Полный текст (3 079 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
الْغَيْثِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى أَغِثْنَا أَعْطِنَا غَوْثًا وَغَيْثًا. قَوْلُهُ: (فَرَفَعَ يَدَيْهِ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ رَفْعِ الْيَدِ عِنْدَ دُعَاءِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (مِنْ سَحَابٍ) أَيْ مُجْتَمِعٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا قَزَعَةٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالزَّايِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ: أَيْ سَحَابٌ مُتَفَرِّقٌ وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الْقَزَعُ: قِطَعٌ مِنْ السَّحَابِ رِقَاقٌ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَأَكْثَرُ مَا يَجِيءُ فِي الْخَرِيفِ. قَوْلُهُ: (وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ: جَبَلٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ، وَقَدْ حُكِيَ أَنَّهُ بِفَتْحِ اللَّامِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ) أَيْ يَحْجُبُنَا مِنْ رُؤْيَتِهِ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ السَّحَابَ كَانَ مَفْقُودًا لَا مُسْتَتِرًا بِبَيْتٍ وَلَا غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (فَطَلَعَتْ) أَيْ ظَهَرَتْ مِنْ وَرَاءِ سَلْعٍ. قَوْلُهُ: (مِثْلُ التُّرْسِ) أَيْ مُسْتَدِيرَةٌ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهَا مِثْلُهُ فِي الْقَدْرِ وَفِي رِوَايَةٍ " فَنَشَأَتْ سَحَابَةٌ مِثْلُ رِجْلِ الطَّائِرِ ". قَوْلُهُ: (فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ) هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهَا اسْتَمَرَّتْ مُسْتَدِيرَةً حَتَّى انْتَهَتْ إلَى الْأُفُقِ وَانْبَسَطَتْ حِينَئِذٍ، وَكَأَنَّ فَائِدَتَهُ تَعْمِيمُ الْأَرْضِ بِالْمَطَرِ قَوْلُهُ: (مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا) هَذَا كِنَايَةٌ عَنْ اسْتِمْرَارِ الْغَيْمِ الْمَاطِرِ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْغَالِبِ وَإِلَّا فَقَدْ يَسْتَمِرُّ الْمَطَرُ وَالشَّمْسُ بَادِيَةٌ، وَقَدْ تَحْتَجِبُ الشَّمْسُ بِغَيْرِ مَطَرٍ وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ: " فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ وَمِنْ الْغَدِ وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ وَاَلَّذِي يَلِيهِ حَتَّى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى " وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ سَبْتًا: أَيْ مِنْ السَّبْتِ إلَى السَّبْتِ.
قَالَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ وَالطَّبَرِيُّ قَالَ: وَفِيهِ تَجَوُّزٌ؛ لِأَنَّ السَّبْتَ لَمْ يَكُنْ مُبْتَدَأً وَلَا الثَّانِي مُنْتَهًى، وَإِنَّمَا عَبَّرَ أَنَسٌ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَقَدْ كَانُوا جَاوَرُوا الْيَهُودَ فَأَخَذُوا بِكَثِيرٍ مِنْ اصْطِلَاحِهِمْ، وَإِنَّمَا سَمُّوا الْأُسْبُوعَ سَبْتًا؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ الْيَهُودِ كَمَا أَنَّ الْجُمُعَةَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ كَذَلِكَ وَفِي تَعْبِيرِهِ عَنْ الْأُسْبُوعِ بِالسَّبْتِ مَجَازٌ مُرْسَلٌ وَالْعِلَاقَةُ الْجُزْئِيَّةُ وَالْكُلِّيَّةُ وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: أَرَادَ قِطْعَةً مِنْ الزَّمَانِ، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ " سِتًّا " أَيْ سِتَّةَ أَيَّامٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ " فَمُطِرْنَا مِنْ جُمُعَةٍ إلَى جُمُعَةٍ " قَوْلُهُ: (ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ النَّكِرَةَ إذَا تَكَرَّرَتْ دَلَّتْ عَلَى التَّعَدُّدِ، وَقَدْ قَالَ شَرِيكٌ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ: " سَأَلْتُ أَنَسًا هُوَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي ".
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِالتَّغَايُرِ. وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ " فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ " وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْهُ: " فَأَتَى الرَّجُلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ " وَمِثْلُهَا لِأَبِي عَوَانَةَ، وَهَذَا يَقْتَضِي الْجَزْمَ بِكَوْنِهِ وَاحِدًا، فَلَعَلَّ أَنَسًا تَذَكَّرَهُ بَعْدَ أَنْ نَسِيَهُ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ بِلَفْظِ: " فَقَالَ الرَّجُلُ " يَعْنِي الَّذِي سَأَلَهُ يَسْتَسْقِي قَوْلُهُ: (هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ) أَيْ بِسَبَبٍ غَيْرِ السَّبَبِ الْأَوَّلِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ كَثْرَةَ الْمَاءِ انْقَطَعَ الْمَرْعَى بِسَبَبِهَا فَهَلَكَتْ الْمَوَاشِي مِنْ عَدَمِ الْمَرْعَى أَوْ لِعَدَمِ مَا يُمَكِّنُهَا مِنْ الْمَطَرِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا عِنْدَ النَّسَائِيّ بِلَفْظِ " مِنْ كَثْرَةِ الْمَاءِ ".
وَأَمَّا انْقِطَاعُ السُّبُلِ فَلِتَعَذُّرِ سُلُوكِ الطَّرِيقِ
стр. 1192
١٣٥٩ - (وَعَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يُغِثْنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا قَالَ أَنَسٌ: وَلَا وَاَللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةٍ وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ، قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَاءَهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ: فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَالَ: فَلَا وَاَللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا يَخْطُبُ. فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا؛ قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ؛ قَالَ: فَانْقَلَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ، قَالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أَنَسًا أَهُوَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
[نيل الأوطار]
مِنْ كَثْرَةِ الْمَاءِ وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ ابْنُ خُزَيْمَةَ " وَاحْتَبَسَ الرُّكْبَانُ " وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ تَهَدَّمَتْ الْبُيُوتُ " وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ " هُدِمَ الْبِنَاءُ وَغَرَقَ الْمَالُ ". قَوْلُهُ: (يُمْسِكُهَا) يَجُوزُ ضَمُّ الْكَافِ وَسُكُونُهَا، وَالضَّمِيرُ يَعُودُ إلَى الْأَمْطَارِ أَوْ إلَى السَّحَابِ أَوْ إلَى السَّمَاءِ. قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (عَلَى الْإِكَامِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ. وَقَدْ تُفْتَحُ جَمْعُ أَكَمَةٍ، مَفْتُوحَةِ الْحُرُوفِ جَمِيعًا: قِيلَ: هِيَ التُّرَابُ الْمُجْتَمِعُ وَقِيلَ: هِيَ الْحَجَرُ الْوَاحِدُ، وَبِهِ قَالَ الْخَلِيلُ وَقَالَ الْخَطَّابِيِّ: هِيَ الْهَضْبَةُ الضَّخْمَةُ وَقِيلَ: الْجَبَلُ الصَّغِيرُ وَقِيلَ: مَا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: (وَالظِّرَابِ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وَضَبْطُهُ. قَوْلُهُ: (وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ) الْمُرَادُ بِهَا مَا يَتَحَصَّلُ فِيهِ الْمَاءُ لِيُنْتَفَعَ بِهِ. قَوْلُهُ: (فَانْقَلَعَتْ) أَيْ السَّمَاءُ أَوْ السَّحَابَةُ الْمَاطِرَةُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا أَمْسَكَتْ عَنْ الْمَطَرِ عَلَى الْمَدِينَةِ وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ: مِنْهَا جَوَازُ الْمُكَالَمَةِ مِنْ الْخَطِيبِ حَالَ الْخُطْبَةِ وَتَكْرَارِ الدُّعَاءِ وَإِدْخَالِ الِاسْتِسْقَاءِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَالدُّعَاءِ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَتَرْكِ تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَالِاجْتِزَاءِ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ عَنْ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَفِيهِ عِلْمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ فِي إجَابَةِ اللَّهِ تَعَالَى دُعَاءَ نَبِيِّهِ وَامْتِثَالُ السَّحَابِ أَمْرَهُ كَمَا وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْفَوَائِدِ.
стр. 1193
كِتَابُ الْجَنَائِزِ .
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ
١٣٦٠ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
١٣٦١ - (وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ الْمُسْلِمَ إذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ لَمْ يَزَلْ فِي مُخْرَفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ)
ــ
[نيل الأوطار]
[كِتَابُ الْجَنَائِزِ]
ِ هِيَ جَمْعُ جِنَازَةٍ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَجَمَاعَةٌ: وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ وَحَكَى صَاحِبُ الْمَطَالِعِ أَنَّهُ يُقَالُ بِالْفَتْحِ لِلْمَيِّتِ وَبِالْكَسْرِ لِلنَّعْشِ عَلَيْهِ الْمَيِّتُ، وَيُقَالُ عَكْسُ ذَلِكَ. اهـ وَالْجِنَازَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ جَنَزَ إذَا سَتَرَ، قَالَهُ ابْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُ، وَالْمُضَارِعُ يَجْنِزُ بِكَسْرِ النُّونِ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَالْجَنَائِزُ بِفَتْحِ الْجِيمِ لَا غَيْرُ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَالْحَافِظُ وَغَيْرُهُمَا.
[بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ]
قَوْلُهُ: (خَمْسٌ) فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ " حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ " وَزَادَ " وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ " وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ " أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعٍ " وَذَكَرَ الْخَمْسَ الْمَذْكُورَةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَزَادَ: " وَنَصْرُ الْمَظْلُومِ، وَإِبْرَارُ الْقَسَمِ " وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (حَقُّ الْمُسْلِمِ) أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ وَيَكُونُ فِعْلُهُ إمَّا وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا نَدْبًا مُؤَكَّدًا شَبِيهًا بِالْوَاجِبِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ، وَيَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعْنَيَيْنِ مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ، فَإِنَّ الْحَقَّ يُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنَى الْوَاجِبِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ، وَكَذَا يُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنَى الثَّابِتِ وَمَعْنَى اللَّازِمِ وَمَعْنَى الصِّدْقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمُرَادُ بِالْحَقِّ هُنَا الْحُرْمَةُ وَالصُّحْبَةُ.
وَقَالَ الْحَافِظُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا وُجُوبُ الْكِفَايَةِ. قَوْلُهُ: (رَدُّ السَّلَامِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ رَدِّ السَّلَامِ وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ ابْتِدَاءَ السَّلَامِ سُنَّةٌ، وَأَنَّ رَدَّهُ فَرْضٌ وَصِفَةُ الرَّدِّ أَنْ يَقُولَ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَهَذِهِ الصِّفَةُ أَكْمَلُ وَأَفْضَلُ، فَلَوْ حَذَفَ الْوَاوَ جَازَ، وَكَانَ تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ، وَكَذَا
стр. 1194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ بِالْوَاوِ أَوْ بِدُونِهَا أَجْزَأَهُ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى عَلَيْكُمْ لَمْ يُجْزِهِ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ قَالَ: وَعَلَيْكُمْ بِالْوَاوِ فَفِي إجْزَائِهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: " حَقُّ الْمُسْلِمِ " أَنَّهُ لَا يُرَدُّ عَلَى الْكَافِرِ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ» وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ قَطَعَ الْأَكْثَرُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهُمْ بِالسَّلَامِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُسَامَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى» قَوْلُهُ: (وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ) وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ بِالْإِجْمَاعِ.
وَجَزَمَ الْبُخَارِيُّ بِوُجُوبِهَا فَقَالَ: بَابُ وَجُوَبِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ لِلْكِفَايَةِ كَإِطْعَامِ الْجَائِعِ وَفَكِّ الْأَسِيرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْوَارِدُ فِيهَا مَحْمُولًا عَلَى النَّدْبِ، وَجَزَمَ الدَّاوُدِيُّ بِالْأَوَّلِ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ بِالنَّدْبِ، وَقَدْ تَصِلُ إلَى الْوُجُوبِ فِي حَقِّ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ وَعَنْ الطَّبَرِيِّ تَتَأَكَّدُ فِي حَقِّ مَنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ، وَتُسَنُّ فِيمَنْ يُرَاعَى حَالُهُ، وَتُبَاحُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ وَفِي الْكَافِرِ خِلَافٌ وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ.
قَالَ الْحَافِظُ: يَعْنِي عَلَى الْأَعْيَانِ وَعَامَّةٌ فِي كُلِّ مَرَضٍ قَوْلُهُ: (وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ) فِيهِ أَنَّ اتِّبَاعَهَا مَشْرُوعٌ وَهُوَ سُنَّةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ إجَابَةِ الدَّعْوَةِ، وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ الْوَلِيمَةِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْوَلِيمَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلُهُ: (وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ) التَّشْمِيتُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَةِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: قَالَ اللَّيْثُ: التَّشْمِيتُ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَمِنْهُ قَوْلُكَ لِلْعَاطِسِ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ وَقَالَ ثَعْلَبٌ: الْأَصْلُ فِيهِ الْمُهْمَلَةُ فَقُلِبَتْ مُعْجَمَةً وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ مَعْنَاهُ الدُّعَاءُ بِالْهِدَايَةِ إلَى السَّمْتِ الْحَسَنِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلْيَقُلْ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ يَرْحَمُك اللَّهُ، وَيَقُولُ هُوَ: يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» .
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلْيَقُلْ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُك اللَّهُ، فَإِذَا قَالَ: يَرْحَمُك اللَّهُ فَلْيَقُلْ لَهُ: يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» .
وَأَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَقِيلَ لَهُ: يَرْحَمُك اللَّهُ، يَقُولُ يَرْحَمُنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ وَيَغْفِرُ لَنَا وَإِيَّاكُمْ» وَالتَّشْمِيتُ
стр. 1195
١٣٦٢ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذَا عَادَ الْمُسْلِمُ أَخَاهُ مَشَى فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسَ، فَإِذَا جَلَسَ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ، فَإِنْ كَانَ غَدْوَةً صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ كَانَ مَسَاءً صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُد نَحْوُهُ) .
١٣٦٣ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَعُودُ مَرِيضًا إلَّا بَعْدَ ثَلَاثٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
ــ
[نيل الأوطار]
سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَلَوْ قَالَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ أَجْزَأَ عَنْ الْبَاقِينَ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللَّهَ كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ تَعَالَى» .
وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: إنَّهُ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَالتَّشْمِيتُ إنَّمَا يَكُونُ مَشْرُوعًا لِلْعَاطِسِ إذَا حَمِدَ اللَّهَ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتْ الْآخَرَ، فَقَالَ الَّذِي لَمْ يُشَمِّتْهُ: فُلَانٌ عَطَسَ فَشَمَّتَهُ، وَعَطَسْتُ فَلَمْ تُشَمِّتْنِي، فَقَالَ: هَذَا حَمِدَ اللَّهَ وَأَنْتَ لَمْ تَحْمَدْ اللَّهَ» .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدْ اللَّهَ فَلَا تُشَمِّتُوهُ» وَإِذَا تَكَرَّرَ الْعُطَاسُ فَهَلْ يُشْرَعُ تَكْرِيرُ التَّشْمِيتِ أَوْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَنْ لَمْ يُتَحَقَّقْ حَالُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيُشَمِّتْهُ جَلِيسُهُ. وَإِنْ زَادَ عَلَى ثَلَاثٍ فَهُوَ مَزْكُومٌ، وَلَا يُشَمَّتُ بَعْدَ ثَلَاثٍ» وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ «أَنَّهُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الثَّانِيَةِ إنَّكَ مَزْكُومٌ» .
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ «أَنَّهُ قَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ: يَرْحَمُك اللَّهُ هَذَا رَجُلٌ مَزْكُومٌ» .
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ أَيْضًا عَنْ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ ثَلَاثًا، فَإِنْ زَادَ فَإِنْ شِئْتَ شَمِّتْهُ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا» وَلَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إسْنَادُهُ مَجْهُولٌ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ: " إنَّك مَزْكُومٌ " أَيْ إنَّك لَسْتَ مِمَّنْ يُشَمَّتُ بَعْدَ هَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي بِكَ زُكَامٌ وَمَرَضٌ لَا خِفَّةُ الْعُطَاسِ، وَلَكِنَّهُ يُدْعَى لَهُ بِدُعَاءِ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ بِالْعَافِيَةِ وَالسَّلَامَةِ، وَلَا يَكُونُ مِنْ بَابِ التَّشْمِيتِ وَالسُّنَّةُ لِلْعَاطِسِ أَنْ يَضَعَ ثَوْبَهُ أَوْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ عِنْدَ الْعُطَاسِ لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا عَطَسَ وَضَعَ ثَوْبَهُ أَوْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ وَخَفَضَ أَوْ غَضَّ بِهَا صَوْتَهُ» وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَيُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْعُطَاسِ لِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ يَكْرَهُ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالتَّثَاؤُبِ وَالْعُطَاسِ» وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «التَّثَاؤُبُ الرَّفِيعُ وَالْعَطْسَةُ الشَّدِيدَةُ مَنْ الشَّيْطَانِ» .
قَوْلُهُ: (لَمْ يَزَلْ فِي مَخْرَفَةِ الْجَنَّةِ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى زِنَةِ مَرْحَلَةٍ وَهِيَ الْبُسْتَانُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الطَّرِيقِ اللَّاحِبِ: أَيْ الْوَاضِحِ وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ " لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ " وَالْخُرْفُ بِالضَّمِّ: الْمُخْتَرَفُ وَالْمُجْتَنَى، أَفَادَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ
١٣٦٢ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذَا عَادَ الْمُسْلِمُ أَخَاهُ مَشَى فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسَ، فَإِذَا جَلَسَ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ، فَإِنْ كَانَ غَدْوَةً صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ كَانَ مَسَاءً صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُد نَحْوُهُ) .
١٣٦٣ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَعُودُ مَرِيضًا إلَّا بَعْدَ ثَلَاثٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
١٣٦٤ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: «عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد)
стр. 1196
١٣٦٤ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: «عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) .
ــ
[نيل الأوطار]
حَدِيثُ عَلِيٍّ.
قَالَ أَبُو دَاوُد: إنَّهُ أُسْنِدَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ صَحِيحٍ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّهُ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ، وَهَذَا اللَّفْظُ لَا يُعْلَمُ لَهُ رُوَاةٌ إلَّا عَلِيٌّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي إسْنَادِهِ مُسْلِمُ بْنُ عَلِيٍّ وَهُوَ مَتْرُوكٌ وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَالْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي مُوسَى عِنْدَ الْبُخَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عُودُوا الْمَرِيضَ، وَأَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ» وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُد قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي لَيْسَ بِرَاكِبِ بَغْلٍ وَلَا بِرْذَوْنٍ» وَعَنْ أَنَسٍ غَيْرُ حَدِيثِ الْبَابِ عِنْدَ أَبِي دَاوُد قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، وَعَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ مُحْتَسِبًا، بُوعِدَ مِنْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ سَبْعِينَ خَرِيفًا» وَفِي إسْنَادِهِ الْفَضْلُ بْنُ دِلْهَمٌ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: ضَعِيفُ الْحَدِيثِ وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَحْفَظُ وَقَالَ مَرَّةً: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: مِمَّنْ يُخْطِئُ فَلَا يَفْحُشُ خَطَؤُهُ حَتَّى يَبْطُلَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَلَا اقْتَفَى أَثَرَ الْعُدُولِ، فَنَسْلُكُ بِهِ سُنَّتَهُمْ، فَهُوَ غَيْرُ مُحْتَجٍّ بِهِ إذَا انْفَرَدَ وَعَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ قَالَ: «لَمَّا أُصِيبَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ» وَعَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهَا قَالَ: «اشْتَكَيْت فَجَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي وَوَضَعَ
стр. 1197
بَابُ مَنْ كَانَ آخِرُ قَوْلِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَتَلْقَيْنِ الْمُحْتَضَرِ وَتَوْجِيهِهِ وَتَغْمِيضِ الْمَيِّتِ وَالْقِرَاءَةِ عِنْدَهُ
١٣٦٥ - (عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ كَانَ آخِرُ قَوْلِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد)
ــ
[نيل الأوطار]
يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِي ثُمَّ مَسَحَ صَدْرِي وَبَطْنِي ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد.
وَعَنْ الْبَرَاءِ أَشَارَ إلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ بِلَفْظِ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا نَادَى مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ: طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنْ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا» قَوْلُهُ: (فِي خُرْفَةٍ) بِزِنَةِ كُنَاسَةٍ: الْمُخْتَرَفُ وَالْمُجْتَنَى، كَذَا قَالَ فِي الْقَامُوسِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: خُرْفَةٌ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءُ: هِيَ الثَّمَرَةُ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا هُنَا: الطَّرِيقُ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْعَائِدَ يَمْشِي فِي طَرِيقٍ يُؤَدِّيهِ إلَى الْجَنَّةِ، وَالتَّفْسِيرُ الْأَوَّلُ أَوْلَى، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَفِيهِ " قُلْت لِأَبِي قِلَابَةَ مَا خُرْفَةُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: جَنَاهَا.
" وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ جُمْلَةِ الْمَرْفُوعِ. قَوْلُهُ: (إلَّا بَعْدَ ثَلَاثٍ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ زِيَارَةَ الْمَرِيضِ إنَّمَا تُشْرَعُ بَعْد مُضِيِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ ابْتِدَاءِ مَرَضِهِ فَنُقَيِّدُ بِهِ مُطْلَقَاتِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الزِّيَارَةِ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَا حَسَنٌ كَمَا عَرَفْتَ فَلَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنِي) فِيهِ أَنَّ وَجَعَ الْعَيْنِ مِنْ الْأَمْرَاضِ الَّتِي تُشْرَعُ لَهَا الزِّيَارَةُ، فَيُرَدُّ بِالْحَدِيثِ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُلْ بِاسْتِحْبَابِ الزِّيَارَةِ مَنْ كَانَ مَرَضُهُ الرَّمَدُ وَنَحْوُهُ مِنْ الْأَمْرَاضِ الْخَفِيفَةِ وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى تَأَكُّدِ مَشْرُوعِيَّةِ زِيَارَةِ الْمَرِيضِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي حُكْمِهَا وَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لِلْمَرِيضِ وَقَدْ وَرَدَ فِي صِفَتِهِ أَحَادِيثُ مِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ الْمُتَقَدِّمُ وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَك، إلَّا عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ» وَفِي إسْنَادِهِ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو خَالِدٍ الْمَعْرُوفُ بِالدَّالَانِيِّ وَقَدْ وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَمِنْهَا حَدِيثٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عِنْدَ أَبِي دَاوُد قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إذَا جَاءَ الرَّجُلُ يَعُودُ مَرِيضًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ يَنْكَأُ لَك عَدُوًّا أَوْ يَمْشِي لَك إلَى جِنَازَةٍ» .
[بَابُ مَنْ كَانَ آخِرُ قَوْلِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَتَلْقَيْنِ الْمُحْتَضَرِ وَتَوْجِيهِهِ وَتَغْمِيضِ الْمَيِّتِ]
الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَفِي إسْنَادِهِ صَالِحُ بْنُ أَبِي عَرِيبٍ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: لَا يُعْرَفُ وَأُعِلَّ الْحَدِيثُ بِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ،
стр. 1198
١٣٦٦ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ)
ــ
[نيل الأوطار]
وَقَدْ عَزَا هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ مَعِينٍ إلَى الصَّحِيحَيْنِ فَغَلِطَ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا، وَاَلَّذِي فِيهِمَا لَمْ يُقَيَّدْ بِالْمَوْتِ، وَلَكِنَّهُ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» .
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِلَفْظِ: «مَنْ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ لَا تَطْعَمُهُ النَّارُ أَبَدًا» وَفِي إسْنَادِهِ جَابِرُ بْنُ يَحْيَى الْحَضْرَمِيُّ.
وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ نَحْوَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحْدَهُ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» .
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «إنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَا يَقُولُهَا عَبْدٌ حَقًّا مِنْ قَلْبِهِ فَيَمُوتُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا حُرِّمَ عَلَى النَّارِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ طَلْحَةَ وَعُبَادَةُ وَعُمَرَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْخَطِيبِ مِثْلُ حَدِيثِ الْبَابِ وَعَنْ حُذَيْفَةَ عِنْدَهُ أَيْضًا بِنَحْوِهِ وَعَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْعِلَلِ بِنَحْوِهِ أَيْضًا وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى نَجَاةِ مَنْ كَانَ آخِرُ قَوْلِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مِنْ النَّارِ، وَاسْتِحْقَاقُهُ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ.
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مِنْ مُوجِبَاتِ دُخُولِ الْجَنَّةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِحَالِ الْمَوْتِ، فَبِالْأَوْلَى أَنْ تُوجِبَ ذَلِكَ إذَا قَالَهَا فِي وَقْتٍ لَا تَتَعَقَّبُهُ مَعْصِيَةٌ
١٣٦٦ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ) وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ عَنْهُ.
وَزَادَ: «فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ وَإِنْ أَصَابَهُ مَا أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ» وَعَنْهُ أَيْضًا حَدِيثٌ آخَرُ بِلَفْظِ: «إذَا ثَقُلَتْ مَرَضَاكُمْ فَلَا تُمْلُوهُمْ قَوْلَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَلَكِنْ لَقِّنُوهُمْ فَإِنَّهُ لَمْ يُخْتَمْ بِهِ لِمُنَافِقٍ قَطُّ» وَفِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَطِيَّةَ وَهُوَ مَتْرُوكٌ وَعَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ النَّسَائِيّ بِنَحْوِ حَدِيثِ الْبَابِ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَزَادَ «الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الدُّعَاءِ وَالْعُقَيْلِيِّ فِي الضُّعَفَاءِ.
وَفِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُجَاهِدٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ عِنْدَ الْعُقَيْلِيِّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَعَنْ حُذَيْفَةَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا وَزَادَ: " فَإِنَّهَا تَهْدِمُ مَا قَبْلَهَا مِنْ الْخَطَايَا " وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَهُ أَيْضًا وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عِنْدَهُ أَيْضًا قَالَ
стр. 1199
١٣٦٧ - (وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: هِيَ سَبْعٌ، فَذَكَرَ مِنْهَا: وَاسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد)
ــ
[نيل الأوطار]
الْعُقَيْلِيُّ: رُوِيَ فِي الْبَابِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَرُوِيَ فِيهِ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ وَغَيْرِهِمْ هَكَذَا فِي التَّلْخِيصِ قَوْلُهُ: (لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ) قَالَ النَّوَوِيُّ: أَيْ مِنْ الْمَوْتِ وَالْمُرَادُ: ذَكِّرُوهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لِتَكُونَ آخِرَ كَلَامِهِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ: " مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ " وَالْأَمْرُ بِهَذَا التَّلْقِينِ أَمْرُ نَدْبٍ وَأَجْمَعُ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذَا التَّلْقِينِ وَكَرِهُوا الْإِكْثَارَ عَلَيْهِ وَالْمُوَالَاةَ لِئَلَّا يَضْجَرَهُ لِضِيقِ حَالِهِ وَشِدَّةِ كَرْبِهِ فَيَكْرَهُ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ أَوْ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ لَا يَلِيقُ، قَالُوا: وَإِذَا قَالَهُ مَرَّةً لَا يُكَرَّرُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بَعْدَهُ بِكَلَامٍ آخَرَ فَيُعَادُ التَّعْرِيضُ لَهُ بِهِ لِيَكُونَ آخِرُ كَلَامِهِ وَيَتَضَمَّنُ الْحَدِيثُ الْحُضُورَ عِنْدِ الْمُحْتَضَرِ لِتَذْكِيرِهِ وَتَأْنِيسِهِ وَإِغْمَاضِ عَيْنَيْهِ وَالْقِيَام بِحُقُوقِهِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ اهـ كَلَامُ النَّوَوِيِّ.
وَلَكِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ مَا الْقَرِينَةُ الصَّارِفَةُ لِلْأَمْرِ عَنْ الْوُجُوبِ
١٣٦٧ - (وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: هِيَ سَبْعٌ، فَذَكَرَ مِنْهَا: وَاسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ وَالْحَاكِمُ وَلَفْظُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَقَدْ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ الْكَبَائِرِ فَقَالَ: هُنَّ تِسْعٌ: الشِّرْكُ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَاسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ» الْحَدِيثَ، وَفِي الْبَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الْبَغَوِيّ فِي الْجَعْدِيَّاتِ بِنَحْوِ حَدِيثِ الْبَابِ، وَمَدَارُهُ عَلَى أَيُّوبَ بْنِ عُقْبَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ هِيَ سَبْعٌ) بِتَقْدِيمِ السِّينِ هَكَذَا وَقَعَ فِي نُسَخِ الْكِتَابِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا، وَالصَّوَابُ تِسْعٌ بِتَقْدِيمِ التَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْحَدِيثُ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ تَوْجِيهِ الْمُحْتَضَرِ إلَى الْقِبْلَةِ لِقَوْلِهِ: " وَاسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا " وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى ذَلِكَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ أَحْيَاءً عِنْدَ الصَّلَاةِ، وَأَمْوَاتًا فِي اللَّحْدِ، وَالْمُحْتَضَرُ حَيٌّ غَيْرُ مُصَلٍّ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْحَدِيثُ وَإِلَّا لَزِمَ وُجُوبُ التَّوَجُّهِ إلَى الْقِبْلَةِ عَلَى كُلِّ حَيٍّ وَعَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِحَالِ الصَّلَاةِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
وَالْأَوْلَى الِاسْتِدْلَال لِمَشْرُوعِيَّةِ التَّوْجِيهِ بِمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ " أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ مَعْرُورٍ أَوْصَى أَنْ يُوَجَّهَ لِلْقِبْلَةِ إذَا اُحْتُضِرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَصَابَ الْفِطْرَةَ " وَقَدْ ذُكِرَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي التَّلْخِيصِ وَسَكَتَ عَنْهُ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي صِفَةِ التَّوْجِيهِ إلَى الْقِبْلَةِ؛ فَقَالَ الْهَادِي وَالنَّاصِرُ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: إنَّهُ يُوَجَّه مُسْتَلْقِيًا لِيَسْتَقْبِلَهَا بِكُلِّ وَجْهِهِ، وَقَالَ الْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْإِمَامُ يَحْيَى
стр. 1200
١٣٦٨ - (وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا حَضَرْتُمْ مَوْتَاكُمْ فَأَغْمِضُوا الْبَصَرَ، فَإِنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ، وَقُولُوا خَيْرًا فَإِنَّهُ يُؤَمَّنُ عَلَى مَا قَالَ أَهْلُ الْمَيِّتِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ)
١٣٦٩ - (وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :: «اقْرَءُوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ، وَلَفْظُهُ: «يس قَلْبُ الْقُرْآنِ لَا يَقْرَؤُهَا رَجُلٌ يُرِيدُ اللَّهَ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ إلَّا غُفِرَ لَهُ وَاقْرَءُوهَا عَلَى مَوْتَاكُمْ» .
ــ
[نيل الأوطار]
وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: إنَّهُ يُوَجَّهُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ.
وَرُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ يَحْيَى أَنَّهُ قَالَ: الْأَمْرَانِ جَائِزَانِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُوَجَّهَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ لِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بِلَفْظِ: «إذَا أَخَذَ أَحَدُكُمْ مَضْجَعَهُ فَلْيَتَوَسَّدْ يَمِينَهُ» الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ بِإِسْنَادٍ قَالَ الْحَافِظُ: حَسَنٌ وَأَصْلُ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظِ: «إذَا أَوَيْتَ مَضْجَعَك فَتَوَضَّأْ وُضُوءَك لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ وَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْلَمْتُ نَفْسِي إلَيْكَ وَفِي آخِرِهِ فَإِنْ مِتَّ مِنْ لَيْلَتِك فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ» .
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ عِنْدَ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيِّ وَأَحْمَدَ بِلَفْظِ " كَانَ إذَا نَامَ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ " وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَعَنْ حَفْصَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَعَنْ سَلْمَى أُمِّ أَبِي رَافِعٍ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي الْمُسْنَدِ بِلَفْظِ " إنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهَا اسْتَقْبَلَتْ الْقِبْلَةَ ثُمَّ تَوَسَّدَتْ يَمِينَهَا ".
وَعَنْ حُذَيْفَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَالْبَيْهَقِيِّ بِلَفْظِ " كَانَ إذَا عَرَّسَ وَعَلَيْهِ لَيْلٌ تَوَسَّدَ يَمِينَهُ " وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِأَحَادِيثَ تَوَسُّدِ الْيَمِينِ عِنْدَ النَّوْمِ عَلَى اسْتِحْبَابِ أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَضَرُ عِنْدَ الْمَوْتِ كَذَلِكَ أَنَّ النَّوْمَ مَظِنَّةٌ لِلْمَوْتِ وَلِلْإِشَارَةِ بِقَوْلِهِ ﷺ : " فَإِنْ مِتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ " بَعْدَ قَوْلِهِ: " ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّك الْأَيْمَنِ " فَإِنَّهُ يَظْهَرُ مِنْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَضِرُ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ
١٣٦٨ - (وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا حَضَرْتُمْ مَوْتَاكُمْ فَأَغْمِضُوا الْبَصَرَ، فَإِنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ، وَقُولُوا خَيْرًا فَإِنَّهُ يُؤَمَّنُ عَلَى مَا قَالَ أَهْلُ الْمَيِّتِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ) الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالْبَزَّارُ، وَفِي إسْنَادِهِ قَزَعَةُ بْنُ سُوَيْد قَالَ فِي
التَّقْرِيبِ: قَزَعَةٌ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالزَّاي وَالْعَيْنِ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: مَحَلُّهُ الصِّدْقُ، لَيْسَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ وَفِي الْبَابِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: " دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرَهُ فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ: إنَّ الرُّوحَ إذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ " أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ) قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ إذَا خَرَجَتْ الرُّوحُ مِنْ الْجَسَدِ تَبِعَهُ الْبَصَرُ نَاظِرًا إلَى أَيْنَ يَذْهَبُ قَالَ: وَفِي الرُّوحِ لُغَتَانِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ قَالَ: وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ أَصْحَابِنَا الْمُتَكَلِّمِينَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ أَنَّ الرُّوحَ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ مُتَخَلَّلَةٌ فِي الْبَدَنِ، وَتَذْهَبُ الْحَيَاةُ عَنْ الْجَسَدِ بِذَهَابِهَا وَلَيْسَ عَرَضًا كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ، وَلَا دَمًا كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ، وَفِيهَا كَلَامٌ مُتَشَعِّبٌ لِلْمُتَكَلِّمِينَ. اهـ.
قَوْلُهُ: (وَقُولُوا خَيْرًا. . . إلَخْ) هَذَا فِي
стр. 1201
بَابُ الْمُبَادَرَةِ إلَى تَجْهِيزِ الْمَيِّتِ وَقَضَاءِ دَيْنِهِ
١٣٧٠ - (عَنْ الْحُصَيْنِ بْنِ وَحْوَحٍ: «أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ الْبَرَاءِ مَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَالَ: إنِّي لَا أَرَى طَلْحَةَ إلَّا قَدْ حَدَثَ فِيهِ الْمَوْتُ فَآذِنُونِي بِهِ وَعَجِّلُوا، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَيْ أَهْلِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد)
ــ
[نيل الأوطار]
صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ بِلَفْظِ «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ» وَالْحَدِيثُ فِيهِ أَنَّ النَّدْبَ إلَى قَوْلِ الْخَيْرِ حِينَئِذٍ مِنْ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُ وَطَلَبِ اللُّطْفِ بِهِ وَالتَّخْفِيفِ عَنْهُ وَنَحْوِهِ وَحُضُورِ الْمَلَائِكَةِ حِينَئِذٍ وَتَأْمِينِهِمْ وَفِيهِ أَنَّ تَغْمِيضَ الْمَيِّتِ عِنْدَ مَوْتِهِ مَشْرُوعٌ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ قَالُوا: وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنْ لَا يُقَبَّحَ مَنْظَرُهُ لَوْ تُرِكَ إغْمَاضُهُ
١٣٦٩ - (وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :: «اقْرَءُوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ، وَلَفْظُهُ: «يس قَلْبُ الْقُرْآنِ لَا يَقْرَؤُهَا رَجُلٌ يُرِيدُ اللَّهَ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ إلَّا غُفِرَ لَهُ وَاقْرَءُوهَا عَلَى مَوْتَاكُمْ» ) الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ وَأَعَلَّهُ ابْنُ الْقَطَّانِ بِالِاضْطِرَابِ وَبِالْوَقْفِ وَبِجَهَالَةِ حَالِ أَبِي عُثْمَانَ وَأَبِيهِ الْمَذْكُورِينَ فِي السَّنَدِ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ مَجْهُولُ الْمَتْنِ، وَلَا يَصِحُّ فِي الْبَابِ حَدِيثٌ قَالَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ قَالَ: كَانَتْ الْمَشْيَخَةُ يَقُولُونَ: إذَا قُرِئَتْ يَعْنِي يس لِمَيِّتٍ خُفِّفَ عَنْهُ بِهَا، وَأَسْنَدَهُ صَاحِبُ مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ طَرِيقِ مَرْوَانَ بْنِ سَالِمٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عُمَرَ وَعَنْ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءَ وَأَبِي ذَرٍّ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيُقْرَأُ عِنْدَهُ يس إلَّا هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ» وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي فَضْلِ الْقُرْآنِ، هَكَذَا فِي التَّلْخِيصِ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ قَوْلُهُ: " اقْرَءُوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ " أَرَادَ بِهِ مَنْ حَضَرَتْهُ الْمَنِيَّةُ لَا أَنَّ الْمَيِّتَ يُقْرَأُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ " لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ".
وَرَدَّهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي الْقِرَاءَةِ وَسَلَّمَ لَهُ فِي التَّلْقِينِ اهـ. وَاللَّفْظُ نَصٌّ فِي الْأَمْوَاتِ وَتَنَاوُلُهُ لِلْحَيِّ الْمُحْتَضَرِ مَجَازٌ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا لِقَرِينَةٍ.
[بَابُ الْمُبَادَرَةِ إلَى تَجْهِيزِ الْمَيِّتِ وَقَضَاءِ دَيْنِهِ]
الْحَدِيثَ وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيّ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ سَعِيدِ بْنِ عُثْمَانَ الْبَلَوِيِّ، وَهُوَ غَرِيبٌ اهـ. وَقَدْ وَثَّقَ سَعِيدًا الْمَذْكُورَ ابْنُ حِبَّانَ
стр. 1202
١٣٧١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
ــ
[نيل الأوطار]
وَلَكِنْ فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ عُرْوَةُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَيُقَالُ عَزْرَةُ عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ وَأَبُوهُ مَجْهُولَانِ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ يَا عَلِيُّ لَا يُؤَخَّرْنَ: الصَّلَاةُ إذَا آنَتْ، وَالْجِنَازَةُ إذَا حَضَرَتْ، وَالْأَيِّمُ إذَا وَجَدَتْ كُفْؤًا» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَهَذَا لَفْظُهُ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ وَلَكِنَّهُ قَالَ: " لَا تُؤَخِّرْهَا " مَكَانَ قَوْلِهِ: " لَا يُؤَخَّرْنَ " وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَمَا أَرَى إسْنَادَهُ بِمُتَّصِلٍ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمْ، وَإِعْلَالُ التِّرْمِذِيِّ لَهُ بِعَدَمِ الِاتِّصَالِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قِيلَ: وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ وَقَدْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: إنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ فَاتَّصَلَ إسْنَادُهُ، وَقَدْ أَعَلَّهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا بِجَهَالَةِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ، وَلَكِنَّهُ عَدَّهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ قَوْلُهُ: (عَنْ الْحُصَيْنِ بْنِ وَحْوَحٍ) هُوَ أَنْصَارِيٌّ وَلَهُ صُحْبَةُ، وَوَحْوَحٌ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا وَاوٌ مَفْتُوحَةٌ وَحَاءٌ مُهْمَلَةٌ أَيْضًا وَطَلْحَةُ بْنُ الْبَرَاءِ أَنْصَارِيٌّ لَهُ صُحْبَةٌ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّعْجِيلِ بِالْمَيِّتِ وَالْإِسْرَاعِ فِي تَجْهِيزِهِ، وَتَشْهَدُ لَهُ أَحَادِيثُ الْإِسْرَاعِ بِالْجِنَازَةِ وَسَيَأْتِي.
١٣٧١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ) الْحَدِيثُ رِجَالُ إسْنَادِهِ ثِقَاتٌ إلَّا عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ صَدُوقٌ يُخْطِئُ، فِيهِ الْحَثُّ لِلْوَرَثَةِ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ، وَالْإِخْبَارُ لَهُمْ بِأَنَّ نَفْسَهُ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ، وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِمَنْ لَهُ مَالٌ يُقْضَى مِنْهُ دَيْنُهُ وَأَمَّا مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَمَاتَ عَازِمًا عَلَى الْقَضَاءِ فَقَدْ وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْضِي عَنْهُ، بَلْ ثَبَتَ أَنَّ مُجَرَّدَ مَحَبَّةِ الْمَدْيُونِ عِنْدَ مَوْتِهِ لِلْقَضَاءِ مُوجِبَةٌ لِتَوَلِّي اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَلَمْ يَقْضِ مِنْهُ الْوَرَثَةُ.
أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ دَانَ بِدَيْنٍ فِي نَفْسِهِ وَفَاؤُهُ وَمَاتَ تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَى غَرِيمَهُ بِمَا شَاءَ، وَمَنْ دَانَ بِدَيْنٍ وَلَيْسَ فِي نَفْسِهِ وَفَاؤُهُ وَمَاتَ اقْتَصَّ اللَّهُ لِغَرِيمِهِ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «الدَّيْنُ دَيْنَانِ، فَمَنْ مَاتَ وَهُوَ يَنْوِي قَضَاءَهُ فَأَنَا وَلِيُّهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَا يَنْوِي قَضَاءَهُ فَذَلِكَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ لَيْسَ يَوْمَئِذٍ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ» وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ «يُؤْتَى بِصَاحِبِ الدَّيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: فِيمَ أَتْلَفْتَ أَمْوَالَ النَّاسِ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ إنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ أَتَى عَلَيَّ إمَّا حَرَقٌ وَإِمَّا غَرَقٌ، فَيَقُولُ: فَإِنِّي سَأَقْضِي عَنْكَ الْيَوْمَ فَيَقْضِي عَنْهُ» وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ: «يُدْعَى بِصَاحِبِ الدَّيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُوقَفَ
стр. 1203
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ فِيمَ أَخَذْتَ هَذَا الدَّيْنَ، وَفِيمَ ضَيَّعْتَ حُقُوقَ النَّاسِ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ إنَّك تَعْلَمُ أَنِّي أَخَذْتُهُ فَلَمْ آكُلْ وَلَمْ أَشْرَبْ وَلَمْ أُضَيِّعْ، وَلَكِنْ أَتَى عَلَى يَدَيْ إمَّا حَرَقٌ وَإِمَّا سَرَقٌ وَإِمَّا وَضِيعَةٌ، فَيَقُولُ اللَّهُ: صَدَقَ عَبْدِي وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ قَضَى عَنَكَ، فَيَدْعُو اللَّهُ بِشَيْءٍ فَيَضَعُهُ فِي كِفَّةِ مِيزَانِهِ فَتَرْجَحُ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ» .
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُدَانُ دَيْنًا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَدَاءَهُ إلَّا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ بِلَفْظِ: «مَنْ تَدَايَنَ بِدَيْنٍ، فِي نَفْسِهِ وَفَاؤُهُ ثُمَّ مَاتَ تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَى غَرِيمَهُ بِمَا شَاءَ» وَقَدْ وَرَدَ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَدْيُونًا فَدَيْنُهُ عَلَى مَنْ إلَيْهِ وِلَايَةُ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ يَقْضِيهِ عَنْهُ مِنْ بَيْتِ مَالِهِمْ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ كَانَ لِوَرَثَتِهِ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلَّا وَأَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ» وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «مَنْ حَمَلَ مِنْ أُمَّتِي دَيْنًا فَجَهِدَ فِي قَضَائِهِ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهُ فَأَنَا وَلِيُّهُ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ يَرْفَعُهُ: «أَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، مَنْ مَاتَ فَتَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ» .
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي حَدِيثٍ آخَرَ «مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ وَأَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ» وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ عِدَّةُ أَحَادِيثَ ثَبَتَتْ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَهَا بَعْدَ أَنْ كَانَ يَمْتَنِعُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَدْيُونِ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْبِلَادَ وَكَثُرَتْ الْأَمْوَالُ صَلَّى عَلَى مَنْ مَاتَ مَدْيُونًا وَقَضَى عَنْهُ، وَذَلِكَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ مَنْ مَاتَ مَدْيُونًا اسْتَحَقَّ أَنْ يُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ أَحَدُ الْمَصَارِفِ الثَّمَانِيَةِ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ بِالْمَوْتِ، وَدَعْوَى مَنْ ادَّعَى اخْتِصَاصَهُ ﷺ بِذَلِكَ سَاقِطَةٌ، وَقِيَاسُ الدَّلَالَةِ يَنْفِي هَذِهِ الدَّعْوَى فِي مِثْلِ قَوْلِهِ ﷺ : «وَأَنَا وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ أَعْقِلُ عَنْهُ وَأَرِثُهُ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَسَعِيدُ بْنِ مَنْصُورٍ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ إنَّ مِيرَاثَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ مُخْتَصٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ مَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ هَذِهِ الْخُصُوصِيَّةِ الْمُدَّعَاةِ، وَلَفْظُهُ: «مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ وَعَلَى الْوُلَاةِ مِنْ بَعْدِي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ» .
стр. 1204
بَابُ تَسْجِيَةِ الْمَيِّتِ وَالرُّخْصَةِ فِي تَقْبِيلِهِ
١٣٧٢ - (عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
١٣٧٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِهِ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ وَأَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ)
١٣٧٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .
١٣٧٥ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ، حَتَّى رَأَيْتُ الدُّمُوعَ تَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .
أَبْوَابُ غُسْلِ الْمَيِّتِ
بَابُ مَنْ يَلِيهِ وَرِفْقِهِ بِهِ وَسَتْرِهِ عَلَيْهِ
١٣٧٦ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَأَدَّى فِيهِ
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ تَسْجِيَةِ الْمَيِّتِ وَالرُّخْصَةِ فِي تَقْبِيلِهِ]
حَدِيثُ عَائِشَةَ الرَّابِعُ فِي إسْنَادِهِ عَاصِمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ ضَعِيفٌ قَوْلُهُ: (سُجِّيَ) بِضَمِّ السِّينِ وَبَعْدَهَا جِيمٌ مُشَدَّدَةٌ مَكْسُورَةٌ: أَيْ غُطِّيَ قَوْلُهُ: (حِبَرَةٌ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحَ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ مُهْمَلَةٌ: وَهِيَ ثَوْبُ فِيهِ أَعْلَامٌ، وَهِيَ ضَرْبٌ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَسْجِيَةِ الْمَيِّتِ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَحِكْمَتُهُ صِيَانَتُهُ مِنْ الِانْكِشَافِ وَسَتْرِ عَوْرَتِهِ الْمُتَغَيِّرَةِ عَنْ الْأَعْيُنِ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: وَيُلَفُّ طَرَفُ الثَّوْبِ الْمُسَجَّى بِهِ تَحْتَ رَأْسِهِ، وَطَرَفُهُ الْآخَرُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ لِئَلَّا يَنْكَشِفَ مِنْهُ قَالَ: وَتَكُونُ التَّسْجِيَةُ بَعْدَ نَزْعِ ثِيَابِهِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا لِئَلَّا يَتَغَيَّرَ بَدَنُهُ بِسَبَبِهَا. قَوْلُهُ: (فَقَبَّلَهُ) فِيهِ جَوَازُ تَقْبِيلِ الْمَيِّتِ تَعْظِيمًا وَتَبَرُّكًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَكَانَ إجْمَاعًا. قَوْلُهُ: (قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُثْمَانَ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ تَقْبِيلِ الْمَيِّتِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (حَتَّى رَأَيْتُ الدُّمُوعَ. . . إلَخْ) فِيهِ جَوَازُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ.
стр. 1205
الْأَمَانَةَ وَلَمْ يُفْشِ عَلَيْهِ مَا يَكُونُ مِنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَقَالَ: لِيَلِهِ أَقْرَبُكُمْ إنْ كَانَ يَعْلَمُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، فَمَنْ تَرَوْنَ عِنْدَهُ حَظًّا مِنْ وَرَعٍ وَأَمَانَةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ)
١٣٧٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ كَسْرَ عَظْمِ الْمَيِّتِ مِثْلُ كَسْرِ عَظْمِهِ حَيًّا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ)
١٣٧٨ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
١٣٧٩ - (وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أَنَّ آدَمَ ﵇ قَبَضَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَغَسَّلُوهُ وَكَفَّنُوهُ وَحَنَّطُوهُ وَحَفَرُوا لَهُ وَأَلْحَدُوا وَصَلُّوا عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلُوا قَبْرَهُ فَوَضَعُوهُ فِي قَبْرِهِ، وَوَضَعُوا عَلَيْهِ اللَّبِنَ، ثُمَّ خَرَجُوا مِنْ الْقَبْرِ، ثُمَّ حَثَوْا عَلَيْهِ التُّرَابَ، ثُمَّ قَالُوا: يَا بَنِي آدَمَ هَذِهِ سُنَّتُكُمْ» رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي الْمُسْنَدِ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[أَبْوَابُ غُسْلِ الْمَيِّتِ] [ بَابُ مَنْ يَلِيهِ وَرِفْقِهِ بِهِ وَسَتْرِهِ عَلَيْهِ]
حَدِيثُ عَائِشَةَ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَفِي إسْنَادِهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَفِيهِ كَلَامٌ كَثِيرٌ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ الثَّانِي رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ عَلَى كَلَامٍ فِي سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَحَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ. قَوْلُهُ: (فَأَدَّى فِيهِ الْأَمَانَةَ وَلَمْ يُفْشِ عَلَيْهِ مَا يَكُونُ مِنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ) الْمُرَادُ بِتَأْدِيَةِ الْأَمَانَةِ إمَّا كَتْمُ مَا يَرَى مِنْهُ مِمَّا يَكْرَهُهُ النَّاسُ وَيَكُونُ قَوْلُهُ: " وَلَمْ يُفْشِ " عَطْفًا تَفْسِيرِيًّا، أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِتَأْدِيَةِ الْأَمَانَةِ أَنْ يُغَسِّلَهُ الْغُسْلَ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ؛؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ عِنْدَ حَامِلِهِ أَمَانَةٌ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي مَوَاضِعِهِ مِنْ تَأْدِيَتِهَا.
قَوْلُهُ: (لِيَلِهِ أَقْرَبُكُمْ) فِيهِ أَنَّ الْأَحَقَّ بِغَسْلِ الْمَيِّتِ عَلَى النَّاسِ الْأَقْرَبُ إلَى الْمَيِّتِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْعِلْمِ، وَقَدْ قَالَ بِتَقْدِيمِ الْقَرِيبِ عَلَى غَيْرِهِ الْإِمَامُ يَحْيَى قَوْلُهُ: (فَمَنْ تَرَوْنَ عِنْدَهُ حَظًّا مِنْ وَرَعٍ وَأَمَانَةٍ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَا ذَهَبَتْ إلَيْهِ الْهَادَوِيَّةُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الْغَاسِلِ وَخَالَفَهُمْ الْجُمْهُورُ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ فَذَلِكَ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ عَدَمُ اخْتِصَاصِ هَذِهِ الْقُرْبَةِ بِمَنْ لَيْسَ فَاسِقًا؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِالتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، وَغُسْلُ الْمَيِّتِ مِنْ جُمْلَتِهَا، وَإِلَّا لَزِمَ عَدَمُ صِحَّةِ كُلِّ تَكْلِيفٍ شَرْعِيِّ مِنْهُ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَدَعْوَى صِحَّةِ بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ بِغَيْرِ دَلِيلٍ تَحَكُّمٌ وَقَدْ
стр. 1206
بَابُ مَا جَاءَ فِي غُسْلِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ
١٣٨٠ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «رَجَعَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ جِنَازَةٍ بِالْبَقِيعِ وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا فِي رَأْسِي وَأَقُولُ: وَارَأْسَاهُ، فَقَالَ: بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهُ، مَا ضَرَّكِ لَوْ مِتِّ قَبْلِي فَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ، ثُمَّ صَلَّيْتُ عَلَيْكِ وَدَفَنْتُكِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ)
ــ
[نيل الأوطار]
حَكَى الْمَهْدِيُّ فِي الْبَحْرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْمَيِّت وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَكَذَلِكَ حَكَى الْإِجْمَاعَ النَّوَوِيُّ وَنَاقَشَ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ صَاحِبُ ضَوْءِ النَّهَارِ مُنَاقَشَةً وَاهِيَةً. حَاصِلُهَا أَنَّهُ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ إلَّا أَحَادِيثُ الْفِعْلِ وَهِيَ لَا تُفِيدُ الْوُجُوبَ.
وَأَحَادِيثُ الْأَمْرِ بِغُسْلِ الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ، وَأَمَرَ بِغُسْلِ ابْنَتِهِ ﷺ وَالْأَمْرُ مُخْتَلَفٌ فِي كَوْنِهِ لِلْوُجُوبِ أَوْ لِلنَّدْبِ، وَرُدَّ كَلَامُهُ بِأَنَّهُ إنْ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْوُجُوبِ فَلَا يَضُرُّ جَهْلُ الْمُسْتَنِدِ. وَيُرَدُّ أَيْضًا بِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي كَوْنِ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ لَا يَسْتَلْزِمُ الِاخْتِلَافَ فِي كُلِّ مَأْمُورٍ بِهِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا شَهِدَتْ لِبَعْضِ الْأَوَامِرِ قَرَائِنُ يُسْتَفَادُ مِنْهَا وُجُوبُهُ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُخَالِفُ فِيهِ الْقَائِلُ بِأَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ، الْأَمْرُ الْمُجَرَّدُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ نَعَمْ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَهُوَ ذُهُولٌ شَدِيدٌ، فَإِنَّ الْخِلَافَ مَشْهُورٌ جِدًّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْقُرْطُبِيَّ رَجَّحَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى وُجُوبِهِ وَقَدْ رَدَّ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ وَقَالَ: قَدْ تَوَارَدَ بِهِ الْقَوْلُ وَالْعَمَلُ. انْتَهَى.
وَهَكَذَا فَلْيَكُنْ التَّعَقُّبُ لِدَعْوَى الْإِجْمَاعِ قَوْلُهُ: (إنَّ كَسْرَ عَظْمِ الْمَيِّتِ) . . . إلَخْ، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الرِّفْقِ بِالْمَيِّتِ فِي غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَحَمْلِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَشْبِيهَ كَسْرِ عَظْمِهِ بِكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ إنْ كَانَ فِي الْإِثْمِ فَلَا شَكَّ فِي التَّحْرِيمِ، وَإِنْ كَانَ فِي التَّأَلُّمِ فَكَمَا يَحْرُمُ تَأْلِيمُ الْحَيِّ يَحْرُمُ تَأْلِيمُ الْمَيِّتِ، وَقَدْ زَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ لَفْظَ " فِي الْإِثْمِ "، فَيَتَعَيَّنُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ.
قَوْلُهُ: (مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فِيهِ التَّرْغِيبُ فِي سَتْرِ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِ وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ سَتْرُ مَا يَرَاهُ الْغَاسِلُ وَنَحْوُهُ مِنْ الْمَيِّتِ وَكَرَاهَةُ إفْشَائِهِ وَالتَّحَدُّثِ بِهِ، وَأَيْضًا قَدْ صَحَّ أَنَّ الْغِيبَةَ هِيَ ذِكْرُكَ لِأَخِيكَ بِمَا يَكْرَهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَخِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَيِّتَ يَكْرَهُ أَنْ يُذْكَرَ بِشَيْءٍ مِنْ عُيُوبِهِ الَّتِي تَظْهَرُ حَالَ مَوْتِهِ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا ذِكْرُهَا مُحَرَّمًا، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا فِي بَابِ الْكَفِّ عَنْ ذِكْرِ مَسَاوِئِ الْأَمْوَاتِ. قَوْلُهُ: (وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ آدَمَ. . . إلَخْ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي تَفَاصِيلِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ هَذَا فِي أَبْوَابِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ.
стр. 1207
١٣٨١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: «لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ الْأَمْرِ مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلَّا نِسَاؤُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصِّدِّيقَ أَوْصَى أَسْمَاءَ زَوْجَتَهُ أَنْ تُغَسِّلَهُ فَغَسَّلَتْهُ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ مَا جَاءَ فِي غُسْلِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ]
حَدِيثُ عَائِشَةَ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الدَّارِمِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَفِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَبِهِ أَعَلَّهُ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ الْحَافِظُ: وَلَمْ يَتَفَرَّدْ بِهِ بَلْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيُّ وَأَمَّا ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَقَالَ: لَمْ يَقُلْ " غَسَّلْتُكِ " إلَّا ابْنُ إِسْحَاقَ وَأَصْلُ الْحَدِيثِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ: «ذَاكَ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَسْتَغْفِرُ لَك وَأَدْعُو لَك» وَأَثَرُهَا الثَّانِي سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَالْمُنْذِرِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إلَّا ابْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ عَنْعَنَ، وَغُسْلُ أَسْمَاءَ لِأَبِي بَكْرٍ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْغُسْلِ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّت مِنْ أَبْوَابِ الْغُسْلِ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِوَصِيَّةٍ مِنْ أَبِي بَكْرٍ قَوْلُهُ: (فَغَسَّلْتُك) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ يُغَسِّلُهَا زَوْجُهَا إذَا مَاتَتْ وَهِيَ تُغَسِّلُهُ قِيَاسًا، وَبِغُسْلِ أَسْمَاءَ لِأَبِي بَكْرٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَلِيٍّ لِفَاطِمَةَ كَمَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَلَمْ يَقَعْ مِنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ إنْكَارٌ عَلَى عَلِيٍّ وَأَسْمَاءَ فَكَانَ إجْمَاعًا.
وَقَدْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ الْعِتْرَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَالْجُمْهُورُ وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا تُغَسِّلُهُ لِبُطْلَانِ النِّكَاحِ وَيَجُوزُ الْعَكْسُ عِنْدَهُ كَالْجُمْهُورِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّعْبِيُّ وَالثَّوْرِيُّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُغَسِّلَهَا لِمِثْلِ مَا ذَكَرَ أَحْمَدُ وَيَجُوزُ الْعَكْسُ عَنْدَهُمْ كَالْجُمْهُورِ، قَالُوا: لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهِ بِخِلَافِهَا وَيُجَابُ عَنْ الْمَذْهَبَيْنِ الْآخَرَيْنِ بِأَنَّهُ إذَا سُلِّمَ ارْتِفَاعُ حِلِّ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْمَوْتِ وَأَنَّهُ الْعِلَّةُ فِي جَوَازِ نَظَرِ الْفَرْجِ فَغَايَتُهُ تَحْرِيمُ نَظَرِ الْفَرْجِ فَيَجِبُ سَتْرُهُ عِنْدَ غُسْلِ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ النَّظَرَ إلَى الْفَرْجِ وَغَيْرِهِ لَازِمٌ مِنْ لَوَازِمِ الْعَقْدِ فَلَا يَرْتَفِعُ بِارْتِفَاعِ جَوَازِ الِاسْتِمْتَاعِ الْمُرْتَفِعِ بِالْمَوْتِ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ حِلِّ النَّظَرِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمَوْتِ. قَوْلُهُ: (لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ الْأَمْرِ. . . إلَخْ) قِيلَ: فِيهِ أَيْضًا مُتَمَسِّكٌ لِمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ وَلَكِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ غُسْلِ الْجِنْسِ لِجِنْسِهِ مَعَ وُجُودِ الزَّوْجَةِ، وَلَا عَلَى أَنَّهَا أَوْلَى مِنْ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ صَحَابِيَّةٍ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَقَدْ تَوَلَّى غُسْلَهُ ﷺ عَلِيٌّ وَالْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ يُنَاوِلُهُ الْمَاءَ وَالْعَبَّاسُ وَاقِفٌ قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ: لَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَنَّ الَّذِينَ غَسَّلُوهُ عَلِيٌّ وَالْفَضْلُ وَاخْتُلِفَ فِي الْعَبَّاسِ وَأُسَامَةَ وَقُثَمَ وَشُقْرَانَ انْتَهَى.
وَقَدْ اسْتَوْفَى صَاحِبُ التَّلْخِيصِ الطُّرُقَ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَكَانَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ وَرَوَى الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ بِلَالَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ «أَوْصَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا يُغَسِّلَهُ أَحَدٌ غَيْرِي» وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ
стр. 1208
بَابُ تَرْكِ غَسْلِ الشَّهِيدِ وَمَا جَاءَ فِيهِ إذَا كَانَ جُنُبًا
١٣٨٢ - (عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَلِأَحْمَدَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: فِي قَتْلَى أُحُدٍ لَا تُغَسِّلُوهُمْ، فَإِنَّ كُلَّ جُرْحٍ أَوْ كُلَّ دَمٍ يَفُوحُ مِسْكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ)
ــ
[نيل الأوطار]
أَبِي بَكْرٍ " أَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يُغَسِّلَ النَّبِيَّ ﷺ بَنُو أَبِيهِ وَخَرَجَ مِنْ عِنْدَهُمْ.
[بَابُ تَرْكِ غَسْلِ الشَّهِيدِ وَمَا جَاءَ فِيهِ إذَا كَانَ جُنُبًا]
قَوْلُهُ: (يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ. . . إلَخْ) فِيهِ جَوَازُ جَمْعِ الرَّجُلَيْنِ فِي كَفَنٍ وَاحِدٍ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُهُمَا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَقِيلَ: كَانَ يَقْطَعُ الثَّوْبَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالثَّوْبِ الْقَبْرُ مَجَازًا، وَيَرُدُّهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ جَابِرٍ «فَكَفَّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ» وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بَابَ دَفْنِ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَأَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا بِلَفْظِ «كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ» وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالدَّفْنِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ مِنْ الْإِشَارَةِ إلَى مَا لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ أَوْ اُكْتُفِيَ بِالْقِيَاسِ، يَعْنِي عَلَى جَمْعِهِمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ يَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَصَاعِدًا فِي الدَّفْنِ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْحَدِيثَ الْبُخَارِيُّ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ، فَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِمَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا إلَى هَذَا، لَا إلَى مَا لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ اتِّصَالِ بَابِ دَفْنِ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ بِبَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ بِلَا فَاصِلٍ، وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِلَفْظِ: «وَكَانَ يَدْفِنُ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ» وَوَرَدَ ذِكْرُ الثَّلَاثَةِ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَرَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الْأَنْصَارَ أَنْ يَجْعَلُوا الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ» وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا جَوَازُ دَفْنِ الْمَرْأَتَيْنِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا دَفْنُ الرَّجُلِ مَعَ الْمَرْأَةِ فَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ «أَنَّهُ كَانَ يَدْفِنُ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ فِي الْقَبْرِ
стр. 1209
١٣٨٣ - (وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي بِإِسْنَادٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إنَّ صَاحِبَكُمْ لَتُغَسِّلُهُ الْمَلَائِكَةُ، يَعْنِي حَنْظَلَةَ، فَسَأَلُوا أَهْلَهُ: مَا شَأْنُهُ؟ فَسُئِلَتْ صَاحِبَتُهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ حِينَ سَمِعَ الْهَائِعَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِذَلِكَ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ» )
ــ
[نيل الأوطار]
الْوَاحِدِ، فَيُقَدِّمُ الرَّجُلَ وَيَجْعَلُ الْمَرْأَةَ وَرَاءَهُ» وَكَأَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ بَيْنَهُمَا حَاجِزًا لَا سِيَّمَا إذَا كَانَا أَجْنَبِيَّيْنِ. قَوْلُهُ: (أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَقْدِيمِ مَنْ كَانَ أَكْثَرُ قُرْآنًا، وَمِثْلُهُ سَائِرُ أَنْوَاعِ الْفَضَائِلِ قِيَاسًا. قَوْلُهُ: (وَلَمْ يُغَسَّلُوا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ لَا يُغَسَّلُ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي بَيَانِ مَاهِيَّةِ الشَّهِيدِ الَّذِي وَقَعَ الْخِلَافُ فِي غُسْلِهِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ حَكَاهُ عَنْهُمَا ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّهُ يُغَسَّلُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَقُّ مَا قَالَهُ الْأَوَّلُونَ وَالِاعْتِذَارُ عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّ التَّرْكَ إنَّمَا كَانَ لِكَثْرَةِ الْقَتْلَى وَضِيقِ الْحَالِ مَرْدُودٌ بِعِلَّةِ التَّرْكِ الْمَنْصُوصَةِ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَهِيَ رِوَايَةٌ لَا مَطْعَنَ فِيهَا وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ مِنْهَا عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالْحَاكِمِ وَأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَقَالَ: غَرِيبٌ وَغَلِطَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَقَالَ: وَحَسَّنَهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ» .
وَعَنْ جَابِرٍ حَدِيثٌ آخَرُ غَيْرُ حَدِيثِ الْبَابِ عِنْدَ أَبِي دَاوُد قَالَ: «رُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فِي صَدْرِهِ أَوْ فِي حَلْقِهِ فَمَاتَ، فَأُدْرِجَ فِي ثِيَابِهِ كَمَا هُوَ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ قَالَ: «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمْ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ» وَفِي إسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ الْوَاسِطِيُّ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ جَمَاعَةٌ وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ وَفِيهِ مَقَالٌ وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ رَجُلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَسَيَأْتِي، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الشَّهِيدِ إذَا كَانَ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا سَائِرُ مَنْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّهِيدِ كَالطَّعِينِ وَالْمَبْطُونِ وَالنُّفَسَاءِ وَنَحْوِهِمْ فَيُغَسَّلُونَ إجْمَاعًا كَمَا فِي الْبَحْرِ. قَوْلُهُ: (وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ) قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَعَلَيْهِ الْمَعْنَى قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِكَسْرِهَا وَلَا يُفْسِدُ، لَكِنَّهُ لَا يَبْقَى فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ: " لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ " أَنْ لَا يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ
١٣٨٣ - (وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي بِإِسْنَادٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إنَّ صَاحِبَكُمْ لَتُغَسِّلُهُ الْمَلَائِكَةُ، يَعْنِي حَنْظَلَةَ، فَسَأَلُوا أَهْلَهُ: مَا شَأْنُهُ؟ فَسُئِلَتْ صَاحِبَتُهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ حِينَ سَمِعَ الْهَائِعَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِذَلِكَ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ» ) الْحَدِيثُ.
قَالَ فِي الْفَتْحِ: قِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ رَوَاهَا ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَالْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَالسَّرَقُسْطِيُّ فِي غَرِيبِهِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا وَالْحَاكِمُ أَيْضًا
стр. 1210
١٣٨٤ - (وَعَنْ أَبِي سَلَامٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَغَرْنَا عَلَى حَيٍّ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَطَلَب رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ فَضَرَبَهُ فَأَخْطَأَهُ وَأَصَابَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَخُوكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَوَجَدُوهُ قَدْ مَاتَ، فَلَفَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِثِيَابِهِ وَدِمَائِهِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَفَنَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَشَهِيدٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَنَا لَهُ شَهِيدٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) .
ــ
[نيل الأوطار]
فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَفِي إسْنَادِهِ الْحَاكِمُ مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ مَتْرُوكٌ وَفِي إسْنَادِ الطَّبَرَانِيِّ حَجَّاجٌ وَهُوَ مُدَلِّسٌ وَفِي إسْنَادِ الْبَيْهَقِيّ أَبُو شَيْبَةَ الْوَاسِطِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ قَالَ الْحَافِظُ: لَا بَأْسَ بِهِ عَنْهُ قَالَ: «أُصِيبَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَحَنْظَلَةُ بْنُ الرَّاهِبِ وَهُوَ جُنُبٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُهُمَا» وَهُوَ غَرِيبٌ فِي ذِكْرِ حَمْزَةَ كَمَا قَالَ فِي الْفَتْحِ. قَوْلُهُ: (الْهَائِعَةَ) هِيَ الصَّوْتُ الشَّدِيدُ وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ مَنْ قَالَ إنَّهُ يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ إذَا كَانَ جُنُبًا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْمَنْصُورُ بِاَللَّهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْهَادِي وَالْقَاسِمُ وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ وَأَبُو طَالِبٍ: إنَّهُ لَا يُغَسَّلُ لِعُمُومِ الدَّلِيلِ وَهُوَ الْحَقُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْنَا مَا اكْتَفَى فِيهِ بِغُسْلِ الْمَلَائِكَةِ، وَفِعْلُهُمْ لَيْسَ مِنْ تَكْلِيفِنَا وَلَا أُمِرْنَا بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ.
١٣٨٤ - (وَعَنْ أَبِي سَلَامٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَغَرْنَا عَلَى حَيٍّ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَطَلَب رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ فَضَرَبَهُ فَأَخْطَأَهُ وَأَصَابَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَخُوكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَوَجَدُوهُ قَدْ مَاتَ، فَلَفَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِثِيَابِهِ وَدِمَائِهِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَفَنَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَشَهِيدٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَنَا لَهُ شَهِيدٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد)
الْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَالْمُنْذِرِيُّ، وَفِي إسْنَادِهِ سَلَامُ بْنُ أَبِي سَلَامٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَقَالَ أَبُو دَاوُد بَعْدَ إخْرَاجِهِ عَنْ سَلَامٍ الْمَذْكُورِ: إنَّمَا هُوَ عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَامٍ عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَلَامٍ انْتَهَى وَزَيْدٌ ثِقَةٌ قَوْلُهُ: (فَلَفَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِثِيَابِهِ وَدِمَائِهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يُغَسِّلْهُ وَلَا أَمَرَ بِغُسْلِهِ، فَيَكُونَ مِنْ أَدِلَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الشَّهِيدَ لَا يُغَسَّلُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ فِي الْمَعْرَكَةِ خَطَأً حُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ فِي تَرْكِ الْغُسْلِ وَأَمَّا مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ عَمْدًا فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ عِنْدَ الْعِتْرَةِ وَالْأَوْزَاعِيِّ لِفِسْقِهِ لَا لِكَوْنِهِ شَهِيدًا؛ قَوْلُهُ: (وَصَلَّى عَلَيْهِ) فِيهِ إثْبَاتُ الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (قَالَ نَعَمْ. . . إلَخْ) فِيهِ أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأً شَهِيدٌ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ قَاتَلَ أَخِي قِتَالًا شَدِيدًا، فَارْتَدَّ عَلَيْهِ سَيْفُهُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ وَشَكُّوا فِيهِ، رَجُلٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَاتَ جَاهِدًا مُجَاهِدًا وَفِي رِوَايَةٍ كَذَبُوا، مَاتَ جَاهِدًا مُجَاهِدًا أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ» هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد.
стр. 1211
بَابُ صِفَةِ الْغُسْلِ
١٣٨٥ - (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ، فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الْأَخِيرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَعْطَانَا حَقْوَهُ، فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إيَّاهُ، يَعْنِي إزَارَهُ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمْ «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» ، وَفِي لَفْظٍ «اغْسِلْنَهَا وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ» وَفِيهِ قَالَتْ: «فَضَفَرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ فَالْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا لَكِنْ لَيْسَ لِمُسْلِمٍ فِيهِ " فَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا ")
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ صِفَةِ الْغُسْلِ]
. قَوْلُهُ: (حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ) فِي رِوَايَةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا " وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ " قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ دَخَلَ حِينَ شَرَعَ النِّسْوَةُ فِي الْغُسْلِ، وَابْنَتُهُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ زَيْنَبُ زَوْجُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ كَمَا فِي مُسْلِمٍ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: إنَّهَا أُمُّ كُلْثُومٍ زَوْجُ عُثْمَانَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ، وَلَفْظُهُ: «دَخَلَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ» .
وَكَذَا وَقَعَ لِابْنِ بَشْكُوَالَ فِي الْمُبْهَمَاتِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ وَالدُّولَابِيِّ فِي الذُّرِّيَّةِ الطَّاهِرَةِ قَالَ فِي الْفَتْحِ: فَيُمْكِنُ تَرْجِيحُ أَنَّهَا أُمُّ كُلْثُومٍ بِمَجِيئِهِ مِنْ طُرُقِ مُتَعَدِّدَةٍ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ تَكُونَ أُمُّ عَطِيَّةَ حَضَرَتْهُمَا جَمِيعًا، فَقَدْ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي تَرْجَمَتِهَا بِأَنَّهَا كَانَتْ غَاسِلَةَ الْمَيِّتَاتِ انْتَهَى. قَوْلُهُ: (اغْسِلْنَهَا) قَالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ: اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ غُسْلِ الْمَيِّتِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَكِنَّ قَوْلَهُ: ثَلَاثًا. . . إلَخْ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ، فَيَتَوَقَّفُ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى تَجْوِيزِ إرَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفِينَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ.
لِأَنَّ قَوْلَهُ ثَلَاثًا غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا تَحْتَ صِيغَةِ الْأَمْرِ فَيُرَادُ بِلَفْظِ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَصْلِ الْغُسْلِ وَالنَّدْبِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِيتَارِ انْتَهَى. فَمَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ جَوَّزَ الِاسْتِدْلَالَ، بِهَذَا الْأَمْرِ عَلَى الْوُجُوبِ، وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ حَمَلَ الْأَمْرَ عَلَى النَّدْبِ لِهَذِهِ الْقَرِينَةِ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى الْوُجُوبِ بِدَلِيلٍ آخَرَ. وَقَدْ ذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَالْمُزَنِيِّ إلَى إيجَابِ الثَّلَاثِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَهُوَ يَرُدُّ مَا حَكَاهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ مَرَّةً فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (مِنْ ذَلِكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ؛ لِأَنَّهُ خِطَابٌ لِلْمُؤَنَّثِ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ بَعْدَ قَوْلِهِ: " سَبْعًا " التَّعْبِيرُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَأَمَّا سِوَاهُ فَإِمَّا أَوْ سَبْعًا، وَإِمَّا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى. وَهُوَ ذُهُولٌ مِنْهُ عَمَّا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ: يُجْعَلُ الْكَافُورُ فَإِنَّهُ رَوَى حَدِيثَ أُمِّ عَطِيَّةَ هُنَالِكَ بِلَفْظِ «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
стр. 1212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
بِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ التَّعْبِيرِ بِسَبْعٍ وَأَكْثَرَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِمُجَاوَزَةِ السَّبْعِ، وَصَرَّحَ بِأَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ أَحْمَدُ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
قَوْلُهُ: (إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى التَّفْوِيضِ إلَى اجْتِهَادِ الْغَاسِلِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ لَا التَّشَهِّي كَمَا قَالَ فِي الْفَتْحِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إنَّمَا فَوَّضَ الرَّأْيَ إلَيْهِنَّ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ الْإِيتَارُ. قَوْلُهُ: (بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: ظَاهِرُهُ أَنَّ السِّدْرَ يُخْلَطُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنْ مَرَّاتِ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " بِمَاءٍ وَسِدْرٍ " يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ " اغْسِلْنَهَا ". قَالَ: وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ لِلتَّنْظِيفِ - لَا لِلتَّطْهِيرِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُضَافَ لَا يُتَطَهَّرُ بِهِ وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِمَنْعِ لُزُومِ مَصِيرِ الْمَاءِ مُضَافًا بِذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يُغَيِّرَ السِّدْرُ وَصْفَ الْمَاءِ بِأَنْ يُمْعَكَ بِالسِّدْرِ ثُمَّ يُغْسَلَ بِالْمَاءِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فَإِنَّ لَفْظَ الْخَبَرِ لَا يَأْبَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَاجْعَلْنَ فِي الْأَخِيرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ) هُوَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي قَالَ فِي الْفَتْحِ: الْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ فَيَصْدُقُ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ.
وَقَدْ جَزَمَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُجْعَلُ الْكَافُورُ فِي الْمَاءِ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَقَالَ النَّخَعِيّ وَالْكُوفِيُّونَ: إنَّمَا يُجْعَلُ الْكَافُورُ فِي الْحَنُوطِ، وَالْحِكْمَةُ فِي الْكَافُورِ، كَوْنُهُ طَيِّبَ الرَّائِحَةِ وَذَلِكَ وَقْتٌ تَحْضُرُ فِيهِ الْمَلَائِكَةُ، وَفِيهِ أَيْضًا تَبْرِيدٌ وَقُوَّةُ نُفُوذٍ، وَخَاصَّةً فِي تَصَلُّبِ بَدَنِ الْمَيِّتِ وَطَرْدِ الْهَوَامِّ عَنْهُ وَرَدْعِ مَا يَتَحَلَّلُ مِنْ الْفَضَلَاتِ، وَمَنْعِ إسْرَاعِ الْفَسَادِ إلَيْهِ، وَإِذَا عُدِمَ قَامَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ مِمَّا فِيهِ هَذِهِ الْخَوَاصُّ أَوْ بَعْضُهَا. قَوْلُهُ: (فَآذِنَّنِي) أَيْ أَعْلِمْنَنِي.
قَوْلُهُ: (فَأَعْطَانَا حَقْوَهُ) قَالَ: فِي الْفَتْحِ: بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، وَهِيَ لُغَةُ هُذَيْلٍ بَعْدَهَا قَافٌ سَاكِنَةٌ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْإِزَارُ كَمَا وَقَعَ مُفَسَّرًا فِي آخِرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَالْحَقْوُ فِي الْأَصْلِ: مَعْقِدُ الْإِزَارِ، وَأُطْلِقَ عَلَى الْإِزَارِ مَجَازًا وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ " فَنَزَعَ عَنْ حَقْوِهِ إزَارَهُ " وَالْحَقْوُ عَلَى هَذَا حَقِيقَةٌ قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَشْعِرْنَهَا إيَّاهُ) أَيْ أَلْفِفْنَهَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الشِّعَارَ مَا يَلِي الْجَسَدَ مِنْ الثِّيَابِ، وَالْمُرَادُ اجْعَلْنَهُ شِعَارًا لَهَا قَالَ فِي الْفَتْحِ: قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي تَأْخِيرِ الْإِزَارِ مَعَهُ إلَى أَنْ يَفْرُغْنَ مِنْ الْغُسْلِ وَلَمْ يُنَاوِلْهُنَّ إيَّاهُ أَوَّلًا لِيَكُونَ قَرِيبَ الْعَهْدِ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَ انْتِقَالِهِ مِنْ جَسَدِهِ إلَى جَسَدِهَا فَاصِلٌ، وَهُوَ أَصْلٌ فِي التَّبَرُّكِ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ وَفِيهِ جَوَازُ تَكْفِينِ الْمَرْأَةِ فِي ثَوْبِ الرَّجُلِ وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» لَيْسَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ تَنَافٍ لِإِمْكَانِ الْبُدَاءَةِ بِمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ وَبِالْمَيَامِنِ مَعًا قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: قَوْلُهُ " ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا " أَيْ فِي الْغَسَلَاتِ الَّتِي لَا وُضُوءَ فِيهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا: أَيْ فِي الْغَسْلَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْوُضُوءِ وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُلْ بِاسْتِحْبَابِ الْبُدَاءَةِ بِالْمَيَامِنِ، وَهُمْ الْحَنَفِيَّةُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي غَسْلِ الْمَيِّتِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (اغْسِلْنَهَا وِتْرًا ثَلَاثًا. . . إلَخْ) اُسْتُدِلَّ بِهِ
стр. 1213
١٣٨٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «لَمَّا أَرَادُوا غَسْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالُوا: وَاَللَّهِ مَا نَدْرِي كَيْفَ نَصْنَعُ، أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا، أَمْ نُغَسِّلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ؛ قَالَتْ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ السِّنَةَ، حَتَّى وَاَللَّهِ مَا مِنْ الْقَوْمِ مِنْ رَجُلٍ إلَّا ذَقَنُهُ فِي صَدْرِهِ نَائِمًا، قَالَتْ: ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ فَقَالَ: اغْسِلُوا النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، قَالَتْ: فَثَارُوا إلَيْهِ فَغَسَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي قَمِيصِهِ يُفَاضُ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَالسِّدْرُ وَيَدْلُكُ الرِّجَالُ بِالْقَمِيصِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) .
ــ
[نيل الأوطار]
عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْوِتْرِ ثَلَاثٌ قَالَ الْحَافِظُ: وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ سِيقَ مَسَاقَ الْبَيَانِ لِلْمُرَادِ، إذْ لَوْ أُطْلِقَ لَتَنَاوَلَ الْوَاحِدَةَ فَمَا فَوْقَهَا. قَوْلُهُ: (فَضَفَرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ) هُوَ بِضَادٍ وَفَاءٍ خَفِيفَةٍ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ ضَفْرِ شَعْرِ الْمَرْأَةِ وَجَعْلِهِ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ وَهِيَ نَاصِيَتُهَا وَقَرْنَاهَا: أَيْ جَانِبَا رَأْسِهَا كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا، وَوَصَلَ ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَتَسْمِيَةُ النَّاصِيَةِ قَرْنًا تَغْلِيبٌ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَنَفِيَّةُ: إنَّهُ يُرْسِلُ شَعْرَ الْمَرْأَةِ خَلْفَهَا وَعَلَى وَجْهِهَا مُفَرَّقًا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَكَأَنَّ سَبَبَ الْخِلَافِ أَنَّ الَّذِي فَعَلَتْهُ أُمُّ عَطِيَّةَ هَلْ اسْتَنَدَتْ فِيهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيَكُونَ مَرْفُوعًا، أَوْ هُوَ شَيْءٌ رَأَتْهُ فَفَعَلَتْهُ اسْتِحْبَابًا؟ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مُحْتَمَلٌ، لَكِنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا يُفْعَلَ فِي الْمَيِّتِ شَيْءٌ مِنْ جِنْسِ الْقُرَبِ إلَّا بِإِذْنِ الشَّرْعِ وَلَمْ يَرِدْ ذَلِكَ مَرْفُوعًا كَذَا قَالَ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الظَّاهِرُ عَدَمُ اطِّلَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَقْرِيرِهِ لَهُ، وَتَعَقَّبَ ذَلِكَ الْحَافِظُ بِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ رَوَى عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اغْسِلْنَهَا وِتْرًا وَاجْعَلْنَ شَعْرَهَا ضَفَائِرَ» وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «وَاجْعَلْنَ لَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ» .
قَوْلُهُ: (فَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا) فِيهِ اسْتِحْبَابُ جَعْلِ ضَفَائِرِ الْمَرْأَةِ خَلْفَهَا وَقَدْ زَعَمَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَهُوَ مِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ مَعَ كَوْنِ الزِّيَادَةِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ تُوبِعَ رُوَاتُهَا عَلَيْهَا، وَقَدْ اسْتَوْفَى تِلْكَ الْمُتَابَعَاتِ، وَذُكِرَ لِلْحَدِيثِ فَوَائِدُ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ
١٣٨٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «لَمَّا أَرَادُوا غَسْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالُوا: وَاَللَّهِ مَا نَدْرِي كَيْفَ نَصْنَعُ، أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا، أَمْ نُغَسِّلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ؛ قَالَتْ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ السِّنَةَ، حَتَّى وَاَللَّهِ مَا مِنْ الْقَوْمِ مِنْ رَجُلٍ إلَّا ذَقَنُهُ فِي صَدْرِهِ نَائِمًا، قَالَتْ: ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ فَقَالَ: اغْسِلُوا النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، قَالَتْ: فَثَارُوا إلَيْهِ فَغَسَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي قَمِيصِهِ يُفَاضُ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَالسِّدْرُ وَيَدْلُكُ الرِّجَالُ بِالْقَمِيصِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَفِي رِوَايَةٍ لَابْنِ حِبَّانَ " فَكَانَ الَّذِي أَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ " وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: «غَسَّلَ النَّبِيَّ ﷺ عَلِيٌّ وَعَلَى يَدِهِ خِرْقَةٌ، فَغَسَّلَهُ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَ الْقَمِيصِ فَغَسَّلَهُ وَالْقَمِيصُ عَلَيْهِ» وَفِي الْبَابِ عَنْ بُرَيْدَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَالْحَاكِمِ وَالْبَيْهَقِيِّ قَالَ: «لَمَّا أَخَذُوا فِي غَسْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَادَاهُمْ مُنَادٍ مِنْ الدَّاخِلِ: لَا تَنْزِعُوا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَمِيصَهُ» وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ
стр. 1214
أَبْوَابُ الْكَفَنِ وَتَوَابِعِهِ بَابُ التَّكْفِينِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ
١٣٨٧ - (عَنْ خَبَّابُ بْنِ الْأَرَتِّ «أَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَلَمْ يَتْرُكْ إلَّا نَمِرَةً، فَكُنَّا إذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ بِهَا رَأْسَهُ وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنْ الْإِذْخِرِ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ)
١٣٨٨ - (وَعَنْ خَبَّابُ أَيْضًا «أَنَّ حَمْزَةَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ كَفَنٌ إلَّا بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ إذَا جُعِلَتْ عَلَى قَدَمَيْهِ قَلَصَتْ عَنْ رَأْسِهِ حَتَّى مُدَّتْ عَلَى رَأْسِهِ وَجُعِلَ عَلَى قَدَمَيْهِ الْإِذْخِرُ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
ــ
[نيل الأوطار]
أَحْمَدَ أَنَّ عَلِيًّا أَسْنَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلَى صَدْرِهِ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ، وَفِي إسْنَادِهِ حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبَيْهَقِيِّ وَالشَّافِعِيِّ قَالَ: «غُسِّلَ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثًا بِسِدْرٍ، وَغُسِّلَ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ، وَغُسِّلَ مِنْ بِئْرٍ يُقَالُ لَهَا: الْغَرْسُ بِقُبَاءَ كَانَتْ لِسَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ وَكَانَ يَشْرَبُ مِنْهَا، وَوَلِيَ سِفْلَتَهُ عَلِيٌّ وَالْفَضْلُ مُحْتَضِنُهُ وَالْعَبَّاسُ يَصُبُّ الْمَاءَ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَقُولُ: أَرِحْنِي قَطَعْتَ وَتِينِي إنِّي لَأَجِدُ شَيْئًا يَتَرَطَّلُ عَلَيَّ» قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ مُرْسَلٌ جَيِّدٌ.
قَوْلُهُ: (السِّنَةُ) بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَهَا نُونٌ وَهِيَ مَا يَتَقَدَّمُ النَّوْمَ مِنْ الْفُتُورِ الَّذِي يُسَمَّى النُّعَاسُ، قَالَ عَدِيُّ بْنُ الرِّقَاعِ الْعَامِلِيُّ:
وَسْنَانٌ أَقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ ... فِي عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ.
[أَبْوَابُ الْكَفَنِ وَتَوَابِعِهِ]
[بَابُ التَّكْفِينِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ]
الْحَدِيثُ الثَّانِي أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ قَوْلُهُ: (أَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ قُتِلَ) فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ قَالَ: " قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَكَانَ خَيْرًا مِنِّي فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إلَّا بُرْدَةٌ، وَقُتِلَ حَمْزَةُ أَوْ رَجُلٌ آخَرُ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إلَّا بُرْدَةٌ ". قَالَ فِي الْفَتْحِ: قَوْلُهُ: " أَوْ رَجُلٌ آخَرُ " لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَلَمْ يَقَعْ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ إلَّا بِلَفْظِ حَمْزَةَ وَمُصْعَبٍ فَقَطْ قَوْلُهُ: (إلَّا نَمِرَةٌ) هِيَ شَمْلَةٌ فِيهَا خُطُوطٌ بِيضٌ وَسُودٌ أَوْ
стр. 1215
بَابُ اسْتِحْبَابِ إحْسَانِ الْكَفَنِ مِنْ غَيْرِ مُغَالَاةٍ
١٣٨٩ - (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا وَلِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ)
١٣٩٠ - (وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يَوْمًا فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ
ــ
[نيل الأوطار]
بُرْدَةٌ مِنْ صُوفٍ يَلْبَسُهَا الْأَعْرَابُ كَذَا فِي الْقَامُوسِ: قَوْلُهُ: (فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ بِهَا رَأْسَهُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا ضَاقَ الْكَفَنُ عَنْ سِتْرِ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ جُعِلَ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ وَجُعِلَ النَّقْصُ مِمَّا يَلِي الرِّجْلَيْنِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: فَإِنْ ضَاقَ عَنْ ذَلِكَ سُتِرَتْ الْعَوْرَةُ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ جُعِلَ فَوْقَهَا، وَإِنْ ضَاقَ عَنْ الْعَوْرَةِ سُتِرَتْ السَّوْأَتَانِ؛ لِأَنَّهُمَا أَهَمُّ وَهُمَا الْأَصْلُ فِي الْعَوْرَةِ قَالَ: وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْكَفَنِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَقَطْ، وَلَا يَجِبُ اسْتِيعَابُ الْبَدَنِ عِنْدَ التَّمَكُّنِ فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَكُونُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ لِقَوْلِهِ: لَمْ يُوجَدْ لَهُ غَيْرُهَا، فَجَوَابُهُ أَنَّ مَعْنَاهُ لَمْ يُوجَدْ مِمَّا يَمْلِكُهُ الْمَيِّتُ إلَّا نَمِرَةٌ، وَلَوْ كَانَ سَتْرُ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَاجِبًا لَوَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْحَاضِرِينَ تَتْمِيمُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَرِيبٌ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، فَإِنْ كَانَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ: كَانُوا عَاجِزِينَ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَضِيَّةَ جَرَتْ يَوْمَ أُحُدٍ وَقَدْ كَثُرَتْ الْقَتْلَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَاشْتَغَلُوا بِهِمْ وَبِالْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ عَنْ ذَلِكَ. وَجَوَابُهُ أَنَّهُ يَبْعُدُ مِنْ حَالِ الْحَاضِرِينَ الْمُتَوَلِّينَ دَفْنَهُ أَنْ لَا يَكُونَ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قِطْعَةٌ مِنْ ثَوْبٍ وَنَحْوِهَا انْتَهَى.
وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثَيْنِ عَلَى أَنَّ الْكَفَنَ يَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالتَّكْفِينِ فِي النَّمِرَةِ وَلَا مَالَ غَيْرَهَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ بِذَلِكَ جَمِيعُ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَّا رِوَايَةً شَاذَّةً عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو وَقَالَ: الْكَفَنُ مِنْ الثُّلُثِ وَعَنْ طَاوُسٍ قَالَ: مِنْ الثُّلُثِ إنْ كَانَ قَلِيلًا وَحَكَى فِي الْبَحْرِ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَطَاوُسٍ أَنَّهُ مِنْ الثُّلُثِ إنْ كَانَ مُعْسِرًا قَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ " أَنَّ الْكَفَنَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ " وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَحَكَى عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ مُنْكَرٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُمَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ.
قَوْلُهُ: (وَتَجْعَلُ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنْ الْإِذْخِرِ) فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إذَا لَمْ يُوجَدْ سَاتِرٌ أَلْبَتَّةَ لِبَعْضِ الْبَدَنِ أَوْ لِكُلِّهِ أَنْ يُغَطَّى بِالْإِذْخِرِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَمَا تَيَسَّرَ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ وَقَدْ كَانَ الْإِذْخِرُ مُسْتَعْمَلًا لِذَلِكَ عِنْدَ الْعَرَبِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْعَبَّاسِ: إلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِبُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا.
стр. 1216
فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ، وَقُبِرَ لَيْلًا، فَزَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ لَيْلًا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ إنْسَانٌ إلَى ذَلِكَ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد)
١٣٩١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ نَظَرَ إلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ، فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا، وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ فَكَفِّنُونِي فِيهَا، قُلْتُ: إنَّ هَذَا خَلَقٌ؟ قَالَ: إنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنْ الْمَيِّتِ إنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ مُخْتَصَرٌ مِنْ الْبُخَارِيِّ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ اسْتِحْبَابِ إحْسَانِ الْكَفَن مِنْ غَيْرِ مُغَالَاةٍ]
حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَرِجَالُ إسْنَادِهِ ثِقَاتٌ وَفِي الْبَابِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ الدَّيْلَمِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَحْسِنُوا الْكَفَنَ، وَلَا تُؤْذُوا مَوْتَاكُمْ بِعَوِيلٍ وَلَا بِتَزْكِيَةٍ وَلَا بِتَأْخِيرِ وَصِيَّةٍ وَلَا بِقَطِيعَةٍ، وَعَجِّلُوا بِقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَاعْدِلُوا عَنْ جِيرَانِ السَّوْءِ وَإِذَا حَفَرْتُمْ فَأَعْمِقُوا وَوَسِّعُوا» وَعَنْ جَابِرٍ غَيْرُ حَدِيثِ الْبَابِ عِنْدَ الدَّيْلَمِيِّ أَيْضًا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَحْسِنُوا كَفَنَ مَوْتَاكُمْ فَإِنَّهُمْ يَتَبَاهُونَ وَيَتَزَاوَرُونَ بِهَا فِي قُبُورِهِمْ» .
قَوْلُهُ: (فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ) ضُبِطَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَإِسْكَانِهَا قَالَ النَّوَوِيُّ: وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، وَالْمُرَادُ بِإِحْسَانِ الْكَفَنِ: نَظَافَتُهُ وَنَقَاؤُهُ وَكَثَافَتُهُ وَسِتْرُهُ وَتَوَسُّطُهُ، وَكَوْنُهُ مِنْ جِنْسِ لِبَاسِهِ فِي الْحَيَاةِ لَا أَفْخَرَ مِنْهُ وَلَا أَحْقَرَ قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِإِحْسَانِهِ السَّرَفُ فِيهِ وَالْمُغَالَاةُ وَنَفَاسَتُهُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (غَيْرُ طَائِلٍ) أَيْ حَقِيرٍ غَيْرِ كَامِلٍ. قَوْلُهُ: (حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ) هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ الْقَبْرِ لَيْلًا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الدَّفْنَ نَهَارًا يَحْضُرُهُ كَثِيرُونَ مِنْ النَّاسِ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْضُرُهُ فِي اللَّيْلِ إلَّا أَفْرَادٌ وَقِيلَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِاللَّيْلِ لِرَدَاءَةِ الْكَفَنِ فَلَا يَبِينُ فِي اللَّيْلِ وَيُؤَيِّدُهُ أَوَّلُ الْحَدِيثِ وَآخِرُهُ قَالَ الْقَاضِي: الْعِلَّتَانِ صَحِيحَتَانِ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَصَدَهُمَا مَعًا قَالَ: وَقَدْ قِيلَ غَيْرُ هَذَا. قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ الْإِنْسَانُ إلَى ذَلِكَ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ، فَكَرِهَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَقَالَ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: لَا يُكْرَهُ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَجَمَاعَةً مِنْ السَّلَفِ دُفِنُوا لَيْلًا مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ وَبِحَدِيثِ «الْمَرْأَةِ السَّوْدَاءِ أَوْ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ، فَتُوُفِّيَ بِاللَّيْلِ فَدَفَنُوهُ لَيْلًا، وَسَأَلَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ فَقَالُوا: تُوُفِّيَ فَدَفَنَّاهُ فِي اللَّيْلِ، فَقَالَ: أَلَا آذَنْتُمُونِي؟ قَالُوا: كَانَتْ ظُلْمَةٌ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الدَّفْنِ لَيْلًا وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّ النَّهْيَ كَانَ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ لَا لِمُجَرَّدِ الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ أَوْ عَنْ إسَاءَةِ الْكَفَنِ أَوْ عَنْ الْمَجْمُوعِ، وَتَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي بَابِ الدَّفْنِ لَيْلًا
١٣٩١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ نَظَرَ إلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ، فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا، وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ فَكَفِّنُونِي فِيهَا، قُلْتُ: إنَّ هَذَا
стр. 1217
بَابُ صِفَةُ الْكَفَنِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ
١٣٩٢ - (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ: قَمِيصِهِ الَّذِي
ــ
[نيل الأوطار]
خَلَقٌ؟ قَالَ: إنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنْ الْمَيِّتِ إنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ مُخْتَصَرٌ مِنْ الْبُخَارِيِّ) قَوْلُهُ: (بِهِ رَدْعٌ) بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ: أَيْ لَطْخٌ لَمْ يَعُمَّهُ كُلَّهُ.
قَوْلُهُ: (وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ) فِي رِوَايَةٍ " جَدِيدَيْنِ ". قَوْلُهُ: (فَكَفِّنُونِي فِيهَا) رِوَايَةَ أَبِي ذَرٍّ فِيهِمَا " وَفَسَّرَ الْحَافِظُ ضَمِيرَ الْمُثَنَّى بِالْمَزِيدِ وَالْمَزِيدِ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ " فِيهَا " كَمَا وَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ. قَوْلُهُ: (خَلَقٌ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ: أَيْ غَيْرُ جَدِيدٍ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ سَعْدٍ " أَلَا تَجْعَلُهَا جُدُدًا كُلَّهَا؟ قَالَ: لَا " وَظَاهِرُهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَرَى عَدَمَ الْمُغَالَاةِ فِي الْأَكْفَانِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ " إنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ ".
وَرَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵇ مَرْفُوعًا «لَا تُغَالُوا فِي الْكَفَنِ فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَرِيعًا» وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي الْأَمْرِ بِتَحْسِينِ الْكَفَنِ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ التَّحْسِينِ عَلَى الصِّفَةِ وَحَمْلِ الْمُغَالَاةِ عَلَى الثَّمَنِ وَقِيلَ: التَّحْسِينُ حَقٌّ لِلْمَيِّتِ، فَإِذَا أَوْصَى بِتَرْكِهِ اُتُّبِعَ كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اخْتَارَ ذَلِكَ الثَّوْبَ بِعَيْنِهِ لِمَعْنًى فِيهِ مِنْ التَّبَرُّكِ لِكَوْنِهِ صَارَ إلَيْهِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ لِكَوْنِهِ قَدْ كَانَ جَاهَدَ فِيهِ أَوْ تَعَبَّدَ فِيهِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: " كَفِّنُونِي فِي ثَوْبَيَّ اللَّذَيْنِ كُنْتُ أُصَلِّي فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (إنَّمَا هُوَ أَيْ: الْكَفَنُ لِلْمُهْلَةِ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: رُوِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِهَا، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْخَلِيلُ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هُوَ بِالْكَسْرِ: الصَّدِيدُ، وَبِالْفَتْحِ: التَّمَهُّلُ وَبِالضَّمِّ: عَكِرُ الزَّيْتِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الصَّدِيدُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " وَإِنَّمَا هُوَ أَيْ الْجَدِيدُ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْمُهْلَةُ عَلَى هَذَا التَّمَهُّلِ: أَيْ الْجَدِيدِ لِمَنْ يُرِيدُ الْبَقَاءَ قَالَ الْحَافِظُ: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَفِي هَذَا الْأَثَرِ اسْتِحْبَابُ التَّكْفِينِ فِي ثَلَاثَةِ أَكْفَانٍ، وَجَوَازُ التَّكْفِينِ فِي الثِّيَابِ الْمَغْسُولَةِ وَإِيثَارِ الْحَيِّ بِالْجَدِيدِ.
وَيَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ أَنْ يَكُونَ الْكَفَنُ جَدِيدًا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَعَا بِثِيَابٍ جُدُدٍ فَلَبِسَهَا ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ الْمَيِّتَ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا» وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ بِدُونِ الْقِصَّةِ، وَقَالَ: أَرَادَ بِذَلِكَ أَعْمَالَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] يُرِيدُ وَعَمَلَكَ فَأَصْلِحْهُ. قَالَ: وَالْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ صَرِيحَةٌ أَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً وَحَكَى الْخَطَّابِيِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ ثُمَّ يُحْشَرُ عُرْيَانًا.
стр. 1218
مَاتَ فِيهِ، وَحُلَّةٍ نَجْرَانِيَّةٍ، الْحُلَّةُ ثَوْبَانِ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد)
١٣٩٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ جُدُدٍ يَمَانِيَةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ أُدْرِجَ فِيهَا إدْرَاجًا» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. وَلَهُمْ إلَّا أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيَّ وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ: وَأَمَّا الْحُلَّةُ فَإِنَّمَا شُبِّهَ عَلَى النَّاسِ فِيهَا إنَّمَا اُشْتُرِيَتْ لِيُكَفَّنَ فِيهَا فَتُرِكَتْ الْحُلَّةُ وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ. وَلِمُسْلِمٍ: قَالَتْ: «أُدْرِجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حُلَّةٍ يَمَنِيَّةٍ كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ نُزِعَتْ عَنْهُ وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ يَمَانِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا عِمَامَةٌ وَلَا قَمِيصٌ» .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ صِفَةِ الْكَفَنِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ]
حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي إسْنَادِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَقَدْ تَغَيَّرَ، وَهَذَا مِنْ أَضْعَفِ حَدِيثِهِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِ يَزِيدَ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ بَيَّنَ مُسْلِمٌ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُكَفَّنْ فِي الْحُلَّةِ، وَإِنَّمَا شُبِّهَ عَلَى النَّاسِ كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ وَابْنِ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ «أَنَّهُ كُفِّنَ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ: قَمِيصٍ، وَإِزَارٍ، وَلِفَافَةٍ» وَفِي إسْنَادِهِ نَاصِحٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ غَيْرُ حَدِيثِ الْبَابِ عِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ قَالَ: «كُفِّنَ ﷺ فِي قَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ» وَفِي إسْنَادِهِ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ وَهُوَ ضَعِيفٌ. قَالَ الْحَافِظُ: وَكَأَنَّهُ اُشْتُبِهَ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ «جُعِلَ فِي قَبْرِهِ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ» فَإِنَّهُ يُرْوَى بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ بِعَيْنِهِ وَعَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدَ وَالْبَزَّارِ قَالَ: «كُفِّنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَبْعَةِ أَثْوَابٍ» وَفِي إسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ وَهُوَ سَيِّئُ الْحِفْظِ لَا يَصْلُحُ الِاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِهِ إذَا خَالَفَ الثِّقَاتِ كَمَا هُنَا، وَقَدْ خَالَفَ هَهُنَا رِوَايَةَ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ رَوَى عَنْ جَابِرٍ «أَنَّهُ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَوْبٍ نَمِرَةٍ» .
قَالَ الْحَافِظُ: وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَا يُعَضِّدُ رِوَايَةَ ابْنِ عَقِيلٍ عَنْ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيٍّ بِمَعْنَى أَنَّهُ ﷺ كُفِّنَ فِي سَبْعَةٍ. وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد «أَنَّهُ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَوْبَيْنِ وَبُرْدٍ حَبِرَةٍ» وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ فَذُكِرَ لِعَائِشَةَ قَوْلُهُمْ: " فِي ثَوْبَيْنِ وَبُرْدٍ حَبِرَةٍ، فَقَالَتْ: قَدْ أُتِيَ بِالْبُرْدِ وَلَكِنَّهُمْ رَدُّوهُ " وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: " إنَّهُمْ نَزَعُوهَا عَنْهُ " وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لُفَّ فِي بُرْدٍ حَبِرَةٍ جُفِّفَ فِيهِ ثُمَّ نُزِعَ عَنْهُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: تَكْفِينُهُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي كَفَنِهِ.
قَوْلُهُ: (قَمِيصُهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ) دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ: بِاسْتِحْبَابِ الْقَمِيصِ فِي الْكَفَنِ وَهُمْ الْحَنَفِيَّةُ وَمَالِكٌ، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ
стр. 1219
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
إلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ عَائِشَةَ: " لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ ". وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّهُ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ كَمَا تَقَدَّمَ
وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِالِاسْتِحْبَابِ أَنَّ قَوْلَ عَائِشَةَ: " لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ " يَحْتَمِلُ نَفْيَ وَجُودِهِمَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ نَفْيَ الْمَعْدُودِ: أَيْ الثَّلَاثَةِ خَارِجَةٌ عَنْ الْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ وَهُمَا زَائِدَانِ وَأَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ جَدِيدٌ، أَوْ لَيْسَ فِيهَا الْقَمِيصُ الَّذِي غُسِّلَ فِيهِ أَوْ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ مَكْفُوفُ الْأَطْرَافِ. وَيُجَابُ بِأَنَّ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ هُوَ الظَّاهِرُ، وَمَا عَدَاهُ مُتَعَسِّفٌ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ
قَوْلُهُ: (جُدُدٍ) هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ لَفْظُ: " جُدُدٍ " وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لَهُمَا بَدَلَ " جُدُدٍ " " مِنْ كُرْسُفٍ " وَهُوَ الْقُطْنُ
قَوْلُهُ: (بِيضٍ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّكْفِينِ فِي الْأَبْيَضِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (سُحُولِيَّةٍ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَيُرْوَى بِفَتْحِ أَوَّلِهِ: نِسْبَةً إلَى سُحُولَ قَرْيَةٍ بِالْيَمَنِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْفَتْحُ أَشْهُرُ وَهُوَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَغَيْرُهُ: هِيَ ثِيَابٌ بِيضٌ نَقِيَّةٌ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ الْقُطْنِ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ثِيَابٌ بِيضٌ وَلَمْ يَخُصَّهَا بِالْقُطْنِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ " سُحُولُ " بِدُونِ نِسْبَةٍ، وَهُوَ جَمْعُ سَحُلٍ، وَالسَّحْلُ: الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ النَّقِيُّ وَلَا يَكُونُ إلَّا مِنْ قُطْنٍ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: بِالْفَتْحِ: الْمَدِينَةُ، وَبِالضَّمِّ: الثِّيَابُ. وَقِيلَ: النِّسْبَةُ إلَى الْقَرْيَةِ بِالضَّمِّ، وَأَمَّا بِالْفَتْحِ فَنِسْبَةٌ إلَى الْقِصَارِ لِأَنَّهُ يَسْحَلُ الثِّيَابَ: أَيْ يُنَقِّيهَا كَذَا فِي الْفَتْحِ
قَوْلُهُ: (يَمَانِيَةٍ) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ عَلَى اللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ وَالْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا لُغَةً فِي تَشْدِيدِهَا. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْأَلِفَ بَدَلٌ مِنْ يَاءِ النِّسْبَةِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ، فَيُقَالُ: يَمَنِيَّةٌ بِالتَّشْدِيدِ أَوْ يَمَانِيَةٌ بِالتَّخْفِيفِ وَكِلَاهُمَا نِسْبَةٌ إلَى الْيَمَنِ. قَوْلُهُ: (فَإِنَّمَا شُبِّهَ عَلَى النَّاسِ) بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُشَدَّدَةِ، وَمَعْنَاهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي أَفْضَلِ الْكَفَنِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ ثَوْبٍ وَاحِدٍ يَسْتُرُ جَمِيعَ الْبَدَنِ. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ أَفْضَلَهَا ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ بِيضٍ
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَتَقْرِيرُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَخْتَارَ لِنَبِيِّهِ إلَّا الْأَفْضَلَ. وَعَنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِهَا ثَوْبٌ حِبَرَةٌ. وَتَمَسَّكُوا بِحَدِيثِ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمِ، وَإِسْنَادُهُ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ: حَسَنٌ، وَلَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، عَلَى أَنَّا قَدْ قَدَّمْنَا عَنْ عَائِشَةَ " أَنَّهُمْ نَزَعُوا عَنْهُ ثَوْبَ الْحِبَرَةِ " وَبِذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ. وَقَالَ الْهَادِي: إنَّ الْمَشْرُوعَ إلَى سَبْعَةِ ثِيَابٍ
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَلِيٍّ الْمُتَقَدِّمِ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَنْتَهِضُ لِمُعَارَضَةِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِمَا. وَقَدْ قَالَ الْحَاكِمُ: إنَّهَا تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ وَعَائِشَةَ فِي «تَكْفِينِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ» ، وَلَكِنَّهُ
стр. 1220
١٣٩٤ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ)
ــ
[نيل الأوطار]
لَا يَخْفَى أَنَّ إثْبَاتَ ثَلَاثَةِ ثِيَابٍ لَا يَنْفِي الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ نَاقِلَ الزِّيَادَةِ أَوْلَى بِالْقَبُولِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَعَرَّضَ رُوَاةُ الثَّلَاثَةِ لِنَفْيِ مَا زَادَ عَلَيْهَا لَكَانَ الْمُثْبِتُ أَوْلَى مِنْ النَّافِي، نَعَمْ حَدِيثُ عَلِيٍّ فِيهِ الْمَقَالُ الْمُتَقَدِّمُ، فَإِنْ صَلُحَ الِاحْتِجَاجُ مَعَهُ فَالْمَصِيرُ إلَى الْجَمْعِ بِمَا ذَكَرْنَا مُتَعَيَّنٌ، وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ فَلَا فَائِدَةَ فِي الِاشْتِغَالِ بِهِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ اقْتَصَرَ عَلَى رِوَايَةِ الثَّلَاثَةِ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَيَبْعُدُ أَنْ يَخْفَى عَلَى جَمِيعِهِمْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى: إنَّ السَّبْعَةَ غَيْرُ مُسْتَحَبَّةٍ إجْمَاعًا.
الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، ابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ، وَاخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي اللِّبَاسِ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ. وَعَنْ أَنَسٍ عِنْدَ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ وَالْبَزَّارِ فِي مُسْنَدِهِ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ. وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ يَرْفَعُهُ «أَحْسَنُ مَا زُرْتُمْ اللَّهَ بِهِ فِي قُبُورِكُمْ وَمَسَاجِدِكُمْ الْبَيَاضُ» وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ لُبْسِ الْبَيَاضِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ اللِّبَاسِ وَعَلَى مَشْرُوعِيَّةِ تَكْفِينِ الْمَوْتَى فِي الثِّيَابِ الْبِيضِ، وَهُوَ إجْمَاعٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا عَنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُمْ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَكْفَانِ ثَوْبٌ حِبَرَةٌ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا سَلَفَ
وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ بِلَفْظِ: «إذَا تُوُفِّيَ أَحَدُكُمْ فَوَجَدَ شَيْئًا فَلْيُكَفَّنْ فِي ثَوْبٍ حِبَرَةٍ» وَالْأَمْرُ بِاللُّبْسِ وَالتَّكْفِينِ فِي الثِّيَابِ الْبِيضِ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ لِمَا قَدَّمْنَا فِي أَبْوَابِ اللِّبَاسِ.
١٣٩٥ - (وَعَنْ لَيْلَى بِنْتِ قَانِفٍ الثَّقَفِيَّةِ قَالَتْ: «كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ وَفَاتِهَا، وَكَانَ أَوَّلَ مَا أَعْطَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحِقَا، ثُمَّ الدَّرْعُ، ثُمَّ الْخِمَارُ ثُمَّ الْمِلْحَفَةُ ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الثَّوْبِ الْآخِرِ. قَالَتْ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الْبَابِ مَعَهُ كَفَنُهَا، يُنَاوِلُنَا ثَوْبًا ثَوْبًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ الْحَسَنُ: الْخِرْقَةُ الْخَامِسَةُ يُشَدُّ بِهَا الْفَخِذَانِ وَالْوَرِكَانِ تَحْتَ الدِّرْعِ)
стр. 1221
بَابُ وُجُوبِ تَكْفِينِ الشَّهِيدِ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا
١٣٩٦ - (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ بِالشُّهَدَاءِ أَنْ نَنْزِعَ عَنْهُمْ الْحَدِيدَ وَالْجُلُودَ وَقَالَ: ادْفِنُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ) .
١٣٩٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ، وَجَعَلَ يَدْفِنُ فِي الْقَبْرِ الرَّهْطَ وَيَقُولُ: قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
ــ
[نيل الأوطار]
الْحَدِيثُ فِي إسْنَادِهِ ابْنُ إِسْحَاقَ وَلَكِنَّهُ صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ، وَفِي إسْنَادِهِ أَيْضًا نُوحُ بْنُ حَكِيمٍ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: مَجْهُولٌ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ.
وَفِي إسْنَادِهِ أَيْضًا دَاوُد رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، فَإِنْ كَانَ دَاوُد بْنَ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ فَهُوَ ثِقَةٌ، وَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَيَنْظُرُ فِيهِ. قَوْلُهُ: (لَيْلَى بِنْتِ قَانِفٍ) بِالْقَافِ بَعْدَ الْأَلْفِ نُونٌ ثُمَّ فَاءٌ. قَوْلُهُ: (الْحِقَا) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ مَقْصُورٌ قِيلَ: هُوَ لُغَةٌ فِي الْحَقْوِ، وَهُوَ الْإِزَارُ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي كَفَنِ الْمَرْأَةِ أَنْ يَكُونَ إزَارًا وَدِرْعًا وَخِمَارًا وَمِلْحَفَةً وَدَرَجًا، وَلَمْ يَقَعْ تَسْمِيَةُ أُمِّ عَطِيَّةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِيمَنْ حَضَرَ. قَدْ وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ» الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فَقَالَ: " زَيْنَبَ " وَرُوَاتُهُ أَتْقَنُ وَأَثْبَتُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي بَابِ صِفَةِ الْغُسْلِ
قَوْلُهُ: (قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ الْحَسَنُ. . . إلَخْ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُكَفَّنُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ. وَرَوَى الْخُوَارِزْمِيَّ مِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّهَا قَالَتْ: " وَكَفَّنَّاهَا فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ، وَخَمَّرْنَاهَا كَمَا نُخَمِّرُ الْحَيَّ " قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ صَحِيحَةُ الْإِسْنَادِ، وَقَوْلُ الْحَسَنِ: إنَّ الْخِرْقَةَ الْخَامِسَةَ يُشَدُّ بِهَا الْفَخِذَانِ وَالْوَرِكَانِ، قَالَ بِهِ زُفَرُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تُشَدُّ عَلَى صَدْرِهَا لِيُضَمَّ أَكْفَانُهَا، وَلَا يُكْرَهُ الْقَمِيصُ لِلْمَرْأَةِ عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
[بَابُ وُجُوبِ تَكْفِينِ الشَّهِيدِ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا]
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فِي إسْنَادِهِ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، وَهُوَ مِمَّا حَدَّثَ بِهِ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ.
وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ
стр. 1222
بَابُ تَطْيِيبِ بَدَنِ الْمَيِّتِ وَكَفَنِهِ إلَّا الْمُحْرِمَ
١٣٩٨ - (عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا أَجْمَرْتُمْ الْمَيِّتَ فَأَجْمِرُوهُ ثَلَاثًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
١٣٩٩ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ إذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ وَلَا تُحَنِّطُوهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. وَالنَّسَائِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اغْسِلُوا الْمُحْرِمَ فِي ثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ فِيهِمَا وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ وَلَا تُمِسُّوهُ بِطِيبٍ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحْرِمًا»
ــ
[نيل الأوطار]
قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي بَابِ تَرْكِ غُسْلِ الشَّهِيدِ. وَالْحَدِيثَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي الْبَابِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا فِيهَا مَشْرُوعِيَّةُ دَفْنِ الشَّهِيدِ بِمَا قُتِلَ فِيهِ مِنْ الثِّيَابِ وَنَزْعِ الْحَدِيدِ وَالْجُلُودِ عَنْهُ وَكُلِّ مَا هُوَ آلَةُ حَرْبٍ. وَقَدْ رَوَى زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: " يُنْزَعُ مِنْ الشَّهِيدِ الْفَرْوُ وَالْخُفُّ وَالْقَلَنْسُوَةُ وَالْعِمَامَةُ وَالْمِنْطَقَةُ وَالسَّرَاوِيلُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَصَابَ السَّرَاوِيلَ دَمٌ " وَفِي إسْنَادِهِ أَبُو خَالِدٍ الْوَاسِطِيُّ وَالْكَلَامُ فِيهِ مَعْرُوفٌ. وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى فِي أَمَالِيهِ مِنْ طَرِيقِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلْوَانَ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْمَذْكُورِ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَالْحُسَيْنِ بْنِ عَلْوَانَ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ أَيْضًا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَمْرَ بِدَفْنِ الشَّهِيدِ بِمَا قُتِلَ فِيهِ مِنْ الثِّيَابِ لِلْوُجُوبِ. قَوْلُهُ: (وَجَعَلَ يَدْفِنُ فِي الْقَبْرِ. . . إلَخْ) قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي بَابِ تَرْكِ غُسْلِ الشَّهِيدِ
[بَابُ تَطْيِيبِ بَدَنِ الْمَيِّتِ وَكَفَنِهِ إلَّا الْمُحْرِمِ]
حَدِيثُ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ وَالْبَزَّارُ، قِيلَ: وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «إذَا أَجْمَرْتُمْ الْمَيِّتَ فَأَوْتِرُوا» . قَوْلُهُ: (إذَا أَجْمَرْتُمْ الْمَيِّتَ) أَيْ بَخَّرْتُمُوهُ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَبْخِيرِ الْمَيِّتِ ثَلَاثًا. قَوْلُهُ: (بَيْنَمَا رَجُلٌ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: لَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ الطُّرُقِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْمُحْرِمِ الْمَذْكُورِ، وَوَهَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَزَعَمَ أَنَّ اسْمَهُ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَزَاهُ إلَى ابْنِ قُتَيْبَةَ فِي تَرْجَمَةِ عُمَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي. وَسَبَبُ الْوَهْمِ أَنَّ ابْنَ قُتَيْبَةَ لَمَّا ذَكَرَ تَرْجَمَةَ عُمَرَ ذَكَرَ أَوْلَادَهُ، وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَوْلَادَ عَبْدِ اللَّهِ فَذَكَرَ فِيهِمْ وَاقِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: وَقَعَ عَنْ بَعِيرِهِ
стр. 1223
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
وَهُوَ مُحْرِمٌ فَهَلَكَ، فَظَنَّ هَذَا الْمُتَأَخِّرُ أَنَّ لِوَاقِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صُحْبَةً وَأَنَّهُ صَاحِبُ الْقِصَّةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ، فَإِنَّ وَاقِدًا الْمَذْكُورَ لَا صُحْبَةَ لَهُ، فَإِنَّ أُمَّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَإِنَّمَا تَزَوَّجَهَا أَبُوهُ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، وَفِي الصَّحَابَةِ أَيْضًا وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ آخَرُ، وَلَكِنَّهُ مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ
قَوْلُهُ: (فَوَقَصَتْهُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ بَعْدَهَا قَافٌ ثُمَّ صَادٌ مُهْمَلَةٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ " فَأَقْصَعَتْهُ " وَفِي أُخْرَى لَهُ " أَقْصَعَتْهُ " وَفِي لَهُ أَيْضًا " أَوْقَصَتْهُ " وَالْوَقْصُ: الْكَسْرُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَالْقَصْعُ: الْهَشْمُ، وَقِيلَ: هُوَ خَاصٌّ بِكَسْرِ الْعَظْمِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَلَوْ سَلِمَ فَلَا مَانِعَ أَنْ يُسْتَعَارَ لِكَسْرِ الرَّقَبَةِ؛ وَالْقَعْصُ: الْقَتْلُ فِي الْحَالِ، وَمِنْهُ قُعَاصُ الْغَنَمِ: وَهُوَ مَوْتُهَا كَذَا فِي الْفَتْحِ. قَوْلُهُ: (اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) فِيهِ دَلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ) فِيهِ أَنَّهُ يُكَفَّنُ الْمُحْرِمُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا
وَقِيلَ: إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى تَكْفِينِهِ فِي ثَوْبَيْهِ لِكَوْنِهِ مَاتَ فِيهِمَا وَهُوَ مُتَلَبِّسُ بِتِلْكَ الْعِبَادَةِ الْفَاضِلَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمَا. قَوْلُهُ: (وَلَا تُحَنِّطُوهُ) هُوَ مِنْ الْحَنُوطِ بِالْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الطِّيبُ الَّذِي يُوضَعُ لِلْمَيِّتِ. قَوْلُهُ: (وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ) أَيْ لَا تُغَطُّوهُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى بَقَاءِ حُكْمِ الْإِحْرَامِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " وَلَا تُحَنِّطُوهُ " وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ: «فَإِنَّ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَبْعَثُهُ مُلَبِّيًا» وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحْرِمًا» وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَقَالُوا: إنَّ قِصَّةَ هَذَا الرَّجُلِ وَاقِعَةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ لَهَا فَتَخْتَصُّ بِهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ كَوْنُهُ فِي النُّسُكِ وَهِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مُحْرِمٍ. وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ لِوَاحِدٍ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثَبَتَ لِغَيْرِهِ حَتَّى يَثْبُتَ التَّخْصِيصُ
وَمَا أَحْسَنَ مَا اعْتَذَرَ بِهِ الدَّاوُدِيُّ عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ: إنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ. قَوْلُهُ: (وَلَا تُمِسُّوهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمِيمِ مَنْ أَمَسَّ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَفِي الْحَدِيثِ إبَاحَةُ غُسْلِ الْمُحْرِمِ الْحَيِّ بِالسِّدْرِ خِلَافًا لَمَنْ كَرِهَهُ، وَأَنَّ الْوِتْرَ فِي الْكَفَنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَأَنَّ الْكَفَنَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لِأَمْرِهِ ﷺ بِتَكْفِينِهِ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ أَمْ لَا؟ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَكْفِينِ الْمُحْرِمِ فِي إحْرَامِهِ، وَأَنَّ إحْرَامَهُ بَاقٍ، وَأَنَّهُ لَا يُكَفَّنُ فِي الْمُحَنَّطِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ التَّكْفِينُ فِي الثِّيَابِ الْمَلْبُوسَةِ، وَأَنَّ الْإِحْرَامَ يَتَعَلَّقُ بِالرَّأْسِ
стр. 1224
أَبْوَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ بَابُ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَمَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، الصَّلَاةُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ
١٤٠٠ - (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «دَخَلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْسَالًا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى إذَا فَرَغُوا أَدْخَلُوا النِّسَاءَ، حَتَّى إذَا فَرَغُوا أَدْخَلُوا الصِّبْيَانَ، وَلَمْ يَؤُمَّ النَّاسَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدٌ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
تَرْكُ الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ
١٤٠١ - (عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ لَمْ يُغَسَّلُوا وَدُفِنُوا بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَدْ أَسَلَفْنَا هَذَا الْمَعْنَى مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ، وَقَدْ رُوِيَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ بِأَسَانِيدَ لَا تَثْبُتُ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[أَبْوَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ] [بَابُ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَمَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَالصَّلَاة عَلَى الْأَنْبِيَاء]
الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ قَالَ الْحَافِظُ: وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفُ لِأَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ فِي الْبَابِ عَنْ أَبِي عَسِيبٍ عِنْدَ أَحْمَدَ «أَنَّهُ شَهِدَ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: اُدْخُلُوا أَرْسَالًا» كَذَا فِي التَّلْخِيصِ: وَعَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَفِي إسْنَادِهِ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إدْرِيسَ وَهُوَ كَذَّابٌ، وَقَدْ قَالَ الْبَزَّارُ: إنَّهُ مَوْضُوعٌ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِسَنَدٍ وَاهٍ وَعَنْ نُبَيْطِ بْنِ شَرِيطٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ، وَذَكَرَهُ مَالِكٌ بَلَاغًا وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَيْهِ ﷺ فُرَادَى، الرِّجَالُ ثُمَّ النِّسَاءُ ثُمَّ الصِّبْيَانُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَصَلَاةُ النَّاسِ عَلَيْهِ أَفْرَادًا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ، وَجَمَاعَةُ أَهْلِ النَّقْلِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ دِحْيَةَ بِأَنَّ ابْنَ الْقَصَّارِ حَكَى الْخِلَافَ فِيهِ هَلْ صَلَّوْا عَلَيْهِ الصَّلَاةَ الْمَعْهُودَةَ أَوْ دَعَوْا فَقَطْ؟ وَهَلْ صَلَّوْا فُرَادَى أَوْ جَمَاعَةً؟ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَمَّ بِهِمْ، فَقِيلَ: أَبُو بَكْرٍ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ. قَالَ الْحَافِظُ: لَا يَصِحُّ وَفِيهِ حِرَامٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ: هُوَ بَاطِلٌ بِيَقِينٍ لِضَعْفِ رُوَاتِهِ وَانْقِطَاعِهِ. قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ صَلُّوا عَلَيْهِ أَفْرَادًا لَا يَؤُمُّهُمْ أَحَدٌ، وَبِهِ جَزَمَ الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَذَلِكَ لِعِظَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي هُوَ وَأَمِّي، وَتَنَافُسِهِمْ فِي أَنْ لَا يَتَوَلَّى الْإِمَامَةَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَاحِدٌ. قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ: كَانَ الْمُصَلُّونَ عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ أَلْفًا. قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَعْدَ أَنْ سَاقَ الْحَدِيثَ: وَتَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَدَّمَ النِّسَاءَ عَلَى الصِّبْيَانِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى جَنَائِزِهِمْ وَحَالَ دَفْنِهِمْ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ اهـ
стр. 1225
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
[تَرْكُ الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ]
أَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّهُ حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِهِ قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى حَمْزَةَ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الشُّهَدَاءِ غَيْرِهِ» وَأَعَلَّهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِأَنَّهُ غَلِطَ فِيهِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَرَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ وَرَجَّحُوا رِوَايَةَ اللَّيْثِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرٍ وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ تَرْكِ غُسْلِ الشَّهِيدِ. وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا الْمُصَنِّفُ وَقَالَ: إنَّهَا بِأَسَانِيدَ لَا تَثْبُت فَسَتَعْرِفُ الْكَلَامَ عَلَيْهَا، وَفِي الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ أَحَادِيثُ. مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: «فَقَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَمْزَةَ حِينَ جَاءَ النَّاسُ مِنْ الْقِتَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ: رَأَيْتُهُ عِنْدَ تِلْكَ الشُّجَيْرَاتِ، فَلَمَّا رَآهُ وَرَأَى مَا مُثِّلَ بِهِ شَهِقَ وَبَكَى، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَرَمَى عَلَيْهِ بِثَوْبٍ، ثُمَّ جِيءَ بِحَمْزَةَ فَصَلَّى عَلَيْهِ» الْحَدِيثَ. وَفِي إسْنَادِهِ أَبُو حَمَّادٍ الْحَنَفِيُّ وَهُوَ مَتْرُوكٌ
وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ عِنْدَ النَّسَائِيّ بِلَفْظِ: «إنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ» وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُ اُسْتُشْهِدَ فَصَلَّى عَلَيْهِ ﷺ فَحَفِظَ مِنْ دُعَائِهِ ﷺ لَهُ: اللَّهُمَّ إنَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ فَقُتِلَ فِي سَبِيلِكَ» وَحَمَلَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ فِي الْمَعْرَكَةِ. وَعَنْ أَنَسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ وَالْحَاكِمُ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُهُ. وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ صَلَاتَهُ عَلَى مَيِّتٍ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ» وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ «ثُمَّ دَخَلَ بَيْتَهُ وَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ»
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَمْزَةَ فَسُجِّيَ بِبُرْدِهِ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ وَكَبَّرَ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ أُتِيَ بِالْقَتْلَى فَيُوضَعُونَ إلَى حَمْزَةَ فَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَعَلَيْهِ مَعَهُمْ حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ صَلَاةً» وَفِي إسْنَادِهِ رَجُلٌ مُبْهَمٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ مِقْسَمٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ السُّهَيْلِيُّ: إنْ كَانَ الَّذِي أَبْهَمَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ هُوَ الْحَسَنَ بْنَ عُمَارَةَ فَهُوَ ضَعِيفٌ وَإِلَّا فَهُوَ مَجْهُولٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ قَالَ الْحَافِظُ: الْحَامِلُ لِلسُّهَيْلِيِّ عَلَى ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ عَنْ شُعْبَةَ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عُمَارَةَ حَدَّثَهُ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ، فَسَأَلْتُ الْحَكَمَ فَقَالَ: لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ» . اهـ لَكِنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ وَأَتَمُّ مِنْهُ، وَيَزِيدُ فِيهِ ضَعْفٌ يَسِيرٌ.
وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْغِفَارِيِّ عِنْدَ أَبِي دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ طَرِيقِهِ وَهُوَ تَابِعِيٌّ اسْمُهُ غَزْوَانٍ، وَلَفْظُهُ: «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ عَشَرَةً عَشَرَةً فِي كُلِّ عَشَرَةٍ حَمْزَةُ حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ
стр. 1226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
سَبْعِينَ صَلَاةً» قَالَ الْحَافِظُ: وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَقَدْ أَعَلَّهُ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ مُتَدَافِعٌ؛ لِأَنَّ الشُّهَدَاءَ كَانُوا سَبْعِينَ فَإِذَا أُتِيَ بِهِمْ عَشَرَةً عَشَرَةً يَكُونُ قَدْ صَلَّى سَبْعَ صَلَوَاتٍ فَكَيْفَ تَكُونُ سَبْعِينَ؟ قَالَ: وَإِنْ أَرَادَ التَّكْبِيرَ فَيَكُونُ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ صَلَّى عَلَى سَبْعِينَ نَفْسًا وَحَمْزَةُ مَعَهُمْ كُلِّهِمْ، فَكَأَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعِينَ صَلَاةً.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَحْمَدَ بِلَفْظِ: «رُفِعَ الْأَنْصَارِيُّ وَتُرِكَ حَمْزَةُ فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ جِيءَ بِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَوَضَعُوهُ إلَى جَنْبِهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَرُفِعَ الْأَنْصَارِيُّ وَتُرِكَ حَمْزَةُ حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ صَلَاةً» .
وَفِي الْبَابِ أَيْضًا حَدِيثُ أَبِي سَلَامٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ عِنْدَ أَبِي دَاوُد، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ تَرْكِ غُسْلِ الشَّهِيدِ، هَذَا جُمْلَةُ مَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُتَعَارِضَةِ
وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: قَالَ بَعْضُهُمْ: يُصَلَّى عَلَى الشَّهِيدِ وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ وَإِسْحَاقَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ الْمَدَنِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ اهـ. وَبِالْأَوَّلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْمُزَنِيِّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْعِتْرَةُ. وَاسْتَدَلُّوا بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا. وَأَجَابَ عَنْهَا الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى الشَّهِيدِ، فَقَالُوا: أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَفِيهِ مَتْرُوكٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا حَدِيثُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ فَهُوَ مُرْسَلٌ؛ لِأَنَّ شَدَّادًا تَابِعِيٌّ. وَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْبَيْهَقِيّ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ الدُّعَاءُ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ وَالتِّرْمِذِيَّ وَالدَّارَقُطْنِيّ قَالُوا: بِأَنَّهُ غَلِطَ فِيهِ أُسَامَةُ، وَقَدْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الدَّارَقُطْنِيّ أَنَّ قَوْلَهُ فِيهِ: " وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الشُّهَدَاءِ غَيْرِهِ لَيْسَتْ بِمَحْفُوظَةٍ " عَلَى أَنَّهُ يُقَالُ: الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمَا خَصَّ بِهَا وَاحِدًا مِنْ سَبْعِينَ وَأَمَّا حَدِيثُ عُقْبَةَ فَلْنَبْدَأْ بِتَقْرِيرِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ ثُمَّ نَذْكُرْ جَوَابَهُ وَتَقْرِيرَهُ مَا قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ: إنَّ مَعْنَى صَلَاتِهِ ﷺ عَلَيْهِمْ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ مَعَانٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، أَوْ يَكُونَ مِنْ سُنَّتِهِمْ أَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ إلَّا بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ، أَوْ تَكُونَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ جَائِزَةً بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَأَيُّهَا كَانَ فَقَدْ ثَبَتَ بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ عَلَى الشُّهَدَاءِ، ثُمَّ الْكَلَامُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي عَصْرِنَا إنَّمَا هُوَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ دَفْنِهِمْ، وَإِذَا ثَبَتَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الدَّفْنِ كَانَتْ قَبْلَ الدَّفْنِ أَوْلَى اهـ
وَأُجِيبَ بِأَنَّ صَلَاتَهُ عَلَيْهِمْ تَحْتَمِلُ أُمُورًا أُخَرَ: مِنْهَا أَنْ تَكُونَ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ، ثُمَّ هِيَ وَاقِعَةُ عَيْنِ لَا عُمُومَ لَهَا، فَكَيْفَ يَنْتَهِضُ الِاحْتِجَاجُ بِهَا لِدَفْعِ حُكْمٍ قَدْ ثَبَتَ. وَأَيْضًا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِالِاحْتِمَالِ الثَّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيَّ، كَذَا قَالَ الْحَافِظُ. وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ دَعْوَى الِاخْتِصَاصِ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَدَعْوَى أَنَّ الصَّلَاةَ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ يَرُدُّهَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: " صَلَاتُهُ عَلَى الْمَيِّتِ " وَأَيْضًا قَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى اللُّغَوِيَّةِ، فَلَوْ فُرِضَ عَدَمُ وُرُودُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ لَكَانَ الْمُتَعَيَّنُ
стр. 1227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
الْمَصِيرَ إلَى حَمْلِ الصَّلَاةِ عَلَى حَقِيقَتِهَا الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ ذَاتُ الْأَذْكَارِ وَالْأَرْكَانِ، وَدَعْوَى أَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ لَهَا يَرُدُّهَا أَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا ثَبَتَ لِوَاحِدٍ أَوْ لِجَمَاعَةٍ فِي عَصْرِهِ ﷺ ثُبُوتُهُ لِلْغَيْرِ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ مُعَارَضَةُ هَذِهِ الدَّعْوَى بِمِثْلِهَا فَيُقَالُ: تَرْكُ الصَّلَاةِ عَلَى الشُّهَدَاءِ فِي يَوْمِ أُحُدٍ وَاقِعَةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ لَهَا، فَلَا تَصْلُحُ لَلِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى مُطْلَقِ التَّرْكِ بَعْدَ ثُبُوتِ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَوُقُوعِ الصَّلَاةِ مِنْهُ عَلَى خُصُوصِ الشَّهِيدِ فِي غَيْرِهَا كَمَا فِي حَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ وَأَبِي سَلَامٍ.
وَإِنَّمَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ قَبْلَ دَفْنِهِمْ. فَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ الْأَخْبَارَ جَاءَتْ كَأَنَّهَا عِيَانٌ مِنْ وُجُوهٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ. قَالَ: وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَيْهِمْ وَكَبَّرَ عَلَى حَمْزَةَ سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً لَا يَصِحُّ، وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لِمَنْ عَارَضَ بِذَلِكَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ أَنْ يَسْتَحِيَ عَلَى نَفْسِهِ اهـ. وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّ تِلْكَ الْحَالَةَ الضَّيِّقَةَ لَا تَتَّسِعُ لِسَبْعِينَ صَلَاةً وَبِأَنَّهَا مُضْطَرِبَةٌ، وَبِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الصَّلَاةِ؛ وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّهَا رُوِيَتْ مِنْ طُرُقٍ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَضِيقُ تِلْكَ الْحَالَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ إيقَاعِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا لَوْ ضَاقَتْ عَنْ الصَّلَاةِ لَكَانَ ضِيقُهَا عَنْ الدَّفْنِ أَوْلَى
وَدَعْوَى الِاضْطِرَابِ غَيْرُ قَادِحَةٍ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الطُّرُقِ قَدْ أَثْبَتَتْ الصَّلَاةَ وَهِيَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَدَعْوَى أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الصَّلَاةِ مُسَلَّمَةٌ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ. وَأَمَّا بَعْدَ وُرُودِهِ فَالْأَصْلُ الصَّلَاةُ عَلَى مُطْلَقِ الْمَيِّتِ وَالتَّخْصِيصُ مَمْنُوعٌ. وَأَيْضًا أَحَادِيثُ الصَّلَاةِ قَدْ شَدَّ مِنْ عَضُدِهَا كَوْنُهَا مُثْبَتَةً وَالْإِثْبَاتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفْيِ، وَهَذَا مُرَجَّحٌ مُعْتَبَرٌ، وَالْقَدْحُ فِي اعْتِبَارِهِ فِي الْمَقَامِ يُبْعِدُ غَفْلَةَ الصَّحَابَةِ عَنْ إيقَاعِ الصَّلَاةِ عَلَى أُولَئِكَ الشُّهَدَاءِ مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ وَهُوَ يُبْعِدُ غَفْلَةَ الصَّحَابَةِ عَنْ التَّرْكِ الْوَاقِعِ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ ثَابِتًا عَنْهُ ﷺ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَمْوَاتِ، فَكَيْفَ يُرَجَّحُ نَاقِلُهُ وَهُوَ أَقَلُّ عَدَدًا مِنْ نَقَلَةِ الْإِثْبَاتِ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ الْغُفُولِ عَنْهُ لِكَوْنِهِ وَاقِعًا عَلَى مُقْتَضَى عَادَتِهِ ﷺ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى مُطْلَقِ الْمَيِّتِ، وَمِنْ مُرَجَّحَاتِ الْإِثْبَاتِ الْخَاصَّةِ بِهَذَا الْمَقَامِ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ النَّفْيَ إلَّا أَنَسٌ وَجَابِرٌ، وَأَنَسٌ عِنْدَ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ مِنْ صِغَارِ الصِّبْيَانِ، وَجَابِرٌ قَدْ رَوَى أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى حَمْزَةَ، وَكَذَلِكَ أَنَسٌ كَمَا تَقَدَّمَ فَقَدْ وَافَقَا غَيْرَهُمَا فِي وُقُوعِ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ
وَيَبْعُدُ كُلَّ الْبُعْدِ أَنْ يَخُصَّ النَّبِيُّ ﷺ بِصَلَاتِهِ حَمْزَةَ لِمَزِيَّةِ الْقَرَابَةِ وَيَدَعَ بَقِيَّةَ الشُّهَدَاءِ، وَمَعَ هَذَا فَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ حَالَ الْوَاقِعَةِ، وَتَرَكْنَا جَمِيعَ هَذِهِ الْمُرَجِّحَاتِ لَكَانَتْ صَلَاتُهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مُفِيدَةً لِلْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّهَا كَالِاسْتِدْرَاكِ لِمَا فَاتَ مَعَ اشْتِمَالِهَا عَلَى فَائِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الشَّهِيدِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُتْرَكَ بِحَالٍ وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ وَتَرَاخَتْ إلَى غَايَةٍ بَعِيدَةٍ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَلَامٍ فَلَمْ أَقِفْ لِلْمَانِعِينَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى جَوَابٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِنْ أَدِلَّةِ الْمُثْبِتِينَ؛ لِأَنَّهُ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَمَّاهُ شَهِيدًا وَصَلَّى عَلَيْهِ،
стр. 1228
الصَّلَاةُ عَلَى السِّقْطِ وَالطِّفْلِ
١٤٠٢ - (عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ وَالْمَاشِي أَمَامَهَا قَرِيبًا مِنْهَا عَنْ يَمِينِهَا أَوْ عَنْ يَسَارِهَا وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَقَالَ فِيهِ: " وَالْمَاشِي يَمْشِي خَلْفَهَا وَأَمَامَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وَيَسَارِهَا قَرِيبًا مِنْهَا " وَفِي رِوَايَةٍ " الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .
ــ
[نيل الأوطار]
نَعَمْ لَوْ كَانَ النَّفْيُ عَامًّا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَقْعَةِ أُحُدٍ وَلَمْ يَرِدْ فِي الْإِثْبَاتِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ لَكَانَ مُخْتَصًّا بِمَنْ قُتِلَ عَلَى مِثْلِ صِفَتِهِ
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي الشَّهِيدِ الَّذِي وَقَعَ الْخِلَافُ فِي غَسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، هَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِمَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ أَوْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّهِيدِ قَتِيلُ الْمَعْرَكَةِ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: فِي الْمَعْرَكَةِ، مَنْ جُرِحَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً وَخَرَجَ بِحَرْبِ الْكُفَّارِ مَنْ مَاتَ فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ كَأَهْلِ الْبَغْيِ، وَخَرَجَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ مَنْ يُسَمَّى شَهِيدًا بِسَبَبٍ غَيْرِ السَّبَبِ الْمَذْكُورِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ جَمَعَ هَذِهِ الْقُيُودَ شَهِيدٌ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: أَنَّ مَنْ جُرِحَ فِي الْمَعْرَكَةِ إنْ مَاتَ قَبْلَ الِارْتِثَاثِ فَشَهِيدٌ، وَالِارْتِثَاثُ: أَنْ يُحْمَلَ وَيَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَوْ يُوصِيَ أَوْ يَبْقَى فِي الْمَعْرَكَةِ يَوْمًا وَلَيْلَةً حَيًّا. وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى أَنَّ مَنْ جُرِحَ فِي الْمَعْرَكَةِ يُقَالُ لَهُ: شَهِيدٌ وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الِارْتِثَاثِ. وَأَمَّا مَنْ قُتِلَ مُدَافِعًا عَنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ فِي الْمِصْرِ ظُلْمًا فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَالْهَادَوِيَّةُ: إنَّهُ شَهِيدٌ
وَقَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى وَالشَّافِعِيُّ: إنَّهُ وَإِنْ قِيلَ لَهُ شَهِيدٌ فَلَيْسَ مِنْ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ لَا يُغَسَّلُونَ. وَذَهَبَتْ الْعِتْرَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ: إنَّ قَتِيلَ الْبُغَاةِ شَهِيدٌ، قَالُوا: إذْ لَمْ يُغَسِّلْ عَلِيٌّ أَصْحَابَهُ، وَهُوَ تَوْقِيفٌ. فَائِدَةٌ: لَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى شُهَدَاءِ بَدْرٍ وَلَا أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ. وَكَذَلِكَ فِي شُهَدَاءِ سَائِرِ الْمَشَاهِدِ النَّبَوِيَّةِ إلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَحْثِ فَلْيُعْلَمْ ذَلِكَ.
[الصَّلَاةُ عَلَى السِّقْطِ وَالطِّفْلِ]
الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ: «السِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْعَافِيَةِ وَالرَّحْمَةِ» وَأَخْرَجَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ التِّرْمِذِيُّ
стр. 1229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
وَصَحَّحَهُ، وَلَكِنْ رَوَاهُ. الطَّبَرَانِيُّ مَوْقُوفًا عَلَى الْمُغِيرَةِ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْعِلَلِ الْمَوْقُوفَ
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ، وَفِي إسْنَادِهِ عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْهُ، وَقَوَّاهُ ابْنُ طَاهِرٍ فِي الذَّخِيرَةِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ تَعْلِيقًا وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ يَرْفَعُهُ بِلَفْظِ: «صَلُّوا عَلَى أَطْفَالِكُمْ فَإِنَّهُمْ مِنْ أَفْرَاطِكُمْ» وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ: (الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ) أَيْ يَمْشِي، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْمَشْي مَعَ الْجِنَازَةِ. قَوْلُهُ: (وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى السِّقْطِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ الْعِتْرَةُ وَالْفُقَهَاءُ، وَلَكِنَّهَا إنَّمَا تُشْرَعُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ قَدْ اسْتَهَلَّ، وَالِاسْتِهْلَالُ: الصِّيَاحُ أَوْ الْعُطَاسُ أَوْ حَرَكَةٌ يُعْلَمُ بِهَا حَيَاةُ الطِّفْلِ
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا " اسْتِهْلَالُ الصَّبِيِّ الْعُطَاسُ " قَالَ الْحَافِظُ: وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَيَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الِاسْتِهْلَالِ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيِّ بِلَفْظِ: «إذَا اسْتَهَلَّ السِّقْطُ صُلِّيَ عَلَيْهِ وَوَرِثَ» .
وَفِي إسْنَادِهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمِ الْمَكِّيُّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: رَوَاهُ أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ الْأَزْرَقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ قَالَ الْحَافِظُ: وَوَهَمَ؛ لِأَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ عَنْعَنَ فَهُوَ عِلَّةُ هَذَا الْخَبَرِ إنْ كَانَ مَحْفُوظًا عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ مَرْفُوعًا وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ غَيْرَ الْمُغِيرَةِ، وَقَدْ وَقَفَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ.
وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ بَقِيَّةَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ مَرْفُوعًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّمَا يُغَسَّلُ لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إذْ يَكْتُبُ فِي الْأَرْبَعِينَ الرَّابِعَةُ رِزْقُهُ وَأَجَلُهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلْحَيِّ
وَقَدْ رَجَّحَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا وَاسْتَدَلَّ لَهُ فَقَالَ: قُلْتُ وَإِنَّمَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ، وَهُوَ أَنْ يَسْتَكْمِلَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَأَمَّا إنْ سَقَطَ لِدُونِهَا فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَيِّتٍ إذْ لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ رُوحٌ. وَأَصْلُ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: «إنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنَ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكًا بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ يَكْتُبُ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ اهـ. وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَنْ سَقَطَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَسْتَهِلَّ. وَظَاهِرُ حَدِيثِ الِاسْتِهْلَالِ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ الْحَقُّ؛ لِأَنَّ الِاسْتِهْلَالَ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْحَيَاةِ قَبْلَ خُرُوجِ السِّقْطِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِهَا بَعْدَهُ، فَاعْتِبَارُ الِاسْتِهْلَالِ مِنْ الشَّارِعِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَيَاةَ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْبَطْنِ مُعْتَبَرَةٌ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الطِّفْلِ وَأَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِمُجَرَّدِ
стр. 1230
تَرْكُ الْإِمَامِ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَالِّ وَقَاتِلِ نَفْسِهِ
١٤٠٣ - (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ تُوُفِّيَ بِخَيْبَرَ، وَأَنَّهُ ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ الْقَوْمِ لِذَلِكَ؛ فَلَمَّا رَأَى الَّذِي بِهِمْ قَالَ: إنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا فِيهِ خَرَزًا مِنْ خَرَزِ الْيَهُودِ مَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ.» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ) .
١٤٠٤ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ » رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ) .
ــ
[نيل الأوطار]
الْعِلْمِ بِحَيَاتِهِ فِي الْبَطْنِ فَقَطْ.
[تَرْكُ الْإِمَامِ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَالِّ وَقَاتِلِ نَفْسِهِ]
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَالْمُنْذِرِيُّ، وَرِجَالُ إسْنَادِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ قَوْلُهُ: (فَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ) فِيهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ عَلَى الْعُصَاةِ. وَأَمَّا تَرْكُ النَّبِيِّ ﷺ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَلَعَلَّهُ لِلزَّجْرِ عَنْ الْغُلُولِ كَمَا امْتَنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَدْيُونِ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ. . . إلَخْ) فِيهِ مُعْجِزَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِإِخْبَارِهِ بِذَلِكَ وَانْكِشَافِ الْأَمْرِ كَمَا قَالَ. قَوْلُهُ: (مَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْغُلُولِ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا حَقِيرًا. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْوَعِيدِ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ لَيْسَ هَذَا مَحَلَّ بَسْطِهَا
قَوْلُهُ: (بِمَشَاقِصَ) جَمْعُ مِشْقَصٍ كَمِنْبَرٍ: نَصْلٌ عَرِيضٌ أَوْ سَهْمٌ فِيهِ ذَلِكَ، وَالنَّصْلُ الطَّوِيلُ أَوْ سَهْمٌ فِيهِ ذَلِكَ يُرْمَى بِهِ الْوَحْشُ كَذَا فِي الْقَامُوسِ. قَوْلُهُ: (فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ: إنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى الْفَاسِقِ وَهُمْ الْعِتْرَةُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْأَوْزَاعِيُّ، فَقَالُوا: لَا يُصَلَّى عَلَى الْفَاسِقِ تَصْرِيحًا أَوْ تَأْوِيلًا، وَوَافَقَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فِي الْبَاغِي وَالْمُحَارِبِ، وَوَافَقَهُمْ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ. وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى الْفَاسِقِ. وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ زَجْرًا لِلنَّاسِ وَصَلَّتْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا عِنْدَ النَّسَائِيّ بِلَفْظِ: " أَمَّا أَنَا فَلَا أُصَلِّي عَلَيْهِ " وَأَيْضًا مُجَرَّدُ التَّرْكِ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحُرْمَةِ الْمُدَّعَاةِ. وَيَدُلُّ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْفَاسِقِ حَدِيثُ «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي إمَامَةِ الْفَاسِقِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَمَاعَةِ.
следующие страницы →