لِلِابْتِدَاءِ هُنَا وُقُوعُ الْخَبَرِ جَارًّا وَمَجْرُورًا، وَهُوَ إذَا وَقَعَ خَبَرًا عَنْ نَكِرَةٍ وَجَبَ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهَا لِيَسُوغَ الِابْتِدَاءُ بِهَا فَهُوَ هُنَا يُقَدَّرُ مُقَدَّمًا عَلَيْهَا وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ مَقَاصِدُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ فِيمَا يَبْتَدِئُونَ بِهِ كُتُبَهُمْ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ أَغْرَاضِهِمْ فِيمَا قَصَدُوا تَبْيِينَهُ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَهِيَ الِاعْتِقَادَاتُ الْمُسَمَّاةُ بِأُصُولِ الدِّينِ وَأَعْمَالُ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ الْمُسَمَّاةُ بِالْفُرُوعِ
ــ
[حاشية العدوي]
الْخُطْبَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَرِيمِ الْوَهَّابِ وَهَّابِ الْعَطَايَا وَمُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِجَاهِ الْحَبِيبِ أَنْ تُبَلِّغَ الْمَقَاصِدَ عَنْ قَرِيبٍ فَإِنَّك قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
[بَابُ الطَّهَارَةِ]
(بَابُ الطَّهَارَةِ) (قَوْلُهُ بَابٌ) قَالَ ابْنُ مَحْمُودٍ شَارِحُ أَبِي دَاوُد وَقَدْ اُسْتُعْمِلَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ زَمَنَ التَّابِعِينَ ذَكَرَهُ الْمُنَاوِيُّ (قَوْلُهُ هُوَ فِي الْعُرْفِ مَعْرُوفٌ) ، وَهُوَ الْجِسْمُ الْمَعْرُوفُ الْمُرَكَّبُ مِنْ خَشَبٍ وَمِنْ مَسَامِيرَ وَقَوْلُهُ وَفِي اللُّغَةِ إلَخْ فَإِذَنْ الْخَشَبُ الْمَعْرُوفُ لَا يُقَالُ فِيهِ لُغَةً بَابٌ (قَوْلُهُ فِي الْأَجْسَامِ) أَيْ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً فِي دَاخِلِ الْأَجْسَامِ الَّذِي هُوَ الْفُرْجَةُ (قَوْلُهُ مَجَازٌ فِي الْمَعَانِي) مَجَازُ اسْتِعَارَةٍ بِأَنْ شَبَّهَ الْأَلْفَاظَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا يُتَوَصَّلُ بِهَا لِفَهْمِ الْمَعَانِي بِالْبَابِ الَّذِي هُوَ الْفُرْجَةُ وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ وَالْقَرِينَةُ حَالِيَّةٌ وَأَرَادَ بِالْمَعْنَى مَا قَابَلَ الذَّاتَ فَيَصْدُقُ بِاللَّفْظِ، فَإِنَّهُ مَعْنَى أَيْ لَيْسَ بِذَاتٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَعْنَى مَا قَابَلَ اللَّفْظَ وَقَوْلُهُ مَجَازٌ أَيْ لُغَةً فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِيهَا، وَهُوَ الْمُشَارَكَةُ بِقَوْلِهِ وَفِي الِاصْطِلَاحِ (قَوْلُهُ مِنْ الْمَسَائِلِ) أَرَادَ بِهَا الْقَضَايَا الْمَخْصُوصَةَ الدَّالَّةَ عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمَدْلُولَ لِلتَّرَاجِمِ إنَّمَا هُوَ اللَّفْظُ لَا الْمَعْنَى (قَوْلُهُ مُشْتَرَكَةٍ فِي حُكْمٍ) كَبَابِ الْوُضُوءِ فَالْقَضَايَا الدَّالَّةُ عَلَى فَرَائِضِ الْوُضُوءِ وَسُنَنِهِ وَمُسْتَحَبَّاتِهِ وَمَكْرُوهَاتِهِ مُشْتَرَكَةٌ فِي حُكْمٍ، وَهُوَ كَوْنُهَا مُتَعَلِّقَةً بِالْوُضُوءِ وَالْمُرَادُ مُشْتَرَكُ مَدْلُولِهَا كَمَا ظَهَرَ (قَوْلُهُ وَالْبَابُ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ) أَيْ لَا فِي كُلِّ مَوَاضِعِهِ هَذَا ظَاهِرُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِي كُلِّ مَوَاضِعِهِ يَأْتِي فِي ذَلِكَ إلَّا أَنَّ الِاعْتِرَاضَ بِلُزُومِ الِابْتِدَاءِ بِالنَّكِرَةِ لَا يَأْتِي فِي مِثْلِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ بَابُ مَا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ) أَيْ فِي الطَّهَارَةِ بَابٌ (قَوْلُهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ) أَيْ هَذَا بَابٌ (قَوْلُهُ أَوْ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ) وَيُقَالُ وَيُبْعِدُهُ الرَّسْمُ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ عَلَى لُغَةِ رَبِيعَةَ (قَوْلُهُ أَوْ مَوْقُوفٌ عَلَى حَدِّ مَا قِيلَ إلَخْ) أَيْ مَوْقُوفٌ لَا مُعْرَبٌ وَلَا مَبْنِيٌّ وَقَوْلُهُ عَلَى حَدِّ مَا قِيلَ أَيْ عَلَى طَرِيقَةٍ هِيَ مَا قِيلَ إلَخْ أَيْ أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ، وَقِيلَ مَبْنِيٌّ لِلشَّبَهِ الْإِهْمَالِيِّ، وَهِيَ أَنَّهَا عَامِلَةٌ وَلَا مَعْمُولَةٌ، وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّهُ مَبْنِيٌّ وَكُسِرَ آخِرُهُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي نَحْوِ بَابِ الطَّهَارَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا وَجْهَ لِبِنَائِهِ إلَّا أَنْ يُرَاعِيَ قَبْلَ التَّرْكِيبِ وَالْقَوْلَ بِالْبِنَاءِ حِينَئِذٍ (قَوْلُهُ وُقُوعُ الْخَبَرِ إلَخْ) فِي عِبَارَتِهِ تَنَافٍ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ أَوَّلًا أَنَّ الْمُسَوِّغَ وُقُوعُ الْخَبَرِ جَارًّا وَمَجْرُورًا وَقَوْلُهُ وَجَبَ تَقْدِيمُهُ إلَخْ يُفِيدُ أَنَّ التَّقْدِيمَ هُوَ الْمُسَوَّغُ وَالتَّحْقِيقُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنَّ الْمُسَوِّغَ إنَّمَا هُوَ كَوْنُ الْخَبَرِ جَارًّا وَمَجْرُورًا وَالتَّقْدِيمُ إنَّمَا يُرْتَكَبُ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَّرَهُ يُتَوَهَّمُ كَوْنُهُ نَعْتًا؛ لِأَنَّ طَلَبَ النَّكِرَةِ لِلنَّعْتِ طَلَبٌ حَثِيثٌ لِلتَّخْصِيصِ (قَوْلُهُ فِيمَا يَبْتَدِئُونَ) أَيْ مَقَاصِدَهُمْ الْكَائِنَةَ فِي الشَّيْءِ الَّذِي يَبْتَدِئُونَ بِهِ كُتُبَهُمْ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ مَقْصُودًا ذَلِكَ الْخَاصُّ أَوْ فِي بِمَعْنَى مِنْ (قَوْلُهُ بِحَسَبِ) أَيْ بِاعْتِبَارِ وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِاخْتِلَافِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ أَغْرَاضِهِمْ) أَيْ مَقَاصِدِهِمْ وَقَوْلُهُ فِيمَا قَصَدُوا إلَخْ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ مَقْصُودًا ذَلِكَ الْخَاصُّ مَا تَقَدَّمَ أَوْ فِي بِمَعْنَى مِنْ (قَوْلُهُ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ) مِنْ بَيَانٌ لِمَا وَالْمُبَيَّنُ تِلْكَ الْأَحْكَامُ إمَّا بِاعْتِبَارِ ذَوَاتِهَا وَأَصْلِهَا أَوْ بِاعْتِبَارِهَا كُلِّهَا دُونَ أَصْلِهَا أَوْ بِاعْتِبَارِ بَعْضِهَا فَالْأَوَّلُ كَالْبُخَارِيِّ فَإِنَّهُ أَرَادَ التَّعَرُّضَ لَهَا، وَأَصْلُهَا نَاسَبَ الِابْتِدَاءَ بِالْأَصْلِ وَالثَّانِي كَابْنِ أَبِي زَيْدٍ فَإِنَّهُ لَمَّا أَرْدَاهَا كُلَّهَا دُونَ أَصْلِهَا لَمْ يَبْتَدِئْ بِالْأَصْلِ وَنَاسَبَ الِابْتِدَاءُ بِأُصُولِ الدِّينِ؛ لِأَنَّ الْفَرْعِيَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهِ وَالثَّالِثُ كَخَلِيلٍ فَإِنَّهُ أَرَادَ الْفَرْعِيَّةَ فَقَطْ فَلَمْ يُنَاسِبْ الِابْتِدَاءُ بِالْأَصْلِ وَلَا بِأُصُولِ الدِّينِ وَنَاسَبَ الِابْتِدَاءُ بِمَا اقْتَضَى الْمَقَامُ عِنْدَ كُلِّ الِابْتِدَاءِ بِهِ كَمَا تَبَيَّنَ فَتَدَبَّرْ، وَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ أَحْكَامٌ هِيَ الشَّرِيعَةُ (قَوْلُهُ بِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ) مِنْ تَعَلُّقِ الْمُتَعَلِّقِ بِكَسْرِ اللَّامِ بِالْمُتَعَلَّقِ بِفَتْحِهَا وَتِلْكَ الْأَحْكَامُ النِّسَبُ التَّامَّةُ (قَوْلُهُ وَهِيَ الِاعْتِقَادَاتُ) تَفْسِيرٌ لِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ يُجَوِّزُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ الْمُسَمَّاةُ) أَيْ الِاعْتِقَادَاتُ أَيْ مُتَعَلِّقُهَا، وَهِيَ الْأَحْكَامُ بِمَعْنَى النِّسَبِ التَّامَّةِ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ أُصُولَ الدِّينِ النِّسَبُ التَّامَّةُ كَنِسْبَةِ قَوْلِك اللَّهُ قَادِرٌ اللَّهُ مُرِيدٌ اللَّهُ سَمِيعٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَيَصِحُّ قَوْلُهُ وَهِيَ أَيْ أَحْكَامُ الشَّرِيعَةِ الِاعْتِقَادَاتُ أَيْ الْمُعْتَقَدَاتُ (قَوْلُهُ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ) مَعْطُوفٌ عَلَى أَعْمَالِ الْقُلُوبِ (قَوْلُهُ الظَّاهِرَةِ) أَيْ الْجَوَارِحِ الْمَوْصُوفَةِ بِكَوْنِهَا ظَاهِرَةً احْتِرَازًا عَنْ الْجَارِحَةِ الْبَاطِنَةِ الَّتِي هِيَ الْقَلْبُ أَوْ صِفَةٌ لِلْأَعْمَالِ أَيْ الْأَعْمَالِ الْمَوْصُوفَةِ بِالظُّهُورِ احْتِرَازًا مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ فَإِنَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَفْعَالًا إلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ ظَاهِرَةً (قَوْلُهُ الْمُسَمَّاةُ بِالْفُرُوعِ) صِفَةٌ لِأَعْمَالٍ أَيْ الْمُسَمَّاةِ تِلْكَ الْأَعْمَالُ بِالْفُرُوعِ أَيْ الْمُسَمَّى أَحْكَامُ تِلْكَ الْأَعْمَالِ بِالْفُرُوعِ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْفُرُوعَ هِيَ الْأَحْكَامُ، وَهِيَ النِّسَبُ التَّامَّةُ وَهِيَ أَحْكَامُ الْأَعْمَالِ أَيْ أَحْكَامٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْأَعْمَالِ فَثُبُوتُ الْوُجُوبِ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْوُضُوءِ مَثَلًا الَّذِي هُوَ عَمَلٌ مِنْ الْأَعْمَالِ
стр. 58
فَابْتَدَأَ الْبُخَارِيُّ بِبَيَانِ بَدْءِ الْوَحْيِ لِقَصْدِ بَيَانِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَمَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ وَغَيْرِهِ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ وَابْتَدَأَ مُسْلِمٌ بِكِتَابِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ تَقَرَّرَتْ وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى بَيَانِ أَحْكَامِهَا الْأُصُولِيَّةِ وَالْفَرْعِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي قَصَدَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي ابْتِدَاءِ رِسَالَتِهِ بِالْكَلَامِ فِي الْعَقَائِدِ وَمَنْ لَمْ يَبْتَدِئْ بِبَيَانِ الْعَقَائِدِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ رَأَى أَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ فِي فُرُوعِ الدِّينِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَقَرُّرِ الْعَقَائِدِ الَّذِي هُوَ الْوَاجِبُ الْأَوَّلُ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مَا هُوَ وَكُلُّ هَؤُلَاءِ أَوْ جُلُّهُمْ ابْتَدَءُوا بِالْكَلَامِ فِي أَوَّلِ أَرْكَانِ الْفُرُوعِ الَّتِي بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَيْهَا، وَهُوَ الصَّلَاةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ بَعْدَ رُكْنِ الْأَصْلِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الشَّهَادَتَانِ تَبَرُّكًا بِالْحَدِيثِ وَلِأَنَّهَا مِنْ الدِّينِ كَالرَّأْسِ مِنْ الْجَسَدِ، ثُمَّ لَا يَتَحَدَّثُونَ بَعْدَهَا فِي الْغَالِبِ إلَّا فِي بَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ إلَّا أَنَّ مَقَاصِدَهُمْ اخْتَلَفَتْ هُنَا أَيْضًا فَمَنْ ابْتَدَأَ بِالْكَلَامِ فِي الطَّهَارَةِ وَهُمْ الْأَكْثَرُونَ رَأَوْا أَنَّهَا مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الَّتِي بِهِ تُدْخَلُ وَالْكَلَامُ فِي الشَّرْطِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ بِبَيَانِ بَدْءِ الْوَحْيِ) أَيْ ابْتِدَاءِ الْوَحْيِ أَيْ فَابْتَدَأَ الْبُخَارِيُّ بِبَيَانِ ابْتِدَاءِ الْوَحْيِ الْوَحْيُ لُغَةً الْإِعْلَامُ فِي خَفَاءٍ وَفِي اصْطِلَاحِ الشَّرْعِ إعْلَامُ اللَّهِ تَعَالَى أَنْبِيَاءَهُ الشَّيْءَ إمَّا بِكِتَابٍ أَوْ رِسَالَةِ مَلَكٍ أَوْ مَنَامٍ أَوْ إلْهَامٍ أَيْ تَبْيِينِ الْحَالِ الْوَاقِعِ فِي ابْتِدَاءِ الْوَحْيِ كَمَا أَشَارَ لَهُ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ «فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ لَهُ اقْرَأْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَا أَنَا بِقَارِئٍ قَالَ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ بِفَتْحِ الْجِيمِ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ» إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ (قَوْلُهُ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ) أَيْ أَصْلِ الشَّرِيعَةِ الَّذِي هُوَ الْوَحْيُ الْأَوَّلُ وَجُمِعَ لِعِظَمِهِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَحْيَ الْأَوَّلَ أَسَاسُ الْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ وَالْأَصْلِيَّةِ وَقَوْلُهُ وَمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ إلَخْ أَيْ الْمُحْتَوِي عَلَى الشَّرِيعَةِ وَقَوْلُهُ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ أَيْ لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ أَسَاسُهَا (قَوْلُهُ تَقَرَّرَتْ) أَيْ ثَبَتَتْ حَقِيقَتُهَا بِالْوَحْيِ الْأَوَّلِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ أَحْكَامِهَا) أَيْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ فَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ وَيُرَادُ بِالْأَحْكَامِ الْأُصُولِيَّةِ الْأَحْكَامُ الِاعْتِقَادِيَّةُ (قَوْلُهُ وَالْفَرْعِيَّةِ) هِيَ الْأَحْكَامُ الْفِقْهِيَّةُ وَالْأُصُولِيَّةُ نِسْبَةً لِلْأُصُولِ مِنْ نِسْبَةِ الْخَاصِّ لِلْعَامِّ إنْ أُرِيدَ بِالْأُصُولِ الْمَنْسُوبِ إلَيْهَا مُطْلَقُ أُصُولٍ أَوْ مِنْ نِسْبَةِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ لِقَصْدِ الْمُبَالَغَةِ إنْ أُرِيدَ الْقَوَاعِدُ الْمَعْلُومَةُ وَقَوْلُهُ وَالْفَرْعِيَّةُ مِنْ نِسْبَةِ الْجُزْئِيَّاتِ لِكُلِّيِّهَا وَالْفَرْعُ هُوَ الْحُكْمُ الْمُسْتَنْبَطُ بِالِاجْتِهَادِ مِنْ الدَّلِيلِ التَّفْصِيلِيِّ وَلْنُمْسِكْ عِنَانَ الْقَلَمِ عَنْ التَّطْوِيلِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ بَيَانُ أَحْكَامِهَا الْأُصُولِيَّةِ وَالْفَرْعِيَّةِ (قَوْلُهُ فِي ابْتِدَاءِ رِسَالَتِهِ) أَيْ مِنْ أَجْلِ ابْتِدَاءِ رِسَالَتِهِ بِالْكَلَامِ إلَخْ أَيْ مِنْ أَجْلِ جَمْعِهِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ مُبْتَدِئًا بِالْكَلَامِ أَيْ التَّكَلُّمِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ فِي فُرُوعِ الدِّينِ) أَيْ الَّتِي هِيَ الْأَحْكَامُ الْفِقْهِيَّةُ أَيْ رَأَى أَنَّ الْكَلَامَ أَيْ التَّكَلُّمَ الْمُحْتَاجَ لَهُ إنَّمَا هُوَ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ بَعْدَ أَنْ تَقَرَّرَتْ الْعَقَائِدُ أَيْ اُعْتُقِدَتْ وَجُزِمَ بِهَا جَزْمًا مُطَابِقًا لِلْحَقِّ عَنْ دَلِيلٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى بَيَانِهَا، وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ لِبَيَانِ الْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ، وَقَوْلُهُ الَّذِي هُوَ الْوَاجِبُ الْأَوَّلُ أَيْ التَّقْرِيرُ بِمَعْنَى عِلْمِهَا وَاعْتِقَادِهَا بِالدَّلِيلِ، وَإِضَافَةُ فُرُوعٍ إلَى الدِّينِ مِنْ إضَافَةِ الْجُزْءِ إلَى الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الدِّينَ مَجْمُوعُ الْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ وَالْأَصْلِيَّةِ (قَوْلُهُ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ) فَقِيلَ أَوَّلُ وَاجِبٍ مَعْرِفَةُ اللَّهِ قَالَ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ
وَاجْزِمْ بِأَنَّ أَوَّلًا مِمَّا يَجِبُ
مَعْرِفَةُ إلَخْ، وَهُوَ الْمُشَارُ لَهُ بِقَوْلِهِ الَّذِي هُوَ الْوَاجِبُ الْأَوَّلُ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ يَصْدُقُ عَلَيْهَا تَقَرُّرُ عَقَائِدَ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَتَضَمَّنُ مَعْرِفَةَ وُجُودِهِ وَمَعْرِفَةَ قِدَمِهِ وَمَعْرِفَةَ بَقَائِهِ وَقِيلَ الْوَاجِبُ الْأَوَّلُ النَّظَرُ وَقِيلَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنْ النَّظَرِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ أَوْ جُلُّهُمْ) يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَوْ لِلشَّكِّ أَوْ الْإِضْرَابِ (قَوْلُهُ بِالْكَلَامِ) أَيْ التَّكَلُّمِ (قَوْلُهُ فِي أَوَّلِ أَرْكَانِ) أَيْ فِي أَحْكَامِ أَوَّلِ إلَخْ (قَوْلُهُ الْفُرُوعِ) أَيْ فَالصَّلَاةُ بَيْنَ أَرْكَانِ الْفُرُوعِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْفُرُوعَ هِيَ الْأَحْكَامُ الْفِقْهِيَّةُ وَأَرْكَانُهَا خَمْسَةٌ فَالرُّكْنُ الْأَوَّلُ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ الصَّلَاةُ وَجَعَلَهَا أَرْكَانًا لِلْفُرُوعِ مِنْ حَيْثُ إنَّ إثْبَاتَهَا مُتَوَقِّفٌ عَلَى إقَامَتِهَا (قَوْلُهُ الَّتِي بُنِيَ) صِفَةُ أَرْكَانِ الْفُرُوعِ مِنْ بِنَاءِ الْكُلِّ عَلَى مُعْظَمِ أَجْزَائِهِ أُرِيدَ بِالْإِسْلَامِ الْإِسْلَامُ الْكَامِلُ، وَهُوَ مَجْمُوعُ الْأَعْمَالِ الشَّامِلِ لِلْخَمْسَةِ وَغَيْرِهَا أَوْ أُرِيدَ بِهِ النَّاقِصُ، وَهُوَ الْإِذْعَانُ الظَّاهِرِيُّ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْإِذْعَانِ الْبَاطِنِيِّ (قَوْلُهُ وَهِيَ الصَّلَاةُ) أَيْ أَوَّلُ أَرْكَانِ الْفُرُوعِ الصَّلَاةُ.
(قَوْلُهُ بَعْدَ رُكْنِ الْأَصْلِ) الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ بَعْدَ رُكْنٍ هُوَ الْأَصْلُ الْأَوَّلُ (قَوْلُهُ تَبَرُّكًا إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ ابْتَدَءُوا إلَخْ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهَا مِنْ الدِّينِ) أَيْ وَلِأَنَّهَا مِنْ جِهَةِ الدِّينِ كَالرَّأْسِ مِنْ الْجَسَدِ فَكَمَا لَا نِظَامَ لِلْجَسَدِ بِدُونِ الرَّأْسِ بَلْ يَتْلَفُ بِتَلَفِ الرَّأْسِ كَذَا لَا نِظَامَ لِلْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ بِدُونِ الصَّلَاةِ إذْ بِضَيَاعِ الصَّلَاةِ تَضِيعُ الْأَحْكَامُ أَيْ فَتُنْسَى فَلَا يُعْمَلُ بِهَا وَبِحِفْظِهَا تُحْفَظُ الْأَحْكَامُ أَيْ لَا تُنْسَى فَيُنْتَفَعُ بِالْعَمَلِ بِهَا وَأَرَادَ بِالدِّينِ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ مِنْ كُلِّ طَاعَةٍ (قَوْلُهُ: ثُمَّ لَا يَتَحَدَّثُونَ بَعْدَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ فِي الْغَالِبِ إلَخْ أَيْ وَمِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ لَا يَتَكَلَّمُ عَلَى بَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ وَقَوْلُهُ بَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ أَيْ مِنْ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ (قَوْلُهُ هُنَا أَيْضًا) أَيْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمُوا فِيهِ فِي الْعَقَائِدِ (قَوْلُهُ فَمَنْ ابْتَدَأَ بِالْكَلَامِ فِي الطَّهَارَةِ) أَيْ مُتَعَلِّقَاتِ الطَّهَارَةِ وَسَيَأْتِي تَعْرِيفُ الطَّهَارَةِ (قَوْلُهُ أَيْضًا) أَيْ كَمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ الْأَوَّلُ الْمُبَيَّنُ بِقَوْلِهِ فَالْبُخَارِيُّ ابْتَدَأَ بِكَذَا إلَخْ (قَوْلُهُ الَّتِي) أَيْ الصَّلَاةُ تُدْخَلُ أَيْ بِالْمِفْتَاحِ أَيْ يُدْخَلُ فِيهَا وَلَمَّا كَانَتْ الْمِفْتَاحِيَّةُ عِبَارَةً عَنْ الشَّرْطِيَّةِ بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ وَالْكَلَامُ فِي الشَّرْطِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْكَلَامِ فِي الْمَشْرُوطِ
стр. 59
وَمَنْ ابْتَدَأَ بِالْكَلَامِ فِي وُقُوتِ الصَّلَاةِ كَفِعْلِ الْإِمَامِ فِي الْمُوَطَّأِ رَأَى أَنَّ الْخِطَابَ بِالطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَقَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَيْهِ، ثُمَّ عَادَ إلَى الْكَلَامِ فِي الطَّهَارَةِ، ثُمَّ الَّذِينَ ابْتَدَءُوا بِالطَّهَارَةِ أَوْ ذَكَرُوهَا بَعْدَ الْعَقَائِدِ اخْتَلَفَتْ آرَاؤُهُمْ فِيمَا يُقَدِّمُونَ مِنْ أَنْوَاعِهَا فَمِنْهُمْ مَنْ ابْتَدَأَ بِذِكْرِ عَمَلِ الْوُضُوءِ كَالْمُدَوَّنَةِ وَابْنِ الْحَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ وَمِنْهُمْ مَنْ ابْتَدَأَ بِذِكْرِ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ كَالرِّسَالَةِ؛ لِأَنَّهُ السَّابِقُ عَلَيْهِ عَادَةً وَمِنْهُمْ مَنْ ابْتَدَأَ بِذِكْرِ مَا يَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ، وَهُوَ الْمَاءُ فِي الْغَالِبِ؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يُوجَدْ هُوَ وَلَا بَدَلُهُ لَا تُوجَدُ الطَّهَارَةُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ سَابِقًا عَلَى الْكَلَامِ فِيهَا لِأَنَّهُ كَالْآلَةِ وَاسْتَدْعَى الْكَلَامُ فِيهِ الْكَلَامَ عَلَى الطَّهَارَةِ مِنْ الْأَشْيَاءِ وَالنَّجَسِ مِنْهَا لِكَيْ يُعْلَمَ مَا يُنَجِّسُ الَّذِي بِهِ تَكُونُ الطَّهَارَةُ وَمَا لَا يُنَجِّسُهُ وَمَا يَمْنَعُ التَّلَبُّسُ بِهِ مِنْ التَّقَرُّبِ بِالصَّلَاةِ وَمَا فِي حُكْمِهَا كَالطَّوَافِ وَمَا لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمُؤَلِّفِ وَمَنْ سَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ جَرَتْ عَادَتُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِبَيَانِ حَقَائِقَ سِتَّةٍ بَلْ سَبْعَةٍ وَهِيَ الطَّهَارَةُ وَالنَّجَاسَةُ وَالطَّاهِرُ وَالنَّجَسُ وَالطَّهُورِيَّةُ وَالتَّطْهِيرُ وَالتَّنْجِيسُ وَالتَّرْجَمَةُ الْمُضَافُ إلَيْهَا الْبَابُ هُنَا الطَّهَارَةُ وَعَلَيْهَا نَقْتَصِرُ عَلَى بَيَانِهَا وَمَا لِلِاخْتِصَارِ فَنَقُولُ الطَّهَارَةُ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَهِيَ لُغَةً النَّزَاهَةُ وَالنَّظَافَةُ مِنْ الْأَدْنَاسِ وَالْأَوْسَاخِ وَتُسْتَعْمَلُ مَجَازًا فِي التَّنْزِيهِ عَنْ الْعُيُوبِ وَشَرْعًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَهِيَ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا جَوَازَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ أَوْ لَهُ فَالْأُولَيَانِ مِنْ خَبَثٍ وَالْأَخِيرَةُ مِنْ حَدَثٍ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ رَأَى أَنَّ الْخِطَابَ بِالطَّهَارَةِ) أَيْ بِالْأَمْرِ الْمُحَصِّلِ لَهَا أَوْ أَرَادَ بِالطَّهَارَةِ التَّطْهِيرَ غَيْرَ مَا أَرَادَ ابْنُ عَرَفَةَ.
(قَوْلُهُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ الْخِطَابَ أَيْ الْخِطَابُ بِهَا أَيْ طَلَبُهَا الْآتِي عَلَى طَرِيقٍ هِيَ الْوُجُوبُ مِنْ إتْيَانِ الْجِنْسِ عَلَى أَحَدِ أَنْوَاعِهِ أَيْ فِي أَحَدِ أَنْوَاعِهِ فَالْوُجُوبُ أَحَدُ أَنْوَاعِ الطَّلَبِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ عَادَ إلَى الْكَلَامِ فِي الطَّهَارَةِ) أَيْ رَجَعَ إلَى الْكَلَامِ فِي الطَّهَارَةِ أَيْ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي لَهَا ارْتِبَاطٌ بِالطَّهَارَةِ وَتَعَلُّقٌ بِهَا وَقَوْلُهُ، ثُمَّ الَّذِينَ ابْتَدَءُوا بِالطَّهَارَةِ أَيْ بِالْأَحْكَامِ الَّتِي لَهَا ارْتِبَاطٌ بِالطَّهَارَةِ الَّتِي هِيَ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ عَلَى مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ ابْتَدَءُوا بِالطَّهَارَةِ) أَيْ الَّذِينَ لَمْ يَتَكَلَّمُوا عَلَى الْعَقَائِدِ وَقَوْلُهُ أَوْ ذَكَرُوهَا بَعْدَ الْعَقَائِدِ انْتِقَالٌ لِمَا هُوَ أَعَمُّ (قَوْلُهُ مِنْ أَنْوَاعِهَا) أَيْ الطَّهَارَةِ أَرَادَ بِأَنْوَاعِهَا مَالَهُ ارْتِبَاطٌ بِهَا الْمُبَيَّنُ بِمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ عَمَلِ الْوُضُوءِ) أَيْ عَمَلٍ هُوَ الْوُضُوءُ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ السَّابِقُ) أَيْ؛ لِأَنَّ النَّاقِضَ سَابِقٌ عَلَيْهِ عَادَةً وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا كَانَ نَاقِضًا لِلْوُضُوءِ يَكُونُ قَطْعًا مُتَأَخِّرًا عَنْهُ وَلَا يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ السَّابِقُ عَلَيْهِ عَادَةً وَيُجَابُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّاقِضِ الْمُوجِبَ تَأَمَّلْ وَقَوْلُهُ وَبِذِكْرِ مَا يَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ أَيْ بِسَبَبِ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ أَوْ أَرَادَ بِهَا التَّطْهِيرَ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَقْدِيرٍ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يُوجَدْ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ بِذِكْرِ مَا يَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ (قَوْلُهُ لَا تُوجَدُ الطَّهَارَةُ) أَيْ سَبَبُهَا مِنْ الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ فِيهَا) أَيْ أَسْبَابِهَا (قَوْلُهُ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَاءِ (قَوْلُهُ حَقَائِقَ سِتَّةٍ بَلْ سَبْعَةٌ) اُنْظُرْ الْمُنْتَقَلَ عَنْهُ الَّذِي هُوَ السِّتَّةُ مَا هِيَ مِنْ السَّبْعَةِ وَلَعَلَّهُ مَا عَدَا الطَّهُورِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ لَهَا مُقَابِلٌ وَسَكَتَ عَنْ النَّجَسِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُسْتَعْمَلْ فِي الشَّرْعِ وَلَوْ اُسْتُعْمِلَ لَقِيلَ فِي رَسْمِهَا صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا كَوْنَ الْمُلْقَى هُوَ فِيهِ نَجَسًا.
(قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ نَقْتَصِرُ) لَا يَخْفَى أَنَّ إتْمَامَ الْفَائِدَةِ بِذِكْرِ الْبَاقِي فَنَقُولُ الطَّاهِرُ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِصِفَةٍ حُكْمِيَّةٍ أَوْجَبَتْ لَهُ جَوَازَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ وَالنَّجِسُ بِكَسْرِ الْجِيمِ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِصِفَةٍ حُكْمِيَّةٍ أَوْجَبَتْ لَهُ مَنْعَ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ وَحَدُّ الطَّهُورِيَّةِ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَهِيَ كَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ مِنْ خَوَاصِّ الْمَاءِ لَا تَتَعَدَّاهُ لِسَائِرِ الْمَائِعَاتِ إجْمَاعًا صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا كَوْنَهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمُزَالُ بِهِ نَجَاسَتُهُ طَاهِرًا وَضَمِيرُ بِهِ يَعُودُ عَلَى الْمَوْصُوفِ وَضَمِيرِ نَجَاسَتِهِ يَعُودُ عَلَى أَلْ الْمَوْصُولَةِ وَنَجَاسَتُهُ نَائِبُ الْفَاعِلِ وَطَاهِرًا خَبَرُ صَارَ فَالْمَوْصُوفُ بِالطَّهُورِيَّةِ هُوَ الْمَاءُ وَالْمُزَالُ بِهِ نَجَاسَتُهُ هُوَ الثَّوْبُ مَثَلًا فَالطَّهُورِيَّةُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِلْمَوْصُوفِ بِهَا الَّذِي هُوَ الْمَاءُ كَوْنَ ذَلِكَ الْمَاءِ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمُزَالُ بِهِ نَجَاسَتُهُ، وَهُوَ الثَّوْبُ مَثَلًا بِذَلِكَ الْمَاءِ طَاهِرًا وَحَدُّ التَّطْهِيرِ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ أَوْ رَفْعُ مَانِعِ الصَّلَاةِ وَمِنْهُ يُتَعَقَّلُ حَدُّ ضِدِّهِ الَّذِي هُوَ التَّنْجِيسُ فَيُقَالُ هُوَ إلْقَاءُ النَّجَسِ بِطَاهِرٍ، وَأَمَّا الطُّهَارَةُ بِضَمِّ الطَّاءِ فَهِيَ فَضْلَةُ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ وَيُقَالُ لِتِلْكَ الْفَضْلَةِ طُهُورِيَّةٌ بِضَمِّ الطَّاءِ أَيْضًا، وَأَمَّا الطِّهَارَةُ بِالْكَسْرِ فَهِيَ مَا يُضَافُ إلَى الْمَاءِ مِنْ صَابُونٍ أَوْ غَاسُولٍ أَوْ نَحْوِهِمَا (قَوْلُهُ وَالنَّظَافَةُ) عَطْفُ مُرَادِفٍ (قَوْلُهُ وَالْأَوْسَاخِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ جَمْعُ وَسَخٍ مَا عَلَى الثَّوْبِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ قِلَّةِ التَّعَهُّدِ (قَوْلُهُ وَتُسْتَعْمَلُ مَجَازًا) أَيْ مَجَازَ اسْتِعَارَةٍ تَبِعَ فِيهِ الْحَطَّابَ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ لُغَةً فِي النَّظَافَةِ وَالْخُلُوصِ مِنْ الْأَدْنَاسِ حِسِّيَّةً كَانَتْ كَالْأَنْجَاسِ أَوْ مَعْنَوِيَّةً كَالْعُيُوبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] أَيْ مُخَلِّصُك مِنْ أَدْنَاسِهِمْ ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] أَيْ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ الْعَيْبِ
وَحِينَئِذٍ فَلَفْظُ الطَّهَارَةِ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَتَبِعَهُ فِي ذَلِكَ الرَّصَّاعُ وتت فِي شَرْحِهِ عَلَى الْجَلَّابِ (قَوْلُ جَوَازَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ أَوْ لِلتَّرْدِيدِ وَالتَّرْدِيدُ يُنَافِي التَّحْدِيدَ وَأُجِيبُ بِأَنَّ التَّرْدِيدَ فِي مُتَعَلِّقِ الْحَدِّ لَا فِي الْحَدِّ نَفْسِهِ فَيُقَالُ أَنَّ الصُّفَّةَ الْحُكْمِيَّةَ أَوْجَبَتْ جَوَازَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِالْإِطْلَاقِ إمَّا بِشَيْءٍ أَوْ فِي شَيْءٍ أَوْ لِشَيْءٍ، وَبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ أَيْضًا مَا يَرِدُ مِنْ أَنَّ فِيهِ جَمْعَ حَقَائِقَ فِي حَدٍّ وَاحِدٍ، وَهُوَ طَهَارَةُ الْحَدَثِ وَطَهَارَةُ الْخَبَثِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْجَمْعَ فِي الْمُتَعَلِّقِ أَوْ أَنَّ ذَلِكَ فِي قُوَّةِ تَعَارِيفَ لِكَوْنِ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ
стр. 60
وَيُقَابِلُهَا بِهَذَا الْمَعْنَى النَّجَاسَةُ فَيُقَالُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ أَيْضًا هِيَ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا مَنْعَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ انْتَهَى وَمَعْنَى قَوْلِهِ حُكْمِيَّةٌ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِهَا وَيُقَدَّرُ قِيَامُهَا بِمَحَلِّهَا وَلَيْسَتْ مَعْنًى وُجُودِيًّا قَائِمًا بِمَحَلِّهِ لَا مَعْنَوِيًّا كَالْعِلْمِ لِصَاحِبِهِ وَلَا حِسِّيًّا كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ وَقَوْلُهُ بِهِ أَيْ بِمُلَابِسِهِ فَيَشْمَلُ الثَّوْبَ وَالْبَدَنَ وَالْمَاءَ وَكُلَّ مَا يَجُوزُ لِلْمُصَلِّي مُلَابَسَتُهُ فَانْدَفَعَ أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ طَهَارَةَ الْمَاءِ الْمُضَافِ وَقَوْلُهُ فِيهِ يُرِيدُ بِهِ الْمَكَانَ وَقَوْلُهُ يُرِيدُ بِهِ الْمُصَلِّيَ، وَهُوَ شَامِلٌ لِطَهَارَةِ الْمُصَلِّي مِنْ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ بَعْدُ وَالْأَخِيرَةُ مِنْ حَدَثٍ يَخُصُّهُ بِهِ وَقَوْلُهُ فِي حَدِّ النَّجَاسَةِ تُوجِبُ مَنْعَ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ اقْتَصَرَ عَلَى هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ وَهُمَا الْمُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِقَوْلِهِ فِي حَدِّ الطَّهَارَةِ فَالْأُولَيَانِ مِنْ خَبَثٍ وَلَمْ يَقُلْ أَوَّلُهُ كَمَا فِي حَدِّ الطَّهَارَةِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ شَرْعًا لِلْحَدَثِ نَجَاسَةٌ وَلَا لِلْمُحْدِثِ نَجَسٌ وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ وَفِيهِ وَلَهُ عَائِدٌ عَلَى الْمَوْصُوفِ مِنْ قَوْلِهِ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا وَمَعْنَى
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ وَيُقَابِلُهَا بِهَذَا الْمَعْنَى) أَيْ، وَأَمَّا لَا بِهَذَا الْمَعْنَى فَلَا يُقَابِلُهَا النَّجَاسَةُ بِأَنْ أُرِيدَ مِنْ الطَّهَارَةِ رَفْعُ الْحَدَثِ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ الطَّهَارَةُ وَاجِبَةٌ وَاسْتَظْهَرَ الْحَطَّابُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْمَعْنَيَيْنِ فَالْأَحْسَنُ التَّعَرُّضُ لِبَيَانِ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا مَنْعَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ إلَخْ) أَوْرَدَ عَلَى تَعْرِيفِ النَّجَاسَةِ أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ لِشُمُولِهِ الثَّوْبَ الْمَغْصُوبَ وَالدَّارَ الْمَغْصُوبَةَ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى كُلٍّ أَنَّ بِهِ صِفَةً حُكْمِيَّةً تَمْنَعُ الصَّلَاةَ بِهِ أَوْ فِيهِ وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ أَثَرُ الْغَصْبِ الَّذِي هُوَ مَانِعٌ مِنْ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِالشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ أَوْ فِيهِ وَهُوَ تَعَلُّقُ حَقِّ الْمَالِكِ بِهِ لَا يُسَمَّى صِفَةً فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ (قَوْلُهُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ حُكْمِيَّةٌ إلَخْ) أَيْ فَقَوْلُهُ صِفَةٌ كَالنَّجَسِ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الصِّفَاتِ (قَوْلُهُ وَيُقَدَّرُ قِيَامُهَا) عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَيْ فَهِيَ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ أُورِدَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْأُمُورَ الِاعْتِبَارِيَّةَ لَا تَكُونُ صِفَةً وَالْجَوَابُ بِأَنَّهُ اصْطِلَاحٌ شَرْعِيٌّ وَبِهِ يُجَابُ عَنْ جَعْلِهَا عِلَّةً مَعَ أَنَّهَا عَدَمِيَّةٌ وَالْعِلَّةُ وُجُودِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْعَدَمَ الْمُقَيَّدَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً وَالْخِلَافُ فِي تَعْلِيلِ الْوُجُودِ بِالْعَدَمِ فِي الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ أَمَّا الْمَنْصُوصَةُ فَجَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ كَالْعَدَمِيَّيْنِ (قَوْلُهُ وَلَيْسَتْ مَعْنَى وُجُودِيًّا) أَيْ لَيْسَتْ صِفَةً وُجُودِيَّةً يُمْكِنُ رُؤْيَتُهَا (قَوْلُهُ لَا مَعْنَوِيًّا) أَرَادَ بِهِ الْأَمْرَ الْوُجُودِيَّ الَّذِي يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ لَكِنْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِالرُّؤْيَةِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْكَلَامِ (قَوْلُهُ وَلَا حِسِّيًّا) أَيْ كَالْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ مِمَّا يُرَى بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ لِمَوْصُوفِهَا لِشِبْهِ الْمِلْكِ وَالِاسْتِحْقَاقِ لَا لِلتَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ إيجَابَ اسْتِبَاحَةٍ لِأَجْلِ الْمَوْصُوفِ لَا لِلْمَوْصُوفِ وَالْمَعْنَى عَلَى جَعْلِهَا لِشِبْهِ الْمِلْكِ وَالِاسْتِحْقَاقِ ظَاهِرٌ أَيْ أَنَّ الْمَوْصُوفَ صَارَ كَالْمَالِكِ لِإِبَاحَةِ الصَّلَاةِ أَوْ مُسْتَحِقًّا لَهَا ثُمَّ هَذَا ظَاهِرٌ إنْ جَعَلَ قَوْلَهُ لِمَوْصُوفِهَا مُتَعَلِّقًا بِمَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ جَوَازَ اسْتِبَاحَتِهِ إلَخْ، وَأَمَّا عَلَى جَعْلِهَا مُتَعَلِّقَةً بِ تُوجِبُ فَهِيَ لِلتَّعْدِيَةِ.
(فَإِنْ قُلْت) يَرِدُ عَلَى هَذَا طَهَارَةُ الْمَيِّتِ فَإِنَّهَا أَوْجَبَتْ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَلَمْ تُوجِبْ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ لَهُ وَلَا بِهِ وَلَا فِيهِ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ أَوْ عَلَيْهِ لِيَدْخُلَ ذَلِكَ وَيَجْرِيَ نَحْوُهُ فِي طَهَارَةِ الذِّمِّيَّةِ لِزَوْجِهَا الْمُسْلِمِ أَيْ لِوَطْئِهَا فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ أَوْ لِلتَّمَتُّعِ بِهِ أَيْضًا وَبَعْدَ ذَلِكَ لَا يَشْمَلُ الْوُضُوءَ لِلسَّلَاطِينِ وَالْوُضُوءَ لِلتِّلَاوَةِ أَيْضًا وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ تُوجِبُ لَهُ الْجَوَازَ بِشَرْطِ تَوَفُّرِ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ؛ وَلِذَا لَوْ وُجِدَتْ الطَّهَارَةُ الْكُبْرَى وَحَصَلَ مَانِعُ الصُّغْرَى فَلَا يُقَالُ أَنَّ الْكُبْرَى لَيْسَتْ طَهَارَةً لِعَدَمِ إيجَابِهَا الْإِبَاحَةَ الْمَذْكُورَةَ بَلْ طَهَارَةٌ وَعَدَمُ إيجَابِهَا الْمَانِعَ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا طَهَارَةً فَطُهْرُ الذِّمِّيَّةِ وَمَا مَعَهَا طَهَارَةٌ لَوْلَا الْمَانِعَ وَالْمَانِعُ هُوَ الْمَوْتُ وَالْكُفْرُ، وَأَمَّا الْوُضُوءُ لِلدُّخُولِ عَلَى السَّلَاطِينِ وَنَحْوِهِ فَلَيْسَ بِطَهَارَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَالتَّعْرِيفُ لَهَا وَفِيهِ شَيْءٌ لِظَاهِرِ إطْلَاقِهِمْ عَلَيْهِ أَنَّهُ طَهَارَةٌ وَشَرْعًا، وَأَمَّا الْأَوْضِيَةُ الْمُسْتَحَبَّةُ وَالِاغْتِسَالَاتُ الْمَسْنُونَةُ وَالْمُسْتَحَبَّةُ الَّتِي يُصَلَّى بِهَا فَإِنَّهَا تُوجِبُ جَوَازَ الِاسْتِبَاحَةِ لَوْلَا وُجُودُ مِثْلِهَا إذْ الْمِثْلَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يَرِدُ عَلَى الرَّسْمِ أَنَّهُ صَادِقٌ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَإِحْرَامِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا صِفَاتٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا مَا ذُكِرَ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا طَهَارَةً؛ لِأَنَّهُ أُجِيبَ بِأَنَّ هَذِهِ أَفْعَالٌ لَا صِفَاتٌ فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا مَبْدَأُ الرَّسْمِ أَوْ يُقَالُ أَنَّ الصَّلَاةَ بِدُونِ الْأَوْضِيَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ وَالِاغْتِسَالَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ أَوْ الْمَسْنُونَةِ مَكْرُوهَةٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى فَلَا تَكُونُ مُبَاحَةً وَبِهَا تَصِيرُ مُبَاحَةً فَصَدَقَ التَّعْرِيفُ عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ بِهِ أَيْ بِمُلَابِسِهِ) كَذَا فِي نُسْخَتِهِ وَالْمُنَاسِبُ بِمُلَابَسَتِهِ كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الشُّرَّاحِ (قَوْلُهُ وَالْبَدَنَ) أَيْ بَدَنَ الْمُصَلِّي (قَوْلُهُ وَالْمَاءَ) الَّذِي يَحْمِلُهُ الْمُصَلِّي لِقَوْلِهِ وَكُلُّ مَا يَجُوزُ لِلْمُصَلِّي مُلَابَسَتُهُ (قَوْلُهُ أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ طَهَارَةَ الْمَاءِ الْمُضَافِ) الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ فَانْدَفَعَ الْبَحْثُ بِأَنَّهُ لَا يَشْمَلُ طَهَارَةَ الْجَسَدِ مِنْ الْخَبَثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مُلَابِسٍ لِلْمُصَلِّي وَقَوْلُهُ الْمَاءُ الْمُضَافُ لَا خُصُوصِيَّةً لِلْمَاءِ وَلَا قَيْدَ كَوْنِهِ مُضَافًا؛ لِأَنَّ الْبَحْثَ وَارِدٌ بِكُلِّ مَا يَحْمِلُهُ الْمُصَلِّي كَانَ مَاءً أَوْ غَيْرَهُ كَانَ الْمَاءُ مُضَافًا أَمْ لَا وَيُرَادُ بِقَوْلِهِ بِمُلَابَسَتِهِ أَيْ مَعَ الِاتِّصَالِ بِهِ فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ يَسْتَغْنِي عَنْ فِيهِ بِتَقْدِيرِ مُلَابِسِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ شَامِلٌ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقَالُ لَهُ مُتَطَهِّرٌ بِالنِّسْبَةِ لِطَهَارَتِهِ مِنْ الْحَدَثِ بِالْوُضُوءِ وَمُتَطَهِّرٌ بِالنِّسْبَةِ لِطَهَارَةِ بَدَنِهِ مِنْ الْخَبَثِ لَكِنْ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ وَالْأَخِيرَةُ مِنْ حَدَثٍ تَقْصُرُ الْمُصَلِّيَ عَلَى الْمُصَلِّي عَلَى الْحَدَثِ فَلَا يُقَالُ لَهُ مُتَطَهِّرٌ بِاعْتِبَارِ طَهَارَةِ الْخَبَثِ وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ مُتَطَهِّرٌ بِاعْتِبَارِ الْحَدَثِ (وَأَقُولُ) بِحَمْدِ اللَّهِ إيرَادُهُمْ الْبَدَنَ وَجَوَابَهُ بِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّخْصِ الرُّوحُ فَقَطْ فَلَا يُقَالُ حِينَئِذٍ أَنَّ قَوْلَهُ لَهُ شَامِلٌ لِطَهَارَةِ الْمُصَلِّي مِنْ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ (قَوْلُهُ وَلَا لِلْمُحْدِثِ نَجَسٌ) نَقُولُ مُسَلَّمٌ أَنَّهُ لَا يُقَالُ لَهُ نَجَسٌ بِاعْتِبَارِ الْحَدَثِ لَكِنْ يُقَالُ لَهُ نَجَسٌ بِاعْتِبَارِ قِيَامِ النَّجَاسَةِ بِبَدَنِهِ أَيْ مُتَنَجِّسٌ.
(قَوْلُهُ وَالضَّمِيرُ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ اشْتَرَكَا فِي أَنَّ كُلًّا يُوجِبُ لِمَوْصُوفِهِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ
стр. 61
تُوجِبُ تُصَحِّحُ وَمَعْنَى جَوَازِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ أَيْ تُصَحِّحُ لِمَوْصُوفِهَا جَوَازَ طَلَبِ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ طَلَبَ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ شَرْعًا مَعَ الْمَانِعِ كَانَ مَمْنُوعًا فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَجُوزُ لَهُ شَرْعًا طَلَبُ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ مِفْتَاحِهَا، وَهُوَ الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّ مَنْ لَيْسَ مَعَهُ مِفْتَاحٌ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَسَوَّرَ عَلَى طَلَبِ إبَاحَةِ الدُّخُولِ فَإِذَا وَجَدَ مِفْتَاحَهَا ثَبَتَ جَوَازُ طَلَبِ إبَاحَةِ الدُّخُولِ فَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ جَوَازُ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ كَمَا قِيلَ.
(ص) يُرْفَعُ الْحَدَثُ وَحُكْمُ الْخَبَثِ بِالْمُطْلَقِ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْحَدَثَ، وَهُوَ الْمَنْعُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ لَا يَرْفَعُهُ إلَّا الْمَاءُ الْمُطْلَقُ وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْخَبَثِ، وَهُوَ الْبَاقِي بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ لَا يُزَالُ إلَّا بِالْمُطْلَقِ، وَأَمَّا عَيْنُ النَّجَاسَةِ فَتُزَالُ بِكُلِّ قِلَاعٍ وَالْحَدَثُ بِفَتْحَتَيْنِ لُغَةً وُجُودُ الشَّيْءِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَشَرْعًا يُطْلَقُ عَلَى الْخَارِجِ الْمُعْتَادِ وَعَلَى الْخُرُوجِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ آدَابُ الْحَدَثِ وَعَلَى الْوَصْفِ الْحُكْمِيِّ الْمُقَدَّرِ قِيَامُهُ بِالْأَعْضَاءِ قِيَامَ الْأَوْصَافِ الْحِسِّيَّةِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ يَمْنَعُ الْحَدَثَ كَذَا وَعَلَى الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الثَّلَاثَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ هُنَا يُرْفَعُ الْحَدَثُ وَيَصِحُّ هُنَا إرَادَةُ الْمَعْنَى الثَّالِثِ الَّذِي هُوَ الْوَصْفُ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ فَإِذَا ارْتَفَعَ أَحَدُهُمَا ارْتَفَعَ الْآخَرُ وَلَا يَصِحُّ إرَادَةُ الْمَعْنَيَيْنِ
ــ
[حاشية العدوي]
فَفِي الْخَبَثِ تُوجِبُ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ لِمَوْصُوفِهَا أَوْ فِي مَوْصُوفِهَا وَفِي الْحَدَثِ تُوجِبُ الِاسْتِبَاحَةَ لِمَوْصُوفِهَا فَضَمِيرُ بِهِ وَفِيهِ وَلَهُ كُلٌّ يَعُودُ عَلَى الْمَوْصُوفِ وَلَمَّا أَبْهَمَ طَهَارَةَ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقَالَ وَالْأُولَيَانِ مِنْ خَبَثٍ وَالْأَخِيرَةُ مِنْ حَدَثٍ (قَوْلُهُ تُصَحِّحُ) أَيْ تُسَبِّبُ لِمَوْصُوفِهَا الْجَوَازَ وَالْمُرَادُ أَنَّهَا سَبَبٌ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ شِئْت قُلْت فِي إبَاحَةِ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْإِيجَابِ حَقِيقَتَهُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ (فَإِنْ قُلْت) هَذَا يُخَالِفُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهَا شَرْطٌ نَقُولُ لَا مُخَالَفَةَ؛ لِأَنَّهَا سَبَبٌ فِي إبَاحَةِ الصَّلَاةِ وَشَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا ثُمَّ إنَّ كَلَامَهُ قَاصِرٌ؛ لِأَنَّهَا كَمَا تُسَبِّبُ جَوَازَ الصَّلَاةِ تُسَبِّبُ جَوَازَ غَيْرِهَا مِنْ طَوَافٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ (وَأُجِيبُ) بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ الصَّلَاةِ جَوَازُ غَيْرِهَا إلَّا أَنَّهُ يُرَادُ أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ فِي التَّعْرِيفِ فَتَدَبَّرْ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الِاحْتِمَالَاتِ أَرْبَعَةٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُسْقِطَ جَوَازَ وَاسْتِبَاحَةَ أَوْ يَذْكُرَ الْأَوَّلَ دُونَ الثَّانِي أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ يَذْكُرَهُمَا مَعًا أَمَّا عَدَمُ ذِكْرِهِمَا مَعًا بِأَنْ يَقُولَ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا الصَّلَاةَ فَلَا يَصِحُّ سَوَاءٌ أُرِيدَ مِنْ الْإِيجَابِ حَقِيقَتُهُ أَوْ التَّسَبُّبُ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ شَيْءٍ، ثُمَّ إنَّ ابْنَ عَرَفَةَ ذَكَرَ الْأَمْرَيْنِ اسْتِبَاحَةَ وَجَوَازَ فَاعْتُرِضَ بِأَنَّ فِيهِ إضَافَةَ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ فَأَجَابَ الشَّارِحُ بِأَنَّ ذَلِكَ مَدْفُوعٌ بِجَعْلِ السِّينِ وَالتَّاءِ لِلطَّلَبِ (أَقُولُ) بِحَمْدِ اللَّهِ اعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ إضَافَةَ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ جَائِزَةٌ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ.
وَثَانِيًا إنَّ جَعْلَهَا لِلطَّلَبِ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ كُلَّ مَوْصُوفٍ بِهَا كَانَ ثَوْبًا أَوْ مَكَانًا أَوْ شَخْصًا يَطْلُبُ مِنْ اللَّهِ إبَاحَةَ ذَلِكَ وَهَذَا غَيْرُ وَاقِعٍ فَالْأَحْسَنُ أَنْ تَجْعَلَ السِّينَ وَالتَّاءَ زَائِدَتَيْنِ وَالْإِضَافَةُ صَحِيحَةٌ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ نَعَمْ لَوْ حَذَفَ ابْنُ عَرَفَةَ أَحَدَ اللَّفْظَيْنِ وَاكْتَفَى بِوَاحِدٍ لَكَانَ أَخْصَرَ، وَإِنْ أَرَدْت تَمَامَ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ فَرَاجِعْ عج وَلَكِنْ فِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ لِلْقَاصِرِينَ (قَوْلُهُ فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ إلَخْ) أَيْ مَثَلًا لِمَا أَنَّ الْمَوْصُوفَ أَعَمُّ مِنْ الْمُكَلَّفِ وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ أَنْ يَتَسَوَّرَ) أَيْ يُقَدِّمَ
(قَوْلُهُ الْمَنْعُ) أَيْ تَحْرِيمُ قُرْبَانِ الْعِبَادَةِ وَقَوْلُهُ الْمُتَرَتِّبُ أَيْ الْمُتَعَلِّقُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْقَائِمَ بِالْأَعْضَاءِ؛ لِأَنَّهُ صِفَةُ الْمَوْلَى جَلَّ وَعَزَّ (فَإِنْ قُلْت) إنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّخْصِ لَا بِالْأَعْضَاءِ (قُلْنَا) الْمَعْنَى أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّخْصِ بِاعْتِبَارِ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ أَوْ تَجَوُّزٍ فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ لَا يَرْفَعُهُ إلَّا الْمَاءُ الْمُطْلَقُ) أُخِذَ الْحَصْرُ إمَّا مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي لَا بِمُتَغَيِّرٍ لَوْنًا أَوْ طَعْمًا أَوْ رِيحًا أَيْ وَأَوْلَى غَيْرُهُ مِنْ الْمَاءِ الْمُضَافِ وَالْجَمَادِ أَوْ يُقَالُ كَمَا قَالَ الْحَطَّابُ إنَّ تَصْدِيرَ الْبَابِ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ وَسِيَاقَهَا مَسَاقَ الْحَدِّ يُفِيدُ الْحَصْرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ أَدَاةُ حَصْرٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ إنَّمَا يُرْفَعُ الْحَدَثُ وَحُكْمُ الْخَبَثِ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ بَلْ وَكُلُّ طَهَارَةٍ شَرْعِيَّةٍ مِنْ غُسْلٍ أَوْ وُضُوءٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً فَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ أَوْ أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ مَفْهُومِ الْمُطْلَقِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْبَاقِي إلَخْ) ذَلِكَ الْبَاقِي أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ، وَهُوَ كَوْنُ الشَّيْءِ نَجَسًا فِي الشَّرْعِ لَا تُبَاحُ مُلَابَسَتُهُ فِي الصَّلَاةِ وَالْغِذَاءِ فَلَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَأَمَّا مَوْضِعُ الِاسْتِجْمَارِ وَالسَّيْفُ الصَّقِيلِ وَنَحْوُهُ إذَا مُسِحَ وَالْخُفُّ وَالنَّعْلُ إذَا دُلِّكَا مِنْ أَبْوَالِ الدَّوَابِّ وَأَرْوَاثِهَا فَالْمَحَلُّ مَحْكُومٌ لَهُ بِالنَّجَاسَةِ وَإِنَّمَا عُفِيَ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ صِفَةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِالْمَحَلِّ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ (قَوْلُهُ بِكُلِّ قِلَاعٍ) أَيْ بِكُلِّ شَيْءٍ يَقْلَعُهَا وَيُزِيلُهَا (قَوْلُهُ وُجُودُ الشَّيْءِ) أَيْ وَالْحَادِثُ الْمَوْجُودُ بَعْدَ الْعَدَمِ وَهَلْ الْوُجُودُ وَجْهٌ وَاعْتِبَارٌ أَوْ حَالٌ قَوْلَانِ (قَوْلُهُ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ آدَابُ الْحَدَثِ بِمَعْنَى الْخُرُوجِ) أَيْ وَالْخَارِجُ مِنْ حَيْثُ الْخُرُوجُ (قَوْلُهُ وَعَلَى الْوَصْفِ الْحُكْمِيِّ) أَيْ الَّذِي حَكَمَ بِهِ الشَّرْعُ أَوْ الْمَعْنَى لَا حِسِّيٌّ فَهُوَ اعْتِبَارِيٌّ لَا وُجُودِيٌّ (قَوْلُهُ قِيَامَ) أَيْ كَقِيَامِ (قَوْلُهُ وَعَلَى الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ) أَيْ الْمُتَسَبِّبِ أَيْ تَعَلُّقُهُ لِمَا يَأْتِي وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا الْمَنْعَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ مُتَسَبِّبٌ عَنْ الْخُرُوجِ وَأَنَّهُ مُقَارِبٌ لِلْوَصْفِ فِي التَّرَتُّبِ لَا أَنَّ التَّرَتُّبَ سَابِقٌ عَلَيْهِ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ سَابِقٌ عَلَيْهِ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ سَابِقٌ عَلَيْهِ تَعَقُّلًا (قَوْلُهُ فَإِذَا ارْتَفَعَ أَحَدُهُمَا إلَخْ) أَيْ وَإِذَا ثَبَتَ أَحَدُهُمَا ثَبَتَ الْآخَرُ لَا يُقَالُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ فَإِذَا ارْتَفَعَ أَحَدُهُمَا ارْتَفَعَ الْآخَرُ فَإِنَّ التَّيَمُّمَ يَرْفَعُ الْمَنْعَ؛ لِأَنَّهُ تُسْتَبَاحُ بِهِ الصَّلَاةُ وَغَيْرُهَا وَلَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ بِمَعْنَى الْوَصْفِ الْقَائِمِ بِالْأَعْضَاءِ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَلَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ التَّيَمُّمُ لَا يَرْفَعُ الْمَنْعَ رَفْعًا مُطْلَقًا وَإِنَّمَا هُوَ رُخْصَةٌ فَيَرْفَعُ الْمَنْعَ عَمَّا يُسْتَبَاحُ بِهِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ عَدَمُ الْمَاءِ فَلَا تُسْتَبَاحُ بِهِ إلَّا فَرِيضَةٌ وَاحِدَةٌ فِي حَالِ عَدَمِ الْمَاءِ وَلَوْ وُجِدَ الْمَاءُ قَبْلَ فِعْلِ ذَلِكَ الْمُسْتَبَاحِ عَادَ الْمَنْعُ وَلَمْ يُسْتَبَحْ بِهِ شَيْءٌ أَفَادَ الْحَطَّابُ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ مَعْنَى تَلَازُمِهِمَا أَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ أَحَدُهُمَا دَائِمًا وَيَبْقَى الْآخَرُ دَائِمًا بَلْ إذَا ارْتَفَعَ الْمَنْعُ فَإِنَّمَا هُوَ مُقَيَّدٌ بِوَقْتٍ ثُمَّ يَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَعَلَّ الْأَحْسَنَ أَنْ يُقَالَ أَنَّ كُلًّا
стр. 62
الْأُولَيَيْنِ إذْ لَا يَرْتَفِعَانِ إلَّا بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ حُكْمُ الْحَدَثِ فَيَصِحُّ إرَادَتُهُمَا لَا يُقَالُ الْحَدَثُ هُوَ الْمَنْعُ الْمُتَرَتِّبُ إلَخْ وَالْمَنْعُ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَحُكْمُهُ قَدِيمٌ وَاجِبُ الْوُجُودِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ رَفْعُ وَاجِبِ الْوُجُودِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْحُكْمُ مُرْتَفِعٌ وَمُتَجَدِّدٌ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهِ لَا بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ وَالتَّعَلُّقُ عَدَمِيٌّ مُمْكِنُ الِارْتِفَاعِ وَبَنَى الْمُؤَلِّفُ يُرْفَعُ لِلْمَجْهُولِ لِلْعِلْمِ بِفَاعِلِهِ، وَهُوَ اللَّهُ أَوْ النَّبِيُّ ﵊ بِوَاسِطَةِ مَا أَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ لَا يُقَالُ قَوْلُهُ يُرْفَعُ الْأَوْلَى فِيهِ التَّعْبِيرُ بِالْمَاضِي؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ ثَابِتٌ مُقَرَّرٌ عَنْ الشَّارِعِ أَيْ حَكَمَ بِصِحَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ وَحُكْمِ الْخَبَثِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا عَبَّرَ بِالْمُضَارِعِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ نَظَرَ فِيهِ إلَى حُكْمِ الْفَقِيهِ بِذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَوْ نَظَرَ إلَى مَا ثَبَتَ عَنْ الشَّارِعِ لَعَبَّرَ بِالْمَاضِي أَوْ أَنَّهُ عَبَّرَ بِالْمُضَارِعِ عَنْ الْمَاضِي عَلَى نَقِيضِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] نَظَرًا إلَى إحْضَارِ هَذَا الْحُكْمِ الْعَجِيبِ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ أَيْ إحْضَارِهِ الْآنَ؛ لِأَنَّ الْمُضَارِعَ يُسْتَحْضَرُ بِهِ الْأُمُورُ الْغَرِيبَةُ بِخِلَافِ الْمَاضِي فَإِنَّهُ لَا إحْضَارَ فِيهِ وَالشَّيْءُ قَدْ يُحْمَلُ عَلَى نَقِيضِهِ كَمَا يُحْمَلُ عَلَى نَظِيرِهِ وَعَبَّرَ بِالْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ وَلَمْ يُعَبِّرْ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فَيَقُولُ رَافِعُ الْحَدَثِ وَحُكْمُ الْخَبَثِ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ؛ لِأَنَّهَا تُفِيدُ التَّجَدُّدَ وَالْحُدُوثَ وَالْمَقْصُودُ هُنَا ذَلِكَ وَلِأَنَّ نِسْبَةَ الرَّفْعِ إلَى الْمَاءِ مَجَازٌ.
(ص) ، وَهُوَ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ
ــ
[حاشية العدوي]
مِنْ الْوَصْفِ وَالْمَنْعِ يَرْتَفِعُ رَفْعًا مُقَيَّدًا وَقَوْلُهُمْ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ أَيْ رَفْعًا مُطْلَقًا أُرِيدَ بِهِ الْحَدَثُ أَوْ الْمَنْعُ (قَوْلُهُ إلَّا بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ) أَيْ لَا يَصِحُّ إلَّا بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ حُكْمُ الْحَدَثِ الَّذِي هُوَ الْوَصْفُ أَوْ الْمَنْعُ ثُمَّ نَقُولُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ تَرَتَّبَ عَنْ حَدَثٍ أَوْ سَبَبٍ أَوْ رِدَّةٍ أَوْ شَكٍّ (قَوْلُهُ وَالْمَنْعُ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ) ؛ لِأَنَّهُ تَحْرِيمُ قُرْبَانِ الْعِبَادَةِ (قَوْلُهُ وَاجِبُ الْوُجُودِ) أَتَى بِهِ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَدِيمِ طَوِيلُ الزَّمَنِ فِيمَا مَضَى (قَوْلُهُ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ إلَخْ) اسْتِفْهَامٌ إنْكَارِيٌّ (قَوْلُهُ وَمُتَجَدِّدٌ) لَا دَخْلَ هُنَا، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا (قَوْلُهُ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهِ) أَيْ أَنَّهُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ لَيْسَ مُتَجَدِّدًا وَمُرْتَفِعًا بَلْ مَا مُرْتَفِعٌ وَمُتَجَدِّدٌ إلَّا تَعَلُّقُهُ (قَوْلُهُ عَدَمِيٌّ) أَيْ لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَالتَّعَلُّقُ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ عَدَمِيٌّ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ وُجُودِيًّا فَلَا يَصِحُّ رَفْعُهُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا عَلَى فَرْضِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْقَدِيمِ الْوُجُودِيَّةَ قَدِيمَةٌ فَتَدَبَّرْ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّعَلُّقَ لَيْسَ جُزْءًا مِنْ مُسَمَّى الْحُكْمِ.
وَأَمَّا إذَا قُلْنَا أَنَّ التَّعَلُّقَ جُزْءُ مُسَمَّى الْحُكْمِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا حَادِثًا بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ فَيَكُونُ حَادِثًا؛ لِأَنَّ الْمُرَكَّبَ مِنْ الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ حَادِثٌ فَلَا مَحْذُورَ فِي كَوْنِهِ يَتَجَدَّدُ وَيَرْتَفِعُ (قَوْلُهُ، وَهُوَ اللَّهُ أَوْ النَّبِيُّ إلَخْ) الْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْفَاعِلَ هُوَ الْمُكَلَّفُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَاعِلِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ مَنْ قَامَ بِهِ الْفِعْلُ لَا مَنْ أَوْجَدَهُ فَلَا يَرِدُ مَا يَأْتِي إذْ لَوْ أُرِيدَ الْمُوجِدُ لَمَا صَحَّ إسْنَادُ فِعْلٍ إلَى أَحَدٍ غَيْرِهِ حَقِيقَةً إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ قَوْلَهُ بَعْدُ أَيْ حُكْمٌ إلَخْ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ بِفَاعِلِهِ أَيْ بِحَاكِمِهِ أَيْ بِالْحَاكِمِ بِهِ (قَوْلُهُ بِوَاسِطَةِ) أَيْ بِوَاسِطَةٍ هِيَ الْأَحْكَامُ الَّتِي أَوْحَاهَا اللَّهُ إلَيْهِ أَوْ بِوَاسِطَةِ الْإِيحَاءِ (قَوْلُهُ الشَّارِعِ) أَيْ الَّذِي هُوَ اللَّهُ تَعَالَى حَقِيقَةً وَالنَّبِيُّ ﷺ مَجَازًا (قَوْلُهُ أَيْ حَكَمَ بِصِحَّةِ رَفْعِ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ تَفْسِيرًا لِلَّفْظِ بِمَدْلُولِهِ فَهُوَ بَعِيدٌ غَايَةَ الْبُعْدِ وَالْأَقْرَبُ مَا قُلْنَا وَالْحُكْمُ بِاعْتِبَارِ إسْنَادِهِ إلَى اللَّهِ أَزَلِيٌّ وَبِالنِّسْبَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ حَادِثٌ (قَوْلُهُ نَظَرَ فِيهِ إلَى حُكْمِ الْفَقِيهِ) أَيْ إخْبَارِهِ (قَوْلُهُ إلَى إحْضَارِ هَذَا الْحُكْمِ) أَيْ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الرَّفْعِ وَإِنَّمَا كَانَ عَجِيبًا لِغَرَابَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا (قَوْلُهُ أَيْ إحْضَارُهُ إلَخْ) خُلَاصَتُهُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْحُكْمَ الْعَجِيبَ حَاضِرًا فِي ذِهْنِ السَّامِعِ وَالطَّرِيقُ الَّتِي تُوَصِّلُ لِذَلِكَ إنَّمَا هِيَ الْمُضَارِعُ، وَأَمَّا الْمَاضِي فَلَا فَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِالْمُضَارِعِ.
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمَاضِي فَإِنَّهُ لَا إحْضَارَ فِيهِ) أَيْ لَا يَتَيَسَّرُ أَنْ يَكُونَ آلَةً فِي إحْضَارِ ذَلِكَ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ هَذَا مَعْنَاهُ (أَقُولُ) لَا يَخْفَى لَوْ عَبَّرَ بِالْمَاضِي وَأَخْبَرَ بِهِ السَّامِعَ فَإِنَّهُ يَتَصَوَّرُهُ فِي ذِهْنِهِ قَطْعًا، وَهَذَا إحْضَارٌ لَهُ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ فَقَدْ حَصَلَ الْإِحْضَارُ بِالْمَاضِي وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ أَنَّ مُرَادَهُ إحْضَارٌ بِحَيْثُ يُلَاحِظُ أَنَّهُ وَاقِعٌ فِي الْحَالِ لَا مُطْلَقُ إحْضَارٍ (قَوْلُهُ وَالشَّيْءُ قَدْ يُحْمَلُ عَلَى نَقِيضِهِ) كَمَا هُنَا (قَوْلُهُ كَمَا يُحْمَلُ عَلَى نَظِيرِهِ) كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي بَابِ الْقِيَاسِ كَحَمْلِ الْأَرُزِّ عَلَى الْبُرِّ فِي حُرْمَةِ الرِّبَا بِجَامِعِ الِاقْتِيَاتِ وَالِادِّخَارِ وَكَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الْمَجَازَاتِ مَثَلًا اسْتِعْمَالُ السَّبَبِ فِي الْمُسَبَّبِ يَكْفِي وُرُودُهُ عَنْ الْعَرَبِ فِي جُزْئِيٍّ وَيَجُوزُ لَنَا أَنْ نَسْتَعْمِلَ اسْمَ السَّبَبِ فِي جُزْئِيٍّ غَيْرَ مَا اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمَجَازَ مَوْضُوعٌ بِالنَّوْعِ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ التَّجَدُّدَ وَالْحُدُوثَ) أَيْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمُضَارِعُ بِالْقَرِينَةِ لَا الْوُجُودِ بَعْدَ الْعَدَمِ الَّذِي يَكُونُ فِي الْفِعْلِ مُطْلَقًا وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَرِينَةٍ، وَأَمَّا الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ فَتُفِيدُ الدَّوَامَ وَالثَّبَاتَ بِقَرِينَةٍ أَيْضًا لَكِنَّهُ لَيْسَ مُرَادًا (قَوْلُهُ وَالْمَقْصُودُ هُنَا ذَلِكَ) فِيهِ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَهُ أَنَّ الرَّفْعَ قَدِيمٌ فَقَضِيَّتُهُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَعْنَى عَلَى التَّجَدُّدِ وَالْحُدُوثِ فَيُجَابُ بِأَنَّ هَذَا نَاظِرٌ لِمَا تَقَدَّمَ مَنْقُولُهُ أَوْ نَظَرًا لِحُكْمِ الْفَقِيهِ بِذَلِكَ نَعَمْ هَذَا الْكَلَامُ ظَاهِرٌ عَلَى مَا قُلْنَا أَنَّ الرَّافِعَ الْمُكَلَّفُ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ نِسْبَةَ الرَّفْعِ إلَى الْمَاءِ مَجَازٌ) أَيْ الَّذِي يَأْتِي عَلَى التَّعْبِيرِ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، وَأَمَّا الْفِعْلِيَّةُ فَلَا يَأْتِي ذَلِكَ عَلَيْهَا لَكِنْ يَرِدُ أَنَّ الْمَجَازَ أَبْلَغُ مِنْ الْحَقِيقَةِ.
(قَوْلُهُ مَا صَدَقَ) أَيْ الَّذِي صَدَقَ أَوْ شَيْءٌ صَدَقَ أَوْ يُقْرَأُ مَاءٌ بِالتَّنْوِينِ (قَوْلُهُ صَدَقَ) أَيْ حُمِلَ؛ لِأَنَّ الصِّدْقَ فِي الْمُفْرَدَاتِ مَعْنَاهُ الْحَمْلُ وَفِي الْقَضَايَا بِمَعْنَى التَّحَقُّقِ أَيْ مَا صَحَّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ أَيْ عُرْفًا كَمَا أَفَادَهُ الْحَطَّابُ وَفِي كَلَامِ تت مَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ مَا صَحَّ لُغَةً مَثَلًا مَاءُ الْبِطِّيخِ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ عُرْفًا مَاءٌ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ عَلَى مَا قَالَ الْحَطَّابُ وَهَلْ يَصِحُّ إطْلَاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لُغَةً، وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ إذْ الْأَصْلُ اخْتِلَافُ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالْعُرْفِيِّ، وَأَمَّا عَلَى مَا قَالَ تت فَلَا يَصِحُّ إطْلَاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لُغَةً وَصِحَّةُ هَذَا تَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ لُغَةً كَذَا فِي ك قَالَ عج ثُمَّ رَأَيْت فِي الْفَتَاوَى السُّيُوطِيَّةِ مَا يُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ
стр. 63
اسْمُ مَاءٍ بِلَا قَيْدٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ هُوَ الذَّاتُ الَّتِي يُقَالُ لَهَا هَذَا مَاءٌ فَيَصْدُقُ عَلَيْهَا اسْمُ الْمَاءِ بِلَا قَيْدٍ زَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ اللَّفْظِ فَمَا صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ كَالْجِنْسِ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ مَاءٍ عِنْدَهُمْ عَرَضٌ عَامٌّ وَبِلَا قَيْدٍ كَالْفَصْلِ يَخْرُجُ مَا عَدَا الْمُطْلَقِ مِنْ أَقْسَامِ الْمِيَاهِ لَا يُقَالُ فِي كُلٍّ مِنْهَا مَاءٌ إلَّا بِزِيَادَةِ قَيْدٍ آخَرَ مِنْ إضَافَةٍ أَوْ وَصْفٍ أَوْ غَيْرِهِمَا كَقَوْلِنَا مَاءُ وَرْدٍ وَمَاءُ رَيْحَانٍ وَلَا يَكْفِي الِاقْتِصَارُ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ ذَوَاتِهَا بِاسْمِ الْمَاءِ خَاصَّةً مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِشَيْءٍ كَمَا فِي الْمُطْلَقِ وَدَخَلَ فِي تَعْرِيفِ الْمُؤَلِّفِ لِلْمُطْلَقِ مَا إضَافَتُهُ بَيَانِيَّةٌ كَمَاءِ الْمَطَرِ وَمَا أُضِيفَ لِمَحَلِّهِ كَمَاءِ السَّمَاءِ وَالْآبَارِ وَالْعُيُونِ وَالْبَحْرِ فَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ التَّطْهِيرِ بِهِ، ثُمَّ إنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ الْآبَارِ آبَارُ ثَمُودَ فَلَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَائِهَا وَلَا الِانْتِفَاعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَاءُ عَذَابٍ لَا لِنَجَاسَتِهِ وَكَمَا يُمْنَعُ الْوُضُوءُ بِمَائِهَا يُمْنَعُ التَّيَمُّمُ بِأَرْضِهَا وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسَةِ أَمْيَالٍ وَعَلَى الْقَوْلِ بِمَنْعِ الِاسْتِعْمَالِ بِالْمَاءِ الْمَذْكُورِ، فَإِنْ تَطَهَّرَ بِهِ وَصَلَّى صَحَّتْ صَلَاتُهُ كَذَا يَنْبَغِي كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِهِ وَدَخَلَ فِي حَدِّ الْمُطْلَقِ الْمَاءُ الْعَذْبُ وَلَا خِلَافَ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ وَدَخَلَ فِيهِ أَيْضًا جَمِيعُ الْمِيَاهِ الْمَكْرُوهَةِ الْآتِيَةِ.
(ص) ، وَإِنْ جُمِعَ مِنْ نَدًى (ش) هَذَا وَمَا بَعْدَهُ
ــ
[حاشية العدوي]
الْحَطَّابُ وَيَرِدُ مَا ذَكَرَهُ تت، ثُمَّ إنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ الْحَمْلَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْمُفْرَدَاتِ الَّتِي هِيَ الْجُزْئِيَّاتُ لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ الَّتِي تُرَادُ فِي التَّعْرِيفِ فَإِذَنْ إمَّا أَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ أَيْ مَا صَدَقَ عَلَى أَفْرَادِهِ أَوْ يُوقَعُ مَا عَلَى أَفْرَادٍ وَلَا يُجْعَلُ تَعْرِيفًا بَلْ ضَابِطًا، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ فِي كَلَامِهِ الْحُكْمَ ضِمْنًا عَلَى الْمُطْلَقِ وَكَيْفَ يُحْكَمُ عَلَى الشَّيْءِ بِدُونِ تَصَوُّرِهِ وَالْجَوَابُ أَنَّ مَا هُنَا مِنْ قَبِيلِ تَقْدِيمِ الْحُكْمِ عَلَى التَّصْوِيرِ لَا عَلَى التَّصَوُّرِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ اسْمُ مَاءٍ) أَيْ اسْمٌ هُوَ لَفْظُ مَاءٍ أَيْ الَّذِي يُكْتَفَى فِي الْإِخْبَارِ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ بِلَا قَيْدٍ) أَيْ مَعَ عَدَمِ ذِكْرِ الْقَيْدِ (قَوْلُهُ الَّتِي يُقَالُ هَذَا مَاءٌ) كَذَا فِي نُسْخَتِهِ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ أَيْ الَّتِي يُقَالُ فِي شَأْنِهَا هَذَا مَاءٌ.
(قَوْلُهُ فَيَصْدُقُ) أَيْ فَيُحْمَلُ (قَوْلُهُ فَمَا صَدَقَ إلَخْ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا إمَّا مَوْصُوفَةٌ أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ لَا مَاءٌ بِالْمَدِّ (قَوْلُهُ كَالْجِنْسِ) ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ مَا لَيْسَ جِنْسًا (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ مَاءٍ) أَيْ مَدْلُولَ لَفْظَةِ مَاءٍ (قَوْلُهُ عَرَضٌ) أَيْ لَا جِنْسٌ أَيْ وَصْفٌ عَامٌّ خَارِجٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُوصَفُ بِهِ تَعَالَى وَقَوْلُهُ عَامٌّ أَيْ لَا خَاصٌّ (قَوْلُهُ كَالْفَصْلِ) لَمْ يَقُلْ فَصْلٌ؛ لِأَنَّ الْفُصُولَ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ الْأَنْوَاعِ الْمُحْتَوِيَةِ عَلَى الْأَجْنَاسِ (قَوْلُهُ إذْ لَا يُقَالُ) أَيْ إذْ لَا يُحْمَلُ (قَوْلُهُ أَوْ وَصْفٌ إلَخْ) أَيْ كَقَوْلِك هَذَا مَاءٌ مُضَافٌ هَذَا مَاءٌ نَجِسٌ هَذَا مَا أَفَادَهُ الْحَطَّابُ أَوْ هَذَا مَاءُ مَطَرٍ أَوْ مَاءُ نَدًى أَيْ مَمْطُورٌ وَمُنَدًّى كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ (قَوْلُهُ أَوْ غَيْرِهِمَا) أَيْ كَالْأَلِفِ وَاللَّامِ الَّتِي لِلْعَهْدِ كَقَوْلِهِ ﵊ «إذَا رَأَتْ الْمَاءَ» وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ «عَائِشَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﵊ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ غُسْلٌ قَالَ ﵇ نَعَمْ إذَا رَأَتْ الْمَاءَ فَعَلَيْهَا الْغُسْلُ» أَوْ كَمَا قَالَ فَأَلْ فِي الْمَاءِ دَاخِلَةٌ عَلَى مَاءٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ الْمَنِيُّ (قَوْلُهُ كَقَوْلِنَا مَاءِ وَرْدٍ إلَخْ) تَمْثِيلٌ لِلْإِضَافَةِ (قَوْلُهُ مَا إضَافَتُهُ بَيَانِيَّةٌ) الرَّاجِحُ أَنَّهَا لِلْبَيَانِ لَا بَيَانِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ الْبَيَانِيَّةَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ كَخَاتَمِ حَدِيدٍ (قَوْلُهُ كَمَاءِ السَّمَاءِ) أَيْ أَنَّ السَّمَاءَ مَحَلُّ الْمَاءِ وَالسَّمَاءُ كُلُّ مَا عَلَاك وَمِنْهُ قِيلَ لِسَقْفِ الْبَيْتِ سَمَاءٌ فَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْمَحَلَّ هُنَا هُوَ السَّحَابُ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ سَمَاءٌ أَوْ أَنَّ الْمَاءَ نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ، ثُمَّ نَزَلَ إلَى السَّحَابِ فَيَكُونُ السَّمَاءُ الْحَقِيقِيُّ مَحَلًّا أَوَّلِيًّا هَذَا مَا أَفَادَهُ أَبُو السُّعُودِ.
(قَوْلُهُ وَالْآبَارِ) بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ بَعْدَ اللَّامِ السَّاكِنَةِ عَلَى وَزْنِ الْأَمْثَالِ جَمْعُ بِئْرٍ جَمْعُ قِلَّةٍ وَإِذَا كَثُرَتْ فَهِيَ الْبِئَارُ عَلَى وَزْنِ الْفِعَالِ (قَوْلُهُ وَالْعُيُونِ) جَمْعُ عَيْنٍ هِيَ مُشْتَرَكَةٌ تَقَعُ عَلَى الْبَاصِرَةِ وَالذَّهَبِ وَالشَّمْسِ وَالْمَالِ وَالنَّقْدِ وَالْجَاسُوسِ وَوَلَدِ الْبَقَرِ الْوَحْشِيِّ وَخِيَارِ الشَّيْءِ وَنَفْسِ الشَّيْءِ وَالْيَنْبُوعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالْمُرَادُ هُنَا الْيَنْبُوعُ (قَوْلُهُ وَالْبَحْرِ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْبَحْرَ هُوَ الْمَاءُ الْمُتَّسِعُ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى مَحَلِّهِ بَلْ هُوَ مِثْلُ مَاءِ الْمَطَرِ (قَوْلُهُ فَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ التَّطْهِيرِ بِهِ) أَيْ بِالْبَحْرِ إنَّمَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حُكِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ كَرَاهَةُ الْوُضُوءِ بِهِ فَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى) لَا حَاجَةَ؛ لِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا يَصِحُّ التَّطْهِيرُ بِهِ وَمَا لَا لَا فِيمَا يَجُوزُ دُونَ مَا يَحْرُمُ، وَهُوَ يَصِحُّ التَّطْهِيرُ بِهِ كَمَا قَالَ (قَوْلُهُ آبَارُ ثَمُودَ) لَا خُصُوصِيَّةَ لِآبَارِ ثَمُودَ بِالذِّكْرِ وَمِثْلُهُ آبَارُ قَوْمِ لُوطٍ وَكُلِّ قَوْمٍ أَهْلَكَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى (قَوْلُهُ وَلَا الِانْتِفَاعُ) أَيْ فِي عَجْنٍ أَوْ طَبْخٍ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَاءُ عَذَابٍ) أَيْ مَاءُ قَوْمٍ وَقَعَ بِهِمْ الْعَذَابُ فَرُبَّمَا يَحْصُلُ لِلْمُسْتَعْمِلِ آثَارٌ مِنْ ذَلِكَ الْعَذَابِ أَوْ كَرَاهَةً فِيهِمْ وَبُغْضًا لَهُمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَبْغَضَهُمْ (قَوْلُهُ لَا لِنَجَاسَتِهِ) أَيْ فَهُوَ طَهُورٌ نَعَمْ بِئْرُ النَّاقَةِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا لَا مَنْعَ فِيهَا (قَوْلُهُ يُمْنَعُ التَّيَمُّمُ بِأَرْضِهَا) هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُ الْحَطَّابُ عَنْ أَلْغَازِ ابْنِ فَرْحُونٍ قَالَ عج.
وَذَكَرَ تت فِي فَصْلِ التَّيَمُّمِ أَنَّهُ صَحَّحَ الْقَوْلَ بِجَوَازِ التَّيَمُّمِ عَلَى تُرَابِ أَرْضِ ثَمُودَ (قَوْلُهُ وَعَلَى الْقَوْلِ بِمَنْعِ الِاسْتِعْمَالِ) مُقَابَلَةُ الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ يُعْلَمُ مِنْ عج (قَوْلُهُ صَحَّتْ) كَذَا يَنْبَغِي وَذَكَرَ أَنَّ شَارِحَ حُدُودِ ابْنِ عَرَفَةَ صَرَّحَ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ وَكَذَا د وَلَمْ يَعْزُهُ لِمَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَلَا خِلَافَ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ) إنَّمَا قَالَ رَدًّا عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي عَنْ ابْنِ التِّينِ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ مَنْعَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَطْعُومٌ قَالَ ح قُلْت تَعْلِيلُهُ بِأَنَّهُ مَطْعُومٌ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَرَادَ الْعَذْبَ وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي الْمَذْهَبِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ جُمِعَ مِنْ نَدًى) أَيْ جُمِعَ فِي يَدِ الْمُتَوَضِّئِ أَوْ الْمُغْتَسِلِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ جُمِعَ فِي إنَاءٍ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ كَذَا فِي ك (فَإِنْ قُلْت) هَلْ يَرِدُ هَذَا عَلَى تَعْرِيفِ الشَّيْخِ لِلْمُطْلَقِ فَإِنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَاءِ إلَّا مَعَ كَوْنِهِ مَاءَ نَدًى (قُلْت) لَا يَرِدُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّدَى لَيْسَ شَيْئًا انْضَافَ إلَى الْمَاءِ
стр. 64
أَحْوَالٌ لِلْمُطْلَقِ لَا يُسْلَبُ مَعَهَا مَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ رَفْعِ الْحَدَثِ وَحُكْمِ الْخَبَثِ وَلَمَّا كَانَ صِدْقُ حَدِّ الْمُطْلَقِ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى أَكْثَرِهَا غَيْرَ ظَاهِرٍ عَلَى مَا لَا يَخْفَى أَتَى بِهَا فِي صُورَةِ الْإِغْيَاءِ تَنْبِيهًا عَلَى بُعْدِهَا مِنْ حَقِيقَةِ الْمُطْلَقِ الَّذِي ذُكِرَ، وَإِنْ أُلْحِقَتْ بِهِ فِي الْحُكْمِ وَمَفْعُولُ جَمَعَ وَفَاعِلُ ذَابَ وَمَعْنَاهُ تَمَيَّعَ بَعْدَ جُمُودِهِ وَاسْمُ كَانَ وَمَفْعُولُ خُولِطَ وَفَاعِلُ تَغَيَّرَ ضَمَائِرُ عَائِدَةٌ عَلَى الْمُطْلَقِ أَوْ عَلَى الْمَاءِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِّ وَهُمَا بِمَعْنَى وَكَذَلِكَ الْهَاءَاتُ فِي مُغَيِّرِهِ وَقَرَارِهِ عَائِدَةٌ عَلَى مَا ذُكِرَ فَمَعْنَى كَلَامِهِ يُرْفَعُ الْحَدَثُ وَحُكْمُ الْخَبَثِ بِالْمُطْلَقِ، وَإِنْ جَمَعَ ذَلِكَ الْمُطْلَقَ مِنْ نَدَى وَالنَّدَى قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْمَطَرُ وَالْبَلَلُ وَنَدَى الْأَرْضِ نَدَوَاتُهَا وَبَلَلُهَا اهـ. وَالظَّاهِرُ مِنْ عُرْفِ النَّاسِ الْيَوْمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ بَلَلُ الْأَرْضِ وَمَا يَقَعُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَوْرَاقِ الشَّجَرِ وَلَا يَضُرُّ لِأَنَّهُ صَارَ كَقَرَارِهِ فَإِذَنْ لَا يَضُرُّ تَغَيُّرُ رِيحِ الْمَاءِ مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ حَيْثُ جُمِعَ مِنْ فَوْقِهِ خِلَافًا لِابْنِ فُجْلَةَ.
(ص) أَوْ ذَابَ بَعْدَ جُمُودِهِ (ش) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى جَمَعَ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْإِغْيَاءِ أَيْ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمُطْلَقُ جَامِدًا، ثُمَّ ذَابَ كَالْبَرَدِ وَالْجَلِيدِ وَالثَّلْجِ يَذُوبُ، وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ ذَابَ الشَّيْءُ يَذُوبُ ذَوْبًا وَذَوَابًا نَقِيضُ جَمَدَ أَذَابَهُ غَيْرُهُ وَذَوَّبَهُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ شَامِلٌ لِلْمِلْحِ الذَّائِبِ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَاءٌ بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَعَ فِي غَيْرِهِ فَإِنَّهُ فِي حَالَةِ الْوُقُوعِ مِنْ جِنْسِ الطَّعَامِ وَلِذَلِكَ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فِيهِ الْخِلَافَ الْآتِيَ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ هُنَا وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ ذَابَ أَيْ أَوْ ذَوَّبَهُ مُذَوَّبُ بِتَسْخِينٍ بِنَارٍ أَوْ شَمْسٍ وَإِذَا وُجِدَ دَاخِلَ الْبَرْدِ إذَا ذَابَ شَيْءٌ مُفَارِقٌ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ لَهُ بَعْدَ سَيَلَانِهِ فَإِنْ غَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ سَلَبَ طَهُورِيَّتَهُ وَبَعْدَ ذَلِكَ حُكْمُهُ كَمُغَيِّرِهِ، وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ كَانَ طَهُورًا عَلَى حَالِهِ.
(ص) أَوْ كَانَ سُؤْرَ بَهِيمَةٍ (ش) يَعْنِي وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ شَرَابِ الْبَهِيمَةِ طَهُورٌ سَوَاءٌ كَانَتْ جَلَّالَةً أَمْ لَا وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ وَمَا لَا يَتَوَقَّى نَجِسًا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي الطَّهَارَةِ وَهُنَاكَ فِي كَوْنِهِ مَكْرُوهًا وَمَنْ قَيَّدَ هَذَا بِمَا يَأْتِي
ــ
[حاشية العدوي]
وَإِنَّمَا هُوَ صِفَةٌ لِلْمَاءِ كَمَا يُقَالُ مَاءُ الْمَطَرِ أَيْ مَاءٌ مَمْطُورٌ فَهُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِمْ صَلَاةُ الْأُولَى كَذَا قَالَ بَهْرَامُ أَيْ فَتَكُونُ الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةً (قَوْلُهُ أَحْوَالٌ لِلْمُطْلَقِ) أَيْ أَنْوَاعٌ لَهُ أَيْ مِنْ جُمْلَةِ أَنْوَاعِهِ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ لَا يَسْلُبُ مَعَهَا إلَخْ يَدْفَعُهُ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ أَنَّ الْمُرَادَ الْأَوْصَافُ (قَوْلُهُ أَوْ عَلَى أَكْثَرِهَا) أَوْ لِلتَّرَدُّدِ (قَوْلُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ عَلَى مَا لَا يَخْفَى إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَفْرَادِ الْمُطْلَقِ إلَّا أَنَّهَا أُلْحِقَتْ بِهِ فِي الْحُكْمِ وَكَيْفَ يُقَالُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهُ مَعَ الْإِتْيَانِ بِالْغَايَةِ الْمُفِيدَةِ أَنَّهَا مِنْهُ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ تَنْبِيهٌ عَلَى بُعْدِهَا مِنْ حَقِيقَةِ الْمُطْلَقِ أَيْ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، وَإِنْ أُلْحِقَتْ بِالْمُطْلَقِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ فِي الْحُكْمِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْهُ حَقِيقَةً وَالتَّعْرِيفُ صَادِقٌ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ عَائِدَةٌ عَلَى الْمُطْلَقِ) أَيْ، وَإِنْ جُمِعَ الْمُطْلَقُ أَيْ جُمِعَتْ أَفْرَادُهُ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمَوْصُوفَةُ بالمجموعية وَالْمُخَالَطَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ أَوْ عَلَى الْمَاءِ) فِيهِ مُسَامَحَةٌ؛ لِأَنَّ مَا قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا لَفْظُهَا وَأَنَّ إضَافَةَ اسْمٍ إلَيْهَا بَيَانِيَّةٌ (فَإِنْ قُلْت) قَوْلُهُ أَوْ عَلَى الْمَاءِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِّ أَيْ فِي قَوْلِهِ، وَهُوَ مَا صَدَقَ أَيْ شَيْءٌ صَدَقَ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ الْمَاءُ (قُلْت) التَّعْرِيفُ لِلْمَاهِيَّاتِ لَا لِلْأَفْرَادِ وَالْمَجْمُوعُ مِنْ نَدًى لَيْسَ الْمَاهِيَّاتِ بَلْ الْأَفْرَادُ وَأَيْضًا التَّعَارِيفُ لَا يُبَالِغُ عَلَيْهَا فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالْمُبَالَغُ عَلَيْهِ هُوَ قَوْلُهُ، وَهُوَ الْحَدَثُ أَيْ أَفْرَادُهُ وَكَذَا قَوْلُهُ وَحُكْمُ الْخَبَثِ (قَوْلُهُ وَالْبَلَلُ) أَيْ كَاَلَّذِي يَنْزِلُ عَلَى الْأَرْضِ وَالْأَشْجَارِ آخِرَ اللَّيْلِ وَقَوْلُهُ وَنَدَى الْأَرْضِ بِالْأَلِفِ الْمَقْصُورَةِ كَمَا فَهِمْته مِنْ نُسْخَةِ الصِّحَاحِ يُظَنُّ بِهَا الصِّحَّةُ (قَوْلُهُ وَبَلَلُهَا) عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَهَذَا مَا أَشَارَ لَهُ الْجَوْهَرِيُّ بِالْبَلَلِ (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ إلَخْ) أَيْ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ النَّدَى فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ الَّذِي أَشَارَ لَهُ الْجَوْهَرِيُّ الَّذِي هُوَ الْمَطَرُ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ مَا تُعُورِفَ عِنْدَ النَّاسِ، وَهُوَ مَا نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ وَالْجُدْرَانِ آخِرَ اللَّيْلِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ بَلَلُ الْأَرْضِ الْأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِعِبَارَةٍ تُفْهِمُ الْمَقْصُودَ صَرِيحًا بِأَنْ يَقُولَ إنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مَا يَقَعُ عَلَى الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ مِنْ الْبَلَلِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ
(قَوْلُهُ وَلَا يَضُرُّ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُضِرًّا وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَالْمُتَغَيِّرِ بِقَرَارِهِ لِنُدُورِهِ اهـ. فَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَلَوْ اللَّوْنُ أَوْ الطَّعْمُ؛ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ بِالْقَرَارِ لَا يَضُرُّ مُطْلَقًا وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ الرِّيحِ وَغَيْرِهِ تَفْرِقَةٌ مِنْ غَيْرِ فَارِقٍ.
(قَوْلُهُ كَالْبَرَدِ إلَخْ) الْبَرَدُ بِفَتْحَتَيْنِ شَيْءٌ يَنْزِلُ مِنْ السَّحَابِ يُشْبِهُ الْحَصَى وَيُقَالُ لَهُ حَبُّ السَّحَابِ (قَوْلُهُ وَالْجَلِيدِ) مَا سَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ النَّدَى فَيَجْمُدُ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ (قَوْلُهُ وَالثَّلْجِ) هُوَ مَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ، ثُمَّ يَنْعَقِدُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، ثُمَّ يَذُوبُ بَعْدَ جُمُودِهِ.
(قَوْلُهُ وَأَذَابَهُ غَيْرُهُ) لَفْظَةُ غَيْرُهُ فَاعِلُ أَذَابَ لَا أَنَّهَا فِعْلٌ وَجَدْته مَضْبُوطًا فِي نُسْخَةٍ يُظَنُّ مِنْهَا الصِّحَّةُ مِنْ الصِّحَاحِ وَكُنْت أَوَّلًا تَرَدَّدْت وَخَطَر بِبَالِي ذَلِكَ الضَّبْطُ ثُمَّ وَجَدْته فَالْحَمْدُ لِلَّهِ (قَوْلُهُ مَا إذَا وَقَعَ فِي غَيْرِهِ) أَيْ وَقَعَ مِلْحٌ فِي مَاءٍ أَيْ قَصْدًا؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ الْآتِيَ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَطْرُوحِ قَصْدًا وَسَيَأْتِي أَنَّهُ ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ (قَوْلُهُ وَلِذَلِكَ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ) وَالْمُقَابِلُ الَّذِي يَقُولُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ يَقُولُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الطَّعَامِ (قَوْلُهُ وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ ذَابَ) لَا يَخْفَى أَنَّا نَقُولُ هَذَا مِنْ مَصْدُوقِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ذَابَ شَامِلٌ لِمَا إذَا ذَابَ بِنَفْسِهِ أَوْ ذَوَّبَهُ غَيْرُهُ (قَوْلُهُ دَاخِلَ الْبَرَدِ) أَيْ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الثَّلْجِ وَالْجَلِيدِ.
(قَوْلُهُ أَوْ كَانَ سُؤْرَ) السُّؤْرُ بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَقَدْ تُسَهَّلُ أَفَادَهُ الْحَطَّابُ (قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ إلَخْ) أَيْ فَالْمُرَادُ بِالسُّؤْرِ الْبَقِيَّةُ وَكَذَا يُقَالُ لِبَقِيَّةِ الطَّعَامِ سُؤْرٌ (قَوْلُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ جَلَّالَةً أَمْ لَا) أَيْ وَسَوَاءٌ كَانَتْ مَأْكُولَةَ اللَّحْمِ أَوْ لَا (قَوْلُهُ وَمَنْ قَيَّدَ هَذَا بِمَا يَأْتِي) أَيْ قَيَّدَهُ بِسَبَبِ مَا يَأْتِي أَوْ بِنَقِيضِ مَا يَأْتِي أَيْ فَقَالَ أَوْ كَانَ سُؤْرَ بَهِيمَةٍ وَلَمْ تَكُنْ جَلَّالَةً وَالْمُقَيِّدُ هُوَ بَعْضُ شُيُوخِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيِّ وَعِبَارَةُ تت وَظَاهِرُهُ كَانَتْ تَأْكُلُ الْأَرْوَاثَ أَوْ لَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ
стр. 65
فَفِيهِ نَظَرٌ.
(ص) أَوْ حَائِضٍ وَجُنُبٍ (ش) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَجْرُورِ، وَهُوَ بَهِيمَةٌ أَيْ أَنَّ فَضْلَةَ شَرَابِ الْحَائِضِ أَوْ الْجُنُبِ طَهُورٌ وَسَوَاءٌ كَانَا مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ وَسَوَاءٌ كَانَا شَارِبَيْ خَمْرٍ أَوْ لَا وَنُسْخَةُ الْوَاوِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى الصُّورَةِ الْمُتَوَهَّمَةِ فَأَحْرَى سُؤْرُ أَحَدِهِمَا فَلَا حَاجَةَ إلَى جَعْلِ الْوَاوِ بِمَعْنَى أَوْ.
(ص) أَوْ فَضْلَةِ طُهَارَتِهِمَا (ش) أَيْ أَنَّ فَضْلَةَ طُهَارَةِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ أَيْ مَا فَضَلَ مِنْهُمَا بَعْدَ أَنْ تَطَهَّرَا فَإِنَّهُ طَهُورٌ وَلَا أَثَرَ لِمَا تَسَاقَطَ مِنْهُمَا فِي الْإِنَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَسَوَاءٌ نَزَلَا فِي الْمَاءِ أَوْ اغْتَرَفَا خِلَافًا لِمَنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِالِاغْتِرَافِ لِئَلَّا يَصِيرَ مَكْرُوهًا لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي الطُّهَارَةِ وَالْكَرَاهَةُ شَيْءٌ آخَرُ.
(ص) أَوْ كَثِيرًا خُلِطَ بِنَجَسٍ لَمْ يُغَيَّرْ (ش) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى خَبَرِ كَانَ أَيْ أَنَّ الْمَاءَ الْكَثِيرَ، وَهُوَ الزَّائِدُ عَلَى آنِيَةِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ إذَا خُولِطَ بِشَيْءٍ نَجِسٍ وَأَوْلَى بِطَاهِرٍ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ فَإِنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ فِيهِ لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ وَقَوْلُهُ خُلِطَ وَأَحْرَى جُووِرَ فَمَفْهُومُهُ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ وَكَذَلِكَ مَفْهُومُ كَثِيرًا إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَعْتَبِرْ هَذَا الْمَفْهُومَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَفْهُومَ شَرْطٍ فَصَرَّحَ بِهِ فِيمَا سَيَأْتِي.
(ص) أَوْ شَكَّ فِي مُغَيِّرِهِ هَلْ يَضُرُّ (ش) أَيْ أَنَّهُ إذَا شَكَّ فِي مُغَيِّرِ الْمَاءِ هَلْ حَصَلَ مِنْ جِنْسِ مَا يَضُرُّ، وَهُوَ مَا يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا كَطَعَامٍ أَوْ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا يَضُرُّ كَقَرَارِهِ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ عَلَى الطَّهُورِيَّةِ وَلَا يَنْتَقِلُ الْمَاءُ عَنْ أَصْلِهِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ مَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، وَأَمَّا لَوْ عَلِمَ أَنَّ الْمُغَيِّرَ مُفَارِقٌ وَشَكَّ فِي طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ فَالْمَاءُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ شَكَّ أَنَّهُ لَوْ ظَنَّ أَنَّ مُغَيِّرَهُ مِمَّا يَضُرُّ لَا يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَهُوَ كَذَلِكَ إذْ الْحُكْمُ أَنَّهُ يَعْمَلُ عَلَى الظَّنِّ فَقَوْلُهُ هَلْ يَضُرُّ بَدَلٌ مِنْ شَكَّ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ عَلَيْهِ أَوْ تَفْسِيرٌ لَهُ بِحَسَبِ الْمَعْنَى قَوْلُهُ هَلْ يَضُرُّ أَيْ هَلْ هُوَ مِمَّا يُفَارِقُهُ غَالِبًا أَوْ مِنْ قَرَارِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ شَكَّ فِي مُغَيِّرِهِ هَلْ هُوَ طَاهِرٌ أَوْ نَجِسُ فَإِنَّ هَذَا يُجْتَنَبُ أَيْ وَالْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ أَوْ شَكَّ فِي مُغَيِّرِهِ إلَخْ وَبَيْنَ قَوْلِهِ يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ وَيَشُكُّ فِي حَدَثٍ وَالْجَامِعُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا شَكَّ فِي الْمَانِعِ فَلَا أَثَرَ لَهُ وُقُوفًا مَعَ قَوْلِهِ ﵇ «خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ طَهُورًا» الْحَدِيثَ
ــ
[حاشية العدوي]
اهـ. أَيْ فَهُوَ قَائِلٌ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ يُقَيِّدُ أَنْ لَا تَأْكُلَ الْأَرْوَاثَ وَانْتَصَرَ مُحَشِّي تت لتت بِقَوْلِهِ مَا قَالَهُ صَوَابٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ هُنَا فِي الْمُطْلَقِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا هُنَا مِمَّا يُكْرَهُ وَلِقَوْلِهِ أَوْ كَثِيرًا خُلِطَ بِنَجَسٍ فَلَوْ كَانَ كَلَامُهُ هُنَا فِي الْمُطْلَقِ وَلَوْ مَعَ كَرَاهَةٍ مَا قَيَّدَ بِالْكَثِيرِ.
(قَوْلُهُ أَوْ فَضْلَةِ) مَعْطُوفٌ عَلَى سُؤْرِ وَقَوْلُهُ طُهَارَتِهِمَا بِضَمِّ الطَّاءِ وَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ أَيْ فَضْلَةٍ هِيَ طُهَارَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْكَسْرُ وَلَا الْفَتْحُ أَمَّا الْفَتْحُ فَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْفَتْحِ إمَّا الصِّفَةُ الْحُكْمِيَّةُ الْمُعَرَّفَةُ بِمَا تَقَدَّمَ وَإِمَّا مَصْدَرُ طَهُرَ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَالْهَاءِ وَضَمِّهِمَا وَكُلٌّ لَا يَصِحُّ، وَأَمَّا الْكَسْرُ فَهُوَ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ مِنْ غَاسُولٍ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ) أَيْ طَهُورٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ لَا يُتَطَهَّرُ بِفَضْلَةِ تَطْهِيرِ الْحَائِضِ قَالَ بَعْضٌ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَجْرِيَ ذَلِكَ فِي فَضْلَةِ تَطْهِيرِ الْجُنُبِ (قَوْلُهُ لِئَلَّا يَصِيرَ مَكْرُوهًا) ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَدَثٍ وَسَيَأْتِي أَنَّ مَحَلَّ كَرَاهَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي حَدَثٍ إذَا كَانَ يَسِيرًا (قَوْلُهُ أَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي الطَّهَارَةِ) الْأَوْلَى الطَّهُورِيَّةُ.
(قَوْلُهُ أَوْ كَثِيرًا خُلِطَ بِنَجَسٍ لَمْ يُغَيَّرْ) أَيْ خِلَافًا لِابْنِ وَهْبٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ طَهُورٍ قَالَ الشَّارِحُ وَلَعَلَّ ابْنَ وَهْبٍ لَا يَرَى ذَلِكَ كَثِيرًا وَإِلَّا فَمَتَى كَانَ كَثِيرًا فَلَا خِلَافَ فِي طَهُورِيَّتِهِ (قَوْلُهُ الزَّائِدُ عَلَى آنِيَةٍ إلَخْ) لَوْ قَالَ الْمُرَادُ بِالْكَثِيرِ مَا كَانَ أَزْيَدَ مِنْ آنِيَةِ الْغُسْلِ لَكَفَى قَالَ الشَّارِحُ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْقَلِيلِ مِنْ الْمَاءِ فَقِيلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَدٌّ بَلْ بِمِقْدَارِ الْعَادَةِ وَوَقَعَ لِمَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ قَدْرَ آنِيَةِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ (قَوْلُهُ وَكَذَا مَفْهُومُ كَثِيرًا) لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ الْمُصَنِّفِ يُفِيدُ أَنَّهُ يَضُرُّ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَسِيرٌ كَآنِيَةِ وُضُوءٍ إلَخْ يُفِيدُ أَنَّهُ طَهُورٌ وَلَا شَكَّ أَنَّ دَلَالَةَ الْمَنْطُوقِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ لَكِنْ عَلَيْهِ مُؤَاخَذَةٌ فِي الْعُدُولِ عَنْ اللَّفْظِ الشَّامِلِ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إلَى التَّقْيِيدِ الشَّامِلِ لِلْقَلِيلِ لَكِنْ قَدْ عَلِمْت جَوَابَهُ (قَوْلُهُ إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ سَيَأْتِي يُصَرِّحُ بِهَذَا الْمَفْهُومِ فَلَمْ يَعْتَبِرْهُ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ لَيْسَ مِنْ الْمَفَاهِيمِ الْمُعْتَبَرَةِ عِنْدَهُ إلَّا أَنَّهُ يَرِدُ أَنَّهُ تَقَدَّمَ لِلشَّارِحِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ يَعْتَبِرُ مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ كَالشَّرْطِ فَهَذَا يُنَافِيهِ فَلَعَلَّ الْمُنَاسِبَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنْ يَقُولَ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْمَفْهُومِ، وَإِنْ كَانَ يَعْتَبِرُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ.
(قَوْلُهُ أَنَّهُ لَوْ ظَنَّ أَنَّ مُغَيِّرَهُ مِمَّا لَا يَضُرُّ لَا يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ) ، وَإِنْ لَمْ يَقْوَ الظَّنُّ كَذَا قَالَ عج وَتَبِعَهُ عبق (قَوْلُهُ وَالْحُكْمُ أَنَّهُ يَعْمَلُ عَلَى الظَّنِّ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ كَثِيرًا كَالْبِرْكَةِ أَوْ قَلِيلًا كَالْآبَارِ لَكِنَّ الثَّانِيَ مَحَلُّ وِفَاقٍ وَالْأَوَّلُ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ، وَأَمَّا لَوْ عَلِمَ أَنَّ التَّغَيُّرَ مِمَّا يَضُرُّ فَإِنَّهُ يَضُرُّ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا تَغَيَّرَ مَاءُ الْبِئْرِ وَنَحْوِهَا، فَإِنْ تَحَقَّقَ أَوْ ظَنَّ أَنَّ الَّذِي غَيَّرَهُ مِمَّا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ أَيْ وَالطَّاهِرِيَّةَ لِقُرْبِهَا مِنْ الْمَرَاحِيضِ وَرَخَاوَةِ أَرْضِهَا أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَضُرُّ، وَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ مِمَّا لَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ أَوْ ظَنَّ ذَلِكَ أَوْ شَكَّ فِيهِ فَالْمَاءُ طَهُورٌ، وَأَمَّا الْمَاءُ الْكَثِيرُ كَخَلِيجِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ يَظُنُّ أَنَّ تَغَيُّرَهُ مِمَّا يَصُبُّ فِيهِ مِنْ الْمَرَاحِيضِ فَهَلْ هُوَ طَهُورٌ، وَهُوَ مَا قَالَ الْبَاجِيُّ أَنَّهُ ظَاهِرُ السَّمَاعِ وَلَكِنَّهُ مَكْرُوهُ الِاسْتِعْمَالِ أَوْ هُوَ كَالْمَاءِ الْقَلِيلِ فَيَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ أَيْ وَالطَّاهِرِيَّةَ بِذَلِكَ، وَهُوَ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَالْأَوْلَى كَمَا قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ تَرْكُ اسْتِعْمَالِ مَا شَكَّ فِي مُغَيِّرِهِ وَحَيْثُ ظَنَّ الْمُسْتَعْمِلُ أَنَّهُ يَضُرُّ وَلَمْ يُعَارِضْهُ ظَنُّ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِظَنِّهِ قَطْعًا وَالظَّاهِرُ بَلْ الْوَاجِبُ الْعَمَلُ بِظَنِّ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ عِنْدَ التَّعَارُضِ كَذَا ذَكَرَهُ عج ﵀ (قَوْلُهُ بِحَسَبِ الْمَعْنَى) ، وَأَمَّا بِحَسَبِ اللَّفْظِ فَلَيْسَ تَفْسِيرًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِأَيِّ التَّفْسِيرِيَّةِ (أَقُولُ) يُقَالُ لَهُ تَفْسِيرٌ عَلَى حَذْفِ أَيْ (قَوْلُهُ فَإِنَّ هَذَا يُجْتَنَبُ) أَيْ فِي الْعِبَادَاتِ وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْعَادَاتِ (قَوْلُهُ وَالْفَرْقُ) مُبْتَدَأٌ.
(قَوْلُهُ وُقُوفًا) كَذَا فِي نُسْخَتِهِ بِالنَّسَبِ فَيَكُونُ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا
стр. 66
وَأَمَّا مَا يَأْتِي فَإِنَّهُ شَكٌّ فِي الشَّرْطِ وَالذِّمَّةُ عَامِرَةٌ فَلَا تَبْرَأُ إلَّا بِيَقِينٍ وُقُوفًا مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إلَخْ أَيْ يَقِينًا.
(ص) أَوْ تَغَيَّرَ بِمُجَاوِرِهِ (ش) مُجَاوِرُهُ بِالْهَاءِ وَالتَّاءِ وَعَلَى كُلٍّ فَالْمُرَادُ بِهِ تَغَيُّرُ رِيحِهِ فَقَطْ بِحَسَبِ الصُّورَةِ بِرَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ كَالْجِيفَةِ أَوْ طَيِّبَةٍ كَنَبْتٍ مُجَاوِرٍ لَهُ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرَّائِحَةَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هِيَ فِي الشَّيْءِ الْمُجَاوِرِ لِلْمَاءِ لَا فِيهِ هَذَا إنْ كَانَ الْمُجَاوِرُ مُنْفَصِلًا غَيْرَ مُلَاصِقٍ بَلْ، وَإِنْ كَانَ تَغَيُّرَ الْمُجَاوَرَةِ (بِدُهْنٍ لَاصَقَ) سَطْحَهُ وَلَمْ يُمَازِجْهُ وَلَاصَقَ فِعْلٌ مَاضٍ يُقَالُ بِالصَّادِ وَالسِّينِ وَالزَّايِ فَظَهَرَ أَنَّ الْمُجَاوِرَ قِسْمَانِ لَا يُسْتَغْنَى بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِ التَّغَيُّرِ فِي الْمُلَاصِقِ أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ وَابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ رَاشِدٍ وَاعْتَرَضَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِأَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَاتِ وَأَقْوَالَهُمْ أَنَّ كُلَّ تَغَيُّرٍ بِحَالٍ مُعْتَبَرٌ، وَإِنْ لَمْ يُمَازِجْ وَبِنَقْلِ عَبْدِ الْحَقِّ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الشَّيْخِ وَالْقَابِسِيِّ مَاءٌ اُسْتُقِيَ بِدَلْوٍ دُهِنَ بِزَيْتٍ غَيْرُ طَهُورٍ اهـ.
(ص) أَوْ بِرَائِحَةِ قَطِرَانِ وِعَاءِ مُسَافِرٍ (ش) أَيْ أَنَّ الْمَاءَ إذَا تَغَيَّرَ بِرَائِحَةِ الْقَطِرَانِ الْبَاقِيَةِ فِي الْوِعَاءِ أَوْ بِإِلْقَاءِ جِرْمِهِ فِي وِعَاءِ مُسَافِرٍ فَظَهَرَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ وَلَا طَعْمُهُ فَهُوَ طَهُورٌ يَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْهُ مُرَاعَاةً لِمُطْلَقِ الِاسْمِ عَلَى الْأَرْجَحِ عِنْدَ سَنَدٍ فَقَوْلُهُ أَوْ بِرَائِحَةِ قَطِرَانٍ مَعْطُوفٌ عَلَى بِدُهْنٍ دَاخِلٌ فِي حَيِّزِ الْمُبَالَغَةِ لَا عَلَى مُجَاوِرِهِ إذْ الْقَطِرَانُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُجَاوِرِ وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ وَالتَّقْدِيرُ: وَإِنْ كَانَتْ الْمُجَاوَرَةُ بِسَبَبِ رَائِحَةِ قَطِرَانٍ وَتَقْيِيدُ الْمُؤَلِّفِ بِالْمُسَافِرِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ لَا يَضُرُّ تَغَيُّرُ الرِّيحِ مُطْلَقًا وَيَضُرُّ تَغَيُّرُ اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ مُطْلَقًا وَالْحَاصِلُ كَمَا قَالَهُ الْحَطَّابُ إنْ تَغَيَّرَ رِيحُ الْمَاءِ فَقَطْ مِنْ الْقَطِرَانِ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّغَيُّرِ بِالْمُجَاوِرِ وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ وَلَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِالضَّرُورَةِ وَلَا بِالسَّفَرِ، وَإِنْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لَا فِي الْحَضَرِ وَلَا فِي السَّفَرِ إلَّا عَلَى ظَاهِرِ مَا نَقَلَهُ ابْنُ رَاشِدٍ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَيَتَقَيَّدُ حِينَئِذٍ بِالسَّفَرِ وَبِالضَّرُورَةِ إلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ مَحَلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ
ــ
[حاشية العدوي]
وَالتَّقْدِيرُ ظَاهِرٌ لِأَجْلِ الْوُقُوفِ أَيْ هُنَا وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وُقُوفًا تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ فَلَا تَبْرَأُ إلَخْ (أَقُولُ) بِحَمْدِ اللَّهِ الْحَقُّ أَنَّ هَذَا شَكٌّ فِي الْمَانِعِ فَقَطْ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مُحَقَّقُ الْحُصُولِ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ الَّذِي هُوَ مَانِعُهُ وَقَوْلُهُمْ الشَّكُّ فِي الشَّرْطِ مُؤَثِّرٌ مَعْنَاهُ إذَا شَكَّ هَلْ حَصَّلَهُ أَوْ لَا بَعْدَ تَيَقُّنِ الْحَدَثِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ جَازِمًا بِالطَّهَارَةِ، ثُمَّ شَكَّ فِي حَدَثٍ لَحِقَهُ أَوْ لَا فَهُوَ شَكٌّ فِي الْمَانِعِ وَمَنْ يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ فَلَا يُخَاطَبُ فَمَا لَنَا حِينَئِذٍ إلَّا مَحْضُ اتِّبَاعِ النَّصِّ فِي النَّقْضِ بِالْحَدَثِ مَعَ كَوْنِهِ شَكًّا فِي الْمَانِعِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ الشَّرْطِ) أَيْ الَّذِي هُوَ الْوُضُوءُ (قَوْلُهُ وَالذِّمَّةُ عَامِرَةٌ) الذِّمَّةُ وَصْفٌ قَائِمٌ بِالشَّخْصِ وَقَوْلُهُ عَامِرَةٌ أَيْ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهَا وَقَوْلُهُ فَلَا تَبْرَأُ أَيْ مِنْهُ إلَّا بِيَقِينٍ أَيْ مِنْ تَحْصِيلِ ذَلِكَ الْحُكْمِ.
(قَوْلُهُ أَوْ تَغَيَّرَ بِمُجَاوِرِهِ) أَيْ بِدُونِ مُلَاصَقَةٍ (قَوْلُهُ تَغَيَّرَ رِيحُهُ فَقَطْ) بَلْ لَوْ فُرِضَ تَغَيُّرُ الطَّعْمِ وَاللَّوْنِ لَا يَضُرُّ إلَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ (قَوْلُهُ بِحَسَبِ الصُّورَةِ) أَيْ لَا بِحَسَبِ الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَوْ تَغَيَّرَ بِمُجَاوَرَةٍ لَا يَصِحُّ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى امْتِنَاعِ انْتِقَالِ الْأَعْرَاضِ، ثُمَّ ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ تَيَقَّنَ حُصُولَ التَّغَيُّرِ فِي الْمَاءِ يَضُرُّ عَلَى فَرْضِ حُصُولِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى وُجُودِ التَّغَيُّرِ حَقِيقَةً وَلَا يَرِدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْأَعْرَاضَ لَا تَنْتَقِلُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ كَمَا أَنَّ الْعَرَضَ يَبْقَى بِبَقَاءِ أَمْثَالِهِ عَلَى مَا فِيهِ يَنْتَقِلُ مِثْلُهُ بِمَعْنَى أَنَّ الْجِيفَةَ لَمَّا جَاوَرَتْ الْمَاءَ يَخْلُقُ اللَّهُ فِي الْهَوَاءِ الْمُلَاقِي لِسَطْحِ الْمَاءِ كَيْفِيَّةً مُمَاثِلَةً لِكَيْفِيَّةِ الْجِيفَةِ، ثُمَّ يَخْلُقُ اللَّهُ فِي الْمَاءِ كَيْفِيَّةً مِثْلَ الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي فِي الْهَوَاءِ الْمُلَاصِقِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الرَّائِحَةَ فِي الْحَقِيقَةِ إلَخْ) بَلْ وَلَوْ فِي الْمَاءِ عَلَى مَا قُلْنَا (قَوْلُهُ بَلْ، وَإِنْ كَانَ تَغَيُّرَ الْمُجَاوَرَةِ) أَيْ تَغَيَّرَ الرِّيحُ بِسَبَبِ الْمُجَاوَرَةِ الْمُلَاصِقَةِ، وَأَمَّا تَغَيُّرُ الطَّعْمِ وَاللَّوْنِ فَإِنَّهُ يَضُرُّ وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ مَازَجَ الْمَاءَ (قَوْلُهُ وَلَمْ يُمَازِجْهُ) وَحِينَئِذٍ فَلَا بُدَّ مِنْ دَفْعِ الدُّهْنِ عَنْ وَجْهِ الْمَاءِ عِنْدَ الِاسْتِعْمَالِ إنْ كَانَ الدُّهْنُ كَثِيرًا، وَإِنْ كَانَ كَالنُّقْطَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِلَقْطِهِ قَالَهُ ابْنُ قَدَّاحٍ قَالَ بَعْضٌ الْقَلِيلُ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ لِلَقْطِهِ هُوَ مَا لَوْ مَازَجَ الْمَاءَ لَا يُغَيِّرُهُ (قَوْلُهُ وَاعْتَرَضَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ) أَيْ فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ ضَعِيفٌ وَصَارَ حَاصِلُهُ أَنَّ التَّغَيُّرَ بِالْمُجَاوِرِ الْمُلَاصِقِ يَضُرُّ مُطْلَقًا لَوْنًا وَطَعْمًا وَرِيحًا (قَوْلُهُ وَبِنَقْلِ عَبْدِ الْحَقِّ إلَخْ) فَرَّقَ صَاحِبُ الْجَمْعِ بَيْنَ الدَّلْوِ وَالدُّهْنِ الْوَاقِعِ عَلَى سَطْحِ الْمَاءِ بِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَاءِ مَازَجَهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الدُّهْنِ فِي الدَّلْوِ؛ لِأَنَّ الدُّهْنَ يَنْشَغُ مِنْ قَعْرِ الدَّلْوِ وَأَجْنَابِهِ بِخِلَافِ الدُّهْنِ الْوَاقِعِ فِي الْمَاءِ فَإِنَّهُ يَطْفُو عَلَى وَجْهِهِ وَيَبْقَى مَا تَحْتَهُ سَالِمًا قَالَ الْحَطَّابُ وَصَاحِبُ الْجَمْعِ هَذَا لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ وَقَوْلُهُ يَنْشَغُ بِالنُّونِ وَالشِّينِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ أَيْ يَرْفَعُ.
(قَوْلُهُ فَهُوَ طَهُورٌ يَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْهُ مُرَاعَاةً لِمُطْلَقِ الِاسْمِ عَلَى الْأَرْجَحِ) هَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي إبْقَاءِ جُرْمِهِ لَا فِي الرَّائِحَةِ فَقَطْ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا مَسْأَلَتَانِ الْأُولَى لَمْ يَبْقَ مِنْ جُرْمِ الْقَطِرَانِ فِي الْوِعَاءِ شَيْءٌ قَالَ ح فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ التَّغَيُّرِ بِالْمُجَاوِرِ فَلَا يَسْلُبُ الْمَاءَ الطَّهُورِيَّةَ وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ الثَّانِيَةُ مَا إذَا حَصَلَ التَّغَيُّرُ بِرَائِحَةِ الْقَطِرَانِ مَعَ وُجُودِ جُرْمِهِ فِي الْوِعَاءِ قَالَ سَنَدٌ، فَإِنْ رَاعَيْنَا مُطْلَقَ الِاسْمِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَهُوَ مَاءٌ مُطْلَقٌ حَتَّى يَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَتَثْبُتَ لَهُ صِفَةُ الْإِضَافَةِ، وَإِنْ رَاعَيْنَا مُجَرَّدَ التَّغَيُّرِ مَنَعْنَاهُ وَالْأَوَّلُ عِنْدِي أَرْجَحُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتْ الْمُجَاوَرَةَ) أَيْ، وَإِنْ كَانَ تَغَيُّرُ الرِّيحِ بِسَبَبِ الْمُجَاوَرَةِ (قَوْلُهُ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ) أَيْ بَلْ الْحَاضِرُ وَالْمُسَافِرُ سَوَاءٌ (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) حَاضِرًا أَوْ مُسَافِرًا وَكَذَا قَوْلُهُ بَعْدُ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ) أَيْ الْمُتَغَيِّرِ بِالطَّعْمِ أَوْ اللَّوْنِ (قَوْلُهُ إلَّا عَلَى ظَاهِرِ مَا نَقَلَهُ ابْنُ رَاشِدٍ) قَالَ الْحَطَّابُ فَلَوْ أَسْقَطَ لَفْظَةَ رَائِحَةَ أَمْكَنَ
стр. 67
الْقَطِرَانُ دِبَاغًا لِوِعَاءِ الْمَاءِ، فَإِنْ كَانَ دِبَاغًا لِوِعَاءِ الْمَاءِ فَلَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ لَوْنًا أَوْ طَعْمًا أَوْ رِيحًا وَانْظُرْ إذَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ دِبَاغًا أَمْ لَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجْرِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ أَوْ شَكَّ فِي مُغَيِّرِهِ هَلْ يَضُرُّ.
(ص) أَوْ بِمُتَوَلِّدٍ مِنْهُ (ش) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى بِمُجَاوَرَةِ أَيْ، وَإِنْ تَغَيَّرَ ذَلِكَ الْمُطْلَقُ بِمُتَوَلِّدٍ مِنْ الْمَاءِ كَالْمُتَغَيِّرِ بِالطُّحْلُبِ بِضَمِّ الطَّاءِ وَاللَّامِ وَبِفَتْحِ اللَّامِ أَيْضًا وَهِيَ الْخُضْرَةُ الَّتِي تَعْلُو الْمَاءَ وَالْخَزُّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ مَا يَنْبُتُ فِي جَوَانِبِ الْجُدْرَانِ الْمُلَاصِقَةِ لِلْمَاءِ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَالضَّرِيعُ قَالَ بَعْضٌ لَمْ أَقِفْ عَلَى مَعْنَاهُ قَالَ سَيِّدِي زَرُّوقٌ وَالزَّعْلَانُ حَيَوَانٌ صَغِيرٌ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ وَمِنْهُ مَا يَنْشَأُ مِنْ طُولِ مُكْثِهِ بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ كَاصْفِرَارِهِ وَغِلَظِ قَوَامِهِ وَدُهْنِيَّةٍ تَعْلُوهُ مِنْ ذَاتِهِ كُلُّ ذَلِكَ لَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ سَوَاءٌ غَيَّرَهُ فِي حَالِ اتِّصَالِهِ أَوْ أُلْقِيَ فِيهِ بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الثَّانِي عِنْدَ ابْنِ بَشِيرٍ وَعَنْ مَالِكٍ الْكَرَاهَةُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى أَوْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ أَوْ الْجَمِيعُ بِمُتَوَلِّدٍ مِنْهُ كَالطُّحْلُبِ وَنَحْوِهِ وَقَيَّدَ الطُّرْطُوشِيُّ الطُّحْلُبَ إذَا لَمْ يُطْبَخْ فِي الْمَاءِ وَقَبِلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ حِينَئِذٍ وَلَا يَضُرُّ تَغَيُّرُ الْمَاءِ بِالسَّمَكِ أَوْ رَوْثِهِ احْتَاجَ إلَى ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ إمَّا مُتَوَلِّدٌ مِنْ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ.
(ص) أَوْ بِقَرَارِهِ (ش) أَيْ أَنَّ الْمَاءَ إذَا تَغَيَّرَ بِمَا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا مِمَّا هُوَ مِنْ قَرَارِ الْأَرْضِ كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ بِطِينٍ أَوْ جَرَى عَلَى كِبْرِيتٍ أَوْ زِرْنِيخٍ أَوْ مِلْحٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ وَاحْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا غَالِبًا مِنْ مِثْلِ حَبْلِ السَّانِيَةِ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَوْ بِقَرَارِهِ كَمِلْحٍ وَلَوْ طُبِخَ بِهِ وَقَالَ الْحَطَّابُ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا طُبِخَ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ فَغَيَّرَهُ فَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ لَهُ حُكْمُ الْمَاءِ الْمُضَافِ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ قُلْت الْجَارِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ الطُّرْطُوشِيِّ فِي الطُّحْلُبِ إذَا طُبِخَ فِي الْمَاءِ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ تَغَيُّرَ الْمَطْبُوخِ أَقْوَى اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ اُنْظُرْ وَجْهَهُ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ.
(ص) أَوْ بِمَطْرُوحٍ وَلَوْ قَصْدًا مِنْ تُرَابٍ أَوْ مِلْحٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ
ــ
[حاشية العدوي]
أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ أَشَارَ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رَاشِدٍ اهـ. لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مِنْ الْحَطَّابِ فِيهِ نَوْعُ مَيْلٍ لِكَلَامِ ابْنِ رَاشِدٍ فَتَأَمَّلْهُ (قَوْلُهُ يُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ عَلَيْهِ) أَيْ إمَّا لِدَفْعِ تَوَهُّمٍ أَوْ إشَارَةٍ لِخِلَافٍ لَكِنْ يَصِيرُ فِيهِ نَوْعُ تَدَافُعٍ؛ لِأَنَّ مَا قَبِلَ الْمُبَالَغَةَ، وَهُوَ تَغَيُّرُ الْمُجَاوَرَةِ عَامٌّ إلَّا أَنْ يَنْظُرَ لِمَا هُوَ الْغَالِبُ فِي تَغَيُّرِ الْمُجَاوَرَةِ مِنْ أَنَّهُ فِي الرَّائِحَةِ فَقَطْ وَالْبَاءُ فِي بِرَائِحَةٍ لِلْمُلَابَسَةِ وَمَا قَبْلَهَا لِلسَّبَبِيَّةِ ذَكَرَ هَذَا كُلَّهُ الْبَدْرُ (قَوْلُهُ مَا لَمْ يَكُنْ الْقَطِرَانُ دِبَاغًا) الظَّاهِرُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا كَانَ الدِّبَاغُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ لَا إنْ كَانَ مُتَفَاحِشًا وَمِثْلُ التَّغَيُّرِ بِرَائِحَةِ الْقَطِرَانِ التَّغَيُّرُ بِمَا يَكُونُ دِبَاغًا كَالْقَرَظِ وَنَحْوِهِ وَالْقَطِرَانُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهِمَا وَبِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الطَّاءِ.
(قَوْلُهُ وَالْخَزُّ بِالْخَاءِ) مَعْطُوفٌ عَلَى الطُّحْلُبِ وَكَذَا الضَّرِيعُ وَالزَّعْلَانُ وَقَوْلُهُ مَا يَنْبُتُ أَيْ، وَهُوَ مَا يَنْبُتُ وَقَوْلُهُ حَيَوَانٌ أَيْ، وَهُوَ حَيَوَانٌ (قَوْلُهُ وَالضَّرِيعُ قَالَ بَعْضٌ إلَخْ) بَيَّنَهُ فِي الْقَامُوسِ فَقَالَ نَبَاتٌ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ لَهُ عُرُوقٌ لَا تَصِلُ إلَى الْأَرْضِ (قَوْلُهُ وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُتَوَلِّدِ (قَوْلُهُ قَوَامُهُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِهَا أَيْ أَجْزَاؤُهُ (قَوْلُهُ وَعَنْ مَالِكٍ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُقَابَلَةَ لَمْ تَظْهَرْ؛ لِأَنَّ الطَّهُورِيَّةَ لَا تُنَافِي الْكَرَاهَةَ نَعَمْ هَذَا يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ مُحَشِّي تت أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُطْلَقِ الْخَالِي عَنْ الْكَرَاهَةِ (قَوْلُهُ الطُّرْطُوشِيُّ) بِضَمِّ الطَّاءَيْنِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ نِسْبَةً لِبَلَدِهِ طَرْطُوشَةَ بِالْأَنْدَلُسِ نَشَأَ بِهَا وَتُوُفِّيَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ وَقَالَ الذَّهَبِيُّ عَاشَ أَبُو بَكْرٍ سَبْعِينَ سَنَةً وَتُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى (قَوْلُ بِالسَّمَكِ) أَيْ الْحَيِّ، فَإِنْ مَاتَ فَحُكْمُهُ كَالطَّاهِرِ فَيَضُرُّ تَغَيُّرُهُ (قَوْلُهُ أَوْ رَوْثِهِ) فِي شَرْحِ عج خِلَافُهُ وَأَنَّ الرَّوْثَ يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَوَلِّدٍ مِنْ الْمَاءِ وَلَا مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ وَاَلَّذِي أَقُولُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ فَكَانَ كَالْقَرَارِ وَلَا يُعْطَى حُكْمُ السَّمَكِ الْمَيِّتِ لِنُدُورِهِ وَفِي كَلَامِ عج آخِرًا إشَارَةٌ لِذَلِكَ هَكَذَا ظَهَرَ لِي سَابِقًا، ثُمَّ ظَهَرَ لِي الْآنَ صِحَّةُ كَلَامِ عج الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ احْتَاجَ إلَى ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ) أَيْ كَالْبَيَاضِ وَالْقُرْمُوطِ وَقَوْلُهُ أَوْ لَا أَيْ كَالصِّيرِ وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مُتَوَلِّدٌ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي هُوَ الصِّيرُ وَقَوْلُهُ أَوْ مِمَّا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ كَالْبَيَاضِ وَالْقُرْمُوطِ.
(قَوْلُهُ لَوْ تَغَيَّرَ بِطِينٍ أَوْ جَرَى عَلَى كِبْرِيتٍ) حَاصِلُهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ سَوَاءٌ مَرَّ الْمَاءُ عَلَيْهَا أَوْ صُنِعَتْ مِنْهَا أَوَانٍ فَغَيَّرَتْهُ بِمُكْثِهِ فِيهَا أَوْ تَسْخِينِهِ كَقُدُورِ الْحَمَّامَاتِ وَأَوَانِي الْفَخَّارِ وَلَا تُخْرِجُهَا الصَّنْعَةُ وَلَا كَرَاهَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَوْ ظَهَرَ طَعْمُ الْقُدُورِ وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى الْوُضُوءَ مِنْ إنَاءِ الْحَدِيدِ مَعَ سُرْعَةِ تَغَيُّرِهِ وَإِنَّمَا كَانَ الْكِبْرِيتُ وَمَا مَعَهُ غَيْرَ مُضِرٍّ لِلْمَاءِ وَلَوْ نَقَلَ وَمُنِعَ التَّيَمُّمُ بِهِ وَمَا مَعَهُ حَيْثُ نَقَلَ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ ضَعِيفَةٌ.
(تَنْبِيهٌ) : يَدْخُلُ فِي الْقَرَارِ الْجِيرُ وَالطِّفْلُ فَقَدْ نَصَّ الْبُرْزُلِيُّ فِي نَوَازِلِهِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إذَا تَغَيَّرَ بِالْجِيرِ وَصَارَ أَصْفَرَ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ وَنَصَّ أَيْضًا فِي مَحَلٍّ آخَرَ عَلَى أَنَّ مَاءَ الْمَطَرِ إذَا تَغَيَّرَ بِالسَّطْحِ بِغَيْرِ نَجَاسَةٍ لَا يَضُرُّ وَالْجِبْسُ مِثْلُ الْجِيرِ كَمَا نَقَلَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ (قَوْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ) وَجْهُ النَّظَرِ أَنَّ الْأَثَرَ الَّذِي يَظْهَرُ بِطَبْخِ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ هُوَ مَا يَحْصُلُ بِوَضْعِ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ طَبْخٍ، وَأَمَّا طَبْخُ الطُّحْلُبِ فِي الْمَاءِ فَيَحْصُلُ مِنْهُ تَغَيُّرُ طَعْمِ الْمَاءِ وَلَوْنِهِ وَهَذَا غَيْرُ التَّغَيُّرِ الْحَاصِلِ بِهِ قَبْلَ طَبْخِهِ وَطَبْخُ الْمَاءِ بِالْكِبْرِيتِ وَنَحْوِهِ كَطَبْخِهِ بِالْمِلْحِ كَذَا فِي ك.
(قَوْلُهُ وَلَوْ قَصْدًا) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ قَصْدًا كَأَنَّهُ أَلْقَتْهُ فِيهِ الرِّيحُ وَمِثْلُهُ لَوْ جَرَى بَلْ وَلَوْ طُرِحَ قَصْدًا (قَوْلُهُ مِنْ تُرَابٍ أَوْ مِلْحٍ) حَلُّ الشَّارِحِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لِلتُّرَابِ وَالْمِلْحِ بِذَلِكَ بَلْ الْخِلَافُ جَارٍ فِي الْمَغْرَةِ وَالْكِبْرِيتِ وَنَحْوِهِمَا كَالتُّرَابِ فَإِذَنْ يَعْتَرِضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّهُ اكْتَفَى بِذِكْرِ أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ إلَى الْمَاءِ، وَهُوَ التُّرَابُ وَأَبْعَدِهَا عَنْهُ، وَهُوَ الْمِلْحُ لِكَوْنِهِمَا طَرَفَيْ غَايَةٍ حُكْمُ مَا بَيْنَهُمَا كَالْكِبْرِيتِ وَالزِّرْنِيخِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِمَا
стр. 68
الْمَاءَ لَا يَضُرُّهُ مَا طُرِحَ فِيهِ مِنْ تُرَابٍ أَوْ مِلْحٍ أَوْ مَغْرَةٍ وَكِبْرِيتٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَوْ قَصْدًا عَلَى الْمَشْهُورِ قَلَّ التَّغَيُّرُ أَوْ كَثُرَ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ إنَّ الْمَطْرُوحَ قَصْدًا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ لِانْفِكَاكِ الْمَاءِ عَنْهُ (ص) وَالْأَرْجَحُ السَّلْبُ بِالْمِلْحِ (ش) أَيْ وَالْأَرْجَحُ عِنْدَ ابْنِ يُونُسَ سَلْبُ طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ بِالْمِلْحِ الْمَطْرُوحِ قَصْدًا الْمُغَيِّرِ لِأَحَدِ أَوْصَافِ الْمَاءِ وَأَحْسَنَ مَا قُرِّرَ بِهِ قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ (ص) وَفِي الِاتِّفَاقِ عَلَى السَّلْبِ بِهِ إنْ صَنَعَ تَرَدُّدٌ (ش) نَقَلَ الْمَوَّاقُ عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ وَنَصُّهُ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي الْمِلْحِ هَلْ هُوَ كَالتُّرَابِ فَلَا يُنْقَلُ حُكْمَ الْمَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ أَوْ كَالطَّعَامِ فَيَنْقُلُهُ أَوْ الْمَعْدِنِيُّ مِنْهُ كَالتُّرَابِ وَالْمَصْنُوعُ كَالطَّعَامِ ثَلَاثُ طُرُقٍ وَاخْتَلَفَ مَنْ بَعْدَهُمْ هَلْ تَرْجِعُ جَمِيعُ هَذِهِ الطُّرُقِ إلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ فَيَكُونُ مَنْ جَعَلَهُ كَالتُّرَابِ يُرِيدُ الْمَعْدِنِيَّ وَمَنْ جَعَلَهُ كَالطَّعَامِ يُرِيدُ الْمَصْنُوعَ أَوْ مَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ وَالْأَرْجَحُ إلَخْ طَرِيقَةٌ لِلْقَابِسِيِّ وَاخْتَارَهَا ابْنُ يُونُسَ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ وَالْمَذْهَبُ عَدَمُ السَّلْبِ بِمَا تَغَيَّرَ مِنْ الْمِلْحِ الْمَطْرُوحِ وَلَوْ قَصْدًا صَنَعَ أَمْ لَا (ص) لَا بِمُتَغَيِّرٍ لَوْنًا أَوْ طَعْمًا أَوْ رِيحًا بِمَا يُفَارِقُهُ غَالِبًا مِنْ طَاهِرٍ أَوْ نَجَسٍ (ش) هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى بِالْمُطْلَقِ أَيْ لَا بِمَاءٍ مُتَغَيِّرٍ أَحَدَ أَوْصَافِهِ الثَّلَاثَةِ بِمَا يُفَارِقُهُ غَالِبًا مِنْ طَاهِرٍ كَلَبَنٍ وَزَعْفَرَانٍ أَوْ نَجِسٍ كَبَوْلٍ وَدَمٍ فَلَا يُرْفَعُ بِهِ حَدَثٌ وَلَا حُكْمُ خَبَثٍ وَقَوْلُهُ غَالِبًا أَيْ كَثِيرًا فَلَا يَضُرُّ تَغَيُّرُهُ بِمَا لَا يُفَارِقُهُ أَصْلًا كَالسَّمَكِ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ أَوْ مَغْرَةٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَصْدًا إلَخْ) فَخُلَاصَتُهُ أَنَّ التُّرَابَ أَوْ غَيْرَهُ لَوْ أَلْقَتْهُ الرِّيحُ مَثَلًا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ بِلَا خِلَافٍ (قَوْلُهُ أَنَّ الْمَطْرُوحَ قَصْدًا يَسْلُبُ إلَخْ) وَجْهُهُ أَنَّ الْمَاءَ يَنْفَكُّ عَنْ هَذَا الطَّارِئِ (قَوْلُهُ وَالْأَرْجَحُ السَّلْبُ بِالْمِلْحِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ خِلَافَ ابْنِ يُونُسَ إنَّمَا هُوَ فِي الْمِلْحِ فَقَطْ وَالْأَرْجَحِيَّةُ رَاجِعَةٌ لِلْمُبَالَغِ عَلَيْهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ يُونُسَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْمِلْحِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَارَقَ الْأَرْضَ صَارَ طَعَامًا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِ فَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ إلَخْ يُفِيدُ مَا قُلْنَا أَنَّ خِلَافَهُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمِلْحِ فَقَطْ وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ يُونُسَ ضَعِيفٌ وَالرَّاجِحُ قَوْلُهُ قَبْلُ أَوْ مِلْحٍ، ثُمَّ نَقُولُ قَوْلُهُ وَالْأَرْجَحُ السَّلْبُ بِالْمِلْحِ مُطْلَقًا أَيْ عِنْدَ مَنْ يُبْقِي الْأَقْوَالَ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَإِنْ كَانَ مَصْنُوعًا عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُ الْقَوْلَ الثَّالِثَ تَفْسِيرًا لِلْقَوْلَيْنِ كَذَا قَالَ اللَّقَانِيِّ
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ عج كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَيْ قَوْلُهُ وَالْأَرْجَحُ إلَخْ فِيمَا طُرِحَ قَصْدًا إذْ الْمَطْرُوحُ بِغَيْرِ قَصْدٍ يُتَّفَقُ عَلَى عَدَمِ سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ اهـ.
بِلَفْظِهِ (قَوْلُهُ وَأَحْسَنُ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هُنَاكَ تَقْرِيرًا آخَرَ، وَهُوَ كَذَلِكَ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ (قَوْلُهُ وَمَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ) وَجْهُهَا أَنَّ الِالْتِفَاتَ إلَى أَصْلِهِ يُلْحِقُهُ بِالتُّرَابِ وَالِالْتِفَاتَ إلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الطَّعَامِ يُلْحِقُهُ بِالطَّعَامِ وَوَجْهُ التَّفْصِيلِ؛ لِأَنَّ الْمَعْدِنِيَّ لَمْ يَنْضَفْ إلَيْهِ زَائِدٌ وَالْمَصْنُوعُ قَدْ انْضَافَ إلَيْهِ زَائِدٌ فَأَخْرَجَهُ عَنْ بَابِهِ فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِالتَّرَدُّدِ إلَى اخْتِلَافِهِمْ الثَّانِي فِي رَدِّ الْأَقْوَالِ إلَى الْقَوْلِ بِالتَّفْصِيلِ وَعَدَمِ رَدِّهَا قَالَ فِي ك لَكِنْ اُنْظُرْ كَيْفَ مُلَاءَمَةُ ذِكْرِ التَّرَدُّدِ هُنَا لِاصْطِلَاحِ الْمُصَنِّفِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَبِالتَّرَدُّدِ؛ لِأَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ هُنَا لَمْ يَتَرَدَّدُوا فِي النَّقْلِ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَلَا فِي الْحُكْمِ نَفْسِهِ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ وَإِنَّمَا تَرَدَّدُوا فِي بَقَاءِ أَقْوَالِ الْمُتَأَخِّرِينَ السَّابِقِينَ عَلَيْهِمْ عَلَى إطْلَاقِهَا أَوْ رَدِّهَا لِقَوْلِ وَاحِدٍ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُؤَلِّفِ فِي اصْطِلَاحِهِ السَّابِقِ بِالْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مُطْلَقَ مَنْ تَقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ عَنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ مُتَأَخِّرِينَ بِاصْطِلَاحِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ قَبْلِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ بَعْدِهِ وَيُرَادُ أَيْضًا عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ مَا نُسِبَ إلَيْهِمْ وَلَوْ بِطَرِيقِ الْفَهْمِ أَوْ الْحَمْلِ مِنْ كَلَامِهِمْ اهـ. مِنْ ك وَفِي الشَّيْخِ عَبْدِ الْبَاقِي الْأَقْسَامُ أَرْبَعَةٌ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ عَنْ عج وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا أَصْلُهُ مَاءٌ وَجَمَدَ يُجْزِئُ اتِّفَاقًا وَمَا أَصْلُهُ مِنْ أَرَاكٍ لَا يُجْزِئُ اتِّفَاقًا وَالْخِلَافُ فِيمَا صُنِعَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ كَتُرَابٍ بِنَارٍ وَمَا كَانَ مِنْ مَعْدِنِهِ حِجَارَةٌ وَقَوْلُهُ فِي الْأَوَّلِ يُجْزِئُ اتِّفَاقًا فَاتَّبَعَ فِيهِ عج وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ خِلَافًا إلَّا أَنَّهُ ضَعِيفٌ.
(تَنْبِيهٌ) : لَمْ يَقُلْ الْمُصَنِّفُ وَفِي الِاتِّفَاقِ عَلَى السَّلْبِ بِهِ إنْ صُنِعَ وَعَلَى عَدَمِ السَّلْبِ بِهِ إنْ لَمْ يُصْنَعْ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ يَحْكُونَ اتِّفَاقَ الْمَذْهَبِ عَلَى سَلْبِ الْمَصْنُوعِ لَا يَحْكُونَهُ عَلَى عَدَمِ السَّلْبِ الْمَعْدِنِيِّ أَيْضًا وَإِنَّمَا يَجْعَلُونَهُ كَالتُّرَابِ وَالتُّرَابُ فِيهِ الْخِلَافُ قَالَ ح نَعَمْ إلَّا إنْ أُرِيدَ اتِّفَاقُ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ التُّرَابَ لَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ فَيَصِحُّ (قَوْلُهُ لَا بِمُتَغَيِّرٍ) اسْمُ فَاعِلٍ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أَيْ مَاءٌ مُتَغَيِّرٌ وَجَازَ حَذْفُ الْمَوْصُوفِ هُنَا لِقَرِينَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ لَوْنًا مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ الْمُحَوَّلِ عَنْ الْفَاعِلِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِكَانَ الْمَحْذُوفَةِ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْبَاقِي لَا بِمُتَغَيِّرٍ تَحْقِيقًا أَوْ غَلَبَةَ ظَنٍّ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَغْلِبْ الظَّنُّ فَلَا يَضُرُّ انْتَهَى كَلَامُهُ، ثُمَّ أَقُولُ هَذَا غَيْرُ مُنَاسِبٍ بَلْ الَّذِي يُفِيدُهُ النَّقْلُ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الظَّنِّ، وَإِنْ لَمْ يَقْوَ وَلَا حَاجَةَ لِجَلْبِ مَا يُفِيدُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ كَبَوْلٍ وَدَمٍ) هَذَا يَقْتَضِي قِرَاءَةَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ نَجَسٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ فَهُوَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ، وَإِنْ كُسِرَتْ فَهُوَ الشَّيْءُ الْمُتَنَجِّسُ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَيَدْخُلُ عَيْنُ النَّجَاسَةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الْفَتْحُ مِنْ الْمُصَنِّفِ بَلْ يَجُوزُ الْأَمْرَانِ كَمَا يُفِيدُهُ الْحَطَّابُ اتِّفَاقًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَعَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ فِي الثَّالِثِ كَمَا قَالَهُ ك وَقَوْلُهُ غَالِبًا أَيْ بِحَسَبِ كُلِّ قَوْمٍ فَأَهْلُ الْبَوَادِي لَوْ تَغَيَّرَتْ آنِيَتُهُمْ بِالدُّهْنِ فَلَا يَضُرُّ انْتَهَى كَمَا قَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ حَيْثُ جَعَلَ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ مِنْ أَوَانِي الْأَعْرَابِ بِالسَّمْنِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ الْمَاءُ غَالِبًا اُنْظُرْ ح انْتَهَى.
أَيْ فَيُغْتَفَرُ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْبَوَادِي دُونَ غَيْرِهِمْ قَالَهُ شَيْخُنَا الصَّغِيرُ (قَوْلُهُ كَالسَّمَكِ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ إنَّ السَّمَكَ الْحَيَّ يُفَارِقُ قَلِيلًا وَالْمُقِرَّ بِوَصْفٍ كَوْنُهُ مُقِرًّا لَا يُفَارِقُ أَصْلًا كَذَا قَرَّرَ شَيْخُنَا ﵀ (أَقُولُ) وَلَعَلَّ الشَّارِحَ قَصَدَ أَنَّ شَأْنَ السَّمَكِ يُوصَفُ كَوْنُهُ حَيًّا لَا يُفَارِقُ مُسْتَمِرَّ الْحَيَاةِ بَلْ يَمُوتُ، وَأَمَّا الْمُقِرُّ فَقَدْ يُفَارِقُ بِاعْتِبَارِ زَوَالِ الْمَاءِ عَنْ مَوْضِعِهِ أَوْ بِنَقْلِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ
стр. 69
الْحَيِّ وَبِمَا يُفَارِقُهُ قَلِيلًا كَمَقَرِّهِ، وَأَمَّا السَّمَكُ إذَا مَاتَ فِيهِ فَهُوَ مِنْ الْمُفَارِقِ كَثِيرًا فَيَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ الْمُؤَلِّفُ لَا بِالْمُتَغَيِّرِ لِيُوَافِقَ بِالْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّهُ عُطِفَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ يَصِحُّ عَطْفُ النَّكِرَةِ عَلَى الْمَعْرِفَةِ أَوْ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْمُطْلَقَ لَمَّا كَانَ مُتَصَوَّرًا فِي الْأَذْهَانِ صَحَّ أَنْ يُعْرَفَ بِخِلَافِ الْمُتَغَيِّرِ وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْمُؤَلِّفُ اللَّوْنَ عَلَى الطَّعْمِ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِيهِ.
وَإِلَّا كَانَ الْوَاجِبُ تَقْدِيمَ الطَّعْمِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ وَأَخَّرَ الرِّيحَ لِضَعْفِ الْخِلَافِ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَشْهُورَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَضُرُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي إلْغَائِهِ مُطْلَقًا بَلْ قَالَ ابْنُ نَاجِي إنَّهُ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ وَنَسَبَ ابْنُ عَرَفَةَ لِسَحْنُونٍ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ كَوْنِ تَغَيُّرِ الرِّيحِ كَثِيرًا فَيَضُرُّ أَوْ خَفِيفًا فَلَا يَضُرُّ (ص) كَدُهْنٍ أَوْ بُخَارٍ مُصْطَكَى (ش) مِثَالَانِ لِلطَّاهِرِ الْمُغَيِّرِ الْمُفَارِقِ غَالِبًا هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا مِثَالَيْنِ لِلْمُغَيِّرِ الْمُفَارِقِ غَالِبًا سَوَاءٌ كَانَ طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا فَإِنَّ الدُّهْنَ قَدْ يَكُونُ طَاهِرًا وَقَدْ يَكُونُ نَجِسًا وَكَذَا بُخَارُ الْمُصْطَكَى، وَأَمَّا كَوْنُهُمَا مُشَبَّهَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ احْتِمَالًا فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جُمْلَةِ مَا تَقَدَّمَ وَالتَّشْبِيهُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَاءَ إذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِالدُّهْنِ الْمُمَازِجِ لَهُ فَإِنَّهُ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ اتِّفَاقًا وَقَوْلُ الشَّارِحِ فِي الْكَبِيرِ وَالْوَسَطِ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ يُوهِمُ خِلَافًا، وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ مُرَادُهُ الرَّدَّ عَلَى إطْلَاقِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُتَغَيِّرُ بِالدُّهْنِ طَهُورٌ إذْ يَتَنَاوَلُ بِظَاهِرِهِ الْمُلَاصِقَ وَالْمُخَالِطَ وَقَدْ حَمَلَهُ فِي تَوْضِيحِهِ عَلَى الْمُلَاصِقِ كَمَا تَقَدَّمَ فَالْأَحْسَنُ قَوْلُهُ فِي الصَّغِيرِ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَكَذَلِكَ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ عَنْ الْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ بِنَحْوِ عُودٍ أَوْ مُصْطَكَى أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَلَا فَرْقَ فِي التَّغَيُّرِ بَيْنَ الْبَيِّنِ وَالْيَسِيرِ وَالظَّاهِرِ
ــ
[حاشية العدوي]
وَلَا دَاعِيَ إلَى الِالْتِفَاتِ إلَى كَوْنِهِ مُقِرًّا بِوَصْفِ كَوْنِهِ مُقِرًّا (قَوْلُهُ إنَّمَا لَمْ يَقُلْ الْمُؤَلِّفُ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا ﵀ بَعِيدٌ غَايَةَ الْبُعْدِ إذْ مِثْلُ الْمُصَنِّفِ لَا يَقْصِدُ هَذِهِ الْأُمُورَ وَإِنَّمَا يَقْصِدُهَا مِثْلُ سَعْدِ الدِّينِ (قَوْلُهُ لَمَّا كَانَ مُتَصَوَّرًا فِي الْأَذْهَانِ) أَيْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ أَوْ لِكَوْنِهِ هُوَ الْأَصْلُ (قَوْلُهُ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِيهِ) أَيْ أَنَّ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ اللَّوْنَ لَا يَضُرُّ قَوِيٌّ فَاعْتَنَى الْمُصَنِّفُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ أَوَّلًا حَيْثُ قَالَ بِمُتَغَيِّرٍ لَوْنًا وَاَلَّذِي عِنْدَ الشَّيْخِ عَبْدِ الْبَاقِي أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَذَا فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ فِي صَدْرِ الْعِبَارَةِ وَكَذَا فِي شَرْحِ الشَّبْرَخِيتِيِّ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ مَشْهُورَ الْمَذْهَبِ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ اللَّوْنَ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ إنَّمَا ضَعُفَ الْخِلَافُ فِي الرِّيحِ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ يَضُرُّ أَيْ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْخِلَافُ قَوِيًّا كَمَسْأَلَةِ اللَّوْنِ فَلَا يَكُونُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَضُرُّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ فِي إلْغَائِهِ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ تَغَيُّرُ الرِّيحِ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا (قَوْلُهُ كَدُهْنٍ) هُوَ كُلُّ مَا يُدْهَنُ بِهِ مِنْ سَمْنٍ أَوْ زَيْتٍ أَوْ وَدَكٍ أَوْ شَيْرَجٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ خَالَطَ الْمَاءَ) أَيْ مَازَجَهُ (قَوْلُهُ أَوْ بُخَارٍ مُصْطَكَى) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا وَيُمَدُّ فِي الْفَتْحِ فَقَطْ وَفِي حَلِّ الشَّارِحِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لِبُخَارِ الْمُصْطَكَى بَلْ بُخَارُ الْعُودِ وَنَحْوُهُ كَذَلِكَ وَلِهَذَا لَوْ أَدْخَلَ الْكَافَ عَلَى مُصْطَكَى لِيَدْخُلَ غَيْرُهَا لَكَانَ أَحْسَنَ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَنَّ كَافَ كَدُهْنٍ الدَّاخِلَةَ عَلَى بُخَارٍ دَاخِلَةٌ تَقْدِيرًا عَلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ، وَهُوَ مُصْطَكَى كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ) أَيْ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الدُّهْنِ هُوَ وَبُخَارُ الْمُصْطَكَى أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا (قَوْلُهُ وَكَذَا بُخَارُ الْمُصْطَكَى) ضَعِيفٌ بَلْ الْمُعْتَمَدُ الطَّهَارَةُ فَقَطْ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا كَوْنُهُمَا مُشَبَّهَيْنِ إلَخْ) يُمْكِنُ صِحَّتُهُ بِالْمُغَايَرَةِ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ.
وَفِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ يُوسُفَ الْفِيشِيِّ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ تَشْبِيهًا كَمَا قَالَ تت؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ مُخَالَطَةِ الدُّهْنِ لِلْمَاءِ تَغَيُّرُهُ وَلَوْ جُعِلَ تَمْثِيلًا اقْتَضَى أَنَّ مُخَالَطَةَ الدُّهْنِ لِلْمَاءِ لَا تَضُرُّ إلَّا إذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ سَيَأْتِي مَا يُفِيدُ ضَعْفَهُ (قَوْلُهُ إذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِالدُّهْنِ الْمُمَازِجِ لَهُ) لَا يَخْفَى أَنَّ كَلَامَ اللَّقَانِيِّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مُجَرَّدَ الْمُمَازَجَةِ مُضِرٌّ وَقَدْ عَلِمْته وَكَلَامُ هَذَا الشَّيْخِ يُفِيدُ أَنَّ مُجَرَّدَ الْمُمَازَجَةِ لَا يُؤَثِّرُ ضَرَرًا إلَّا إذَا تَغَيَّرَ الْمَاءُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ وَأَخْرَجَ ذَلِكَ الدُّهْنَ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَلِذَلِكَ قَالَ ح عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ إنَّمَا هُوَ تَغَيُّرُ أَوْصَافِ الْمَاءِ لَا مُجَرَّدُ مُخَالَطَةِ الْمَاءِ لِغَيْرِهِ فَلَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ جِلْدٌ أَوْ ثَوْبٌ وَأُخْرِجَ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ الْمَاءُ لَمْ يَضُرَّهُ وَقَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ (قَوْلُهُ وَقَدْ حَمَلَهُ فِي تَوْضِيحِهِ عَلَى الْمُلَاصِقِ) أَيْ التَّغَيُّرَ بِالرِّيحِ فَقَطْ.
(قَوْلُهُ فَالْأَحْسَنُ قَوْلُهُ فِي الصَّغِيرِ إلَخْ) لَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْعِبَارَةَ قَطْعًا تُفِيدُ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ يُطْلِقُونَ الْمَذْهَبَ عَلَى الْقَوْلِ الْمُعْتَمَدِ (قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ يَسْلُبُ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُضِرَّ فِي التَّغَيُّرِ بِالْبُخَارِ إنْ تَبَخَّرَ الْإِنَاءُ فَارِغَةً وَتَحْبِسَ الْبُخَارَ حَتَّى تَصُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَفِي نَحْوِ التَّمْرِ حِنَّةَ وَالْوَرْدِ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُلَاصِقًا لِلْمَاءِ لَا فِيمَا إذَا كَانَتْ الْقُلَّةُ نَاقِصَةً وَوُضِعَ عَلَى نَحْوِ شُبَّاكِهَا فَإِنَّهُ مِنْ التَّغَيُّرِ بِالْمُجَاوِرِ انْتَهَى قَالَ ح خَصَّصَ الْمُصَنِّفُ الْمُتَغَيِّرَ بِالدُّهْنِ الْمُخَالِطِ وَالْمُتَغَيِّرَ بِبُخَارِ الْمُصْطَكَى بِالذِّكْرِ لِنُكْتَةٍ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِيُنَبِّهَ بِذَلِكَ عَلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ، وَإِنْ بِدُهْنٍ لَاصِقٍ.
وَأَمَّا الْمُتَغَيِّرُ بِبُخَارِ الْمُصْطَكَى فَلِيُنَبِّهَ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ الْخِلَافِ (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرِ إلَخْ) الظَّاهِرُ هُوَ الْبَيِّنُ وَالْخَفِيُّ هُوَ الْيَسِيرُ فَحِيَاضُ الرِّيفِ الَّتِي يَغْتَسِلُ فِيهَا النَّصَارَى وَالْجُنُبُ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهَا حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ تَغَيُّرٌ وَمَا قَالَهُ عج عَنْ الْحَطَّابِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْهَا وَلَا يُجْزِئُ أَحَدًا الْغُسْلُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا نَجِسَةٌ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا صَحِيحٌ لِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ حُصُولِ النَّجَاسَةِ الْكَثِيرَةِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ تَغَيُّرُ أَحَدِ أَوْصَافِهِ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى فَأَفَادَ أَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِوُجُودِ النَّجَاسَةِ الْكَثِيرَةِ بِالْمَاءِ تَتَضَمَّنُ تَغَيُّرَ أَحَدِ أَوْصَافِهِ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ انْتَهَى عج لَيْسَ بِمُنَاسِبٍ؛ لِأَنَّ الْحَطَّابَ ذَكَرَ بَعْدُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فَإِنَّهُ طَهُورٌ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ تَغَيُّرُهُ وَقَوْلُهُ أَنْ يُدْرِكَ التَّغَيُّرَ فِيهِ أَيْ تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا.
стр. 70
وَالْخَفِيِّ إلَّا مَا يَأْتِي بِالْمُتَغَيِّرِ بِحَبْلِ السَّانِيَةِ فَقَوْلُ بَعْضٍ إذَا بَخَّرَ الْإِنَاءَ وَظَهَرَ أَثَرُهُ ظُهُورًا بَيِّنًا فَإِنَّهُ يَسْلُبُهُ مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِهِمْ فَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنْ يُدْرِكَ التَّغَيُّرَ فِيهِ.
(ص) وَحُكْمُهُ كَمُغَيِّرِهِ (ش) هَذَا جَوَابٌ مِنْ الْمُؤَلِّفِ لِمَنْ سَأَلَهُ إذَا قُلْتُمْ أَنَّ التَّغَيُّرَ بِالْمُفَارِقِ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ فَمَا حُكْمُ الْمَاءِ بَعْدَ سَلْبِهَا هَلْ الطَّهَارَةُ أَوْ النَّجَاسَةُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ إبَاحَةَ تَنَاوُلِهِ فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ وَمَنْعِهِ وَالْمَعْنَى أَنَّ حُكْمَ الْمَاءِ أَيْ وَصْفَهُ الْمَحْكُومَ لَهُ بِهِ شَرْعًا، وَهُوَ الطَّهَارَةُ أَوْ النَّجَاسَةُ كَحُكْمِ مُغَيِّرِهِ فَهِيَ الطَّهَارَةُ إنْ كَانَ مُغَيِّرُهُ طَاهِرًا فَيُسْتَعْمَلُ فِي الْعَادَاتِ مِنْ عَجْنٍ وَطَبْخٍ وَغَسْلِ ثِيَابٍ مِنْ الْوَسَخِ أَوْ النَّجَاسَةِ إنْ كَانَ مُغَيِّرُهُ نَجَسًا فَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي عِبَادَاتٍ وَلَا عَادَاتٍ لَكِنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ وَآدَمِيٍّ كَمَا سَيَأْتِي، ثُمَّ بَعْدَ حَمْلِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ كَمَا قَرَّرْنَا يَصِيرُ فِي الْكَلَامِ مُسَامَحَةٌ؛ لِأَنَّ مَا غَيَّرَهُ النَّجَسُ بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَهُوَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ وَصِفَةُ نَجِسٍ بِكَسْرِهَا أَوْ مُتَنَجِّسٍ فَلَيْسَ حُكْمُهُ أَيْ وَصْفُهُ وَصْفُ مُغَيِّرِهِ لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ كَثِيرًا مَا يَتَسَامَحُونَ بِإِطْلَاقِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَرُبَّمَا صَحَّ حَمْلُ الْحُكْمِ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ عَلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُنْقَسِمِ إلَى طَلَبِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ أَوْ التَّخْيِيرِ فِيهَا فَالْمَعْنَى حِينَئِذٍ وَحُكْمُهُ مِنْ جَوَازِ التَّنَاوُلِ وَمَنْعِهِ كَحُكْمِ مُغَيِّرِهِ فَهُوَ جَائِزُ التَّنَاوُلِ إنْ كَانَ مُغَيِّرُهُ طَاهِرًا وَمَمْنُوعُهُ إنْ كَانَ مُغَيِّرُهُ مُتَنَجِّسًا أَوْ نَجَسًا وَهَذَا أَوْلَى وَحِينَئِذٍ فَلَا مُسَامَحَةَ.
(ص) وَيَضُرُّ بَيِّنُ تَغَيُّرٍ بِحَبْلِ سَانِيَةٍ (ش) لَمَّا دَلَّ إطْلَاقُ كَلَامِهِ عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ التَّغَيُّرِ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ كَمَا قَرَّرْنَا عَلَى الْمَعْرُوفِ السَّابِقِ نَبَّهَ هُنَا عَلَى مَا يَضُرُّ فِيهِ التَّغَيُّرُ الْبَيِّنُ دُونَ الْخَفِيِّ وَالْمَعْنَى أَنَّ التَّغَيُّرَ لِأَحَدِ أَوْصَافِ الْمَاءِ بِحَبْلٍ أَوْ دَلْوِ اسْتِقَاءٍ مِنْ بِئْرِ سَانِيَةٍ فَإِنَّهُ يَضُرُّ إنْ كَانَ تَغَيُّرُهُ بَيِّنًا أَيْ فَاحِشًا كَمَا فِي عِبَارَةِ ابْنِ رُشْدٍ وَالْمُعْتَبَرُ فِي كَوْنِهِ فَاحِشًا أَوْ غَيْرَ فَاحِشٍ قَوْلُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَانْظُرْ لِمَ لَمْ يَقُلْ الْمُؤَلِّفُ وَيَضُرُّ بَيِّنُ تَغَيُّرِ مَاءِ سَانِيَةٍ بِحَبْلِهِ مَعَ أَنَّهُ الْأَوْلَى لِتُلُوِّ مَرْجِعِ ضَمِيرِهِ.
(ص) كَغَدِيرٍ بِرَوْثِ مَاشِيَةٍ (ش) أَيْ كَمَا يَضُرُّ مُطْلَقُ تَغَيُّرِ غَدِيرٍ بِرَوْثِ الْمَاشِيَةِ وَأَطْلَقَ الرَّوْثَ عَلَى مَا يَعُمُّ الْبَوْلَ وَالْغَدِيرُ وَاحِدُ الْغُدْرَانِ وَالْغُدَرُ كَصُرَدٍ قِطَعُ الْمَاءِ يُغَادِرُهَا السَّيْلُ سُمِّيَتْ بِهِ لِغَدْرِهَا أَهْلَهَا عِنْدَ شِدَّةِ حَاجَتِهِمْ لَهَا فَإِذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِرَوْثٍ أَوْ بَوْلِ الْمَوَاشِي عِنْدَ وُرُودِهَا لَهُ فَإِنَّهُ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ كَانَ تَغَيُّرًا بَيِّنًا أَمْ لَا عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ وَيَتَيَمَّمُ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَإِنْ تَوَضَّأَ بِهِ أَعَادَ أَبَدًا فَالتَّشْبِيهُ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ وَحُكْمُهُ كَمُغَيِّرِهِ) ، فَإِنْ تَغَيَّرَ بِمَشْكُوكٍ فِي طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ فَهُوَ طَاهِرٌ (قَوْلُهُ يَصِيرُ فِي الْكَلَامِ مُسَامَحَةٌ) وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُشَبَّهَ بِالشَّيْءِ لَا يُعْطَى حُكْمُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَيُجَابُ بِأَحْسَنَ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ الْوَصْفَ هُوَ النَّجَاسَةُ أَوْ الطَّهَارَةُ اللَّتَانِ هُمَا الْوَصْفَانِ الِاعْتِبَارِيَّانِ وَهُمَا مُتَّحِدَانِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النَّجَاسَةَ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ وَيُجَابُ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ تُسْتَعْمَلُ مُرَادًا بِهَا الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ وَتُسْتَعْمَلُ تَارَةً مُرَادًا مِنْهَا الْعَيْنُ الْمَعْرُوفَةُ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْمُغَيِّرُ لِلْمَاءِ نَجِسًا بِكَسْرِهَا فَلَيْسَ كَوْنُ الْمُغَيِّرِ نَجَسًا بِفَتْحِهَا مُطْلَقًا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَصْفُهُ نَجِسٌ بِكَسْرِهَا إلَخْ) أَيْ، وَأَمَّا وَصْفُ عَيْنِ النَّجَاسَةِ فَهُوَ نَجَسٌ بِفَتْحِهَا وَأَرَادَ بِالْوَصْفِ الِاسْمَ (قَوْلُهُ كُلٌّ مِنْهُمَا) أَيْ النَّجَسُ بِالْفَتْحِ وَالنَّجِسُ بِالْكَسْرِ (قَوْلُهُ جَوَازِ التَّنَاوُلِ) أَرَادَ بِهِ الْإِذْنَ فَيَشْمَلُ الْوُجُوبَ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا مُسَامَحَةَ) فِيهِ شَيْءٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ جَوَازَ التَّنَاوُلِ وَعَدَمَهُ خُرُوجٌ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ مِنْهُ مِمَّا يَصِحُّ بِهِ الطَّهُورِيَّةُ وَمَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ إلَّا بِبَابِ الْمُبَاحِ وَثَانِيًا أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ الْمُسَامَحَةَ؛ لِأَنَّ الْمُتَنَجِّسَ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ وَآدَمِيٍّ.
(قَوْلُهُ وَيَضُرُّ بَيِّنُ تَغَيُّرٍ) مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ وَاخْتَارَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لِيُسْقِطَ لَفْظَ تَنْوِينٍ بَيِّنٍ وَلِيَلِيَ تَغَيُّرَ (قَوْلُهُ بِئْرِ سَانِيَةٍ) الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْحَطَّابِ صَرِيحًا أَنَّ السَّانِيَةَ هِيَ السَّاقِيَةُ الَّتِي هِيَ غَيْرُ الْبِئْرِ فَلَوْ قَالَ الشَّارِحُ أَيْ سَاقِيَةً وَمِثْلُهَا الْبِئْرُ لَكَانَ أَحْسَنَ وَلَهَا إطْلَاقَاتٌ أُخَرُ فَتُطْلَقُ عَلَى الْغَرْبِ أَيْ الرِّوَايَةِ وَالدَّلْوِ الْعَظِيمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا الْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَبْلِ، وَأَمَّا آلَةُ الِاسْتِقَاءِ إذَا كَانَتْ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ فَلَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهَا وَلَوْ فَاحِشًا وَسَوَاءٌ بَقِيَتْ بِحَالِهَا كَأَنْ كَانَتْ حَدِيدًا أَوْ نُحَاسًا أَوْ حَجَرًا أَوْ حُرِقَتْ بِالنَّارِ كَآنِيَةِ الْفَخَّارِ وَلَا يَضُرُّ تَغَيُّرُ الْقِرَبِ بِمَا يُصْلِحُهَا مِنْ الدِّبَاغِ وَلَوْ بَيِّنًا؛ لِأَنَّهُ كَالْمُتَغَيِّرِ بِالْمُقَرِّ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ عَنْ الشَّبِيبِيِّ وَلَكِنْ ذَكَرَ الْحَطَّابُ عَلَى سَبِيلِ الْبَحْثِ أَنَّهُ كَحَبْلِ السَّانِيَةِ بِجَامِعِ ضَرُورَةِ الِاسْتِقَاءِ (قَوْلُهُ اُنْظُرْ لِمَ لَمْ يَقُلْ الْمُؤَلِّفُ) الْأَوْلَى تَرْكُ هَذِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لِتُلُوِّ مَرْجِعِ ضَمِيرِهِ يُوهِمُ أَنَّ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ ضَمِيرًا وَلَيْسَ تَالِيًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ لَا ضَمِيرَ أَصْلًا فَلَوْ قَالَ مَعَ أَنَّهُ الْأَوْلَى لِيُفِيدَ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي تَغَيُّرِ الْمَاءِ بِحَبْلِ سَانِيَتِهِ أَيْ لَا بِحَبْلِ غَيْرِهَا فَيَضُرُّ مُطْلَقًا بَيِّنًا أَوْ لَا وَقُلْنَا يُوهِمُ؛ لِأَنَّ لَك أَنْ تَقُولَ وَانْظُرْ لِمَ لَمْ يَقُلْ الْمُصَنِّفُ كَذَا إلَخْ أَيْ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ قَوْلِهِ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ تَالِيًا لِلضَّمِيرِ أَيْ وَالسَّالِبَةُ تَصْدُقُ بِنَفْيِ الْمَوْضُوعِ (قَوْلُهُ ضَمِيرِهِ) أَيْ ضَمِيرِ ذَلِكَ الْقَوْلِ أَيْ الضَّمِيرُ الَّذِي فِيهِ أَيْ لِيَكُونَ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ تَالِيًا لِلضَّمِيرِ أَيْ مُتَّصِلًا بِهِ وَمُفَادُهُ أَنَّ ضَمِيرَ بِحَبْلِهِ عَائِدٌ عَلَى السَّانِيَةِ فَيَكُونُ التَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا دُولَابًا.
(قَوْلُهُ وَأَطْلَقَ الرَّوْثَ عَلَى مَا يَعُمُّ) إطْلَاقًا مَجَازِيًّا لَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ لَا قَرِينَةَ عَلَيْهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَمِثْلُهُ الْبَوْلُ (قَوْلُهُ الْغُدْرَانِ) بِضَمِّ الْغَيْنِ لِغَدْرِهَا أَيْ تَرْكِهَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ مَا نَصُّهُ الْغُدُرُ جَمْعُ غَدِيرٍ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّرْكِ؛ لِأَنَّ السَّيْلَ تَرَكَهَا إلَّا أَنَّ ذَلِكَ يُعَارِضُ قَوْلَهُ لِغَدْرِهَا أَهْلَهَا فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَجْعَلَهُ تَعْلِيلًا ثَانِيًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ غَدِيرَ فَعِيلٌ إمَّا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَوْ فَاعِلٍ (قَوْلُهُ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ) وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ قَالَ مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُحَرِّمَهُ
стр. 71
فِي التَّغَيُّرِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ بَيِّنًا، فَإِنْ قُلْت لَا وَجْهَ لِذِكْرِ الْمُؤَلِّفِ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِدُخُولِهَا تَحْتَ قَوْلِهِ لَا بِمُتَغَيِّرٍ لَوْنًا أَوْ طَعْمًا أَوْ رِيحًا قُلْت أَتَى بِهَا لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ يَشْتَرِطُ فِي تَغَيُّرِ الْغَدِيرِ أَنْ يَكُونَ بَيِّنًا كَمَا وَهَمَ فِيهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ حَيْثُ جَعَلَ التَّشْبِيهَ تَامًّا تَأَمَّلْ.
(ص) أَوْ بِئْرٍ بِوَرَقِ شَجَرٍ أَوْ تِبْنٍ وَالْأَظْهَرُ فِي بِئْرِ الْبَادِيَةِ بِهِمَا الْجَوَازُ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْبِئْرَ إذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِ مَائِهَا بِوَرَقِ شَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ حَشِيشٍ طُوِيَتْ بِهِ أَوْ سَقَطَ مِنْ الرِّيَاحِ أَوْ غَيْرِهَا فِيهَا أَوْ تِبْنٌ أَلْقَتْهُ الرِّيَاحُ فِيهَا فَإِنَّهُ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ، وَهُوَ قَوْلُ الْإِبْيَانِيِّ وَاللَّخْمِيِّ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَاخْتَارَ ابْنُ رُشْدٍ فِي بِئْرِ الْبَادِيَةِ وَالصَّحَارِيِ تَتَغَيَّرُ بِوَرَقِ الشَّجَرِ وَالتِّبْنِ وَكَذَا الْحَشِيشُ الَّذِي تُطْوَى بِهِ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ تُطْوَى بِهِ عَدَمُ التَّأْثِيرِ قَالَ فِي الطِّرَازِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ لَكِنَّ ابْنَ رُشْدٍ لَمْ يُخَصِّصْ الْجَوَازَ بِالْبِئْرِ بَلْ جَعَلَ فِي حُكْمِهَا الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ فِي الْأَوْدِيَةِ وَالْغُدُرِ وَيُجَابُ عَنْ الْمُؤَلِّفِ بِأَنَّهُ لَا مَفْهُومَ فِي كَلَامِهِ لِلْبِئْرِ وَلَا لِقَيْدِ كَوْنِهَا فِي بَادِيَةٍ وَإِنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَالْمَدَارُ عَلَى عُسْرِ الِاحْتِرَازِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِمَا.
(ص) وَفِي جَعْلِ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ كَالْمُخَالِفِ نَظَرٌ (ش) الْمُرَادُ بِالْجَعْلِ التَّقْدِيرُ لَا التَّصْيِيرُ وَلَا الِاعْتِقَادُ أَيْ أَنَّ الْمَاءَ إذَا خَالَطَهُ أَجْنَبِيٌّ مِمَّا مَرَّ مِنْ طَاهِرٍ أَوْ نَجَسٍ مُوَافِقٍ لَهُ فِي أَوْصَافِهِ الثَّلَاثَةِ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ قُلْت أَتَى بِهَا لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ يَشْتَرِطُ إلَخْ) هَذَا بَعِيدٌ غَايَةَ الْبُعْدِ بَلْ ظَاهِرُهُ كَمَا أَفَادَهُ الْحَطَّابُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ إلَّا التَّغَيُّرُ الْبَيِّنُ.
(قَوْلُهُ أَوْ بِئْرٍ) أَيْ مَاءِ بِئْرٍ وَقَوْلُهُ بِوَرَقٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ تَغَيَّرَ (قَوْلُهُ بِهِمَا) لَا خَفَاءَ أَنَّ ضَمِيرَ بِهِمَا لِلْوَرَقِ وَالتِّبْنِ مَعَ أَنَّ الْعَطْفَ بِأَوْ وَتَقَدَّمَ عَنْ الرَّضِيِّ فِي قَوْلِهِ أَوْ فَضْلَةِ طُهَارَتِهِمَا مَا يَشْهَدُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ الْإِفْرَادَ (قَوْلُهُ أَوْ خَشَبٍ أَوْ حَشِيشٍ) فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَبِئْرٍ بِوَرَقِ شَجَرٍ أَوْ تِبْنٍ (قَوْلُهُ طُوِيَتْ بِهِ) أَيْ طُوِيَتْ الْبِئْرُ بِكُلٍّ مِنْ الْخَشَبِ وَالْحَشِيشِ وَقَوْلُهُ أَوْ سَقَطَ عَطْفٌ عَلَى طُوِيَتْ وَفِي الْعِبَارَةِ لَفٌّ وَنَشْرٌ؛ لِأَنَّ طُوِيَتْ رَاجِعٌ لِلْخَشَبِ وَالْحَشِيشِ وَقَوْلُهُ أَوْ سَقَطَ رَاجِعٌ لِوَرَقِ الشَّجَرِ وَقَوْلُهُ أَوْ تِبْنٍ مَعْطُوفٌ عَلَى وَرَقٍ (قَوْلُهُ الْإِبْيَانِيِّ) اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ وَيُقَالُ الصَّوَابُ تَخْفِيفُهَا قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ (قَوْلُهُ عَدَمَ التَّأْثِيرِ) مَفْعُولُ اخْتَارَ (قَوْلُهُ وَالْغُدَرِ) عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ أَوْ مُرَادِفٍ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَيُجَابُ عَنْ الْمُؤَلِّفِ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ الِاعْتِرَاضَ مُتَوَجِّهٌ عَلَى ظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ وَالِاعْتِرَاضُ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الظَّاهِرِ وَلَا شَكَّ فِي ظُهُورِهِ (قَوْلُهُ لَا مَفْهُومَ فِي كَلَامِهِ لِلْبِئْرِ) ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ فِي الْأَوْدِيَةِ وَالْغُدَرِ يَسْقُطُ مِنْ أَوْرَاقِ الشَّجَرِ النَّابِتَةِ عَلَيْهِ أَوْ الَّتِي جَلَبَتْهَا الرِّيَاحُ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ وَلَا لِقَيْدِ كَوْنِهَا فِي بَادِيَةٍ) ؛ لِأَنَّ الَّتِي فِي الْحَاضِرَةِ كَذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ ح.
(تَنْبِيهٌ) : كَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ التَّصْدِيرُ بِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ إذْ صَنِيعُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَرْجُوحٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لَكِنْ تَرَكَ الْمُصَنِّفُ التَّقْيِيدَ بِكَوْنِ سُقُوطِ كُلٍّ مِنْ التِّبْنِ وَالْوَرَقِ غَالِبًا وَلَا بُدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى تَعَسُّرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْأَزْهَرِيِّ فِي قَوَاعِدِهِ: إنَّهُ إنْ كَانَتْ الشَّجَرَةُ لَا تَنْفَكُّ عَنْ السُّقُوطِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْمُطْلَقِ وَإِذَا كَانَ السُّقُوطُ وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ يَصْدُقُ بِمَا إذَا تَسَاوَيَا وَبِمَا إذَا كَانَ وَقْتُ السُّقُوطِ أَكْثَرَ، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ وَقْتُ السُّقُوطِ أَكْثَرَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مُسْتَمِرِّ السُّقُوطِ بَلْ رُبَّمَا يُقَالُ إنَّهُ إذَا تَسَاوَى وَقْتُ السُّقُوطِ وَوَقْتُ عَدَمِهِ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَمِرِّ أَيْضًا لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ وَيَدُلُّ لَهُ مَا يَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ السَّلَسِ مِنْ أَنَّ تَسَاوِيَ زَمَنِ انْقِطَاعِهِ وَزَمَنِ إتْيَانِهِ بِمَنْزِلَةِ اسْتِمْرَارِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَا يَتَيَسَّرُ تَغْطِيَتُهَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ اهـ.
(قَوْلُهُ وَفِي جَعْلِ إلَخْ) الْمُعْتَمَدُ لَا يُجْعَلُ كَالْمُخَالِفِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ ﵇: «بُعِثْت بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَاءِ» أَيْ السَّهْلَةِ وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا مَا جَاءَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ لِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّيْسِيرِ وَالتَّخْفِيفِ وَعَدَمِ الْمَشَقَّةِ (قَوْلُهُ الْمُرَادُ بِالْجَعْلِ التَّقْدِيرُ) أَيْ وَفِي وُجُوبِ تَقْدِيرِ إلَخْ وَقَوْلُهُ لَا التَّصْيِيرُ أَيْ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ جَعَلْت الطِّينَ إبْرِيقًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ الْمُخَالِفَ مُوَافِقًا بِحَيْثُ انْقَلَبَتْ صِفَتُهُ وَقَوْلُهُ وَلَا الِاعْتِقَادُ نَحْوُ ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩] ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ أَنَّ الْمُخَالِفَ مُوَافِقٌ كَالِاعْتِقَادِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ حَيْثُ أُرِيدَ مِنْ الْجَعْلِ التَّقْدِيرُ فَتَكُونُ الْكَافُ فِي قَوْلِهِ كَالْمُخَالِفِ زَائِدَةً وَيُشِيرُ لَهُ الشَّارِحُ (قَوْلُهُ مِنْ طَاهِرٍ) أَيْ كَمَاءِ الْوَرْدِ أَوْ غَيْرِهِ الْمُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ وَقَوْلُهُ أَوْ نَجَسٍ كَالْبَوْلِ الْمُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ كَمَا عِنْدَ ابْنِ رَاشِدٍ وَعِبَارَةُ عب وَفِي تَقْدِيرِ الْمُخَالِطِ الْمُطْلَقِ قَدْرُ آنِيَةِ غُسْلٍ وَلَوْ لِمُتَوَضِّئٍ وَالْمُخَالِطُ قَدْرُهَا أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْمُطْلَقِ فِي حَقِيقَتِهِ وَيَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا الْمُوَافِقُ الْآنَ لَهُ فِي أَوْصَافِهِ الثَّلَاثَةِ وَكَانَ ذَا صِفَةٍ مُخَالِفَةٍ زَالَتْ عَنْهُ وَتَحَقَّقَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَوْ بَقِيَتْ لَغَيَّرَتْ الْمُطْلَقَ كَبَوْلٍ وَمَاءِ رَيَاحِينَ انْقَطَعَتْ رَائِحَةُ كُلٍّ فِي مَقَرِّهِ إلَى أَنْ قَالَ وَاحْتَرَزْتُ بِقَوْلِي لِمُطْلَقِ قَدْرِ آنِيَةِ غُسْلٍ عَمَّا إذَا كَانَ الْمُطْلَقُ أَكْثَرَ مِنْهَا فَلَا يَضُرُّهُ الْمُخَالِطُ الْمَذْكُورُ كَانَ قَدْرَهُ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَعَمَّا إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ آنِيَةِ غُسْلٍ فَيَضُرُّهُ الْمُخَالِطُ الْمَذْكُورُ مُطْلَقًا وَاحْتَرَزْتُ بِقَوْلِي وَكَانَ ذَا صِفَةٍ مُخَالِفَةٍ زَالَتْ عَنْهُ عَمَّا إذَا كَانَ ذَا صِفَةٍ غَيْرِ مُخَالِفَةٍ لِلْمُطْلَقِ كَمَاءِ زَرْجُونٍ أَيْ حَطَبِ عِنَبٍ فَلَا تَضُرُّ مُخَالَطَتُهُ لِلْمُطْلَقِ قَطْعًا وَكَذَا بَوْلُ شَخْصٍ شَرِبَ مَاءً وَنَزَلَ بِصِفَتِهِ لِضَعْفِ مِزَاجِهِ فَخُلِطَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ مَعَ مُوَافَقَتِهِ لِصِفَتِهِ، وَأَمَّا نَقْضُ الْوُضُوءِ بِخُرُوجِهِ مِنْ غَيْرِ مُسْتَنْكَحٍ لَا مِنْهُ فَشَيْءٌ آخَرُ وَاحْتَرَزْتُ بِقَوْلِي وَتَحَقَّقَ أَوْ ظَنَّ إلَخْ عَمَّا إذَا تَحَقَّقَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَوْ بَقِيَتْ لَمْ تُغَيِّرْ الْمُطْلَقَ فَإِنَّهُ طَهُورٌ وَكَذَا إنْ شَكَّ فِي تَغَيُّرِهِ لَوْ بَقِيَتْ فَلَا يَضُرُّ خِلَافًا لِحَمْلِ الشَّيْخِ سَالِمٍ تَبَعًا لح أَنَّ هَذِهِ مِنْ مَحَلِّ التَّرَدُّدِ.
وَعُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ أَقْسَامَ
стр. 72
أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَمْ يُغَيِّرْهُ لِأَجْلِ الْمُوَافَقَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَوْ قُدِّرَ مُخَالِفًا فِي أَوْصَافِهِ أَوْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا لَغَيَّرَهُ فِي جَمِيعِ الْأَوْصَافِ أَوْ فِي بَعْضِهَا فَهَلْ يُقَدَّرُ كَالْمُخَالِفِ وَيُنْظَرُ فِي كَوْنِهِ طَاهِرًا أَوْ نَجَسًا وَإِلَى قِلَّةِ الْمَاءِ وَكَثْرَتِهِ وَيَجْرِي عَلَى مَا سَبَقَ وَمَا يَأْتِي؛ لِأَنَّ الْأَوْصَافَ الْمَوْجُودَةَ إنَّمَا هِيَ لِلْمَاءِ وَلِمُخَالِطِهِ أَوْ لَا يُقَدِّرُ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ بَاقٍ عَلَى أَوْصَافِ خِلْقَتِهِ وَذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي اسْتِعْمَالَهُ فِيهِ نَظَرٌ فَالنَّظَرُ فِي وُجُوبِ التَّقْدِيرِ وَعَدَمِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُؤَلِّفُ اصْطِلَاحَهُ فِي النَّظَرِ لِقِلَّتِهِ وَقَالَ بَعْضٌ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ تَرَدَّدَ وَقَالَ بَعْضٌ التَّرَدُّدُ إذَا جَزَمَ الْمُتَأَخِّرُونَ بِالْحُكْمِ وَالنَّظَرُ إذَا وَقَفُوا وَلَمْ يَجْزِمُوا، ثُمَّ التَّرَدُّدُ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ إذَا كَانَ يَحْصُلُ التَّغَيُّرُ بِتَقْدِيرِ وُجُودِ الْأَوْصَافِ الَّتِي تَحْصُلُ بِهَا الْمُخَالَفَةُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ يَشُكُّ فِي حُصُولِ التَّغَيُّرِ بِتَقْدِيرِهَا فَهُوَ طَهُورٌ اتِّفَاقًا وَلَا تَقْدِيرَ فَالتَّرَدُّدُ فِي غَيْرِ حَالَةِ الشَّكِّ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ فِي اعْتِرَاضِهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَفِي كَلَامِ الْحَطَّابِ نَظَرٌ اُنْظُرْهُ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ.
(ص) وَفِي التَّطْهِيرِ بِمَاءٍ جُعِلَ فِي الْفَمِ قَوْلَانِ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ إذَا جُعِلَ فِي الْفَمِ فَهَلْ يُتَطَهَّرُ بِهِ أَوْ لَا فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُتَطَهَّرُ بِهِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ فِي حَالٍ وَصِفَةٍ وَهِيَ أَنَّ الْمَاءَ هَلْ يَنْفَكُّ عَنْ الرِّيقِ أَمْ لَا فَابْنُ الْقَاسِمِ رَأَى أَنَّهُ يَنْفَكُّ عَنْهُ
ــ
[حاشية العدوي]
هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تِسْعَةٌ حَاصِلَةٌ مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثِ حَالَاتِ الْمُطْلَقِ قَدْرِ آنِيَةِ غُسْلٍ وَدُونِهَا أَوْ أَكْثَرَ فِي حَالَاتِ الْمُخَالِطِ بِكَسْرِ اللَّامِ وَهِيَ كَوْنُهُ قَدْرَ الْمُطْلَقِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَأَنَّ مَحَلَّ التَّرَدُّدِ فِي ثَلَاثَةٍ هِيَ كَوْنُ الْمُطْلَقِ قَدْرَ آنِيَةِ غُسْلٍ سَوَاءٌ خَالَطَهُ مِثْلُهُ أَوْ أَقَلُّ وَكَذَا أَكْثَرُ عَلَى مَا لِبَعْضٍ وَلِغَيْرِهِ أَنَّ الْمُطْلَقَ حِينَئِذٍ غَيْرُ طَهُورٍ قَطْعًا وَثَلَاثَةٌ فِيهَا الْمُطْلَقُ طَهُورٌ قَطْعًا، وَهِيَ كَوْنُهُ أَكْثَرَ مِنْ آنِيَةِ غُسْلٍ كَانَ الْمُخَالِطُ قَدْرَهُ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَثَلَاثَةٌ فِيهَا الْمُطْلَقُ فِي الْأَصْلِ غَيْرُ طَهُورٍ الْآنَ وَهِيَ كَوْنُهُ أَقَلَّ مِنْ آنِيَةِ غُسْلٍ كَانَ الْمُخَالِطُ قَدْرَهُ أَوْ أَكْثَرَ اهـ. إلَّا أَنَّهُ يَشْكُلُ عَلَيْهِ مَا صَرَّحُوا بِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ كَآنِيَةِ وُضُوءٍ مِنْ أَنَّ مَا كَانَ دُونَ آنِيَةِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ إذَا حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ فَهُوَ مِنْ الْمُطْلَقِ وَجَعَلَهُ مِنْ مَحَلِّ التَّرَدُّدِ مَا إذَا كَانَ الْمُخَالِطُ دُونَهُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ هُوَ مَا يُفِيدُهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَإِلَّا فَكَلَامُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ يُفِيدُ أَنَّهُ مُطْلَقٌ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ وَفِي ك أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَحَلِّ الِاتِّفَاقِ مَا إذَا شَرِبَ الْمَاءَ وَنَزَلَ بِصِفَتِهِ بَلْ مِنْ مَحَلِّ التَّرَدُّدِ وَنَصُّهُ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَوْصَافٌ ذَهَبَتْ كَمَاءٍ شَرِبَهُ شَخْصٌ فَنَزَلَ مِنْهُ كَمَا شَرِبَهُ وَكَمَاءِ الزَّرْجُونِ بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْجِيمِ فَانْظُرْ مَا الَّذِي يُعْتَبَرُ لَهُ مِنْ الْأَوْصَافِ هَلْ أَوْصَافُ أَيِّ مُخَالِفٍ أَوْ أَوْصَافُ مُخَالِفٍ مُعَيَّنٍ فَيُعْتَبَرُ فِي الْبَوْلِ أَوْصَافُ بَوْلِ شَخْصٍ مُوَافِقٍ لِصَاحِبِهِ فِي الْمِزَاجِ وَلَكِنَّهُ صَحِيحٌ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ بَلْ الْمُتَعَيِّنُ.
؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ مِنْ حَيْثُ هُوَ ذُو وَصْفٍ مُخَالِفٍ لِلْمَاءِ وَتَخَلُّفُهُ فِي الْفَرْضِ الْمَذْكُورِ لِعِلَّةٍ، وَأَمَّا مَاءُ الزَّرْجُونِ فَاَلَّذِي يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ إلَخْ وَفِي ك مَا نَصُّهُ، ثُمَّ بَعْدَ كَلَامٍ طَوِيلٍ قَالَ مَا نَصُّهُ أَيْ ابْنُ مَرْزُوقٍ، ثُمَّ إنَّكَ إذَا عَلِمْت أَوْصَافَ الْمُخَالِطِ الَّتِي ذَهَبَتْ تَحْقِيقًا اُعْتُبِرَتْ وَكَذَا يُعْتَبَرُ مَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنْهَا وَيُقَدَّرُ الْوَسَطُ إنْ جُهِلَتْ أَوْ شُكَّ فِيهَا هَذَا هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ وَاعْلَمْ أَنَّ الصُّوَرَ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ ذَلِكَ أَنْ تَضْرِبَ الْأَحْوَالَ الْخَمْسَةَ وَهِيَ مَا إذَا ظَنَّ أَوْ تَحَقَّقَ التَّغَيُّرَ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُخَالَفَةِ أَوْ شَكَّ فِيهِ أَوْ تَحَقَّقَ أَوْ ظَنَّ عَدَمَهُ فِي التِّسْعَةِ الْمَذْكُورَةِ فَمَحَلُّ التَّرَدُّدِ سِتٌّ هِيَ مَا إذَا كَانَ قَدْرَ آنِيَةِ الْغُسْلِ وَالْمُخَالِطُ بِأَقْسَامِهِ الثَّلَاثَةِ مَضْرُوبٌ فِيمَا إذَا تَحَقَّقَ أَوْ ظَنَّ التَّغَيُّرَ وَالتِّسْعَةُ الْبَاقِيَةُ وَهِيَ مَا إذَا شَكَّ أَوْ ظَنَّ أَوْ تَحَقَّقَ عَدَمَهُ فِي أَحْوَالِ الْمُخَالِطِ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ مَحَلُّ اتِّفَاقٍ فِي عَدَمِ السَّلْبِ وَمِثْلُهَا الْخَمْسَ عَشْرَةَ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَاءُ أَكْثَرَ مِنْ آنِيَةِ الْغُسْلِ وَهِيَ أَنْ تَضْرِبَ الْأَحْوَالَ الْخَمْسَةَ فِي أَحْوَالِ الْمُخَالِطِ الثَّلَاثَةِ وَمَا جَعَلَ مَحَلَّ التَّرَدُّدِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ مَحَلَّ اتِّفَاقٍ فِي السَّلْبِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَاءُ أَقَلَّ مِنْ آنِيَةِ الْغُسْلِ وَالتِّسْعَةُ الْبَاقِيَةُ مَحَلُّ وِفَاقٍ فِي عَدَمِهِ هَذَا مَا تَحَصَّلَ (قَوْلُهُ أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا) الْمُنَاسِبُ إسْقَاطُهُ وَيَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِهِ مُوَافِقٍ لَهُ فِي أَوْصَافِهِ وَيُجَابُ بِفَرْضِهِ فِي مَاءِ وَرْدٍ مَثَلًا قَلِيلٍ اخْتَلَطَ بِمُطْلَقٍ بِحَيْثُ ذَهَبَ طَعْمُهُ وَلَوْنُهُ بِتِلْكَ الْمُخَالَطَةِ وَكَانَ لَهُ رَائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ ذَهَبَتْ إلَّا أَنَّهَا لَوْ بَقِيَتْ لَغَيَّرَتْ رِيحَ الْمَاءِ فَهَذَا لَا نَنْظُرُ فِيهِ إلَّا لِلْمُتَغَيِّرِ فِي الْبَعْضِ فَقَطْ.
(قَوْلُهُ إلَى قِلَّةِ الْمَاءِ وَكَثْرَتِهِ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ حَيْثُ فُرِضَ نَجَسًا فَلَا دَاعِيَ إلَى النَّظَرِ لِذَلِكَ نَعَمْ لَا يَجْرِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَحُكْمُهُ كَمُغَيِّرِهِ وَمَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ وَيُنْتَفَعُ بِمُتَنَجِّسٍ (قَوْلُهُ وَالنَّظَرُ إذَا وَقَفُوا إلَخْ) وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ التَّرَدُّدُ بَيْنَ الشَّخْصِ وَنَفْسِهِ وَلَكِنْ فِي عج خِلَافُهُ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لِتَرَدُّدِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْحُكْمِ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ (قَوْلُهُ وَفِي كَلَامِ الْحَطَّابِ نَظَرٌ) ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ صُورَةَ الشَّكِّ مَحَلَّ التَّرَدُّدِ، وَلِذَا قَالَ فَمَحَلُّ النَّظَرِ إذَا شَكَّ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ وَفِي التَّطْهِيرِ بِمَاءٍ) بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ وَاحِدُ الْمِيَاهِ وَيَصِحُّ جَعْلُ مَا مَوْصُولَةً أَوْ مَوْصُوفَةً وَجُعِلَ صِلَةَ الْمَوْصُولِ أَوْ صِفَةَ النَّكِرَةِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرِ مَوْصُوفٍ كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ (قَوْلُهُ جُعِلَ) مَفْهُومُ جُعِلَ فِي الْفَمِ أَنَّهُ لَوْ بَصَقَ فِيهِ، وَهُوَ فِي إنَاءٍ لَمْ يَضُرَّ فَفِي التَّهْذِيبِ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ يَقَعُ فِيهِ الْبُصَاقُ وَشِبْهُهُ أَيْ كَمَاءِ الْفَسَاقِيِ وَقَيَّدَهُ ابْنُ يُونُسَ بِمَا إذَا لَمْ يَكْثُرْ حَتَّى يَتَغَيَّرَ الْمَاءُ انْتَهَى (قَوْلُهُ خِلَافٌ فِي حَالٍ وَصِفَةٍ) أَيْ مَبْنِيٌّ عَلَى حَالٍ وَصِفَةٍ وَعَطْفُ الصِّفَةِ عَلَى مَا قَبْلَهُ تَفْسِيرٌ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْخِلَافَ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ لَفْظِيٌّ قَالَ فِي الْكَبِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ هُنَا لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِتَغَيُّرٍ وَلَا عَدَمِهِ بَلْ اكْتَفَوْا فِي الْمُضِرِّ بِتَحَقُّقِ الْمُخَالِطِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَاءَ لَمَّا كَانَ يَسِيرًا وَرُبَّمَا كَانَ الْمُخَالِطُ أَكْثَرَ لَمْ يَنْظُرُوا إلَى التَّغَيُّرِ انْتَهَى.
стр. 73
وَأَشْهَبُ رَأَى أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ، وَأَمَّا إذَا تَحَقَّقْنَا الْمُخَالَطَةَ أَوْ عَدَمَهَا فَإِنَّهُ يَعْمَلُ عَلَى ذَلِكَ وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَفِي صِحَّةِ التَّطْهِيرِ مِنْ حَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ بِمَاءٍ جُعِلَ فِي الْفَمِ وَأُخْرِجَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ بِالرِّيقِ تَغَيُّرًا ظَاهِرًا وَقَبْلَ طُولِ مُكْثِهِ فِي الْفَمِ زَمَنًا يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ حَصَلَ مِنْ الرِّيقِ مِقْدَارٌ وَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الرِّيقِ لَغَيَّرَهُ فَعِنْدَ حُصُولِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ وَهُمَا عَدَمُ التَّغَيُّرِ وَعَدَمُ طُولِ الْمُكْثِ قَوْلَانِ وَقَيَّدْنَا مَحَلَّ الْخِلَافِ بِقَيْدَيْنِ عَدَمِ التَّغَيُّرِ ظَاهِرًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ إذْ لَوْ غَلَبَتْ لُعَابِيَّةُ الْفَمِ عَلَى الْمَاءِ لَانْتَفَى الْخِلَافُ وَبِعَدَمِ طُولِ الْمُكْثِ إذْ لَوْ طَالَ مُكْثُ الْمَاءِ فِي فَمِهِ أَوْ حَصَلَ مِنْهُ مَضْمَضَةٌ لَانْتَفَى الْخِلَافُ لِغَلَبَةِ الرِّيقِ.
(ص) وَكُرِهَ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَدَثٍ (ش) لَمَّا ذَكَرَ مَا يُبَاحُ التَّطْهِيرُ بِهِ وَمَا يُمْنَعُ ذَكَرَ مَا حُكْمُهُ الْكَرَاهَةُ الْمُتَوَسِّطَةُ بَيْنَهُمَا بِهَذَا الْكَلَامِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَاءَ الْيَسِيرَ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي رَفْعِ حَدَثٍ بِأَنْ تَقَاطَرَ مِنْ الْأَعْضَاءِ أَوْ اتَّصَلَ بِهَا يُكْرَهُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي حَدَثٍ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ أَوْ عَدَمَهَا إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَحَقُّقُ الْعَدَمِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ؛ لِأَنَّ أَشْهَبَ يَرَى أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ فَكَيْفَ يُعْقَلُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَتَحَقَّقَ عَدَمُ الِانْفِكَاكِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِالْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ (قَوْلُهُ وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى إلَخْ) صَاحِبُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ يَرَى أَنَّ الْخِلَافَ حَقِيقِيٌّ، وَهُوَ أَنَّهُمَا مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ مُخَالَطَةِ الرِّيقِ لَكِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَعْتَبِرُ بَقَاءَ صِدْقِ الْمُطْلَقِ عَلَيْهِ وَأَشْهَبُ يَعْتَبِرُ الْمُخَالَطَةَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ قَالَ ك وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْفَمِ نَجَاسَةٌ قَالَ بَعْضٌ، وَهُوَ ظَاهِرٌ (قُلْت) لَعَلَّ وَجْهَ ظُهُورِهِ أَنَّهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ مَاءً قَلِيلًا حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ، وَهِيَ تَسْلُبُهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ فَيَتَّفِقُ الْقَوْلَانِ عَلَى عَدَمِ التَّطْهِيرِ بِهِ، وَإِنْ بَقِيَ الْخِلَافُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ فَشَيْءٌ آخَرُ قَالَ بَعْضُهُمْ، وَعَلَى أَنَّ الْخِلَافَ حَقِيقِيٌّ وَأَنَّ الْمُخَالَطَةَ حَصَلَتْ قَطْعًا تَكُونُ الْمَسْأَلَةُ عَيْنَ مَا قَبْلَهَا وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ لَا نَصَّ فِيهَا وَيُجَابُ بِأَنَّ الْوَاقِعَ فِي الْأُولَى مُوَافِقٌ يُؤَثِّرُ نَوْعُهُ الْمُخَالِفُ كَمَاءِ الْوَرْدِ الْمَقْطُوعِ الرَّائِحَةِ فَإِنَّ نَوْعَهُ يُؤَثِّرُ لَوْ كَانَ لَهُ رَائِحَةٌ بِخِلَافِ هَذِهِ فَإِنَّ الرِّيقَ لَيْسَ لَهُ نَوْعَانِ مُوَافِقٌ وَمُخَالِفٌ، وَهُوَ جَوَابٌ لَطِيفٌ وَفَرَّقَ بَعْضٌ أَيْضًا بَيْنَهُمَا عَلَى الْخِلَافِ فِي حَالٍ بِاحْتِمَالِ الْمُخَالِطِ هُنَا وَفَرْضِ وُقُوعِهِ هُنَاكَ قَالَ بَعْضٌ، وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ إذْ لَا احْتِمَالَ عَلَيْهِ بَلْ اللَّازِمُ الْمُخَالِطُ.
قَالَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ اخْتِلَافِ الشَّيْخَيْنِ فِيمَا يَتَحَقَّقُ مُخَالَطَتُهُ اخْتِلَافُهُمَا فِيمَا تَحَقَّقَتْ مُخَالَطَتُهُ فَهُمَا مَسْأَلَتَانِ فَلَا تَكْرَارَ وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي حَالٍ انْتَهَى وَانْظُرْ كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ حِكَايَتِهِمْ هُنَا خِلَافَ أَشْهَبَ وَقَوْلَهُمْ الْمَاءُ الْقَلِيلُ إذَا خُولِطَ بِطَاهِرٍ لَمْ يُغَيِّرْهُ طَهُورٌ اتِّفَاقًا وَكَأَنَّ الْجَمْعَ أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا كَانَ شَأْنُ الْمُخَالِطِ أَنْ يَظْهَرَ كَالْبُنِّ وَالْعَسَلِ فَلَمَّا لَمْ يُغَيِّرْ دَلَّ عَلَى قِلَّتِهِ وَهُنَا مُوَافِقٌ لِصِفَتِهِ فَلَا دَلِيلَ عَلَى قِلَّتِهِ كَذَا قَالَهُ بَعْضٌ (قَوْلُهُ تَغَيُّرًا ظَاهِرًا) صَادِقٌ بِمَا إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ أَصْلًا أَوْ تَغَيُّرًا غَيْرَ ظَاهِرٍ وَمَفْهُومُهُ لَوْ كَانَ ظَاهِرَ الضَّرَرِ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالظُّهُورِ تَيَقُّنُ أَوْ ظَنُّ التَّغَيُّرِ.
(فَائِدَةٌ) الْبُصَاقُ مُسْتَقْذَرٌ، وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا فَلِذَا اشْتَدَّ نَكِيرُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي الْمُعَارَضَةِ عَلَى مَنْ يُلَطِّخُ صَفَحَاتِ أَوْرَاقِ مُصْحَفٍ أَوْ كِتَابٍ لِيَسْهُلَ قَلْبُهَا قَائِلًا إنَّا لِلَّهِ عَلَى غَلَبَةِ الْجَهْلِ الْمُؤَدِّي إلَى الْكُفْرِ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ لَا يَجُوزُ مَسْحُ لَوْحِ الْقُرْآنِ أَوْ بَعْضِهِ بِالْبُصَاقِ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى مُعَلِّمِ الصِّبْيَانِ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى مِنْ ك قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا، وَهُوَ مُجَرَّدُ زَجْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي لِلْكُفْرِ.
(قَوْلُهُ الْمَاءَ الْيَسِيرَ) ، وَأَمَّا الْكَثِيرُ فَلَا يُكْرَهُ وَكَذَا لَوْ صُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، فَإِنْ صُبَّ عَلَيْهِ مُسْتَعْمَلٌ مِثْلُهُ حَتَّى كَثُرَ لَمْ تَنْتَفِ الْكَرَاهَةُ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ الْإِمَامِ وَالْحَطَّابُ لِثُبُوتِ الْكَرَاهَةِ فِي كُلِّ جُزْءٍ حَالَ انْفِرَادِهِ وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ انْتِفَاءَهَا فَلَوْ فُرِّقَ حَتَّى صَارَ كُلُّ جُزْءٍ يَسِيرًا فَهَلْ تَعُودُ الْكَرَاهَةُ أَوْ لَا، وَهُوَ الظَّاهِرُ لِزَوَالِهَا وَلَا مُوجِبَ لِعَوْدِهَا اُنْظُرْ ك (قَوْلُهُ بِأَنْ تَقَاطَرَ مِنْ الْأَعْضَاءِ) أَيْ، ثُمَّ يُجْمَعُ فِي قَصْرِيَّةٍ (قَوْلُهُ أَوْ اتَّصَلَ بِهَا) شَمِلَ صُورَتَيْنِ مَا اتَّصَلَ بِهَا وَاسْتَمَرَّ عَلَى اتِّصَالِهِ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا وَانْفَصَلَ عَنْهَا كَمَا فِي قَصْرِيَّةٍ غَسَلَ عُضْوَهُ بِهَا وَهَذَا الثَّانِي يُقَيَّدُ بِكَوْنِهِ يَسِيرًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَلَا يَكُونُ إلَّا يَسِيرًا أَيْ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ دَلَّكَهُ فِي الْقَصْرِيَّةِ بِهِ، وَأَمَّا لَوْ غَمَسَهُ بِهَا وَلَمْ يُدَلِّكْهُ إلَّا بَعْدَ مَا أَخْرَجَهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ كَمَا ظَهَرَ لِي ثُمَّ وَجَدْت عج ذَكَرَهُ.
ثُمَّ إنَّ مَا تَقَاطَرَ مِنْ الْعُضْوِ الَّذِي تَتِمُّ بِهِ الطَّهَارَةُ أَوْ اتَّصَلَ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ بِلَا نِزَاعٍ، وَأَمَّا مَا تَقَاطَرَ مِنْ الْعُضْوِ غَيْرِ الْأَخِيرِ أَوْ اتَّصَلَ بِهِ، فَإِنْ اُسْتُعْمِلَ بَعْدَ تَمَامِ الطَّهَارَةِ، فَهُوَ اسْتِعْمَالٌ بِمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ فِي حَدَثٍ أَيْضًا، وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ قَبْلَ تَمَامِ الطَّهَارَةِ، فَإِنْ قُلْنَا أَنَّ الْحَدَثَ يَرْتَفِعُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ بِانْفِرَادِهِ فَكَذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا يُكْرَهُ (قَوْلُهُ يُكْرَهُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ حَيْثُ وُجِدَ غَيْرُهُ فِي كُلِّ طَهَارَةٍ لَا تُفْعَلُ إلَّا بِالطَّهُورِ سَوَاءٌ كَانَ يُصَلِّي بِهَا أَوْ لَا كَالْوُضُوءِ لِزِيَارَةِ الْأَوْلِيَاءِ وَوُضُوءِ الْجُنُبِ لِلنَّوْمِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تُقَيَّدُ بِالْيَسَارَةِ وَوُجُودِ مُطْلَقٍ وَعَدَمِ صَبِّ مُطْلَقٍ غَيْرِ مُسْتَعْمَلٍ وَتَمَامِ غَسْلِ الْعُضْوِ لَا إنْ اُسْتُعْمِلَ فِي بَعْضِ الْعُضْوِ وَأَحْرَى لِلْبَعْضِ الْآخَرِ وَفِي عج بَعْدَ كَلَامٍ طَوِيلٍ حَاصِلٌ عَظِيمٌ وَنَصُّهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ صُوَرَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ سِتَّ عَشْرَةَ صُورَةً؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ أَوَّلًا إمَّا فِي حَدَثٍ وَإِمَّا فِي حُكْمِ خَبَثٍ وَإِمَّا فِي طَهَارَةٍ مَسْنُونَةٍ أَوْ مُسْتَحَبَّةٍ وَإِمَّا فِي غَسْلِ إنَاءٍ وَنَحْوِهِ وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ إذَا اُسْتُعْمِلَ ثَانِيًا فَلَا بُدَّ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي أَحَدِهَا فَالْمُسْتَعْمَلُ فِي حَدَثٍ أَوْ حُكْمِ خَبَثٍ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي أَحَدِ هَذَيْنِ وَصُوَرُهُ أَرْبَعٌ وَكَذَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الطَّهَارَةِ الْمَسْنُونَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ وَهَاتَانِ صُورَتَانِ كَمَا يُفِيدُهُ مَا رَجَحَ فِي تَعْلِيلِ الْكَرَاهَةِ مِنْ أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي طَهُورِيَّتِهِ وَلَا يُكْرَهُ فِي غُسْلٍ كَالْإِنَاءِ وَهَاتَانِ صُورَتَانِ أَيْضًا وَالْمُسْتَعْمَلُ
стр. 74
أَوْ خَبَثٍ أَوْ أَوْضِيَةٍ أَوْ اغْتِسَالَاتٍ مُسْتَحَبَّةٍ أَوْ مَسْنُونَةٍ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَعُلِّلَتْ الْكَرَاهَةُ بِعِلَلٍ كُلِّهَا لَا تَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ وَالرَّاجِحُ فِي التَّعْلِيلِ مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ؛ لِأَنَّ أَصْبَغَ قَائِلٌ بِعَدَمِ الطَّهُورِيَّةِ وَتَخْصِيصُ الْمُؤَلِّفِ الْكَرَاهَةَ بِالْمَاءِ يُخْرِجُ التُّرَابَ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَاءَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْبَدَنِ وَقَوْلُهُ فِي حَدَثٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُتَنَازِعًا فِيهِ كُلُّ مَنْ كُرِهَ وَمُسْتَعْمَلٍ وَيُحْتَمَلُ فِيهِ الْحَذْفُ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي وَالتَّقْدِيرُ عَلَى الْأَوَّلِ وَكُرِهَ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ فِيهِ فِي حَدَثٍ إذَا أَعْلَمْت الْأَوَّلَ، وَإِنْ أَعْلَمْت الثَّانِيَ كَانَ اللَّفْظُ عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِي التَّقْدِيرِ وَعَلَى الثَّانِي وَكُرِهَ فِي حَدَثٍ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَدَثٍ وَقَوْلُهُ فِي حَدَثٍ أَيْ فِي رَفْعِهِ فَيَدْخُلُ وُضُوءُ الصَّبِيِّ إذَا كَانَ مُحْدِثًا.
(ص) وَفِي غَيْرِهِ تَرَدُّدٌ (ش) أَيْ وَفِي كَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي غَيْرِ حَدَثٍ كَالْمُسْتَعْمَلِ فِي الْأَوْضِيَةِ وَالِاغْتِسَالَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ وَالْمَسْنُونَةِ وَمُسْتَعْمَلُ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فِي الْوُضُوءِ وَغُسْلِ الذِّمِّيَّةِ مِنْ الْحَيْضِ وَوُضُوءِ التَّبَرُّدِ وَالْغَسْلَةِ الرَّابِعَةِ وَمَاءٍ غُسِلَ بِهِ ثَوْبٌ طَاهِرٌ سَالِمٌ مِنْ النَّجَسِ وَالْوَسَخِ وَجَوَازُهُ تَرَدُّدٌ لِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ وَاعْتَمَدْنَا فِي التَّعْمِيمِ الْمَذْكُورِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الشَّارِحِ فِي الْكَبِيرِ.
(ص) وَيَسِيرٌ كَآنِيَةِ وُضُوءٍ وَغُسْلٍ بِنَجَسٍ لَمْ يُغَيَّرْ (ش) الْمَعْطُوفُ مَحْذُوفٌ أَيْ وَمَاءٌ يَسِيرٌ وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ مَعْطُوفًا عَلَى مُسْتَعْمَلٍ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ السَّابِقَ مَخْصُوصٌ بِكَوْنِهِ
ــ
[حاشية العدوي]
فِي الطَّهَارَةِ الْمَسْنُونَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ وَحُكْمِ الْخَبَثِ وَكَذَا فِي الطَّهَارَةِ الْمَسْنُونَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ عَلَى أَحَدِ التَّرَدُّدَيْنِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثَةِ لَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي غُسْلٍ كَالْإِنَاءِ لَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي شَيْءٍ انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْهُ.
(فَائِدَةٌ) وَجَدَ بَعْضُ شُيُوخِنَا فِي خَارِجِ الْمَذْهَبِ أَنَّ مَاءَ وُضُوئِهِ ﵇ وَغُسْلِهِ لَا يَدْخُلُ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَهُوَ كَلَامٌ نَفِيسٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَذْهَبَنَا كَذَلِكَ اهـ.
(قَوْلُهُ أَوْ خَبَثٍ) عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى وَفِي كَلَامِ صَاحِبِ الْإِرْشَادِ إشَارَةٌ إلَيْهِ لِاقْتِصَارِهِ عَلَى ذِكْرِ الْوُضُوءِ فَيُفِيدُ قُوَّتَهُ، وَإِنْ كَانَ كَلَامُ عب يُفِيدُ خِلَافَهُ حَيْثُ يَقُولُ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي حَدَثٍ وَكَذَا فِي إزَالَةِ حُكْمِ خَبَثٍ فِيمَا يَظْهَرُ خِلَافًا لِاسْتِظْهَارِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيِّ عَدَمَ كَرَاهَتِهِ (قَوْلُهُ وَعُلِّلَتْ الْكَرَاهَةُ بِعِلَلٍ إلَخْ) فَمِنْ جُمْلَةِ مَا عَلَّلَ بِهِ أَنَّهُ أُدِّيَتْ بِهِ عِبَادَةٌ وَوَجْهُ ضَعْفِهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي التُّرَابِ وَأَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ وَوَجْهُ ضَعْفِهِ أَنْ لَا يَلْزَمَ مِنْ عَدَمِ الْوِجْدَانِ عَدَمُ الْوُجُودِ وَأَنَّهُ مَاءُ ذُنُوبٍ وَوَجْهُ ضَعْفِهِ أَنَّ الذُّنُوبَ مَعْنَى مِنْ الْمَعَانِي هَذَا مَا فِي ك وَالْكَرَاهَةُ كَمَا فِيهِ خَاصَّةٌ بِالْعِبَادَاتِ دُونَ الْعَادَاتِ خِلَافُ قَوْلِهِ وَيَسِيرٍ كَآنِيَةِ وُضُوءٍ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْكَرَاهَةَ عَامَّةٌ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ اهـ. وَاسْتَظْهَرَ ح أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَى مَنْ اسْتَعْمَلَ هَذَا الْمُسْتَعْمَلَ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَقَالَ وَلَا تَقْتَضِي الْكَرَاهَةُ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ بَلْ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ تَقْتَضِيهَا انْتَهَى (قَوْلُهُ: وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِي التَّقْدِيرِ إلَخْ) أَيْ، فَإِنْ أَعْمَلْت الْأَوَّلَ يَكُونُ التَّقْدِيرُ بَعْدَ قَوْلِهِ مُسْتَعْمَلٌ، وَإِنْ أَعْمَلْتَ الثَّانِيَ يَكُونُ قَبْلَهُ هَذَا.
وَمَا قَالَهُ فِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَوْ أَعْمَلَ الْأَوَّلَ يُصَرِّحُ بِالْإِضْمَارِ فِي الثَّانِي مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ الْأَوَّلُ الثَّانِيَ وَلَا يَخْتَصُّ بِجَعْلِهِ مِنْ بَابِ التَّنَازُعِ بَلْ يَأْتِي عَلَى جَعْلِهِ مَحْذُوفًا مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي عَلَيْهِ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ لَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ إلَّا فِي الْحَدَثِ لَا فِي غَيْرِهِ مِنْ أَوْضِيَةٍ أَوْ اغْتِسَالَاتٍ مُسْتَحَبَّةٍ إلَخْ مَعَ أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي الْحَدَثِ وَفِي غَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ لَهُ.
(قَوْلُهُ أَيْ وَفِي كَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ) أَيْ فِي مُتَوَقِّفٍ عَلَى مُطْلَقٍ (قَوْلُهُ فِي غَيْرِ حَدَثٍ) وَمِثْلُ الْحَدَثِ حُكْمُ الْخَبَثِ (قَوْلُهُ الْمُسْتَحَبَّةِ وَالْمَسْنُونَةِ) رَاجِعٌ لِلِاغْتِسَالَاتِ، وَأَمَّا الْأَوْضِيَةُ فَلَا تَكُونُ مَسْنُونَةً أَبَدًا بَلْ إمَّا وَاجِبَةٌ أَوْ مُسْتَحَبَّةٌ، وَأَمَّا الِاغْتِسَالَاتُ فَتَكُونُ مَسْنُونَةً كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَمُسْتَحَبَّةً كَغُسْلِ الْعِيدَيْنِ وَيَدْخُلُ فِي الْأَوْضِيَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ وُضُوءُ التَّجْدِيدِ وَوُضُوءُ الْجُنُبِ لِلنَّوْمِ وَقَالَ سَنَدٌ فِي الْأَوَّلِ الْمَشْهُورُ لَا يُكْرَهُ وَيَكُونُ الثَّانِي بِالْأَوْلَى وَكَذَا ذَكَرَ عب فِي الثَّانِي وَنَحْوِهِ مِنْ كُلِّ مَاءٍ لَا يُصَلَّى بِهِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي مُتَوَقِّفٍ عَلَى طَهُورٍ مُطْلَقٍ كَمَاءٍ غُسِلَ بِهِ إنَاءٌ طَاهِرٌ اهـ.
أَيْ فَلَيْسَ مِنْ مَحَلِّ التَّرَدُّدِ وَذَكَرَ أَنَّ مَحَلَّ التَّرَدُّدِ فِي غُسْلِ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ (قَوْلُهُ وَمُسْتَعْمَلِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ) قَدْ ارْتَضَاهُ عج أَيْ ارْتَضَى أَنَّهُ مَحَلُّ التَّرَدُّدِ، وَفِي ح أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ الظَّاهِرُ كَرَاهَتُهُ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ حُكْمُ الطَّهَارَةِ الْوَاحِدَةِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأُولَى وَغَيْرِهَا (قَوْلُهُ وَغُسْلِ الذِّمِّيَّةِ مِنْ الْحَيْضِ) كَذَا فِي الشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيِّ أَنَّهُ مِنْ مَحَلِّ التَّرَدُّدِ وَاَلَّذِي اسْتَظْهَرَهُ ح أَنَّ مَاءَ غُسْلِ الذِّمِّيَّةِ النَّقِيَّةِ الْجَسَدِ مِنْ الْحَيْضِ لِيَطَأَهَا زَوْجُهَا أَوْ مَالِكُهَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي مُتَوَقِّفٍ عَلَى الطَّهَارَةِ بِلَا تَرَدُّدٍ (قَوْلُهُ وُضُوءِ التَّبَرُّدِ إلَخْ) دُخُولُ هَذَا فِي مَحَلِّ التَّرَدُّدِ غَيْرُ ظَاهِرٍ فَالْمُنَاسِبُ مَا فِي ك مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَحَلِّ التَّرَدُّدِ وَاَلَّذِي فِيهِ، وَأَمَّا مَاءُ الْغَسْلَةِ الرَّابِعَةِ وَغَسْلِ التَّبَرُّدِ وَغَسِيلِ الثَّوْبِ السَّالِمِ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْقَرَافِيِّ وَسَنَدٍ وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ إشَارَةٌ إلَى خُرُوجِهِ مِنْ الْخِلَافِ (أَقُولُ) فَالْوَاجِبُ أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي كَلَامِ ابْنِ رَاشِدٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ مَا يَقْتَضِي دُخُولَ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَالْخِلَافُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِيمَنْ سَلِمَتْ أَعْضَاؤُهُ مِنْ النَّجَاسَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَوْسَاخِ، وَأَمَّا مُتَنَجِّسُهَا فَمَاءٌ حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ، وَأَمَّا وَسَخُهَا فَمَاءٌ حَلَّتْهُ أَوْسَاخٌ أَجَّرَهُ عَلَى مَا سَبَقَ انْتَهَى أَيْ، فَإِنْ كَانَتْ الْأَوْسَاخُ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ لَمْ يَضُرَّ التَّغَيُّرُ بِهَا وَإِلَّا فَيَضُرُّ وَيُقَيَّدُ كَلَامُهُ بِمَا إذَا وَجَدَ غَيْرَهُ كَمَا قَيَّدَ بِهِ مَا قَبْلَهُ بَلْ هَذَا أَوْلَى بِالتَّقْيِيدِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ مَعْطُوفًا إلَخْ) تَبِعَ فِيهِ الشَّيْخَ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيَّ، وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَى مُسْتَعْمَلٍ إذْ لَا يُقَدَّرُ فِي الْمَعْطُوفِ نَفْسُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَقَوْلُ الْمَتْنِ
стр. 75
مُسْتَعْمَلًا فِي الْحَدَثِ فَلَا يُنَاسِبُ تَقْدِيرَهُ هُنَا أَيْ وَكُرِهَ اسْتِعْمَالُ مَاءٍ يَسِيرٍ رَاكِدٍ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ إذَا خُلِطَ بِنَجَسٍ فَوْقَ الْقَطْرَةِ وَلَمْ يُغَيِّرْ شَيْئًا مِنْ أَوْصَافِهِ وَحَدُّ الْيَسِيرِ عِنْدَ مَالِكٍ كَآنِيَةِ وُضُوءٍ وَآنِيَةِ غُسْلٍ فَآنِيَةُ الْغُسْلُ قَلِيلَةٌ، وَإِنْ اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْوُضُوءِ، ثُمَّ إنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ فِي قَوْلِهِ كَآنِيَةِ وُضُوءٍ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَمَا قَرَّرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِيَسِيرٍ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالْكَافُ دَالَّةٌ عَلَى عَدَمِ الْحَصْرِ فَيَدْخُلُ مَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ بَعْضِ الشُّرَّاحِ وَمَفْهُومَ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ مَا دُونَ آنِيَةِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ بِنَجَسٍ لَمْ يُغَيِّرْ مُتَنَجِّسٌ غَيْرُ سَدِيدٍ وَمَفْهُومُ لَمْ يُغَيِّرْ أَنَّهُ لَوْ غَيَّرَ لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَالْحُكْمُ سَلْبُ الطَّهُورِيَّةِ وَمَفْهُومُ بِنَجَسٍ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِطَاهِرٍ لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَالْحُكْمُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُغَيِّرْ فَلَا كَرَاهَةَ، وَإِنْ غَيَّرَ سَلَبَ الطَّهُورِيَّةَ وَإِذَا تَوَضَّأَ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ الْمَذْكُورِ وَصَلَّى فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ أَصْلًا عَلَى الْمَشْهُورِ وَإِنَّمَا لَمْ يَكْتَفِ الْمُؤَلِّفُ بِآنِيَةِ الْوُضُوءِ عَنْ آنِيَةِ الْغُسْلِ أَوْ بِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى آنِيَةِ الْوُضُوءِ لَتُوُهِّمَ أَنَّ آنِيَةَ الْغُسْلِ مِنْ الْكَثِيرِ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْكَثِيرِ لَتُوُهِّمَ أَنَّ آنِيَةَ الْوُضُوءِ نَجِسَةٌ.
(ص) أَوْ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ (ش) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى خَلَطَ الْمُقَدَّرِ قَبْلَ قَوْلِهِ بِنَجَسٍ لِيَصِيرَ قَيْدُ الْيَسَارَةِ مُعْتَبَرًا فِيهِ لَا عَلَى يَسِيرٍ كَمَا فَعَلَهُ بَعْضٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الْكَلْبَ إذَا وَلَغَ فِي كَثِيرٍ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ؛ لِأَنَّهُ قَسِيمُهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ مُغَايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَا عَلَى مُسْتَعْمَلٍ لِئَلَّا يُوهِمَ كَرَاهَةَ الْكَثِيرِ أَيْضًا وَالْمَعْنَى وَكُرِهَ اسْتِعْمَالُ مَاءٍ يَسِيرٍ خُلِطَ بِنَجَسٍ أَوْ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ مَأْذُونٌ فِي اتِّخَاذِهِ أَمْ لَا بِخِلَافِ الْكَثِيرِ وَالْوُلُوغُ بِضَمِّ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا كَثْرَةُ ذَلِكَ، وَهُوَ لِلْكِلَابِ وَالسِّبَاعِ لَا لِلْآدَمِيِّ وَلَا لِلطَّيْرِ إلَّا الذُّبَابُ وَالشُّرْبُ لِلْجَمِيعِ فَكُلُّ مَنْ وَلَغَ شَرِبَ وَلَا عَكْسَ وَلَحْسُ الْإِنَاءِ إذَا كَانَ فَارِغًا يُقَالُ وَلَغَ يَلَغُ بِفَتْحِ اللَّامِ فِيهِمَا وَحُكِيَ كَسْرُهَا فِي الْأَوَّلِ إذَا أَدْخَلَ لِسَانَهُ وَحَرَّكَهُ فِيمَا فِيهِ شَيْءٌ وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا أَدْخَلَ لِسَانَهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكٍ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ وَكَذَا لَوْ أَدْخَلَ رَأْسَهُ أَوْ سَقَطَ مِنْ فِيهِ لُعَابٌ فِي الْمَاءِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ الْكَرَاهَةُ فِي الْمَاءِ الْمَوْلُوغِ فِيهِ وَلَوْ تُيُقِّنَتْ سَلَامَةُ فَمِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ قَالَ ح فِيمَا يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ وَنُدِبَ غَسْلُ إنَاءِ مَاءٍ إلَخْ.
تَنْبِيهٌ: فَارَقَ سُؤْرُ الْكَلْبِ سُؤْرَ غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يَتَوَقَّى النَّجَاسَةَ فِي الْأَمْرِ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْهُ سَبْعًا وَفِي إرَاقَتِهِ وَكَرَاهَةِ الْوُضُوءِ بِهِ، وَإِنْ عُلِمَتْ طَهَارَتُهُ، وَأَمَّا غَيْرُهُ، فَإِنْ تُيُقِّنَتْ طَهَارَةُ فَمِهِ فَلَا يُرَاقُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ فَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَأَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ بِسُؤْرِهِ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ فِي الْوَقْتِ.
(ص) وَرَاكِدٍ يُغْتَسَلُ فِيهِ (ش) أَيْ وَكُرِهَ اسْتِعْمَالُ رَاكِدٍ أَيْ الِاغْتِسَالُ فِيهِ فَجُمْلَةُ يُغْتَسَلُ فِيهِ تَفْسِيرٌ لِلْمُضَافِ الْمُقَدَّرِ قَبْلَ رَاكِدٍ، وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ فَإِنَّ اسْتِعْمَالَ الرَّاكِدِ هُوَ الِاغْتِسَالُ فِيهِ أَيْ وَكُرِهَ الِاغْتِسَالُ فِي رَاكِدٍ ابْتِدَاءً وَأَحْرَى إذَا تَقَدَّمَ فِيهِ الِاغْتِسَالُ لَا صِفَةٌ لِرَاكِدٍ؛ لِأَنَّهُ
ــ
[حاشية العدوي]
آنِيَةٍ إلَخْ جَمْعُ إنَاءٍ وَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ كَإِنَاءِ وُضُوءٍ لَا سِيَّمَا، وَهُوَ أَخْصَرُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ الْإِنَاءُ مَعْرُوفٌ وَجَمْعُهُ آنِيَةٌ وَجَمْعُ الْآنِيَةِ أَوَانٍ انْتَهَى (قَوْلُهُ رَاكِدٍ) ، وَأَمَّا الْجَارِي فَلَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ كَالْكَثِيرِ وَقَوْلُهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ فَلَا يُكْرَهُ (قَوْلُهُ فَوْقَ الْقَطْرَةِ) ، وَأَمَّا هِيَ فَلَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ قَلِيلٍ حَلَّتْ فِيهِ، وَهُوَ مَا نَقَلَهُ النَّاصِرُ اللَّقَانِيِّ عَنْ الْبَيَانِ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَاَلَّذِي يُفِيدُهُ الْحَطَّابُ أَنَّ النَّجَسَ الْقَطْرَةُ وَمَا فَوْقَهَا أَوْلَى وَالظَّاهِرُ الرُّجُوعُ فِي قَدْرِهَا لِلْعُرْفِ وَأَفَادَ مُحَشِّي تت نَاقِلًا لِلنَّصِّ أَنَّ الْقَطْرَةَ تُؤَثِّرُ فِي آنِيَةِ الْوُضُوءِ فَيَصِيرُ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بِالْكَرَاهَةِ وَالنَّجَاسَةِ وَلَا تُؤَثِّرُ فِي آنِيَةِ الْغُسْلِ وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِيهِ مَا فَوْقَهَا وَذَكَرَ كَلَامَ الْمُقَدِّمَاتِ إلَخْ (قَوْلُهُ فَالْكَافُ دَالَّةٌ عَلَى عَدَمِ الْحَصْرِ) هَذَا يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ خُصُوصًا، وَقَدْ قَالَ فِيمَا سَيَأْتِي وَإِنَّمَا لَمْ يَكْتَفِ فَهَذَا يُؤْذِنُ بِالتَّحْدِيدِ.
(تَنْبِيهٌ) : كَرَاهَةُ الْمَاءِ الْقَلِيلِ مُقَيَّدَةٌ بِثَلَاثَةِ قُيُودٍ أَنْ يَجِدَ غَيْرَهُ، وَأَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مَادَّةٌ كَبِئْرٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ جَارِيًا (قَوْلُهُ وَالْحُكْمُ سَلْبُ الطَّهُورِيَّةِ) أَيْ وَالطَّاهِرِيَّةِ (قَوْلُهُ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ أَصْلًا عَلَى الْمَشْهُورِ) وَمُقَابِلُهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِنَجَاسَتِهِ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ أَفَادَهُ الْحَطَّابُ.
(قَوْلُهُ وَلَا عَلَى مُسْتَعْمَلٍ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ قَوْلَهُ مُسْتَعْمَلٍ تَقْدِيرُهُ يَسِيرُ مُسْتَعْمَلٍ وَوَجْهُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ، وَإِنْ كَانَ غُسْلُ الْإِنَاءِ تَعَبُّدًا عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ الْيَسِيرَ قَدْ يَتَغَيَّرُ مِنْ لُزُوجَاتِ فَمِ الْكَلْبِ فَنَاسَبَ أَنْ يُقَالَ فِيهِ ذَلِكَ
(تَنْبِيهٌ) : كَرَاهَةُ الْمَاءِ الْمَوْلُوغِ فِيهِ إذَا وُجِدَ غَيْرُهُ (قَوْلُهُ وَفَتْحُهَا) مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ كَثْرَةُ ذَلِكَ خَبَرٌ أَيْ كَثْرَةُ الْوُلُوغِ بِالضَّمِّ فَفِي الْعِبَارَةِ شِبْهُ اسْتِخْدَامٍ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشَارَ لَهُ الْوُلُوغُ لَا بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ؛ لِأَنَّهُ بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ اللَّفْظُ (قَوْلُهُ وَلَحْسُ الْإِنَاءِ) أَيْ وَيُقَالُ لَحِسَ الْإِنَاءَ إذَا كَانَ فَارِغًا فَلَحِسَ فِعْلٌ مَاضٍ (قَوْلُهُ وَحَرَّكَهُ فِيمَا فِيهِ شَيْءٌ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ مَاءً أَوْ طَعَامًا وَتَبِعَ الشَّارِحُ فِي ذَلِكَ تت وَفِي عِبَارَةِ الْوُلُوغِ فِي الْمَاءِ، وَأَمَّا فِي الطَّعَامِ فَيُسَمَّى لَعْقًا (قَوْلُهُ وَلَوْ تُيُقِّنَتْ سَلَامَةُ فَمِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ) انْدَفَعَ بِذَلِكَ سُؤَالٌ وَارِدٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَصُورَتُهُ لِمَ لَمْ يَكْتَفِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ وَمَا لَا يُتَوَقَّى نَجِسًا مِنْ مَاءٍ وَحَاصِلُهُ إنَّمَا خَصَّ الْكَلْبَ الْمَذْكُورَ بِالذِّكْرِ وَلَمْ يَكْتَفِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ بَعْدُ وَمَا لَا يُتَوَقَّى؛ لِأَنَّ سُؤْرَهُ مُخَالِفٌ لِسُؤْرِ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ فَلَا يُرَاقُ) الْأَوْلَى لَمْ يُكْرَهْ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ عِنْدَ الشَّكِّ يُرَاقُ مَعَ أَنَّ الْإِرَاقَةَ خَاصَّةٌ بِسُؤْرِ الْكَلْبِ (قَوْلُهُ وَأَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ بِسُؤْرِهِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ تَنْبِيهٌ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الْحَطَّابِ.
(قَوْلُهُ تَفْسِيرٌ لِلْمُضَافِ) فَكَأَنَّهُ جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُ مَا الْمُرَادُ بِاسْتِعْمَالِهِ فَقَالَ الْمُرَادُ بِاسْتِعْمَالِهِ هُوَ الِاغْتِسَالُ فِيهِ (قَوْلُهُ لَا صِفَةٌ لِرَاكِدٍ) عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ صِفَةً لِرَاكِدٍ لَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَرَاكِدٍ اغْتَسَلَ فِيهِ بِالْمَاضِي الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ الِاغْتِسَالُ فِيهِ فِيمَا مَضَى
следующие страницы →