← Сира

Сира · id 9241

الفصول في سيرة الرسول

ابن كثير

Полный текст (262 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وكان عامر بن فهيرة، يريح عليهما غنماً لأبي بكر، وكانت أسماء بنت أبي بكر تحمل لهما الزاد إلى الغار، وكان عبد الله بن أبي بكر يتسمع ما يقال بمكة ثم يذهب إليهما بذلك فيحترزان منه. وجاء المشركون في طلبهما إلى ثور، وما هناك من الأماكن، حتى إنهم مروا على باب الغار، وحازت أقدامهم رسول الله ﷺ وصاحبه، وعمى الله عليهم باب الغار، ويقال ـ والله أعلم ـ إن العنكبوت سدت على باب الغار، وإن حمامتين عششتا على بابه، وذلك تأويل قوله تعالى ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم﴾ وذلك أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لشدة حرصه بكى حين مر المشركون، وقال: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر موضع قدميه لرآنا، فقال له النبي ﷺ : «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟» . ولما كان بعد الثلاث أتى ابن أريقط بالراحلتين فركباهما، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة وسار الديلي أمامهما على راحلته. وجعلت قريش لمن جاء بواحد من محمد ﷺ وأبي بكر ﵁ مائةً من الإبل، فلما مروا بحي مدلج، بصر بهم سراقة بن مالك بن جعشم، سيد مدلج، فركب جواده وسار في طلبهم، فلما قرب منهم سمع قراءة النبي ﷺ ،

стр. 37

وأبو بكر ﵁ يكثر الالتفات حذراً على رسول الله ﷺ ، وهو ﷺ لا يلتفت، فقال أبو بكر: يا رسول الله هذا سراقة بن مالك قد رهقنا. فدعا عليه رسول الله ﷺ فساخت يدا فرسه في الأرض فقال: رميت، إن الذي أصابني بدعائكما، فادعوا الله لي، ولكما علي أن أرد الناس عنكما، فدعا له رسول الله ﷺ فأطلق، وسأل رسول الله ﷺ أن يكتب له كتاباً، فكتب له أبو بكر في أدم، ورجع يقول للناس: قد كفيتم ما ههنا. وقد جاء مسلماً عام حجة الوداع ودفع إلى رسول الله ﷺ الكتاب الذي كتبه له، فوفى له رسول الله ﷺ بما وعده وهو لذلك أهل. ومر رسول الله ﷺ في مسيره ذلك بخيمة أم معبد فقال عندها، ورأت من آيات نبوته في الشاة وحلبها لبناً كثيراً في سنة مجدبة ما بهر العقول، ﷺ .

стр. 38

فصل ـ دخول ﵊ المدينة وقد كان بلغ الأنصار مخرجه من مكة وقصده إياهم، فكانوا كل يوم يخرجون إلى الحرة ينتظرونه، فلما كان يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول على رأس ثلاث عشرة سنة من نبوته ﷺ وافاهم رسول الله ﷺ حين اشتد الضحى، وكان قد خرج الأنصار يومئذ، فلما طال عليهم رجعوا إلى بيوتهم، وكان أول من بصر به رجل من اليهود ـ وكان على سطح أطمه ـ فنادى بأعلى صوته: يا بني قيلة هذا جدكم الذي تنتظرون! فخرج الأنصار في سلاحهم وحيوه بتحية النبوة. ونزل رسول الله ﷺ بقباء على كلثوم بن الهدم، وقيل: بل على سعد بن خيثمة، وجاء المسلمون يسلمون على رسول الله ﷺ ، وأكثرهم لم يره بعد، وكان بعضهم أو أكثرهم يظنه أبا بكر لكثرة شيبه، فلما اشتد الحر قام أبو بكر بثوب يظلل على رسول الله ﷺ فتحقق الناس حينئذ رسول الله ﵊.

стр. 39

فصل ـ استقراره ﵊ بالمدينة فأقام رسول الله ﷺ بقباء أياماً، وقيل: أربعة عشر يوماً، وأسس مسجد قباء ثم ركب بأمر الله تعالى فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي رانوناً، ورغب إليه أهل تلك الدار أن ينزل عليهم فقال: «دعوها فإنها مأمورة» فلم تزل ناقته سائرة به لا تمر بدار من دور الأنصار إلا رغبوا إليه في النزول عليهم، فيقول: «دعوها فإنها مأمورة» . فلما جاءت موضع مسجده اليوم بركت، ولم ينزل عنها ﷺ حتى نهضت وسارت قليلاً ثم التفتت ورجعت فبركت في موضعها الأول، فنزل عنها ﷺ ، وذلك في دار بني النجار، فحمل أبو أيوب ﵁ رحل رسول الله ﷺ إلى منزله. واشترى رسول الله ﷺ موضع المسجد، وكان مربداً ليتيمين، وبناه مسجداً، فهو مسجده الآن، وبني لآل رسول الله ﷺ حجراً إلى جانبه.

стр. 40

وأما علي ﵁ فأقام بمكة ريثما أدى عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده وغير ذلك، ثم لحق برسول الله ﷺ . فصل ـ المواخاة بين المهاجرين والأنصار ووداع رسول الله ﷺ من بالمدينة من اليهود، وكتب بذلك كتاباً

стр. 41

وأسلم حبرهم عبد الله بن سلام ﵁، وكفر عامتهم وكانوا ثلاث قبائل: بنو قيقناع، وبنو النصر، وبنو قريظة. وآخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار، فكانوا يتوارثون بهذا الإخاء في ابتداء الإسلام إرثاً مقدماً على القرابة. وفرض الله إذ ذاك الزكاة رفقاً بفقراء المهاجرين، وكذا ذكر ابن حزم في هذا التاريخ، وقد قال بعض الحفاظ من علماء الحديث: إنه أعياه فرض الزكاة متى كان.

стр. 42

فصل ـ فرض الجهاد ولما استقر رسول الله ﷺ بالمدينة بين أظهر الأنصار وتكفلوا بنصره ومنعه من الأسود والأحمر، رمتهم العرب قاطبة عن قوس واحدة، وتعرضوا لهم من كل جانب، وكان الله سبحانه قد أذن للمسلمين في الجهاد في سورة الحج وهي مكية في قوله تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير﴾ ، ثم لما صاروا في المدينة وصارت لهم شوكة وعضد كتب الله عليهم الجهاد كما قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ . فصل ـ أول المغازي والبعوث ـ غزوة الأبواء وكانت أول غزاة غزاها رسول الله ﷺ غزوة الأبواء، وكانت في صفر سنة اثنتين من الهجرة، خرج بنفسه ﷺ حتى بلغ ودان، فوادع بني ضمرة بن

стр. 43

بكر بن عبد مناة بن كنانة مع سيدهم مخشي بن عمرو، ثم كر راجعاً إلى المدينة ولم يلق حرباً، وكان استخلف عليها سعد بن عبادة ﵁. بعث حمزة بن عبد المطلب ثم بعث عمه حمزة ﵁ في ثلاثين راكباً من المهاجرين ليس فيهم أنصاري إلى سيف البحر فالتقى بأبي جهل بن هشام، وركب معه زهاء ثلاثمائة، فحال بينهم مجدي بن عمرو الجهني، لأنه كان موادعاً للفريقين. بعث عبيدة بن الحارث بن المطلب وبعث عبيدة بن الحارث بن المطلب في ربيع الآخر في ستين أو ثمانين راكباً من المهاجرين أيضاً إلى ماء بالحجاز بأسفل ثنية المرة، فلقوا جمعاً عظيماً من قريش عليهم عكرمة بن أبي جهل، وقيل: بل كان عليهم مكرز بن حفص، فلم يكن بينهم قتال، إلا أن سعد بن أبي وقاص رشق المشركين يومئذ بسهم، فكان أول سهم رمي به في سبيل الله، وفر يومئذ من الكفار إلى المسلمين المقداد بن عمرو الكندي، وعتبة بن غزوان ﵄. فكان هذان البعثان أول راية عقدها رسول الله ﷺ ، ولكن اختلف في أيهما

стр. 44

كان أول، وقيل: إنهما كانا في السنة الأولى من الهجرة. وهو قول ابن جرير الطبري، والله تعالى أعلم. فصل ـ غزوة بواط ثم غزا رسول الله ﷺ غزوة بواط، فخرج بنفسه ﷺ في ربيع الآخر من السنة الثانية، واستعمل على االمدينة السائب بن عثمان بن مظعون فسار حتى بلغ بواط من ناحية رضوى، ثم رجع ولم يلق حرباً غزوة العشيرة ثم كانت بعدها غزوة العشيرة، ويقال بالسين المهملة، ويقال العشيراء. خرج بنفسه ﷺ في أثناء جماد الأولى حتى بلغها، وهي مكان ببطن ينبع وأقام هناك بقية الشهر وليالي من جمادى الآخرة [وصالح بني مدلج] ، ثم رجع ولم يلق كيدا، وقد كان استخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد. وفي

стр. 45

صحيح مسلم من حديث أبي إسحاق السبيعي قال: قلت لزيد بن أرقم: كم غزا رسول الله ﷺ ؟ قال: [تسع عشرة غزوة أولها العشيرة أو العشيراء] . غزوة بدر الأولى ثم خرج بعدها بنحو من عشرة أيام إلى بدر الأولى، وذلك أن كرز بن جابر الفهري، أغار على سرح المدينة، فطلبه فبلغ وادياً يقال له سفوان في ناحية بدر، ففاته كرز، (فرجع (وقد كان استخلف على المدينة زيد بن حارثة ﵁. وبعث سعد بن أبي وقاص ﵁ في طلب كرز بن جابر فيما قيل والله أعلم. وقيل: بل بعثه لغير ذلك.

стр. 46

فصل ـ بعث عبد الله بن جحش ثم بعث رسول الله ﷺ عبد الله جحش بن رئاب الأسدي وثمانية من المهاجرين، وكتب له كتاباً وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه، ولا يكره أحداً من أصحابه، ففعل، ولما فتح الكتاب وجد فيه: (إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل (نخلة (بين مكة والطائف، وترصد بها قريشاً، وتعلم لنا من أخبارهم (، فقال: سمعاً وطاعة، وأخبر أصحابه بذلك، وبأنه لا يستكرهم، فمن أحب الشهادة فلينهض، ومن كره الموت فليرجع، وأما أنا فناهض، فنهضوا كلهم. فلما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه، وتقدم عبد الله بن جحش حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارة، فيها عمرو بن الحضرمي وعثمان ونوفل ابنا عبد الله بن المغيرة، والحكم بن كيسان مولى بني المغيرة فتشاور المسلمون وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام، وإن تر كناهم الليلة دخلوا الحرم، ثم اتفقوا على ملاقاتهم

стр. 47

فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا عثمان والحكم، وأفلت نوفل. ثم قدموا بالعير والأسيرين قد عزلوا من ذلك الخمس، فكانت أول غنيمة في الإسلام وأول خمس في الإسلام، وأول قتيل في الإسلام وأول أسير في الإسلام، إلا أن رسول الله ﷺ أنكر عليهم ما فعلوه، وقد كانوا ﵃ مجتهدين فيما صنعوا. واشتد تعنت قريش وإنكارهم ذلك، وقالوا: محمد قد أحل الشهر الحرام، فأنزل الله في ذلك ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله﴾ يقول سبحانه: هذا الذي وقع وإن كان خطأ، لأن القتال في الشهر الحرام كبير عند الله، إلا أن ما أنتم عليه أيها المشركون من الصد عن سبيل الله والكفر به وبالمسجد الحرام، وإخراج محمد وأصحابه الذين هم أهل المسجد الحرام في الحقيقة أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام. ثم إن رسول الله ﷺ قبل الخمس من تلك الغنيمة، وأخذ الفداء من ذينك الأسيرين.

стр. 48

فصل ـ تحويل القبلة وفرض الصوم وفي شعبان من هذه السنة حولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وذلك على رأس ستة عشر شهراً من مقدمه المدينة، وقيل سبعة عشر شهراً، وهما في الصحيحين. وكان أول من صلى إليها أبو سعيد بن المعلى وصاحب له كما رواه النسائي: وذلك أنا سمعنا رسول الله ﷺ يخطب الناس ويتلو عليهم تحويل القبلة، فقلت لصاحبي: تعال نصلي ركعتين فنكون أول من صلى إليها، فتوارينا وصلينا إليها، ثم نزل رسول الله ﷺ فصلى بالناس الظهر يومئذ. وفرض صوم رمضان، وفرضت لأجله زكاة الفطر قبيله بيوم.

стр. 49

فصل ـ غزوة بدر الكبرى نذكر فيه ملخص وقعة بدر الثانية، وهي الوقعة العظيمة التي فرق الله فيها بين الحق والباطل وأعز الإسلام، ودمغ الكفر وأهله، وذلك أنه لما كان في رمضان من هذه السنة الثانية بلغ رسول الله ﷺ أن عيراً مقبلة من الشام صحبة أبي سفيان، صخر بن حرب، في ثلاثين أو أربعين رجلاً من قريش وهي عير عظيمة، تحمل أموالاً جزيلة لقريش، فندب ﷺ الناس للخروج إليها، وأمر من كان ظهره حاضراً بالنهوض، ولم يحتفل لها احتفالاً كثيراً، إلا أنه خرج في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، لثمان خلون من رمضان، واستخلف على المدينة وعلى الصلاة ابن أم مكتوم، فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة بن عبد المنذر واستعمله على المدينة. ولم يكن معه من الخيل سوى فرس الزبير، وفرس المقداد بن الأسود الكندي، ومن الإبل سبعون بعيراً يعتقب الرجلان والثلاثة فأكثر على البعير الواحد، فرسول الله ﷺ وعلي ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيراً، وزيد بن حارثة وأنسة

стр. 50

وأبو كبشة موالي رسول الله ﷺ وحمزة يعتقبون جملاً، وأبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف على جمل آخر.. وهلم جرا. ودفع ﷺ اللواء إلى مصعب بن عمير، والراية الواحدة إلى علي بن أبي طالب، والراية الأخرى إلى رجل من الأنصار، وكانت راية الأنصار بيد سعد بن معاذ، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة. وسار ﷺ فلما قرب من الصفراء بعث بسبس بن عمرو الجهني، وهو حليف بني ساعدة، وعدي بن أبي الزغباء الجهني حليف بني النجار إلى بدر يتحسسان أخبار العير. وأما أبو سفيان فإنه بلغه مخرج رسول الله ﷺ وقصده إياه، فاستأجر ضمضم

стр. 51

ابن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخاً لقريش بالنفير إلى عيرهم ليمنعوه من محمد وأصحابه. وبلغ الصريخ أهل مكة، فنهضوا مسرعين وأوعبوا في الخروج، ولم يتخلف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب، فإنه عوض عنه رجلاً كان له عليه دين، وحشدوا ممن حولهم من قبائل العرب، ولم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بني عدي، فلم يخرج معهم منهم أحد. وخرجوا من ديارهم كما قال الله : ﴿بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله﴾ وأقبلوا في تحمل وحنق عظيم على رسول الله ﷺ وأصحابه لما يريدون من أخذ عيرهم، وقد أصابوا بالأمس عمرو بن الحضرمي والعير التي كانت معه. فجمعهم الله على غير ميعاد لما أراد في ذلك من الحكمة كما قال تعالى ﴿ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا﴾ . ولما بلغ رسول الله ﷺ خروج قريش استشار أصحابه، فتكلم كثير من المهاجرين فأحسنوا، ثم استشارهم وهو يريد بما يقول الأنصار، فبادر سعد بن

стр. 52

معاذ رضي الله تعالى عنه فقال: يا رسول الله! كأنك تعرض بنا، فو الله يا رسول الله، لو استعرضت بنا البحر لخضناه معك، فسر بنا يا رسول الله على بركة الله. فسر ﷺ بذلك وقال: «سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين» . ثم رحل رسول الله ﷺ ونزل قريباً من بدر، وركب ﷺ مع رجل من أصحابه مستخبراً ثم انصرف، فلما أمسى بعث علياً وسعداً والزبير إلى ماء بدر يلتمسون الخبر، فقدموا بعبدين لقريش، ورسول الله ﷺ قائم يصلي، فسألهما أصحابه لمن أنتما. ؟ فقالا: نحن سقاة لقريش. فكره ذلك أصحاب رسول الله ﷺ وودوا أن لو كانا لعير أبي سفيان وأنه منهم قريب ليفوزوا به، لأنه أخف مؤونة من قتال النفير من قريش لشدة بأسهم واستعدادهم لذلك، فجعلوا يضربونهما، فإذا آذاهما الضرب قالا: نحن لأبي سفيان. فإذا سكتوا عنهما قالا: نحن لقريش. «فلما انصرف رسول الله ﷺ من صلاته قال: والذي نفسي بيده إنكم لتضربونهما إذا صدقا وتتركونهما إذا كذبا. ثم قال لهما: أخبراني أين قريش؟ قالا: وراء هذا الكثيب. قال: كم القوم؟ قالا: لا علم لنا. فقال: كم ينحرون كل يوم؟ فقالا: يوماً عشراً ويوماً تسعاً: فقال ﷺ : القوم ما بين التسعمائة إلى الألف» وأما بسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء فإنهما وردا ماء بدر فسمعا جارية

стр. 53

تقول لصاحبتها: ألا تقضيني ديني؟ فقالت الأخرى: إنما تقدم العير غداً أو بعد غد فأعمل لهم وأقضيك. فصدقها مجدي بن عمرو. فانطلقا مقبلين لما سمعا، ويعقبهما أبو سفيان، فقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست أحداً من أصحاب محمد؟ فقال: لا إلا أن راكبين نزلا عند تلك الأكمة. فانطلق أبو سفيان إلى مكانهما وأخذ من بعر بعيرهما ففته فوجد فيه النوى فقال: والله هذه علائف يثرب، فعدل بالعير إلى طريق الساحل، فنجا، وبعث إلى قريش يعلمهم أنه قد نجا هو والعير ويأمرهم أن يرجعوا. وبلغ ذلك قريشاً، فأبى أبو جهل وقال: والله لا نرجع حتى نرد ماء بدر، ونقيم عليه ثلاثاً، ونشرب الخمر، وتضرب على رؤوسنا القيان، فتهابنا العرب أبداً، فرجع الأخنس بن شريق بقومه بني زهرة قاطبة، وقال: إنما خرجتم لتمنعوا عيركم وقد نجت، ولم يشهد بدراً زهري إلا عما مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله: والد الزهري، فإنهما شهداها يومئذ وقتلا كافرين. فبادر رسول الله ﷺ قريشاً إلى ماء بدر، ونزل على أدنى ماء هناك، فقال له الحباب بن المنذر بن عمرو: يا رسول الله، هذا المنزل الذي نزلته أمرك الله به؟ أو منزل نزلته للحرب والمكيدة؟ قال: «بل منزل نزلته للحرب

стр. 54

والمكيدة» . فقال: ليس هذا بمنزل، فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماء من مياه القوم فننزله، ونعور ما ورائنا من القلب، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه، فنشرب ولا يشربون. فاستحسن رسول الله ﷺ منه ذلك، وحال الله بين قريش وبين الماء بمطر عظيم أرسله، وكان نقمة على الكفار ونعمة على المسلمين، مهد لهم الأرض ولبدها، وبني لرسول الله ﷺ عريش يكون فيه. ومشى ﷺ في موضع المعركة، وجعل يريهم مصارع رؤوس القوم واحداً واحداً، ويقول: «هذا مصرع فلان غداً إن شاء الله، وهذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان» . قال عبد الله بن مسعود: فو الذي بعثه بالحق ما أخطأ واحد منهم موضعه الذي أشار إليه رسول الله ﷺ . وبات رسول الله ﷺ تلك الليلة يصلي إلى جذم شجرة هناك، وكانت ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان، فلما أصبح وأقبلت قريش في كتائها، قال ﷺ : «اللهم هذه قريش قد أقبلت في فخرها وخيلائها، تحادك وتحاد رسولك» . ورام الحكيم بن حزام وعتبة بن ربيعة أن يرجعا بقريش فلا يكون قتال، فأبى ذلك أبو جهل، وتقاول هو وعتبة، وأمر أبو جهل أخا عمرو بن الحضرمي أن يطلب دم أخيه عمرو، فكشف عن أسته وصرخ: واعمراه! واعمراه! فحمي القوم ونشبت الحرب.

стр. 55

وعدل رسول الله ﷺ الصفوف، ثم رجع إلى العريش هو وأبو بكر وحده، وقام سعد بن معاذ وقوم من الأنصار على باب العريش يحمون رسول الله ﷺ وخرج عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، ثلاثتهم جميعاً يطلبون البراز، فخرج إليهم من المسلمين ثلاثة من الأنصار، وهم: عوف ومعوذ ابنا عفراء، وعبد الله بن رواحة، فقالوا لهم: من أنتم؟ فقالوا: من الأنصار، فقالوا: أكفاء كرام وإنما نريد بني عمنا، فبرز لهم علي وعبيدة بن الحارث وحمزة ﵃، فقتل علي الوليد، وقتل حمزة عتبة، وقيل: شيبة، واختلف عبيدة وقرنه بضر بتين، فأجهد كل منهما صاحبه، فكر حمزة وعلي فتمما عليه واحتملا عبيدة وقد قطعت رجله، فلم يزل طمثاً حتى مات بالصفراء رحمه الله تعالى ورضي عنه. وفي الصحيح أن علياً ﵁ كان يتأول قوله تعالى ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ في برازهم يوم بدر، ولا شك أن هذه الآية في سورة الحج، وهي مكية، ووقعة بدر بعد ذلك، إلا أن برازهم من أول ما دخل في معنى الآية. ثم حمي الوطيس، واشتد القتال، ونزل النصر، واجتهد رسول الله ﷺ في الدعاء، وابتهل ابتهالاً شديداً، حتى جعل رداؤه يسقط عن منكبيه، وجعل أبو بكر يصلحه عليه ويقول: يا رسول الله، بعض مناشدتك ربك، فإنه منجز

стр. 56

لك ما وعدك. ورسول الله ﷺ يقول: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض» فذلك قوله تعالى ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾ ثم أغفى رسول الله ﷺ إغفاءةً، ثم رفع رأسه وهو يقول: «أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثناياه النقع» . وكان الشيطان قد تبدى لقريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم زعيم مدلج، فأجارهم، وزين لهم الذهاب إلى ما هم فيه، وذلك أنهم خشوا بني مدلج أن يخلفوهم في أهاليهم وأموالهم، فذلك قوله تعالى: ﴿وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون﴾ وذلك أنه رأى الملائكة حين نزلت للقتال، ورأى ما لا قبل له به، ففر وقاتلت الملائكة كما أمرها الله، وكان الرجل من المسلمين يطلب قرنه، فإذا به قد سقط أمامه. ومنح الله المسلمين أكتاف المشركين، فكان أول من فر منهم خالد بن الأعلم فأدرك فأسر، وتبعهم المسلمون في آثارهم، يقتلون ويأسرون، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين، وأخذوا غنائمهم. فكان من جملة من قتل من المشركين ممن سمى رسول الله ﷺ موضعه بالأمس: أبو جهل، وهو أبو الحكم عمرو بن

стр. 57

هشام لعنه الله، قتله معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعوذ بن عفراء، وتمم عليه عبد الله مسعود، فاحتز رأسه وأتى به رسول الله ﷺ ، فسر بذلك. وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، فأمر بهم رسول الله ﷺ فسحبوا إلى القليب، ثم وقف عليهم ليلاً، فبكتهم وقرعهم، وقال: «بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس ـ وأخرجتموني وآواني الناس» . ثم أقام رسول الله ﷺ بالعرصة ثلاثاً. ثم ارتحل بالأسارى والمغانم، وقد جعل عليها عبد الله بن كعب بن عمرو النجاري. وأنزل الله في غزوة بدر سورة الأنفال، فلما كان رسول الله ﷺ بالصفراء قسم المغانم كما أمره الله تعالى، وأمر بالنضر بن الحارث فضربت عنقه صبراً، وذلك لكثرة فساده وأذاه رسول الله ﷺ ، فرثته أخته، وقيل ابنته قتيلة بقصيدة مشهورة ذكرها ابن هشام، فلما بلغت رسول الله ﷺ قال فيما زعموا: «لو سمعتها قبل أن أقتله لم أقتله» . ولما نزل عرق الظبية أمر بعقبة بن أبي معيط فضربت عنقه أيضاً صبراً. ثم إن رسول الله ﷺ استشار أصحابه في الأسارى: ماذا يصنع بهم؟ فأشار

стр. 58

عمر بن الخطاب ﵁ بأن يقتلوا، وأشار أبو بكر ﵁ بالفداء، وهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، فحلل لهم ذلك وعاتب الله في ذلك بعض المعاتبة في قوله تعالى: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم *﴾ الآيات. وقد روى مسلم في صحيحه «عن ابن عباس ﵄ حديثاً طويلاً فيه بيان هذا كله، فجعل رسول الله ﷺ فداءهم أربعمائة أربعمائة» . ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة [مؤيداً] مظفراً منصوراً، قد أعلى الله كلمته، ومكن له، وأعز نصره، فأسلم حينئذ بشر كثير من أهل المدينة، ومن ثم دخل عبد الله بن أبي بن سلول وجماعته من المنافقين في الدين تقية. فصل ـ عدة أهل بدر وجملة من حضر بدراً من المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً: من

стр. 59

المهاجرين ستة وثمانون رجلا، ومن الأوس أحد وستون رجلاً ومن الخزرج مائة وسبعون رجلاً. وإنما قل عدد رجال الأوس عن عدد الخزرج وإن كانوا أشد منهم وأصبر عند اللقاء، لأن منازلهم كانت في عوالي المدينة فلما ندبوا للخروج تيسر ذلك على الخزرج لقرب منازلهم. وقد اختلف أئمة المغازي والسير في أهل بدر: في عدتهم، وفي تسمية بعضهم، اختلافاً كثيراً، وقد ذكرهم الزهري، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحق بن يسار، ومحمد بن عمر الواقدي، وسعيد بن يحيى الأموي في مغازيه، والبخاري، وغير واحد من المتقدمين، وقد سردهم ـ كما ذكرتهم ـ ابن حزم في كتاب السيرة له، وزعم أن ثمانية منهم لم يشهدوا بدراً بأنفسهم وإنما ضرب لهم رسول الله ﷺ بأسهمهم، فذكر منهم: عثمان وطلحة وسعيد بن زيد. ومن أجل من اعتنى

стр. 60

بذلك من المتأخرين الشيخ الإمام الحافظ ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي رحمه الله تعالى، فأفرد لهم جزءاً وضمنه في أحكامه أيضاً. وأما المشركون فكانت عدتهم كما قال ﷺ ما بين التسعمائة إلى الألف. وقتل من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلاً: ستة من المهاجرين، وستة من الخزرج، واثنان من الأوس. وكان أول قتيل يومئذ مهجع مولى عمر بن الخطاب ﵁، وقيل رجل من الأنصار اسمه حارثة بن سراقة. وقتل من المشركين سبعون، وقيل: أقل، وأسر منهم مثل ذلك أيضاً. وفرغ رسول الله ﷺ من شأن بدر والأسرى في شوال.

стр. 61

فصل ــ غزوة بني سليم ثم نهض بنفسه الكريمة ﷺ بعد فراغه بسبعة أيام لغزو بني سليم، فمكث ثلاثاً ثم رجع ولم يلق حرباً، وقد كان استعمل على المدينة سباع بن عرفطة وقيل ابن أم مكتوم. فصل ـ غزوة السويق ولما رجع أبو سفيان إلى مكة وأوقع الله في أصحابه ببدر بأسه، نذر أبو سفيان ألا يمس رأسه بماء حتى يغزو رسول الله ﷺ ، فخرج في مائتي راكب، فنزل طرف العريض وبات ليلة واحدة في بني النضير عند سلام بن مشكم،

стр. 62

فسقاه وبطن له من خبر الناس، ثم أصبح في أصحابه، وأمر فقطع أصواراً من النخل، وقتل رجلاً من الأنصار وحليفاً له ثم كر راجعاً. ونذر به رسول الله ﷺ فخرج في طلبه والمسلمون فبلغ قرقرة الكدر، وفاته أبو سفيان والمشركون، وألقوا شيئاً كثيراً من أزوادهم، من السويق، فسميت غزوة السويق، وكانت في ذي الحجة من السنة الثانية للهجرة، ثم رجع ﷺ إلى المدينة، وقد كان استخلف عليها أبا لبابة. فصل ـ غزوة ذي أمر ثم أقام ﷺ بقية ذي الحجة ثم غزا نجداً يريد غطفان، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان ﵁، فأقام بنجد صفراً من السنة الثانية كله، ثم رجع ولم يلق حرباً

стр. 63

فصل ـ غزوة بحران ثم خرج ﷺ في ربيع الأول الآخر يريد قريشاً، واستخلف ابن أم مكتوم فبلغ بحران معدناً في الحجاز، ثم رجع ولم يلق حرباً. فصل ـ غزوة بني قينقاع ونقض بنو قينقاع ـ أحد طوائف اليهود بالمدينة ـ العهد وكانوا تجاراً وصاغة، وكانوا نحو السبعمائة مقاتل، فخرج النبي ﷺ لحصارهم، واستخلف على المدينة بشير بن عبد المنذر، فحاصرهم ﷺ خمس عشرة ليلة، ونزلوا على حكمه ﷺ ، فشفع فيهم عبد الله بن أبي بن سلول، لأنهم كانوا حلفاء الخزرج، وهو سيد الخزرج، فشفعه فيهم بعد ما ألح على رسول الله ﷺ ، وكانوا في طرف المدينة.

стр. 64

فصل ـ قتل كعب بن الأشرف وأما كعب بن الأشرف اليهودي، فإنه كان رجلاً من طيء، وكانت أمه من بني النضير، وكان يؤذي رسول الله ﷺ والمؤمنين، ويشبب في أشعاره بنساء المؤمنين، وذهب بعد وقعة بدر إلى مكة وألب على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين، فندب رسول الله ﷺ المسلمين إلى قتله، فقال: من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ فانتدب رجال من الأنصار ثم من الأوس وهم محمد بن مسلمة، وعباد بن بشر بن وقش، وأبو نائلة، واسمه سلكان بن سلامة بن وقش، وكان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة، والحارث بن أوس بن معاذ، وأبو عبس بن جبر، وأذن لهم ﷺ أن يقولوا ما شاؤوا من كلام يخدعونه به، وليس عليهم فيه جناح، فذهبوا إليه واستنزلوه من أطمه ليلاً، وتقدموا إليه بكلام موهم التعريض برسول الله ﷺ ، فاطمأن إليهم، فلما استمكنوا منه قتلوه لعنه الله وجاؤوا في آخر الليل، وكانت ليلة مقمرة، فانتهوا إلى رسول الله ﷺ وهو قائم يصلي، فلما انصرف دعا لهم، وكان الحارث بن أوس قد جرح ببعض سيوف أصحابه، فتفل ﵊ على جرحه فبرئ من وقته، ثم أصبح اليهود يتكلمون في قتله، فأذن ﷺ في قتل اليهود.

стр. 65

فصل ـ غزوة أحد يشتمل على غزوة أحد مختصرة، وهي وقعة امتحن الله فيها عباده المؤمنين واختبرهم، وميز فيها بين المؤمنين والمنافقين، وذلك أن قريشاً حين قتل الله سراتهم ببدر، وأصيبوا بمصيبة لم تكن لهم في حساب، ورأس فيهم أبو سفيان بن حرب لعدم وجود أكابرهم، وجاء كما ذكرنا إلى أطراف المدينة في غزوة السويق، ولم ينل ما في نفسه: شرع يجمع قريشاً ويؤلب على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين، فجمع قريباً من ثلاثة آلاف من قريش والحلفاء والأحابيش، وجاؤوا بنسائهم لئلا يفروا، ثم أقبل بهم نحو المدينة، فنزل قريباً من جبل أحد بمكان يقال له: عينين، وذلك في شوال من السنة الثالثة. واستشار رسول الله ﷺ أصحابه: أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة؟ فبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر إلى الإشارة بالخروج إليهم،

стр. 66

وألحوا عليه ﷺ في ذلك، وأشار عبد الله بن أبي بن سلول بالمقام بالمدينة، وتابعه على ذلك بعض الصحابة، فألح أولئك على رسول الله ﷺ ، فنهض ودخل بيته ولبس لأمته وخرج عليهم، وقد انثنى عزم أولئك فقالوا: يا رسول الله، إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل. فقال: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل» وأتي ﵊ برجل من بني النجار فصلى عليه، وذلك يوم الجمعة، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم. وخرج إلى أحد في ألف، فلما كان ببعض الطريق انخزل عبد الله بن أبي نحو ثلاثمائة إلى المدينة، فاتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر ﵄ يوبخهم ويحضهم على الرجوع، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع. فلما أبوا عليه رجع عنهم وسبهم. واستقل رسول الله ﷺ بمن بقي معه حتى نزل شعب أحد في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره إلى أحد، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم، فلما أصبح تعبأ ﵊ للقتال في أصحابه، وكان فيهم خمسون فارساً، واستعمل على الرماة ـ وكانوا خمسين ـ عبد الله بن جبير الأوسي، وأمره وأصحابه أن لا يتغيروا من مكانهم، وأن يحفظوا ظهور المسلمين أن يؤتوا من قبلهم. وظاهر ﷺ (يومئذ (بين درعين. وأعطى اللواء مصعب بن عمير، أخا بني عبد الدار، وجعل على إحدى

стр. 67

المجنبتين الزبير بن العوام، وعلى المجنبة الأخرى المنذر بن عمرو المعنق ليموت. واستعرض الشباب يومئذ، فأجاز بعضهم ورد آخرين، فكان ممن أجاز سمرة بن جندب، ورافع بن خديج، ولهما خمس عشرة سنة. وكان ممن رد يومئذ أسامة بن زيد بن حارثة، وأسيد بن ظهير، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وغرابة بن أوس، وعمرو بن حزم. ثم أجازهم يوم الخندق. وتعبأت قريش أيضاً وهم في ثلاثة آلاف كما ذكرنا، فيهم مائتا فارس، فجعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل. وكان أول من برز من المشركين يومئذ أبو عامر الراهب، واسمه عبد عمرو بن صيفي. وكان رأس الأوس في الجاهلية، وكان مترهباً، فلما جاء الإسلام خذل فلم يدخل فيه، وجاهر رسول الله ﷺ بالعداوة، فدعا عليه ﷺ ، فخرج من المدينة، وذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول الله ﷺ (ويحضهم على قتاله مع ما هم منطوون على رسول الله (وأصحابه من الحنق،

стр. 68

ووعد المشركين أنه يستميل لهم قومه من الأوس يوم اللقاء حتى يرجعوا إليهن فلما أقبل في عبدان أهل مكة والأحابيش تعرف إلى قومه فقالوا له: لا أنعم الله لك عيناً يا فاسق. فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر، ثم قاتل المسلمين قتالاً شديداً. وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يومئذ (أمت أمت (وأبلى يومئذ أبو دجانة سماك بن خرشة، وحمزة عم رسول الله ﷺ ، (أسد الله وأسد رسوله ﵁ وأرضاه (وكذا علي بن أبي طالب، وجماعة من الأنصار منهم: النضر بن أنس، وسعد بن الربيع ﵃ أجمعين. وكانت الدولة أول النهار للمسلمين على الكفار، فانهزموا راجعين حتى وصلوا إلى نسائهم. فلما رأى ذلك أصحاب عبد الله بن جبير قالوا: يا قوم، الغنيمة الغنيمة. فذكرهم عبد الله بن جبير تقديم رسول الله ﷺ إليه في ذلك، فظنوا أن ليس للمشركين رجعة، وأنهم لا تقوم لهم قائمة بعد ذلك، فذهبوا في طلب الغنيمة، وكر الفرسان من المشركين فوجدوا تلك الفرجة قد خلت من الرماة فجاوزوها وتمكنوا، وأقبل آخرهم، فكان ما أراد الله تعالى كونه، فاستشهد من أكرمهم الله بالشهادة من المؤمنين، فقتل جماعة من أفاضل الصحابة، وتولى أكثرهم. وخلص المشركون إلى رسول الله ﷺ فجرح في وجهه الكريم وكسرت رباعيته اليمنى السفلى بحجر، وهشمت البيضة على رأسه المقدس، ورشقه المشركون بالحجارة حتى وقع لشقه، وسقط في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق حفرها يكيد بها المسلمين، فأخذ علي بيده، واحتضنه طلحة بن عبيد الله. وكان الذي تولى أذى رسول الله ﷺ عمرو بن قمئة وعتبة بن أبي

стр. 69

وقاص، وقيل: إن عبد الله بن شهاب الزهري أبا جد محمد بن مسلم بن شهاب هو الذي شجه ﷺ . وقتل مصعب بن عمير ﵁ بين يديه، فدفع ﷺ اللواء إلى علي بن أبي طالب ﵁، ونشبت حلقتان من حلق المغفر في وجهه ﷺ ، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح ﵁، وعض عليهما حتى سقطت ثنيتاه، فكان الهتم يزينه، وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من جرحه ﷺ . وأدرك المشركون النبي ﷺ فحال دونه نفر من المسلمين نحو من عشرة فقتلوا، ثم جالدهم طلحة حتى أجهضهم عنه ﷺ ، وترس أبو دجانة سماك بن خرشة عليه ﷺ بظهره، والنبل يقع فيه، وهو لا يتحرك ﵁، ورمى سعد بن أبي وقاص ﵁ يومئذ رمياً (مسدداً (منكئاً، فقال له رسول الله ﷺ : (ارم فداك أبي وأمي (. وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان الظفري، فأتى رسول الله ﷺ فردها ﵊ بيده الكريمة، فكانت أصح عينيه وأحسنهما. وصرخ الشيطان ـ لعنه الله ـ بأعلى صوته: إن محمداً قد قتل، ووقع ذلك في قلوب كثير من المسلمين، وتولى أكثرهم، وكان أمر الله. ومر أنس بن النضر بقوم من المسلمين قد ألقوا بأيديهم، فقال:

стр. 70

ما تنتظرون؟ فقالوا قتل رسول الله ﷺ فقال: ما تصنعون في الحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم استقبل الناس، ولقي سعد بن معاذ فقال: يا سعد، والله إني لأجد ريح الجنة من قبل أحد، فقاتل حتى قتل ﵁، ووجدت به سبعون ضربة. وجرح يومئذ عبد الرحمن بن عوف نحوا من عشرين جراحةً، بعضها في رجله، فعرج منها حتى مات ﵁. وأقبل رسول الله ﷺ نحو المسلمين، فكان أول من عرفه تحت المغفر كعب بن مالك ﵁، فصاح بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أبشروا، هذا رسول الله ﷺ ! فأشار إليه ﷺ أن اسكت، واجتمع إليه المسلمون، ونهضوا معه إلى الشعب الذي نزل فيه، فيهم أبو بكر وعمر وعلي والحارث بن الصمة الأنصاري وغيرهم. فلما أسندوا في الجبل، أدركه أبي بن خلف على جواد، يقال له العود، زعم الخبيث أنه يقتل رسول الله ﷺ ، فلما اقترب تناول رسول الله ﷺ الحربة من (يد (الحارث بن الصمة فطعنه بها، فجاءت في ترقوته، ويكر عدو الله منهزماً فقال له المشركون: والله ما بك من بأس، فقال: والله لو كان ما بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون، إنه قال لي: إنه قاتلي، ولم يزل به ذلك حتى مات بسرف مرجعه إلى مكة لعنه الله.

стр. 71

وجاء علي ﵁ إلى رسول الله ﷺ بماء ليغسل عنه الدم، فوجده آجناً، فرده. وأراد ﷺ أن يعلو صخرة هناك، فلم يستطع لما به ﷺ ، ولأنه ظاهر يومئذ بين درعين، فجلس طلحة تحته حتى صعد، وحانت الصلاة، فصلى جالساً، ثم مال المشركون إلى رحالهم، ثم استقبلوا طريق مكة منصرفين إليها، وكان هذا كله يوم السبت. واستشهد يومئذ من المسلمين نحو السبعين. منهم حمزة عم رسول الله ﷺ ، قتله وحشي مولى بني نوفل وأعتق لذلك، وقد أسلم بعد ذلك، وكان أحد قتلة مسيلمة الكذاب لعنه الله، وعبد الله بن جحش حليف بني أمية، ومصعب بن عمير، وعثمان بن عثمان، وهو شماس بن عثمان المخزومي، سني بشماس لحسن وجهه. فهؤلاء أربعة من المهاجرين، والباقون من الأنصار ﵃ جميعهم، فدفنهم في دمائهم وكلومهم، ولم يصل عليهم يومئذ. وفر يومئذ من المسلمين جماعة من الأعيان، منهم عثمان بن عفان ﵁، وقد نص الله سبحانه على العفو عنهم، فقال : ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم﴾ .

стр. 72

وقتل يومئذ من المشركين اثنان وعشرون. وقد ذكر سبحانه هذه الوقعة في سورة آل عمران حيث يقول: ﴿وإذ غدوت من أهلك تبوء المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم *﴾ الآيات. فصل ـ غزوة حمراء الأسد ولما أصبح يوم الأحد، ندب رسول الله ﷺ (المسلمين (إلى النهوض في طلب العدو، إرهاباً لهم، وهذه غزوة حمراء الأسد، وأمر ألا يخرج معه إلا من حضر أحداً، فلم يخرج إلا من شهد أحداً، سوى جابر بن عبد الله، فإنه كان

стр. 73

أبوه استخلفه في مهماته، فقتل أبوه يوم أحد، فاستأذن رسول الله ﷺ في الخروج إلى حمراء الأسد، فأذن له. فنهض المسلمون كما أمرهم ﷺ ، وهم مثقلون بالجراح، حتى بلغ حمراء الأسد وهي على ثمانية أميال من المدينة، فذلك قوله تعالى: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم﴾ . ومر معبد بن أبي معبد النزاعي على رسول الله ﷺ وأصحابه فأجاره حتى بلغ أبا سفيان والمشركين بالرواء، فأخبرهم أن رسول الله ﷺ وأصحابه قد خرجوا في طلبهم، ففت ذلك في أعداد قريش، وكانوا أرادوا الرجوع إلى المدينة فثناها ذلك واستمروا راجعين إلى مكة. وظفر ﵊ بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاصي فأمر بضرب عنقه صبراً، وهو والد عائشة أم عبد الملك بن مران، فلم يقتل فيها سواه.

стр. 74

فصل ـ بعث الرجيع ثم بعث ﷺ بعد أحد بعث الرجيع، وذلك في صفر من السنة الرابعة، وذلك أنه ﷺ بعث إلى عضل والقارة بسؤالهم رسول الله ﷺ ذلك حين قدموا عليه وذكروا أن فيهم إسلاماً، فبعث ستة نفر في قول ابن إسحاق، وقال البخاري في صحيحه كانوا عشرة. وقال أبو القاسم السهيلي: وهذا هو الصحيح. وأمر عليهم مرثد بن أبي االغنوي ﵃. ومنهم خبيب بن عدي، فذهبوا معهم، فلما كانوا بالرجيع، وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز بالهدأة غدروا بهم، واستصرخوا عليهم هزيلاً، فجاؤوا فأحاطوا بهم فقتلوا عامتهم، واستأسر منهم خبيب بن عدي ورجل آخر وهو زيد بن الدثنة

стр. 75

فذهبوا بهما فباعوهما بمكة، وذلك بسبب ما كانا قتلا من كفار قريش من يوم بدر. فأما خبيب ﵁ فمكث عندهم مسجوناً ثم أجمعوا لقتله فخرجوا به إلى التنعيم ليصلبوه فاستأذنهم أن يصلي ركعتين فأذنوا له: فصلاهما ثم قال: والله لولا أن تقولوا أن ما بي جزع لزدت، ثم قال: ولست أبالي حين أقتل مسلماً ... على أي جنب كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع ثم وكلوا به من يحرسه، فجاء عمرو بن أمية فاحتمله بخدعة ليلاً فذهب به فدفنه. وأما زيد بن الدثنة ﵁ فابتاعه صفوان بن أمية فقتله بأبيه. وقد قال له أبو سفيان: أيسرك أن محمداً عندنا تضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ فقال: والله ما يسرني أني في أهلي وأن محمداً في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه.
следующие страницы →