Полный текст (2 001 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
(فصل في بيان حكمة الله تعالى في جعله بعض الآيات متشابهاً)
سُئل بعض العابدين، فقيل له: ما بال القرآن جعل بعضه محكماً وبعضه متشابهاً؟ وهلاَّ جعل كله على نمط المحكم حتى كان يكفي الإنسان مؤونة النظر الذي قل ما سلم متعاطيه من زلة؟ وهذه مسئلة نسأل عنها في الأحكام أيضاً فنقول: هلاَّ بينها كلها حتى يستغنى عن جهد الرأي الي لا يؤمن خطؤه؟ بل سئل عنها أيضاً في أصل التكليف، فيقال: هلاَّ خوّلنا الله إنعامه بلا مشقة ولا مؤنة حتى كان عطاؤه أهنأ منالاً؟ فقال: (الجواب) عن جميع ذلك واحد، وهو أن الله تعالى خص الإنسان بالفكر والتميز، وشرفَهُ بهما، حتى قال تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾، وجعله بذلك خليفة في الأرض فقال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وقال تعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، وكفاه شرفاً بما أعطاه من هذه المنزلة أنه قد يصير لأجلها شريفاً موصوفاً بالعلم والحلم والحكمة، وكثير من الصفات التي هي من صفاته تعالى، وإن لم تكن على حَدَّها وحقيقتها.
ولما خصه الله تعالى بهذه الفضيلة - أعني بالفكر والروية - أعطاه كل ما أعطاه من المعارف قاصرة عن درجة الكمال، ليكمله الإنسان بفكرته، لئلا تتعطل فائدتها، وإلا كانت موجداً لما لا فائدة فيه، وذلك شنيع يُنزه عنه الباري سبحانه، وعلى ذلك أحوال كل ما أوجده لنا من المأكولات والمشروبات، لأنه أوجد لنا أصول الأغذية، ثم هدانا بما خولنا من التميز إلى تركيبها، وتناول ما يحتاج إليه على الوجه الذي يحتاج وفي الوقت الذي يحتاج.
فإذا ثبت ذلك فتأويل كتاب الله تعالى وأحكام شرائعه وسائر معانيه قسمان:
стр. 37
جليَّ، وخفيَّ، فالجلي: ما أدركناه إما بالحاسة، أو ببديهة العقل.
والخفي: ما يتوصل إليه بوساطة أحد هذين، فسبحان الذي شرف الإنسان بهذه المنزلة السنية لتكون ذريعة لهَ إلى إدراك الحياة الأبدية وتحصيل ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بشر، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾.
(فصل في شرف علم التفسير)
أشرف صناعة يتعاطاها الإنسان تفسير القرآن وتأويله، وذلك أن الصناعات الحقيقة إنما تشرف بأحد ثلاثة أشياء: " إما بشرف موضوعاتها، وهي المعمول فيها، نحو أن يقال: الصياغة أشرف من الدباغة لأن موضوعها - وهو الذهب والفضة - أشرف من جلد الميتة - الذي هو موضوع الدباغة وإما بشرف صورها: نحو أن يقال: طبع السيوف اشرف من طبع القيود ..
وإما بشرف أغراضها وكمالها، كصناعة الطب - التي غرضها إفادة الصحة - فإنها أشرف من الكناسة - التي غرضها تنظيف المستراح، فإذا ثبت ذلك، فصناعة التفسير قد حصل لها الشرف من الجهات الثلاث، وهو أن موضوع المفسر كلام الله تعالى: الذي هو ينبوع كل حكمة، ومعدن كل فضله.
وصورة فعله: إظهار خفيات ما أودعه مُنْزِلُهُ من أسراره ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وغرضه: التمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والوصول إلى السعادة الحقيقة التي لافناء لها.
ولهذا عظمَ الله محله بقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
" قيل: هو تفسير القرآن ".
стр. 38
(فصل في بيان الآلات التي يحتاج إليها المفسر)
اختلف الناس في تفسير القرآن: هل يجوز لكل ذي علم الخوض فيه؟ فبعض يشدد في ذلك وقال: لا يجوز لأحد تفسير شيء من القرآن، وإن كان عالماً أدبياً متسعاً في معرفة الأدلة والفقه والنحو والأخبار والآثار، وإنما له أن ينتهي إلى ما روى عن النبي ﷺ وعن الذين شهدوا التنزيل من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -، أو عن الذين أخذوا عنهم من التابعين، واحتجوا في ذلك بما روي عنه ﵇: " من فسر القرآن برأيه فليتبوء مقعده من النار "، وقوله ﵇: " من فسر القرآن برأية فأصاب فقد أخطأ "، وفي خبر " من قال في القرآن برأية فقد كفر "، وبما روي عن أبي بكر ﵁ " أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي ".
وذكر آخرون أن من كان ذا أدب وسيع فموسع له أن يفسره فالعقلاء والأدباء " فوضى فضاً " في معرفة الأغراض، واحتجوا في ذلك بقوله تعالى:
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
وذكر بعذ المحققين " أن المذهبين " هما الغلو والتقصير، فمن اقتصر على المنقول إليه فقد " ترك كثيراً مما يحتاج إليه "، ومن أجاز لكل أحد الخوض فيه، فقد عرضه للتخليط، ولم يعتبر حقيقة قوله تعالى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ..
والواجب: أن يبين أولاً ما ينطوي عليه
стр. 39
القرآن، وما يحتاج إليه المفسر من العلوم، فنقول وبالله التوفيق: إن جميع شرائط الإيمان والإسلام التي دعينا إليها واشتمل القرآن عليها ضربان: علمٌ غايته الاعتقاد، وهو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وعلم غايته العمل، وهو معرفة أحكام الدين والعمل بها.
والعلم مبدأ والعمل تمام، ولا يتم العلم من دون العمل، ولا يخلص العمل من دون العلم، ولذلك لم يفرد - تعالى - أحدهما من الآخر في عامة القرآن، نحو قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا﴾، وقوله ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾، ولا يمكن تحصيل هذين إلا بعلوم لفظية وعقلية وموهبية، فالأول: معرفة الألفاظ: وهو علم اللغة، والثاني: مناسبة بعض الألفاظ إلى بعض وهو الاشتقاق.
والثالث: معرفة أحكام ما يعرض للألفاظ من الأبنية والتصاريف والإعراب وهو النحوي والرابع بما يتعلق بذات التنزيل، وهو معرفة القراءات، والخامس: ما يتعلق بالأسباب التي نزلت عندها هذه الآيات وشرح الأقاصيص التي تنطوي عليها السور من ذكر الأنبياء ﵈ والقرون الماضية، وهو علم الآثار والأخبار.
والسادس: ذكر السنن المنقولة عن النبي ﷺ وعمن شهد الوحي مما اتفقوا عليه وما اختلفوا فيه، مما هو بيان لمجمل، أو تفسير لمبهم المنبأ عنه بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، وبقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ وذلك علم السنن.
والسابع: معرفة الناسخ والمنسوخ، والعموم والخصوص، والإجماع والاختلاف والمجمل والمفسر، والقياسات الشرعية، والمواضع التي يصح فيها القياس، والتي لا يصح، وهو علم أصول الفقه.
стр. 40
والثامن: أحكام الدين وآدابه، وآداب السياسات الثلاث، التي " هي " سياسة النفس، والأقارب والرعية، مع التمسك بالعدالة فيها، وهو علم الفقه والزهد ...
والتاسع: معرفة الأدلة العقلية والبراهين الحقيقة، والتقسيم والتحديد، والفرق بين المعقولات والمظنونات، وغير ذلك، وهو علم الكلام.
والعاشر: علم الموهبة، وذلك علم يورثه الله من عَمِلَ بِمَا عَلِمَ، وقال أمير المؤمنين (علي) ﵁:
قال الحكمة: من أرادني فليعمل بأحسن ما علم، ثم تلا: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ وما روي عنه حيث سئل: " هل عندك علمُ عن النبي ﷺ لم يقع إلى غيرك؟ قال: لا، إلا كتاب الله وما في صحيفتي، وغهم يؤتيه الله من يشاء، وهذا هو التذكر الذي رجانا تعالى - إدراكه بفعل الصالحات، حيث قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
وهو الهداية المزيدة للمهتدي في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ الآية، وهو الطيب من القول المذكور في قوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ فجملة العلوم التي هي كالآلة للمفسر، ولا يتم صناعة إلا بها هذ هذه العشرة: علم اللغة، والاشتقاق والنحو، والقراءات والسير، والحديث، وأصول الفقه، وعلم الأحكام، وعلم الكلام، وعلم الموهبة، فمن تكاملت فيه هذه العشرة واستعملها خرج عن كونه مفسراً للقرآن برآية، ومن نقص عن بعض ذلك مما ليس بواجب معرفته في تفسير القرآن وأحس من نفسه في ذلك بنقصه واستعان بأربابه واقتبس منهم واستضاء بأقوالهم لم يكن - إن شاء من المفسرين برأيهم، فإن القائل بالرأي - ها هنا - من لم
стр. 41
تجتمع عنده الآلات التي يستعان بها في ذلك، ففسره وقال فيه تخميناً وظناً.
وإنما جعله النبي ﷺ مخطئاً وإن أصاب، فإنه مخبر بما لم يعلمه، وإن كان قوله مطابقاً لما عليه الأمر في نفسه.
ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، فشرط مع الشهادة العلم وكذب المنافقين في قولهم: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ﴾، فقال: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ من حق من تصدى للتفسير أن يكون مستشعراً لتقوى الله مستعيذاً من شرور نفسه والإعجاب بها، فالإعجاب بالنفس أسُّ كل فساد وأن يكون اتهامه لفهمه أكثر من اتهامه لفهم أسلافه الذين عاشروا الرسول وشاهدوا التنزيل، وبالله التوفيق ..
(فصل في جواز إرادة المعنيين المختلفين بعبارة واحدة)
العبارة الموضوعة لمعنيين على سبيل الاشتراك حقيقة فيهما أو مجازاً في أحدهما؟ متى تنافي معناهما في المراد لم يصح أن يرادا معاً بعبارة واحدة، نحو أن يقال: صل صلاة واحدة على سبيل الوجوب والندب.
وإذا لم يتنافيا صح ذلك، نحو اللمس - المراد به المسيس - والمس.
وإلى ذلك ذهب الشافعي ﵀ وهو مقتضى مذهب سيبويه، لأنه قال في قولهم: " الويل له ": إنه دعاء عليه وإخبار عن حاله، فجعله للأمرين في حالة واحدة، إلى غير ذلك مما دل من كلامه عليه.
والدلالة على جواز ذلك قولهم: " أفعلوا كذا " - في مخاطبة الرجال والنساء - وقولهم: " الرجال والنساء فعلوا "، وهذه العبارة للمذكر حقيقة، وللمؤنث مجاز.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وعناه والمؤمنين، فهو حقيقة فيه ومجاز فيهم.
стр. 42
وقال الشاعر:
ثِقَالُ الْجِفَانِ والُحُلُوِم رَحَاهُمْ ...
رَحَى الْمَاءِ يَكْتَالُونَ كَيْلاً عُذَمْذَمَا
فوصف الجفان بالثقل حقيقة، ووصف " الحُلوم " به مجاز، وقد نظمها بلفظ واحد، وقال آخر: وماءٍ آجِنِ اْلَجمَّاتِ قَفْرٍ،.
فذكر الماء " وأراده به " ومكانه، فقد يسمى مكان الماء ماء، والدلالة على أنه أرادهما أنه قد وصفه " بآجن الجمات " وذلك من صفة الماء نفسه، و " بقفر " وهو من صفة المكان، وقال ابن هرمة:
وَاْحُوتُ يَسْبَحُ في السَّمَا ...
ءِ كَسَبْحِهِ في ألمَاءِ
وهو بكل سبح عن معنى الحوت، والحوت السابح في السماء غير السابح في الماء.
وقالوا: القمران، للشمس والقمر، وذلك في الشمس مجازاً لا محالة،
فإن قيل: لإن ذلك لا يصح من حيث أن المتكلم به يكون مريداً استعمال اللفظ فيما وضع له، والعدول به عن الموضوع له في حالة واحدة، وذانك أمران متنافيان في المراد، وهذه عمدة من منع من جواز ذلك، قيل: إن ذلك إنما ينافي إذا وضع لفظ فاستعمل في معنى واحد على أنه منقول إليه عن غيره، ومستعمل في موضعه.
" أما إذا استعمل في أحد معنييه " لأعلى النقل بل على الوضع له، وفي الآخر على النقل إليه صح إرادتهما معاًَ.
стр. 43
ثم ليس من شرط المتكلم أن يخطر ببياله كيفيه وضع اللفظ من حقيقة ومجازٍ، وأيضاً: فما من لفظ مستعمل في شيئين: حقيقة فيهما أو مجازاً في أحدهما إلا ويجمعهما معنى عام لهما على طريقة من يراعي مناسبة الألفاظ، نحو أن يقال: اتق الأسد والحمار، ويعني " بالأسد ": الحيوان الجرئ، و " بالحمار ": الحيوان البليد، وذلك متناول للبهيمة والإنسان معاً، فيصح أن يرادا كما لو قال: الحيوان الجرئ والحيوان البليد.
ومما يحمل من القرآن على ذلك قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾، وذلك عام في الإنسان وغيره، وقد علم أن الإنسان يسبح بلسانه وفعاله، والجمادات ليست تسبح كذلك وقد قرئهما بلفظ واحد، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ قيل: عنى بذلك الغني بالكفاية والغني بالقناعة معاً، وأمثال ذلك في القرآن أكثر من أن تحصى ههنا.
ولمثل هذه المعاني المجتزعة فيه قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾، وعلى ذلك روي في الخبر " لكل حرف " ظهر وبطن، ولكل حرف حد ومطلع تنبيهاً على كثرة معلنيه المجتمعة تحت اللفظة بعد اللفظة ...
(فصل في إعجاز القرآن)
المعجزات التي أتى بها الأنبياء ﵈ ضربان: حسي وعقلي: فالحسي: ما يدرك بالبصر، كناقة صالح، وكوفان نوح، ونار إبراهيم وعصى موسى ﵈ والعقلي: ما يدرك بالبصيرة، كالإخبار عن الغيب تعريضاً وتصريحاً، والإتيان بحقائق العلوم التي حصلت عن غير تعلم، فأما الحسي: فيشترك في إدراكه العامة والخاصة، وهو أوقع عند طبقات العامة، وأخذ بمجامع قلوبهم، وأسرع لإدراكهم، إلا أنه لا يكاد يفرق - بين ما يكون معجزة في الحقيقة، وبين ما يكون كهانة أو شعبذة أو سحراً، أو سبباً اتفاقياً، أو مواطأة، أو احتيالاً هندسياً، أو تمويهاً وافتعالاً - إلا
стр. 44
ذو سعة في العلوم التي يعرف بها هذه الأشياء، وأما العقلي: فيختص بإدراكه كملة الخواص من ذوي العقول الراجحة، والإفهام الثاقبة، والروية المتناهية، الذين يغنيهم إدراك الحق.
وجعل تعالى أكثر معجزات بني إسرائيل حسياً لبلادتهم، وقلة بصيرتهم.
وأكثر معجزات هذه الأمة عقلياً لذكائهم وكمال افهمامهم التي صاروا بها كالأنبياء، ولذلك قال ﵊: " كَاَدتْ أُمَّتِي أن تَكُونَ أَنْبِيَاءَ ".
ولأن هذه الشريعة لما كانت باقية على وجه الدهر غير معرضة للنسخ، وكانت العقليات باقية غير مبتذلة، جعل أكثر معجزاتها مثلها باقية.
وما أتى به النبي ﷺ من معجزاته الحسية، كتسبيح الحصا في يده، ومكالمة الذئب له، ومجئ الشجرة إليه، فقد حواها وأحصاها أصحابه، وأما العقليات: فمن تفكر فيما أورده ﷺ من الحكم التي قصرت عن بعضها أفهام حكماء الأمم بأوجز عبارة، اطلع على أشياء عجيبة، ومما خصه الله تعالى به من المعجزات القرآن: وهو آية حسية عقلية صامتة ناطقة باقية على الدهر مبثوثة في الأرض، ولذلك قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾، ودعاهم ليلاً ونهاراً مع كونهم أولى بسطه في البيان إلى معارضته بنحو قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وفي موضع آخر: ﴿ادعوا من استطعتم﴾ وقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾.
فجعل عجزهم علماً للرسالة، فلو قدروا ما أقصروا، وبذلوا أرواحهم في إطفاء نوره وتوهين أمره، فلما رأيناهم تارة يقولون ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾، وتارة يقولون: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾، وترة يصفونه بأنه ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، وتارة يقولون: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ
стр. 45
جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، وترة يقولون: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ كل ذلك عجزاً عن الإتيان بمثله، علمنا قصورهم عنه، ومحال أن يقال: إنه عورض فلم ينقل، " فالنفوس " مهتزة لنقل مادق زجل، وقد رأينا كتباً كثيراً صنفت في الطعن على الإسلام قد نقلت وتدوولت.
وهذه الجملة المذكورة، وإن كانت دالة على كون القرآن معجزاً، فليس بمقنع إلا بتبيين فصلين: أحدهما: أن يبين ما الذي هو معجز: أهو اللفظ، أم المعنى، أم النظم؟ أم ثلاثتها؟ فإن كل كلام منظوم مشتمل على هذه الثلاثة.
والثاني: أن المعجز: هو ما كان نوعه غير داخل تحت الإمكان، كإحياء الموتى وإبداع الأجسام.
فأما ما كان نوعه مقدوراً، فمحله محل الأفضل، " وما كان من باب الأفضل " في النوع، فإنه لا يحسم نسبة ما دونه إليه.
وإن تباعدت النسبة حتى صارت جزءاً من ألف، فإن النجار الحاذق وإن لم يبلغ شأوه لا يكون معجزاً.
إذا استطاع غيره جنس فعله، فنقول وبالله التوفيق: إن الإعجاز " قد ذكر " في القرآن " على وجهين: أحدهما: إعجاز متعلق بفصاحة، والثاني: بصرف الناس عن معارضته: فأما الإعجاز المتعلق بالفصاحة: فليس يتعلق ذلك بعنصره الذي هو اللفظ والمعنى، وذلك أن الفاظه ألفاظهم، ولذلك قال تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، وقال: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ تنبيهاً على أن هذا الكتاب مركب من هذه الحروف التي هي مادة الكلام.
ولا يتعلق أيضاً بمعانيه، فإن كثيراًَ منها موجود في " الكتب المتقدمة " ولذلك قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾، وقال ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ وما هو معجز فيه من جهة المعنى، كالإخبار بالغيب فإعجازه ليس برجع إلى القرآن بما هو قرآن، بل هو لكونه خبراً بالغيب، وذلك سواء كونه النظم أو بغيره.
وسواء كان مورداً بالفارسية أو بالعربية أو بلغة أخرى أو بإشارة أو بعبارة.
فإذا بالنظم المخصوص صار القرآن قرآنا.
كما أنه بالنظم المخصوص صار الشعر شعراً، أو الخطبة خطبة.
стр. 46
فالنظم صورة القرآن، واللفظ والمعنى عنصره، وباختلاف الصور يختلف حكم الشيء واسمه لا بعنصره، كالخاتم والقرط والخلخال تختلف أحكامها وأسماؤها باختلاف صورها لا بعنصرها الذي هو الذهب والفضة، فإذا ثبت [هذا ثبت] أن الإعجاز المختص بالقرآن متعلق بالنظم المخصوص.
وبيان كونه معجزاًَ هو أن نبين نظم الكلام، ثم نبين أن هذا النظم مخالف لنظم سائره، فنقول: لتأليف الكلام خمس مراتب: الأولى: ضم حروف التهجي بعضها إلى بعض، حتى يتركب منها الكلمات الثلاث: الاسم والفعل والحرف.
والثانية: أن يؤلف بعض ذلك مع بعض حتى يتركب منها لجمل المفيدة، وهي النوع الذي يتداوله الناس جميعاً في مخاطباتهم، وقضاء حوائجهم، ويقال له: المنثور من الكلام، والثالثة: أن يضم بعض ذلك إلى بعض ضماً له مبادئ ومقاطع، ومداخل ومخارج، ويقال له المنظوم، والرابعة: أن يجعل له في أواخر الكلام مع ذلك تسجيع ويقال له: المسجع.
الخامسة: أن يجعل له مع ذلك وزن مخصوص، ويقال له الشعر.
وقد انتهى.
وبالحق صار كذلك: فإن الكلام إما منثور فقط، أو مع النثر نظم، أو مع النظم سجع، أو مع السجع وزن، والمنظوم: إما محاورة، ويقال لها: الخطابة، وإما مكاتبة، ويقال لها: الرسالة، وأنواع الكلام لا تخرج عن هذه الجملة.
ولكن من ذلك نظم مخصوص.
والقرآن حاو لمحاسن جميعه بنظم ليس هو نظم شيء منها بدلالة أنه لا يصح أن يقال: القرآن رسالة، أو خطابة، أو شعر، كما يصح أن يقال: هو كلام، ومن قرع سمعه فصل بينه وبين سائر النظم.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ تنبيهاً على أن تأليفه ليس [على] هيئة نظم يتعاطاه البشر، فيمكن أن يزاد فيه كحال الكتب الأخر،
فإن قيل: ولمَ لمْ يتبع نظم القرآن الوزن الذي هو الشعر، وقد علم أن للموزون من الكلام مرتبة أعلى من مرتبة المنظوم غير الموزون، إذ كل موزون منظوم وليس كل منظوم موزوناً؟ قيل: إنما جنب القرآن نظم الشعر ووزنه لخاصية في
стр. 47
الشعر منافية للحكمة الإلاهية، فإن القرآن هو مَقَرُّ الصدق، ومَعْدِنُ الحق.
وقصوى الشاعر تصوير الباطل في صورة الحق، وتجاوز الحد في المدح والذم دون استعمال الحق في تحري الصادق، حتى إن الشاعر لا يقول الصدق ولا يتحرى الحق إلا بالعرض.
ولهذا يقال: من كانت قوته الخيالية فيه أكثر كان على قرض الشعر أقدر، ومن كانت قوته العاقلة فيه أكثر فيه كان في قرضه أقصر.
ولأجل كون الشعر مقر الكذب، نزه الله نبيه ﵊ عنه لما كان مرشحاً لصدق المقال، وواسطة بين الله وبين العباد، فقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾، فنفى ابتغاءه له.
وقال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ أي: ليس بقول كاذب.
ولم يعن أن ذلك ليس بشعر، فإن وزن الشعر أهر من أن يشتبه عليهم حتى يحتاج إلى أن ينفي عنه.
ولأجل شهرة الشعر بالكذب، سمي أصحاب البراهين الأقسية المؤدية في أكثر الأمر إلى البطلان والكذب شعري، وما وقع في القرآن من الألفاظ متزنة، فذلك بحسب ما يقع في الكلام على سبيل العرض بالانفاق، وقد تكلم الناس فيه.
وأما الإعجاز المتعلق بصرف الناس عن معارضته، فظاهر أيضاً إذا اعتبر، وذلك أنه ما من صناعة ولا فعله من الأفعال محمودة كانت أو مذمومة، إلا وبينها وبين قوم مناسبات خفية، واتفاقات الإهية بدلالة أن الواحد فالواحد يؤثر حرفة من الحرف فينشرح صدره بملابستها، وتطيعه قواه في مزاولتها فيقبلها باتساع قلب، ويتعاطاها بانشراح صدر.
وقد تضمن ذلك قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، وقول النبي ﷺ : " أعْملُوا فَكُلَّ مَّيَسًّر لما خلُقِ لَهُ "، فلما رؤي أهل البلاغة والخطابة الذين يهيمون في كل واد من المعاني بسلاطة ألسنتهم، وقد دعا الله جماعتهم إلى معارضة القرآن وأعجزهم عن الإتيان بمثله، وليس تهتز غرائزهم البتة للتصدي لمعارضته لم يخف على ذي لب أن صارفا إلهياً يصرفهم عن ذلك وأي إعجاز أعظم من أن تكون كافة البلغاء مُخيرةً في الظاهر أن يعارضوه، ومُجْبَرةً في الباطن عن ذلك.
وما أليقهم بإنشاد ما قال أبو تمام:
فَإِنْ نَكُ أَهّمَلْنَا فَأَضْعِفْ بِسَعْينَا ...
وإَن نَكُ أُجْبِرنْاَ فَفيِم نُتَعْتِعُ
والله ولي التوفيق [والعصمة]
стр. 48
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال بعض العلماء إنما قال " بسم الله " ولم يقل " الله " لأنه لما استحب الاستعانة بالله تعالى في كل أمر يفتتح به من قراءة وغيرها، فبعضهم - يذكره - بقلبه، وبعضهم يزيد عليه ويقوله بلسانه ويكون أبلغ - و " ذكر الله مستعمل في كل ذلك " - وألفاظ الاستعانة نحو " أستعين بالله " و " اللهم أعني " ونحو ذلك كثير، فصار لفظة " بسم الله " مستغني به عن جميعها وقائماُ مقامها، ولو قال " بالله " (لكان يقتضي الاستعانة) بهذه اللفظة فقط و " اسم - ههنا - موضوع موضع المصدر، أي: التسمية، نحو قوله: وبَعَدَ عَطَائِكَ المْائَةَ الرَّتَاعاَ
أي: إعطائك، وكما وضع " السلام " موضع " التسليم ".
وذكر أبو عبيدة أن قوله " بسم الله " معناه: الله - والاسم زيادة - واحتج بقول الشاعر:
إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمَ السَّلاّمِ عَلَيْكُمَا ...
وَمَنْ يَبْكِ حَوْلاً كَامِلاً فَقَدِ اعْتَذَرَ.
وإنما المعنى أن القائل إذا قال " الله أبتدى " فمعناه: بهذا الاسم.
وإذا قال: " بسم الله " فإن المقصود به " المسمى " فصار قول القائل " أفتتح باسم الله " يفيد فائدة أفتتح الله.
وما ذكر من الخلاف في أن " الأسم " هل هو " المسمى "؟ أو " غيره ".
فقولان قالواهما بنظرين مختلفين، وكلاهما صحيح بنظر ونظر، وذاك أن من قال: الاسم الذي هو زيد أو عمرو، هو المسى، فإنما نظر إلى نحو قولهم: " رأيت زيداً "، و " زيد رجل فاضل "، فإن " زيداً " - ههنا - عبارة عن المسمى، والرؤية تعلقت به، ومن قال: هو - غير المسمى، فإنه نظر إلى [نحو]- " قولهم ": سميت ابني زيداً و " زيد اسم حسن "، وإنما عنى: أني سميت: بهذا اللفظ الذي هو " ز ي د " وأن هذا محكوم عليه بالحسن.
فإذا - قولك: زيد حسن لفظ مشترك يصح أن يعني به أن هذا اللفظ حسن وأن يعني به أن المسمى به حسن، ونحو هذا الاشتباه في قولك: هذا إنسان، فإنه يستعمل على ضربين أحدهما
стр. 49
أن يختلف أو يشك في اسمه، فيقال: هذه إنسان أي اسمه إنسان، والثاني: أن يختلف أو يشك في جوهره، فيقال هذا إنسان أي جوهرة الإنسانية، وكثير من المواضع مثل هذا يقع فيه المغالطة، وأما تصور من قال: لو كان الاسم هو المسمى، لكان من قال: " النار " أحرقت فمه، فهذا تصور بعيد.
فإن عاقلاً لا يقول: إن هذه الحروف التي هي " ز ي د " هو الشخص.
واشتقاق " اسم ": قيل هو من " وسمت "، لأن الاسم علامة للمسمى، وهذا وإن كان من حيث المعنى يصح، فتصريف الكلمة يبطله، نحو سميت، والتسمية، أو والمسمى، ولأن ألف الوصل لا يدخل فيما حذف فاؤه نحو: " عِدَّةٌ " و " زِنَةٌ "، والضحيح: أن اصله من " السمو "، لأن الاسم شعار للمسمى ورفعه له.
وأصله: سمو، كعضو، وحنو، أو سمو، كجبل وزجمل، لقولهم في الجمع: أسماء، وقد كثر " أفعال " في جميع هذين البنائين، ولا يُجْعَلُ فُعْلاً " كتُرْسٍ " و " أتراس "، لأن باب " فُعْل " لم يمثر فيما آخره واو استثقالاً، وأما قول الشاعر:
بِاسْمِ الَّذِي في كُلَّ سُورَةٍ سمِهُ
فقد قيل إنما ضم اتباعاً لما بعده، ولو كان الميم مكسوراً لم يجز في السين الضمة، فأما لفظة: الله، فيجب أن يعلم أن اسماء الله تعالى كلها مشتقة باتفاق أهل اللغة إلا لفظة الله، فإنه مختلف فيها: فبعضهم جعلها كالعلم مستدلاً بأنه يوصف ولا يوصف به كالأسماء الأعلام، ويقوي ذلك إنه يقال بالتنوين - إلاهاً - ولأنه قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، ويعني به " الله ".
وآخرون قالوا هو مشتق، ثم اختلف بعد ذلك فيها:
فقيل: اصله " إلاه " مصدر من " اله " " يأله " أي: عبد فسمي به كقولهم في صفاته تعالى: " السلام " وهو في الأصل مصدر وزسموا الشمس " إلهة " لعبادتهم لها.
ولذلك نهاهم الله تعالى
стр. 50
بقوله: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾، وسموا الأصنام آلهة لذلك، وأصله: إلاه، فحذفوا همزته، وجعلوا الألف واللام عوضاً منها، ولكونهما عوضاً استجيز قطع الهمزة الموصولة، وإدخال حرف النداء عليه في قولهم: " يالله " وقال سيبويه - في موضع: أصله: لاه، على " فَعْل " من لاه - يلوه لياهاً، أي: احتجب، قالوا: وذلك إشارة إلى ما قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾، وقيل: من أله: إذا فزع، وألهه: أي: أجارهُ وأمَّنَهُ.
وإلا له اسم المفزوع إليه كالإمام لمن يؤتم به. وقيل هو من أله يأله، إذا تحير، وكأنه عنى ذلك أمير المؤمنين ﷺ ، بقوله: " كَلَّ دونَ صفاته تحبيرُ اللغات وضل فيما هناك تصاريف والصفات "، ومنع قيل في صفة المفازة: والعاتية تأله العينُ وَسْطَهَا " وقيل: أصله: ولاه، من وَلِهَ يَوْلهُ " فقلب الواو همزة، فيكون الإله اسماً لما يُؤْلَهُ نحوه.
فمن الناس من قال: إن ذلك قيل لأن الأشياء تأله نحوه إما تسخيراً، وإما أرادة وقصداً، كما أنه يُسَبَّحُ له لذلك.
وعلى هذا قال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ وذلك إما تسخيراً وإما إراداة ومنهم من قال ذلك مختص بالعقول التي فطرها الله تعالى وأشار إليها بقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، لأن العقول بفطرتها دالة على وحدانية ومُنْبِئّةٌ عن وجوب شكره ما لم يدسها صاحبها كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، ومنهم من قال: ذلك مختص بالأحوال التي ينقطع الإنسان عن غيره، فيقصده بفكره، وإليه أشار بقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُون﴾، ومنهم من قال: مختص بالعباد المخلصين والعبادة عنه بذلك كالعبادة عنه بالمحبوب، والمراد المشار إليها بقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وبقوله: ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، وقد أطلق بعض الأولياء وبعض القدماء عليه تعالى لفظ المعشوق، والمشوق، إلا أن كرهه أهل العلم لأمرين: عدم التوقيف فيه، وكون العشق في هذه اللغة متعارفاً في اللذات البدنية ...
стр. 51
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: الرحمة - في اللغة - رقة مقتضية للتعطف والتفضل، فمبدأها الرقة التي هي انفعال، ومنتهاها: العطف والتفضل الذي هو فعل.
فالإنسان إذا وصف بالرحمة، فتارة يراد به حصول المبدأ الذي هو الرقة، وتارة يراد به المنتهى الذي هو التفضل والعطف، وتارة يرادان معاً، وإذا وصف بها الباري، فليس يراد به إلا المنتهى الذي هو الفعل دون المبدأ الذي هو الانفعال، إذ هو منزه عن الانفعالات وعن كل نقص تعالى الله عن ذلك، " الرؤف " فإن الرأفة انعصار القلب عن مشاهدة شدة مقتضية للإغاثة، فمتى وصف به الإنسان صح أن يراد به المبدأ الذي هو انعصار القلب.
وإذا وصف به الباري، فليس يراد به إلا الغاية التي هو الإغاثة، وعلى ذلك الجود فإنهه اختصاص بخلق مقتض لأن لا يدخر عن المحتاج ما ينتفع به عليماً يجب ومتى وصف به الباري تعالى فالمراد به النهاية التي هي ترك الإدخار دون الاختصاص بالخلق.
وهذا التفسير - أغنى في " الرحمة " - هو على ما روي عن التابعين، حيث قالوا " الرحمة من الله إنعام وإفضال، ومن الآدميين: رقة وتعطف ".
وهذه الطريقة أظهر وأبين.
وأشبه بنظر السلف، من نظر من تخبط في تفسير ذلك زاعماً أن الوصف لا يختلف معانيه باختلاف الموصوفين، وذلك أن فاعل ذلك لم يتصور أنه قد يكون بين مبدأ المعنى ومنتهاه بون بعيد.
فإن قولنا " العالم " وإن كان موضوعه للمدح، فإن مبدأ، أن يتخصص الموصوف به بمعلومات ما يخرج بها عن حد الجهالة، ووسطه: أن يحصل له معلومات كثيرة تفوق بها أكثر العلماء، وغايته: أن يحيط بجميع المعلومات بحيث لا يخفي عليه شيء، ولا يدركه سهو ولا غفلة ولا نسيان.
ومعلوم أن المبدأ لأكثر الخلائق، ووسطه ليس إلا للخصائص، ومن الأنبياء والحكماء، وغايته: ليس إلا لله تعالى: وذلك ظاهر ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ فأما لفظة ﴿الرَّحْمَنِ﴾ فليس يطلق إلا لله كلفظة الله، فإنهما اسمان اختص بهما الباري جل وعز باتفاق، ولأجل ذلك قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ فالرحمن هو الذي كثرت رحمته وتكررت ووسعت كل شيء ولذلك فسر بأنه الذي يكون منه تعطف بعد تعطف وتفضل.
وأما ﴿الرَّحِيمِ﴾، فقد
стр. 52
يوصف به غيره إذا كان معناه: الذي كثرت رحمته، وعلى ذلك: " نديم " و " ندمان "، فإن " النديم ": هو الذي كثرت منادمته.
و" النُّدْمَانُ ": هو الذي مع كثرة ذلك منه تكررت عنه، ولذلك قال أهل اللغة: " ندمان " أبلغ من " نديم "، ولفظهما يدل على ذلك، فإن العرب إذا أرادوا زيادة معنى زادوا في اللفظ في الأمر العام، كأنما يحاكي باللفظ المعنى، نحو " قَطَعَ " و " قَطَّعَ "، و " كُبَار " و " كُبَّار "، و " أحمر: و " احمار "، وذلك فصل قد أحكم في غير هذا الموضع،
فإن قيل: ما الفائدة في الجمع بينهما مع أن " الرحمن " يقتضي معنى " الرحيم " إذ هو أبلغ منه؟ قيل: إنه تعالى لما خلق الدارين وكان في دار الدنيا منعماً على المؤمن والكاففر: واختص رحمته بالمؤمنين في الآخرة - ولذلك قيل: رحمن الدنيا، ورحيم الآخرة، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ جمع بين الوصفين، وأما ذكر " الرحيم " بعد " الرحمن " فذكر خصوص بعد عموم.
وروى عن عطاء أنه قال: كأن الله أختص بالرحمن، فلما تسمى بذلك بعض الكفار قال: " الرحمن الرحيم ": إذ كان الاسمان معاً لم وصف غير الله به بوجه.
وقدم ذكر " الله " إذ هو أخص الأسماء.
و" الرحم " و " الرحمة " مشتق بعضها من بعض، وقد دل على ذلك قوله ﵇: (لما خلق الله الرحم، قال: أنا الرحمن، وأنت الرحم، شقتت لك اسماً من اسمي، فو عزتي وجلالي لأصلن من وصلك، ولأقطعن من قطعك).
ومعنى ذلك أن الله تعالى لما جعل بين نفسه وبين عباده سبباً، فهو كما أنه كتب على نفسه الرحمة لعباده، وأوجب عليهم من مقابلتها شكر نعمته لما كان هو السبب الأول في وجودهم وخلق قواهم وقدرهم وسائر خيراتهم، كذا أيضاً (جعل) بين ذوي اللُّحْمَةِ بعضهم مع بعض سبباً أوجب به على الأعلى التوقر على الأدون، وعلى الأدون توقير الأعلى، فصار بين " الرحم " و " الرحمة " والرحمة مناسبة معنوية، كما أن بينهما نسبة لفظية، ولهذا عظم شكر الوالدين، فقرنه بشكره في قوله تعالى: ﴿اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ تنبيهاً أنهما السبب الأخير في وجود الولد، كما أن الله تعالى السبب الأول في وجود كل موجود.
стр. 53
(سورة الفاتحة)
قوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الآية (٢) سورة الفاتحة.
الحمد: هو الثناء بالفضيلة.
والشكر: مقابلة النعمة قولاً وعملاً.
ولما كانت النعمة لا تخرج من كونها فضيلة، صار الحمد منطوياً على معنى الشكر، فكل ذكر حمد، وليس كلُّ حَمْدٍ شكراً.
ولكون الحمد أعم قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما: طالحمد هو الشكر لله والاستخذاء والإقرار بنعمه "، وقال ﵇ " الُحَمُد رَاْسُ الشُْكِرْ، ومَاَ شَكَر الله عَبْدَ لَمْ يَحْمَدْهُ "، ولذلك قيل: الحمد لله شكراً ولم يقل: شكرت الله حمداً، ولكون الشمر بالفعل كما يكون بالقول، قيل: دابة شكور، إذا ظهر سمنها بأدنى علف لها، وقال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾.
وأما الفرق بين " الحمد و " المدح ": فالحمد أخص، إذ لا يستحق إلا بالفعل الاختياري، والمدح قد يستحق بما يكون من قبل الله تعالى، يقال: فلان ممدوح على جوده ومحمود.
وممدوح على حسنه، ولا يقال محمود.
والمدح: أكثر ما يقال في الأشياء النافعة التي لم تبلغ الغاية، كالثروة والجلادة، والجود، والحمد يقال في ذلك، وفيما فوقه، فيقال: الجود محمود.
والله تعالى محمود.
وقل ما يقال: الله ممدوح.
ودخول الألف واللام في " الحمد " للجنس، تنبيهاً أن الحمد كله في الحقيقة لا يستحق سواه، وإن كل حمد لغيره فهو عارية له.
والله تعالى هو المستحق له في الحقيقة، إذ هو سبب كل نعمة وخير، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾،
إن قيل: لِمَ لَمْ يَقُلْ: الحمد لي؟ قيل: لأن ذلك تعليم منه لعباده، كأنه قال:
قولوا: بسم الله، الحمد لله، بدلالة قوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾
стр. 54
وقيل: إن ذلك كقول الرجل لابنه: الْحَمْدُ في كذا لأبيك، فيأتي بلفظ الغائب ليكون أبلغ.
وقيل: إن " قل " غير مقدر في هذا الموضع، لأن الله حمد نفسه ليقتدي به، في حمده، بدلالة ما روي عن النبي ﷺ : " ليس شيء أحب إلى الله من الحمد، أثنى على نفسه فقال: " الحمد لله "، ولأن أرفع حمد ما كان من أرفع حامد وأعرفهم بالمحمود وأقدرهم على إيفاء حقه في الحمد، وما حامد أرفع منه وأعرف بذاته وأقدر على حمده منه تعالى، كما لا محمود أرفع منه وأعلى، وقال بعضهم: كل ثناء أثنى الله على نفسه، فهو في الحقيقة إظهاره بفعله.
فحمده لنفسه: هو بث آلائه، وإظهار نعمائه بمحكمات أفعاله المقتضية لحمده.
فكأن قوله: " الحمد لله " - تقديره: الحمد لله ظاهر بآلائه، وعلى ذلك قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾، فإن شهادته لنفسه إيجاده الأشياء دالة على وحدانيته ناطقة بالشهادة له.
وعلى هذا قال ذو النون: لما شهد الله لنفسه، أنطق كل شيء بشهادته:
فَفيِ كُلَّ شَيَءٍ لهُ شَاهِدً ...
يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
وعلى ذلك قوله تعالى:
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾، وقوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
إن قيل: استحسن حمده لنفسه وقد علم في الشاهد استقباح حمد الإنسان نفسه حتى قيل لحكيم:
ما الذي لا يحسن وإن كان حقاً؟ فقال: مدح الرجل نفسه؟! قيل: إنما قبح ذلك من الإنسان، لأنه ما من أحد إلا والنقص فيه ظاهر، ولو لم يكن إلا في كون أثر الصنعة عليه وحاجته إلى الكمال، ومن خفي عليه نقصه، فقد خدع عنه عقله.
ثم مدح الإنسان نفسه ليس بقبيح على الإطلاق، فإن ذلك مستحسن عند تنبيه المخاطب على ما خفي عليه من حال المخاطب، كقول عالم يحث المتعلم على الأخذ عنه: اسمع مني فإنك لا تجد فيه مثلي.
وعلى ذلك قول يوسف ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾
стр. 55
إن قيل: " الحمد لله " خبر.
ويقتضي مخبراً.
فما الفائدة في إيراده في الخلوات؟ قيل: أما في القرآن.
فلما ندب الله تعالى إلى تلاوته.
وأما في غيره.
فلئى ينفك من حمده في شيء من الأحوال، كما لا ينفك من نعمه اعترافاً له بها، فكأنه هو المخبر.
قوله :
﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الآية: (٢) سورة الفاتحة
الرب - في الأصل - التربية: يقال: رَبَّهُ ورَبَّاهُ، فسُمي الرابُّ رباً لزيادة معنى تُصوُرَّ منه [لرحمته] ومنه قيل:
" لأن يَرُبُّني رجُل من قريش أحبُّ إلي من أن يَرُبُّني رجل من هوازن " فـ " رب العالمين ": هو المتكفل بمصلحتهم، ولا يقال: " الرب " - مطلقاً بالألف واللام - إلا الله تعالى.
وتسميتهم إياه بذلك للنظر إلى آلائه.
قال بعض المحققين - في الفرق بين قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ قال: حيث خاطب الناس كافة حثهم على اتقائه برؤية آلائه، لاشتراكهم كلهم في معرفتها وتصورهم إياها.
وحيث خاطب المؤمنين حثهم على اتقائه بلا واسطة.
و" العالم ": اسم للفلك وما يحويه، وجميع ما فيه من الجواهر والأعراض.
وهو في الأصل:: اسم لما يعلم به.
و" فاعل ": كثيراً ما يجئ في اسم الآلة التي فعل بها الشيء كـ " الطابع " و " الخاتم " و " القالب ".
فجعل بناؤه على هذه الصيغة لكونه كالآلة في الدلالة وعلى صانعه.
وأما جمعه، فقد قيل لأن الله تعالى بضعة عشرين عالماً.
ولما كان في جملاتها الناس جمع جمعهم إذ من شأن الإنسان - إذا شارك غيره في اللفظ - أن يكون الحكم في اللفظ له.
وقيل: لأنه عنى به أصناف الخلائق من الملائكة والجن والإنس دون غيرها - وإليه ذهب ابن عباس ومجاهد -[﵄]، وقيل: عنى به الناس وجعل كل واحد منهم عالماً - قال ذلك جعفر بن محمد، قال: العالمُ عالَماَن، عالم كبير، وهو الفلك بما فيه، وعالم صغير، وهو الإنسان.
стр. 56
وقال: سمَّى كُلُّ إنسان عالماًَ، لأن فيه جواهر العالم الأكبر من الأخلاط الأربعة، ولأن لحمه كالأرض الرخوة، وعظامه كالجبال، ودمه الجاري في العروق كالمياه في الأنهار، ونفسه كالريح، وشعره كالنبات.
وفيه من الملك: العقل، ومن البهائم: الشهوة، ومن النبات: النمو والتغذي.
قال: فصار عالماً يعلم به وحدانيته صانعه كما يُعْلَمُ بالعالم الكبير.
ولذلك قال تعالى:
﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، وقال ﵇: " أعلمكم بنفسه أعلمكم بربه "، وقيل - فيما أنزل الله في السفر الأول:: من عرف نفسه فقد عرف ربه " وإلى نحو ذلك أشار بقوله : ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ﴾ تنبيهاً أنهم لو تفكروا في أنفسهم لما خفي معرفته عليهم.
وقال المفضل بن سلمة العرب تقول: " العالمين " - بالياء - في موضع النصب والرفع والجر، إلا قوماً من كنانة يقولون: " اللذون " قال: ويدل على ذلك أن " فاعل " لم يجمع السلامة قال: وعلى ذلك " الأقورين " و " الفتكرين " و " البرجين "، وذكر أن من قال: العالمون، فقد وقع عليه السهو حيث لم يجد ذلك في موضع الرفع، كما وجد الذين في موضع رفع، وذكر المبرد أن هذا سهو من قائله، لأنه رأى ذلك في القآن إما خفضاً أو نصباً.
قوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ الآية: (٤) سورة الفاتحة.
قيل: الملك الذي يملك الأمر والنهي في الجمهور، وإنما شرط الجمهور لأن كل إنسان يملك ذلك في نفسه وما يختص به، ثم يقال له: ملك، وهذا إنما قاله بالنظر العامي وأما بالنظر الخاصي، فهو
стр. 57
في الحقيقة اسم لمن يملك السياسة من نفسه أو منها أو من غيرها، ومالك ذلك من نفسه أجل ملك وأكبر سلطان ولذلك قيل لحكيم: ما الملك الأعظم؟ فقال: أن يغلب الإنسان شهواته، بل لهذا قال ﵇ لمن سأله أي الأعمال أشدُّ؟ فقال: " جهادُكّ هَواَكَ "، وقال: " رَجَعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر "، وحجة من قرأ ملك قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ والملك: مصدر " الملك " لا " المالك ".
وأما " المالك ": فهو الضابط للشيء المتصرف فيه بالحكم، ومنه " ملكت العجين ".
و" الوكيل ": وإن كان ضابطاً للشيء متصرفاً فيه - فإنه لا يقال له: " مالك " لما كانت يده يد غيره.
ويقال للصبي والمعتوه: " مالك " لما كان ذلك لهما حكماً وإن لم يكن لهما فعلاً.
وحجة قارئه قوله ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾، فجعل الملك مملوكاً.
وقال ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾، وقوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾.
فإن قيل: أيهما أبلغ؟ قيل: قال بعضهم: " مالك " أبلغ، لأنه يقال: مالك الدراهم والحيوانات والريح، ولا يقال ملكها.
وقيل: " الملك " أبلغ، لأنه لا يمكن إلا مع تعظيم.
وهما مختلفان في الحقيقة.
فإن الملك: هو المتصرف بالأمر والنهي في المأمورين.
والمالك: هو المتصرف في الأعيان المملوكة على أي وجه كان.
فإن قيل: على أي وجه أضيف إلى اليوم؟ قيل: أما " ملك "، فعلى حد: يا سارق الليلة أهل الدار.
في أنه اتسع للظرف.
فجعله مفعولاً به، وأما " مالك " فمضاف إلى المفعول به.
لأنه تعالى هو موجده وضابطه.
وإذا أضيف إلى " الوقت " غير الله تعالى فيقال: فلان مالك يوم كذا.
فإنما هو على تجوز إذ كان حقيقة اليوم والوقت ليس بملك لغيره.
وأما اختصاص ذلك اليوم مع كونه في الحقيقة مالكاً لجميع الأشياء، وفي جميع الأزمنة - لأمرين: أحدهما: أنه قد ملك في الدنيا قوماً أشياء يبطل عنها ملكهم لها يوم القيامة، ولذلك قال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، وقال: ﴿نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾، وقال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾
стр. 58
والثاني على وجه التعظيم، لأنهم يجعلون ما يستعظمونه ملكاً له نحو: بيت الله وناقة الله وتعظيم إياه على وجه أن اليوم الآخر لا انقضاء له ولا فناء، وجميع ما في الدنيا فإن، وقد علم أن الباقي أشرف من الفاني، فأما الدين فالجزاء، كقوله: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾، وقيل: الدين عبارو عن الشريعة كقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، ومعناه يوم جزاء الدين، ومثل: الدين الطاعة، أي يوم جزاء الطاعة وخص الطاعة وإن كانت المجازاة عنها وعن المعصية لأمرين أحدهما إن كل أحد بطبعه في ذلك اليوم ولذلك قال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ والثاني: أن الطاعة هي المقصودة بالجزاء ولأجلها خلقنا وعلى ذلك ذل قوله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وقرئ " مالك " - بالنصب - فقيل: هو نداء - فعلى هذا يقع في اللفظ عدول عن الخبر إلى الخطاب به.
وقيل: نصبه على المدح والعدول عن الخير إلى الخطاب حينئذ، يكون في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾
قوله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ الآية (٥) - سورة الفاتحة.
قال بعض النحويين: " إياك " كله اسم واحد.
وقال بعضهم: " الكاف " هو الاسم.
و" أياً ": وصلة له.
وهذان لا تنافي بينهما في الحقيقة، لأن ذلك بنظرين مختلفين، وذاك أن الضمير المتصل إذا قدم أو فصل بينه وبين المتصل به لا يحسن النطق به مفرداً، فضم إليه: " إيا " ليصير بذلك كلاماً مستقلاً.
فمن قال: الضمير هو الكاف، فإنما اعتبر بذلك بعد انضمام " إيا " إلى الضمير.
والعرب كما أنهم يتحرون بالحروف المركبة إفادة المعنى، فقد يأتون ببعضها تهذيباً للفظ وتحسيناً له، بدلالة إدخالهم الحروف بين الحرفين المتنافرين في
стр. 59
التركيب، لئلا يقبح التفوه بهما.
وذلك قد أشبع الكلام فيه في غير هذا الكتاب.
" فـ إيا ": جعل وصلة لتحسين اللفظ بالضمير إذا قدم لما لم يحسن أن يقال: ل ألزمت.
وهُ ضربت كما أتوا بـ " ذي " لما أرادوا للوصف باسم الجنس في نحو قولهم: " مررت برجل ذي مال ".
وأتى بـ " الذي " لما أريد أن توصف بالمعرفة بالجمل.
وعلى ذلك لأتى " مثل " مع " الكاف " في نحو كمثله شيء لما لم يحسن إدخال الكاف على الضمير، فيقال: كَكَ، وكَهُ.
و" العبادة ": التذلل، ومنه: طريق معبد.
وفي المتعارف.
الاشتغال بالخدمة، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾
والعبد على ضربين: عبد بالإيجاد والتسخير: وذلك يطلق على كل أحد، وإياه عنى بقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ وعبد على طريق التخصيص وذلك قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ واستثناهم إبليس بقوله ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ وقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾.
فعلى الثاني: يصح أن يقال: فلان ليس عبداً.
وعلى هذا قيل: فلان عبد الهوى، وعبد الشهوة، وعبد الطاغوت، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ وعلى ذلك قال ﵇: " تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم "، والاستعانة: طلب المعونة، وهي ضربان: ضروري في الأمر وغير ضروري: فالضروري: ما لا يتم إيجاد الفعل من دونه، وبوجوده يوصف الإنسان بالاستطاعة للفعل.
وبعدمه يوصف بالعجز عنه، وهي بالقول المجمل أربعة: بنية صحيحة للفاعل وتصوره للفعل، وتأتي مادة له، وآلة يعمل بها، وذلك متصور في الكاتب، فإنه يحتاج إلى بنية صحيحة، وهي العضو: وإلى تصور لها وهو: المعرفة.
وإلة آلات كالدواة والقلم، وإلى مادة توجد الفعل فيها، وهو الكاغد.
وغير ضروري: وهو ما يصح إيجاد الفعل من دونه، لكن ربما يكون فيه الصعوبة، كمن يقصد مكاناً بعيداً فيعيره صديق له مركوباً، فيسهل عليه طريقه، فغير الضروري لا يمكن حصره.
ويصح التكليف من دون وجوده، وهو المعبر عنه بالتوفيق والتسهيل، وتسميه العامة: سعادة الجد، وجودة البخت.
وفي تيسيره ودفع ضده يستعمل في كثير من
стр. 60
الأدعية.
فإذا ثبت هذه الجملة.
فالاستعانة بالله: طلب الأمرين.
فبحصول الضروريات من المعاون يتوصل إلى اكتساب الثواب، وبحصول غير الضروريات منها يتسهل علينا السلوك إليها.
إن قيل: كيف قال: " إياك " نعبد ولو قال: " نعبدك " كان أوجز منه لفظاً؟ قيل: إن عادتهم أن يقدموا من الفاعل والمفعول ما القصد الأول إليه، والاهتمام متوجه نحوه، وإن كان في ذكر الجملة القصدان جميعاً.
تقول: بالأمير استخف الجند - إذا كان القصد الأول ذكر من وقع به استخفاف الجند - و " الأمير أستخف بالجند - إذا كان القصد الأول إلى من أقدم على الاستخفاف بهم.
ولما كان القصد الأول - في هذا الموضع - ذكر المعبود دون الإخبار عن إتخاذ عبادتهم، كان تقديم ذكره أولى.
وعلى هذا قوله تعالى:
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ وأيضاً، ففي ذكر المفعول إشارة إلى إثبات الحكم المذكور ونفيه عن غيره تقول: إليك أفزع تنبيهاً أني لا أفزع إلا إليك.
وإذا قال: أفزع إليك، فليس فيه المعنى وعلى هذا فسر ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما فقال: معناه: لا نوجد غيرك وقال بعضهم: إنما نبه تعالى بتقديم ذكر أن تكون نظر العباد من المعبود إلى عبادتهم له لا من العبادة إلى المعبود، وعلى ذلك فضل ما حكي الله عن نبينا ﵇ إذ قال: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ فنظر من الله تعالى إلى نفسه على ما حكى عن موسى ﵇ حين قال: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ فقدم ذكر نفسه، ونظر منها إلى ربه
إن قيل: لم كرر إياك؟.
قيل لأنه لو قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، لكان يصح أن يعتقد أن الاستعانة بغيره، وكان إعادته أبلغ.
إن قيل: لم قدم العبادة على الاستعانة، وحق الاستعانة أن تكون مقدمة، إذ لا سبيل إلى عبادته إلا بمعونته؟ قيل: قد قالوا: هو على التقديم والتأخير.
وقيل: الواو لا تقتضي الترتيب.
والوجه - في ذلك - أن الله تعالى علم خلقه بذلك أن يقدموا حقه ثم يسألوه ليمونوا مستحقين للإجابة.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: في موضع الحال، نحو قول الشاعر:
بَأَيْدِيّ رِجَالٍ لَمْ يشُيِمُوا سُيُوفَهُمْ ...
ولم يكْثُر الْقَتْلَى بِهَا حِينَ سُلَّتِ.
стр. 61
فقوله: " ولم يكثر القتلى بها " في موضع الحال.
قوله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: الآية (٦) - سورة الفاتحة.
الهداية: دلالة بلطف، ومنه الهدية، وهوادي الوحش متقدماتها، لكونها هادية لسائرها، وخص ما كان دلالة بفعلت نحو: هديته الطريق، وما كان من الإعطاء ب " أفْعَلْتُ " نحو: أهديت الهدية "، و " أهديت إلى البيت "، ولما تصور العروس على وجهين، قيل فيه: هديت وأهديت،
فإن قيل: كيف جعلت الهدى دلالة بلطف، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾، وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾؟ قيل: إن ذلك على حسب استعمالهم اللفظ على التهكم كما قال:
وَخَيْلٌ قَدْ دَلَفْتُ لَهُ بِخَيْلٍ ...
تَحِيُةُ بَيْنِهِمْ ضرَبٌ وَجيِعُ
والهداية: هي الإرشاد إلى الخيرات قولاً وفعلاً، وهي من الله تعالى على منازل بغضها يترتب على بعض، لا يصح حصول الثاني إلا بعد الأول، ولا الثالث إلا بعد الثاني، فأول المنازل: إعطاؤه العبد القوي التي بها يهتدي إلى مصالحه، إما تسخيراً، وإما طوعاً، كالمشاععر الخمسة، والقوى الفكرية، وبعض ذلك أعطاه الحيوانات، وبعضه خص به الإنسان.
وعلى ذلك دل قوله تعالى: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾، وهذه الهداية إما تسخير وإما تعليم، وإلى نحوه أشار بقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ وقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾، وقال في الإنسان بما أعطاه من العقل وعرفه من
стр. 62
الرشد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ وقال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ وقال في ثمود: ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ وثانيها: الهداية بالدعاء وبعثة الأنبياء ﵈ وإياها عنى بقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ وبقوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ وهذه الهداية تنسب تارة إلى الله وتارة إلى النبي ﵇ وتارة إلى القرآن قال تعالى ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ وثالثها: هداية يوليها صالحي عباده بما اكتسبوه من الخيرات.
وهي الهداية المذكورة في قوله ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾، وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، وقوله ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، وهذه الهداية هي المعنية بقوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾، ويصح أن ننسب هذه الهداية إلى الله فيقال: هو آثرهم بها من حيث أنه هو السبب في وصولهم إليها، ويصح أن يقال: اكتسبوها من حيث أنهم توصلوا إليها باجتهادهم، فمن قصد سلطاناً مسترفداً فأعطاه، يصح أن يقال إن السلطان خوله، ويصح أن يقال: " فلان اكتسبه بسعيه "، ولانطواء ذلك على الأمرين قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾، فنبه أن ذلك بجهدهم وبفضله جميعاً، وهذه الهداية يصح أن يقال هي مباحة للعقلاء كلهم، ويصح أن يقال: هي مباحة للعقلاء كلهم، ويصح أن يقال هي مجظورة إلا على أوليائه لما كان في إمكان جميع العقلاء أن يترشحوا لتناولها ومن قبل أنها لا يسهل تناولها قبل أن يتشكل الإنسان بشكل مخصوص بتقديم عبادات، وقد قال بعض المحققين: الهدى من الله كثير، ولا يبصره إلا البصير ولا يعمل به إلا اليسير، ألا ترى إلى نجوم السماء ما أكثرها، ولا يهتدي بها إلا العماء، وقال بعض
стр. 63
الأولياء: إن مثل هداية الله مع الناس كمثل سيل مر على قلات وغداير، فيتناول كل قلت منها بقدر سعته، ثم قال قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾، وقال بعضهم: هي كمطر أتى على أرضين، فتنتفع كل أرض بقدر ترشيحها للانتفاع به، والمنزلة الرابعة من الهداية، التمكين من مجاورته في دار الخلد وإياها عنى الله تعالى: بقوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا﴾ فإذا ثبت ذلك فمن الهداية ما لا ينفي عن أحد بوجه، ومنها ما ينفي عن بعض ويثبت لبعض، ومن هذا الوجه قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، وقال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾، فإنه عنى الهداية التي هي التوفيق وإدخال الجنة دون التي هي الدعاء، لقزله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وقال في الأنبياء: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾، فقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فسر على وجوه بحسب أنظار مختلفة إلى الوجوه المذكورة: الأول: أنع عنى الهداية العامة، وأمر أن ندعو بذلك، وإن كان هو قد فعله لا محالة، ليزيدنا ثواباً بالدعاء، كما أمرنا أن نقول: " اللهم صل على محمد ".
الثاني: قيل: وفقنا لطريقه الشرع.
الثالث: احرسنا عن استغواء الغواة وإستهواء الشهوات، واعصمنا من الشبهات.
الرابع: زدنا هدى واستنجاحاً لما وعدت بقولك: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
وقولك: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾، الخامس: قيل: علمنا العلم الحقيقي، فذلك سبب الخلاص، وهو المعبر عنه بالنور في قوله تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، السادس: قيل سؤال الجنة، لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾
стр. 64
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ الاية.
فهذه الأقاويل اختلف باختلاف أنظارهم إلى أبعاض الهداية وجزئياتها والجميع يصح مراداً بالآية إذ لا تنافي بينها.
وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ " يقال: الصراط، والسراط، والزراط، والأصل من: سرطت الطعام، وزردته: إذا ابتلعته، وسمي الطريق بذلك تصوراً أنه إما أن يبتلعه سالكه، أو يبتلع هو سالكه، ذلك ألا ترى أنه قيل: فلان أكلته المفازة - إذا أضمْرَتَهُ أو أهْلَكَتْهُ.
وأكل المفازة - إذا قطعها - وعلى هذا النحو قال [أبو تمام]
رَعَتْهُ اْلَفَيافي بَعْدَمَا كَانّ حِقْبَةٌ ...
رَعَاهَا وَمَاءُ الرَّوْضِ يَنْهَلُّ سَاكِبُهْ
ويقال: قتل أرضاً عالمها.
وقتلت أرض جاهلها.
وسمي الطريق: " الَّقّمْ وْاُلْملْتَقِم " - على هذا المحو - وذلك في معنى: " الملقوم " كالنقض والرفض في معنى " المنقوض " و " المرفوض ".
و" المستقيم ": القائم بالقسط، قال:
أمير المؤمنين على صراطٌ ...
إذا أعْوَج الْموَارِدُ مُستَقيمُ.
وذلك قد تصور على وجهين: أحدهما: أنه إشارة إلى أن الطريق المستقيم " واحدة " بإضافتها إلى طرق الضلال واحد، وطرق الضلال كثيرة، وعلى هذا النحو، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، وروى أن النبي ﷺ قال: " ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط ستور مرخاة، وعلى رأس الصراط داع يقول: " أدخلوا الصراط ولا تعوجوا "، ثم قال: " الصراط: الإسلام، والستور المرخاة: محارم الله.
وذلك الداعي: " القرآن "، وعلى هذا فسر الآية.
стр. 65
فقيل: الصراط المستقيم: القرآن.
وقيل: الإسلام، وقيل: سنة النبي ﷺ ، وهذا كله إشارة إلى شيء واحد وإن اختلفت العبارات.
والثاني أن طريق النجاة بإضافة بعضها إلى بعض كثيرة، ولكن بعضها أقصد، وبعضها أبعد، وأقصد الطرق الطريق المستقيم الذي هو طريق السابقين دون طريق المقتصدين الظالمين وإن كانا مؤديين إلى النجاة أيضاً، ولكنهما أبعد, ألا ترى أنه قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ - الآية - فجعل ثلثهم مصطفين، ولكون بعض الطرق أقرب من بعض، قال النبي ﵇ في قوم: " إنهم يدخلون الجنة قبل آخرين بكذا سنة).
قوله : ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾: الآية (٧) - سورة الفاتحه.
الإنعام: إيصال الإحسان إلى الغير، والنعمة - يقال فيما يرتضيه العقل وإن كان كريه المحتمل - والنعمة - قد يقال فيكا يستلذه الهوى، وإن كان كريه العاقبة - هذا هو الحقيقة، وإن كان قد يعد الإنسان بسوء تصوره بعض ما يستلذه هواه نعمة وإن كان وخيم العقبى.
ونعمة الله، وإن كانت لا تحصى، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ فهي بالقول المجمل ضربان دنيوي وأخروي.
فالدنيوي ضربان موهبي ومكتسبي.
فالموهبي: ثلاثة: أشرفها: العقل وقواه من الفهم والحفظ والفكر والنطق.
ثم البدن: وقواه من الصحة والقوة والجمال والكمال.
ثم ما يكنفه من الخارج كالماء والجاه والأقارب والأصدقاء.
وأما المكتسب: فأربعة:
стр. 66
وأما المكتسب فأربعة:
- الحكمة والعفة وعنها يصدر الجود والنجدة وعنها يصدر الصبر والعدالة.
وهي ثلاث: عدالة في نفس الإنسان.
وذلك بأن يجعل هواه تابعاً لعقله، وعدالة بين العبد وخالقه وذلك في توفية حق العبادات، وعدالة بين كل إنسان وبين غيره في المعاملات، وهذه الأربعة ينطوي عليها العبادة المأمور بها في قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وأما الأخروي: فرضاء الخالق.
ومعاشرة الملائكة.
وبقاء الأبد.
والغني عن كل حاجة إلا إليه تعالى.
وعلى ذلك دل قوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ فالنعمة الحقيقية التي لا غناء عنعا، ويقال لها الخير المطلق هي الأخروية، فأما الدنيوية فضربان: ضرب هو نافع ضروري في الإيصال إلى الخير المطلق، وهي المكتسبات، فإنها ضرورية فيه، إذ لا يمكن الوصول إلى نعيم الآخرة إلا بها أو ببعضها، ولذلك قال تعالى ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وضرب غير ضروري، وقد يكون تارة نافعاً في بلوغ المقصود، وتارة ضاراً فيه، نحو المال والجاه والقوة والجمال، ولذلك لا يقال في الملك: إنه نعمة على الإطلاق، لأنه قد يكون نعمة لزيد، ونقمة على عمرو، ولهذا قيل " " رب مغبوط بأمر وهو داؤه.
ومرحوم بأمر هو شفاؤه " ولذلك قال بعض الصالحين: (يا من منعه عطاء)، وقال آخر: (يا من لا يستحق بمنعه الشمر سواه)، وعماد ذلك كله في إيصالنا إلى المقصود من نعيم الآخرة توفيق الله ، فقد قيل لبعض الحكماء: ما الذي لا يستغنى عنه في كل حال؟ فقال: التوفيق.
إذا ثبت معرفة أنواع النعم، على أن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾: يعني به من سهلت عليهم طريق الفوز بإعطائهم ما يمكنهم منه، ومنهم ما يثبطهم عنه، ومن المفسرين من قال: أراد به أن عرفهم مكائد الشيطان وخيانة النفس، ومنهم من قال: عنى الإنعام عليهم بالعلم والفهم وكل هذا أبعاض للحكمة، فالوجه: أن يجري ذلك على العموم في كل ما صح أن يكون نعمة بدلالة قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ , وهؤلاء المنعم عليهم: المعنيون بقوله تعالى:
стр. 67
﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هم المذكورين بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾
وقوله : ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ الآية: (٧) - سورة الفاتحة
أصل " الغضب ": غليان دم القلب إرادة الانتقام، ومبدأ الغضب: انفعال مكروه، بدلالة قوله ﵇: " إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار " وقال ﵇: " اتقوا الغضب، فإنها جمرة توقد في قلب ابن آدم ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه فمن وجد من ذلك شيئاً، فليلزم الأرض " والغضب: " والغم " ثوران في النفس، وهما من أصل واحد - إلا أنه متى كان معه الطمع في الوصول إلى الانتقام كان غضباً، وإذا لم يكن معه الطمع كان غماً، فإذا: الغم والحزن: هما ما ينال الإنسان ممن فوقه، والغضب ما يناله ممن هو دونه، فيختلفان لا بالذات، ولهذا قال بعض المحدثين: " فحزن كل أخي حزن أخو الغضب ".
فإذا ثبت ذلك، فالغضب من الصفات التي لو خلينا ومجرد العقل لم نجوز وصف الباري بها، لكن أطلقنا عليه ذلك لما جسرنا السمع، وفسح لنا الشرع على معنى صحيح هو أنه قد تقم أن الصفات - التي مبدؤها انفعالات، ومنتهاها فعل - متى وصف الباري تعالى به أريد به المنتهى دون المبدأ، فإذا المراد بالغضب في صفته تعالى: إرادة الانتقام، وعلى هذا فسر المتكلمون: فقال بعضهم: هو إرادة الانتقام، وقال بعضهم، هو ذم العصاة، وقال بعضهم: هو حنس من العقال، وقال بعضهم: هو استجتزة البطش.
لاستنكار أمر، وقال بعضهم: هو الانتقام، وهذه التفاسير عنهم متقاربة [وكلها] لنظرهم منه إلى منتهى الغضب دون مبدئه، وأما الضلال والخطأ: فالعدول عن الصراط المستقيم عن الصواب، سواء كان العدول عن ذلك عمداً
стр. 68
أو سهوا، وسواء كان يسيراً أو كثيراً، والصواب من الشيء يجري " مجرى القرطاس " من المرمى في أنه هو الصواب.
وباقية ضلال وخطأ.
ولهذا قال الحكماء: كوننا أخياراً من وجه واحد، وكوننا أشراراًَ من وجوه كثيرة، ولهذا روي عن بعض الصالحين أنه رأى النبي ﷺ في منامه، فقال له: ما الذي شيبك يا رسول الله - حيث قلت: " شيبتني هود وأخواتها "؟ فقال: مثل قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ واصعوبة الصواب وكونه واحداً، قال ﵇: (استقيموا ولن تحصوا)، وعلى هذا النظر قال: (من اجتهم فأصاب فله اجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر)
فإذا ثبت أن كل عدول عن الغرض والمقصود يقال له خطأ وضلال، وأن الصواب في نهاية الصعوبة، علم أنه ليس كل ضلال وخطأ يستحق به العقاب الدائم.
بل كما يسمى أكبر الكبائر نحو: الكفر ضلالاً وباطلاً وخطأ وقد يسمى بذلك اصغر الصغائر.
قال يجب أن يشككنا مشكك إذا رأينا بعض الأولياء موصوفاً بضلال وخطأ، كما رأينا الكافر موصوفاً بهما، فقد يتقارب الوصفان حداً، وموصوفاً هما متباعدان، فغرض الضلال والخطأ عريض، والتفاوت بين أدناه وأقصاه كثير.
ولذلك قال تعالى للنبي ﷺ : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ أي: ووجدك غير مهتد إلى ما سبق إليك من النبوة والعلم، ونحوه قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ وقد يعبر عن سوء الاختيار بالضلال نحو قوله: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾، ويعبر عن الخيبة بالضلال والغي والخطأ، كما قال في الكفار: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾، فإذا ثبت ذلك،
стр. 69
فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: " المغضوب عليهم " - ههنا: اليهود، و " الضالين ": النصارى، ودل على ذلك قوله في اليهود ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾، وقوله في النصاري: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾،
إن قيل: كيف فسر على ذلك كلا الفريقين ضال ومغضوب عليه؟ قيل: هو كذلك، ولكن خص تعالى كل فريق منهم بصفة كانت أغلب عليهم، وإن شاركوا غيرهم في صفات ذم.
إن قيل: ما الفائدة في ترادف الوصفين، وأحدهما يقتضي الآخر؟ قيل إن: اقتضاء أحدهما الآخر من حيث المعنى، وليس من شرط الخطاب أن يقتصر في الأوصاف على ما يقتضي وصفاً آخر دون ذلك الآخر.
ألا ترى أنك تقول: " حي سميع، بصير "، والسمع والبصر يقتضي الحياة.
ثم ليس من شرط ذلك أن يكون ذكره لغواً, وإنما ذكر ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ لأن الكفار قد شاركوا المؤمنين في إنعام كثير عليهم، فبين بالوصف أن المراد بالدعاء، ليس هو النعم العامة، بل ذلك نعمة مخصوصة، وقوله: " غير " إذا خفض: فصفة، ويصح أن يوصف ما فيه الألف واللام، ويدل على الجنس بـ " غير " و " مثل " وأخواتها، لكونه قريباً من النكرة ولا يصح أن يوصف به ما فيه الألف واللام، ودل على العهد، ولا سائر المعارف، ويجوز خفضه على البدل: وإذا نصب: فحال: إما من الضمير في " عليهم " أو من " الذين " قال الأخفش: ويصح أن يكون استثناء.
ولم يجوز ذلك الفراء، لأن الاستثناء لا يعطف عليه بـ " لا "، لا تقول: رأيت القوم إلا زيداً ولا عمرواً، قال أبو علي الغمري ﵀ من جعله استثناء فإنه يقول: أدخل عليه " لا " حملاً على المعنى قولهم: " أتاني القوم إلا زيداً " أتوني لا زيداً.
وتجعل " لا " زائدة "، وزل أبو علي الجبائي في قوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ زلة عظيمة في النحو، وقال: ذكر " المغضوب " بلفظه المفرد، وهو يعني الجماعة، قال: إلا أن هذا يجوز في سعة الكلام، وخفي عليه أن المتعدي بالجار يدخل التثنية والجمع على الضمير المتصل به دون لفظ المفعول.
стр. 70
وقوله: (آمين): قيل: هو اسم الفعل، كصه ومه، ومعناه: استجب - وذلك عن الحسن - وإليه ذهب الأحفش، ويدل على كونه اسم فعل ما روي أن موسى كان يدعو وهارون ﵉ كان يؤمن، فقال تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾، فكما أن قول [موسى ﵇] ﴿ارَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ جملة، فكذل قول هارون (آمين) جملة من حيث المعنى، وقال مجاهد وابن جبير وجعفر بن محمد: هو اسم من أسماء الله
وقال أبو علي الغنوي: تأويل ما قالوه: إن هذا الاسم لما تضمن الضمير المرفوع، وهو ذكر الله، قالوا: هو اسم الله، لأن الكلمة كما هي اسمه وما روي عن أمير المؤمنين -[﵁] أنه قال: آمين خاتم رب العالمين ختم به دعاء عبده، فقد قيل: إن ذلك ليس بتفسير لآمين.
وإنما هو وصف له.
ومن قال: " آمين " بالمد: فقد قال الأحفش: هو اسم أعجمي نحو " حاميم ".
وقال محمد بن يزيد: هو علي مثال عاصين، وليس يعني أنه جميع، ولا أن النون فتحت كما فتحت في عاصين، وإنما يريد: أن لفظه كلفظه: وقيل إن الألف: فيه زيادة للمد، نحو: " ينباع " و " أتطور " في: " ينبع " و " أنظر ".
стр. 71
(سورة البقرة)
قوله ﴿الم﴾: الآية (١) - سورة البقرة.
اختلف الناس في الحروف التي في أوائل السور، فقالوا فيها أقوالاً جلها مراد باللفظ وغير متناف على السير، لكن بعضها مفهوم بلا واسطة، وبعضخا مفهوم بواسطة، فنقول وبالله التوفيق: إن المفهوم من هذه الحروف الأظهر بلا واسطة ما ذهب إليه المحققون من أهل اللغو كالفراء وقطرب، وهو قول ابن عباس ﵄ وكثير من التابعين على ما بين من بعد، وهو أن هذه الحروف لما كانت هي عنصر الكلام ومادته التي تركب منها بين تعالى أن هذا الكتاب من هذه الحروف التي أصلها عندكم تنبيهاً لهم على إعجازهم، وأنه لو كان من عند البشر لما عجزتم مع تظاهركم عن معارضته، وأما اختصاص هذه الحروف وهذا العدد المخصوص وكونها في سور معدودة وجعل بعضها مفرداً، وبعضها ثنائياً وثلاثياً ورباعياً وخماسياً، ثم لم يتجاوز ذلك واختصاصها ببعض الحروف دون بعض، ففيها عجائب وبدائع إذا اطلع عليها علم أنه كما وصفه تعالى بقوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾، والقول في ذلك إن حروف التهجي قد قيل: ثمانية وعشرون.
وقيل: تسعة وعشرون، وهذا الخلاف من حيث أن " الألف " حرف لا صورة له في اللفظ حتى قال بعض الناس: الألف - في حروف التهجي: حرف لا ساكن ولا متحرك، وإنما هو مدلاً اعتماد له وقيل: إن الله تعالى جعل هذه الحروف طبقاً للعدد الذي هو أصل العلوم، ولو توهم ارتفاعه سائر العلوم، لأن عقود الأعداد ثمانية وعشرون: آحاد: وهي تسعة, وعشرات، وهي تسعة، ومائات، وهي تسعة وألف: وهو واحد، ثم الباقي مكررات، وجعلها أيضاً لمنازل القمر، وهي ثمانية وعشرون إلى غير ذلك من العجائب، وأما " لام الألف ": فمركب من حرفين، ولا اعتداد به في حصر المفردات، وقد قال بعض النحويين: إن ذلك أن يقال: " لا "، ذاك أنهم لما أرادوا تعريف صورة لفظ الألف مفردة: ولم يكن سبيل إلى التفوه به مفرداً، إذ لا يكون إلا مدة ضم إليها اللام ليمكن النطق به.
وخص بذلك اللام لعله مذكورة في موضعها.
فإذا ثبت ذلك فقد قيل: إن السور التي ذكر في أزائلها هذه الحروف تسع وعشرون، وجعل ذلك تنبيهاً على عدد حروف التهجي - إذا عد فيها الألف.
وقد ذكر هذه الحروف مفردة وتنائية إلى الخمسية تنبيهاً أن الكتاب المنزل على رسوله مركب من كلماتهم التي هي أصولها:
стр. 72
إما مفردا وإما ثنائياً - إلى الخماسي - وإن أصول أبنية كلامهم لا يتجاز ذلك.
وجاء ثلاث سور مفتتحة بمفردات، وتسع سور بالثنائيات.
وثلاث عشرة سورة ثلاثيات، وسورتان برباعيات، وسورتان بخماسيات، وذلك " صّ " و " قّ " و " نّ " و " طّه " و " يسّ " و " طسّ " وست من الحواميم، و " المّ " في ست سور.
و" الرّ " في خمس سور، و " طسّم " في سورتين، و " المرّ "، و " المصّ "، و " كهيعصّ " و " حمّ عسق "، فجعل عدد الثلاثي أكثر تنبيهاً أن أكثر تراكيب كلامهم الثلاثي.
وباقيها أقل.
وإنما جعل الثلاثي ثلاثة عشر تنبيهاً أن أصول الثلاثي المستعملة: ثلاثة عشر: عشرة منها للأسماء المستعملة وذلك " فّعْل " " كعْاس "، و " فُعْل " كقُفُل، و " فِعْل " كقِرْد، وفَعَلِ كجعل، و " فَعُل " كعضُد، و " فَعِل " ككتف وفعل كابل وفعل كعنق، وفعل كعنب، و (فعل) كصرد، وثلاثة للأفعل: " فَعَل " و " فَعُل " و " فَعِل " ولم يعتد بـ " فُعِلَ ": أما في الأسماء، فلأنه لم يوجد ما يعتد به، أما في الأفعل: فإن الفعل في الأصل يجب أن يبنى للفاعل ويسند إليه دون المفعول.
وأما التسعة الثنائية، فتنبيهاً أن ما جاء من الكلم على حرفين تسعة اضرب ثلاثة للحروف: " إن " و " مّن " ومذ إذا جر به - وثلاثة للأسماء: " من " و " إذ " وهذا إذا رفع به.
وثلاثة للأفعال في الاسعمال، نحو " قل "، و " بع " و " خف " وأما الثلاثة المفردة: فتنبيهاً أن الحروف ثلاثة أضرب مفتوح ومكسور وساكن، نحو: له، وبه، ولام التعريف، وأما الرباعيان والخماسيان، فتنبيهاً أن لكل واحد منهما ساكن أصلاً وملحقاً به، أما الأصل: فكجعفر وسفرجل، وأما الملحق بهما: فكقرد وحجنكل، واقتصر من حروف التهجي على النصف منها - وهو أربعة عشر حرفاً من غير تكرير - لتدل على حكم عجيبة.
ولما خص نصفها بالذكر أورد فيها من الحروف المجهورة والمهموسة والشديدة، وما ليس بشديدة، واللينة والمطبقة وحروف البدل وما لا يصح فيه الإدغام، وما لا يدغم فيما قاربه، ولا يدغم ما قاربه فيه، وما لا يدغم فيما قاربه، ويدغم ما قاربه فيه، ومن حروف اللقلقة ومن الحروف التي للعرب دون العجم، من كل ذلك ما هو زوج، واحتمل التنصيف فإنه أخرج نصفه، ومن كل ما هو فرد لا يحتمل التنصيف نصفه بإسقاط حرف أو زيادة حرف، وأما الحروف الذلقية والحلقية، والزوائد، فقد زيد فيها على النصف بخاصية فيها: من ذلك: الحروف المجهورة: وهي ما أشبع للاعتماد على منبعه،
стр. 73
ولم يجر معه النفس، وهي تسعة عشر حرفاً يجمعها: (زاد ظبي غنج لي ضموراً إذ قطع) أسقط منها الألف الزائدة التي قيل فيها: إنه لم يعتد بها من حيث لا تكون إلا مدة، وذكر نصفها في هذه الأربعة عشر، وهي تسعة يجمعها: " لن يقطع أمر ".
والمهموسة: وهي: ما ضعف الاعتماد على منبعه، وذلك عشرة يجمعها: " (ستشحثك خصفه) ذكر منها في هذه الأربعة عشر نصفها، وهي ما يجمعها: (صه حسك) والشديدة: وهي ثمانية يجمعها: " أجدت طبقك " ذكر نصفها، ويجمعها " أقطك " وباقيها [رخوة] وهو: أحد وعشرون، إذا سقط منها الألف فنصفها عشرة يجمعك " حمس على نصره ".
واللينة حرفان - سوى الألف: الواو والياء، وفي هذه الأربعة عشر أحدهما: وهو الياء، والمطبقة أربعة: ص، ض، ط، ظ.
ذكر اثنان منها، وهي: الصاد والطاء.
وحروف البدل اثنا عشر حرفاً - فيما ذكر سيبويه - يجمعها: (أجد طويت منها): ذكر منها ستة يجمعها " أهطمين " وترك باقيها.
وإنما لم يجر مجرى غيرها في أن ترك منها الألف ثم نصف، بل زيد لأمر اختص به باب البدل، وهو أن الألف في باب البدل أكثر من سائر الحروف، فلم يجز الإخلال بها في باب الإبدال وأما على غير طريقة سيبويه، فقد بلغ حروف البدل ثمانية عشر، فعد فيها اللام بدلاً من النون في " أصيلان " والصاد تبدل من " السين " في " الصراط " و " الثاء " من " الفاء " في " فروع الدلو " والفاء من التاء في " جدث " و " جدف " و " ثوم " و " فوم " والعين من الهمزة في عنعنة تميم، نحو قوله:
أأن ترسمت من خرقاء منزلة.
في " أأن ترسمت " والباء من الميم " باسمك " في " ما اسمك " والزاي من السين في قولهم: " زقر " أي " سقر " - فعلى هذا - في الحروف من الثمانية عشر تسعة، وهي الستة المذكورة واللام، والصاد، والعين.
وما لا يصح فيه الإغام: اثنان: الهمزة والألف.
وذكر أحدهما.
وما لا يدغم ولا يدغم فيه: فالواو والياء - إذا انفتح ما قبلهما - وقد ذكر أحدهما.
وأما الحروف التي لا يدغم فيما قاربها، ويدغم ما قاربها فيها: فهي الميم، والراء، والشين، والفاء، وقد ذكر من هذه الحروف اثنان، وأما حروف اللقلقة: فخمسة: القاف، والجيم، والطاء، والدال، والباء، وذكر منها اثنان: الطاء والقاف وهما
стр. 74
أقوى الخمسة.
وأما الحروف التي للعرب دون العجم: فالضاد والحاء، وقد ذكر أحدهما.
وأما الحروف الذلقية: وهي التي ذلقت وسهلت على اللسان، فستة يجمعها " رمل فنب ".
وحروف الحلق وهي ستة: الحاء، والخاء، والعين، والغين، والهاء، والهمزة، فقد ذكر من النوعين أكثر من النصف للتنبيه على كثرة وقوعهما في الكلام، إذ قل ما ينفك رباعي وخماسي من حرف أو حرفين وثلاثة من هذه الحروف، فلما كثر وقوعها في الكلام أيد المذكور منهما على النصف تنبيهاً على ذلك.
وأما الزوائد: فعشرة يجمعها (اليوم تنساه) وقع في هذه الحروف منها سبعة لخاصية فيها، وهي التنبيه على أن البناء من الكلمة قد يبلغ سبعة أحرف بالزيادة، فهذه هي التي زاد المذكور منها على النصف لفائدة تختصه وحكمة تقتضيه.
وما روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن هذه الحروف اختصار من كلمات، فمعنى " الم ": أنا الله أعلم، ومعنى " المر " أنا الله أعلم وأرى، فإشارة منه إلى ما تقدم.
وبيان ذلك ما ذكره بعض المفسرين أن قصده بهذا التفسير ليس أن هذه الحروف مختصة بهذه المعاني دون غيرها، وإنما أشار بذلك إلى ما فيه الألف واللام والميم من الكلمات تنبيهاً أن هذه الحروف منبع هذه الأسماء، ولو قال: إن اللام يدل على " اللعن "، والميم على " المكر " لكان يحمل، ولكن تحرى في المثال اللفظ الأحسن، كأنه قال: هذه الحروف هي أجزاء ذلك الكتاب.
ومثل هذا في ذكر نبذ تنبيها على نوعه قول ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ أنه الماء الحار في الشتاء، ولم يرد به أن النعيم ليس إلا هذا، بل أشار إلى بعض ما هو نعيم تنبيها على سائره، فكذلك أشار بهذه الحروف على ما يكتب منها، وعلى ذلك ما رواه السدي عنه أن ذلك حروف إذا ركبت يحصل منها اسم الله.
وكذا ما روي عنه أنه قال: هي أقسام غير مخالف لهذا القول، وذلك أن الأقسام الواردة في فواتح السور إنما هي بقسم وأجوبتها تنبيه عليها.
فيكون قوله: " ألم ذلك الكتاب جملة في تقدير مقسم بها.
وقوله: " لا ريب فيه " جوابها، ويكن إقسامه بها تنبيهاً على عظم موقعها، وعلى عجزنا عن معارضة كتابه المؤلف منها.
فإن قيل: لو كان قسماً لكان فيه حرف القسم.
قيل: إن حرف القسم يحتاج إليه إذا كان المقسم به مجروراً.
فأما إذا
стр. 75
كان مرفوعاً نحو و " أيم الله، أو منصوباً، نحو يمين الله فليس بمحتاج إلى ذلك وما قاله زيد بن أسلم والحسن، ومجاهد، وابن جريج أنها أسماء للسور فليس بمناف للأول، فكل سورة سميت بلفظ متلو منها، فله (معنى) في السورة معلوم.
وعلى هذا القصائد والخطب المسماة بلفظ منه يفيد معنى فيها، وكذلك ما قاله أبو عبيدة، وروي أيضاً عن مجاهد، وحكاه قطرب والأخفش.
أن هذه الفواتح دلائل على انتهاء السورة التي قبلها، وافتتاح ما بعدها، فإن ذلك يقتضي من حيث إنها لم تقع إلا في أوائل السور ولا يقتضي أن لا معنى لها سواه، كما أن بسم الله في أوائل السور يقتضي ما قالوه ولا يوجب ذلك أن لا معنى سواه.
وما ذكر من أن هذه الحروف قصد بها الرد على من قال: إن النبي ﷺ كان يتلقن ما يودعه القرآن من بعض الأعجمين، وذلك في قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ فذلك شبيه أن هذه الصورة المخصوص بها القرآن، هي من النظم الذس أصوله عندكم، وذاك أن القوم لم يدعوا أن لفظ هذا القرآن أعجمي، وإنما ادعوا أن معناه مأخوذ عنهم ولهذا قال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ فإذا: المعنى يرجع إلى ما تقدم بأنه تنبيه على إعجازه.
وما قاله قطرب إنه قصد بها صرف أسماع المشركين إلى الاستماع إليه لما تواصلوا بأن لا يستعموا له حتى قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ فإنما يشير به أيضاً إلى المعنى المتقدم، لأنه تعالى قصج بصرف أسماعهم تنبيههم على عجزهم عن معارضته، وأن من حقكم إذا عجزتم عن مثله أن تتدبروا آياته، وأن تعرفوا أنه حق فلا تلغوا فيه.
وما روي عن اين عباس ﵄ أنه قال: الألف من " الم " على " الله "، اللام على " جبرائيل "، والميم على " محمد "، فدل بذلك على أن القرآن (من الله) مبدؤه، وأن الواسطة: " جبريل ".
ومنتهاه إلى محمد.
فهذا صحيح ودال على ما تقدم، وفيه نبه بمخرج " الألف " الذي هو مبدأ مخارج الحروف على المبدأ، وهو الله تعالى، وبمخرج اللم الذي هو أوسط المخارج على جبريل، وبمخرج الميم الذي هو منتهى المخارج على المنتهى الذي هو النبي ﵇.
следующие страницы →