Полный текст (588 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
القديم واخرب البلاد وعاد إلى صنعاء في شعبان من السنة المذكورة. فوقع عقد ذمة في باب السلطان بالصلح بينهُ وبين الأشراف. وأَما جريدة صعدة فكان مقابلتهم الأمير نجم الدين موسى بن أحمد بن الإمام في نحو من ثلاثمائة فارس ما خلا الرجل فوقعت بينهم حروب حصل القتل في الفريقين ثم حصلت ذمة ثلاثة اشهر ثم نزل الملك المؤَيد إلى الأبواب السلطانية ونزلت رسل الأشراف لتمام الصلح وخرج الأمير علي بن عبد الله إلى ناحية المشرق فابتنى مصنعة تنعم وأجابه أهل المشرق قاطبة واتصل بالأمير سليمان بن محمد سليمان بن موسى وكان في ناحية ذمار وركن اليأس إليهم ووقع الفساد في البلاد فورد أمر السلطان بطلوع الملك الأشرف إلى البلاد العليا بسبب الصلح فتقدم إلى صنعاءَ فكان دخوله صنعاءَ يوم الاثنين العاشر من ذي القعدة من السنة المذكورة. فوصل إليه أهل المشرق قاطبة وكافة أهل حضور والأمراء الشهابيون وجاءَ بنو الراعي إرسالاً ثم خرج الأمير علي بن عبد الله من ظفار إلى ردمان فخرج أمر مولانا السلطان الملك الأشرف على الأمير بدر الدين محمد بن حاتم بالمضي إلى ردمان والمسير مع علي بن عبد الله إلى صنعاءَ. وقد كان الأمير تاج الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن حمزة وصل إلى الشريف علي ابن عبد الله وأَقام عنده في ردمان فنزلا معاً صحبة الأمير بدر الدين محمد ابن حاتم إلى الملك الأشرف بصنعاءَ. فلما وصلوا القلعة لقيهم الأمير صلاح الدين أبو بكر بن الملك الأشرف مؤْنساً لهم ومشرفاً. فلما صاروا قريباً من المدينة لقيهم الملك الأشرف بنفسه في عساكره وجنوده فسلموا عليه ودخل الجميع منهم تحت ركابه حتى وصلوا القصر السعيد فأكرمهم وقابلهم بالقبول ولم يبقَ أحد ممن شهر نفسه بالخلاف إلا وصل إليه رغبة ورهبة. وقال في ذلك أخو كندة يمدح الأشرف في قصيدة أولها.
هو في انتقاد البيض طب صيرف ... فتنحَّ عنهُ فربما لا يعرفُ
يرتاح من كل الملاح إلى التي ... في ثغرها بردُ يرف وقرقفُ
واسأَله عما شئت من أَلم الهوى ... يخبرك فهو المستهام المدنفُ
ما فارق العلمين حتى علما ... أجفانه كيف المدامع تذرفُ
стр. 212
أبداً ولا عنت بعسفان المها ... إلا وعَنَّ له هوىً متعسفُ
ولطالما سارت غرائب نظمهِ ... وسمت فكان له النقاع المشرف
مدحُ إذا رُويت أشاد بذكرها ... عمر وشرفها المليك الأشرف
عقل به وسمت ومن تنكيرها ... أضحت بطيب ثنائه تتعرَّفُ
وبضاعة حليت فشتى ريحها ... فيما لديهِ مخطبُ ومعرَّفُ
ملك بيمن قدومهِ باب الرجا ... فتح وسحب الجود جودُ وكَّفُ
فرمُ تشذر فالوغا مشبوبة ... والخيل تعدو والركائب توجفُ
ومعوَّدُ للنصر مشهورُ بهِ ... راياتهُ بدمِ الفورس ترعُفُ
وأفا وليُّ العهد جاد عهادنا ... وأَماننا من كل ما يتخوَّفُ
برد تقمصه الممهد خصهُ ... بلباسهِ الملك المظفرَّ يوسفُ
قل للأولى زعموا بان عنادهم ... ما كان حتى كلفوا ما كلفوا
ليعد إلى المحبوب كل مكلفٍ ... فلديه ملكُ بالرضا متعطفُ
أوْ فليثق أن لجَّ في طغيانهِ ... بعقاب يوم ليس فيهِ منصفُ
هذا ملاذ الخائفين وهذهِ ... عين الحياة فمن احب فيعرفُ
هذا ابن سيد يعربٍ ومليكها ... هذا الجواد السيد المتغطرف
حرام الخلافة ما عداهُ فخائفُ ... من حوله يتخطف المتخطفُ
شن الو قبلهُ ... في الصيت إلا آخر متخلفُ
وتأَلفت فيه تكن ... إلا بسيرة عدلهِ تتأَلَّفُ
ودعا مناديه الأنام فلم يكن ... للخلق عند ندائهِ متوقفُ
يغشون باب متوجِ ما أن لهم ... عنهُ وعن غشيانهِ متصرفُ
ويروعهم خلف الحجاب مملَّك ... يمضي وينجز ما يقول ويسعفُ
سهل لمن والاه عدلُ منصفُ ... وعرُ لمن عاداهُ حتفُ متلفُ
عمت مراحمهُ وعمَّ عقابهُ ... فهو النسيم يهبُّ فيهِ الحرجفُ
قال صاحب العقد ثم اقبل الملك الأشرف على حديث الصلح فيما بينهُ وبين
стр. 213
الأشراف كافة على يد الأمير جمال الدين علي بن عبد الله وتمت الأمور وصاحت الصوائح واطلَّ عيد النحر والخلق كلهم على بابه من الشرق والغرب والغز فخرج إلى الميدان في عساكره المحشودة. ثم انقلب إلى المصلى إلى أفخم حال وأَعلى شأْن ووقف في صنعاءَ في الحجة والمحرم.
وفي سنة أربع وتسعين تجهز الملك الأشرف للنزول إلى اليمن فكان خروجه من صنعاءَ يوم الجمعة الثاني عشر من صفر من السنة المذكورة. فلما وصل إلى تعز واستقر بها اختصهُ والده بالملك العقيم ومكنه أزمة الأمر القويم وخرج التقليد الكريم. بمشهد من الملوك العظماء والجحاجح الكرماء. ناطقاً بفصل الخطاب. وإنارة التحقيق وأصواب. بما يربي على الروض غب السحاب. ويزري بفريد الدر في عُنق الكعاب. قائلاً بعد الحمد
стр. 214
قال المصنف ﵀ وكان للمظفر ﵀ من الآثار الحسنة ما هو مشاهد
стр. 215
إلى الآن. فمن ذلك المدرسة التي أنشأَها في معزية تعز المعروفة بالمظفرية جعل فيها مدرساً ومُعيداً وعشرة من الطلبة ورتَّب فيها إماماً ومؤذناً ومعلماً وعشرة أيتام يتعلمون القرآن وقيما ووقف عليها ما يقوم بكفاية الجميع منهم. وابتنى مسجداً في معزية تعز يعرف في وقتنا هذا بالمسجد الجديد ورتَّب فيهِ إماماً وخطيباً ومؤَذنين وقيمين ووقف عليهِ ما يقوم بكفايتهم الجميع.؟ وله دار الضيف بذي عُدينة أيضاً. وابتنى الخانقة التي في مدينة حيس ورتب فيها إماماً ومؤذناً وقيماً ومعلماً وأيتاماً يتعلمون القرآن. وجعل طعاماً للواردين في كل يوم مد من الحب بمد أهل اليمن يزيد على حمل الجمل الضخم الشديد خارجاً عن اللحم والتمر. ووقف ويقال أن وقف الخانقة المذكورة التي في مدينة حيس في كل سنة من الطعام. ومن مآثره الجامع المظفري الذي في مدينة المهجم رتب فيهِ مدرساً ودرسه وإماماً وخطيباً ومؤذناً وقيماً ومعلماً وأيتاماً ووقف عليهم وقفاً جيداً يقوم بكفايتهم. ومن مآثرهِ أيضاً الجامع في واسط المحالب ورتب فيهِ إماماً وخطيباً ومؤذناً ومعلماً وأيتاماً ووقف عليهم ما يقوم بكفايتهم. وابتنى مدرسة في ظفار الحبوضي وأوقف عليها ما يقوم بكفاية المرتبين فيها. وابتنى خادمه بدر المظفري في مدينة زبيد مدرسة للفقه على مذهب الإمام الشافعي ﵁ ومدرسة لأصحاب الحديث ومدرسة لقراء القرآن الكريم بالقراءات السبع ودار مضيف ورتب في مدرسة الفقه ومدرسة القراء ودار المضيف في كل موضع إماماً ومؤذناً وقيماً ووقف على الجميع ما يقوم بكفايتهم.
وكانت دولة الخليفة رحمه الله تعالى أقرب إلى العدل والرأفة وكان يجالس العلماء والصاحين. وكان ﵀ مشتغلاً بالعلم أخذ من كل فن بنصيب قرأ الفقه على الفقيه محمد بن إسماعيل الحضرمي وغيره والحديث على الفقيه محمد بن إبراهيم الفشلي وعلى الفقيه محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري وقرأ النحو واللغة على الشيخ بن يحيى إبراهيم الحمك وقرأ المنطق على الفقيه أحمد بن عبد الحميد السرددي وجمع أربعين حديثاً من أحاديث رسول الله صلى عليهِ وسلم عشرين في الترغيب
стр. 216
وعشرين في الترهيب. وحدثني الفقيه جمال الدين محمد بن عبد الله الريمي وسمعتهُ غير مرَّة يقول طالعت أمهات كتب الحديث من كتب مولانا الخليفة المرحوم فوجدتها كلها مضبوطة بخط يده حتى أن من رآها يقول لم يكن له شغل طول عمره مع كثرة اشتغاله بالعلم في فنون شتى واشتغاله بأمور المملكة. وقال معلمه الفقيه محمد بن الحضرمي كان مولانا الملك المظفر يكتب كل آية من كتاب الله تعالى وتفسيرها فيحفظها ويحفظ تفيرها على ظهر قلبه غيباً. وكان له في علم الطب يد طولي. ولما افتتح مدينة ظفار الحبوضي ذكر في كتابه إلى الملك الظاهر بيبرس صاحب مصر أنه يحتاج إلى طبيب لمدينة ظفار لأنها وبيئة. وقال ولا يظن المقام العالي أنا نريد الطبيب لأنفسنا فإنا نعرف بحمد الله من الطب ما لا يعرفهُ غيرنا وقد اشتغلنا فيهِ من أيام الشبيبة اشتغالاً كثيراً وولدنا عمر الأشرف منت العلماء بالطب وله كتاب الجامع ليس لأحد مثله. وكان المظفر ﵀ متضلعاً من العلوم. ويؤَيد ذلك ما رأيت بخطه في جزءٍ من تفسير فخر الدين الرازي ما نصه: نقول طالعت هذا التفسير من أوله إلى آخرهِ مطالعة محققة ورأيت فيهِ نقصاناً كثيراً وجاءَني من الديار المصرية أربع نسخ من قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز فرأيت فيها النقصان على حاله فلم اقنع بذلك بل اعتقدت أنه من الناسخ فأرسلت رسولاً قاصداً إلى خاسان إلى مدينة هراة فجاءَني بنسخة المصنف وقد قرئت عليهِ فرأيت فيها النقصان على حاله وتبيضاً كثيراً فانظر إلى هذه الهمة العالية في تحقيق العلوم والاجتهاد فيها ومطالعة هذا التفسير الجامع للعلوم. وكان محباً للرعية ومحسناً إليهم لا يكلفهم فوق ما يطيقونهُ. وإذا شكا أهل جهة من عامل من العمال أو كاتب من الكتاب عزله عنهم ولا يعيدهُ إلى تلك الجهة أبداً خوفاً من عائلته عليهم. وكان إذا زادت جهة في الخراج على المعتاد أو نقصت عن الخراج المعتاد سأَل عن سبب الزيادة والنقصان فإن كانت الزيادة من بدعة أبدعها العامل أو النقصان لخراب في الجهة أدب العامل أدباً بليغاً وصادرهُ وترك استعماله البتة. وكان يأْمر الولاة والمقطعين بالعدل في الرعية وتبجيل العلماء.
стр. 217
ويروى أنه كان لهُ خمسمائة فارس في مصر يجاهد الإفرنج ويحمل حواتكها من اليمن مع ما كان يحمله إليهم من أصناف الهدايا والتحف.
ويروى أن ملك الصين حرم على المسلمين في بلده الختان فتعبوا من ذلك وضاقوا فكتب إليه السلطان الملك المظفر ﵀ كتاباً يشفع إليه في الإِذن لهم وأرسل إليه بهدية سنية توافق مراده فقبل شفاعته وأذن لهم في ذلك. وظهر له من الولد سبعة عشر ذكراً مات أكثرهم في سن الطفولة وعاش منهم بعد وفاته خمسة رجال وهم: عمر الأشرف. وداود المؤيد. وإبراهيم الواثق. وحسن المسعود. وأبو المنصور. وكلهم ولي ملكاً وخطب له على المنابر وضربت السكة على اسمهِ إلا المسعود فإنه لم يتصل بشيءٍ من ذلك. وكان وزيره القاضي بهاء الدين محمد بن أسعد العُمراني. ومدحهُ عدَّة من الشعراء الفصحاء المشهورين منهم الشاعر المشهور محمد بن حمير وكان أوحد عصرهِ أدرك صدراً من دولتهِ ولهُ فيهِ غرر المدائح في أيام إمارتهِ وأيام خلافته. وهو القائل يهنئهُ في أيام إمارته وقد أقطعه والدهُ رمع وظهر له يومئذِ ولده الملك الأشرف فقال يهنئهُ
هنيت بالولد الميمون والبلدِ ... ولا برحت سعيداً مدَّة الأبد
في غرَّة البدرِ في عمر الشوامخ في ... سعادة المشتري في جبهة الأسد
أُعيذهُ بعد أسماءِ الإِلهِ بقل ... وقل وقل وبحمد الواحد الصمد
من العيون ومن ريب المنون ومن ... دقس المنون ومن نفاثة العقد
ومنهم القاسم بن هتيمل شاعر المخلاف السليماني ﵀. وكان فصيحاً حسن الشعر مداحاً وله في السلطان الملك المظفر رحمة الله عليه عدة قصائد من المشهورات من ذلك قوله:
اَّعدلي أَحاديث الفريق وكرر ... وهات لنا عن حاجر ومحجر
وكيف الله أًرتاضه ... ترف برقراق النضارة أخضر
تطل طله ... بأَبيض في أَحوى النبات وأصفر
стр. 218
كان دهاق أرب يمم فوقه ... سبائب مرّ أو درانك عبقر
إذا ما النسيم الرطب صافح تربه ... تعطر من حوذانه المتعطر
وهل من نسيم الريح والرند نفحة ... ممسكة في طي نشر معبر
ويا لائمي في نفحة حنيت بها ... ضلوعي على جمر الغضا المتسعر
أرحني فما صدري بهضب عمانه ... فاسلو ولا قلبي صفاة المسيفر
ومن لي ويوم الدجن ليس بمشمس ... مضيءٍ وليل الحظ ليس بمقمر
بساقيه تسعى إليَّ بأَُزهر ... رذوم بذي لونين أحمرٍ أحمر
إذا باشرته بالبنان تعصفرت ... أناملها من صبغة المتعصفر
تدل بخصر في النطاق مؤَنث ... لطيف وصدر في العناق مذكر
ترى الليل فوق الشمس في خيزرانة ... مرنحجة في حقنها المتمرمر
تذلل فإن يشمخ عليك بأنفه ... عزيز فلازم عزة المتكبر
ولا تكترث واجزع من الضيم آنفاً ... ولن لم يكن بد من الصبر فاصبر
فقد قدم المقدار غير مقدم ... وقد أخر المقدار غير مؤخر
ودالت على الإسلام للشرك دولة ... حنين وأحد فيض بدر وخيبر
ولا وأبي لا ذقت راحة عيشةٍ ... إذا أنا لم أظفر بعفو المظفر
فتى ورث الإذواءَ غير مدافع ... وأحرز فضل الأسدين ومنذر
أعم سماحاً من سماحة حاتم ... وأعظم بأساً من بسالة عنتر
تحاط ثغور الملك منهُ بقادر ... على كون ما لم يقض أو لم يقدر
أعز رسوليّ يزر قميصه ... على القمر التم الخضم المظفر
سماح كفيض اليم في هضب يذبل ... ووجه كبدر
هو الملك الموفى على ملك تبع ... على علاعن ملك كسرى وقيصر
قل الحق واعجب من مليك مملك ... رقاب الرعايا لا أمير مؤمر
стр. 219
فوا الله ما تدنو أكاسر فارس ... إليه ولا تسمو تبابع حمير
ولو وزن الأملاك منهُ بخنصرِ ... لما وزنوا منهُ قلامة خنصر
أحامل أعباء الخلافة إذ وهت ... دعائم عباس وأركان حيدر
أقلني فلم اعثر وهبني لأَفرخ ... كزغب القطابين الأفاحص قعر
ولا تقف بي عمرو بن هند وطرفة ... ورأي أنوشروان في برز جمهر
وهب لي ذنباً قد أتيتك تائباً ... من الذنب واستغفرتك الذنب فاغفر
فلو إنني في الأبلق الفرد نازل ... لأدركتني أوم في قلال ذمرمر
وماذا يضر البدر أن طن تحتهُ ... بعوضة حس أو ذبابة مجزر
وما أنا قدر لا حبيب لطيء ... فأبقى ولا كنت الوليد لبحتر
ولست وإن خُوّلت ما لست أهلهُ ... بأفصح من أهل الزمان وأشعر
ليهن سراج الدين أن قد أنلتهُ ... مكانة فتح من خلالة جعفر
لك الخير فعل الخير في غير أهله ... لعمرك فعل غرسهُ غير مثمر
فهل لك من رام يفوّق ما رمت ... يداهُ وما يرمي بأفوق أزعر
أخافطنة أن يمنع النصف يحتسب ... غناءً وإن يُعْطَ النفاية يشكر
وانك إن أهملتني وتناسخت ... عليَّ الليالي من سنين وأشهر
أتاك وإن كنت الغني عن الذي ... يحيك بتفويف الصباغ المحبر
من اللاء ما غنى الوليد بل بلبل ... بهن ولم يخلع على ابن المدير
خوالد يفنى عمرَ لقمان عمرها ... ولقمان أفنى عمر سبعة أنسر
وحاشاك أن علي قصيدتي ... براقش أو تضحى كلمة جحدر
ومدائحه فيه كثيرة مشهورة. ومهم الفقيه سراج الدين أبو بكر ابن دعاس وكان شاعراً ماهراً فقيهاً نبيهاً نحوياً لغوياً. وكان أحد جلساء الخليفة وخصيصاً بهِ. وكان الخليفة ﵀ يثني عليهِ ويفضلهُ على ابن حمير ويقول إنما ابن حمير ويقول إنما ابن حمير صاحب خلاعة. وكان ابن دعاس المذكور متوسعاً في العلم. وكان من أهل زبيد
стр. 220
ينسبونهُ إلى سرقة الشعر ويقولون إذا حوسب الشعراءُ يوم القيامة يؤْتى بابن دعاس للحساب فيقول هذا البيت لفلان وهذا الصدر لفلان وهذا العجز لفلان فيخرج بريئاً ويروى أنه لما حج السلكان الملك المظفر ورجع إلى اليمن اسٍتأذنهُ بن دعاس من المهجم للتقدم قبل ركابهِ إلى زبيد. فقال له أتريد أن تتقدم لتجمع شعراً من الدواوين وتلقانا بهِ. ثم أذن له في التقدم فلما دخل الخليفة زبيد انشده ابن دعاس يوم قدومه قصيدة باهرة وأول بيت منها لابن الحجاج البغدادي وهو:
ليس في قدرة ولا إمكان ... نيل ما نلت يا مليك الزمان
وفيها يقول
هاك شعراً منظماً لم أغز ... فيه لا مصحف ولا ديوان
فقال لهُ الخليفة نهيناك عن الدواوين فتعديت إلى المصحف. ولما قدم العماد الأعمش بكتاب الدرج من مصر قال فيهم ابن دعاس المذكور
أهدى العماد نحونا ... من مصر كتاباً غرز
سفيروا بقائراً ... لكنها على غرر
ولم يكن كما قال وإنما كانوا أهل فضل وفواضل. ويرى أنه لما قدم أبو الظاهر البيلقاني الأنصاري إلى عدن وكان عالماً متفنناً أعلم الخليفة به فأمر بتجهيزه إلى حضرته فلما حضر المقام السامي أمر السلطان من باحثهُ فوجده كاملاً فأَراد الخليفة ﵀ أم يقرأَ عليه شيئاً في المنطق فاستشار ابن دعاس فقال له أما علمت يا مولانا أن النبي ﷺ قال " البلاء موكل بالمنطق " فتطير الخليفة من قوله وقال لقد حلت بيننا وبين الانتفاع به. ومنهم المسحي أحد شعراء الشام وهو القائل في السلطان الملك المظفر رحمهُ الله تعالى
لكم كيمياء الملك صحت وغيركم ... يعالج في تحصيلها الماءَ والملحا
وتصبح أقلام الوقائع في الوغى ... سراعاً على أعدائكم تكتب الفتحا
стр. 221
الباب الرابع
ذكر قيام الدولة الأشرفية الصغرى
قال المصنف ﵀ لما توفي السلطان الملك المظفر رحمه تعالى كما ذكرنا في تاريخه المذكور قام بأمر الملك بعده ولده الملك الأشرف ممهد الدين عمر بن يوسف بن عمر بن علي بن رسول فاستولى على الحصون والمدن وسائر المخاليف والبلاد كلها. وكان ملكاً سعيداً عاقلاً فاضلاً أديباً لبيباً حسن السيرة وادعاً. وكان قد اشتغل بطلب العلم في أيام إمارته حتى برع في عدة من الفنون وشارك فيما سواها وصنف مصنفات كثيرة وكان محبوباً عند الناس على اختلاف حالاتهم وتباين طبقاتهم. ولما علم أخوه الملك المؤَيد بموت والده وكان في الشحر يومئذٍ كما ذكرنا خرج من الشحر يريد اليمن لطلباً للملك. قال ابن عبد المجيد فلما قرب من اليمن وصل إليه كتاب من أخيه الملك المنصور يحذره وعرض عليه حصن السَّمَدَانِ وكان يومئذ في يده فشكر له هذا الصنيع وكان متردداً بين الأقدام والأحجام فبينا هو كذلك إذ وصله كتاب القاضي موفق الدين علي بن اليحيوي يقول فيه قد شاع الخبر انك واصل إلى اليمن وسمعت من محقق أن أخاك السلطان الملك الأشرف قد أرسل نفرين من الفداوية إليك فالحزم الحزم واحترز في نفسك. فلما جاءَه كتاب القاضي موفق الدين بما ذكرناه اشتد عليه الأمر وسار مجدّاً. فلما وصل أبين وكان فيها عسكر من جهة الملك الأشرف هرب المقدم إلى اليمن في طائفة من العسكر ومالت طائفة أخرى إلى الملك المؤَيد فجهز أثقاله وحريمه إلى حصن السهدان وجهز معهم عسكراً فوصلوا على السلامة وعزم على حصار عدن وأخذها لينظر أين يبلغ معه أخوه فتوجه إلى عدن وتأَملها فرأى في بعض نواحيها درباً ضعيفاً متشعثاً فطلب صياداً من الصيادين الذين يصطادون حول الجبل وسأَله عن الجبل وعن طرقه وهل
стр. 222
هو سهل أَو ممتنع وهل فيه طريق يفضي إلى باب عدن أم لا. ففكر الصياد أن فيه طريقاً يصل الإنسان منها إلى باب البلد فقال له تقدر أن تأخذ معك عسكراً وتسير بهم إلى الموضع الذي ذكرت قال نعم. فكتم السلطان أمره واستوقفهُ عنده. فلما كان بعد صلاة المغرب أرسل معهُ من أجواد الرجال ثلاثمائة رجال وأوصاهم أن لا يظهروا حتى يروا السلطان بالقرب منهم فساروا صحبة الصياد. ولما أَصبح الملك المؤَيد جمة عسكره وتوجه نحو الباب. وكان الوالي قد جمع عسكراً من داخل البلد لحفظ الباب. فلما قرب منهم الملك المؤَيد وتأَهبوا لقتاله ثار عليهم أولئك الرجال وصاحوا من رأْس الجبل ونزلوا إلى الباب فملكوهُ وهرب الوالي وعسكره إلى داخل المدينة وصاحوا الأمان الأمان فأذم عليهم السلطان واستدعاهم إلى عنده فخرج إليه الوالي والنظار وأعيان البلد وصدور التجار رغبة ورهبة فاستولى على عدن ولم ينلها من أرباب الطمع أحد ورجع إلى الأجنة وهو في أشد ما يكون من الفرحج وجعل يتمثل بقول الشاعر
إذا لم يكن إلا الأَسنة مركباً ... فلا رأْي للمضطر إلا ركوبها
ثم تقدم السلطان إلى لحج وأبين فاستولى عليهما وامتلأَ اليمن هيبة منه وقلوب الناس محبة له. فلما سمع السلطان الملك الأشرف ما كانه مه في عدن ولحج وأَبين وإن الناس مالوا إليه كما يميل الحديد إلى المغناطيس جهز ولده الناصر في ثلاثمائة فارس فساروا إلى الراحة ووقف فيها. ووصل الشريف جمال الدين علي بن عبد الله من البلاد العليا فجهزه السلطان الملك الأشرف في خيل والحقه بولده الناصر. ثم طلب الجيوش من صنعاءَ وغرها وجهز ولدي الأمير شمس الدين أردمر نجم الدين وبدر الدين. فكثرت الجموع وتأَلبت الخيل من ناجية. ولم يكن يومئذ مع الملك المؤَيد إلا عسكره الذي وصل بهِ من الشحر وجماعة من الجحافل مقدمهم عمر بن سهيل.
стр. 223
وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو محمد عبد الله بن عبيد بن أبي بكر بن عبد الله البلعاني وكان فقيهاً فاضلاً ولد في شهر ربيع الأول من سنة إحدى وستمائة. وتفقه بعلي بن قاسم الحكمي صاحب زبيد وعمر بن مفلح فقيه أَبين وبأحد الوزيرين ودرس في معزية تعز في النجاحية. وعنهُ أخذ جماعة من أهل تعز وغيرها. وإثنى عليه الفقيه عفيف الدين عثمان الشرعبي في تعليقته. وكانت وفاته نهار الخميس الرابع عشر من شعبان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح عبيد بن أحمد بن مسعود بن عبد الله بن مسعود بن عليان الزحمي وكان فقيهاً عارفاً. ولد يوم الثاني من ربيع الآخر من سنة اثنتي عشرة وستمائة وتفقه بالفقيه. وبعلي بن الحسين الأصابي وبمحمد بن يحيى بن إسحاق وابن أخيه يحيى بن أبي بكر بن إسحاق وغيرهم.
ويروى عنه ﵀ أنه قال رأَيت ليلة إني سائر في طريق فوردت على ثلاث طرق يمناهن متسعة ويسراهن ضيقة والتي بينهما بين بينِ فتحيرت أيهن أسلك ثم قوي عزمي على سلوك الوسطى فلما صرت فيها لقيني رجل فقال أتدري ما الطريق قلت لا. قال أم الكبيرة فطريق ابن حنبل والوسطى طريق الشافعي والثالثة طريق مالك. ثم ارتحل إلى زبيد فاخذ بها الفرائض عن سعد بن معاوية والتنبيه عن الفقيه علي بن قاسم فقيه زبيد وسمع البيان عن عبد الله بن يحيى. ولما حج أخذ في مكة عن ابن النعمان التبريزي وتفقه به جماعة من بلده. وكانت وفاته فجأّة ليلة الاثنين لثمان بقين من صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح سبأ بن عمر الدمني. وكان فقيهاً صالحاً حبراً قرأّ القرآن للسبعة القراء حتى أتقن. وكانت قراءَته على رجل من صهبان وأخذ كتب الحديث عن عبد الله بن أسعد الحديقي وتفقه. ثم قدم عدن فترتب في مسجد السوق صاحب المنارة. وكان يقرأ فيه القرآن والحديث وعنهُ أخذ أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد الحارزي كتاب البخاري ومسلم وامتحن في آخر عمره بكفاف بصره. وكانت وفاته في شهر رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
стр. 224
وفي هذه السنة توفي المقري الفاضل أبو محمد عبد الرحمن بن القاضي عبد الله بن أسعد بن الفقيه محمد بن موسى العمراني. وكان مقرئاً مجيداً فاضلاً عارفاً بالقراءات مشهوراً بها محققاً لها. وله في اللغة معرفة حسنة. توفي في سلخ شهر رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح الفاضل أبو حامد محمد بن أبي بكر بن أحمد ابن دروب صاحب ريمة إلا وكان فقيهاً بارعاً صوفياً تفقه بالجحيفي وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو عبد الله محمد بن أسعد بن علي بن فضل الصعبي المعروف بالجعميم بكسر الجيم وسكون العين المهملة وبعدها ميم مكسورة وياءُ وميم. وكان فقيهاً صالحاً تقياً مبارك التدريس موفقاً في الفتوى تفقه بابي العباس أحمد بن عبيد بن يحيى مقدم الذكر ودرس بعده وسأَلهُ جماعة من فقهاء سهقنة أن يسمعهم تفسير النقاش فتهيأَ لذلك فقال له بعض أولاد القاضي أسعد بن مسلم أحب يا فقيه أن تجعل ذلك عندي في داري يريد أن تقوم بكفاية الجميع من الجماعة فأجابهُ إلى ذلك. وسار من سهفنة إلى دار يزيد فاجتمع إليه خلق كثير. قال الفقيه صاح وكنت القارئ الغالب الكتاب والجماعة يسمعون. قال وكان الفقيه قد تنعس في اثناءِ القراءَة فتغلب على الظن أنه لا يسمع فأردت أن أكاسر عن القراءة إذا بي أَرى النبي ﷺ قاعداً مع الفقيه وهو يقول لي اقرأْ يا صالح فقرأْت ولم اسكت بعد ذلك. ثم رأيت الفقيه قد فتح عينيه عقيب ذلك وتبسم إليَّ خاصة. فلم ادر ما تحت تبسمه من معنى. وكانت وفاتهُ في شهر ذي الحجة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة خمس وتسعين وستمائة سارت العساكر الأشرفية من الراحة إلى الجوة إلى كثيب القشيب. وسار إليهم المؤَيد بين ولديه الظافر والمظفر كما قال الشاعر
تراهُ من نفسهِ ... في جحفل لجب
فلما اصطدم الناس هزمهم حتى أعقلهم بالكثيب فنزل الشريف علي ابن
стр. 225
الصغرى
عبد الله ووجوه العسكر فملكوا بعض العرصة. واصطدموا صدمة أُخرى فاهتزمت الجحافل وولوا الأدبار وهم معظم عسكره فرجع إلى الدرب على حامية وقد نهبت خزانته وآلتهُ وأحاطت العساكر بالدرب من كل ناحية فدخل عليه ابن أخيه محمد الناصر ووقف معهُ مليّاً ثم خرجوا جميعاً إلى خيمة قد ضربت فلم يزالوا بهِ حتى تقيد هو ووالداه وأقاموا بقية يومهم هنالك. واصبحوا سائرين إلى الجوة. وكان السلطان الملك الأشرف واقفاً بها منتظراً لما يحدث من إخبارهم فلما أتاهُ العلم بتقييدهم بكى بكاءً شديداً وأمر بإكرامهم وأرسل بهم إلى حصن تعز فوصلوا يوم الأحد التاسع عشر من المحرم من السنة المذكورة فاسكنوا دار الأدب. وأمر السلطان الملك الأشرف لهم بترتيب الأطعمة والأشربة وجعل عليهم خادماً اسمهُ كافور البتولي. وكان إذ ذاك مقدماً على المماليك فكان فيما يقال عنهُ يكسر الخبز إذا دخل عليهم وربما يفتش الربادي. ولما صار في السجن كما ذكرنا كتب إليه الفقيه أبو بكري بن محمد بن عمر اليحيوي كتاباً يقول فيه:) بسم الله الرحمن الرحيم. والضحى والليل إذا سجى (. ما ودعك ربك ضعيفاً.
стр. 226
وأخبرني الفقيه محمد بن إبراهيم الصنعاني قال اخبرنا شيخنا الفقيه العلامة نفيس الدين سليمان بن إبراهيم العلوي قال حدثني جدي القاضي شرف الدين أبو القاسم بن عبد الرحمن الأشرفي أنه قال وجد ورقة مكتوبة بخط القاضي بهاء الدين فاستضعف خطه جداً. ثم أرسل بها إلى السلطان الملك المجاهد ﵀ يعجبه من ذلك فأجاب ﵀ نعم سيد الوزراء لسيد الملوك هذا لفظه بعينه. وكان أيضاً خطيباً مصقعاً لبيباً ذا دهاءٍ وسياسة ولم حسن نظر في تدبير المملكة. وكان يحترم الفقهاءَ ويجلهم وهو أول من جمع له الوزارة والقضاء باليمن في الدولة المظفرية. وبعده القاضي موفق الدين علي بن محمد اليحيوي في الدولة المؤَيدية. ثم القاضي موفق الدين عبد الله بن علي بن محمد اليحيوي في الدولة المجاهدية ثم القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن علي بن عباس في الدولة الأشرفية. وهؤلاءِ جملة من جمع له القضاء والوزارة إلى هذا التاريخ وهو سنة اثنين وثمانمائة. ولم يزل القاضي بهاء الدين في وظيفتي الوزارة وقضاء الأقضية كما ذكرنا إلى أثناء سنة أربع وتسعين وستمائة. فلما كان في شهر جمادى الأخرى من السنة المذكورة. وأقام السلطان المظفر ﵀ ولده الملك الأشرف في الملك والمملكة وقلده أمور البلاد والعباد. أشار القاضي بها الدين على السلطان الملك المظفر أن يكون أخوه القاضي حسام الدين حسان وزيراً للأشراف. فأمر الخليفة بذلك وبقي القاضي بهاء الدين على قضاء الأقضية وأخوه حسان يراجعه بما يرد عليه من أمر التهائم إلى أن توفي القاضي بهاء الدين في النصف من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة سنة خمس وتسعين وستمائة ﵀.
وفي هذه السنة توفيت الدار الشمسي وهي ابنة السلطان الملك المنصور نور الدين عمر بن علي بن رسول. وكانت امرأَة عاقلة عفيفة حازمة لبيبة. وكانت تحب أخاها المظفر حبّاً شديداً ويحسّنِ سياستها وتدبيرها حتى اتصل بالملك إذ كانت
стр. 227
يومئذ بزبيد حين توفي والدهما. فشمرت وبذلت الأموال للرجال حفظت المدينة حتى وصل أخوها من المهجم إلى زبيد ملكها فهي أول مدينة ظهر فيها ملكه. ثم كانت هي السبب في أخذ الدملؤه وقد تقدم ذكر ذلك. ولذلك كان يبرها ولا يخالف لها رأْياً. وكانت ذات صدقة ومعروف ومآثرها كثيرة منها المدرسة المعروفة بالشمسية بذي مدينة من مدينة تعز لها وقف جيد على إمام ومؤَذن وقيم ومدرس وطلبة ومعلم وأيتام يتعلمون القرآن وابتنت مدرسة في زبيد معروفة بالشمسية أيضاً في جنوبي سوق المعاصر وأَوقفت عليها أيضاً وقفاً جيداً يقوم بكفاية المرتبين فيها. وهي التي تولت كفاية المؤَيد ابن أخيها. وكانت تحبه حبّاً شديداً. وسافرت معهُ إلى الشحر فتوفي أخوها السلطان الملك المظفر وهي هنالك فرجعت هي والمؤَيد فلما اعتقل المؤَيد كما ذكرنا صارت إلى تعز فنزلت في مدرسة أخيها المظفر وأقامت فيها أياماً فمرضت فاشتد بها المرض فانتقلت إلى دار المؤَيد ابن أخيها فلم نزل به حتى توفيت في شهر رجب من السنة المذكورة رحمها الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل يوسف بن أحمد بن الفقيه حسين العديني وكان فقيهاً فاضلاً عارفاً بالفقه والفرائض وهو ممن ارتحل إلى تهامة فقرأ فيها الخلاصة على الفقيه عمر بن عاصم بزبيد. وزار الإمام العلامة أحمد بن موسى بن عجيل. وكانت وفاتهُ في قرية للذنيتين لأربعه بقين من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة ﵀.
وفيها توفي الفقيه أبو العباس أحمد بن علي السرددي. وكان فقيهاً مجوداً وغلب عليهِ فن الحديث. وأدرك الشيوخ الأَكابر من تهامة والجبال والواردين إليهما من غيرهما. من تهامة محمد بن إبراهيم القشلي وإسماعيل ابن محمد الحضرمي وعمر السباعي. ومن الجبال محمد بن مصباح وغيرهُ.
وأما القادمون فجماعة منهم العماد الإسكندري والقطب العسقلاني وابن
стр. 228
حشيش وإسحاق الطبري. وعنهُ أخذ غالب فقهاء تعز كتب المسموعات كالبخاري ومسلم. وغالب كتب الحديث. وكانت كتبه محققة مضبوطة عند الفقهاء المحققين. وكانت وفاتهُ في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح الإمام أبو محمد عبد الله بن عمر بن سالم الفائشي. وكان مولده سنة تسع وخمسين وستمائة تقريباً. قالهُ الجندي وكان فقيهاً فاضلاً مقرئاً نحوياً له معرفة جيدة في الفقه والقراءات والنحو ولهُ مصنف جيد نحا فيه نحو البابشاذية سماه اللوامع. ولهُ يدُ في الأصول واللغة والحديث. وسافر إلى أبين فاخذ بها عن محمد بن إبراهيم وعن ابن الرسول. ثم سافر إلى تهامة فأخذ بها عن الفقيه أحمد بن موسى بن عجيل.
قال الجندي ثم قدم علينا الجند فاخذ عنه أربعين الإمام بطال بروايتها لها عن التهامي بن بطال مصنفها. قال وكان أوجه أهل البلد ديناً وعلماً. فلما مرض واشتد به المرض دخل عليه جماعة من الفقهاء يزورونهُ فدعوا لهُ فجعل يوصيهم بتقوى الله وكلما دعوا لهٌ بالعافية أعرض عن ذلك. فقالوا لهُ أنا نجدك في عافية وكلامك كلام من قدآيس من العافية وأيقن بالموت فقال إني رأيت الباحة أن سقف بيتي هذا كشف حتى رأيت السماء ونودت مها اقدم يا فقيه من باب الترحيب ونوديت باسمي واسم أبي أقدم مرحباً بك فعلمت أن أجلي قد دنا. فتوفي وهو على تدريس النجمية يوم الأربعاء لإحدى عشر ليلة خلت من شعبان من السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله بن عمران الخولاني. وكان فقيهاً مقرئاً محدثاً. ولد سنة إحدى وستمائة. وقرأ القرآن بجياً والفقه والحديث على عشرين شيخاً. أكثرهم أخذاً عنهُ حسن بن راشد وأبو بكر بن ناصر. وكان الغالب عليه المسموعات والإجازات. وحج ثلاث سنين ودرس في مصنعة شير وفي الجند. وكان مسكنهُ في الجهة عزلة يعرف بريد براءٍ مكسورة وياءٍ مثناة من تحتها وآخر الاسم دال مهملة. وكان فقيهاً شخياً عالي الهمة. وتوفي في العزلة المذكورة ليلة الاثنين
стр. 229
لسبع خلون من شهر رمضان من السنة المذكورة رحمهُ اللهُ تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد بن علي ابن إبراهيم بن أسعد الهمداني يجتمع مع الفقيه عمر بن سعيد العقيبي في أسعد بن أحمد. وكانت له قراءات وسماعات وإجازات واشتغل عن العبادة وكان مشتغلاً بالفقه والدين من الصلاة والصيام والزكاة والحج. وارتحل إلى تهامة فاخذ بها عن الفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي.
قال الجندي وعليه قرأت الأربعين سريع الدمعة. ومتى سئل الدعاء مد كيفه ودعا وهو يبكى واستولى رأسه لموضع بعد ابن عمه عبد الرحمن المذكور أولاً. ولم يزل على حالٍ مرضي إلى أن توفي يوم الجمعة الثالث عشر من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة ﵀. ولما بلغ خبر وفاته إلى الفقيه الإمام أبي الحسن علي بن أحمد الأصبحي طلع الذي عقيب وحضر دفنه وأقام هنالك يوماً أو يومين بسبب القراءة على تربته ثلاثة أيام. فبلغه خبر وفاة القاضي بهاء الدين الوزير محمد بن أسعد العمراني المذكور أولاً فسافر من هنالك إلى المصنعة يعزي. وقرأ بعض أيام القراءة ثم عاد إلى بلده رجمهُ الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أسعد محمد بن موسى العمراني. وكان فقيهاً فاضلاً درس مدة في جامع المصنعة قال الجندي وعنهُ أخذت بعض كافي الصردفي والمهذب وبعض مصنعة في الرقائق وهو كتاب سماهُ: جامع أسباب الخيرات. ومثير عزم أهل الكسل والفترات. وهو من احسن كتب المتعبدين. ولهُ مختصر سماهُ البضاعة. في فضل صلاة الجماعة. قال وهو من المختصرات البديعة في ذلك. والتبصرة في علم الكلام. وشرح التنبيه شرحاً شافياً لائقاً اجمع الفقهاء على سماعه بعد فراغه من جميع فقهاء الجبال. وكان فيهم عدة من أكابر العصر قال وسمعت عليه بعضه وقرأت عليه جميع مصنفه الذي سماه البضاعة وإيضاح الأصبحي. وكانت وفاتهُ في شهر شوال من السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى.
стр. 230
وفي سنة ست وتسعين توفي السلطان الملك الأشرف محمد الدين عمر بن يوسف ابن عمر بن علي بن رسول. وكانت وفاته ليلة الثلاثاء لسبع بقين من المحرم أول شهور السنة المذكورة. وكان ولده الناصر يومئذٍ في القحمة والعادل في صنعاء لأمر أراده الله تعالى فاتفقت آراء الخدم الخاصة والعامة والستور الكريمة على إبراز بدر الجود. وإصباح شمس الوجود. وإن يزأر الليث في غابه. وإن يستقر الحق في نصابه. وان يسوس الدولة نعمانها. وإن يتسلم الحكمة لقمانها. فلما كان السحر من تلك الليلة تقدمت الأكابر من الخدام إلى مولانا السلطان الملك المؤيد وهو في مجلسه فأخبره بانتقال أخيه الملك الأشرف إلى رحمة الله تعالى فناله من الأسف ما ناله لفقد أخيه وداخل المسلمين من السرور ما كاد يذهب بنفوسهم. ومن فرح النفس ما يقتل. ولما خرج من سجنه طلب من والي الحصن سيفاً يكون في يده فأتى بثلاثة سيوف له ولولديه وسار حتى وقف على رأس أخيه وبكى بكاءً شديداً وتأسف عليه تأسفاً عظيماً ثم خرج من عنده وقد أمر بتجهيزه فقعد في تخت الملك إلى أن طلع الفجر فلما لاح ضوء الفجر أمر نوابة الحصن أن يصيحوا بالترحم على الملك الأشرف وبالصباح السعيد على الملك المؤيد فسبحان من لا يزول ملكه. ولا يبيد سلطانه.
وكان الملك الأشرف ملكاً سعيداً صالحاً براً باخوته وقرابته محباً لهم. وكان رؤوفاً للرعية عطوفاً عليهم وحصل في مدته في اليمن جراد عظيم استولى على الزرع والثمار فاشتكت الرعية إليه فأمر بمسامحتهم فتوقف الوزير عليهم وهو القاضي حسام الدين بن حسان بن أسعد العمراني ولم يمض المسامحة لهم كما أمر السلطان فاشتكوه إلى السلطان ثانية فكتب إليه يا فلان اقتصر عنهم ولا تفرقهم علينا فإنه يصعب علينا جمعهم.
ومن مناقبه رحمه الله تعالى أن رعية النخل بوادي زبيد كانوا قد تلفوا من الجور الشديد وإفلات الملوك عليهم فبلغ بهم الأمر أن من كان له نخل لا يزوجه أحد وأي امرأة كان لها نخل لا يتزوجها أحد إلا مغرور. وكان الرجل الذي ليس له نخل إذا تزوج امرأة لا نخل لها يقال عند عقد النكاح بينهما ومن سعادتهما أنه لا نخل لأحد
стр. 231
منهما. لما ولي الملك الأشرف أمر من افتقد النخل فأزال عن أهله ما نزل بهم من الظلم. فهو أول من سن العديد بالفقهاء العدول وتبعه على ذلك بعده ﵏ أجمعين. وكان له من الولد محمد الناصر وأبو بكر العادل. ووزيره القاضي بهاء الدين وزير والده فلما توفي القاضي بهاء الدين استوزر أخاه القاضي حسام الدين واستعفى القاضي بهاء الدين عن الوزارة وبقي على قضاء الأقضية وإنما كان أخوه حسان يستشيره فيما يتعاظمه من الأمر والله أعلم.
стр. 232
الباب الخامس
ذكر أخبار الدولة المؤيدية
وما كان فيها
قال علماء السير والأخبار لما توفي السلطان الملك الأشرف ممهد الدين عمر بن يوسف بن عمر بن علي بن رسول رحمة الله عليه وأعلن الصائح بالترحم عليه والصباح السعيد على السلطان الملك المؤيد كما ذكرنا ارتجت المدينة وانزعج الناس وماج بعضهم في بعض فأمر السلطان بفتح أبواب الحصن فكان أول من طلع إليه من الناس الوزير القاضي حسام الدين حسان بن أسعد ين محمد بن موسى العمراني وزير أخيه المرحوم فاجتمع به وحلف لهُ الإيمان والمغلظة واستحلف له الجند والأمراء واعيان الدولة فيختلف عليه منهم اثنان ولم يمتنع عليه سهل ولا جبل ولا بلد ولا حضر. جرت أموره كلها على السداد والوفاق.
وكتب تاج الدين الموصلي في ذلك اليوم مكاتيب إلى بلاد التهائم بأجمعه والى الجبال بأجمعها والى جهة صنعاء والأشراف فدخل الناس في الطاعة أفواجاً وأمر بتجهيز أخيه وتنفيذ وصيته فخرجوا به من الحصن في صبيحة الليلة التي توفي فيها وإمامه الظافر والمظفر يمشيان واعيان الدولة جميعاً حتى دخلوا به مدرسته التي أنشأها في معزية تعز فدفن بها وأقام القراء عليه سبعة أيام كما جرت عادة الملوك.
وهنأه جماعة من الشعراء منهم الأديب شائق الدين يوسف بن محمد العنسي بقصيدة بديعة استهلال بارزة في قالب الكمال وهي:
القوس مرترة في كف باريها ... فليعلم الناس قاصيها ودانيها
وليلبس الكل منهم درع مسكنة ... كي يصبحوا في أمان من مراميها
стр. 233
وكل نعمة من ندا ملكٍ ... أبغي سالبها والذل كاسيها
يهنئ المؤيد بل تهنئ خلافته ... أني أهنيه منها ما أهنيها
خليفة الله من بعد الخليفة يا ... ملك الملوك جميعاً لا أحاشيها
أن الخلافة ما قرت ولا هدأت ... حتى رمت نفسها كف حاميها
أضحت محجلة الأيام مذ وقعت ... في كف داوودها غرا لياليها
وفيها يقول:
أن الرعية في أمنٍ وفي دعة ... وفي بُلَهْنيةٍ إذ أنت راعيها
وكم يد لهزبر الدين قد حملت ... لغير طالبها منها وراجيها
بلاد غسان ما انفكت دعائمها ... لما أنت من معاليه معاليها
ترى لملك آسٍ لوالده ... سقاه قبل أياديه وهاميها
وهنأه العفيف عبد الله بن جعفر بقصيدة أولها:
أملك داود أم ملك ابن داود ... ما أن أقيس بكنعان ونمرود
أفي الرواق هزبر تحت غابته ... أم الهزبر هزبر البأس والجود
بين السماء وبين الأرض مزدحم ... ومن القنا والظبا والشرب والقود
ومن ذوائب رايات إذا رفعت ... حسبتها طاردات بعد مطرود
تدافع الريح أن يجتاز ساحتها ... طوراً وتكمل طوراً في الأماليد
كان أمواج بحر الهند من زرد ... تفيض ما بين موضون ومسرود
لله من طود ملك في السماء سما ... وظل أمن على الآفاق ممدود
ورثت دولة غسان كما ورثت ... آباؤك الغلب من أجدادك الصيد
نامت جفون البرايا في حماك وفي ... أجفان سيفك أي تسهيد
فالأرض مشرقة والسحب مغدقة ... والنبت ما بين مخضود ومنضود
ولي مواعد من نعماك صادقة ... ومنك نعرف إنجاز المواعيد
كم انعم لك أيام الخليفة لي ... قد كان أول مسقي بها عودي
ولما علم الملك الناصر جلال الدين محمد بن الملك الأشرف بوفاة أبيه واستيلاء
стр. 234
عمه على الملك والسلطنة وكان في أقطاعه القحمة بادر إلى باب عمه متمثلاً أمره فلما وصل إلى عمه اقبل عليه واحله من العز محلة عظيمة. ثم وصل أخوه فعاملهُ معاملة ترضيه من الكرامة والإنصاف وعرض عليهما الاستمرار على أقطاعهما فاستعفيا عن الآمرية وقالا لا نحب خدمة بعد الوالد. وكان الواسطة بينهما وين السلطان الفقيه أبو بكر بن محمد بن عمر اليحيوي وأخذ لهما من السلطان عهداً وثيقاً أنه لا يغير عليهما ولا على أحدهما وأخذ عيهما أن لا ينازعاه ولا ينازعه أحد منهما. وكنا بين السلطان الملك المؤيد وبين الفقيه أبي بكر اليحيوي المذكور صبحة أكيدة ومحبة شديدة. وكان السلطان ﵀ يعتمد رأي الفقيه أبي بكر في جميع ما يشير به عليه. وكنا الفقيه أبو بكر أوحد أهل عصره وعلماء زمانه. فلما حصل ما ذكرنا من قصة الدعنس وسجن السلطان الملك المؤيد في حصن تعز اغتم الفقيه أبو بكر على ما ناله غماً شديداً. واتصل العلم بالملك الأشرف أن الفقيه أبا بكر قصد المخالفة وإثارة الفتنة فاستوحش منه الملك الأشرف. وعلم الفقيه بالمكيدة فكتب إلى السلطان قصيدة يقول فيها:
تبغون قتلي ومالي فيكم غرضُ ... غير النجاة على مجموع أحوالي
وتزعمون بان الجن طوع يدي ... هل يقهر الجن إلا بالملأ العالي
مهلاً فهذا عصا موسى وحربته ... وتاج منزر معها تاج عطكال
وذي الهياكل والأجراس أجمعها ... وذي البثور وذا المزراق يا عال
وذي الحراب أولى الأملاك كلهم ... ما ينثني حدها عن هتك أجيال
ظننت أَني دعوت الله ذا غضب ... عليك بالهلك يا حاشا لأمثالي
ما كنت أدعو على شيءٍ بلا أدب ... وقد تمسكت من طه بأذيال
وخاتم الرسل لم يدعو على نفرٍ ... آذوهُ جهلاً فلم يعبأْ بجهَّال
وفارق الدار والأهلين مرتحلاً ... إلى المدينة حسب الأمر لا قال
وقام من بعده الصديق محتسباً ... حتى قضى نحبه في سم مغتال
стр. 235
أبو حسين قضى وابناه نحبهما ... سمّاً وقتلاً بأسيافٍ لضلاَّل
كذا ابن ادهم لم يدعو وقد عبثوا ... وصبَّ بالرأس منه بول بوال
وشبهوا لحية منهُ وقد كرمت ... على المهيمن علجاً غير ذي بال
فلم أحول ولا حالوا ولا عجلوا ... ما ثمَّ أمر بدا يقضى بإعجال
من ذاك منهم ترى لم يدر كيف أتى ... بعرش بلقيس داعي الله في حال
وكلما ترتضوا مني وتنتقموا ... ما القول قولي ولا الأفعال أفعالي
فاحكم بما شئت أن صبراً وإن عجلاً ... فالأمر اقرب من فعل على بال
هل يحرق السجن من ملاه أدبه ... إلا أخو الجهل بالآتي وبالحال
فليس شهران مما يقتضي عجلاً ... إن كنت تسمع فانظر صدق أقوالي
عشرون شهراً توالى لا تجاوزها ... وليس آخرها يقضي بإكمال
ويدخل الدار من لا يرتضيه لها ... فصائح منكم يدعوا بأعوال
لم تنكروا النص والتنزيل ويحكم ... ووعد ربي ما هذا بإجمال
فاسمع لما قلتهُ وارقبه مصطبراً ... ولا تعرج على قيلٍ ولا قال
وخذهُ بالجد لا هزلاً ولا كذباً ... فليس ذا القول من أقوال هزَّال
وهذه الأبيات من وقف عليها علم بمكان الشيخ العارف من علم المعارف وفي ذلك كفاية لمن تأمل والله أعلم.
ثم توجه الفقيه بعد إنشاء هذه القصية إلى ناحية وصار هارباً من الملك الأشرف فأقام هنالك إلى أن توفي الملك الأشرف في التاريخ المذكور فلما استولى السلطان الملك المؤيد على الملك والمملكة رجع الفقيه إلى مدينته واجتمع بالسلطان وفرح به فرحاً شديداً. واستوزر أخاه الصاحب موفق الدين علي بن محمد بن عمر بن اليحيوي المعروف بالصاحب وكانت وزارته في شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة وصنع له ما يصنع للوزراء من رفع الدواة وعقد الطيلسان وفوض إليه قضاء الأقضية وكان ثابتاً في أموره كلها لم يكن معهُ من الطيش والعجلة شيء ونفذ أمرهُ في البلاد وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وعاضده السلطان على ذلك وتقدم عند
стр. 236
السلطان تقدماً كلياً لم يسمع بمثله وانطلق عليه اسم الصاحب انطلاقاً كلياً في أقطار اليمن حتى صار علماً في حقه كالصاحب بن عباد في العراق فجمع أولاده واخوته لا يكادون يعرفون حتى يتعرفون به إما بنبوة أو أخوة.
ولما استوزره السلطان كما ذكرنا في تاريخه المذكور برز أمر السلطان على القاضي حسام الدين بن أسعد العمراني أن يكن هو وأخوته سهفتة على الأعزاز والإكرام ولم يغير عليهم حال من الأحوال. ثم بلغ السلطان من الناصر ابن أخيه على جهة النصح لعمه أن عبداً للقاضي حسان طلع إلى جهة عومان ووجد معتقة من الأشرفية كانت تحت القاضي بهاء الدين محمد بن أسعد فتحدث العبد معها بحديث أسره إليها أن معه قارورة السم من عند سيده القاضي حسان بن أسعد أمره أن يتلطف إلى من يتصل بالملك المؤيد ويسقيه منها وإن غرض القاضي وبني أبيه أهلاك بني رسول قاطبة. فلما اتصل العلم إلى السلطان بهذا غضب غضباً شديداً وطلبهم بحسبة أموال الأيتام وغلل الموقوفات في مدة نظرهم عليها فما أجابوه إلى شيء من ذلك أبداً فقبض عليهم وبنى لهم سجناً على باب دار الولاية استكفاءً لشرهم.
ومن صحب لدنيا طويلاً تقلبت ... على عينه حتى يرى صدقها كذباً
وقد كان في قلب السلطان من ولدي أزدمر نجم الدين وبدر الدين ومن ابن الهكاري استياء من يوم الدعيس فأمر بالحوطة عليهم فقبضوا فأرسلهم إلى حصن الدملؤة ثم قبض بعدهم أمير جاندار فجعل معهم في دار الأدب بالدملؤة. وفي خلال ذلك قدمت بعدهم رسل الأشراف على السلطان بالتهنئة بالملك ولعقد الصلح وقد كانوا عقيب موت الأشرف رحمة الله عليه استولوا على الكولة وأحرقوها واخذوا حصني اللجام ونعمان وعلى مدينة صعدة وأصلحوا على ذلك وكان الإمام مطهر بن يحيى حاطاً على كحلان الشرف فطلبه الأشرف للدخول معهم في الصلح ورفع المحطة فأمرهم بالصلح وطيبهم ولم يزل حاطاً على الحسن حتى أخذه.
وفي هذه السنة نزل السلطان الملك المؤيد زبيد وكان نزوله في شهر جمادى
стр. 237
الآخرة بعد أن أقطع ولده المظفر صنعاء والظافر الفخرية والحربين فتوجه الملك المظفر إلى صنعاء في رجب من السنة المذكورة فاستعاد حصن ود من بني الحرث في آخر شعبان بهد أن زماه بالمنجتيق. ورجع السلطان إلى تعز في شعبان وصام في مدينة تعز. ونزل الملك المظفر من صنعاءَ في أول النصف الثاني من رمضان وكان نزوله بسبب العيد فعيَّد في تعز ثم عاد إلى إقطاعه. واستعاد السلطان حصون حَجَّة في ذي الحجة وأخذ المخلافة من الصارم إبراهيم بن يوسف بن منصور. وكانت في يده من سنة إحدى وتسعين وستمائة. واشترط الصارم شروطاً منها إقطاع مَوزع ونصف حَيس والذمة الشاملة والعفو عما جناه.
وفي هذه السنة اظهر الملك المسعود خلافاً على أخيه السلطان وكان مقطعاً بالأعمال السرددية ومقيماً بها فأوقع وسار إلى حرض فاستولى عليها وكان قد وصل ولد أسد الإسلام محمد بن الحسن إلى عمه السلطان المؤَيد وهو في مدينة تعز فأكرمه وانصفهُ وأبقى أباه على إقطاعه فلما خالف الملك المسعود على أَخيه وسار إلى حرض جمع العساكر وجاءَه الأشراف السليمانيون وسقط إليه من الجبال والجَوف خيل كثيرة فاجتمع معه عسكر عظيم. فجهز السلطان لحربه أَخاه الملك المنصور أيوب بن يوسف ووزيره القاضي موفق الدين الصاحب وولده الظافر عيسى بن الملك المؤَيد وأرسل معهم ثلاثة أفيال فساروا إليه في عسكر جيدٍ من عسكر الباب.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو الحسن علي بن عمر بن إسماعيل ابن زيد يحيى العزيزي لقباً والشعبي نسباً. وكان فقيهاً عارفاً بالصوليين والفروع والنحو واللغة. وهو من قوم من الشعوب يقال لهم بنو الشاعر من بطن يقال لهم بنو أحمد يسكن بعضهم في سامع وبعضهم في إكنيت بكسر الهمزة ويكون الكاف وكسر النون وسكون الياء المثناة من تحتها وآخره تاء مثناة من فوقها. تفقه بالفقيه منصور والشعبي. وكان شريف النفس عالي الهمة مجللاً عند أهل بلده وغيرهم. وكان شجاعاً في الحرب فتاكاً عداءً يذكر من عدوه أنه كان إذا عدا خلف ظبي في البيداءِ
стр. 238
لزمهُ مجاورة. وكان يقول شعراً رائقاً. وكان له أعداء يغزونه في جمع كثير يريدون قتله ونهب بيتهِ فيخرج إليهم ويقاتلهم ويهزمهم وحده وربما قتل أَو جرح فيهم. وكان يكرم واصليه ويحسن إليهم. وكانت وفاتهُ رحمهُ الله تعالى في جمادى الأولى من السنة المذكورة. وكان له من الولد محمد بن علي ومنصور بن علي تفقه بشيخه منصور الشعبي. فأما منصور بن علي فعكف على الفقه والحديث وتقنه والنحو واللغة والفرائض والأصول والحساب. وكان مع ذلك شجاعاً وله بصيرة في الصناعات كالتجارة والخياطة وغيرهما. وكان يقول الشعر أيضاً وامتحن بقضاء الدملؤَة من قبل ابن الأديب فأقام فيه مدة يسيرة ثم توفي أول سنة ثماني عشرة وسبعمائة.
وأما أخوه محمد بن علي فإنه خدم في الدولة المؤَيدية كاتب الإنشاء وكان ذا دراية ثابتة وكان يقول شعراً مستحسناً. وكان كريم النفس وله مروءَة طائلة. ويحب أبناء جنسه من الفقهاء والطلبة ويعتني بحوائجهم. وكانت وفاته في غرة رجب من سنة ثماني عشرة وسبعمائة رحمهم الله تعالى.
وفي هذه السنة المذكورة توفي الفقيه الصالح أبو محمد عبد الله بن محمد عرف بمكرم بن مسعود بن أحمد بن سالم العدوي نسباً والمكرم لقباً. وكان فقيهاً صالحاً زاهداً ورعاً متمسكاً بالأثر. وكان عارفاً بالنحو والفقه واللغة والحديث. وكان ذا سيرة مرضية مواسياً للأصحاب كثير الذكر. ولما مرض دخل عليه أصحابه يعودونه فجعل يستحل منهم واحداً واحدا فقيل له لا تجزع فأنت في خير وعافية. فقال لم يبق من عمري سوى خمسة أيام. فقيل له بم عرفت هذا. فقال رأَيت الحق نهار أمس فهممت أن أتعلق بهِ فقيل لي بعد ست فوقع في قلبي إنها ستة أيام وقد مضى لي يوم فكان كما قال. فلما حضرته الوفاة أُغمي عليه فلما أفاق قال لمن حوله أين الثوب الذي أعطاني ربي. ولازم على ذلك ملازمة شديدة فأعطوه ثوباً من ثيابهم فردَّه. فقال أن ثوب ربي لا يشبه ثياب الآدميين وما كان ربي ليرجع في هبته. ثم عاد في غشيته وكان آخر كلام سمع منه إلا إِله إلا الله. وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
стр. 239
وفيها توفي الفقيه الفاضل أحمد بن البناء واصله من ظفار الأشراف. تفقه في بدايته في مذهب الزيدية ثم غرز عمله فصار مجتهداً لا يقلد إماماً ولا غيره. وكان كثير العزلة عظيم الورع إلى أن توفي في السنة المذكورة وقيل كانت وفاته في سنة خمس وسبعين وستمائة.
وفي هذه السنة توفي السيد الأجل الفاضل يحيى بن محمد بن أحمد بن علي بن سراج بن الحسن السراجي نسبة إلى جده سراج أحد الأشراف الحسينيين وكان إماماً كبيراً في مذهب الزيدية وعليه عكفوا مدة حتى أدعى الإمامة ونزل مع قوم يقال لهم بنو فاهم في حصن لهم وأطبق على أجابته خلق كثير من الناس وحسده الأشراف الحسينيون على الرئاسة. وكانت قراءَته للعلم في تهامة على الإمام أبي العباس أحمد بن موسى بن عجيل. ولما ادعي الإمامة كما ذكرنا كان الأمير في صنعاءَ يومئذٍ الأمير علم الدين الشعبي فحبسه أياماً ثم كحله فأرسل الله على الذين لزموه الجذام حتى أن الرجل إذا أصابه هذا الداء يعتزل في كهف من الكهوف لئلا يتعدى الداءُ منه إلى غيره ولا يدري حتى قد انبعث الداءُ بالباقين من أهله. ثم تغيرت روائحهم بحيث لا يستطيع أحد أن يقربهم من نتن الرائحة فهلك كثير منهم في مدة يسيرة وألقى الله بينهم العداوة والبغضاء فما برح بعضهم يقتل بعضاً حتى قلَّ عددهم ولم يبق منهم إلا اليسير. وأَقام السيد في صنعاءَ مكحولاً يؤخذ عنه العلم ويأتيه النذور من المسلمين إلى أن توفي في صفر من السنة المذكورة في مدينة صنعاء وقبر في مسجد الأجذم وقبره من اجل المزارات الصنعائية يتبرك بالدعاء عنده وتستنتج عنده الحوائج فتقضى. قال ابن عبد الحميد زرته مراراً ورأَيت منهُ آثاراً حميدة. ويوجد عنده رائحة المسك ليلة الاثنين وليلة الجمعة رحمه الله تعالى.
وفي سنة سبع وتسعين ركب الملك المسعود فيمن معه من العساكر التي جمعها من المخلاف الأَسفل ومن انضم إليه من أهل الجوف وغيرهم يريد المحالب فواجهه العسكر السلطاني المؤيدي صحبة الملك الظافر عيسى ابن الملك المؤَيد. والصاحب علي بن محمد التحيوي فيما بين المحالب وحرض فلما تراءَى الجمعان وتهيأَ
стр. 240
للحرب الفريقان رأى الملك المسعود أنه مغلوب لا محالة فأذعن إلى الصلح قبل اصطدام الخيل فقبض العسكر السلطاني عليه وعلى ولده أسد الإسلام. وكان ذلك في المحرم من السنة المذكورة فساروا بهما إلى الحرم الشريف السلطاني فحنا عليهما واسكنهما دار الأدب من حصن تعز فأقاما فيه أياماً ثم أطلقهما وأمرهما بسكنى حيس. وقدر لهما جامكية جيدة حاملة لهما ولمن معهما من حاشيتهما وخدمهما
مكارمُ تسع الجاني بنائلها ... وتُورث الضد عزّاً بعد إذلال
وفي شهر صفر من السنة المذكورة نزل الملك المظفر متبرئاً من صنعاء ولم يكن دخلها إنما كان واقعاً في ذمار. وفي شهر ربيع الأول قتل الشيف سليمان بن محمد بن سليمان بن موسى قتله عبيدة بالوادي الحار. وفي شهر ربيع الآخر طلع الأمير سيف الدين طغريد للمحطة على حصن شَخَبٍ فوثب عليه. ولزم جماعة من مشائخ مذحج. ونزل في آخر ليلة من جمادى الآخرة. وهي ليلة السبت وقع مطر عظيم في قطر اليمن فعمَّ اليمن كله. وكان حدوثه على مضي النصف من الليلة المذكورة. وكان فيه رعد عظيم وريح شديدة. وكان معزم المطر في تهامة حتى قيل إنها أخرجت سفناً من ساحل الشرجة والأهواب بما فيها. وطرحتها على الساحل. وهدمت حصوناً شامخة في جبال تهامة وأقلعت أشجاراً عظيمة بأصولها.
قال المصنف ﵀ وأظنها المطرة التي تسمى مطرة السبت فإنها مشهورة مذكورة. وكانت في آخر المائة السابعة وقل من يعرفها في عصرنا هذا سنة ست وتسعين وستمائة. وأدركت جماعةً ممن يعرفها وقد انقرضوا الآن لتقادم العهد. وفي شهر شعبان طلع الأمير جمال الدين علي بن بهرام إلى مأرب فعمر الحرمة وأعاد أمورها كما كانت على أَحسن قاعدة ملوكية.
وفي هذه السنة توفي الإمام مظهر بن يحيى وكانت وفاته يوم الاثنين الثاني عشر من شهر رمضان المعظم من السنة المذكورة. وكانت بذروان حجة. وفي النصف الثاني من شهر رمضان المذكور طلع الملك المظفر إلى صنعاء. وقد كان
стр. 241
السلطان جهز عسكره إلى حجة. منهم أستاذ دائرة الأمير الكبير بدر الدين محمد بن عمر بن ميكائيل. والفقيه شرف الدين أحمد بن علي الجنيد للمحطة على ابن الصليحي بيمين وعلى عمر بن يوسف بالطفر. فسلما الحصنين ونزلا على الذمة. ثم توجه الركاب العالي إلى البلاد العليا. وذلك عند امتناع الأشراف من الصلح فكان دخوله صنعاء لخمسة أيام بقين من ذي القعدة من السنة المذكورة ثم طلع الظاهر يوم الرابع عشر من ذي الحجة. وكان طلوعه في اليوم المسفر صاحه عن ليلة الكسوف القمري ويقال
مع السعادة ما للنجم من اثرٍ ... فلا يضرُّك مرّيخ ولا زحل
ولما استقر السلطان بالمعسكر يوم الأحد سار يوم الاثنين نحو المنقاع بعساكره فقاتل عليه ثم عاد إلى محطته. وقد كان الأمير بن وهاسٍ والشيخ قاسم بن منصور صاحب ثلا خالفا على أصحابهما الأشراف. ووصلا إلى السلطان قبل طلوعه الظاهر. فصدر مع أولاد الشيخ قاسم ابن منصور الأمير علم الدين قاسم بن حمزة والأمير الصارم إبراهيم بن يوسف بن منصور في عسكره إلى بلاد حمير والطرف لحرب الأمير تاج الدين وأقام على العسكر ثمانية عشر يوماً في أثنائها دخلت عساكره صعدة مع الأمير جمال الدين علي بن بهرام. والأمير أسد الدين محمد بن أحمد بن عز الدين فذاكر لهم الأمير نجم الدين موسى بن أحمد والأمير أحمد بن علي والشريف محمد الهادي. ولما افترقت عساكرهم نزل الأمير موسى إلى حصنه عزان فخرب العسكر داره وبستانه.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح عبد الله بن أبي بكر بن عمر بن سعيد السعدي نسباً إلا بيني بلداً المعروف بابن الخطيب. وكان أبوه خطيباً في قرية من قرى أبين تعرف بالطرية. وكان مولده بها يوم الجمعة السادس من شهر رمضان من سنة أربع وعشرين وستمائة. فلما شب وقرأَ القرآن خرج من بلده طالباً للعلم فوصل
стр. 242
قرية الضحى من نواحي سردد فأدرك الفقيه محمد بن إسماعيل الحضرمي فأَخذ عنه بعض شيءٍ ووجده مشغولاً بالعبادة قليل الفراغ لإقراءِ العلم فعزم على الانتقال إلى بعض الفقهاء وخرج عن القرية لذلك. فعلم بن الفقيه محمد بن إسماعيل فتبعه وأعاده وجاء به إلى ولده إسماعيل وقد تفقه وهو معتكف في المسجد يطالع الكتب. فقال له يا ولدي قد ألزمتك إقراء هذا الفقيه وتعليمه فقال حباً وكرامة. فكان أول من لزم مجلس الفقيه إسماعيل وتفقه به ولم يزل عنده حتى كمل تفقهه. ثم حصلت له عناية من الفقيه إسماعيل فاستغرق في العبادة وظهرت له كرامات وكان كثيراً ما يرى النبي ﷺ فسأله عن أمور مشكلة فبينها له. ولما كمل تفقهه وصار مملياً من سر الله عاد إلى بلده الطرية فلم يطب له فدخل مدينة عدن وسكن مسجداً يعرف الآن به بناحية حرام الشوك. فتسامع به أهل بلده وقصدوه إلى المسجد وترددوا إليه حتى شغلوه عن العبادة فتعب لذلك اشد التعب. وشكا إلى بعض خواصه ذلك فقال يا فقيه سلهم قرض شيء من أموالهم فعمل ذلك مع أحدهم فاعتذر وخرج وصار كلما لقي أحداً من أصحابه خبره أن الفقيه سأله قرض شيء من ماله فاعتذر منه فعرفوا أنهم متى وصلوا الشيخ سألهم كما سأل الأول فلم يعد أحد بعد ذلك يأتي الفقيه وانقطع الناس عن الوصول إليه فاستراح لذلك أشد راحة. وكان في عدن رجل مغربي له بنات وفيه خير ومحبة للعلماء والصالحين وعنده دنيا واسعة فوصل إلى الفقيه وصحبه وائتلف به ائتلافاً شديداً وزوجه واحدة من بناته فولدت له عدة أولاد وصحب الفقيه جماعة من أهل عدن وانتفعوا به نفعاً عظيماً وتهذبوا وصاروا أهل عبادة وزهادة. وأقام الفقيه في عدن مدة ثم خرج منها قاصداً تهامة فلما وصل موزع وقد علم بوصوله فقيهاً وحاكمها يومئذ الفقيه حسن الشرعي. خرج في لقائه فلما التقاه أكرمه وانصفه وأنزله في بيته وبجلهُ وعظم حرمتهُ. فلما رآه الناس تأسوا به ثم أن الفقيه أعجبته موزع فتديرها وظهرت له فيها كرامات تخرج عن الحصر حتى أن كل من جنى ذنباً وهرب على ناحية الفقيه لا يقدر عليه أحد أبداً ولا يقصدهُ أحد بشر ما دام في جوار الفقيه. ولما مرض الفقيه مرض
стр. 243
موته الذي مات فيه دخل عليه جماعة يعودونه في يوم سبت فقال يكون يوم الثلاثاء جلبة عظيمة يالها من جلبة. فكانت وفاته في يوم الثلاثاء لثمان بقين من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة. وقبره في المقبرة التي قبر فيها الفقيه يعقوب وغيره من فقهاء موزع والى جنبه قبر الكاشغري في وسطها والشرعبي في شرقها ويعقوب في غربها رحمة الله عليهم أجمعين.
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو العباس أحمد بن الحسين بن أبي السعود ابن الحسن بن مسلم بن علي الهمداني. وكان مولدهُ يوم الأحد تاسع الحجة من سنة وتسعين وستمائة. وكان فقيهاً مجتهداً محصلاً ورعاً زاهداً تفقه بمحمد بن وكان كثير التردد إلى أبي حسن الأصبحي ويراجعه فيما يشكل عليه من المسائل ومن ورعه أنه كان في قرية العراوي شي يعتاده وهو قدر جيد من الطعام وهو من أملاك وقفها أهل الدار الشمسي وبراً فتورع هذا عنه ولم يقبله. وانقطع ذلك عن القائم بالقرية إلى عصرنا. وكانت وفاته ليلة الثلاثاء لثلاث عشرة بقين من ذي القعدة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو حفص عمر بن عبد الله المعروف بابن عقبة نسبة إلى بني عقبة القضاة الذين ذكرهم ابن سمرة في قضاء جبلة. وكان تفقه بالفقيه عبد الرحمن بن سعيد العقيبي وغيره من فقهاء جبلة ودرس في مدرسة الجبالي. وتوفي في صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة ثمان وتسعين نهض السلطان الملك المؤيد أول يوم من المحرم من محطته إلى أطراف الظاهر فوقف هناك ثمانية أيام ثم نهض إلى جهران فوقف فيها ثمانية أيام أيضاً. ثم نهض فحط بالظاهر الأسفل. وكان قد أخرب دار الأمير همام الدين وبستاناً له. ثم سار نحو جبل ظفار فتأهب الأشراف لقتاله فأحرقت ما حوله من الأعشاب. ووصله الأمير محمد بن داود بن الإمام فوقف عندهُ أياماً ومات في المحطة.
وفي هذا التاريخ وصل شريف السيد محمد بن الهادي المعروف بالقطابري
стр. 244
إلى الأشراف فأرادوا أن يقدموه إماماً وكان كاملاً فامتنع من ذلك. فلما كان يوم الاثنين الثالث من صفر نهض السلطان من محطته مبات بالكولة وأقام يوم الثلاثاء ثم سار يوم الأربعاء فحط في القصر عند أشيح فأقام هنالك يوم الخميس وسار يوم الجمعة السابع من صفر فحط على البقاع بعساكره وجنوده. فملأت جيوشه تلك الأماكن كلها وانتشرت في تلك الجهات.
إذا حلَّ في ارض بناها مدائناً ... وان سار عن أرض توت
فلما اصبح يوم السبت الثامن من الشهر المذكور نصب المنجنيق على الحصن المذكور وحاصره حصاراً شديداً وهو يومئذ للأمير جمال الدين علي بن عبد الله ولم يكن يومئذ فيه وإنما كان فيه ابنه الشريف إدريس ابن علي فزحفت العساكر المنصورة على الحصن ثلاثة أيام متوالية فكتب الأمير جمال الدين علي بن عبد الله إلى سائر الأشراف كتباً متتابعة يطلب منهم النصرة وهم يغالطونه ويعتذرون بالعجز. فلما اشتد عليهم الأمر كاتب في معنى الصلح وحصل خطاب ومراجعات. واستقر الحال على أن الأمير جمال الدين يواجه الصاحب موفق الدين فوصل إليهِ. واتفق حضور الملك المنصور والملك المظفر فاجتمعوا جميعاً وساروا بأجمعهم إلى المقام الشريف السلطاني. فلما علم السلطان رحمة الله عليه بوصول الأمير جمال الدين علي بن عبد الله ركب من مخيمه للقائه وقد صاروا بالقرب منهُ. فأكرمه وانصفه وانعقد الصلح بينهم وأخذ للأشراف ذمة سبعة اشهر وسلم لأجلها حصن ذيفان لان السلطان امتنع من الذمة عليهم. فلما استقر بالمحطة طلب من السلطان دخول الإعلام الشريفة الحصن اظهراً لطاعة والتسليم فنصبت في أعلى الحصن وكذلك العظيمة خفقت ذوائبها في أعالي الحصنين ولقد أحسن الحسن بن هاني حيث يقول
من كان بالسمر العوالي خاطباً ... جلبن لهُ بيض الحصون عرائساً
стр. 245
ولما انتظم الصلح وتسلم السلطان الحصنين المذكورين العظيمة والميقاع قال العفيف عبد الله بن جعفر يمدح السلطان الملك المؤيد ويذكر أخذه للحصنين المذكورين فقال
إرث الخلافة في يديك مشاعُ ... وغرارُ سيفك شاهدُ قطاع
شمس رأَت غلب الملوك شعاعها ... فقلوبها منها تطير شعاعُ
تبع التتابع في عناصر حمير ... والى المناقب هم لهُ أَتباعُ
عمرو وعمرو ذو الجناح ومنذرُ ... والأَيمانِ وفايش وكلاعُ
ماء السماءِ سقى منابت اصلهِ ... ريّاً فأَورق عرقهُ النزاعُ
فلقد أَعاض بيوسف يقطان لا ... نكل ولا وكلُ ولا مجزاعُ
أَرى إلى الشرق القصي بشرب ... خطواتها نحو المغار سراعُ
والشمس من لمع الحديد كليلةُ ... والجو من سمر اليراع يراعُ
وفيالق سالت هوادئ خيلها ... سيل الأَتىّ تداولتهُ تلاعُ
تسري فمن زُرق الأَسنة فوقها ... نارُ ومن أسل الوشيح شعاعُ
غسلت مياه سيوفها ماء الدجي ... فتشابه الإصباح والأهزاعُ
ينحو بها مبدأ النجوم طوالعاً ... ملكُ مطيعُ للإِلهِ مطاعُ
ليس العظيمة بالعظيمة عند من ... لسيوفهِ ميقاعها ميقاعُ
لم يشقَ وافدهم إليه وهل ترى ... يشقى أمرهُ وجليسهُ القعقاعُ
فغنمت أَدعيةً بأفواهٍ لهم ... فيهنَّ من ثدي البتول رضاعُ
وحفظت حقاً للنبي محمدٍ ... فيهم ولست بما حفظت تضاعُ
أَمؤَيد الإسلام داود الذي ... للعالمين بفضلهِ إجماعُ
ما يلتقي شرق البلاد وغربها ... إلا إذا ما امتدَّ منك الباعُ
أَهويت بالسيف العداة كما هوى ... وُد بسيف محمدٍ وسواعُ
الله أَعطاك السعادة كلها ... ماذا يضرُّ وربك النفَّاعُ
وهي أطول مما ذكرت وهذه عيونها ثم اقبل السلطان رحمهُ اله تعالى على
стр. 246
الأمير جمال الدين علي بن عبد الله إقبالاً عظيماً وأزال عنهُ ما في خاطره وجدد له حمل الطبلخانة وحمل لهُ من الأموال والكساوي شيئاً كثيراً. ووصل ذلك كله إلى الميقاع. فخرج لإنشاء الرضاء مزفوفاً بالطبلخانة تحت خوافق الأعلام الهزبرية. وأعاد له بلاده التي كانت له. وفي أول يوم من شهر ربيع الأول ارتفع السلطان من المحطة إلى صنعاء.
أمام الكتيبة تزهى بهِ ... مكان السنان من العامل
قال الشريف إدريس وسرت في خدمته مع والدي وعدت من هناك وقد كنت خرجت إليه في محطة الميقاع فانصفني وأكرمني وأمر لي بمال جيدٍ وكسوة نفيسة وحصان جواد ولما استقر السلطان في صنعاء وصله أمراء الأشراف ومشايخ العربان. ووصل في جملتهم الأمير نجم الدين أحمد بن علي بن موسى بن الإمام لتمام صلح الأشراف فتم على تسليم اللحام ونعمان وصعدة وقسمة بلاد مدع كما كانت أيام الخليفة. وسارت البشائر بما استولى عليه من الممالك.
ثم توجه السلطان طالباً قبة العز من مدينة تعز وفي صحبته الأمير جمال الدين علي بن عبد الله والأمير نجم الدين أحمد بن علي بن موسى بن الإمام والأمير جمال الدين عبد الله بن علي بن وهاس وأمراء العرب. وقد دانت له البلاد والعباد فأقام في تعز أربعة اشهر.
وفي هذه المدة ظهر للسلطان ولده الملك السعيد من الجهة الكريمة ابنة الأمير أسد الدين محمد بن الحسن بن علي بن رسول. وكانت له فرحة عظيمة ولم تطل مدته بل توفي بعد أيام قلائل فكان كما قال التهامي حيث يقول:
يا كوكباً ما كان اقصر عمرهُ ... وكذاك عمر كواكب الأسحار
وهلال أيام مضى لم يستدر ... بدراً ولم يمهل لوقت سرار
ثم توجه السلطان إلى زبيد في شهر جمادى الأخرى من السنة المذكورة وصحبته أمراء الأشراف ومشايخ العرب ودخل بجيشه مدينة زبيد فأقام فيها
стр. 247
شهر شعبان الكريم فصام رمضان في مدينة تعز وعيَّد عيد الفطر بها. واستودعه الأمير جمال الدين علي بن عبد الله يوم العيد وهما على السماط وتوجه إلى بلاده في شوال.
وحكى الشريف إدريس في كتابه قال تذاكرنا عند والدي ﵀ إنصاف السلطان له وما أعطاه من يوم خروجه من الميقاع في سلخ صفر إلى أن فارقه في مستهل شوال فحسبناه جملاً لا تدقيقاً فكان اكثر من سبعين ألف دينار ملكية خارجاً عن الكسوات والخيول والعروض والآلات. وما أشبهها بقول القائل
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيباً بماء فعادا بعد أبوالا
وفي شهر ذي القعدة قدم الملك المظفر حسن بن داود إلى إقطاعه بصنعاء. وكان قد نزل مع أبيه يوم نزوله. فكان دخوله صنعاء يوم الاثنين ثالث عشر ذي القعدة من السنة المذكورة. فأقام بها إلى سلخ ذي الحجة من السنة المذكورة.
وتقدم الركاب العالي إلى عدن. وكان تقدمه في آخر شوال من السنة المذكورة فأقام هنالك إلى سلخ ذي الحجة وعيَّد عيد النحر بها وكان السماط في حقات تحت المنظر السلطاني على شاطئ البحر وقام الشعراء على السماط بأنواع الممادح. وبعد عبد الله بن جعفر فأرسل بقصيدته صحبة الشيخ محمد بن خطاب فانشدها وهي قصيدة طنانة من مختارات شعره
أعلمت من قاد الجبال خيولاً ... وأَفاض من لمع السيوف سيولا
وأماج بحراً من دلاصٍ ذاخرٍ ... جرَّت أُسود الغاب منهُ ذيولا
ومن القسي أَهله ما ينقضي ... منها الخصاب من النصول نصولا
وتزاحمت سمر القنا فتعانقت ... قرباً كما يلقى الخليل خليلا
فالغيث لا يلقى الطريق إلى الثرى ... والريح منهُ لا تطيق دخولا
سحب سرت فيها السيوف بوارقاً ... وتجاوبت فيها الرعود صهيلا
طلعت أسنتها نجوماً في السما ... فتبادرت عنها النجوم أُفولا
стр. 248
تركت ديار الملحدين طلولا ... مما يبيح بها دماً مطلولا
والأرض ترجف تحتها من أفكل ... والجوُّ يحسب شلوه مأْكولا
حطمت حجافلها الجحافل حطمة ... تدع الحمام مع القتيل قتيلا
طلبوا الفرار فمد شيطان القنا ... فأَعاد معقلهم بهِ معقولا
عرفوا الذي جهلوا فكل غضنفرٍ ... في الناس عاد نعامة أجفيلا
أين الفرار ولا فرار وبعدهم ... من ليس يترك للفرار سبيلا
ملكُ إذا هاجت هوائج بأْسهِ ... ترك العزيز من الملوك ذليلا
يقفو المظفر والشهيد مآثراً ... وعلىً وفخراً في الملوك أًثيلا
وافى إلى عدنٍ كمقدم جدهِ ... سيف بن ذي يزن الكرين أصولا
بحرُ إلى بحر يسرُّ بمثلهِ ... عيذاب ينذر دجلة والنيلا
وتقبلت عدنُ جبينك والتقت ... في ملتقاه سعادة وقبولا
فالشمس تحسد تاجك المعقود وال ... كليل يحسد ذلك إلا كليلا
لو يستطيع الثغر كان مقبلاً ... بالثغر منهُ ركابكم تقبيلا
أن جاوزت هذي الشمائل بحره ... جعلت مذاق الماء منهُ شمولا
أنت الذي الدنيا ميسرة بهِ ... والناس ينتظرون جيلاً جيلا
فاليوم قد وهب الإله لخلقهِ ... ظلاًّ على الأَقطار منهُ ظليلا
وأَتى لهم بدر السماء بذمةٍ ... مكتوبةٍ لا يظلمون فتيلا
الهزبر غسان بن قحطان الذي ... يدعوهُ في النسب القبيل قبيلا
في كل يومٍ لا برحت مقابلا ... فتحاً من الملك الجليل جليلا
في حيث ما رفعت بنودك نُزّلت ... آيات نصرك فوقها تنزيلا
لولا العوائق والعلائق لم أَغب ... عن ظل بابك بكرةً وأَصيلا
ومن التكرُّم والتفضل لم يزل ... عذري إلى صدقاتكم مقبولا
لا زال توفيق الإِلهِ مقارناً ... لك حيث كبت إقامة ورحيلا
стр. 249
وقدم التجار المقيمون بالثغر النقاديم النفيسة على عوائد الملوك فردها السلطان وأمر بإفاضة الخلع عليهم والتشاريف والمراكب من البغال المختارة بالعدد الكاملة والسروج المذهبة والزنانير المنوعة. وأجرى نواخيذ الهند على جاري عادتهم. وأمر بإكرام النواخيذ والتجار المترددة إلى الثغر المحروس وأمر بأبطال ضمان بيت الخل. وأقام بفضله موسم العدل. وشاهد موسم الخيل من باب الطويلة. وسارت النواخيذ والتجار الكارمية ناشرين لواء عدله في أمصارهم. وابتسم الثغر عن مقابلته وعاد قافلاً إلى مدينة تعز.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح عبد الله بن أحمد بن محمد الشكيل وكان مولده سنة سبع عشرة وستمائة أخذ في بدايته عن أبيه ثم عن ابن ناصر بالذبيتين ثم عن عبد الله بن عمران الخولاني المتقدم ذكره. وكان جميل الخلق حسن القامة ذا لحية حسنة. ولقد سمع منه كثير يقول ما ذقت مسكراً قط مع كونه في بلادهم كثيراً ولا فاتتني صلاة لوقتها منذ بلغت ولا أتيت كبيرة.
ويروي عن الفقيه صالح بن عمر الرهي أنه رأى في منامه قائلاً يقول إذا أردت أن تنظر شيبة أبي بكر الصديق فاخرج ضحى ليلتك هذه إلى صلب ذي السقال تلق الرجل. قال فصليت الضحى وقتها ثم خرجت نحو الصلب الذي أشار إليه المخبر في النوم فلم الق ذا شيبة إلا عبد الله بن شكيل ماشياً ومعه صاحب له يحمل مشعله فلم اشك أنه المعني فسلمت عليه وتبركت به. وكانت وفاته ليلة الجمعة بعد صلاة المغرب غرة ذي الحجة من السنة المذكورة ﵀.
وفيها توفي الفقيه الصالح إبراهيم بن الفقيه محمد بن إبراهيم المارني. وكان مولده سنة خمس عشرة ستمائة وتفقه بعمر بن سعيد وهو اكثر من تروى كراماته ودرس بعد الفقيه أبي السعود في حياة شيخه.
ومن غريب ما يروى عمر من الكرامات أنه قال حصلت عليّ حمى حتى انقطعت بسببها أياماً في البيت فسأل الفقيه عني فاخبره اخوته بذلك فاتاني يزورني إلى ذي محدان. وقال لي يا إبراهيم أتحب أن اكتب لك عزيمة تعلقها عليك وبشرط
стр. 250
أن لا تفتحها ولا تنظر ما فيها فقلت نعم فاستدعى بدواة وقرطاس. وكتب سطراً لم ادر ما هو ثم طوى الورقة وناولنيها وامرني بتعليقها على عضدي بخيط ففعلت. فلم أكد أتمم تعليقها حتى انقطعت عني الحمى فعجبت من ذلك فقلت في هذه الورقة اسم عظيم وأظن الفقيه حسدني عليه. ثم فتحتها. فوجدت فيها مكتوباً بسم الله الرحمن الرحيم لا غير فعجبت من ذلك وداخلني بعض ما يدخل العارف من المعروف إذ بالحمى قد عودتني بحالة أشد من الأولى فرحت إلى الفقيه وأخبرته فقال لعلك فتحت العزيمة فقلت نعم فقال اكتب لك غيرها بشرط أن لا تنظر فيها فقلت سمعاً وطاعة. فكتب مثل ذلك. وأمر من عمل لها خيطاً وعلقها عليَّ فلم تأتني فلبثت أياماً ثم فتحتها فوجدت فيها ما وجدت أولا. فداخلني شيء ما هو دون ما داخلني أولا فلم أقم حتى عادت الحمى فرحت إلى الفقيه وسلمت عليه فقال هل نظرت في العزيمة فقلت نعم فقال ألم أنهك اقتصر عن ذلك وأنا أكتب لك غيرها. فأجبت بالطاعة وكتب لي غيرها فلما علقها انقطعت الحمى فحمدت الله تعالى ولم أفتش العزيمة إلا بعد سنتين عديدة فلم أجد غير ما وجدت في الأولى والثانية فقبلت ذلك ووضعته على رأسي فلم تعد لي الحمى بعد ذلك ولما صار القضاء إلى بني محمد بن عمر جعلوا هذا إبراهيم قاضياً في جبلة فأقام مدة يسيرة. وتوفي وكانت وفاته في شهر رمضان من السنة المذكورة.
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو محمد عبد الرحمن بن أسعد بن محمد بن يوسف الحجاجي ثم الركبي وكان مسكنه بقرية تعرف بأروَس بهمزة مفتوحة وراء ساكنة. وواو مفتوحة وآخره سين مهملة. وهي من ناحية الدملؤة تفقه بعبد الله بن عبيد السجعي. ثم ارتحل إلى عدن فاخذ بها عن الفقيه أبي بكر المقري وأخذ عن السلفاني وكان فقيهاً عارفاً درس في بلدة وأخذ عنه بها جماعة وانتفعوا به. وكان مبارك التدريس فمن تفقه به محمد ابن أبي بكر مسبح. وعبد الله بن عبد الرحمن حاكم الدملؤة. وعلي بن محمد السحيلي. ومحمد بن عمر الخطيب وعبد الله بن أبي بكر الخطيب قاضي الجوة وأبو بكر بن محمد الأشعري.
следующие страницы →