← История

История · id 9233

العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية

علي بن الحسن الخزرجي

Полный текст (588 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الباب الأول ذكر انتساب الملوك بني الرسول وكيف كان السبب في دخولهم اليمن واستقلالهم بالملك فيها . قال علي بن الحسن الخزرجي. أعرق ملوك اليمن في الملك في الجاهلية والإسلام ملوك حمير وملوك غسان: ولهذا يقال حمير أرباب العرب وغسان أرباب الملوك. وذلك أن سبأ الأكبر لما حضرته الوفاة طلب أبنيه حمير وكهلان وكان الأكبر وأقعده عن يمينه وأقعد كهلان عن شماله ثم طلب سائر بنيه وبني عمه وجوه قومه وقال لهم: اعلموا أن ولديّ هذين هذا عن يميني وأشار إلى حمير وهذا عن شمالي وأشار إلى كهلان فأعطوا حمير من ملكي ما يصلح لليمين وأعطوا كهلان من ملكي ما يصلح للشمال. فقالوا يصلح لليمين السيف والسوط والقلم ويصلح للشمال العنان والترس والقوس. وحكموا أن صاحب السيف والقلم والسوط لا يكون إلا أمراً ناهيا فاتقاً راتقاً وإن هذه صفات الملك الأعظم وإن صاحب العنان يكون مصرفا لهوادي الخيل في الذبّ عن المملكة وإن الترس يرد به الناس عند اللقاء وإن القوس ينال بها المناوي والمغازي وإن كانا على البعد. ولا يصلح ذلك إلا لحفاظ الدولة القائم بحروبها وسد ثغورها. فتقلد حمير الملك فلم يزل في ولده وولد ولده

стр. 2

يلي ذلك منهم خالف عن سالف إلى أن قام الحارث الرائش. وتقلد كهلان وولده حفظ الممالك والذب عنها وسد ثغورها. يلي ذلك منهم كابر عن كابر إلى أيام عامر بن حارثة الأزدي المسمى ماء السماء وكان في عصر الحارث الرائش قائما بحفظ المملكة وسد ثغورها على سنن آبائه من كهلان. وكان الحارث الرائش محدثا. والمتحدث بفتح الدال المشددة هو الذي يتحدث على مستقبلات الزمان ويخبر بما سيكون من الحوادث قبل كونها فيأتي الأمر بتصديق ما يقوله. وكان الحارث الرائش كذلك وله في هذا الشأن عدّة قصائد. منها القصيدة التي أولها: أنا الملك المتوج ذو العطايا ... جلبت الخيل من أوطان سام لأغزو أعبدا جهلوا مكاني ... سلالة يافث وقبيل حام بني قحطان فانتجعوا وسيروا ... وحجوا البيت في البلد الحرام بإذن الله حجوا فهو بيت ... توارثه الهُمامُ عن الهمام وكونوا مثل ملطاط بن عمرو ... وذي إنس الغطارفة الكرام فنحن الأغلبون إذا بطشنا ... ونحن المتقون لكل ذام وإنا يوم نغضبُ أو نسامي ... تكاد الأرض ترجف بالأنام وإن نرضى تقر بمن عليها ... ويشرق وجهها بعد الظلام وفينا الملك والأملاك حقاً ... ونحن الأكرمون بنو الكرام أبونا يعرب وسبا أبونا ... ونفخر من يفاخر أو يسامي فان أهلك فقد أثّلت ملكاً ... لكم يبقى إلى زمن التّهامي ويملك بعدنا منّا ملوك ... بنو عزّ كعالية الغمام ويخاف بعدهم منّا ملوك ... يدينون العباد بغير ذام وتنتشر الأساود بعد هذا ... عقاب الله في الآثام ويملك بعدهم رجل عظيم ... نبيّ لا يرخّص في الحرام

стр. 3

يفارق أهله وله كتاب ... يوافق خطه رجع الكلام يسمى أحمدا يا ليت أني ... أُؤخّرُ بعد مخرجه بعام ويملك بعده خلفاء برّ ... ويملك بعدهم أولاد عام ويظهر راية المنصور فيهم ... على خاء إذا نطقوا ويملك بعده رجل نجيل ... على آبائه أزكى السلام وربما إنها أكثر من هذا. فإنه أخبر في هذه القصيدة بمن يملك اليمن من حمير وبنيهم بقوله فإن أهلك فقد أثّلت ملكا ... لكم يبقى إلى زمن التهامي فكان كما قال ولم تزل ملوك قحطان يتوارثون ملك اليمن إلى أن قامت دولة الإسلام. ويعني بالتّهامي النبي ﷺ . وقوله: ويملك بعدنا منا ملوك ... بنو عزّ كعالية الغمام فكان كما قال يعني الملوك الذين ملكوا اليمن بعد الحارث الرائش وقبل ظهور الحبشة. وقوله: وتنتشر الأساود بعد هذا ... عقاب الله في القوم الآثام فكان كما قال من انتشار الحبشة في اليمن والملك هنالك وكان ملك الحبشة في اليمن على ما قيل إثنتين وسبعين سنة. تداولها منهم أربعة رجال وهم أرياط ثم أبرهة ثم يكسوم بن أبرهة ثم مسروقا بن أبرهة. وقوله: ويملك بعدهم منا ملوك ... ضعيف أمرهم ثقل المرام فكان كما قال. وذلك أن الملوك الذين ملكوا اليمن بعد دولة الحبشة ليسوا كمن تقدمهم من ملوك حمير في العصر الأول. وقوله: ويملك بعدهم رجل عظيم ... نبيّ لا يرخّص في الحرام يفارق أهله وله كتاب ... يوافق خطه رجع الكلام

стр. 4

يسمى أحمدا يا ليت أني ... أُعمر بعد مخرجه بعام فكان كما قال من ظهور النبي ﷺ وخروجه من مكة إلى المدينة مفارقا لأهله وإقامته في المدينة بين الأنصار إلى أن توفيّ ﷺ . وقوله: " وله كتاب يوافق خطّه رجع الكلام " أي ينزل عليه كتاب باللسان العربي ويكتب بالخط العربي يعني القرآن العزيز قال الله تعالى) إنا أنزلناه قرآناً عربياً (. قال الله تعالى) لسان عربيّ مبين (. وقوله. ويملك بعده خلفاءُ برّ. فكان كما قال من قيام الخلفاء الراشدين بعد رسول الله ﷺ وقيام الخلفاء من بني أُميّة وبني العباس وبملكهم اليمن بعد رسول الله ﷺ . ثم أخير بظهور ملوك غسان في اليمن وتملكهم عليها. فقال: ويملك بعدهم أولاد عام. يريد أولاد عامر فرخّمهُ للضرورة يعني عامر بن حارثة بن امرؤ القيس بن ثعلبة بن مأرب بن الأزد ابن الغوث. وإنما أشار إليه دون غيره ممن سلف أو خلف لأنه كان معاصراً له إذ هو قائم معه من ولد كهلان لحفظ الأطراف وسد الثغور وجباية الأموال. فخصه بالإشارة والبشارة. ثم حقق ذلك وأوضحه بقوله: ويظهر راية المنصور فيهم ... على خاء إذا نطقوا ولام فكان كما قال من ظهور الملك المنصور واستقلاله بالملك في اليمن وتواتر ذريته من بعده إلى يومنا هذا وهو عُمر بن علي ابن الرسول. وكان استقلاله بالملك في اليمن في سنة ثلاثين وستمائة من تاريخ الهجرة. وهو معنى قوله على خاء إذا نطقوا ولام. فإن الخاء على حساب الجمّل ستمائة واللام ثلاثون. وكان ملك الحارث الرائش قبل ظهور النبي ﷺ نحو ستمائة سنة على ما قيل والله أعلم قال علي بن الحسن الخزرجي تجاوز الله عنه. وقد كنت شرحت هذه

стр. 5

القصيدة التي قالها الحارث الرائش في جزء لطيف وسميته المحصول في انتساب بني الرسول. وذلك لما شهدت به من صحة انتسابهم. وقل أن يوجد دليل على صحة نسب أحد من الناس كصحة هذا النسب. فصل فلما هلك عامر بن حارثة الأزدي وكان يسمى ماء السماء لجوده وكرمه وقام بالآمر بعده ولده عمرو بن عامر. وتقّل ما كان يتقلد آباؤه من القيام بحفظ المملكة وسد ثغورها واستخراج الإتاوات من أربابها وهو المُسمّى مُزيقياء وفيه وفي ابنه يقول بعض الأنصار أنا ابن مُزيقيا عمرو وجدّي ... أبوه عامر ماء السماء إنما سُمي عامر بن حارثة ماء السماء لأنه مان قومه سنة وقد أخلفت السماء فأجدبت الأرض جدبا شديدا فلم يزل يمون قومه حتى مطروا وأخصبوا فسموه ماء السماء لذلك لكونه خلف ماء السماء ومانهم سنة كاملة. وإنما سُمي عمرو بن عامر مزيقياء لأنه كان يلبس كل يوم حلتين ثم يمزقها آيومه يأنف أن يعود فيهما ويكره أن يلبسها غيره. وعُمّر عمرا طويلا يقال أنه بلغ من العمر ثمانمائة سنة. والله أعلم. وفي أيامه كان خراب السُدّ. وكان أوّل من أسس السُّدّ سبأ الأكبر وأسمه عامر وقيل عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان. ثم بناه حمير بن سبأ بعد موت أبيه ثم أتمه بعد ذلك الحميري وهو الصعب بن أبي مرائد. وكان السّد من جبل مأرب إلى الجبل الأبلق وهما جبلان منفيان على الجبال الشامخة الممتدة من يمين السّد وشماله. وكان ينصب إلى السدّ من أعلى اليمن سبعون وادياً سوى ما يأتيه من الأنهر الصغار وكان ما فوق السّد بستة أشهر يصل إلى ذلك السد. وكان ماء السد يسقي شهرين في شهرين. وكان ما يلي مأرب من شمال السد لبني كهلان وما يلي الأبلق من جنوبي السد لأولاد حمير. وكان ماؤه يقيم من الحول إلى الحول

стр. 6

إلى سعة الأرض وعموم السقي. وكان للسد ثلاثة ثقوب وكان السد بركة عظيمة فإذا احتاجوا إلى السقي فتحوا الثقب الأعلى فينصبّ الماء في تلك البركة فيسقوا به. فإذا نزل الماء عن الثقب الأعلى فتحوا الثقب الأوسط فينصب الماء منه إلى تلك البركة ثم يسقون منها. فإذا نزل الماء عن الثقب الأوسط فتحوا الثقب الثلث فينصب الماء إلى البركة كما هو. وكانت بلقيس قد جعلت في البركة اثنتي عشرة عيناً. فكانوا يسقون جنانهم وزراعاتهم وما حاولوا من شيء على حسب ما يريدون وأفضل. وكان الخادم يمشي بين الشجر والمكتل على رأسه فيمتلأ من الفواكه من غير إن يتناول شيء بيده ولا يلقط شيئاً من الأرض. وكانت الشمس لا تصل إلى أحد يمشي في تلك الجنان من تراكب الشجر. وكانوا يتعاطوا يتعاطون النيران فيما بينهم مسيرة شهرين في شهرين وقيل مسيرة ستة أشهر في مثلها) آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور (. قالوا: وكان الرجل يسير من بلده الثانية فيقيل بها ويمسي في الثالثة من القرى التي بارك الله فيها وهي قرى بيت الله المقدس) فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا (. فلما كفروا نعمة الله أرسل إليهم رسله. فيقال الله أرسل إليهم اثنتي عشر نبيا. وقيل ثلاثة عشر نبيا. فكذّبوا رسل الله وأعرضوا عن طاعة الله. فأرسل الله عليهم سيل العرم والعرمُ المطر الشديد قاله صاحب التّيجان. ثم أخرب الله السُّدّ. فصل ذكر خراب السد قال صاحب التيجان: بينما طريفة بنت لجبر الحجورية زوجة عمرو بن عامر المزيقياء نائمة إلى جانب عمرو في ليلة من الليالي إذ رأت في منامها كأن سحابة سوداء غشيت أرض اليمن فبرقت وأردعت وأصعقت فلم تمر على شيء إلاّ

стр. 7

أحرقته. ففزعت من منامها وقامت وهي مرعوبة وقد ذرعت ذعرا شديدا. فسكن عمرو روعتها وسأل عن قصتها. فقالت: والنور والظلماء ليهلكن الشجر ويتلف اليمن ويخرب البلاد ويتشتت العباد. قال: وكيف يكون ذلك. قالت سبع سنين شداد تأتي بالزلزال والأوابد يقطع فيها الولد الوالد. قال لها عمرو: قد نصحت وصدقت فما وجه الرأي قالت سرْ إلى السدّ فإذا رأيت البرق والرعد وطلع النحس وغاب السعد فعند ذلك الجرذ الجرذ إذا رأيته يكثر الحفر ويقلّب بيديه عظام الصخر فقد أزف الأمر فعليك بالصبر ولا تجزع للدهر. قال لها: فمتى ترين ذلك يكون. قالت له: لا أدري غير أنه أمر من الله نزل وحكم منه سبق في الأزل لا ينصرف عن سهل ولا جبل حيثما أراد وصل فليكن منك الحذر الوجل. فانطلق عمرو إلى السد فلم يزل يتعاهده حتى رأى يوما جرذا يحفر السد بيديه ورجليه فكان يقلب الصخرة التي لا يقلبها إلا أربعون رجلا: وكان الجرذ أعمى فلما رأى ذلك رجع إلى طريفة وقال لها رأيت تصديق مقالتك يا طريفة. فقالت له يا عمرو الأسفار دارا بدار وجارا من جار عند ما ينزل الأقدار ويستأثر الليل والنهار. قالت ومتى ذلك. قالت: لسبع سنين ينزل الأمر بيقين بتفريق اليدين ويكثر الرين. وقال قوم أنها السبع الشداد التي رآها عزيز مصر وفسر له روياه يوسف الصدّيق ﵇. ففعل عمرو ما أمرته طريفة وكتم الأمر وأجمع أن يرتحل في ولده وقومه وكتم ذلك لئلا ينكره الناس عليه. ثم أنه يوما أمر بعمل مائدة فنحر مائة من الإبل وذبح من الغنم شيئا كثيرا ونادى في العرب أن هلموا إلى مجد مزيقياء. فتأتي له الناس من كل جانب ولم يتخلف عنه شريف ولا وضيع. ثم أمر أكبر أولاده وهو ثعلبة العنقاء جدّ الأوس والخزرج أبو أبيهم حارثة بن ثعلبة العنقاء. وقال له: إذا أمرتك بأمر فلا تأتمر. فإني سأضربك بعنزتي هذه فإذا ضربتك فالطم وجهي. فقال له ثعلبة: والله يا أبت ما أستطيع دفع يدي إلى وجهك ولا تطاوعني نفسي على ذلك. قال: يا بني أن لي عليك حقا فلا تخالف أباك فإذا في ذلك مصلحة لي ولك. فقال له ثعلبة: سمعا وطاعة. فلما طعم

стр. 8

الناس وفرغوا وقد اجتمعت أشراف العرب أمر الملك ابنه ثعلبة بأمر فعصاه فضربه بالعنزة فوثب ثعلبة عليه فلطمه. فقال الملك: وأذلاّه يُلطم وجهي يوم مجدي. فوثب سائر أولاده وبنو عمه على ثعلبة ليقتلوه. فقال: لا تفعلوا فإن الرحمة سبقت له في قلبي قبل السخط ومع العجلة الندم ولكني سأعاقبه بما يكون لي نصفة منه. أبيع مالي وعقاري ولا أدع له شيئا ينقلب إليه وأنتقل من مأرب إلى غيرها. فقال أهل البلاد: اغتنموا غضبة عمرو فاشتروا منه جميع أموال. فلما أحرز أثمان أمواله أنتقل في ولده وولد ولده وسائر قومه وعشيرته. ثم أخرب الله السد بعد ذلك فأقلع الصخور والقصور الشجار والأنهار فرمى فيها الرمل. فلما رأى من كان تحت السد خرابه وإنهم لا يقدرون على شيء منه هربوا إلى قنن الجبال بالأهليين والأموال. وفاض الماء على السد لكثرة المطر. وخرج الماء من الخلل التي حفرها الفأر. وقد ذكر ذلك الأعشى حيث يقول: وفي ذاك للمؤُتسي أسوة ... ومأرب عفّى عليها العرم رجام بنته لهم حمير ... إذا جاء مؤازر لم يزم فأروى الزروع وأعنابها ... على سعة ماؤهم إذ قُسم فصاروا أيادي ما يقدرو ... ن منه على شرب طفل فُطم كانوا كما قال الله تعالى وتبارك) وبدّلْناهُم بجنّتيهم جنّتين ذواتيْ أُكل خمْط وأثل وشيء من سدر قليل جزيناهم بما كفروا وهل نُجازي إلاّ الكفور (ويروى أن سيل العرم كان قبل الإسلام بأربعمائة سنة. قاله حمزة بن الحسن الأصفهاني. وفي رواية غيره أكثر من ذلك وهي الرواية الصحيحة. والله أعلم. فصل ولما خرب السد وخرج عمرو بن عامر مزيقياء في ولده وولد ولد وعدة من

стр. 9

قبائل قومه من مأرب متوجهين إلى البلاد يرتادون أرضا تحملهم أو بلدا يمنعهم فنزلوا بلاد عكّ مجتازين. وكان رئيس عكّ يومئذ شملقة بن الجباب. فسألوهم أن يأذنوا لهم في المقام عنده حتى يأمروا من يرتاد لهم منزلاً ينزلونه. ووجّه عمرو بن عامر ثلاثة من ولده وهم الحرث بن عمرو بن عامر ومالك بن عمرو وحارثة بن عمرو بأرض عكّ قبل أن يرجع إليه أحد روّاده فاستخلف ابنه ثعلبه العنقاء وهو جد الأوس والخزرج ابني حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو بن عامر. فتقلد ما كان يتقلده آباؤه من حفظ المملكة وسد الثغور. ولما توفي عمرو بن عامر كما ذكرنا وقع الوباء في قومه بعده واشتد عليهم الأمر فأرسلوا إلى عكّ وقالوا لهم أن هذا الموضع الذي انتم فيه لمقامنا عندكم ونحن سائرون عنكم عن قريب. فكرهت عكّ ذلك فهاجت الحرب بينهم فاقتتلوا قتالا شديدا واستمرّ القتل في عكّ وقتل شملقة ابن الجُباب غيلة وكان الذي تولى حربهم وقتالهم جذع بن سنان وكان شجاعا مقداما فتّاكاً. وكان أعور أصم كثير الكيد عظيم المكر شيطانا من شياطين العرب. وكان ثعلبة العنقاء كارها لذلك من فعله فحلف أن لا يقيم هنالك. فلم يزالوا سائرين حتى صاروا قريبا من مكة. وكان سكان مكة يومئذ جُرهم. فأرسل ثعلبة العنقاء رسلا إلى جرهم فسألهم أن يأذنوا لهم في المقام عندهم فأبوا عليهم فاقتتلوا وظفرت بهم الأزد فأجلوهم عن مكة ووليت خزاعة البيت دهرا طويلا نحو من ثلاثمائة سنة. قال ابن قتيبة: ومات ثعلبة العنقاء بمكة فاستُخلف على قومه أخوه جفنة بن عمرو بن عامر. فتقلد جفنة ما كان يتقلد آباؤه من حفظ المملكة والذب عنها. ولم يزل في مكة مقيما هو وقومه من الأزد حتى ضاقت عليهم مكة وأرادوا الشخوص عنها. وكانت فيهم كاهنة وهي طريفة زوجة عمرو بن عامر مزيقياء. فلما عزموا على الخروج من مكة قالت لهم كاهنتهم من كان ذا هّم بعيد وحمل جليد وبأس شديد فليقصد عُمان المشيد. فنزلوا عُمان فسار أليه بنو نضر بن الأزد فهم أزد عُمان. فنزلوا عُمان

стр. 10

والبحرين ولوا على ما هنالك فهي مساكنهم. إلى اليوم. ثم قالت: ومن كان منكم ذا جرأة وعزيمة وفتك وشهامة وصبر على أزمات الدهر فليقصد الوادي من مرّ. فنزلت هنالك خزاعة فهي مساكنهم في الجاهلية والإسلام. ثم قالت: ومن كان يريد الراسخات في الوحل المطعمات في المحل فليقصد يثرب ذات النخل. فسار إليها حارثة بن ثعلبة العنقاء في ولده من الأوس والخزرج فهي مساكنهم في الجاهلية والإسلام. فلما عزموا على الخروج إلى يثرب قالت لهم: يا أهل الوجوه المضيئة والأنفس الأبية والمناقب السنية انزلوا يثرب القصيّة قبل نزول المنية وطول القضية لتعلموا بعد الجهالة وتبصروا صاحب الرسالة. ثم قالت: ومن كان يريد الثياب الرقاق والخيول العتاق والكنوز والأرزاق فليقصد مناهج العراق. فسار إليها مالك بن فهم الأزدي في قبائل من قومه فغلبوا عليها وصاروا فيها ملوكا فيهم ملوك الحيرة قبل ملوك لخم. ثم قالت: ومن كان يريد الخمر والديباج والحرير والملك والمسامير فليلحق ببُصرى وحفير ولباب دمشق الشام ليملكها أعواما بعد أعوام ويريها فتوة الكرام. فسار إليها جفنة بن عمرو بن عامر في ولده وولد ولده وكان أكثرهم ولدا ويروى أنه كانت له مائة امرأة منكوحة ويار معه عدة من قبائل غسان قالوا: وإنما سمي جفنة لأنه ورث حفنة أبيه التي كان يطعم فيها الناس وكانت جفنة عظيمة يدور بها مائة فارس يأكل منها القاعد والقائم والراكب: وكانت م فصل ة فإذا أتى العيد أُخرجت ورُكّبت وقيّر ظهرها كما يقير السفينة فإذا انقضى العيد فُصّلت وأعيدت إلى موضعها. قال ابن قتيبة: وسار جذع بن سنان قاتل شملقة بن الجباب فيمن سار إلى الشام وكان سيدا من سادات غسان. فلما اطمأنوا أتاهم عامل قيصر يطالبهم بجباية الملك. فقال له جذع بن سنان: نحن قوم غرقى وليس معنا ما نسوقه إلى الملك ولكن خذ هذا السيف وهنا عندك إلى أن يوجد عندنا ما نسوقه إلى الملك. فقال العامل: اجعله في كذا وكذا من أمك فضحك

стр. 11

الحاضرون. وكان جذع بن سنان أصم فلما رأى الجماعة ضحكوا عرف ما قال العامل: فاستلّ السيف وضرب عنق العامل. فقال بعض الحاضرين خذ من جذع ما أعطاك. فذهب مثلا فمضى كاتب العامل إلى قيصر فأخبره بما كان من غسان وقتلهم العامل. فوجه قيصر إليهم جيشا كثيفا ليقاتلوهم ويطردوهم عن البلاد فهزمتهم غسان واخذوا سلاحهم. ثم بعث إليهم جيشا آخر فلم تقم لهم قائمة مع غسان فهزموهم وقتلوا منهم طائفة فلما رأى ذلك قيصر استنابهم على عرب الشام ورفع أيدي سليح عنها. وكانت سليح ملوكا على عرب الشام قبل غسان. ولم تزل غسان ملوكا هنالك إلى أن قامت دولة الإسلام. والله أعلم. فصل ذكر ملوك الشام الجاهلية من غسان قال علي بن الحسن الخزرجي عامله الله بإحسانه: كان أول من ملك الشام من غسان بعد جفنة بن عمرو بن عامر الحارث بن عمرو بن جفنة وهم الحارث الأكبر وكنيته أبو شمر وكان يدعى مُحرّقا لأنه أول من عاقب بالنا وولده يعرفون بآل مُحرق. قال ابن خُمرْ طاش في مقصورته: والشُّمُّ من شمّبني مُحرّق ... من طبق الأرض جنودا كالذبا هذه رواية الاشعريّ: قال: ثم ملك بعده ابنه الحارث الأعرج بن الأكبر وأمه مارية ذات القرطين التي يقال فيها. ولو بقرطي مارية. وهي مارية بنت الأرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة. وقيل مارية بنت ظالم بن وهب ابن الحارث بن معاوية بن ثور وهو كندة وإليها ينتسب ملوك غسان. قال حسان بن ثابت الأنصاري يمدح ملوك بني جفنة: أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل يغشون حتى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل

стр. 12

بيض الوجوه كريمة أحسابه ... شمّ الأنوف من الطراز الأول وكان خير ملوكهم وأيمنهم طيرا وأبعدهم مغارا. وشدهم مكيدة وهو الذي غزا خيبر وسبأ ثم اعتقهم بعد ما قدم الشام. وسار إليه المنذر ابن ماء السماء للخمي في مائة ألف من قومه وأهل بلاده ووجه إليهم الحارث الأعرج مائة رجل من غسان وأظهر أنه بعث بهم للمصالحة وكان فيهم لبيد ابن يزيد الغساني الشاعر. وكان يومئذ غلاما. فأحاطوا برواق المنذر بن ماء السماء وهجم عليه جماعة منهم فقتلوه وقتلوا جماعة من قومه وأهل بيته ممن كان عنده وطاروا إلى متون خيولهم فنجا بعضهم وقتل بعضهم. وعند ذلك حملت خيول الغسانيين على جموع المنذر فهزموهم وقتلوا منهم طائفة واسروا أخرى. وكان هذا اليوم يسمى يوم حليمة. وذلك أن حليمة بنت الحارث الأعرج طيبت أُولئك المائة بطيب من طيب الملوك ثم لبسوا أكفانهم ثم لبسوا الدروع. من فوقها ثم ساروا نحو المنذر فسمي ذلك اليوم يوم حليمة لذلك ثم ملك بعده ولده الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر. ثم ملك بعده أخوه النعمان بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر وهو الذي قال فيه النابغة الذبياني: هذا غلام حسن وجهه ... مستقبل الخير سريع التمام للحارث الأصغر والحارث الأع ... رج والأكبر خير الأنام ثم لهند ولهند وقد ... أسرع في الخيرات منه إمام خمسة آبائهم ما هم ... أكرم من يشرب صوم الغمام وفيه يقول النابغة أيضا فإن يجزع النعمان نفرح ونبتهج ... وبات معدّا خيرها وربيعها ويرجع إلى كهلان ملك وسؤدد ... وتلك المنى لو إننا نستطيعها وقال ابن قتيبة: وكان للنعمان بن الحارثة ثلاثة بنين. حجر بن النعمان وبه كان يكنى أبوه

стр. 13

وعمرو بن النعمان. والنعمان بن النعمان وكلهم كان ملكا. وفيهم يقول حسان بن ثابت الأنصاري: من يغر بالدهر أو يأمن ... من قبيل بعد عمرو وحجر ملكا من جبل الثلج إلى ... جانبي أيلة من عبد وحر ثم ملك بعده أخوه عمرو بن الحارث الأعرج وهو الذي أشار إليه النابغة الذبياني حين فارق النعمان بن المنذر. وفيه يقول: عليّ لعمرو نعمة بعد نعمة ... ووالده ليست بذلت عقارب قال ابن قتيبة: وكان يقال لعمرو بن الحارث أبو شمر الأصغر. وقال المسعودي: لما هلك الحارث الكبر كان أول ملك بعده الحارث ابن ثعلبة بن عمرو وقال. وأُمه ذات القرطين. قال: ثم ملك بعده النعمان ابن الحارث بن جبلة ابن الحارث بن ثعلبة بن جفنة: ثم ملك بعده عوف ابن أبي شمر. وكان ملكه حين بعث النبي ﷺ . وذكر بغض الأخبار يبين أن حسان بن ثابت وفد على الحارث بن أبي شمر بالشام. وكان النعمان بن المنذر ملك الحيرة يساميه. فقال الحارث بن أبي شمر لحسان بن ثابت. يا ابن الفُريعة بلغني أنك تفضل النعمان عليّ فقال له حسان: وكيف أُفضله عليك أو أساميك به. فوالله لقفاك احسن من وجهك ولأمك اشرف منابيه ولشمالك أجود من يمينه ولقليلك اكثر من كثيره ولثمادك أمرع من غديره ولكرسيك أوسع سريره ولجداولك اغرز من بحوره وليومك أطول من شهوره وإنك لمن غسان وإنه لمن لخم فكيف أُفضله عليك أو أُدله بك. فقال يا الفُريعة أن هذا لا يُسمّع إلا في شعر فقال:

стр. 14

نُبئت أنّ أبا منذر ... يساميك للحارث الأصغر قذا لك أحسن من وجهه ... وأُمك خير من المنذر ويسري يديك على عسرها ... كيميني يديه على الميسر ومنهم الحارث بن أبي جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن الحارث بن ثعلبة ابن عمرو بن جفنة. ذكره ابن الجون. قال: وكان ملكه ثلاث سنين. قال: ومنهم الأيهم بن جبلة بن الحارث بن أبي جبلة بن الحارث بن ثعلبة ابن الحارث بن عمرو بن جفنة. ومنهم جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة. وهو آخر ملوكهم ة الله أعلم. وكان عدد ملوكهم ثلاثين ملكا. وقيل اثنين وثلاثين ملكا. وقيل ستة وثلاثين ملكا. ومدة ملكهم ستمائة سنة وست عشرة سنة. وفي بعض التواريخ أن مدة ملكهم ألف سنة وستمائة سنة. فصل قال علي بن الحسن الخزرجي عامله الله بإحسانه: وأورد صاحب التيجان فصلا ذكر فيه أسماء ملوك غسان. وكان يسمى قاتل الجوع. ثم ولده ثعلبة بن مازن. وكان يسمى زاد السفر. ثم ولده امرؤ القيس بن ثعلبة. وكان يسمى بهلول. ثم ولده حارثة بن امرؤ القيس. وكان يسمى الغطريف. ثم ولده عامر بن حارثة. وهو الذي يُسمى ماء السماء ويقال ماء المزن: ثم ولده عمران بن عامر وكان كاهنا: ثم أخوه عمرو بن عامر وهو الذي يقال له مزيقياء: ثم ولده ثعلبه بن عمرو بن عامر واسمه عُلبة ابن عمرو: ثم ابنه عمرو بن جفنة: ثم ابنه الحارث بن عمرو بن جفنة وهو الحارث الأكبر: ثم ابنه الحارث وهو الحارث الأعرج: ثم ابنه الحارث بن الحارث وهو الحارث الأصغر ثم أخوه النعمان ابن

стр. 15

الحارث الأعرج: ثم أولاد النعمان وهم ثلاثة عمرو بن النعمان وحجر بن النعمان والنعمان بن النعمان بن الحارث: ومن ولد الحارث الأعرج أيضا المنذر بن الحارث الأعرج والأيهم ابن الحارث الأعرج وولده جبلة بن الأيهم وأبو جبلة بن عمرو وهو الذي قتل اليهودي بالمدينة: قال: ومنهم جبلة بن جفنة وثعلبة بن عمرو وعمرو ابن عمرو والمنذر بن الحارث بن جبلة: قال: والأياهم الأربعة هم: الأيهم بن الحارث بن جبلة بن الحارث بن أبي جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة: والأيهم بن الحارث بن لبي جبلة والأيهم بن جبلة ابن الحارث بن أبي جبلة قال وذكر ذلك ابن الجون في شرح الخمر طاشية عن ابن الكلبي قال وللحارث بن جبلة أولاد النعمان بن الحارث وجبلة ابن الحارث والمنذر بن الحارث أيضا قال وكلهم كان هذه رواية صاحب التيجان والله أعلم. قال علي بن الحسن الخزرجي عامله الله بإحسانه. وقد أثبت الفقيه أبو الحسن حمزة بن الحسن الأصفهاني في كتابه المعروف بكتاب تواريخ الأمم اثنين وثلثين ملكا من ملوك غسان واحدا بعد واحد وعدد ما ملك كل واحد منهم من السنين على الانفراد. وذكر أن جملة تلك ستمائة سنة وسنة وقد حكيت ما حكاه في هذا الفصل الثاني الذي يأتي بعد هذا الفصل. وبالله التوفيق. فصل وقال أبو الحسن حمزة بن الحسن الأصفهاني ﵀ كان آل جفنة عمال القياصرة على عرب الشام كما كان آل نصر عمال الأكاسرة على عرب العراق. قال وأصل بني جفنة من اليمن ثم من الأزد. وذلك أن الأزد لما أحست وهي بمأرب بانتقاض السد وخشيت سيل العرم في مأرب فتشاءم قوم فنزلوا ماء يقال له غسان بالماء الذي نزلوا عليه وهو ماء بسدّ مأرب. وقيل هو ماء بالمشلل قريب من الجحفة. وقيل هو ماء بين زبيد ودمع وهما واديان للأشعر بين اليمن.

стр. 16

قال: ثم أنزلهم ثعلبة بن عمرو بن عامر وهو الذي يقال له العنقاء بادية الشام. وكان ملوكها يومئذ من قبل القياصرة سليح بن حلوان بن عمران بن الجان قضاعة. فلما نزلت غسان في جوالر سليح ضربوا عليهم الاتاوة. وكان الذي يتولى جبايتها سُبيط بن ثعلبة بن عمرو بن عوف بن ضجهم بن حماطة فقصد سبيط ثعلبة بن عمرو وطاب من الأتاوة فاستنظره ثعلبة فقال سبيط لتعجلن الأتاوة أو لآخذن أهلك. وكان ثعلبة حليما. فقال لسبيط هل لك في من يربح عليك بهذه الأتاوة. قال نعم: قال عليك بجذع بن سنان. وكان جذع بن سنان فاتكا كما ذكرنا فأتاه سبيط فخاطبه بما خاطب به ثعلبه بن عمرو. فخرج إليه جذع ومعه سيف مذهب. فقال له هل لك أن تأخذ هذا السيف عوضا عن حقك إلى أن أجمع لك الأتاوة. قال: نعم قال. خذه. فتناول سبيط جفن السيف وكان قائمه في جذع. فاستلّه جذع وضرب به سبيطاً حتى برد. فقيل له: خذ من جذع ما أعطاك. فذهب مثلاً: ووقعت الحرب بين سليح وغسان فأخرجت غسان سليحاً من الشام وصاروا بها ملوكا فكان أول ملك من غسان في أرض الشام جفنة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعابة البهلول بن مازن زاد السفر ويقال قاتل الجوع بن الأزد بن الغوث. قال ويزعم الأزد أن عمرو بن عامر إنما سمي مزيقياء لأنه كان يمزق في كل يوم من أيام مملكته حلتين يكره أن يعود فيهما ويأنف أن يلبسهما غيره فلذلك سمي مزيقياء وقيل لأن الأزد تمزقت في أيامه وافترقت عند هربهم من سيل العرم. فاتخذت العرب افتراق الأزد من مأرب بسيل العرم مثلا فقالوا ذهب بنو فلان أيدي سبأ. ويقال أيادي سبأ. والله أعلم. وكان الذي ملك جفنة على الشام ملك من ملوك الروم يقال له نسطورس فلما ملك جفنة بن عمرو الشام بعد الملوك السليحيين من قضاعة دانت له قضاعة وغيرها من أهل الشام وغيرهم. وبنى جلق والقرية وعدة مصانع. ثم هلك وكان ملكه خمساً وأربعين سنة وثلاثة اشهر. ثم ملك بعده ابنه عمرو بن جفنة خمس سنين وبنى

стр. 17

الأديار دير حالي ودير أيوب ودير هنادة. ثم ملك بعده ابنه ثعلبة بن عمرو بن جفنة وهو الذي بنى صرح الغدير في أطراف حوران مما يلي البلقاء وكان عمرة ملكه سبع عشرة سنة ثم ملك بعده ابنه الحارث بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة ولم يبن شيئا وكان ملكه عشرين سنة. ثم ملك بعده ابنه جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة ثم ملك بعده ولده الحارث بن جبلة بن الحارث بن ثعابة بن عمرو بن جفنة وأمه مارية ذات القرطين بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة وكان مسكنه بالبلقاء فبنى بها الحفير ومصنعة بئر عجاف وقصر أبيرق وكان ملكه عشر سنين. ثم ملك بعده المنذر ولده الأكبر بن الحارث بن ماربة وبنى جأثاء وزرقاء قريباً من القرنين وكان ملكه ثلاث سنين. ثم ملك بعده أخوه النعمان بن الحارث بن مارية وكان ملكه خمس عشرة سنة وستة اشهر ثم ملك بعده أخوه المنذر الأصغر وهو أبو شمر بن الحارث بن مارية وكان ملكه ثلاث عشرة سنة. ثم ملك بعده أخوه جبلة بن الحارث بن مارية وكان منزله بخارب فبنى قصر خارب ومخاربا وممنعة وكان ملكه أربعا وثلاثين سنة. ثم ملك بعده أخوه الأيهم بن الحارث بن مارية وبنى الأديار دير ضخم ودير النبوة وكان ملكه ثلاث سنين. ثم ملك بعده أخوه عمرو بن الحارث بن مارية ونزل السدير وبنى قصر العفار وقصر منار وكان ملكه ستا وعشرين سنة. ثم ملك بعده ابن أخيه جفنة الأكبر بن النعمان الأكبر بن الحارث بن مارية وهو المعروف بمحرّق وهو الذي احرق الحيرة وبه سموا آل محرّق وفيه يقول عدي بن زيد مخاطبا النعمان بن المنذر حيث يقول: سما صقر فأشعل جانبيها ... وألهاك المروّح والغريب فبتن لدى الثويةّ ملجمات ... فصبحن العباد وهنّ شيب

стр. 18

وكان سيّارة جوابه: ثم هلك وكان ملك ثلاث سنين: ثم ملك بعده النعمان بن المنذر الأصغر بن المنذر الأكبر بن الحارث بن مارية وكان ملكه سنة واحدة ولم يبن شيئا: ثم ملك بعده ابن أخيه النعمان بن عمرو ابن المنذر الأصغر بن المنذر الأكبر بن الحارث بن مارية فبنى قصر السويداء وقصر خارب. ولم يملك أبوه عمرو ولكنه كان يغزو بالجيوش وهو الذي امتدحه النابغة بقوله حيث يقول: عليّ لعمر ونعمة بعد نعمة ... ووالده ليست بذات عقارب قال عليّ بن الحسن الخزرجي عامله الله بإحسانه: والذي يظهر لي أن النابغة لم يدرك عصر هذا المذكور فإن المصنف ﵀ ذكر النابغة في آخر الفصل. وذكر أنه مدح الأيهم بن جبلة. وبين الأيهم بن جبلة وعمرو ابن المنذر الأصغر على ما أثبته هو في التاريخ ما يزيد على ثلاثمائة سنة. ومعلوم أن النابغة كان قريبا من دولة الإسلام. لان حسان بن ثابت عاصره ووفدا معا على النعمان بن المنذر اللخميّ. قال حمزة بن الحسن الأصفهانيّ: وكان ملك النعمان بن عمرو سبعا وعشرين سنة: ثم ملك بعده ولده جبلة بن النعمان بن عمرو بن المنذر الأصغر وكان منزله بصفّين وهو عيْن أُباغ وقاتل النعمان بن ماء السماء وكان ملكه ست عشرة سنة: ثم ملك بعدهُ النعمان بن الأيهم بن الحارث بن مارية ولم يحدث شيئاً وكان ملكه إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ثم ملك بعدهُ النعمان بن الحارث بن الأيهم فأصلح صهاريج الرصافةٍ وكان بعض ملوك لخم آخر بها. وكان ملكهُ ثماني عشرة سنة: ثم ملك بعدهً أخوه المنذر بن النعمان بن الحارث بن الأيهم فلم يحدث شيئاً وكان ملكهُ تسع عشرة سنة ثم ملك بعده أخوه عمرو بن النعمان فلم يحدث شيئاً وكان ملكه ثلاثاً وثلاثين سنة وأربعة أشهر: ثم ملك بعده أخوه حجرُ بن النعمان بن الحارث بن الأيهم بن الحارث بن

стр. 19

مارية وكان ملكه ستاً وعشرين سنة: ثم ملك بعدهُ ابنهُ الحارث بن حجر بن النعمان بن الحارث وكان ملكهُ اثنتي عشرة سنة: ثم ملك بعدهُ ابنهُ جبلة بن الحارث بن حجر بن النعمان وكان ملكهُ تسع عشرة سنة وشهراً: ثم ملك بعدهُ ابنهُ الحارث بن جبلة ابن الحارث بن حجر قال: ويسمى الحارث بن أبي شمرٍ. وهو الذي أوقع ببني كنانة وكان يسكن الجابية وكان ملكهُ إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهرٍ: ثم ملك بعدهُ ابنهُ النعمان بن الحارث بن جبلة بن الحارث بن حجرٍ وكنيته أبو مرز فبنى ما اشرف على الغور الأيسر وبكاهُ النابغة بقوله: بكى الحارث الجولان ... وحوران منهُ خاشعُ متضائلُ وكان ملكهُ سبعاً وثلاثين سنة وثلاثة أشهر: ثم ملك بعدهُ الأيهم ابن جبلة بن الحارث بن أبي شمر وهو صاحب تدمر وقصر ترعة وهو الذي أوقع ببني العنبر بن حشر وعامله وفيه يقول النابغة: شلت حلومهم عنهم وغرهم ... سن المعيدي في رعي وتعزيب ثم ملك بعدهُ أخوه المنذر بن جبلة بن الحارث بن أبي شمر وكان ملكهُ سنة: ثم ملك بعدهُ أخوه عمروُ بن جبلة بن الحارث بن أبي شمر وكان ملكهُ عشر سنين وشهرين: ثم ملك بعدهُ ابن أخيه جبلة بن الحارث بن جبلة بن الحارث بن أبي شمر وكان ملكهُ أربع سنين: ثم ملك بعدهُ جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الأيهم بن الحارث بن مارية ذات القرطين وهو الحارث بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة: واسم جفنة ثعلبة بن عمرو مزيقياءَ بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازنٍ زادِ السفر ويقال قاتل الجوع ابن الأزد بن الغوث وكان ملك جبلة بن الأيهم ثلاث سنين وهو آخر ملوك غسان في أرض الشام: والله اعلم: هذا آخر ما حكاهُ حمزةُ بن الحسن الأصفهاني في كتابه المعروف بتواريخ الأمم والله اعلمُ. واتفق المؤرخون جميعاً أن جبلة بن الأيهم كان آخر ملوك غسان في الجاهلية

стр. 20

وكان طوله عشر شبراً وكان إذا ركب مسحت قدمه الأرض وأدرك الإسلام فأسلم في أيام عمر ﵁ ثم انتصر ولحق بالروم. وكان سبب تنصره أن رجلاً وطئَ على طرف ردائه وهو يطوف البيت. فالتفت إلى ذلك الرجل فلطمه لطمة هشمت انفه وكسرت سنه وخضرت عينه فاستعدى ذلك الرجل على عمر بن الخطاب ﵁ فقال له عمر أرضه أو أقيدهُ. فقال إني ملك وهو سوقة: فقال لهُ عمر أن الإسلام قد سوَّى بينكما. فقال: أمهلني إلى غدٍ. فأمهلهُ. فلما جنَّ الليل خرج في حشمه وعبيده ومن أطاعهُ من قومهٍ فلحق بالروم وتنصر. ثم ندم على ما كان منهُ. وهو الذي يقول: تنصرت الأملاك من أجل لطمة ... وما كان فيها لو صبَرتُ لها ضررْ تكنفني فيها لجاجُ ونخوةُ ... فكنت كمن باع الصحيحة بالعَوَرْ فيا ليتَ أمي لم تَلدْني وليتني ... رجعتُ إلى القول الذي قاله عمرْ ويا ليتني أرْعى المَخَاض بقفرهِ ... وكنت غريباً في ربيعةَ أو مُضَرْ ويا ليت لي بالشام أدنى معيشةٍ ... أجاورُ قومي ذاهبَ السمح والبصَرْ أدينُ بما دانوا بهِ من شريعةٍ ... وقد يصبرُ العَودُ الضَّجُورُ على الديَرْ قال عليُّ بن الحسن الخزرجي. ومن ولد جبلة بن الأيهم بنو رسول ملوك اليمن في الإسلام وسأذكرهم في ال فصل الذي سأذكره بعد هذا أن شاء الله تعالى وبالله التوفيق. فصلُ ذكر بني رسول ملوك اليمن في الإسلام قال عليُّ بن الحسن الخزرجي عاملهُ الله بإحسانهِ: كان اسمُ رسولٍ محمد بن هارون بن أبي الفتح بن يوحي بن رستم وهو من ذرية جبلة بن الأيهم بن الحارث بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة بن عمرو مزيقياءَ بن عامرٍ ماءِ السماء بن حارثة الغطريفِ بن امرئ

стр. 21

القيسِ البطريق بن ثعلبة البهلول ابن مازنٍ زاد السفر ويسمى قاتل الجوعِ أيضاً بن الأزدِ بن الغوث بن نبت بن مالكِ بن زيدِ بن كهلانَ بن سبأ بن يشجبَ بن يعربَ بن قحطانَ. وكان من قضاء الله وقدرهِ السابق في عملهِ أنه لما تنصر جبلة بن الأيهم كما ذكرنا أولاً ولحق بالروم يومئذ أقام هنالك إلى أن هلك. قيل على شركه وقيل على الإسلام لان أبياته المذكورة التي يقول في أولها. تنصرت الأشراف من أجل لطمةٍ. تشهد برغبته في الإسلام وندمه على مفارقته. والله اعلم بسريرته. فلما هلك هنالك أقام ولدهُ بعدهُ ما شاء الله في بلاد الروم. ثم انتقل ولدهُ ومن انضم إليهم من قومهم إلى بلاد التركمان فسكنوا هنالك مع قبيلة من قبائل التركمان يقال لها مجك هي اشرف قبائل التركمان. فأقاموا بينهم وتكلموا بلغتهم وبعدوا عن العرب فانقطعت أخبارهم عن كثير من الناس. فكان كثير من الناس يظن أنهم من التركمان وهم مقيمون على أنسابهم. فلما خرج أهل هذا البيت إلى العراق نسبهم من يعرفهم إلى غسانً ونسبهم من لا يعرفهم إلى التركمان. وكانوا بيت شجاعة ورئاسة. وكان محمد بن هارون جليل القدر فيهم فأدناه الخليفة العباسي وأنس به واختصهُ برسالتهِ إلى الشام والى مصر ورفعَ الحجابَ فيما بينه وبينهُ فانطلق عليه اسم رسول وشهرَ بهِ وترك اسمهُ الحقيقي حتى جهلً. فلا عرفهُ إلا القليلُ من الناس. ثم انتقل من العراق إلى الشام ومن الشام إلى مصرَ فيمن معهُ من أولادهِ. قال صاحبٌ السيرة المظفريةِ: فلما استوثق الملك لبني أيوب في مصر لم يزل معهم عصبة من بني رسول لعلمهم بتقدم منصبهم في الملك وعلق هممهم وشدة بسالتهم وثبوت آرائهم. فاجتمع رأي بني أيوب على أن يسلموا إليهمُ اليمن. فقال ذوو رأيهم إذا يستقون بها عليكم وينازعونكم في الشام. فأجمع رأيهم على تسييرهم إلى اليمن صحبة الملك المعظم تورانشاه بن أيوب. فخرجوا صحبته بعد أن استحلفهم له أخوهُ الملك الناصرُ يوسف بن أيوب وأوصاهم بحسن صحبته

стр. 22

والنصح في مسايرته وخدمته. وكان لهم في الديار المصرية جلالة ووجاهة وحظ ونباهة. وكانوا خمسة رجال يركبون من بيتٍ واحدٍ: ١ شمس الدين علي بن رسول: ٢ بدرُ الدين الحسن بن علي بن رسولٍ: ٣ نور الدين عمرُ بن علي بن رسول: ٤ فخر الدين أبو بكر بن علي بن رسول: ٥ شرف الدين موسى بن علي بن رسول. وكانوا غاية في الشجاعة والأقدام وحسن التدبير في الحرب. لاسيما أبوهم شمس الدين. وكان ولده الأمير بدرُ الدين الحسن بن علي بن رسولٍ لا قوم لهُ في الحرب عدد وإن كثر. وكان نور الدين له عقل ثاقب ورأي صائب. وكان فخر الدين جواداً كريماً. وكان شرف الدين فارساً شاعراً فصيحاً وهو القائل في ذلك: نكون حماتها ونذبُ عنها ... ويأكل فضلها القومُ اللئام معاذ اللهِ حتى ننتضيها ... عقائق في العجاج لها ابتسامُ فسمعه بعض المصريين فقال: خرجت اليمنُ من أيدي بني أيوب. وكان دخول الملك المعظمِ اليمن في سنة تسع وستين وخمسمائةٍ فأمام في اليمن السنة سبعين ثم رجع إلى مصرَ في سنةِ إحدى وسبعين. وترك في اليمن نواباً له يحملون خراجها إليه في كل سنةٍ إلى أن توفي في سنة ستٍ وسبعين وخمسمائة. فلما علم نوابهُ بموته اختلفوا فيما بينهم وتغلب كل واحدٍ منهم على ما تحت يدهِ. فلما علم الملك الناصرُ باختلافهم وتغلبهم على البلاد أرسل أخاهُ الملك العزيز طفتكين بن أيوبَ في قطعة من العساكر وكان دخوله اليمن في يوم السبت الثالث عسر من شوال سنة تسع وسبعين وخمسمائةٍ: فأقام في اليمن إلى أن توفي في السادس والعشرين من شوال سنة ثلاثٍ وتسعين وخمسمائة. فتولى الملك بعده ولدهُ المعزُ إسماعيل بن طفتكين بن أيوب فلم يزلْ بها إلى أن توفي مقتولاً بيد الأكراد يوم الأحد الثامن عشر من شهر رجب سنة ثمانٍ وتسعين وخمسمائة. فتولى الملكَ بعدهُ أخوهُ الناصر أيوب ابن طفتكين بن أيوب فلم يزل بها إلى أن توفي مسموماً ليلة الجمعة الثاني عشر من المحرم سنة عشر وستمائة. وقال الجندي: أول سنة إحدى عشرة وستمائة. وعندي أنه هو

стр. 23

الصحيح. وكان الملك الناصر صاحب مصر قد توفي وتولى الملك في الديار المصرية أخوهُ الملك العادل أبو بكر بن أيوب. فلما بلغه علم ما جرى في اليمن من قتل المعز وسم أخيه الناصر. وهما معاً ابنا أخيهِ العزيز. جهز ابن ابنهِ الملكَ المسعود صلاحَ الدين يوسف بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب في جيش كثيف إلى اليمن وموال كثيرة وحالة كبيرة. وكان يومئذ في سن البلوغ. وكتب إلى الأمير شمس الدين علي بن رسول والى سائر الأمراء المصريين باليمن يأمرهم بحسن صحبته والقيام بما يجب من خدمته. وكان دخول الملك المسعود زبيداً يوم السبت الثاني من المحرم سنة اثنتي عشرة وستمائة. وكان قد قدم قبلهُ سليمان بن تقي الدين عمر بن شاهنشاهَ بن أيوب المعروف بالصوفي ومعهُ جماعة في زي الصوفية وكان قدومهُ بعد وفاة الناصر أيوب بن طفتكينَ. فاستدعته أم الناصر المذكور لما علمت به وكانت يومئذٍ في حصن تعز فقالت لهُ: إنا نخشى أن يطمع فينا العرب ونحن نساء لا حيلة لنا وقد ساقك الله إلينا فقم بملكِ ابن عملك. فأجاب إلى ذلك فأطلعوه الحصن وأجلسوهُ على سرير الملك وحلف الجندُ. وكان ضعيفاً لا درية له بالملك. فاشتغل بالشراب واللعب حتى تصعصع الملك واستولى الإمام المنصور عبد الله بن حمزة على صنعاء وذمار وفسد الأطرافُ. فلما وصل الملكُ المسعود إلى زبيدٍ في التاريخ المذكور واستقر في الدار السلطانية بزبيد وقد ضعف عسكرهُ وكلتْ دوابه أرسل إلى سليمان بن تقي الدين وكان يومئذ في حصن تعز من يخاطبهُ بالصلح على أن يكون الجبالُ لسليمان والتهائم للمسعود. فلما سمع بذلك الأمير بدر الدين الحسن بن علي بن رسول نزل إلى الملك المسعود وحثه على الطلوع إلى تعز. فطلع وحطَّ على حصنِ تعز ولقيهُ عساكر اليمن بأسرها. فقال له الأمير بدر الدين. أرى أن تكتب إلى الجند الذين هم في حصن تعز كتاباً تقول فيه: أقسم باللهِ تعالى لئن لم تمسكوا

стр. 24

سليمان بن تقي الدين لا أصبتم مني عافية. ففعل. فلما وصل كتابهُ إلى الجند نهضوا بأجمعهم إلى سليمان بن تقي الدين فأغلقوا باب المجلس وأمروا إلى الملك المسعود رسولاً يعلمهُ بذلك. فلما علم بذلك أرسل نائبه فطلع فأمسك سليمان وقيدهُ. ثم طلع الملك المسعودُ حصن تعز وكان طلوعهُ يوم الأحد عاشر صفر من سنة اثنتي عشرة وستمائة. واستولى على اليمن بأسره من التاريخ المذكور. وأرسل سليمان بن تقي الدين إلى مصر مقيداً. ولم يزل الأمير شمس الدين عليُّ بن رسول وأولادهُ مقيمين في اليمن مع بني أيوب على أحسن سيرة. وكان الأمير شمسُ الدين عاقلاً كاملاً صالحاً تقياً لهُ رأي ورئاسة ونظرُ وسياسة. وكان له عند سيف الإسلام المحلُّ الأعلى والقدحُ المعلى حتى أن نساء سيف الإسلام لم يكن يحتجبن منهُ لصلاحهِ وحسن سيرتهِ والتماس بركتهِ. ولما كتب الظاهر بيبرسُ صاحب الديار المصرية إلى الملك المظفرِ ﵀ كتاباً يهددهُ فيه ويتوعدهُ أجابهُ الملك المظفرُ رحمة الله عليه بما معناهُ نحن محفوظون ببركة جدنا ولا نخافُ ضرا بحمد الله وبركةِ جدنا ﵀. وكان الأمير شمس الدين ﵀ يسكن في ناحية جبلة ومن مآثره قصر عومان هنالك. وكثيرُ من ذريته يسكنون هنالك إلى يومنا هذا. وكان يحب العلماء والصالحين ويحبونه لحسن سيرته وصلاح سريرته وكان كثيراً ما يتولى في الجهات الخيسية وصحبَ الفقيه الصالح حسن بن أبي بكرٍ الشيبانيَّ. وكان الفقيهُ حسن الشيباني من الصالحين الكبار وكان يرشدهُ لأفعال الخير والرفق بالرعيةِ. فلا يخالفهُ. وكان الشيباني مدعواً له كثيراً. وربما بشره بمصير الملك إلى ذريتهِ: وكانت وفاته ﵀ في شهر صفر سنة أربع عشرة وستمائة. وقد رأس أولادهُ وانتشر ذكرهم وبعد صيتهم وظهر من شجاعتهم وبراعتهم ما لم يكن في ظن أحد من الناس واشتهروا في البلاد وعرفهم الحاضر والبادي. وكان أتابكُ الملك المسعود في أيام دخولهِ اليمن جمالَ الدين فليتاً. فجهزه إلى صنعاء لحربٍ الإمامِ المنصور عبد الله بن حمزة في شهر جمادى الأولى من سنة اثنتي

стр. 25

عشرة وستمائةٍ. فلم يزل الحرب بينهما إلى أن توفيَ الإمامُ عبد الله بن حمزة. وكانت وفائهُ يوم الخميس الثاني عشر من شهر المحرم سنة أربع عشرة وستمائة. ثم توفي الأتابكُ بعدهُ. وكانت وفاته يوم الخميس سلخ شهر ربيع الأول من السنة المذكورة عند بئر الخولانيّ وقبر في صنعاء يوم الجمعة عشرة شهر بيع الآخر. فلما علم الملك المسعود بوفاة الأتابك فليت خرج إلى صنعاء فدخلها يوم السبت الثامن من شهر جمادى الأولى: وتسلم حصن كوكبان يوم الخميس في الخامس من شهر جمادى الآخرة وفي هذا التاريخ اصطلح السلطانُ الملكُ المسعودُ والإشراف. وعاد الملك المسعود من صنعاء إلى اليمن في شهر رجب من السنة المذكورة وهو مقيم ببني رسول وقد وثق بهم وأنس إليهم وولاهم الولايات الجليلة وأعجبه من حسن طاعتهم وشدة بسالتهم. فولى الأمير بدر الدين صنعاء وجعلها إقطاعاً لهُ. وولى الأمير نور الدين الحصون الوصابية. فأقام فيها مدة. ثم ولاه مكة المشرفة فأقام فيها مدة. وفي مدة ولايته فيها ظهر ابنه الملك المظفر يوسفُ بن عمر فيها وكان يسمى المكي. وكان ظهوره في سنة تسع عشرة وستمائة. ولما فصله من ولاية مكة جعله أتابكه ومتولي أمر عساكره وأموره كلها فلما تقررت الأحوال وهدأت الحروب والفتن تجهز الملك المسعود إلى مصر. وكان خروجه من زبيد يوم النصف من شهر رمضان من سنة عشرين وستمائة. وترك في اليمن نور الدين عمر بن علي بن رسول نائباً نيابة عامة. وترك أخاه بدر الدين في صنعاء خاصة. وحلف لهما الجند المقيمون. وتقدم في التاريخ المذكور. فقام يزعم الصوفي في الحقل وبلاد زبيد. وجبل بني مسلم المسمى سحَّمَر. بفتح السين وأحاء المهملتين وتشديد الميم المفتوحة وآخره راء. فدعا الناس إلى نفسه وأخبرهم أنه داع لإمام حق. فإنصاف إليه من غوغاء الناس وطغامهم جم غفير. فسار إليه نور الدين ومعه راشد بن مظفِّر بن الهرشِ. فقال يرعمُ الصوفي لمن معه. أن قانونا في غد هزمناهم وقتلنا راشد بن مظفر. فوقع القتال فكان كما قال اتفاقاً. فازداد الناس له محبة وصدقاً. وكانت وقعة يزعم الصوفي في سنة اثنتين وعشرين وستمائة. ثم تلاشت أموره وظهر الناس كثير من

стр. 26

كذبه وفساد مذهبه. فخرج هارباً من بلد إلى بلد ثم كانت وقعة عُصْرٍ بين الأمير بدر الدين حسن بت علي بن رسول وبين الشريف عزّ الدين محمد الإمام المنصور عبد الله بن حمزة فجمع الشريف عزُّ الدين جموعه من الخيل والرجل. فكانت خيلة سبعمائة فارس وكان رجله ألفي راجل. فقصد بِهمْ صنعاءَ بعد خروج الأمير بدر الدين منها إلى ذرْوان ممداً لأخيه نور الدين بعد الهزيمة. وكان خروج الأمير بدر الدين من صنعاء إلى ذروان يوم الأحد السادس عشر من رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة. فوصل ذروان يوم الاثنين أسابع عشر من الشهر المذكور. فلما بلغه العلم بخروج الشيف عز الدين إلى صنعاءَ ورجع معه أخوه نور الدين على الفور فوصلوا وقد وصل الأمير سالم بن عليّ بن حاتم والأمير عُلْوان بن بشْر بن حاتم إلى صنعاءَ في خيل ورجل من ذمرمر والعروس وحفظوا المدينة. وقد حط الأمير عزُّ الدين في عُصر وتجهز للقتال. ونزل قاصداً صنعاءَ فخرجت الرتبة ومن معها من همذان. ووقع بينهم الطراد بكرة يوم الأربعاء السادس والعشرين من رجب المذكور فاقتتلوا إلى وقت الغداة. وبيناهم في القتال إذ وصل الأمير بدر الدين وأخوه نور الدين ومن معهما. والناس متلازمون في القتال. وقد وقع القتل في الفريقين وكلُّ حافظ لأصحابه. فدخل الأميران القصر وتغذى الناس على السماط. ثم قال الأمير بدر الدين. نستريح أولاً ثم ندخل الحمام أن شاءَ الله ثم نخرج. فوفقوا في القصر قليلاً ثم دخلوا الحمام فلما خرجوا منه حرك الرياح واجتمع العسكر الذين وصلوا معهما وهم مائة فارس يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً. فلما خرجوا من الباب وقف نور الدين في بعض الخيل ذكراً وفئة يرجع الناس إليه أن انهزموا. وتقدم الأمير بدر الدين في الباقين والناس متلازمون في القتال. فرتب أصحابه وحرضهم على صدق القتال والتفت فيهم يمنياً وشمالاً وقال: هَيّ هَيَ. فقالواك هيّ هيّ. وكان هذا شعاره في عسكره وحمل في القوم وصمم فيهم. وحمل سائر أصحابه وصمموا معه. ومنحهم الله النصر والظفر فانهزم جيش الأشراف ولم يقم منهم أحد وولوا

стр. 27

مدبرين. وقتل فيهم قتلاً ذريعاً حتى قيل أنه كسر ثلاثة أرماح وانقطع السيف الذي كان في يده وإطار خيارة الدبوس ولم يرجع من المعركة إلاَّ في يده عرقة الركاب بركابها. ويرى أنه قتل يومئذ فارساً بفارس صرع أحدهما بالآخر. ولم يزل القتل والأسر فيهم إلى أن دخل الليل وغشيهم الظلام. وقتل الشيخ مخلص الدين جابر بن مقبل بعد أن أبلى بلاءً حسناً. وقتل من وجوه العرب جماعة. ووقع في الشريف عزّ الدين نشاب في عينه بعد أن قاتل هو ومن حضر من اخوته وباتوا ليلتهم سائرين قاصدين ثُليَّ ولم ينزلوا عن ظهور خيلهم حتى وصلوا ثُلَّى وقد تفرَّق جمعهم ولم يبق معهم غير أربعين فارساً وهم الأشراف وعبيدهم. وفي هذه الواقعة يقول العمادي السيزري وكان شاعر الملك المسعود ﵀ ألا هكذا للُملك تعلو المراتب ... وتسمو على رغم العداة المناقبُ فُتوح سرت في الأرض حتى تضوَّعت ... مشارقها من ظيبها والمغاربُ بسيف الجواد ابن الرسول توطدت ... قواعد ملك ربُّه عنه غائبُ فولَّوا ومن طعن القنا في ظهورهم ... عيون ومن ضرب السيوف حواجبُ وكتب السلطان عُلوان بن بشر بن حاتم النامي إلى الشريف عزِّ الدين محمد بن الأمام المنصور عبد الله بن حمزة بن سليمان بن حمزة أسادات الورى من كل حيَ ... وأسمى في المعالي من يسامي وأربطها لدى الهيجاء بأساً ... وأحمامها إذا عدم المُحامي أُهنئكم قدوم العيد فرضاً ... عليَّ فعدتم في كل عام وأهدي نحوكم أزكى سلامي ... إلى المأموم منكم والإمام وأُسمعكم أحقاً ما سمعنا ... فما يشفي سوى صدق الكلام بأن جموعكم طارت شعاعاً ... ولَّما تخش عاقبة الملام وولت غير كاسبة ثناءً ... فراراً لم تكر ولم تحامي سوى عشر فحياً الله عشراً ... تحامت من بني حام وسام ولم يحضر من الأُمراء إلآً ... شهاب الدين محمود المقام

стр. 28

ونور الدين والبدر المرجى ... ليوث الحرب في يوم الصدام وخيلهم إلى مائة وعشر ... وهم ما بين رُمَّاح ورامي فماذا تصنعون إذا اَّلَّمت ... جنود الملك في يمن وشام ولاحت راية المسعود فيها ... كلائحة على أرحام طام هنالك تندمون ولا محيص ... إذا حُمَّ القضاء لدى الحمام فإن تقبل نصيحة ذي واداد ... فإن النصح من شيم الكرام أتيتم طائعين إلى مليك ... شريف النفس ذي منن جسام فتى هُزّت بنو أيوب منِهُ ... حسامُ مَصىً يفُلُّ شبا الحسام وقُلّدت الأمور إليه لما ... غدا لا بالدَّدان ولا الكهام وقالت عند ذلك قول فذّ ... أديب شاعر حسن النظام فأعظ القوس باريها ودعها ... فقد أَودعتها في كف رام فذبَّ برأُيه والسيف عنهم ... وقام بملكهم أوفى قيام فأجابه عز الدين محمد بن الإمام المنصور عبد الله بن حمزة بن سليمان أبن حمزة يقول أمن برق تأَلق بابتسام ... أرقت ولم تذق طعم المنام لذكر الوصل أو لفراق غيد ... تضيءُ وجوهها جنح الظلام رعى الله الديار وساكنيها ... وروّى ربعها صوب الغمام فلا تعجب لتذكاري فإني ... ذكرت منازل الحي الكرام واعجب من تذكر وصل هند ... كتاب جاءنا من ملك نام سليلهم المتوّج أرضعوه ... لبان المجد من قبل الفطام وأودعه السلام فلا عدمنا ... أنامل نممت أزكى سلامي ويخبر عن طراد الخيل قولاً ... أحقاَ ما يقال من الكلام بأن جموعنا طارت شعاعاً ... وولَّت لم تكرّ ولم تحامي

стр. 29

سوى عشر أغارت غير نُكرٍ ... فعادت جنَّحاً مثل السهام ولو كان الأمير النَّدب فيها ... عماد الدين محمود المقام لزارت بينتنا عُصَبُ عِصابُ ... بكل مهنَّد عَضب حسام ولكن تعدُّ هذا القول عنا ... فلم يحضر ويوم الروع حام وكيف تعدُّ هذا القول نصحاً ... وقد صدعت له صمُّ السِلاّم فوا عجباً تدافع عن حمانا ... وتنُسبنا إلى فعل اللئام وإن كانوا لعمر أبيك أسداً ... بني لدى الوقائع بالصُّرام وقال السلطان مدرك بن حاتم بن بشر بن حاتم على لسان الأمير بدر الدين حسن بن عليّ بن رسول ونور الدين عمر بن عليّ بن رسول وأرسلا بها إلى الديار المصرية سلا ذات سمط الدروالمارن الأقنى ... لدى عُصُر من أصدق الضرب والطعنا ومن شهدت صنعاء لولا بلاؤه ... لما فارقت رعباً ولا وافقت أمنا وقد كانت البيض الخارئد خيفة السبا من أعادنا أساءَ بنا الظنا فلما تدانا الفيلقان عشيَّة ... عدى الهام فيها منهم والظبا منا ورُحنا إلى قصر القُليس نصافح الكوؤس يُغنينا النديم الذي غَنَّا وخيل غَشَنا بالأسنة بعد ما ... تكَدسَّ من هَنَّا علينا ومن هَنَّا ضُرِبْنَ الينا بالسّياط جهالة ... فلما تعارفنا ضُرِبْنَ بها عنا وشيمتنا وَصْلُ السيوف بخَطْونا ... إذا قصرت حتى تبيد العدى طحنا ونحن متى شئنا دسرنا عدوَّنا ... ولا نحتقد حقداً دفيناً ولا ضغنا

стр. 30

فلا زالت الأخبار منكم تسرًُنا ... كما سرَّكم في مصر مخبركم عنا فلما اتصل علم هذه الواقعة بالملك المسعود وبني أيوب إلى الديار المصرية رجع الملك المسعود سريعاً إلى اليمن ولم يستقر له قرار هنالك فكان دخوله حصن تعزَّ يوم الاثنين السابع عشر من شهر صفر من سنة أربع وعشرين وستمائة. فأقام فيها بقيّة صفر وشهر ربيع الأول والثاني وجُمادى الأُولى والأخرى وأياماً من رجب. ثم تقدَّم إلى الجند. فلما كان اليوم الخامس عشر من شهر رجب وثب الملك المسعود على بني رسول فقبض بدر الدين حسن أبن علّيِ وفخر الدين بن عليّ وشرف الدين موسى أبن عليّ فقيدهم وأودعهم السجن. قال صاحب العقد: واشتد خوف بني أيوب على ملك اليمن من بني رسول ولم يخافوا أحداً من العرب ولا من الغُزّ كخوفهم منهم. وذلك لما شاهدوه فيهم من الشجاعة والإقدام وعلة الهمة وبُعد الصيت وحسن السياسة وتمام المكارم الأخلاق واجتياز السيادة وأبتناءِ المجد. واكتساب الحمد. ولأجل ذلك ثمَّ عليهم منهم ما كان الكسر فيه مجبوراً والخصم فيه مقهوراً. وكان أمراً مقدوراً. ويُقال أنه قبض نور الدين أيضاً. فلما صاروا جميعاً تحت الاعتقال أطلقه من يومه واستخلصه وكان تأنس به كثيراً ولذلك استنابه في سفرته الأولى وفي الثانية وجعله أتابك عسكره وبعث بإخوته مقيدين إلى عدن قم أرسب بهم في البحر إلى الديار المصرية تحت الحفظ والاعتقال. وكان نور الدين في غاية من العقل والدهاء والجود والكرم وشرف النفس وحسن السياسة وكمال الرياسة. فقلده المسعود أموره كلها. وطلع إلى حقل يحصبُ فأَخذ بلد بني سيف وذلك في ذي الحجة من سنة أربع وعشرين فأقام في الحقل حواً من ثلاثة أشهر: ثم عاد إلى حصن تعزَّ فأقام فيه مدة. ثم عزم إلى العود إلى الديار المصرية. فتجهز لذلك ونزل إلى محوسة زبيد ثم خرج منها متوجهاً إلى الشام في شهر ربيع الأول من سنة ست وعشرين وستمائة قالع الحاتميُّ: وقال الجنديُّ في سنة خمس وعشرين وستمائة انتهى

стр. 31

وكان سبب عودته إلى الديار المصرة أن عمَّه الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب إلى رحمة الله تعالى وكان يومئذ صاحب دمشق. فكتب إليه ولده الملك الكامل السلطان يستدعيه إليه ليعطيه دمشق. ففرح فرحاً شديداً حتى أنه سافر وقد أبتدأ به المرض. فطلب أتابكه نور الدين عمر بن عليّ بن رسول وقال له: قد عزمت على السفر وقد جعلتك نائبي في اليمن فإن مت فأَنت أولى بمُلك اليمن من اخوتي لأنك خدمتني وعرفت منك النصيحة والاجتهاد وإن عشت فأَنت على حالك وإياك تترك أحداً يدخل اليمن من أهلي ولو جاءك الملك الكامل ولدي مطوياً في كتاب. فإذا ألح عليك أعلمتني حتى أجتمع أنا وعمي الأشرفُ عليه ونحاربه ونُشغله. فقال له نور الدين: أخشى أن اخوتي يعارضوني. فقال له الملك سعود: أنا أكفيك أمرهم. فقيدهم حينئذ. وقيل أنه لم يقيدهم حتى أمر العسكر بالركوب. وخشي حدوث شيءٍ منهم لميل أكثر العسكر إليهم. وذكر أبو المظفر سبط بن الجوزيّ في كتابه مرآة الزمان أن الملك المسعود تجهز بجهاز عظيم لم يسبقه إليه ملك. من جملته ألف خصي وخمسمائة صندوق من فاخر الأقمشة والملبوس وثلاثمائة بهار من العود الرطب ومن العنبر الفاخر وأربعمائة سرِيّة. ومن الجواهر واللآلئ والأحجار النفيسة ما لا ينحصر وسبعون ألف ثوب صيني معلم بالذهب ومن الصنائع ما لا ينحصر عدده. حتى قيل أن المراكب التي أقلت هذا سبعون مركباً. وذلك أنه صاح في البنادر. من أراد السفر إلى الديار المصرية فليسافر مع الملك المسعود قبل سفره بمدَّة. فأقبلت التجار من كل ناحية بأنواع التجارات والبضائع فاجتمع بهم في ثغر عدن. وقال لهم بيعوني هذه البضائع التي عندكم لتسلموا من العشور. فباعوا عليه فأخذها منهم وكتب لهم بأثمانها إلى اليمن وأحال لهم بجوالات إلى كل ناحية. فصاحوا بالويل والثبور. فلم يلتفت إليهم ولم يحصل لأكثرهم شيء. وعدد الجوزيّ الأصناف التي سافر بها وعظمها حتى أن السامع لا يكاد يصدق بها ولهذا تركت ذكرها. قال: وكان ظالماً شديد

стр. 32

الظلم سيئ السيرة في رعيته سفاكاً للدماء حتى قيل أنه قتل في اليمن ثمانمائة سيف من أولاد الحسنين: هكذا ذكر في مرآة الزمان والعهدة عليه. قال عليُّ بن الحسن الخزرجي: هذا شيء لا يقبله العقل ولا يصدقه النقل: ولا يوجد في اليمن كله من أعيانِ الأشراف الحسنين مائة رجل ولا ذكر هذا ولا ما يشابهه أحد من علماء التاريخ باليمن: والله اعلم ولما سافر الملك المسعود من اليمن كما ذكرنا وصل إلى مكة المشرفة وقد اشتد به الألم: فأقام في مكة أياماً إلى أن توفي بها في يوم الاثنين الرابع عشر من شهر جمادى الأولى من سنة ست وعشرين " وستمائة ": وقال الجندي توفي في مكة مسموماً في رجب وقيل في شعبان سنة ٦٣٥: وقال ابن عبد المجيد: توفي الملك المسعود في شهر ربيع الأول من سنة ٦٢٦ وكذا قال الشريف إدريس. قال الحاتمي: وأوصي أن لا يهلب عليه الخيل ولا تقلب السروج وإن يقبر بين الغرباء بمكة قال: ويروى أنه استوهب ثوبين برسم الكفن من بعض الناس: وكان عمره يوم توفي سبعاً وعشرين سنة. والله أعلم. وكان قد حمل معه جميع خراج ملك اليمن من البيضاء والصفراء والجواهر الغالية والطرف والغلمان والجواري فتقدم مملوكه الأمير حسام الدين لؤلؤ بأولاد سيده وحاشيته وأمواله وحشمهِ وآلتهِ كلها من مصر: وكان قد جعل في صنعاء الأمير نجم الدين أحمد بن أبي زَكرّيٍ واستناب الأمير نور الدين عمر بن علي بن رسولٍ على اليمن كلهِ سهلهِ ووَعره برّه وبحره وكان ذلك ما أراده الله تعالى وقدّرهُ من إظهار كلمة الملك الرسولي وتمكين بسطته ونشر جناح عدله على الخلق ونفاذ صولته وتقليص ظل الملك الأيوبي وزوال دولته. وفي هذه السنة المذكورة سنة ست وعشرين وستمائة توفي القاضي سري الدين إبراهيم بن أبي بكر بن علي بن معاذ بن مبارك بن تبع بن يوسف فضل الفَرَساني

стр. 33

يجتمع مع الحافظ في تبع بن يوسف وكان فقيهاً فاضلاً أُصولياً وله مصنفات في الأُصول على مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري وكان قاضياً بصنعاءَ. وفي أيامه بن الأمير ورد سار المنارتين بجامع صنعاءَ وأصلحه وبنى الجبانة أيضاً. وهو الذي بنى المطاهير والبركة في جامع صنعاء ولم يكونا قبل ذلك. وكان أول عمارته لذلك في شعبان من سنة ست وستمائة. وكان أحد القضاة الأخيار. ذكر أُلو المعرفة بأيامه أن سيرته كانت محمودة. ويروى أنه اشترى أرضاً فيها شجر كرم ثم حضر عنده خصمان في حكومة بينهما فاتجه الحكم على أحدهما فحكم عليه الحاكم ثم أن المحكوم عليه وصل إلى بيت القاضي ليلاً وناداه فأجابه. فقال يا سيدنا أنا فلان ومعي شريم من صفته كذا وكذا وهاأنا متقدم إلى حضرتك لأقطعها بهذا الشريم مكافأة لحكمك عليَّ فاستوقفه القاضي ثم خرج إليه ولاطفه وربما غرم له ما حكم به عليه. فلما أصبح سعى في ربيع الأرض التي له وقال لا يصلح لحاكم مزرعة. وكانت وفاته على القضاء في سنة ست وعشرين " وستمائة " المذكورة. رحمه الله تعالى.

стр. 34

الباب الثاني ذكر قيام الدولة المنصورية وأسبابها قال علي بن الحسن الخزرجي وقد ذكرنا في السابق ما كان من قضاء الله وقدره في اختيار الملك سعود لمولانا الملك المنصور عمر بن علي بن رسولٍ نائباً على اليمن كلهِ سهلهِ ووعرهِ برهِ وبحره وانفراده بالأمر دون سائر الأمراء المصرية وخلو اليمن من بقية بنى أمية وما جبله اله عليه من حسن السيرة وصلاح السريرة ومحبة الناس له وانقيادهم لأمره طوعاً وكرهاً. وكان مع هذا حازماً عازماً سريع النهضة حسن السيرة ثاقب الرأي عاقلاً وديعاً. وكان من ولائه السلطنة في اليمن على بشارات وإشارات. فمن ذلك ما يروى عنه أنه قال: أمسيت ليلة من الليالي مهموماً لعارض لي. فلما مضجعي ومضى نحو من شطر الليل سمعت دويّاً في الهواء فرفعت رأسي وإذا عفريت يهرب من الشواظ حتى حط نفسه عندي وهو يلهث وكأنه معصرة من عظمهِ. فقمت من مضجعي فأخذت إداوة الماءِ فسكبتها في فيه. فلما اطمأن وزال عنه روعه قال أسفر وأبشر يا أبا الخطاب. بالملك من عدن إلى عيذاب ثم ذهب عني. ويروى أن ثلاثة أقوام من الصالحين وصلوا إليه. فقال الأوّل: السلام عليك يا أتابك. فقال له: هو أخي وعليكم السلام ورحمة الله. فقال الثاني: أنت الأتابك وغير ذلك فقال: وما غير ذلك. فقال الثالث: سلطان لليمن وملكها من ذريتك إلى آخر الزمان. وقال صاحب السيرة المظفرية: أخبرني الشيخ الصالح سليمان بن منصور بن

стр. 35

جريبة قال: لما وصل الملك المسعود من الديار المصرية وعبر طريق خبت القحرية كان على قارعة الطريق شيخان من المشائخ الصالحين أحدهما المغيث والآخر الهدس فقال أحدهما: هل ترى ما أرى. فقال له صاحبه: وما ترى قال: أرى شخصاً أن سار العسكر جميعه وإن وقف المعسكر جميعه فقال له صاحبه: لعل ذلك المسعود فقال له: لا بل هو الملك المسعود عمر بن عيّ بن رسول والملك في عقبه إلى آخر الدهر قال صاحب السيرة: وسمعت الحكاية بعينها من جدّي ﵀. ويروى أن رجلاً كان على جبل الموسم وهو جبل صغير منفرد في خبت العسلقية من نواحي سهام. وكان الرجل يحرش شجراً من العطب له هنالك بالليل. وقد أقبل الملك المسعود في عسكره وطبلخانته. فسمع الرجل نحب الطبلخانة والعسكر. فقعد متعجباً. فسمع قائلاً يقول وهو قريب من اجبل: أقبَلَ مثل السهم يزجيه الوترْ ... ليس له من ملكه سوى السفرْ هيهات في الأيام طيات أُخر قال: فقصدت موضع الصوت فلم أر شيئاً ولا وجدت أحداً فعلمت أنه من الجن وعلمت أن ملك الملك المسعود لسواه ويحكى أن الشيخ الصالح محمد بن أبي بكر الحكمي صاحب عواجة رأى راية الملك المسعود يوم وصوله من مصر فقال: هذه آخر راية تصل من مصر إلى اليمن. فصل ولما توفي الملك المسعود في التاريخ المذكور ووصل علم موته إلى اليمن قام السلطان نور الدين قياماً كلياً واضمر الاستقلال بالملك وأظهر أنه نائب للمسعود: ولم يغير سكةً ولا خطبةً: وجعل يولي في الحصون والمدن من يرتضيه ووثق به ويعزلُ من يخشى منه خلافاً: ومن ظهر منه عصيان أو خلافُ عمل في قتلهِ وأسره. وكان السلطان نور الدين من أهل العزم والحزم جواداً كريماً سريع النهضة

стр. 36

وكان محراباً لا يسأم الحرب. وكان صاحب حلم ودهاءٍ وكان يومئذ مقيماً بزبيدٍ يتولى على البلاد التهامية. وقرر قواعدهُ وسار من محروسة زبيد قاصداً تعزَّ في شوال من سنة ست وعشرين وستمائة. فحطَّ على حصن تعزَّ وحصرهُ حصراً شديداً وضيق على أهله حتى أجهدهم حتى قيل أنهم ابتاعوا من الحنكة فقط بثلاثين ألف دينار ملكية. وفي سنة ٦٢٧ تسلم حصن التعكر وحصن خدد وتسلم صنعاء وأعمالها. وأقطعها أبن أخيه أسد الدين محمد بن الأمير بدر الدين الحسن بن علي بن رسولٍ. فطلع الأمير نجمُ الدين أحمد بن أبي زكريّ حصن براشٍ خائفاً من الملك المنصور. وفي سنة ٦٢٨ تسلم حصن حبٍّ وبيت عزٍّ وحطَّ على حصن تعزَّ مرةً ثانية فأخذهُ صلحاً على يد القاضي المكين. وتزوّج بنت جودَةَ. وكان زمامها الطواشي نظامَ الدّين مختصُ وكان لبيباً عاقلاً كاملاً في خدمة الملك. ثم طلع إلى صنعاء فحطاَّ على براشٍ وفيه الأمير نجم الدين أحمد بن أبي زكريٍ وذلك في شهر رمضان من السنة المذكورة. وفي خلال ذلك وصل إليه الأشرافُ على حصن ذمرمر وهم الأمير عماد الدين يحيى بن حمزة وأولاده والأمير شمس الدين أحمد بن الإمام وجميع اخوته ووهاَّس بن أبي قاسم فتحالفوا وتعاضدوا وعقدوا بينهم صلحاً عاماً وقالوا له: يا مولانا نور الدين تسلطن في اليمن ونحن نخدمك ونبايعك على أن بني أيوب لا يدخلون اليمن فتبايعوا على ذلك وأشاروا على السلطان بعمارة البرك وأشار نور الدين على الأشراف بعمارة حصن مدّع وثم الصلح بينهم على أحسن الوجوه ولم يجرِ بينهم قتال إلى أيام الإمام أحمد بن الحسين في سنة ٦٤٦ إلاَّ مرة واحدة وسأذكر سبب ذلك في موضعه من الكتاب. فلما انتظم عقد الصلح وصلهم السلطان نور الدين بمال جزيل وخلع سنيه وأقرَّهم على بلادهم فلما افترقوا على الصلح والسداد اضطرب حال الأمير نجم الدين أحمد بن أبي زكريّ وعلم حينئذ أن أسبابه انقطعت فراسل السلطان نور الدين في معنى الصلح. ونزل الأمير نجم الدين من الحصن إلى لقاء السلطان فترجل بين يديه وحمل الغاشية. فخلع عليه السلطان خلعاً سنية وأنعم عليه أنعاماً تاماً وعقد له بكريمتهِ ونزل صحبتهُ إلى اليمن

стр. 37

ونزل أيضاً الأمير أسد الدين محمد بن الحسن بن عليّ بن رسول في صحبته أيضاً فلما أستقر السلطان في دار ملكه رجع الأمير أسد الدين إلى صنعاءَ. وفي هذه السنة توفي الأمام العلامة ابو العتيق ابو بكر بن الشيخ يحيى ابن اسحق بن علي بن اسحق العياني ثم السكسكي نسبة إلى عُيانة بضم العين المهملة وفتح المثناة من تحتها وبعد الألف نون مفتوحة وآخر الاسم هاءُ تأنيث وهي قرية معروفة. وكان والده الشيخ يحيى من أعيان أهل اليمن في الصلاح والجود والثروة وفعل الخير وكثرة الحج. ولما علم به صاحب بغداد وتحقق حسن سيرته كتب له مسامحة في أرضه وإن تبقى على ذريته ما بقي منهم إنسان. قال الجندي وهي بأيدي ذريته إلى الآن يجزن عليها وذريته اكمل أهل وقتنا في فعل المعروف وإطعام الطعام. وكان كثير الزيارة لفقهاء ذي اشرف فلما سمعهم يثنون على الفقيه إبراهيم حديث بجودة الفقه والدين سأله أن ينتقل معه إلى جبا ليقرئ ابنه أبا بكر المذكور فأَجاب إلى ذلك وسار معه فثقفه به أبو بكر المذكور. وأخذ عن الإمام سيف السنة عدة من كتب الحديث وكان ممن حضر السماع لصحيح مسلم عليه في مدينة الجند. وحجم مكة سنة ثمانين وخمسمائة فلما رجع إلى مدينة زبيد أخذ بها عن الفقيه عباس بن محمد الآتي ذكره أن شاءَ لله تعالى. وكان فقيهاً محققاً مدققاً ذا صلاح مشهور وعلم مذكور فقصده الطلبة من أنحاء اليمن رغبة في علمه وإنسانيته. ومن أخذ عنه ولده يحيى وأخوهُ محمد ومن المشرق أحمد بن محمد ابن منصور الجنيد وعثمان بن اسعد الشعبي وطائفة من فقهاء الجبال ومن فقهاء تهامة إبراهيم بن علي بن عجيل وعلي بن قاسم الحكمي وعلي بن مسعود الكتبي من أهل المحالفة وغيرهم. وهم أكثر فقهاء الجبال أصحاباً. قال الجندي واخبرني الثقة أنه حج سنة ولم يستطع الزيارة إلى المدينة فقلق لذلك قلقاً شديداً فرأى النبي ﷺ في المنام يقول له يا أبا بكر لما لم تزرنا زرناك فقال بكرمك يا رسول الله فعلت ذلك لي فادع لي

стр. 38

فدعا له رسول الله ﷺ . وفي سنة تسع وعشرين " وستمائة " طلع السلطان نور الدين إلى صنعاءَ مرة ثانية وتسلم حصن بكر وكوكبان وحصن براش. وبعث إلى مكة المشرفة أميراً يقال له ابن عيدان مع الشريف راجح بن قتادة وبعث معهما خزانة كبيرة. وهو أوَّل جيش جهزه إلى الحجاز. فنزلوا الأبطح وحاصروا الأمير الذي فيها من قبل الملك الكامل وكان يسمى طغتكين وكان معه مائتا فارس. فأنفق الطغتكين في أهل مكة نفقة جيدة وحلفهم وتوثَّق منهم. فراسلهم الشريف راجح بن قتادة وذكرهم إحسان السلطان نور الدين أيام كان أميراً على مكة من قبل الملك سعود. وكانت ولاية السلطان نور الدين في مكة سنة ٦١٧ وفي السنة المذكورة كانت ولادة السلطان الملك المظفر في مكة المشرفة. فلما راسلهم الشريف كما ذكرنا مال رؤَساؤُهم إلى جيش المنصور فأحس بذلك الطغتكين فخاف على نفسه فخرج هارباً في من معه إلى ينبع. وكان في ينبع رتبة الملك الكامل وزردخانة وغلة. فأقاموا هنالك وأرسلوا إلى الملك الكامل رسولاً إلى مصر وأخبروه بوصول عسكر صاحب اليمن وما كان من أهل مكة. فجهز الملك الكامل عسكراً كثيفاً وقدَّم عليهم الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ. فأرسل إلى الشريف سنجة أمير المدينة وإلى الشريف أبي سعد أن يكونا معه. وكانا في خدمة الملك الكامل فوصلوا إلى مكة وحاصروا أبن عيدان والشريف راجحاً وقاتلوهم فقتل ابن عيدان وانكسر اهل مكة وقتل منهم مقتلة عظيمة. وأظهر الطغتكين حقده عليهم ونهب مكة ثلاثة أيام وأخاف أهلها خوفاً شديداًز فلما علم الملك الكامل بما فعل غضب عليه وعزله واستدعاه إلى مصر وأرسل إلى مكة أميراً غيره يقال ابن محليٍّ. فوصل إلى مكة في سنة ثلاثين وستمائة.

стр. 39

وفي هذه السنة توفي الفقيه يحيى بن الفقيه فضل ابن اسعد بن حمير ابن جني أبي سالم المليكي. وكان مولده سنة ستين وخمسمائة. وتفقه بعبد الله بن سالم الأصبحي وتزوج ابنته منيرة ولهُ منها أولاد معروفون تفقه منهم جماعة ومسكنهم قرية الملحمة ولهم فيها مسجد ينسب إليهم وهو شرقيها يعرف بالمسجد الأعلى " وكانت " قراءته البيان على سليمان بن فتح. وكانت وفاته في القرية المذكورة ليلة الخميس ثالث عشر شهر ربيع الأول من السنة المذكورة والله اعلم. وفي سنة ثلاثين وستمائة أمر السلطان نور الدين بصرب السكة على اسمه وأمر الخطباءَ أن يخطبوا له في سائر أقطار اليمن. وإلى هذا أشار الحارث الرائش بقوله الذي تقدم ذكره حيث يقول: ويظهر راية المنصور فيهم ... على خاءٍ مخففة ولام وقد ذكرنا ذلك في الباب الأول وبالله التوفيق. وفي هذه السنة توفي الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن ابن علي بن أبي علي القَلعْي بفتح القاف وسكون اللام نسبة إلى قلعة حلب بالشام وقيل نسبة إلى قلعة بلدة بالمغرب هذا قول الجندي. وقال الأسنوي في طبقاته أنه منسوب إلى قلعة بينها وبين زبيد نحو يوم ولم يذكر الأسنوي اسم هذه القلعة التي نسبه اليها ولا في أي ناحية هي من زبيد وهذا غلط من الأسنوي والله اعلم. وكان القلعي المذكور فقهياً عالماً كبيراً عاملاً له مصنفات كثيرة مشهورة انتفع الناس بها. منها قواعد المهذب ومنها مستعذب ومنها إيضاح الغوامض في علم الفرائض مجلدان جيدان جمع فيه بين مذهب الشافعي وغيره وأورد فيه طرفاً من الجبر والمقابلة والوصايا. وله احتراز المهذب. وله لطائف الأنوار في فضل الصحابة الأبرار. وله كنز الحفاظ في غرائب الألفاظ يعني أَلفاظ المهذب. وله تهذيب الرياسة في ترتيب السياسة. وله كتاب أحكام القضاة. وله غير ذلك. وأكثر ما توجد مصنفاته في ظفار وحضرموت ونواحيها وعنه انتشر الفقه في تلك الناحية ولم ينتشر العلم عن أحد في تلك الناحية كما انتشر عنه. وأعيان فقهائها أصحابه وأصحاب أصحابه.

стр. 40

وحج من مرباط فاخذ عنه بمكة وزبيد وغيرهما من البلاد التي مر بها خلق كثير. وكانت وفاته بمرباط في السنة المذكورة وقبره هناك والله أعلم. وفيها توفي الفقيه سلم بن محمد بن سالم بن عبد اله بن خلف بن زبد أبن أحمد بن محمد العامري وكان فقيهاً محدثاً غلب عليه الحديث. وكان زاهداً روعاً تأتيه الناس من البعد للزيارة وقراءّة العلم وانتفع بصحبته خلق كثير منهم الشيخ أحمد بن الجعد وأبو شعبة وغيرهما. وكان من كرام الفقهاء شريف النفس عالي الهمة. ولم يزل على الطريق المرضية إلى أن توفي في السنة المذكورة. وكان مولده في سنة سبعين وخمسمائة والله اعلم. وفيها توفي الفقيه الصالح عبد الله بن علي بن أبي عبد الله بن أبي القسم بن أَسلم المرادي وكان فقيهاً عارفاً ورعاً مشهوراً. وكان أخوه ناجي بن علي فقيهاً غلبت عليه العبادة. وشهر بالصلاح وله كرامات كثيرة وكان كبير القدر شهير الذكر وروي أنه خرج لزيارة الشيخ عمران المتسن صاحب ذُبْحَان فخرج بخروجه جماعة من أهل بلده على عزم السفر لزيارة الشيخ المذكور. فقال الفقيه ناجي ينبغي أن تجعلوا لكم رأساً تمتثلون قوله وتقبلون أمره ولا تخالفونه فإنه سنة رسول الله ﷺ . فقالوا له يا فقيه أنت أولى من يلي فقال قد رضيتم قالوا نعم فتوثق منهم. وساروا من قريتهم المعروفة بسند من نواحي دلال فوصلوا الجند وصلوا في الجامع بها ثم خرجوا يريدون زيارة مسجد صرب المشهور هنالك وهو خارج عن المدينة فلقيهم فقير فطلب منهم شيئاً فقال الفقيه للذي يحمل زادهم أعط هذا درهماً فأعطاه فرضي بذلك بعضهم ولم يرضَ آخرون ففهم الفقيه ذلك منهم فلما رجعوا إلى المسجد وصلوا فيه العصر جاءَهم فقير عليه مدرعة صوف وصافحهم ثم صافح الفقيه وقبل يده ونزل فيها عشرة دراهم فالتفت الفقيه إلى أصحابه وقال هذه حسنتكم قد عجت لكم لما تغيرت نياتكم. ثم سلم الفقيه الدراهم إلى
следующие страницы →