Полный текст (3 079 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
بَابُ الْإِفَاضَةِ مِنْ مِنًى لِلطَّوَافِ يَوْمِ النَّحْرِ
٢٠٢٣ - (عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
٢٠٢٤ - (وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ انْصَرَفَ إلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ، ثُمَّ رَكِبَ فَأَفَاضَ إلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ» . مُخْتَصَرٌ مِنْ مُسْلِمٍ)
بَابُ مَا جَاءَ فِي تَقْدِيمِ النَّحْرِ وَالْحَلْقِ وَالرَّمْيِ وَالْإِفَاضَةِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ
٢٠٢٥ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَتَاهُ رَجُلٌ يَوْمَ
ــ
[نيل الأوطار]
كَمَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى
[بَابُ الْإِفَاضَةِ مِنْ مِنًى لِلطَّوَافِ يَوْمِ النَّحْرِ]
قَوْلُهُ: (أَفَاضَ) أَيْ طَافَ بِالْبَيْتِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِعْلُ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ يَوْمَ النَّحْرِ أَوَّلَ النَّهَارِ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذَا الطَّوَافَ وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ إلَّا بِهِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِعْلَهُ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الرَّمْيِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْهُ وَفَعَلَهُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَجْزَأَ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنْ أَخَّرَهُ إلَى بَعْدِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَأَتَى بِهِ بَعْدَهَا أَجْزَأَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: إذَا تَطَاوَلَ لَزِمَ مَعَهُ دَمٌ انْتَهَى، وَكَذَا حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى فَرْضِيَّةِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ وَإِنَّهُ لَا يَجْبُرُهُ الدَّمُ وَأَنَّ وَقْتَهُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ الْإِمَامُ الْمَهْدِيُّ فِي الْبَحْرِ، وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: طَوَافُ الزِّيَارَةِ قَوْلُهُ: فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ ظَاهِرُ هَذَا التَّنَافِي وَقَدْ جَمَعَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ ﷺ أَفَاضَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَطَافَ وَصَلَّى الظُّهْرَ بِمَكَّةَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِنًى وَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ مَرَّةً أُخْرَى إمَامًا بِأَصْحَابِهِ كَمَا صَلَّى بِهِمْ فِي بَطْنِ نَخْلٍ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِطَائِفَةٍ وَمَرَّةً بِأُخْرَى فَرَوَى ابْنُ عُمَرَ صَلَاتَهُ بِمِنًى وَجَابِرٌ صَلَاتَهُ بِمَكَّةَ وَهُمَا صَادِقَانِ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ نَحْوَهُ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يُقَالَ: إنَّهُ صَلَّى بِمَكَّةَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِنًى فَوَجَدَ أَصْحَابَهُ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ فَدَخَلَ مَعَهُمْ مُتَنَفِّلًا لِأَمْرِهِ ﷺ بِذَلِكَ لِمَنْ وَجَدَ جَمَاعَةً يُصَلُّونَ وَقَدْ صَلَّى. .
стр. 1647
النَّحْرِ وَهُوَ وَاقِفٌ عِنْدَ الْجَمْرَةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ، وَأَتَاهُ آخَرُ، فَقَالَ: إنِّي ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ وَأَتَى آخَرُ فَقَالَ: إنِّي أَفَضْتُ إلَى الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فَقَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ» . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: «أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ: كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : افْعَلْ وَلَا حَرَجَ لَهُنَّ كُلِّهِنَّ فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ إلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ: «فَمَا سَمِعْتُهُ يُسْأَلُ يَوْمَئِذٍ عَنْ أَمْرٍ مِمَّا يَنْسَى الْمَرْءُ أَوْ يَجْهَلُ مِنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأُمُورِ قَبْلَ بَعْضٍ وَأَشْبَاهِهَا، إلَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : افْعَلُوا وَلَا حَرَجَ»
٢٠٢٦ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟ قَالَ: انْحَرْ وَلَا حَرَجَ ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي أَفَضْتُ قَبْلَ أَنْ أَحْلِقَ قَالَ: احْلِقْ أَوْ قَصِّرْ وَلَا حَرَجَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَفِي لَفْظٍ: قَالَ: «إنِّي أَفَضْتُ قَبْلَ أَنْ أَحْلِقَ قَالَ: احْلِقْ أَوْ قَصِّرْ وَلَا حَرَجَ، قَالَ: وَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .
٢٠٢٧ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ فِي الذَّبْحِ وَالْحَلْقِ وَالرَّمْيِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ: فَقَالَ: لَا حَرَجَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: «سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ قَالَ: اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ، وَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ؟ فَقَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : زُرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: لَا حَرَجَ، قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: لَا حَرَجَ، قَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: لَا حَرَجَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ مَا جَاءَ فِي تَقْدِيمِ النَّحْرِ وَالْحَلْقِ وَالرَّمْيِ وَالْإِفَاضَةِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ]
قَوْلُهُ: (يَوْمَ النَّحْرِ) فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَفِي أُخْرَى
стр. 1648
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
لَهُ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ كَمَا فِي الْبَابِ وَفِي أُخْرَى لَهُ أَيْضًا عَلَى رَاحِلَتِهِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: جَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّهُ مَوْقِفٌ وَاحِدٌ عَلَى أَنَّ مَعْنَى خَطَبَ أَنَّهُ عَلَّمَ النَّاسَ لَا أَنَّهَا خُطْبَةٌ مِنْ خُطَبِ الْحَجِّ الْمَشْرُوعَةِ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَوْطِنَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى رَاحِلَتِهِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ وَلَمْ يَقُلْ فِي هَذَا خَطَبَ، وَالثَّانِي: يَوْمُ النَّحْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَذَلِكَ وَقْتَ الْخُطْبَةِ الْمَشْرُوعَةِ مِنْ خُطَبِ الْحَجِّ يُعَلِّمُ الْإِمَامُ فِيهَا النَّاسَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَنَاسِكِهِمْ وَصَوَّبَ النَّوَوِيُّ هَذَا الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ فَإِنْ قِيلَ: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا الَّذِي صَوَّبَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْأَحَادِيثِ بَيَانُ الْوَقْتِ الَّذِي خَطَبَ فِيهِ النَّاسَ. فَيُجَابُ بِأَنَّ فِي رِوَايَةِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ رَمَيْتُ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ بَعْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّ الْمَسَاءَ إنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى مَا بَعْدَ الزَّوَالِ وَكَأَنَّ السَّائِلَ عَلِمَ أَنَّ السُّنَّةَ لِلْحَاجِّ أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ ضُحًى فَلَمَّا أَخَّرَهَا إلَى بَعْدِ الزَّوَالِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ مِنْ الرِّوَايَاتِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الزَّوَالِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ وَالرَّجُلُ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: لَمْ نَقِفْ بَعْدَ الْبَحْثِ الشَّدِيدِ عَلَى اسْمِ أَحَدٍ مِمَّنْ سَأَلَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ. قَوْلُهُ: (حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ) فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَدَّمَ السُّؤَالَ عَنْ الْحَلْقِ قَبْلَ الرَّمْيِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ قَدَّمَ السُّؤَالَ عَنْ الْحَلْقِ قَبْلَ النَّحْرِ وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵇ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مِنْهُ قَدَّمَ الْإِفَاضَةَ قَبْلَ الْحَلْقِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ مِنْهُ قَدَّمَ الذَّبْحَ قَبْلَ الرَّمْيِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَدَّمَ الْحَلْقَ قَبْلَ الذَّبْحِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مِنْهُ قَدَّمَ الزِّيَارَةَ قَبْلَ الرَّمْيِ
وَالْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ فِيهَا عَلَى بَعْضٍ وَهِيَ الرَّمْيُ وَالْحَلْقُ وَالتَّقْصِيرُ وَالنَّحْرُ وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَهُوَ إجْمَاعٌ كَمَا قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي قَالَ فِي الْفَتْحِ: إلَّا أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أَنَّ مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا عَلَى شَيْءٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيِّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّ نِسْبَةَ ذَلِكَ إلَى النَّخَعِيّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ فِيهَا نَظَرٌ وَقَالَ: إنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ إلَّا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَإِنَّمَا أَوْجَبُوا الدَّمَ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا مُتَرَتِّبَةٌ أَوَّلَهَا: رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ نَحْرُ الْهَدْيِ أَوْ ذَبْحُهُ، ثُمَّ الْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ ثُمَّ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ إلَّا ابْنَ جَهْمٍ الْمَالِكِيَّ اسْتَثْنَى الْقَارِنَ فَقَالَ: لَا يَحْلِقُ حَتَّى يَطُوفَ، وَرَدَّ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ بِالْإِجْمَاعِ فَالْمُرَادُ بِإِيجَابِهِمْ الدَّمَ عَلَى مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا عَلَى شَيْءٍ يَعْنُونَ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا التَّرْتِيبِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ بِأَنْ فَعَلَ مَا يُخَالِفُهُ.
وَقَدْ رُوِيَ إيجَابُ الدَّمِ عَنْ الْهَادِي وَالْقَاسِمِ وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ
стр. 1649
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
إلَى الْجَوَازِ وَعَدَمِ وُجُوبِ الدَّمِ قَالُوا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ (وَلَا حَرَجَ) يَقْتَضِي رَفْعَ الْإِثْمِ وَالْفِدْيَةِ مَعًا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِنَفْيِ الْحَرَجِ نَفْيُ الضِّيقِ، وَإِيجَابُ أَحَدِهِمَا فِيهِ ضِيقٌ وَأَيْضًا لَوْ كَانَ الدَّمُ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ ﷺ ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ أَنَّ الرُّخْصَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا لَا مَنْ كَانَ عَامِدًا فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
قَالَ الطَّبَرِيُّ: لَمْ يُسْقِطْ النَّبِيُّ ﷺ الْحَرَجَ إلَّا وَقَدْ أَجْزَأَ الْفِعْلُ إذْ لَوْ لَمْ يُجْزِئْ لَأَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ وَالنِّسْيَانَ لَا يُضَيِّعَانِ غَيْرَ إثْمِ الْحُكْمِ الَّذِي يَلْزَمُهُ فِي الْحَجِّ كَمَا لَوْ تَرَكَ الرَّمْيَ وَنَحْوَهُ فَإِنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَة. قَالَ: وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَحْمِلُ قَوْلَهُ وَلَا حَرَجَ عَلَى نَفْيِ الْإِثْمِ فَقَطْ ثُمَّ يَخُصُّ ذَلِكَ بِبَعْضِ الْأُمُورِ دُونَ بَعْضٍ فَإِنْ كَانَ التَّرْتِيبُ وَاجِبًا يَجِبُ بِتَرْكِهِ دَمٌ فَلْيَكُنْ فِي الْجَمِيعِ وَإِلَّا فَمَا وَجْهُ تَخْصِيصِ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ مِنْ تَعْمِيمِ الشَّارِعِ الْجَمِيعَ بِنَفْيِ الْحَرَجِ انْتَهَى، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى تَخْصِيصِ الرُّخْصَةِ بِالنَّاسِي وَالْجَاهِلِ دُونَ الْعَامِدِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو: فَمَا سَمِعْتُهُ يَوْمَئِذٍ يُسْأَلُ عَنْ أَمْرٍ يُنْسَى أَوْ يُجْهَلُ. . . إلَخْ وَبِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِهِ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ ﷺ : لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ فَقَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ» .
وَذَهَبَ أَحْمَدُ إلَى التَّخْصِيصِ الْمَذْكُورِ كَمَا حَكَى ذَلِكَ عَنْهُ الْأَثْرَمُ وَقَدْ قَوَّى ذَلِكَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فَقَالَ: مَا قَالَهُ أَحْمَدُ قَوِيٌّ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ ﷺ فِي الْحَجِّ بِقَوْلِهِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُرَخِّصَةُ فِي تَقْدِيمِ مَا وَقَعَ عَنْهُ تَأْخِيرُهُ قَدْ قُرِنَتْ بِقَوْلِ السَّائِلِ: لَمْ أَشْعُرْ فَيَخْتَصُّ هَذَا الْحُكْمُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ وَتَبْقَى صُورَةُ الْعَمْدِ عَلَى أَصْلِ وُجُوبِ الِاتِّبَاعِ فِي الْحَجِّ.
وَأَيْضًا الْحُكْمُ إذَا رُتِّبَ عَلَى وَصْفٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا لَمْ يَجُزْ إطْرَاحُهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ عَدَمَ الشُّعُورِ مُنَاسِبٌ لِعَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ وَقَدْ عُلِّقَ بِهِ الْحُكْمُ فَلَا يَجُوزُ إطْرَاحُهُ بِإِلْحَاقِ الْعَمْدِ بِهِ إذْ لَا يُسَاوِيهِ.
وَأَمَّا التَّمَسُّكُ بِقَوْلِ الرَّاوِي: فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ. . . إلَخْ لِإِشْعَارِهِ بِأَنَّ التَّرْتِيبَ مُطْلَقًا غَيْرُ مُرَاعًى فَجَوَابُهُ أَنَّ هَذَا الْإِخْبَارَ مِنْ الرَّاوِي يَتَعَلَّقُ بِمَا وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهُ وَهُوَ مُطْلَقٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى حَالِ السَّائِلِ وَالْمُطْلَقُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ الْخَاصَّيْنِ بِعَيْنِهِ فَلَا يَبْقَى حُجَّةٌ فِي حَالِ الْعَمْدِ كَذَا فِي الْفَتْحِ. وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ السُّؤَالَ لَهُ ﷺ وَقَعَ مِنْ جَمَاعَةٍ كَمَا فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ وَغَيْرِهِ كَانَ الْأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ وَلَفْظُ حَدِيثِهِ عِنْدَ أَبِي دَاوُد: قَالَ «خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَاجًّا فَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ فَمِنْ قَائِلٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ: سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا فَكَانَ يَقُولُ: لَا حَرَجَ لَا حَرَجَ» .
وَيَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ السَّائِلِ قَوْلُ ابْنِ عَمْرٍو فِي حَدِيثِهِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ: وَأَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ: إنِّي أَفَضْتُ. . . إلَخْ.
وَقَوْلُ عَلِيٍّ ﵇ فِي حَدِيثِهِ الْمَذْكُورِ: وَأَتَاهُ آخَرُ كَذَلِكَ، قَوْلُهُ: (وَجَاءَ آخَرُ) وَتَعْلِيقُ سُؤَالِ بَعْضِهِمْ بِعَدَمِ الشُّعُورِ لَا يَسْتَلْزِمُ سُؤَالَ غَيْرِهِ بِهِ حَتَّى يُقَالَ:
стр. 1650
بَابُ اسْتِحْبَابِ الْخُطْبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ
٢٠٢٨ - (عَنْ الْهِرْمَاسِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى نَاقَتِهِ الْعَضْبَاءِ يَوْمَ الْأَضْحَى بِمِنًى» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) .
٢٠٢٩ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: «سَمِعْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) .
٢٠٣٠ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاذٍ التَّيْمِيِّ قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ بِمِنًى فَفُتِحَتْ أَسْمَاعُنَا حَتَّى كُنَّا نَسْمَعُ مَا يَقُولُ وَنَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا، فَطَفِقَ يُعَلِّمُهُمْ مَنَاسِكَهُمْ حَتَّى بَلَغَ الْجِمَارَ، فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: بِحَصَى الْخَذْفِ ثُمَّ أَمَرَ الْمُهَاجِرِينَ فَنَزَلُوا فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، وَأَمَرَ الْأَنْصَارَ فَنَزَلُوا مِنْ وَرَاءِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ نَزَلَ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِمَعْنَاهُ) .
٢٠٣١ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: «خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ
ــ
[نيل الأوطار]
إنَّهُ يَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِحَالَةِ عَدَمِ الشُّعُورِ وَلَا يَجُوزُ إطْرَاحُهَا بِإِلْحَاقِ الْعَمْدِ بِهَا، وَلِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ التَّعْوِيلَ فِي التَّخْصِيصِ عَلَى وَصْفِ عَدَمِ الشُّعُورِ الْمَذْكُورِ فِي سُؤَالِ بَعْضِ السَّائِلِينَ غَيْرُ مُفِيدٍ لِلْمَطْلُوبِ نَعَمْ إخْبَارُ ابْنِ عَمْرٍو عَنْ أَعَمِّ الْعَامِّ وَهُوَ قَوْلُهُ: " فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ " مُخَصَّصٌ بِإِخْبَارِهِ مَرَّةً أُخْرَى عَنْ أَخَصَّ مِنْهُ مُطْلَقًا وَهُوَ قَوْلُهُ: فَمَا سَمِعْتُهُ يَوْمَئِذٍ يُسْأَلُ عَنْ أَمْرٍ مِمَّا يَنْسَى الْمَرْءُ أَوْ يَجْهَلُ وَلَكِنْ عِنْدَ مَنْ جَوَّزَ التَّخْصِيصَ بِمِثْلِ هَذَا الْمَفْهُومِ قَوْلُهُ: (رَمَيْتُ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ رَمَى بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْمَسَاءِ وَهُوَ الزَّوَالُ صَحَّ رَمْيُهُ وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ
стр. 1651
بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَتْ الْبَلْدَةُ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا إلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ، فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ)
بَابُ اكْتِفَاءِ الْقَارِنِ لِنُسُكَيْهِ بِطَوَافٍ وَاحِدٍ وَسَعْيٍ وَاحِدٍ
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ اسْتِحْبَابِ الْخُطْبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ]
الْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْبَابِ قَدْ قَدَّمَهَا الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْعِيدَيْنِ بِأَلْفَاظِهَا الْمَذْكُورَةِ هَاهُنَا مِنْ دُونِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانَ وَلَمْ تَجْرِ لَهُ عَادَةٌ بِمِثْلِ هَذَا وَقَدْ شَرَحْنَاهَا هُنَالِكَ وَذَكَرْنَا مَا فِي الْبَابِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَمْ يَذْكُرْهَا وَسَنَذْكُرُ هُنَا فَوَائِدَ لَمْ نَتَعَرَّضْ لِذِكْرِهَا هُنَالِكَ تَتَعَلَّقُ بِأَلْفَاظِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَقَوْلُهُ: الْعَضْبَاءِ هِيَ مَقْطُوعَةُ الْأُذُنِ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: كُلُّ قَطْعٍ فِي الْأُذُنِ جَدْعٌ فَإِنْ جَاوَزَ الرُّبُعَ فَهِيَ عَضْبَاءُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: إنَّ الْعَضْبَاءَ الَّتِي قُطِعَ نِصْفُ أُذُنِهَا فَمَا فَوْقَ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: هِيَ مَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ. قَالَ الْحَرْبِيُّ: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَضْبَاءَ اسْمٌ لَهَا وَإِنْ كَانَتْ عَضْبَاءَ الْأُذُنِ فَقَدْ جُعِلَ اسْمُهَا هَذَا.
قَوْلُهُ: (يَوْمَ الْأَضْحَى بِمِنًى) وَهَذِهِ هِيَ الْخُطْبَةُ الثَّالِثَةُ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ فَعَلَهَا لِيُعَلِّمَ النَّاسَ بِهَا الْمَبِيتَ وَالرَّمْيَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ قَوْلُهُ: (فَفُتِحَتْ) بِفَتْحِ الْفَاءِ الْأُولَى وَكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ بَعْدَهَا أَيْ: اتَّسَعَ سَمْعُ أَسْمَاعِنَا وَقَوِيَ مِنْ قَوْلِهِمْ قَارُورَةٌ فُتُحٌ بِضَمِّ الْفَاءِ وَالتَّاءِ أَيْ: وَاسِعَةُ الرَّأْسِ قَالَ الْكِسَائِيُّ: لَيْسَ لَهَا صِمَامٌ وَلَا غِلَافٌ وَهَكَذَا صَارَتْ أَسْمَاعُهُمْ لَمَّا سَمِعُوا صَوْتَ النَّبِيِّ ﷺ وَهَذَا مِنْ بَرَكَاتِ صَوْتِهِ إذَا سَمِعَهُ الْمُؤْمِنُ قَوِيَ سَمْعُهُ وَاتَّسَعَ مَسْلَكُهُ حَتَّى صَارَ يَسْمَعُ الصَّوْتَ مِنْ الْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ وَيَسْمَعُ الْأَصْوَاتَ الْخَفِيَّةَ قَوْلُهُ: (وَنَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا لِسَمَاعِ الْخُطْبَةِ بَلْ وَقَفُوا فِي رِحَالِهِمْ وَهُمْ يَسْمَعُونَهَا، وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ فِيمَنْ لَهُ عُذْرٌ مَنَعَهُ عَنْ الْحُضُورِ لِاسْتِمَاعِهَا وَهُوَ اللَّائِقُ بِحَالِ الصَّحَابَةِ ﵃ قَوْلُهُ: (فَطَفِقَ يُعَلِّمُهُمْ) هَذَا انْتِقَالٌ مِنْ التَّكَلُّمِ إلَى الْغِيبَةِ وَهُوَ أُسْلُوبٌ مِنْ أَسَالِيبِ الْبَلَاغَةِ مُسْتَحْسَنٌ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى بَلَغَ الْجِمَارَ) يَعْنِي: الْمَكَانَ الَّذِي تُرْمَى فِيهِ الْجِمَارُ وَالْجِمَارُ هِيَ الْحَصَى الصِّغَارُ الَّتِي يَرْمِي بِهَا الْجَمَرَاتُ. قَوْلُهُ: (فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ) زَادَ فِي نُسْخَةٍ لِأَبِي دَاوُد فِي أُذُنَيْهِ وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ أَجْمَعَ لِصَوْتِهِ فِي إسْمَاعِ خُطْبَتِهِ وَلِهَذَا كَانَ بِلَالٌ يَضَعُ أُصْبُعَيْهِ فِي صِمَاخِ أُذُنَيْهِ فِي الْأَذَانِ وَعَلَى هَذَا فَفِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَتَقْدِيرُهُ فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ حَتَّى بَلَغَ الْجِمَارَ قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْقَوْلِ الْقَوْلَ النَّفْسِيَّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [المجادلة: ٨] وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ
стр. 1652
٢٠٣٢ - (عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَرَنَ بَيْنَ حَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ أَجْزَأَهُ لَهُمَا طَوَافٌ وَاحِدٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَفِي لَفْظٍ: «مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَجْزَأَهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ السَّعْيِ وَوُقُوفِ التَّحَلُّلِ عَلَيْهِ) .
٢٠٣٣ - (وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا، فَقَدِمْتُ وَأَنَا حَائِضٌ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إلَيْهِ، فَقَالَ: اُنْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ، قَالَتْ فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ: هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ قَالَتْ: فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
ــ
[نيل الأوطار]
هُنَا النِّيَّةَ لِلرَّمْيِ.
قَالَ أَبُو حِبَّانَ: وَتَرَاكِيبُ الْقَوْلِ السِّتُّ تَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الْخِفَّةِ وَالسُّرْعَةِ فَلِهَذَا عَبَّرَ هُنَا بِالْقَوْلِ. قَوْلُهُ: (بِحَصَى الْخَذْفِ) قَدْ قَدَّمْنَا فِي كِتَابِ الْعِيدَيْنِ أَنَّهُ بِالْخَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: حَصَى الْخَذْفِ صِغَارٌ مِثْلُ النَّوَى يُرْمَى بِهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: حَصَى الْخَذْفِ أَصْغَرُ مِنْ الْأُنْمُلَةِ طُولًا وَعَرْضًا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِقَدْرِ الْبَاقِلَا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: بِقَدْرِ النَّوَاةِ وَكُلُّ هَذِهِ الْمَقَادِيرِ مُتَقَارِبَةٌ؛ لِأَنَّ الْخَذْفَ بِالْمُعْجَمَتَيْنِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالصَّغِيرِ.
قَوْلُهُ: (فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ) أَيْ: مَسْجِدِ الْخَيْفِ الَّذِي بِمِنًى، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْمُقَدَّمِ الْجِهَةُ قَوْلُهُ: (ثُمَّ نَزَلَ النَّاسُ) بِرَفْعِ النَّاسِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُد ثُمَّ نَزَّلَ النَّاسَ بِتَشْدِيدِ الزَّاي وَنَصْبِ النَّاسِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا شَرْحَ أَحَادِيثِ أَبِي بَكْرَةَ فِي كِتَابِ الْعِيدَيْنِ مُسْتَكْمَلًا
стр. 1653
٢٠٣٤ - (وَعَنْ طَاوُسٍ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِالْعُمْرَةِ فَقَدِمَتْ وَلَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ حِينَ فَنَسَكْتُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا وَقَدْ أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّفْرِ: يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ، فَأَبَتْ، فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ) .
٢٠٣٥ - (وَعَنْ مُجَاهِدٍ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا حَاضَتْ بِسَرِفٍ، فَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يُجْزِي عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ)
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ اكْتِفَاءِ الْقَارِنِ لِنُسُكَيْهِ بِطَوَافٍ وَاحِدٍ وَسَعْيٍ وَاحِدٍ]
، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى وُجُوبِ السَّعْيِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كَفَاهُ لَهُمَا طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ» وَأَعَلَّهُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ الدَّرَاوَرْدِيَّ أَخْطَأَ فِيهِ، وَأَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَتَمَسَّكَ فِي تَخْطِئَتِهِ بِمَا رَوَاهُ أَيُّوبُ وَاللَّيْثُ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ نَافِعٍ نَحْوَ سِيَاقِ مَا فِي الْبَابِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لِابْنِ عُمَرَ وَأَنَّهُ قَالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ، لَا أَنَّهُ رَوَى هَذَا اللَّفْظَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَهُوَ تَعْلِيلٌ مَرْدُودٌ، فالدراوردي صَدُوقٌ، وَلَيْسَ مَا رَوَاهُ مُخَالِفًا لِمَا رَوَاهُ غَيْرُهُ فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ عَنْ نَافِعٍ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد بِلَفْظِ: «لَمْ يَطُفْ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا» وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ طَاوُسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ حَلَفَ مَا طَافَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِحَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَافَ لِحَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ طَوَافًا وَاحِدًا بَعْدَ أَنْ قَالَ: إنَّهُ سَيَفْعَلُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَخْرَجَ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ «رَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ، يَعْنِي: الَّذِي طَافَ يَوْمَ النَّحْرِ لِلْإِفَاضَةِ، وَقَالَ: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » وَبِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ تَمَسَّكَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَكْفِي الْقَارِنُ لِحَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُد وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ، كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْهَادِي وَالنَّاصِرُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْقَارِنَ طَوَافَانِ وَسَعْيَانِ وَأَجَابُوا عَنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ بِأَجْوِبَةٍ مُتَعَسِّفَةٍ: مِنْهَا مَا سَلَفَ عَنْ الطَّحَاوِيِّ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَمِنْهَا جَوَابُهُ
стр. 1654
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِأَنَّهَا أَرَادَتْ بِقَوْلِهَا: جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمْعَ مُتْعَةٍ لَا جَمْعَ قِرَانٍ، وَهَذَا مِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ، فَإِنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ مُصَرِّحٌ بِفَصْلِ مَنْ تَمَتَّعَ مِمَّنْ قَرَنَ، وَمَا يَفْعَلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّهَا قَالَتْ: فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ قَالَتْ: وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا. . . إلَخْ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ بِمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَلِيٍّ ﵇ «أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَطَافَ لَهُمَا طَوَافَيْنِ وَسَعَى لَهُمَا سَعْيَيْنِ ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ » قَالَ الْحَافِظُ: وَطُرُقُهُ ضَعِيفَةٌ، وَكَذَا رُوِيَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ فِيهِ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ وَهُوَ مَتْرُوكٌ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ لَا يَصِحُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ أَصْلًا. وَتَعَقَّبَهُ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّهُ قَدْ رَوَى الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ مَرْفُوعًا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ذَلِكَ بِأَسَانِيدَ لَا بَأْسَ بِهَا انْتَهَى.
فَيَنْبَغِي أَنْ يُصَارَ إلَى الْجَمْعِ كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إنْ ثَبَتَتْ الرِّوَايَةُ أَنَّهُ طَافَ طَوَافَيْنِ فَيُحْمَلُ عَلَى طَوَافِ الْقُدُومِ وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ. وَأَمَّا السَّعْيُ مَرَّتَيْنِ فَلَمْ يَثْبُتْ انْتَهَى. عَلَى أَنَّهُ يُضْعِفُ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ مَا فِي الْفَتْحِ مِنْ أَنَّهُ قَدْ رَوَى آلُ بَيْتِهِ عَنْهُ مِثْلَ الْجَمَاعَةِ.
قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ عَنْ أَبِيهِ: إنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ عَنْ عَلِيٍّ لِلْقَارِنِ طَوَافًا وَاحِدًا، خِلَافُ مَا يَقُولُ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَمِمَّا يُضْعِفُ مَا رَوَى عَنْهُ مِنْ تَكْرَارِ الطَّوَافِ أَنَّ أَمْثَلَ طُرُقِهِ عَنْهُ رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذَيْنَةَ عَنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَ فِيهَا أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ ابْتِدَاءِ الْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ بِأَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهِ عُمْرَةً، وَأَنَّ الْقَارِنَ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ، وَاَلَّذِينَ احْتَجُّوا بِحَدِيثِهِ لَا يَقُولُونَ بِامْتِنَاعِ إدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ، فَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ صَحِيحَةً عِنْدَهُمْ لَزِمَهُمْ الْعَمَلُ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا حُجَّةَ فِيهَا وَيُضْعِفُ أَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ تَكْرَارِ الطَّوَافِ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ الِاكْتِفَاءُ بِطَوَافٍ وَاحِدٍ.
وَقَدْ احْتَجَّ أَبُو ثَوْرٍ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِطَوَافٍ وَاحِدٍ لِلْقَارِنِ بِحُجَّةٍ نَظَرِيَّةٍ فَقَالَ: قَدْ أَجَزْنَا جَمِيعًا لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا سَفَرًا وَاحِدًا وَإِحْرَامًا وَاحِدًا، وَتَلْبِيَةً وَاحِدَةً فَكَذَلِكَ يُجْزِي عَنْهُمَا طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ، حَكَى هَذَا عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَمِنْ جُمْلَةِ مَا يَحْتَجُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي لَهُمَا طَوَافٌ وَاحِدٌ حَدِيثُ «دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَهُوَ صَحِيحٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ دُخُولِهَا فِيهِ لَا تَحْتَاجُ إلَى عَمَلٍ آخَرَ غَيْرِ عَمَلِهِ، وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا خَالَفَهَا. قَوْلُهُ: (وَامْتَشِطِي) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الِامْتِشَاطُ لِلْمُحْرِمِ، وَقِيلَ: إنَّهُ مَكْرُوهٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَقَدْ تَأَوَّلَ الْعُلَمَاءُ فِعْلَ عَائِشَةَ هَذَا عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَعْذُورَةً بِأَنْ كَانَ بِرَأْسِهَا أَذًى فَأَبَاحَ لَهَا الِامْتِشَاطَ كَمَا أَبَاحَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الْحَلْقَ لِلْأَذَى. وَقِيلَ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالِامْتِشَاطِ هُنَا حَقِيقَةَ الِامْتِشَاطِ بِالْمُشْطِ بَلْ تَسْرِيحَ الشَّعْرِ بِالْأَصَابِعِ عِنْدَ الْغُسْلِ لِلْإِحْرَامِ
стр. 1655
بَابُ الْمَبِيتِ بِ مِنًى لَيَالٍ مِنًى وَرَمْيِ الْجِمَارِ فِي أَيَّامِهَا
٢٠٣٦ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِنًى فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَقِفُ عِنْدَ الْأُولَى، وَعِنْدَ الثَّانِيَةِ فَيُطِيلُ الْقِيَامَ وَيَتَضَرَّعُ وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ لَا يَقِفُ عِنْدَهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد)
٢٠٣٧ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: «اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَهُمْ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ)
٢٠٣٨ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «رَمَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجِمَارَ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ)
٢٠٣٩ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ رَمَيْنَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد) .
٢٠٤٠ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ إذَا رَمَى الْجِمَارَ مَشَى إلَيْهَا ذَاهِبًا وَرَاجِعًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ: «أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ رَاكِبًا وَسَائِرَ ذَلِكَ مَاشِيًا وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ)
ــ
[نيل الأوطار]
بِالْحَجِّ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَتْ لَبَّدَتْ رَأْسَهَا كَمَا هُوَ السُّنَّةُ وَكَمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا يَصِحُّ غَسْلُهَا إلَّا بِإِيصَالِ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِ شَعْرِهَا وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا نَقْضُهُ قَوْلُهُ: (يَسَعُكِ) . . . إلَخْ الْمُرَادُ بِالْوُسْعِ هُنَا الْإِجْزَاءُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى.
[بَابُ الْمَبِيتِ بِمِنًى لَيَالٍ مِنًى وَرَمْيِ الْجِمَارِ فِي أَيَّامِهَا]
حَدِيثُ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَحَدِيثُ ابْنُ عَبَّاسٍ الثَّانِي حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الثَّانِي بِاللَّفْظِ الْآخَرِ أَخْرَجَ نَحْوَهُ أَبُو دَاوُد عَنْهُ بِلَفْظِ: «أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي الْجِمَارَ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ مَاشِيًا ذَاهِبًا
стр. 1656
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
وَرَاجِعًا وَيُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ» .
وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِلَفْظِ: «إنَّهُ كَانَ يَمْشِي إلَى الْجِمَارِ» .
قَوْلُهُ: (فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِي أَيَّامَ التَّشْرِيقِ) هَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمَبِيتَ بِمِنًى وَاجِبٌ وَأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ.
وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ فِي إذْنِهِ ﷺ لِلْعَبَّاسِ وَمِنْهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَتْرُكُوا الْمَبِيتَ بِمِنًى» وَسَيَأْتِي وَالتَّعْبِيرُ بِالرُّخْصَةِ يَقْتَضِي أَنَّ مُقَابِلَهَا عَزِيمَةٌ وَأَنَّ الْإِذْنَ وَقَعَ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِذَا لَمْ تُوجَدْ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا لَمْ يَحْصُلْ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الدَّمِ لِتَرْكِهِ فَقِيلَ: يَجِبُ عَنْ كُلِّ لَيْلَةٍ دَمٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ وَقِيلَ: صَدَقَةٌ بِدِرْهَمٍ، وَقِيلَ: إطْعَامٌ، وَعَنْ الثَّلَاثِ دَمٌ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ وَعَنْ الْحَنَفِيَّةِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ صِفَتَهُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
قَوْلُهُ: وَيَقِفُ عِنْدَ الْأُولَى. . . إلَخْ فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْوُقُوفِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَهِيَ الْوُسْطَى وَالتَّضَرُّعِ عِنْدِهَا وَتَرْكِ الْقِيَامِ عِنْدَ الثَّالِثَةِ وَهِيَ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ. قَوْلُهُ: اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ. . . إلَخْ قِيلَ: إنَّ جَوَازَ تَرْكِ الْمَبِيتِ يَخْتَصُّ بِالْعَبَّاسِ وَقِيلَ: يَدْخُلُ مَعَهُ بَنُو هَاشِمٍ وَقِيلَ: كُلُّ مَنْ احْتَاجَ إلَى السِّقَايَةِ وَهُوَ جُمُودٌ يَرُدُّهُ حَدِيثُ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْآتِي وَقِيلَ: يَجُوزُ التَّرْكُ لِكُلِّ مَنْ لَهُ عُذْرٌ يُشَابِهُ الْأَعْذَارَ الَّتِي رَخَّصَ لِأَهْلِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِأَهْلِ السِّقَايَةِ وَرُعَاةِ الْإِبِلِ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. قَوْلُهُ: حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ وَكَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ رَمَيْنَا هَذِهِ الرِّوَايَاتُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ رَمْيُ الْجِمَارُ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْأَضْحَى قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ بَلْ وَقْتُهُ بَعْدَ زَوَالِهَا كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّهُ ﷺ رَمَى يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى وَرَمَى بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ» .
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ عَطَاءُ وَطَاوُسٌ فَقَالَا: يَجُوزُ الرَّمْيُ قَبْلَ الزَّوَالِ مُطْلَقًا وَرَخَّصَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الرَّمْيِ يَوْمَ النَّفْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَقَالَ إِسْحَاقُ: إنْ رَمَى قَبْلَ الزَّوَالِ أَعَادَ إلَّا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَيُجْزِيهِ، وَالْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ تَرُدُّ عَلَى الْجَمِيعِ. قَوْلُهُ: (نَتَحَيَّنُ) نَتَفَعَّلُ مِنْ الْحِينِ وَهُوَ الزَّمَانُ أَيْ: نُرَاقِبُ الْوَقْتَ الْمَطْلُوبَ. قَوْلُهُ: (مَشَى إلَيْهَا) أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ إتْيَانَ الْجِمَارِ مَاشِيًا وَرَاكِبًا جَائِزٌ لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ فِي رَمْي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَفِي غَيْرِهَا قَالَ الْجُمْهُورُ: الْمُسْتَحَبُّ الْمَشْيُ وَذَهَبَ الْبَعْضُ إلَى اسْتِحْبَابِ الرُّكُوبِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَالْمَشْيِ فِي غَيْرِهِ وَاَلَّذِي ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ الرُّكُوبُ لِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَالْمَشْيُ بَعْدَ ذَلِكَ مُطْلَقًا.
стр. 1657
٢٠٤١ - (وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ «كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيُسْهِلُ فَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ طَوِيلًا وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ فَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي الْجَمْرَةَ ذَاتَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي: وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ)
٢٠٤٢ - (وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لِرُعَاءِ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ عَنْ مِنًى يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْمُونَ الْغَدَاةَ وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ لِيَوْمَيْنِ، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ.» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ: «رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا وَيَدَعُوا يَوْمًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ)
٢٠٤٣ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «رَجَعْنَا فِي الْحَجَّةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَعْضُنَا يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَبَعْضُنَا يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسِتِّ حَصَيَاتٍ، وَلَمْ يَعِبْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ)
ــ
[نيل الأوطار]
حَدِيثُ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ أَخْرَجَهُ أَيْضًا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَفِي الْبَابِ عَنْ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَلَفْظِهِ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا بِاللَّيْلِ وَأَيَّةِ سَاعَةٍ شَاءُوا مِنْ النَّهَارِ» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الْبَزَّارِ وَالْحَاكِمِ وَالْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
وَحَدِيثُ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ سِيَاقُهُ فِي سُنَنِ النَّسَائِيّ هَكَذَا أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِيّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَ سَعْدٌ: فَذَكَرَهُ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ وَقَدْ أَخْرَجَ نَحْوَهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ «سُئِلَ عَنْ أَمْرِ الْجِمَارِ فَقَالَ: مَا أَدْرِي رَمَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسِتٍّ أَوْ سَبْعٍ» .
قَوْلُهُ: الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِضَمِّ الدَّالِ وَبِكَسْرِهَا أَيْ: الْقَرِيبَةَ إلَى جِهَةِ مَسْجِدِ الْخَيْفِ وَهِيَ أُولَى الْجَمَرَاتِ الَّتِي تُرْمَى ثَانِي يَوْمِ النَّحْرِ قَوْلُهُ: فَيُسْهِلُ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: يَقْصِدُ السَّهْلَ مِنْ الْأَرْضِ وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُسْتَوِي الَّذِي لَا ارْتِفَاعَ فِيهِ قَوْلُهُ: وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيهِ اسْتِحْبَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ
стр. 1658
بَابُ الْخُطْبَةِ أَوْسَطُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ
٢٠٤٤ - (عَنْ سَرَّاءَ بِنْتِ نَبْهَانَ قَالَتْ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الرُّءُوسِ، فَقَالَ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَلَيْسَ أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: وَكَذَلِكَ قَالَ عَمُّ أَبِي حُرَّةَ الرَّقَاشِيُّ: إنَّهُ خَطَبَ أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ)
٢٠٤٥ - (وَعَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي بَكْرٍ قَالَا: «رَأَيْنَا رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ بَيْنَ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَنَحْنُ عِنْدَ رَاحِلَتِهِ وَهِيَ خُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي خَطَبَ بِمِنًى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد)
ــ
[نيل الأوطار]
أَنَّهُ مَكْرُوهُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَنْكَرَ رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ
قَوْلُهُ: ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ أَيْ: يَمْشِي إلَى جِهَةِ الشِّمَالِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ الشِّمَالِ مِمَّا يَلِي الْوَادِي قَوْلُهُ: وَيَقُومُ طَوِيلًا فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْقِيَامِ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ وَتَرْكِهِ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَمَشْرُوعِيَّةُ الدُّعَاءِ عِنْدَهُمَا قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: لَا نَعْلَمُ لِمَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا مُخَالِفًا إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ تَرْكِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الدُّعَاءِ قَوْلُهُ: وَيَدَعُوا يَوْمًا أَيْ: يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَرْمُوا الْيَوْمَ الْأَوَّلَ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَيَذْهَبُوا إلَى إبِلهمْ فَيَبِيتُوا عِنْدَهَا وَيَدَعُوا يَوْمَ النَّفْرِ الْأَوَّلِ ثُمَّ يَأْتُوا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَيَرْمُوا مَا فَاتَهُمْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مَعَ رَمْي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَفِيهِ تَفْسِيرٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَرْمُونَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَيَدَعُونَ رَمْيَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَيَذْهَبُونَ ثُمَّ يَأْتُونَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ التَّشْرِيقِ فَيَرْمُونَ مَا فَاتَهُمْ ثُمَّ يَرْمُونَ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ كَمَا تَقَدَّمَ وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ وَإِنَّمَا رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ رَعْيَ الْإِبِلِ وَحِفْظَهَا لِتَشَاغُلِ النَّاسِ بِنُسُكِهِمْ عَنْهَا، وَلَا يُمْكِنُهُمْ الْجَمْعُ بَيْنَ رَعْيِهَا وَبَيْنَ الرَّمْيِ، وَالْمَبِيتِ فَيَجُوزُ لَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ لِلْعُذْرِ وَالرَّمْيِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي إلْحَاقِ بَقِيَّةِ الْمَعْذُورِينَ بِهِمْ فِي أَوَّلِ الْبَابِ.
قَوْلُهُ: وَلَمْ يَعِبْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ سَبْعِ حَصَيَاتٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ فِي بَابِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَكُونُ دَلِيلًا بِمُجَرَّدِ تَرْكِ إنْكَارِ الصَّحَابَةِ عَلَى بَعْضِهِمْ بَعْضًا إلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اطَّلَعَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَقَرَّرَهُ
стр. 1659
٢٠٤٦ - (وَعَنْ أَبِي نَضِرَةَ قَالَ: «حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إنَّ رَبّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إلَّا بِالتَّقْوَى أَبَلَّغْتُ؟ قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .» رَوَاهُ أَحْمَدُ)
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ الْخُطْبَةِ أَوْسَطُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ]
حَدِيثُ سَرَّاءَ بِنْتِ نَبْهَانَ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَالْمُنْذِرِيُّ وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: رِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَحَدِيثُ الرَّجُلَيْنِ مِنْ بَنِي بَكْرٍ سَكَتَ عَنْهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد وَالْمُنْذِرِيُّ وَالْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. وَحَدِيثُ أَبِي نَضِرَةَ قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ قَوْلُهُ: (سَرَّاءَ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَالْمَدِّ وَقِيلَ: الْقَصْرُ بِنْتُ نَبْهَانَ الْغَنَوِيَّةُ صَحَابِيَّةٌ لَهَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ قَالَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ قَوْلُهُ: (يَوْمَ الرُّءُوسِ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَالْهَمْزَةِ بَعْدَهَا وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّانِي مِنْ التَّشْرِيقِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ فِيهِ رُءُوسَ الْأَضَاحِيِّ
قَوْلُهُ: (أَيُّ يَوْمٍ هَذَا) سَأَلَ عَنْهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ لِتَكُونَ الْخُطْبَةُ أَوْقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ وَأَثْبَتَ قَوْلُهُ: (اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) هَذَا مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ فِي الْجَوَابِ لِلْأَكَابِرِ وَالِاعْتِرَافِ بِالْجَهْلِ، وَلَعَلَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ قَوْلُهُ: (عَمُّ أَبِي حُرَّةَ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَاسْمُ أَبِي حُرَّةَ حَنِيفَةُ وَقِيلَ: حَكِيمٌ وَالرَّقَاشِيُّ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ وَبَعْدَ الْأَلْفِ شِينٌ مُعْجَمَةٌ قَوْلُهُ: (أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) هُوَ الْيَوْمُ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ
قَوْلُهُ: (أَلَا إنَّ رَبّكُمْ وَاحِدٌ) . . . إلَخْ.
هَذِهِ مُقَدِّمَةٌ لِنَفْيِ فَضْلِ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ بِالْحَسَبِ وَالنَّسَبِ كَمَا كَانَ فِي زَمَنِ الْجَاهِلِيَّةِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الرَّبُّ وَاحِدًا وَأَبُو الْكُلِّ وَاحِدًا لَمْ يَبْقَ لِدَعْوَى الْفَضْلِ بِغَيْرِ التَّقْوَى مُوجِبٌ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ حَصْرُ الْفَضْلِ فِي التَّقْوَى وَنَفْيُهُ عَنْ غَيْرِهَا وَأَنَّهُ لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إلَّا بِهَا
وَلَكِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ «النَّاسَ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إذَا فَقِهُوا» ، فَفِيهِ إثْبَاتُ الْخِيَارِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا تَقْوَى هُنَاكَ وَجَعْلُهُمْ الْخِيَارَ فِي الْإِسْلَامِ بِشَرْطِ الْفِقْهِ فِي الدِّينِ وَلَيْسَ مُجَرَّدُ الْفِقْهِ فِي الدِّينِ سَبَبًا لِكَوْنِهِمْ خِيَارًا فِي الْإِسْلَامِ وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِاعْتِبَارِ كَوْنِهِمْ خِيَارًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَعْنَى وَلَكَانَ كُلُّ فَقِيهٍ فِي الدِّينِ مِنْ الْخِيَارِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْخِيَارِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَيْسَ أَيْضًا سَبَبُ كَوْنِهِمْ خِيَارٍ فِي الْإِسْلَامِ مُجَرَّدَ التَّقْوَى وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِذِكْرِ كَوْنِهِمْ خِيَارًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَعْنًى وَلَكَانَ كُلُّ مُتَّقٍ مِنْ الْخِيَارِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى كَوْنِهِ مِنْ خِيَارِ الْجَاهِلِيَّةِ فَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِشَراَفَةِ الْأَنْسَابِ وَكَرَمِ النِّجَارِ مَدْخَلًا فِي كَوْنِ أَهْلِهَا خِيَارًا وَخِيَارُ الْقَوْمِ:
стр. 1660
بَابُ نُزُولِ الْمُحَصَّبِ إذَا نَفَرَ مِنْ مِنًى
٢٠٤٧ - (عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)
٢٠٤٨ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْبَطْحَاءِ، ثُمَّ هَجَعَ هَجْعَةً، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ)
٢٠٤٩ - (وَعَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنَ عُمَرَ كَانُوا يَنْزِلُونَ الْأَبْطَحَ قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذَلِكَ وَقَالَتْ: إنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَنْزِلًا أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
٢٠٥٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: نُزُولُ الْأَبْطَحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ إنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ إذَا خَرَجَ) .
٢٠٥١ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: التَّحْصِيبُ لَيْسَ بِشَيْءٍ إنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا)
ــ
[نيل الأوطار]
أَفَاضِلُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ مَدْخَلٌ بِاعْتِبَارِ أَمْرِ الدِّينِ وَالْجَزَاءِ الْأُخْرَوِيِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ حَدِيثُ الْبَابِ عَلَى الْفَضْلِ الْأُخْرَوِيِّ وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْخُطْبَةِ فِي أَوَاسِطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي كِتَابِ الْعِيدَيْنِ أَنَّهَا مِنْ الْخُطَبِ الْمُسْتَحَبَّةِ فِي الْحَجِّ وَبَيَّنَّا هُنَالِكَ كَمْ يُسْتَحَبُّ مِنْ الْخُطَبِ فِي الْحَجِّ
[بَابُ نُزُولِ الْمُحَصَّبِ إذَا نَفَرَ مِنْ مِنًى]
قَوْلُهُ: (بِالْمُحَصَّبِ) بِمُهْمَلَتَيْنِ وَمُوَحَّدَةٍ عَلَى وَزْنِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ اسْمٌ لِمَكَانٍ مُتَّسَعٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ وَهُوَ إلَى مِنًى أَقْرَبُ مِنْ مَكَّةَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا بِهِ مِنْ الْحَصَا مِنْ جَرِّ السُّيُولِ وَيُسَمَّى بِالْأَبْطَحِ وَخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ قَوْلُهُ: (ثُمَّ هَجَعَ هَجْعَةً) أَيْ اضْطَجَعَ وَنَامَ يَسِيرًا. قَوْلُهُ: (أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ) أَيْ: أَسْهَلَ لِتَوَجُّهِهِ إلَى الْمَدِينَةِ لِيَسْتَوِيَ الْبَطِيءُ وَالْمُقْتَدِرُ، وَيَكُونُ مَبِيتُهُمْ
стр. 1661
بَابُ مَا جَاءَ فِي دُخُولِ الْكَعْبَةِ وَالتَّبَرُّكِ بِهَا
٢٠٥٢ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِي وَهُوَ قَرِيرُ الْعَيْنِ طَيِّبُ النَّفْسِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيَّ وَهُوَ حَزِينٌ، فَقُلْتُ لَهُ:؟ فَقَالَ: إنِّي دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ وَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ فَعَلْتُ، إنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ أَتْعَبْتُ أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ) .
٢٠٥٣ - (وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: «دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ فَجَلَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ، ثُمَّ قَامَ إلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْبَيْتِ، فَوَضَعَ صَدْرَهُ
ــ
[نيل الأوطار]
وَقِيَامُهُمْ فِي السَّحَرِ وَرَحِيلُهُمْ بِأَجْمَعِهِمْ إلَى الْمَدِينَةِ قَوْلُهُ: (لَيْسَ التَّحْصِيبُ بِشَيْءٍ) أَيْ: مِنْ الْمَنَاسِكِ الَّتِي يَلْزَمُ فِعْلُهَا.
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْخِلَافُ فِي اسْتِحْبَابِ نُزُولِ الْمُحَصَّبِ مَعَ الِاتِّفَاقِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَنَاسِكِ. وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «وَاَللَّهِ مَا نَزَلَهَا يَعْنِي: الْحَصْبَةَ إلَّا مِنْ أَجْلِي» وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: «لَمْ يَأْمُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَنْزِلَ الْأَبْطَحَ حِينَ خَرَجَ مِنْ مِنًى، وَلَكِنْ جِئْتُ فَضَرَبْتُ قُبَّتَهُ فَجَاءَ فَنَزَلَ» انْتَهَى وَلَا شَكَّ أَنَّ النُّزُولَ مُسْتَحَبٌّ لِتَقْرِيرِهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ وَفَعَلَهُ وَقَدْ فَعَلَهُ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّحْصِيبِ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «نَحْنُ نَازِلُونَ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ قَاسَمَتْ قُرَيْشًا عَلَى الْكُفْرِ» يَعْنِي: الْمُحَصَّبَ وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي كِنَانَةَ حَالَفَتْ قُرَيْشًا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُؤْوُهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَالْخَيْفُ الْوَادِي
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَنْفِرَ مِنْ مِنًى: نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا» فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَحَكَى النَّوَوِيُّ عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ نَفَى أَنَّهُ سُنَّةٌ كَعَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَنَاسِكِ فَلَا يَلْزَمُ بِتَرْكِهِ شَيْءٌ وَمَنْ أَثْبَتَهُ كَابْنِ عُمَرَ أَرَادَ دُخُولَهُ فِي عُمُومِ التَّأَسِّي بِأَفْعَالِهِ ﷺ لَا الْإِلْزَامِ بِذَلِكَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَيَبِيتَ بِهِ بَعْضَ اللَّيْلِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ. .
стр. 1662
عَلَيْهِ وَخَدَّهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ هَلَّلَ وَكَبَّرَ وَدَعَا، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ بِالْأَرْكَانِ كُلِّهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَأَقْبَلَ عَلَى الْقِبْلَةِ وَهُوَ عَلَى الْبَابِ، فَقَالَ: هَذِهِ الْقِبْلَةُ، هَذِهِ الْقِبْلَةُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً.» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ)
٢٠٥٤ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَفْوَانَ قَالَ: «لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ انْطَلَقْتُ فَوَافَقْتُهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ الْكَعْبَةِ وَأَصْحَابُهُ قَدْ اسْتَلَمُوا الْبَيْتَ مِنْ الْبَابِ إلَى الْحَطِيمِ، وَقَدْ وَضَعُوا خُدُودَهُمْ عَلَى الْبَيْتِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسْطَهُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد)
٢٠٥٥ - (وَعَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: «قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ فِي عُمْرَتِهِ؟ قَالَ: لَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ مَا جَاءَ فِي دُخُولِ الْكَعْبَةِ وَالتَّبَرُّكِ بِهَا]
حَدِيثُ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ. وَحَدِيثُ أُسَامَةَ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ وَأَصْلُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ فِي الْبَيْتِ وَلَكِنَّهُ كَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ» وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَفْوَانَ فِي إسْنَادِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيّ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي زِيَادٍ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ الذَّهَبِيُّ أَنَّهُ صَدُوقٌ مِنْ ذَوِي الْحِفْظِ وَذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. قَوْلُهُ: (وَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ فَعَلْتُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ فِي غَيْرِ عَامِ الْفَتْحِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ فِيهِ إنَّمَا كَانَتْ مَعَهُ فِي غَيْرِهِ. وَقَدْ جَزَمَ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ إلَّا فِي عَامِ الْفَتْحِ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَدْخُلْ الْبَيْتَ فِي عُمْرَتِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ دَخَلَهُ فِي حَجَّتِهِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ. وَقَدْ أَجَابَ الْبَعْضُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ قَالَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ غَزْوَةِ الْفَتْحِ. وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا.
وَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ دُخُولَ الْكَعْبَةِ لَيْسَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ دُخُولَهَا مِنْ الْمَنَاسِكِ.
وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّ دُخُولَهَا مُسْتَحَبٌّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «مَنْ دَخَلَ الْبَيْتَ دَخَلَ فِي جَنَّةٍ وَخَرَجَ مَغْفُورًا لَهُ» وَفِي إسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَمَحَلُّ اسْتِحْبَابِهِ مَا لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا بِدُخُولِهِ وَيَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ أَيْضًا حَدِيثُ أُسَامَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَفْوَانَ الْمَذْكُورَانِ فِي الْبَابِ.
قَوْلُهُ: (وَخَدَّهُ وَيَدَيْهِ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ
стр. 1663
بَابُ مَا جَاءَ فِي مَاءِ زَمْزَمَ
٢٠٥٦ - (عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ) .
٢٠٥٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ وَتُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
ــ
[نيل الأوطار]
وَضْعِ الْخَدِّ وَالصَّدْرِ عَلَى الْبَيْتِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، وَيُقَالُ لَهُ: الْمُلْتَزَمُ كَمَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْمُلْتَزَمُ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ.
وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ يَصِحُّ عَنْهُ مَوْقُوفًا وَسُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَلْتَزِمُونَهُ قَوْلُهُ: (ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ بِالْأَرْكَانِ كُلِّهَا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ وَضْعِ الصَّدْرِ وَالْخَدِّ عَلَى جَمِيعِ الْأَرْكَانِ مَعَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالدُّعَاءِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْبَابِ إلَى الْحَطِيمِ) هَذَا تَفْسِيرٌ لِلْمَكَانِ الَّذِي اسْتَلَمُوهُ مِنْ الْبَيْتِ وَالْحَطِيمُ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ كَمَا ذَكَرَهُ مُحِبُّ الدِّينِ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: الْحَطِيمُ مَا بَيْنَ الْبَابِ إلَى الْمَقَامِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هُوَ مَا بَيْنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى الْبَابِ إلَى الْمَقَامِ. وَقِيلَ: هُوَ الشَّاذَرْوَانُ وَقِيلَ: هُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ سِيَاقُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَسُمِّيَ حَطِيمًا؛ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يُحَطِّمُونَ هُنَالِكَ بِالْأَيْمَانِ وَيُسْتَجَابُ فِيهِ الدُّعَاءُ لِلْمَظْلُومِ عَلَى الظَّالِمِ وَقَلَّ مَنْ حَلَفَ هُنَاكَ كَاذِبًا إلَّا عُجِّلَتْ لَهُ الْعُقُوبَةُ.
وَفِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْحَطِيمَ هُوَ: الْمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ الْمِيزَابِ قَوْلُهُ: (وَسْطَهُمْ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: تَقُولُ جَلَسْتُ وَسْطَ الْقَوْمِ بِالتَّسْكِينِ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ، وَجَلَسْتُ وَسَطَ الدَّارِ بِالْفَتْحِ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ قَالَ: وَكُلُّ وَسَطٍ يَصْلُحُ فِيهِ بَيْنٌ فَهُوَ وَسْطٌ بِالْإِسْكَانِ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ بَيْنٌ فَهُوَ وَسَطٌ بِالْفَتْحِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ كُلُّ مَا يَبِينُ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ كَوَسَطِ الصَّفِّ وَالْقِلَادَةِ وَالسُّبْحَةِ وَحَلَقَةِ النَّاسِ فَهُوَ بِالْإِسْكَانِ، وَمَا كَانَ مُنْضَمًّا لَا يَبِينُ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ كَالسَّاحَةِ وَالدَّارِ وَالرَّحْبَةِ فَهُوَ وَسَطٌ بِالْفَتْحِ قَالَ: وَقَدْ أَجَازُوا فِي الْمَفْتُوحِ الْإِسْكَانَ وَلَمْ يُجِيزُوا فِي السَّاكِنِ الْفَتْحَ.
قَوْلُهُ: (أَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ فِي عُمْرَتِهِ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: سَبَبُ تَرْكِ دُخُولِهِ مَا كَانَ فِي الْبَيْتِ مِنْ الْأَصْنَامِ وَالصُّوَرِ وَلَمْ يَكُنْ الْمُشْرِكُونَ يَلْتَزِمُونَهُ لِيُغَيِّرَهَا فَلَمَّا كَانَ فِي الْفَتْحِ أَمَرَ بِإِزَالَةِ الصُّوَرِ، ثُمَّ دَخَلَهَا يَعْنِي كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ دُخُولُهُ الْبَيْتَ لَمْ يَقَعْ فِي الشَّرْطِ فَلَوْ أَرَادَ دُخُولَهُ لَمَنَعُوهُ كَمَا مَنَعُوهُ مِنْ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ فَوْقَ ثَلَاثٍ
стр. 1664
كَانَ يَحْمِلُهُ.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .
٢٠٥٨ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ إلَى السِّقَايَةِ فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا فَضْلُ اذْهَبْ إلَى أُمِّكَ فَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا، فَقَالَ: اسْقِنِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : إنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ، قَالَ: اسْقِنِي فَشَرِبَ ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْتَقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا، فَقَالَ: اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الْحَبْلَ يَعْنِي: عَلَى عَاتِقِهِ، وَأَشَارَ إلَى عَاتِقِهِ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)
٢٠٥٩ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ آيَةَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
٢٠٦٠ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ، إنْ شَرِبْتَهُ تَسْتَشْفِي بِهِ شَفَاكَ اللَّهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ يُشْبِعُكَ أَشْبَعَكَ اللَّهُ بِهِ، وَإِنْ شَرِبَتْهُ لِقَطْعِ ظَمَئِكَ قَطَعَهُ اللَّهُ وَهِيَ هَزْمَةُ جِبْرِيلَ وَسُقْيَا إسْمَاعِيلَ.» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ)
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ مَا جَاءَ فِي مَاءِ زَمْزَمَ]
حَدِيثُ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ الْمُنْذِرِيُّ وَالدِّمْيَاطِيُّ وَحَسَّنَهُ الْحَافِظُ وَفِي إسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَأَعَلَّهُ ابْنُ الْقَطَّانِ بِهِ وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ جَابِرٍ وَفِيهَا سُوَيْد بْنُ سَعِيدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا وَإِنْ كَانَ مُسْلِمٌ قَدْ أَخْرَجَ لَهُ فَإِنَّمَا أَخْرَجَ لَهُ فِي الْمُتَابَعَاتِ قَالَ الْحَافِظُ: وَأَيْضًا فَكَانَ أَخْذُهُ عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يَعْمَى وَيَفْسُدَ حَدِيثُهُ وَكَذَلِكَ أَمْرُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ابْنَهُ بِالْأَخْذِ عَنْهُ كَانَ قَبْلَ عَمَاهُ، وَلَمَّا عَمِيَ صَارَ يُلَقَّنُ فَيَتَلَقَّنُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: لَوْ كَانَ لِي فَرَسٌ وَرُمْحٌ لَغَزَوْتُ سُوَيْدًا، مِنْ شِدَّةِ مَا كَانَ يُذْكَرُ لَهُ عَنْهُ مِنْ الْمَنَاكِيرِ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ثَالِثَةٍ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ قَالَ: شَرِبْتُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَشَرِبْتَ مِنْهَا كَمَا يَنْبَغِي قَالَ: وَكَيْفَ ذَاكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: إذَا شَرِبْتَ مِنْهَا فَاسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَاذْكُرْ
стр. 1665
بَابُ طَوَافِ الْوَدَاعِ
ــ
[نيل الأوطار]
اسْمَ اللَّهِ وَتَنَفَّسَ ثَلَاثًا وَتَضَلَّعْ مِنْهَا فَإِذَا فَرَغْتَ فَاحْمَدْ اللَّهِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «آيَةُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ» وَحَدِيثُهُ الثَّانِي أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَزَادَ الدَّارَقُطْنِيّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَإِنْ شَرِبْتَهُ مُسْتَعِيذًا أَعَاذَكَ اللَّهُ قَالَ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إذَا شَرِبَ مَاءَ زَمْزَمَ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا وَرِزْقًا وَاسِعًا وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْجَارُودِيِّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَالْجَارُودِيُّ صَدُوقٌ إلَّا أَنَّ رِوَايَتَهُ شَاذَّةٌ فَقَدْ رَوَاهُ حُفَّاظُ أَصْحَابِ ابْنِ عُيَيْنَةَ كَالْحُمَيْدِيِّ وَابْنِ أَبِي عُمَرَ وَغَيْرِهِمَا عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمِمَّا يُقَوِّي الرَّفْعَ مَا أَخْرَجَهُ الدِّينَوَرِيُّ فِي الْمُجَالَسَةِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ الْحَدِيثُ الَّذِي حَدَّثْتَنَا بِهِ عَنْ مَاءِ زَمْزَمَ صَحِيحٌ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَإِنِّي شَرِبْتُهُ الْآنَ لِتُحَدِّثْنِي مِائَةَ حَدِيثٍ قَالَ: اجْلِسْ فَحَدَّثَهُ مِائَةَ حَدِيثٍ
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا عِنْدَ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ: «زَمْزَمُ مُبَارَكَةٌ إنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ وَشِفَاءُ سَقَمٍ» وَهُوَ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَعَنْ جَابِرٍ غَيْرُ حَدِيثِ الْبَابِ عِنْدَ مُسْلِمٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ مِنْهُ» قَوْلُهُ: (مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَاءَ زَمْزَمَ يَنْفَعُ الشَّارِبَ لِأَيِّ أَمْرٍ شَرِبَهُ لِأَجْلِهِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا أَوْ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّ مَا فِي قَوْلِهِ: لِمَا شُرِبَ لَهُ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ يَحْمِلُهُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِحَمْلِ مَاءَ زَمْزَمَ إلَى الْمَوَاطِنِ الْخَارِجَةِ عَنْ مَكَّةَ قَوْلُهُ: (لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا) وَذَلِكَ بِأَنْ يَظُنَّ النَّاسُ أَنَّ النَّزْعَ سُنَّةٌ فَيَنْزِعُ كُلُّ رَجُلٍ لِنَفْسِهِ فَيَغْلِبُ أَهْلُ السِّقَايَةِ عَلَيْهَا وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابِ الشُّرْبِ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الشُّرْبَ جِبِلِّيٍّ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ إذْ لَا تَأَسِّي فِي الْجِبِلِّيِّ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْقَصْدَ إلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ وَالْأَمْرَ بِالنَّزْعِ وَإِعْطَاءَ أُسَامَةَ الْفَضْلَةَ لِيَشْرَبَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَدْعِيَ الْمَاءُ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشُّرْبَ لِلْفَضِيلَةِ لَا لِلْحَاجَةِ قَوْلُهُ: (لَا يَتَضَلَّعُونَ) أَيْ: لَا يُرْوُونَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَتَضَلَّعَ امْتَلَأَ شِبَعًا أَوْ رِيًّا حَتَّى بَلَغَ الْمَاءُ أَضْلَاعَهُ انْتَهَى قَوْلُهُ: (هَزْمَةُ) بِالزَّايِ أَيْ: حُفْرَةُ جِبْرِيلَ لِأَنَّهُ ضَرَبَهَا بِرِجْلِهِ فَنَبَعَ الْمَاءُ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: هَزَمَهُ يَهْزِمُهُ: غَمَزَهُ بِيَدِهِ فَصَارَتْ فِيهِ حُفْرَةٌ ثُمَّ قَالَ: وَالْهَزَائِمُ: الْبِئَارُ الْكَبِيرَةُ الْغُزْرُ الْمَاءِ قَوْلُهُ: (وَسُقْيَا إسْمَاعِيلَ) أَيْ: أَظْهَرَهُ اللَّهُ لِيَسْقِيَ بِهِ إسْمَاعِيلَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ.
стр. 1666
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَنْفِرُ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَفِي رِوَايَةٍ: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
٢٠٦٢ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَصْدُرَ قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ إذَا كَانَتْ قَدْ طَافَتْ فِي الْإِفَاضَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ)
٢٠٦٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «حَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ قَالَتْ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَحَابِسَتُنَا هِيَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ ثُمَّ حَاضَتْ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ، قَالَ: فَلْتَنْفِرْ إذَنْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ طَوَافِ الْوَدَاعِ]
قَوْلُهُ: (لَا يَنْفِرُ أَحَدٌ) . . . إلَخْ، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ طَوَافِ الْوَدَاعِ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَيَلْزَمُ بِتَرْكِهِ دَمٌ وَقَالَ مَالِكٌ وَدَاوُد وَابْنُ الْمُنْذِرِ: هُوَ سُنَّةٌ لَا شَيْءَ فِي تَرْكِهِ قَالَ الْحَافِظُ: وَاَلَّذِي رَأَيْته لِابْنِ الْمُنْذِرِ فِي الْأَوْسَطِ أَنَّهُ وَاجِبٌ لِلْأَمْرِ بِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِتَرْكِهِ شَيْءٌ انْتَهَى وَقَدْ اجْتَمَعَ فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ أَمْرُهُ ﷺ بِهِ وَنَهْيُهُ عَنْ تَرْكِهِ وَفِعْلُهُ الَّذِي هُوَ بَيَانٌ لِلْمُجْمَلِ الْوَاجِبِ وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ الْوُجُوبَ قَوْلُهُ: (أُمِرَ النَّاسُ) بِالْبِنَاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَكَذَا قَوْلُهُ: خُفِّفَ قَوْلُهُ: (إذَا كَانَتْ قَدْ طَافَتْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ بِالْأَمْصَارِ: لَيْسَ عَلَى الْحَائِضِ الَّتِي أَفَاضَتْ طَوَافُ وَدَاعٍ وَرَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُمْ أَمَرُوهَا بِالْمَقَامِ إذَا كَانَتْ حَائِضًا لِطَوَافِ الْوَدَاعِ فَكَأَنَّهُمْ أَوْجَبُوهُ عَلَيْهَا كَمَا يَجِبُ عَلَيْهَا طَوَافُ الْإِفَاضَةِ إذْ لَوْ حَاضَتْ قَبْلَهُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهَا قَالَ: وَقَدْ ثَبَتَ رُجُوعُ ابْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ ذَلِكَ وَبَقِيَ عُمَرُ فَخَالَفْنَاهُ لِثُبُوتِ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ كَانَ الصَّحَابَةُ يَقُولُونَ إذَا أَفَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ فَقَدْ فَرَغَتْ، إلَّا عُمَرَ
وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لِيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ وَفِي رِوَايَةٍ كَذَلِكَ
стр. 1667
بَابُ مَا يَقُولُ إذَا قَدِمَ مِنْ حَجٍّ أَوْ غَيْرِهِ
٢٠٦٤ - (عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
ــ
[نيل الأوطار]
حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ عَلَى نَسْخِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي حَقِّ الْحَائِضِ. وَكَذَلِكَ اسْتَدَلَّ عَلَى نَسْخِهِ بِحَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ أَنَّهَا قَالَتْ: «حِضْتُ بَعْدَمَا طُفْتُ بِالْبَيْتِ فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَنْفِرَ وَحَاضَتْ صَفِيَّةُ فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: حَبَسَتْنَا فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَنْفِرَ»
وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي كِتَابِ الْمَنَاسِكِ وَإِسْحَاقُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «مَنْ حَجَّ فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ إلَّا الْحُيَّضَ رَخَّصَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ »
قَوْلُهُ: (فَلْتَنْفِرْ إذَنْ) أَيْ: فَلَا حَبْسَ عَلَيْنَا حِينَئِذٍ لَأَنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ فَلَا مَانِعَ مِنْ التَّوَجُّهِ وَاَلَّذِي يَجِبُ عَلَيْهَا قَدْ فَعَلَتْهُ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «فَلَا بَأْسَ انْفِرِي» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ اُخْرُجِي وَفِي رِوَايَةٍ فَلْتَنْفِرْ وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ وَالْمُرَادُ بِهَا الرَّحِيلُ مِنْ مِنًى إلَى جِهَةِ الْمَدِينَةِ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: (أَحَابِسَتُنَا) عَلَى أَنَّ أَمِيرَ الْحَاجِّ يَلْزَمُهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الرَّحِيلَ لِأَجْلِ مَنْ تَحِيضُ مِمَّنْ لَمْ تَطُفْ لِلْإِفَاضَةِ وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ﷺ أَرَادَ بِتَأْخِيرِ الرَّحِيلِ إكْرَامَ صَفِيَّةَ كَمَا احْتَبَسَ بِالنَّاسِ عَلَى عَقْدِ عَائِشَةَ وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَالثَّقَفِيُّ فِي فَوَائِدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَمِيرَانِ وَلَيْسَا بِأَمِيرَيْنِ مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ حَتَّى تُدْفَنَ أَوْ يَأْذَنَ أَهْلُهَا، وَالْمَرْأَةُ تَحُجُّ أَوْ تَعْتَمِرُ مَعَ قَوْمٍ فَتَحِيضُ قَبْلَ طَوَافِ الرُّكْنِ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا حَتَّى تَطْهُرَ أَوْ تَأْذَنَ لَهُمْ» فَفِي إسْنَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا ضَعِيفٌ شَدِيدُ الضَّعْفِ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ.
[بَابُ مَا يَقُولُ إذَا قَدِمَ مِنْ حَجٍّ أَوْ غَيْرِهِ]
قَوْلُهُ (شَرَفٍ) هُوَ الْمَكَانُ الْعَالِي كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «كَانَ إذَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أَوْ فَدْفَدٍ كَبَّرَ» قَوْلُهُ: (آيِبُونَ) أَيْ: رَاجِعُونَ وَهُوَ وَمَا بَعْدُهُ إخْبَارٌ لِمُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أَيْ: نَحْنُ آيِبُونَ. . . إلَخْ قَوْلُهُ: (صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ) أَيْ: فِي إظْهَارِ الدِّينِ وَكَوْنِ الْعَاقِبَةِ لِلْمُتَّقِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَعَدَ بِهِ سُبْحَانَهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩] قَوْلُهُ: وَهَزَمَ
стр. 1668
بَابُ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ
٢٠٦٥ - (عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ حِجَّةٌ أُخْرَى قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَا: صَدَقَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ: مَنْ عَرَجَ أَوْ كُسِرَ أَوْ مَرِضَ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ وَفِي رِوَايَةٍ ذَكَرَهَا أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَزِيِّ مَنْ حُبِسَ بِكَسْرٍ أَوْ مَرَضٍ)
٢٠٦٦ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنْ الْحَجِّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحِلُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا فَيُهْدِيَ أَوْ يَصُومَ إنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ)
٢٠٦٧ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ أَمَرَ أَبَا أَيُّوبَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ حِينَ فَاتَهُمَا الْحَجُّ فَأَتَيَا يَوْمَ النَّحْرِ أَنْ يَحِلَّا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ يَرْجِعَا حَلَالًا ثُمَّ يَحُجَّا عَامًا قَابِلًا وَيُهْدِيَا فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ) .
٢٠٦٨ - (وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ ابْنَ حُزَابَةَ الْمَخْزُومِيَّ صُرِعَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ فَسَأَلَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، فَوَجَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَمَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فَذَكَرَ لَهُمْ الَّذِي عَرَضَ لَهُ وَكُلُّهُمْ أَمَرَهُ أَنْ يَتَدَاوَى بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَيَفْتَدِيَ، فَإِذَا صَحَّ اعْتَمَرَ فَحَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ ثُمَّ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ قَابِلًا وَيُهْدِيَ)
ــ
[نيل الأوطار]
الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ أَيْ: مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَالْمُرَادُ بِالْأَحْزَابِ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَتَحَزَّبُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْزَابِ أَحْزَابُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَحْزَابُ الْكُفْرِ فِي جَمِيعِ الْأَيَّامِ وَالْمَوَاطِنِ. وَالْحَدِيثُ فِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالدُّعَاءِ الْمَذْكُورِ عِنْدَ كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ يَعْلُوهُ الرَّاجِعُ إلَى وَطَنِهِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ غَزْوٍ
стр. 1669
٢٠٦٩ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ حُبِسَ دُونَ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ لِمَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ)
٢٠٧٠ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا حَصْرَ إلَّا حَصْرُ الْعَدُوِّ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ)
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ]
حَدِيثُ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَالْمُنْذِرِيُّ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَأَثَرُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ وَأَخْرَجَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَمَرَ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ عُمَرَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى وَالْأَثَرُ الَّذِي رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْهُ وَلَكِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ لَمْ يُدْرِكْ الْقِصَّةَ وَأَثَرُ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْهُ وَأَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحَّحَ الْحَافِظُ إسْنَادَهُ قَوْلُهُ: (مَنْ كُسِرَ) بِضَمِّ الْكَافِ وَكَسْرِ السِّينِ قَوْلُهُ: (أَوْ عَرَجَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ: أَيْ: أَصَابَهُ شَيْءٌ فِي رِجْلِهِ وَلَيْسَ بِخِلْقَةٍ، فَإِذَا كَانَ خِلْقَةً قِيلَ: عَرِجَ بِكَسْرِ الرَّاءِ
قَوْلُهُ: (فَقَدْ حَلَّ) تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ هَذَا أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد فَقَالَا: إنَّهُ يَحِلُّ فِي مَكَانِهِ بِنَفْسِ الْكَسْرِ وَالْعَرَجِ وَأَجْمَعَ بَقِيَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يَحِلُّ مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ، وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا فِيمَا بِهِ يَحِلُّ وَعَلَامَ يُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ، فَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا شُرِطَ التَّحَلُّلُ بِهِ، فَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ صَارَ حَلَالًا وَلَا يَلْزَمُ الدَّمُ وَقَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ: يَحِلُّ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ لَا يَحِلُّهُ غَيْرُهُ، وَمَنْ خَالَفَهُ مِنْ الْكُوفِيِّينَ يَقُولُ: يَحِلُّ بِالنِّيَّةِ وَالذَّبْحِ وَالْحَلْقِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (أَوْ مَرِضَ) الْإِحْصَارُ لَا يَخْتَصُّ بِالْأَعْذَارِ الْمَذْكُورَةِ بَلْ كُلُّ عُذْرٍ حُكْمُهُ حُكْمُهَا كَإِعْوَازِ النَّفَقَةِ وَالضَّلَالِ فِي الطَّرِيقِ وَبَقَاءِ السَّفِينَةِ فِي الْبَحْرِ وَبِهَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ: قَالَ النَّخَعِيّ وَالْكُوفِيُّونَ: الْحَصْرُ بِالْكَسْرِ وَالْمَرَضُ وَالْخَوْفُ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: لَا حَصْرَ إلَّا بِالْعَدُوِّ، وَتَمَسَّكُوا بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ قَوْلًا أَنَّهُ لَا حَصْرَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الْإِحْصَارِ، فَالْمَشْهُورُ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْهُمْ الْأَخْفَشُ وَالْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَابْنُ السِّكِّيتِ وَثَعْلَبٌ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ الْإِحْصَارَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْمَرَضِ وَأَمَّا بِالْعَدُوِّ فَهُوَ الْحَصْرُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ أُحْصِرَ وَحُصِرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ
قَوْلُهُ: (سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ) قَالَ عِيَاضٌ: ضَبَطْنَاهُ سُنَّةً بِالنَّصْبِ عَلَى
стр. 1670
بَابُ تَحَلُّلِ الْمُحْصَرِ عَنْ الْعُمْرَةِ بِالنَّحْرِ ثُمَّ الْحَلْقِ حَيْثُ أُحْصِرَ مَنْ حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ وَأَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ
٢٠٧١ - (عَنْ الْمِسْوَرِ وَمَرْوَانَ فِي حَدِيثِ عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَالصُّلْحِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا.» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ الْمِسْوَرِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ» )
ــ
[نيل الأوطار]
الِاخْتِصَاصِ وَعَلَى إضْمَارِ فِعْلٍ: أَيْ: تَمَسَّكُوا وَشِبْهُهُ وَخَبَرُ حَسْبُكُمْ طَافَ بِالْبَيْتِ وَيَصِحُّ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّ سُنَّةَ خَبَرُ حَسْبُكُمْ أَوْ الْفَاعِلُ وَحَسْبُكُمْ بِمَعْنَى الْفِعْلِ وَيَكُونُ مَا بَعْدَهُمَا تَفْسِيرًا لِلسُّنَّةِ وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: مَنْ نَصَبَ سُنَّةً فَهُوَ بِإِضْمَارِ الْأَمْرِ كَأَنَّهُ قَالَ: الْزَمُوا سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ قَوْلُهُ: (طَافَ بِالْبَيْتِ) أَيْ: إذَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: إنْ حَبَسَ أَحَدًا مِنْكُمْ حَابِسٌ عَنْ الْبَيْتِ فَإِذَا وَصَلَ طَافَ قَوْلُهُ: (حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ مِنْ الْقَابِلِ عَلَى مَنْ أُحْصِرَ وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِيهِ
قَوْلُهُ: (فَيُهْدِي) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْهَدْيِ عَلَى الْمُحْصَرِ وَلَكِنَّ الْإِحْصَارَ الَّذِي وَقَعَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ إنَّمَا وَقَعَ فِي الْعُمْرَةِ فَقَاسَ الْعُلَمَاءُ الْحَجَّ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ الْإِلْحَاقِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ، وَإِلَى وُجُوبِ الْهَدْيِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ فَقَالَ: إنَّهُ لَا يَجِبُ الْهَدْيُ عَلَى الْمُحْصَرِ، وَعَوَّلَ عَلَى قِيَاسِ الْإِحْصَارِ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ الصَّوْمِ لِلْعُذْرِ، وَالتَّمَسُّكُ بِمِثْلِ هَذَا الْقِيَاسِ فِي مُقَابِلِ مَا يُخَالِفُهُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مِنْ الْغَرَائِبِ الَّتِي يُتَعَجَّبُ مِنْ وُقُوعِ مِثْلِهَا مِنْ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ قَوْلُهُ: (ابْنَ حُزَابَةَ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا زَايٌ ثُمَّ بَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَةٌ قَوْلُهُ: (فَسَأَلَ عَلَى الْمَاءِ) هَكَذَا فِي بَعْضِ نُسَخِ هَذَا الْكِتَابِ وَفِي بَعْضِهَا: عَنْ الْمَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مِنْ الْمُوَطَّإِ: عَلَى الْمَاءِ، وَنُسْخَةٍ بِعَنْ. قَوْلُهُ: (فَوَجَدَ) هَذِهِ اللَّفْظَةُ ثَابِتَةٌ فِي نُسْخَةٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِالْآثَارِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ عَلَى وُجُوبِ الْهَدْيِ، وَأَنَّ الْإِحْصَارَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ عَنْ ذَلِكَ، وَعَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَسَيَأْتِي. .
стр. 1671
٢٠٧٢ - (وَعَنْ الْمِسْوَرِ وَمَرْوَانَ قَالَا: «قَلَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَحْرَمَ مِنْهَا بِالْعُمْرَةِ، وَحَلَقَ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي عُمْرَتِهِ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ، وَنَحَرَ بِالْحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ)
٢٠٧٣ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إنَّمَا الْبَدَلُ عَلَى مَنْ نَقَضَ حَجَّهُ بِالتَّلَذُّذِ، فَأَمَّا مَنْ حَبَسَهُ عَدُوٌّ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحِلُّ وَلَا يَرْجِعُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَهُوَ مُحْصَرٌ نَحَرَهُ إنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ، وَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ)
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ تَحَلُّلِ الْمُحْصَرِ عَنْ الْعُمْرَةِ بِالنَّحْرِ ثُمَّ الْحَلْقِ حَيْثُ أُحْصِرَ مَنْ حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ]
وَقَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ: يَنْحَرُ هَدْيَهُ وَيَحْلِقُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ نَحَرُوا وَحَلَقُوا وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ الطَّوَافِ وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْهَدْيُ إلَى الْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يَذْكُرُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَحَدًا أَنْ يَقْضِيَ شَيْئًا، وَلَا يَعُودُوا لَهُ، وَالْحُدَيْبِيَةُ خَارِجُ الْحَرَمِ كُلُّ هَذَا كَلَامُ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ قَوْلُهُ: (فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُحْصَرَ يُقَدِّمُ النَّحْرَ عَلَى الْحَلْقِ، وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ حَلَقَ وَجَامَعَ نِسَاءَهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ» ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ بِالْوَاوِ إنَّمَا هُوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ وَلَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ، فَإِنْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى النَّحْرِ فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ وُجُوبِ الدَّمِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ.
قَوْلُهُ: (إنَّمَا الْبَدَلُ) . . . إلَخْ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ: أَيْ: الْقَضَاءُ لِمَا أُحْصِرَ فِيهِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ كَمَا فِي الْفَتْحِ، وَقَالَ فِي الْبَحْرِ: إنَّ عَلَى الْمُحْصَرِ الْقَضَاءَ إجْمَاعًا فِي الْفَرْضِ الْعِتْرَةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَكَذَا فِي النَّفْلِ انْتَهَى وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ وَاحْتَجَّ الْمُوجِبُونَ لِلْقَضَاءِ بِحَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو السَّالِفِ وَهُوَ نَصٌّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَبِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ لِقَوْلِهِ فِيهِ: حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا فَيُهْدِيَ بَعْدَ قَوْلِهِ: حَسْبُكُمْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْآثَارِ وَقَالَ الَّذِينَ لَمْ يُوجِبُوا الْقَضَاءَ: لَمْ يَذْكُرْ اللَّهُ تَعَالَى الْقَضَاءَ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَذَكَرَهُ، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الذِّكْرِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْعَدَمَ قَالُوا: ثَانِيًا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ إذَا انْفَرَدَ فَكَيْفَ إذَا عَارَضَ الْمَرْفُوعَ؟ قَالُوا: ثَالِثًا لَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ ﷺ أَحَدًا مِمَّنْ أُحْصِرَ مَعَهُ فِي الْحُدَيْبِيَةِ بِأَنْ يَقْضِيَ وَلَوْ لَزِمَهُمْ الْقَضَاءُ لَأَمَرَهُمْ قَالَ الشَّافِعِيُّ:
стр. 1672
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
إنَّمَا سُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ وَالْقَضِيَّةِ لِلْمُقَاضَاةِ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ، لَا عَلَى أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ قَضَاءَ تِلْكَ الْعُمْرَةِ وَهَذَا الدَّلِيلُ الَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ يُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، وَعَنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ وَغَيْرِهِمَا قَالُوا: «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَعْتَمِرُوا فَلَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ قُتِلَ بِخَيْبَرَ أَوْ مَاتَ وَخَرَجَ جَمَاعَةٌ مَعَهُ مُعْتَمِرِينَ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدْ الْحُدَيْبِيَةَ فَكَانَتْ عِدَّتُهُمْ أَلْفَيْنِ»
قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا إنْ صَحَّ وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ بِأَنَّ الْأَمْرَ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ جَازِمٌ بِأَنَّ جَمَاعَةً تَخَلَّفُوا لِغَيْرِ عُذْرٍ وَقَدْ رَوَى الْوَاقِدِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْعُمْرَةُ قَضَاءً، وَلَكِنْ كَانَ شَرْطًا عَلَى قُرَيْشٍ أَنْ يَعْتَمِرَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ قَابِلٍ فِي الشَّهْرِ الَّذِي صَدَّهُمْ الْمُشْرِكُونَ فِيهِ انْتَهَى وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ تَرْكَ أَمْرِهِ ﷺ لَا يَنْتَهِضُ لِمُعَارِضَةِ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْأَمْرُ رُبَّمَا كَانَ لَعِلْمِهِمْ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ أُحْصِرَ بِدَلِيلٍ آخَرَ كَحَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَاحِدٌ بَقِيَ هَاهُنَا شَيْءٌ هُوَ أَنَّ قَوْلَهُ (وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ) . وَقَوْلُهُ (وَعَلَيْهِ حِجَّةٌ أُخْرَى) يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ تَأْدِيَةَ الْحَجِّ الْمَفْرُوضِ أَوْ مَا كَانَ يُرِيدُ أَدَاءَهُ فِي عَامِ الْإِحْصَارِ لَا أَنَّهُ الْقَضَاءُ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ مَا يُوجِبُهُ، بَلْ غَايَةُ مَا هُنَاكَ أَنَّهُ مَنَعَهُ عَنْ تَأْدِيَةِ مَا أَرَادَ فِعْلَهُ مَانِعٌ فَعَلَيْهِ فِعْلُهُ، وَلَا يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ عُرُوضِ الْمَانِعِ وَتَعْيِينُ الْعَامُ الْقَابِلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِ.
قَوْلُهُ: (بِالتَّلَذُّذِ) بِمُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ الْجِمَاعُ قَوْلُهُ: (فَأَمَّا مَنْ حَبَسَهُ عَدُوٌّ) هَكَذَا فِي نُسَخِ الْكِتَابِ عَدُوٌّ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْضًا وَالْوَاوِ، وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي ذَرٍّ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَرَوَاهُ الْأَكْثَرُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءُ مَكَانِ الْوَاوِ الْمُحْصِرُ قَوْلُهُ: (نَحَرَهُ) قَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي مَحَلِّ نَحْرِ الْهَدْيِ لِلْمُحْصَرِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: يَذْبَحُ الْمُحْصَرُ الْهَدْيَ حَيْثُ يَحِلُّ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحِلِّ أَوْ الْحَرَمِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَذْبَحُهُ إلَّا فِي الْحَرَمِ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ مِنْهُمْ الْهَادِي وَفَصَّلَ آخَرُونَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ قَالَ: وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ هَلْ نَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحُدَيْبِيَةِ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ، وَكَانَ عَطَاءُ يَقُولُ: لَمْ يَنْحَرْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ إلَّا فِي الْحَرَمِ، وَوَافَقَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي: إنَّمَا نَحَرَ فِي الْحِلِّ. .
١ -
فَائِدَةٌ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِهِ هَذَا زِيَارَةَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ الْمَوْطِنُ الَّذِي يَحْسُنُ ذِكْرُهَا فِيهِ كِتَابَ الْجَنَائِزِ، وَلَكِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ تُفْعَلُ فِي سَفَرِ الْحَجِّ فِي الْغَالِبِ ذَكَرَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ فَأَحْبَبْنَا ذِكْرَهَا هَاهُنَا تَكْمِيلًا لِلْفَائِدَةِ
стр. 1673
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
وَقَدْ اخْتَلَفَتْ فِيهَا أَقْوَالُ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ إلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: إنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَذَهَبَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ الْحَنْبَلِيُّ حَفِيدُ الْمُصَنِّفِ الْمَعْرُوفُ بِشَيْخِ الْإِسْلَامِ إلَى أَنَّهَا غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَالْجُوَيْنِيِّ وَالْقَاضِي عِيَاضٍ كَمَا سَيَأْتِي
احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤] الْآيَةَ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا أَنَّهُ ﷺ حَيٌّ فِي قَبْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ «الْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ» وَقَدْ صَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَأَلَّفَ فِي ذَلِكَ جُزْءًا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ: قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ نَبِيَّنَا ﷺ حَيٌّ بَعْدَ وَفَاتِهِ انْتَهَى وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ أَنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ يُرْزَقُونَ فِي قُبُورِهِمْ وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْهُمْ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ حَيٌّ فِي قَبْرِهِ كَانَ الْمَجِيءُ إلَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْمَجِيءِ إلَيْهِ قَبْلَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ وَرَدَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَتْرُكُونَ قُبُورَهُمْ فَوْقَ ثَلَاثٍ.
وَرُوِيَ فَوْقَ أَرْبَعِينَ، فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ قَدَحَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ وَيُعَارِضُ الْقَوْلَ بِدَوَامِ حَيَاتِهِمْ فِي قُبُورِهِمْ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ ﷺ تُرَدُّ إلَيْهِ رُوحُهُ عِنْدَ التَّسْلِيمِ عَلَيْهِ، نَعَمْ حَدِيثُ «مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي» الَّذِي سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إنْ صَحَّ فَهُوَ الْحُجَّةُ فِي الْمَقَامِ وَاسْتَدَلُّوا ثَانِيًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠] الْآيَةَ، وَالْهِجْرَةُ إلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ الْوُصُولُ إلَى حَضْرَتِهِ كَذَلِكَ الْوُصُولُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّ الْوُصُولَ إلَى حَضْرَتِهِ فِي حَيَاتِهِ فِيهِ فَوَائِدٌ لَا تُوجَدُ فِي الْوُصُولِ إلَى حَضْرَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْهَا النَّظَرُ إلَى ذَاتِهِ الشَّرِيفَةِ وَتَعَلُّمُ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ مِنْهُ وَالْجِهَادُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَاسْتَدَلُّوا ثَالِثًا بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ مِنْهَا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ عَلَى الْعُمُومِ وَالنَّبِيُّ ﷺ دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ دُخُولًا أَوَّلِيًّا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي الْجَنَائِزِ وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ فِي زِيَارَتِهَا وَمِنْهَا أَحَادِيثُ خَاصَّةٌ بِزِيَارَةِ قَبْرِهِ الشَّرِيفِ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ حَاطِبٍ عَنْ حَاطِبٍ قَالَ: قَالَ ﷺ : «مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي» وَفِي إسْنَادِهِ الرَّجُلُ الْمَجْهُولُ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضًا قَالَ: فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ عَدِيٍّ فِي كَامِلِهِ وَفِي إسْنَادِهِ حَفْصُ بْنُ أَبِي دَاوُد وَهُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ وَقَالَ أَحْمَدُ فِيهِ: إنَّهُ صَالِحٌ وَعَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ قَالَ الْحَافِظُ: وَفِي طَرِيقِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْعُقَيْلِيِّ مِثْلُهُ وَفِي إسْنَادِهِ فَضَالَةُ بْنُ سَعْدٍ الْمَازِنِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ آخَرُ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ بِلَفْظِ: «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» وَفِي إسْنَادِهِ مُوسَى بْنُ هِلَالٍ الْعَبْدِيُّ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: مَجْهُولٌ: أَيْ: الْعَدَالَةِ وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِهِ وَقَالَ: إنْ صَحَّ الْخَبَرَ
стр. 1674
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
فَإِنَّ فِي الْقَلْبِ مِنْ إسْنَادِهِ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ: لَا يَصِحُّ حَدِيثُ مُوسَى وَلَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ وَلَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِهِ وَأَيْضًا قَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ مَسْلَمَةُ بْنُ سَالِمٍ كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ وَمُوسَى بْنُ هِلَالٍ الْمَذْكُورُ رَوَاهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ وَهُوَ ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ وَجَزَمَ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيَّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ وَابْنُ عَسَاكِرَ بِأَنَّ مُوسَى رَوَاهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْمُكَبِّرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَكِنَّهُ قَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَا بَأْسَ بِهِ وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ مَقْرُونًا بِآخَرَ وَقَدْ صَحَّحَ هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ السَّكَنِ وَعَبْدُ الْحَقِّ وَتَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَابْنِ حِبَّانَ فِي تَرْجَمَةِ النُّعْمَانِ بِلَفْظِ: «مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي» وَفِي إسْنَادِهِ النُّعْمَانُ بْنُ شِبْلٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا وَوَثَّقَهُ عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: الطَّعْنُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ابْنِ النُّعْمَانِ لَا عَلَيْهِ وَرَوَاهُ أَيْضًا الْبَزَّارُ وَفِي إسْنَادِهِ إبْرَاهِيمُ الْغِفَارِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ قَالَ: وَإِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ وَعَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا بِلَفْظِ: «مَنْ زَارَنِي بِالْمَدِينَةِ مُحْتَسِبًا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا وَشَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَفِي إسْنَادِهِ سُلَيْمَانُ بْنُ زَيْدٍ الْكَعْبِيُّ ضَعَّفَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَعَنْ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ بِنَحْوِهِ، وَفِي إسْنَادِهِ مَجْهُولٌ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِي الْفَتْحِ الْأَزْدِيِّ بِلَفْظِ: «مَنْ حَجَّ حِجَّةَ الْإِسْلَامِ وَزَارَ قَبْرِي وَغَزَا غَزْوَةً وَصَلَّى فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ يَسْأَلْهُ اللَّهُ فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِ حَدِيثِ حَاطِبٍ الْمُتَقَدِّمِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْعُقَيْلِيِّ بِنَحْوِهِ وَعَنْهُ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ بِلَفْظِ: «مَنْ حَجَّ إلَى مَكَّةَ ثُمَّ قَصَدَنِي فِي مَسْجِدِي كُتِبَتْ لَهُ حِجَّتَانِ مَبْرُورَتَانِ» .
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ عِنْدَ ابْنِ عَسَاكِرَ مَنْ زَارَ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي جِوَارِهِ وَفِي إسْنَادِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هَارُونَ بْنِ عَنْبَرَةَ وَفِيهِ مَقَالٌ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَأَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇» .
وَبِهَذَا الْحَدِيثِ صَدَّرَ الْبَيْهَقِيُّ الْبَابَ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ كَوْنِ الْمُسَلِّمِ عَلَيْهِ عَلَى قَبْرِهِ، بَلْ ظَاهِرُهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ الْحَافِظُ أَيْضًا: أَكْثَرُ مُتُونِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَوْضُوعَةٌ وَقَدْ رُوِيَتْ زِيَارَتُهُ ﷺ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ بِلَالٌ عِنْدَ ابْنِ عَسَاكِرَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، وَابْنُ عُمَرَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ، وَأَبُو أَيُّوبَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَنَسٍ ذَكَرَهُ عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءِ، وَعُمَرُ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَعَلِيٌّ ﵇ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ شَدَّ الرَّحْلَ لِذَلِكَ إلَّا عَنْ بِلَالٍ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِدَارِيَّا يَقُولُ لَهُ: «مَا هَذِهِ الْجَفْوَةُ يَا بِلَالُ أَمَا آنَ لَكَ أَنْ تَزُورَنِي» رَوَى ذَلِكَ ابْنُ عَسَاكِرَ
стр. 1675
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِالْوُجُوبِ بِحَدِيثِ «مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي» وَقَدْ تَقَدَّمَ قَالُوا: وَالْجَفَاءُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مُحَرَّمٌ، فَتَجِبُ الزِّيَارَةُ لِئَلَّا يَقَعَ فِي الْمُحَرَّمِ وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْجَفَاءَ يُقَالُ عَلَى تَرْكِ الْمَنْدُوبِ كَمَا فِي تَرْكِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَعَلَى غِلَظِ الطَّبْعِ كَمَا فِي حَدِيثِ «مَنْ بَدَا فَقَدْ جَفَا» وَأَيْضًا الْحَدِيثُ عَلَى انْفِرَادِهِ مِمَّا لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ لِمَا سَلَفَ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّهَا غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ بِحَدِيثِ «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ
وَقَدْ تَقَدَّمَ وَحَدِيثُ «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا» رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي شَدِّ الرَّحْلِ لِغَيْرِ الثَّلَاثَةِ كَالذَّهَابِ إلَى قُبُورِ الصَّالِحِينَ وَإِلَى الْمَوَاضِعِ الْفَاضِلَةِ، فَذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ إلَى حُرْمَتِهِ، وَأَشَارَ عِيَاضٌ إلَى اخْتِيَارِهِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَلَا يُكْرَهُ قَالُوا: وَالْمُرَادُ أَنَّ الْفَضِيلَةَ الثَّابِتَةَ إنَّمَا هِيَ شَدُّ الرَّحْلِ إلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ خَاصَّةً انْتَهَى. وَقَدْ أَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ حَدِيثِ شَدِّ الرَّحْلِ بِأَنَّ الْقَصْرَ فِيهِ إضَافِيٌّ بِاعْتِبَارِ الْمَسَاجِدِ لَا حَقِيقِيٌّ
قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ «لَا يَنْبَغِي لِلْمَطِيِّ أَنْ يُشَدَّ رِحَالُهَا إلَى مَسْجِدٍ تُبْتَغَى فِيهِ الصَّلَاةُ غَيْرِ مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» فَالزِّيَارَةُ وَغَيْرُهَا خَارِجَةٌ عَنْ النَّهْيِ وَأَجَابُوا ثَانِيًا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ شَدِّ الرِّحَالِ لِلتِّجَارَةِ وَسَائِرِ مَطَالِبِ الدُّنْيَا.
وَعَلَى وُجُوبِهِ إلَى عَرَفَةَ لِلْوُقُوفِ وَإِلَى مِنًى لِلْمَنَاسِكِ الَّتِي فِيهَا، وَإِلَى مُزْدَلِفَةَ، وَإِلَى الْجِهَادِ، وَالْهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ، وَعَلَى اسْتِحْبَابِهِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا» بِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْحَثِّ عَلَى كَثْرَةِ الزِّيَارَةِ لَا عَلَى مَنْعِهَا، وَأَنَّهُ لَا يُهْمَلُ حَتَّى لَا يُزَارَ إلَّا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ كَالْعِيدَيْنِ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا» أَيْ: لَا تَتْرُكُوا الصَّلَاةَ فِيهَا كَذَا قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ
وَقَالَ السُّبْكِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا تَتَّخِذُوا لَهَا وَقْتًا مَخْصُوصًا لَا تَكُونُ الزِّيَارَةُ إلَّا فِيهِ، أَوْ لَا تَتَّخِذُوهُ كَالْعِيدِ فِي الْعُكُوفِ عَلَيْهِ وَإِظْهَارِ الزِّينَةِ وَالِاجْتِمَاعِ لِلَّهْوِ وَغَيْرِهِ كَمَا يُفْعَلُ فِي الْأَعْيَادِ بَلْ لَا يُؤْتَى إلَّا لِلزِّيَارَةِ وَالدُّعَاءِ وَالسَّلَامِ وَالصَّلَاةِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ عَنْهُ وَأُجِيبَ عَمَّا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ الْقَوْلِ بِكَرَاهَةِ زِيَارَةِ قَبْرِهِ ﷺ بِأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ بِكَرَاهَةِ زِيَارَةِ قَبْرِهِ ﷺ قَطْعًا لِلذَّرِيعَةِ وَقِيلَ: إنَّمَا كَرِهَ إطْلَاقَ لَفْظِ الزِّيَارَةِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مَنْ شَاءَ فَعَلَهَا وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهَا، وَزِيَارَةُ قَبْرِهِ ﷺ مِنْ السُّنَنِ الْوَاجِبَةِ، كَذَا قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ وَاحْتَجَّ أَيْضًا مَنْ قَالَ بِالْمَشْرُوعِيَّةِ بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ دَأْبُ الْمُسْلِمِينَ الْقَاصِدِينَ لِلْحَجِّ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ عَلَى تَبَايُنِ الدِّيَارِ وَاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ الْوُصُولَ إلَى الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ لِقَصْدِ زِيَارَتِهِ، وَيَعُدُّونَ ذَلِكَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَكَانَ
стр. 1676
أَبْوَابُ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا بَابٌ فِي إشْعَارِ الْبُدْنِ وَتَقْلِيدِ الْهَدْيِ كُلِّهِ
ــ
[نيل الأوطار]
إجْمَاعًا.
стр. 1677
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ دَعَا نَاقَتَهُ فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ وَسَلَتَ الدَّمَ عَنْهَا وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ)
٢٠٧٥ - (وَعَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ قَالَا: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ فِي بِضْعِ عَشَرَةَ مِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى إذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ النَّبِيُّ ﷺ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد)
٢٠٧٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «فَتَلْتَ قَلَائِدَ بُدْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إلَى الْبَيْتِ فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِلًّا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
٢٠٧٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهْدَى مَرَّةً إلَى الْبَيْتِ غَنَمًا فَقَلَّدَهَا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ)
ــ
[نيل الأوطار]
[أَبْوَابُ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا] [ بَابٌ فِي إشْعَارِ الْبُدْنِ وَتَقْلِيدِ الْهَدْيِ كُلِّهِ]
قَوْلُهُ: (فَأَشْعَرَهَا) الْإِشْعَارُ هُوَ أَنْ يُكْشَطَ جِلْدُ الْبَدَنَةِ حَتَّى يَسِيلَ دَمٌ ثُمَّ يَسْلِتَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى كَوْنِهَا هَدْيًا، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ. وَقَدْ ذَهَبَ إلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ الْجُمْهُورُ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَرَاهَتَهُ وَالْأَحَادِيثُ تَرُدُّ عَلَيْهِ وَقَدْ خَالَفَ النَّاسَ فِي ذَلِكَ حَتَّى خَالَفَهُ صَاحِبَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَاحْتَجَّ عَلَى الْكَرَاهَةِ بِأَنَّهُ مِنْ الْمُثْلَةِ وَأَجَابَ الْخَطَّابِيِّ بِمَنْعِ كَوْنِهِ مِنْهَا، بَلْ هُوَ بَابٌ آخَرُ كَالْكَيِّ وَشَقِّ أُذُنِ الْحَيَوَانِ فَيَصِيرُ عَلَامَةً وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوَسْمِ وَكَالْخِتَانِ وَالْحِجَامَةِ انْتَهَى عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ الْمُثْلَةِ لَكَانَ مَا فِيهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ مُخَصِّصًا لَهُ مِنْ عُمُومِ النَّهْيِ عَنْهَا وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ النَّخَعِيّ أَنَّهُ قَالَ بِكَرَاهَةِ الْإِشْعَارِ وَبِهَذَا يُتَعَقَّبُ عَلَى الْخَطَّابِيِّ وَابْنِ حَزْمٍ فِي جَزْمِهِمَا بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِالْكَرَاهَةِ أَحَدٌ غَيْرُ أَبِي حَنِيفَةَ
قَوْلُهُ: (وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ) فِيهِ دَلِيلٌ
стр. 1678
بَابُ النَّهْي عَنْ إبْدَالِ الْهَدْيِ الْمُعَيَّنِ
٢٠٧٨ - (عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «أَهْدَى عُمَرُ نَجِيبًا فَأُعْطِيَ بِهَا ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَهْدَيْت نَجِيبًا فَأُعْطِيت بِهَا ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ فَأَبِيعُهَا وَأَشْتَرِي بِثَمَنِهَا بُدْنًا، قَالَ: لَا انْحَرْهَا إيَّاهَا.» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ)
ــ
[نيل الأوطار]
عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَنْكَرَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ التَّقْلِيدَ لِلْغَنَمِ، زَادَ غَيْرُهُ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ الْحَدِيثُ انْتَهَى. وَاحْتَجُّوا عَلَى عَدَمِ الْمَشْرُوعِيَّةِ بِأَنَّهَا تَضْعُفُ عَنْ التَّقْلِيدِ وَهِيَ حُجَّةٌ أَوْهَى مِنْ بُيُوتِ الْعَنْكَبُوتِ فَإِنَّ مُجَرَّدَ تَعْلِيقِ الْقِلَادَةِ مِمَّا لَا يَضْعُفُ بِهِ الْهَدْيُ وَأَيْضًا إنْ فُرِضَ ضَعْفُهَا عَنْ بَعْضِ الْقَلَائِدِ قُلِّدَتْ بِمَا لَا يُضْعِفُهَا وَأَيْضًا قَدْ وَرَدَتْ السُّنَّةُ بِالْإِشْعَارِ وَهُوَ لَا يُتْرَكُ لِكَوْنِهِ مَظِنَّةً لِلضَّعْفِ فَكَيْفَ يُتْرَكُ مَا لَيْسَ بِمَظِنَّةٍ لِذَلِكَ مَعَ وُرُودِ السُّنَّةِ بِهِ، قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي تَقْلِيدِ الْهَدْيِ النَّعْلَ أَنَّ فِيهِ إشَارَةً إلَى السَّفَرِ وَالْجَدِّ فِيهِ وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْعَرَبَ تَعُدُّ النَّعْلَ مَرْكُوبَةً لِكَوْنِهَا تَقِي صَاحِبَهَا وَتَحْمِلُ عَنْهُ وَعَرَ الطَّرِيقِ، فَكَأَنَّ الَّذِي أَهْدَى خَرَجَ عَنْ مَرْكُوبِهِ لِلَّهِ تَعَالَى حَيَوَانًا وَغَيْرَهُ كَمَا خَرَجَ حِينَ أَحْرَمَ عَنْ مَلْبُوسِهِ وَمِنْ ثَمَّ اُسْتُحِبَّ تَقْلِيدُ نَعْلَيْنِ لَا وَاحِدَةٍ وَقَدْ اشْتَرَطَ الثَّوْرِيُّ ذَلِكَ وَقَالَ غَيْرُهُ: تُجْزِئُ الْوَاحِدَةُ وَقَالَ آخَرُونَ: لَا تَتَعَيَّنُ النَّعْلُ بَلْ كُلُّ مَا قَامَ مَقَامَهَا أَجْزَأَ.
قَوْلُهُ: (فَتَلْت قَلَائِدَ بُدْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) زَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدِي وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَ الْقَلَائِدَ مِنْ الْأَوْبَارِ وَاخْتَارَ أَنْ تَكُونَ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ رَبِيعَةَ وَمَالِكٍ وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بَابُ الْقَلَائِدِ مِنْ الْعِهْنِ وَهُوَ الصُّوفُ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إلَى الْبَيْتِ) الْمُهْدِي لَهُ حَالَانِ إمَّا أَنْ يَقْصِدَ النُّسُكَ وَيَسُوقَ الْهَدْيَ مَعَهُ فَيَكُونَ التَّقْلِيدُ وَالْإِشْعَارُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَإِمَّا أَنْ يَبْعَثَ بِهَا وَيُقِيمَ فَيَكُونَانِ عِنْدَ الْبَعْثِ بِهَا مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ مُقِيمٌ بِهِ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبَعْثِ بِهَا مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ لِقَوْلِهَا: فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِلًّا قَوْلُهُ: (غَنَمًا فَقَلَّدَهَا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْهَدْيُ مِنْ الْغَنَمِ وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ أَنَّ الْهَدْيَ لَا يُجْزِئُ مِنْ الْغَنَمِ وَيَرُدُّ عَلَى مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ حَيْثُ قَالَ: لَا إنَّ الْغَنَمَ لَا تُقَلَّدُ.
[بَابُ النَّهْي عَنْ إبْدَالِ الْهَدْيِ الْمُعَيَّنِ]
الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحَيْهِمَا قَوْلُهُ: (نَجِيبًا) النَّجِيبُ وَالنَّجِيبَةُ النَّاقَةُ وَالْجَمْعُ نَجَائِبُ.
وَفِي النِّهَايَةِ:
стр. 1679
بَابُ أَنَّ الْبَدَنَةَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ عَنْ سَبْعِ شِيَاهٍ وَبِالْعَكْسِ
٢٠٧٩ - (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إنَّ عَلَيَّ بَدَنَةً وَأَنَا مُوسِرٌ وَلَا أَجِدُهَا فَأَشْتَرِيهَا، فَأَمَرَهُ ﷺ أَنْ يَبْتَاعَ سَبْعَ شِيَاهٍ فَيَذْبَحَهُنَّ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ)
ــ
[نيل الأوطار]
النَّجِيبُ: الْفَاضِلُ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْهَدْيِ لِإِبْدَالِ مِثْلِهِ أَوْ أَفَضْلَ ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ النَّجِيبِ مِنْ الْإِبِلِ مُفْرَدًا وَمَجْمُوعًا وَهُوَ الْقَوِيُّ مِنْهَا الْخَفِيفُ السَّرِيعُ اهـ. وَقَدْ جَوَّزَتْ الْهَادَوِيَّةُ ذَلِكَ وَأَجَابَ صَاحِبُ الْبَحْرِ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهُ حِكَايَةُ فِعْلٍ لَا يُعْلَمُ وَجْهُهَا فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ ﷺ رَأَى نَجِيبَهُ أَفْضَلَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ رَدَّ السُّنَنِ الْفِعْلِيَّةِ بِمِثْلِ هَذَا يَسْتَلْزِمُ رَدَّ أَكْثَرِ أَفْعَالِهِ وَيَسْتَلْزِمُ رَدَّ مَا لَا يُعْلَمُ وَجْهُهُ مِنْ أَقْوَالِهِ، فَيُفْضِي ذَلِكَ إلَى رَدِّ أَكْثَرِ السُّنَّةِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِلْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْقَاضِيَةِ بِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ وَالتَّأَسِّي بِهِ وَالْأَخْذِ بِمَا أَتَى بِهِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ مَا عُلِمَ وَجْهُهُ وَمَا جُهِلَ فَمَنْ ادَّعَى اعْتِبَارَ الْعِلْمِ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ.
عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ قَدْ صَارَتْ عَصًا يَتَوَكَّأُ بِهَا مَنْ رَامَ صِيَانَةَ مَذْهَبِهِ إذَا خَالَفَ الثَّابِتَ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ أَوْضَحُ مِنْ الشَّمْسِ، ثُمَّ إنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِأَفْعَالِهِ إذَا وَافَقَتْ الْمَذَاهِبَ وَلَا يُقَيِّدُونَ الِاحْتِجَاجَ بِمِثْلِ هَذَا الْقَيْدِ وَمَا أَكْثَرَ هَذَا الصُّنْعَ فِي تَصَرُّفَاتِهِمْ لِمَنْ تَتَبَّعَ فَلْيَأْخُذْ الْمُصَنِّفُ مِنْ ذَلِكَ حِذْرَهُ فَإِنَّ الْمَعْذِرَةَ الْبَارِدَةَ فِي طَرْحِ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ مِمَّا لَا يَنْفُقُ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ الْقَصْدُ الذَّبَّ عَنْ مَحْضِ الرَّأْيِ وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ عَلَى الْجَوَازِ بِإِشْرَاكِهِ ﷺ عَلِيًّا ﵇ فِي هَدْيِهِ وَتَصَرُّفِهِ عَنْ الْعُمْرَةِ إلَى الْإِحْصَارِ فَخَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَصَرُّفٌ لَا يُخْرِجُ الْعَيْنُ عَنْ كَوْنِهَا هَدْيًا وَلَا يُبْطَلُ بِهِ الْحَقُّ الَّذِي قَدْ تَعَلَّقَ بِهَا لِلْمُصَرِّفِ وَأَيْضًا صِحَّةُ الِاحْتِجَاجِ بِالْإِشْرَاكِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةٍ ﷺ أَنَّهُ سَاقَ جَمِيعَ الْهَدْيِ الَّذِي أَشْرَكَ عَلِيًّا فِيهِ عَنْ نَفْسِهِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ وَالسَّنَدُ أَنَّهُ لَمْ يُقَلِّدْ وَيُشْعِرُ مِنْ ذَلِكَ الْهَدْيُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْإِشْرَاكُ إلَّا نَاقَةً وَاحِدَةً
وَأَيْضًا ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ يَسُوقُ عَنْ أَهْلِهِ جَمِيعًا وَعَلِيٌّ ﵇ مِنْهُمْ، نَعَمْ إنْ صَحَّ مَا ادَّعَاهُ صَاحِبُ ضَوْءِ النَّهَارِ مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ إبْدَالِ الْأَدْوَنِ بِأَفْضَلَ كَانَ حُجَّةً عِنْدَ مَنْ يَرَى حُجَيَّةَ الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ مُجَرَّدِ الْإِبْدَالِ بِالْأَفْضَلِ وَلَكِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُبْحَثَ عَنْ صِحَّةِ ذَلِكَ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ وَبَعْضَ الْحَنَفِيَّةِ قَدْ احْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ وَلَوْ كَانَ لِلْإِبْدَالِ بِأَفْضَلَ كَمَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ الْوَاحِدَةَ النَّجِيبَةَ أَظْهَرُ فِي تَعْظِيمِ الشَّعَائِرِ مِنْ غَيْرِهَا وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَمَمْنُوعٌ وَالسَّنَدُ ظَاهِرٌ. .
стр. 1680
٢٠٨٠ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ: «قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اشْتَرِكُوا فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ كُلُّ سَبْعَةٍ فِي بَدَنَةٍ» رَوَاهُ الْبَرْقَانِيُّ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «اشْتَرَكْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ، فَقَالَ رَجُلٌ لِجَابِرٍ: أَيَشْتَرِكُ فِي الْبَقَرِ مَا يَشْتَرِكُ فِي الْجَزُورِ؟ فَقَالَ: مَا هِيَ إلَّا مِنْ الْبُدْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
٢٠٨١ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: شَرَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي «حِجَّتِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْبَقَرَةِ عَنْ سَبْعَةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
٢٠٨٢ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَحَضَرَ الْأَضْحَى فَذَبَحْنَا الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَعِيرَ عَنْ عَشَرَةٍ» رَوَاهُ الْخَمْسَةِ إلَّا أَبَا دَاوُد)
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ أَنَّ الْبَدَنَةَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ عَنْ سَبْعِ شِيَاهٍ وَبِالْعَكْسِ]
حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْأَوَّلُ سِيَاقُ إسْنَادِهِ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ هَكَذَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ عَطَاءُ الْخُرَاسَانِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَهُ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ وَلَكِنْ عَطَاءُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» وَهُوَ يَشْهَدُ أَيْضًا لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ الْمَذْكُورِ وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَسَكَتَ عَنْهُ وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الثَّانِي حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ «أَنَّهُ ﷺ قَسَمَ فَعَدَلَ عَشْرًا مِنْ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ»
قَوْلُهُ: (سَبْعَ شِيَاهٍ) وَكَذَا قَوْلُهُ: كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ: عَدْلُ الْبَدَنَةِ سَبْعُ شِيَاهٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَيُجَابُ عَنْهُمَا بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ، حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهْوَيْهِ وَكَذَا فِي الْفَتْحِ وَقَالَ: هُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَاحْتَجَّ لَهُ فِي صَحِيحِهِ وَقَوَّاهُ.
وَاحْتَجَّ لَهُ ابْنُ حَزْمٍ بِحَدِيثِ رَافِعٍ الْمُتَقَدِّمِ وَحَكَاهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْعِتْرَةِ وَزُفَرَ. وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الثَّانِي الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ. وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأُضْحِيَّةِ. فَإِنْ قَالُوا: يُقَاسُ الْهَدْيُ عَلَيْهَا. قُلْنَا: هُوَ قِيَاسٌ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ لِمُصَادَمَتِهِ النُّصُوصِ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ رَافِعٍ وَيُجَابُ عَنْهُ أَيْضًا بِمِثْلِ هَذَا الْجَوَابِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ التَّعْدِيلُ كَانَ فِي الْقِسْمَةِ
стр. 1681
بَابُ رُكُوبِ الْهَدْيِ
٢٠٨٣ - (عَنْ أَنَسٍ قَالَ «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يَسُوقُ الْبَدَنَةَ فَقَالَ: ارْكَبْهَا فَقَالَ: إنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: ارْكَبْهَا قَالَ: إنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: ارْكَبْهَا ثَلَاثًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَهُمْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ)
٢٠٨٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً قَدْ أَجْهَدَهُ الْمَشْيُ، فَقَالَ: ارْكَبْهَا، قَالَ: إنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: ارْكَبْهَا وَإِنْ كَانَتْ بَدَنَةً» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ) .
٢٠٨٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ «سُئِلَ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ فَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إذَا أُلْجِئْت إلَيْهَا، حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا.» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد
ــ
[نيل الأوطار]
وَهِيَ غَيْرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ وَيُؤَيِّدُ كَوْنَ الْبَدَنَةِ عَنْ سَبْعَةٍ فَقَطْ أَمْرُهُ ﷺ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْبَدَنَةَ أَنْ يَشْتَرِي سَبْعًا فَقَطْ وَلَوْ كَانَتْ تَعْدِلَ عَشْرًا لَأَمَرَهُ بِإِخْرَاجِ عَشْرٍ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ وَظَاهِرُ أَحَادِيثِ الْبَابِ جَوَازُ الِاشْتِرَاكِ فِي الْهَدْيِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِكُونَ مُفْتَرِضِينَ أَوْ مُتَطَوِّعِينَ أَوْ بَعْضُهُمْ مُفْتَرِضًا وَبَعْضُهُمْ مُتَنَفِّلًا أَوْ مُرِيدًا لِلَّحْمِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُشْتَرَطُ فِي الِاشْتِرَاكِ أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ مُتَقَرِّبِينَ وَمِثْلُهُ عَنْ زُفَرَ بِزِيَادَةِ أَنْ تَكُونَ أَسْبَابُهُمْ وَاحِدَةً وَعَنْ الْهَادَوِيَّةِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونُوا مُفْتَرِضِينَ وَعَنْ دَاوُد وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ فِي هَدْيِ التَّطَوُّعِ دُونَ الْوَاجِبِ وَعَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ رَوَى عَنْهُ أَحْمَدُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ قَوْلُهُ: (مَا هِيَ إلَّا مِنْ الْبُدْنِ) يَعْنِي: الْبَقَرَةَ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْبَقَرِ أَنَّهَا مِنْ الْبُدْنِ وَفِي النِّهَايَةِ الْبَدَنَةُ تَقَعُ عَلَى الْجَمَلِ وَالنَّاقَةِ وَالْبَقَرَةِ وَهِيَ بِالْإِبِلِ أَشْبَهُ.
وَفِي الْقَامُوسِ وَالْبَدَنَةُ مُحَرَّكَةٌ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ.
وَفِي الْفَتْحِ: إنَّ أَصْلَ الْبُدْنِ مِنْ الْإِبِلِ وَأُلْحِقَتْ بِهَا الْبَقَرُ شَرْعًا وَحَكَى فِي الْبَحْرِ عَنْ الْهَادِي وَالشَّافِعِيِّ وَالْمُؤَيَّدِ بِاَللَّهِ أَنَّ الْبَدَنَةَ تَخْتَصُّ بِالْإِبِلِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالنَّاصِرِ أَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى الْبَقَرِ، وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى الشَّاةِ قَالَ: وَلَا وَجْهَ لَهُ وَحُكِيَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالشَّاةَ عَنْ وَاحِدٍ إجْمَاعًا. قَوْلُهُ: (وَالْبَعِيرَ عَنْ عَشَرَةٍ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبَدَنَةَ تُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ عَنْ عَشَرَةٍ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ.
стр. 1682
وَالنَّسَائِيُّ) .
٢٠٨٦ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵇ «أَنَّهُ سُئِلَ: يَرْكَبُ الرَّجُلُ هَدْيَهُ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ قَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمُرُّ بِالرِّجَالِ يَمْشُونَ فَيَأْمُرُهُمْ بِرُكُوبِ هَدْيِهِ، قَالَ: لَا تَتَّبِعُونَ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنْ سُنَّةِ نَبِيِّكُمْ ﷺ .» رَوَاهُ أَحْمَدُ)
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ رُكُوبِ الْهَدْيِ]
حَدِيثُ أَنَسٍ الثَّانِي أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ وَأَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسٍ وَزَادَ " حَافِيًا " وَهُوَ عِنْدَ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ وَضَعَّفَ هَذِهِ الطُّرُقَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ. وَحَدِيثُ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ فِي الْفَتْحِ أَيْضًا: إسْنَادُهُ صَالِحٌ وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: فِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ لَفْظُهُ لَفْظُ حَدِيثِ أَنَسٍ وَلَكِنَّهُ زَادَ فِي آخِرِهِ «ارْكَبْهَا وَيْلَكَ»
قَوْلُهُ: (رَأَى رَجُلًا) قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ بَعْدَ طُولِ الْبَحْثِ قَوْلُهُ: (يَسُوقُ بَدَنَةً) فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: مُقَلَّدَةً، وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَلَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ «فَلَقَدْ رَأَيْته رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النَّبِيَّ ﷺ وَالنَّعْلُ فِي عُنُقِهَا» قَوْلُهُ: (إنَّهَا بَدَنَةٌ) أَرَادَ أَنَّهَا بَدَنَةٌ مُهْدَاةٌ إلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ الْإِخْبَارَ عَنْ كَوْنِهَا بَدَنَةً لَمْ يَكُنِ الْجَوَابُ مُفِيدًا لِأَنَّ كَوْنَهَا مِنْ الْإِبِلِ مَعْلُومٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّجُلَ ظَنَّ أَنَّهُ خَفِيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَوْنُهَا هَدْيًا فَقَالَ: إنَّهَا بَدَنَةٌ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَمْ يَخْفَ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لِكَوْنِهَا كَانَتْ مُقَلَّدَةً وَلِهَذَا قَالَ مَا زَادَ فِي مُرَاجَعَتِهِ: وَيْلَكَ وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ رُكُوبِ الْهَدْيِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَا كَانَ مِنْهُ وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا لِتَرْكِهِ ﷺ لِلِاسْتِفْصَالِ وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَنَسَبَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إلَى أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ، وَجَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَالْقَفَّالِ وَالْمَاوَرْدِيِّ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ كَرَاهَةَ رُكُوبِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَالشَّافِعِيِّ، وَقَيَّدَ الْجَوَازَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِالِاضْطِرَارِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ.
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَرْكَبُ إذَا اُضْطُرَّ رُكُوبًا غَيْرَ فَادِحٍ وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَرْكَبُ لِلضَّرُورَةِ فَإِذَا اسْتَرَاحَ نَزَلَ يَعْنِي: إذَا انْتَهَتْ ضَرُورَتُهُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِ الضَّرُورَةِ مَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إذَا أُلْجِئْت إلَيْهَا وَنَقَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ رُكُوبُ الْهَدْيِ مُطْلَقًا وَكَذَا نَقَلَهُ الْمَهْدِيُّ فِي الْبَحْرِ عَنْهُ وَلَكِنْ نَقَلَ
стр. 1683
بَابُ الْهَدْيِ يَعْطَبُ قَبْلَ الْمَحَلِّ
٢٠٨٧ - (عَنْ أَبِي قَبِيصَةَ ذُؤَيْبِ بْنِ حَلْحَلَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ ثُمَّ يَقُولُ: إنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ فَخَشِيتَ عَلَيْهَا مَوْتًا فَانْحَرْهَا ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا، وَلَا تَطْعَمْهَا أَنْتَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ)
٢٠٨٨ - (وَعَنْ نَاجِيَةَ الْخُزَاعِيِّ وَكَانَ صَاحِبَ بُدْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قُلْت: كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ مِنْ الْبُدْنِ؟ قَالَ: انْحَرْهُ وَاغْمِسْ نَعْلَهُ فِي دَمِهِ وَاضْرِبْ صَفْحَتَهُ وَخَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ فَلْيَأْكُلُوهُ.» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ) .
٢٠٨٩ - (وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ صَاحِبَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ مِنْ الْهَدْيِ؟ فَقَالَ: كُلُّ بَدَنَةٍ عَطِبَتْ مِنْ الْهَدْيِ فَانْحَرْهَا ثُمَّ أَلْقِ قَلَائِدَهَا فِي دَمِهَا ثُمَّ خَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهَا يَأْكُلُوهَا» رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْهُ)
ــ
[نيل الأوطار]
عَنْهُ الطَّحَاوِيُّ الْجَوَازَ مَعَ الْحَاجَةِ وَيَضْمَنُ مَا نَقَصَ مِنْهَا بِالرُّكُوبِ وَالطَّحَاوِيُّ أَقْعَدُ بِمَعْرِفَةِ مَذْهَبِ إمَامِهِ وَقَدْ وَافَقَ أَبَا حَنِيفَةَ الشَّافِعِيُّ عَلَى ضَمَانِ النَّقْصِ فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ. وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وُجُوبَ الرُّكُوبِ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ وَلِمُخَالَفَةِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَرَدَّهُ بِأَنَّ الَّذِينَ سَاقُوا الْهَدْيَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا كَثِيرًا وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِذَلِكَ انْتَهَى. وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵇ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ قَالَ: وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ عَطَاءَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُ بِالْهَدِيَّةِ إذَا احْتَاجَ إلَيْهَا سَيِّدُهَا أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ يَرْكَبَهَا غَيْرَ مُنْهِكِهَا» وَاخْتَلَفَ مَنْ أَجَازَ الرُّكُوبَ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ؟ فَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَأَجَازَهُ الْجُمْهُورُ وَهَلْ يُحْمَلُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ؟ أَجَازَهُ الْجُمْهُورُ أَيْضًا عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ وَنَقَلَ عِيَاضٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَجِّرُهَا وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي اللَّبَنِ إذَا احْتَلَبَ مِنْهُ شَيْئًا فَعِنْدَ الْعِتْرَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ يَتَصَدَّقُ بِهِ فَإِنْ أَكَلَهُ تَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهِ فَإِنْ شَرِبَ لَمْ يَغْرَمْ.
стр. 1684
بَابُ الْأَكْلِ مِنْ دَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَالتَّطَوُّعِ
٢٠٩٠ - (فِي صِفَةِ حَدِيثِ جَابِرٍ: «حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا ﵇ فَنَحَرَ مَا غَبَرَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا»
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ الْهَدْيِ يَعْطَبُ قَبْلَ الْمَحَلِّ]
حَدِيثُ نَاجِيَةَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ قَالَ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَدْيِ التَّطَوُّعِ إذَا عَطِبَ لَا يَأْكُلُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِهِ وَيُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ يَأْكُلُونَهُ وَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَقَالُوا: إنْ أَكَلَ مِنْهُ شَيْئًا غُرِّمَ بِقَدْرِ مَا أَكَلَ مِنْهُ اهـ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا. . . إلَخْ) إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْ مَرَّ بِهِ بِأَنَّهُ هَدْيٌ فَيَأْكُلَهُ قَوْلُهُ: (مِنْ أَهْلِ رُفْقَتك) قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِي الْمُرَادِ بِالرُّفْقَةِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ الَّذِينَ يُخَالِطُونَ الْمُهْدِي فِي الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ دُونَ بَاقِي الْقَافِلَةِ وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ. وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّفْقَةِ جَمِيعُ الْقَافِلَةِ
؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي مُنِعَتْ بِهِ الرُّفْقَةُ هُوَ خَوْفُ تَعْطِيبِهِمْ إيَّاهُ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ الْقَافِلَةِ فَإِنْ قِيلَ: إذَا لَمْ تُجَوِّزُوا لِأَهْلِ الْقَافِلَةِ أَكْلَهُ وَقُلْتُمْ بِتَرْكِهِ فِي الْبَرِيَّةِ كَانَ طُعْمَةً لِلسِّبَاعِ وَهَذَا إضَاعَةُ مَالٍ قُلْنَا: لَيْسَ فِيهِ إضَاعَةٌ بَلْ الْعَادَةُ الْغَالِبَةُ أَنَّ سُكَّانَ الْبَوَادِي يَتَتَبَّعُونَ مَنَازِلَ الْحَجِيجِ لِالْتِقَاطِ سَاقِطَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَقَدْ تَأْتِي قَافِلَةٌ فِي إثْرِ قَافِلَةٍ وَالرُّفْقَةُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ قَوْلُهُ: (وَخَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ) هَذَا مُقَيَّدٌ بِمَنْ عَدَا الْمَالِكِ وَالرُّفْقَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ. قَوْلُهُ: (إنَّ صَاحِبَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) هُوَ نَاجِيَةُ الْخُزَاعِيُّ الْمَذْكُورُ سَابِقًا.
وَظَاهِرُ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّ الْهَدْيَ إذَا عَطِبَ جَازَ نَحْرُهُ وَالتَّخْلِيَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ يَأْكُلُونَهُ غَيْرَ الرُّفْقَةِ قَطْعًا لِلذَّرِيعَةِ وَهِيَ أَنْ يَتَوَصَّلَ بَعْضُهُمْ إلَى نَحْرِهِ قَبْلَ أَوَانِهِ. وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَالْفَرْضِ وَخَصَّصَهُ مَنْ تَقَدَّمَ بِهَدْيِ التَّطَوُّعِ وَلَعَلَّ الْوَجْهَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْهَدْيَ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ هُوَ هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي بَعَثَ بِهِ وَهُوَ هَدْيُ تَطَوُّعٍ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَلَا يَجُوزُ لِلْأَغْنِيَاءِ الْأَكْلُ مِنْهُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ مُسْتَحَقٌّ لِلْمَسَاكِينِ فَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ اهـ. وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي مِقْدَارِ الْبُدْنِ الَّتِي بَعَثَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَفِي رِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهَا سِتَّ عَشْرَةَ بَدَنَةً وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهَا ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِتَعَدُّدِ الْقِصَّةِ أَوْ يُصَارُ إلَى تَرْجِيحِ الرِّوَايَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الزِّيَادَةِ إنْ كَانَتْ الْقِصَّةُ وَاحِدَةً.
стр. 1685
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ) .
٢٠٩١ - (وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَجَّ ثَلَاثَ حِجَجٍ حِجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ وَحِجَّةً بَعْدَمَا هَاجَرَ وَمَعَهَا عُمْرَةٌ، فَسَاقَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ بَدَنَةً، وَجَاءَ عَلِيٌّ ﵇ مِنْ الْيَمَنِ بِبَقِيَّتِهَا فِيهَا جَمَلٌ لِأَبِي لَهَبٍ فِي أَنْفِهِ بُرَّةٌ مِنْ فِضَّةٍ فَنَحَرَهَا، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَطُبِخَتْ وَشَرِبَ مِنْ مَرَقِهَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ: فِيهِ جَمَلٌ لِأَبِي جَهْلٍ) .
٢٠٩٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِخَمْسٍ بَقَيْنَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ وَلَا نُرَى إلَّا الْحَجَّ فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إذَا طَافَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ، قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْت مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ الْأَكْلِ مِنْ دَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَالتَّطَوُّعِ]
وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْأَكْلِ مِنْ دَمِ الْقِرَانِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ قَارِنَةً حَدِيثُ جَابِرٍ الثَّانِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ الْكُوفِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ حِبَّانَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حِبَّانَ. وَرَأَيْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ فِي كُتُبِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ قَالَ: وَسَأَلْت مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا فَلَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَرَأَيْته لَا يَعُدُّ هَذَا الْحَدِيثَ مَحْفُوظًا. وَقَالَ: إنَّمَا يُرْوَى عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ مُجَاهِدٍ مُرْسَلٌ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: قُلْت لِأَنَسٍ: «كَمْ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: حِجَّةً وَاحِدَةً وَاعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرَ» ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَحِبَّانُ بْنُ هِلَالٍ هُوَ أَبُو حَبِيبٍ الْبَصْرِيُّ، وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ.
قَوْلُهُ: (فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ) فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد «أَنَّهُ ﷺ نَحَرَ ثَلَاثِينَ بِيَدِهِ وَأَمَرَ عَلِيًّا فَنَحَرَ سَائِرَهَا» وَقَدْ قَدَّمْنَا التَّرْجِيحَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ. قَوْلُهُ: (وَأَشْرَكَهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَشْرَكَهُ فِي نَفْسِ الْهَدْيِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَعِنْدِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَرِيكًا حَقِيقَةً بَلْ أَعْطَاهُ قَدْرًا يَذْبَحُهُ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ الْبُدْنَ الَّتِي جَاءَتْ مَعَهُ مِنْ الْمَدِينَةِ وَكَانَتْ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ «وَأَعْطَى عَلِيًّا ﵇ الَّتِي جَاءَتْ مَعَهُ مِنْ الْيَمَنِ وَهِيَ تَمَامُ الْمِائَةِ» . قَوْلُهُ: (بِبَضْعَةٍ) بِفَتْحِ الْبَاءِ لَا
следующие страницы →