Полный текст (3 079 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ وَحَرَّمَ، فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلَالًا وَجَعَلَ فِي الْيَمِينِ الْكَفَّارَةَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا وَأَنَّهُ أَصَحُّ) .
٢٨٩٠ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ يُوقَفُ حَتَّى يُطَلِّقَ وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ حَتَّى يُطَلِّقَ، يَعْنَى الْمُولِيَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ: وَيُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءَ وَعَائِشَةَ وَاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: قَالَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَعَنْ عُمَرَ: يُوقَفُ الْمُولِي بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ، فَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ) .
٢٨٩١ - (وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: أَدْرَكْت بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ يَقِفُونَ الْمُولِيَ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ) .
٢٨٩٢ - (وَعَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْت اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ رَجُلٍ يُولِي، قَالُوا: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَيُوقَفُ، فَإِنْ فَاءَ وَإِلَّا طَلَّقَ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ)
ــ
[نيل الأوطار]
[كِتَابُ الْإِيلَاءُ]
حَدِيثُ الشَّعْبِيِّ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: رِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ وَلَكِنَّهُ رَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ إرْسَالَهُ عَلَى وَصْلِهِ. وَأَثَرُ عُمَرَ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ أَخِيهِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ. وَأَثَرُ عُثْمَانَ وَصَلَهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بِلَفْظِ «يُوقَفُ الْمُولِي فَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ» وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ طَاوُسٍ عَنْهُ، وَفِي سَمَاعِهِ مِنْهُ نَظَرٌ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُنْقَطِعٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْإِيلَاءَ شَيْئًا وَإِنْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ حَتَّى يُوقَفَ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالدَّارَقُطْنِيّ
стр. 2277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
عَنْهُ خِلَافَ ذَلِكَ، وَلَفْظُهُ " قَالَ عُثْمَانُ: إذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ " وَقَدْ رَجَّحَ أَحْمَدُ رِوَايَةَ طَاوُسٍ عَنْهُ وَأَثَرُ عَلِيٍّ وَصَلَهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَكَذَلِكَ رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ: " أَنَّهُ إذَا مَضَتْ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ حَتَّى يُوقَفَ، فَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ وَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ " وَهُوَ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ.
وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَأَثَرُ أَبِي الدَّرْدَاءَ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَلَفْظُهُ: " إنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ قَالَ: يُوقَفُ فِي الْإِيلَاءِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ، فَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ وَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ " وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَأَثَرُ عَائِشَةَ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِثْلَ قَوْلِ أَبِي الدَّرْدَاءَ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنْهَا، وَلَكِنَّهُ أَخْرَجَ عَنْهَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنَّهَا كَانَتْ لَا تَرَى الْإِيلَاءَ شَيْئًا حَتَّى يُوقَفَ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ عَنْهَا نَحْوَهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَيْضًا وَأَمَّا الْآثَارُ الْوَارِدَةُ عَنْ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ مَوْصُولَةً.
وَأَثَرُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا إسْمَاعِيلُ الْقَاضِي مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: " أَدْرَكْت بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: الْإِيلَاءُ لَا يَكُونُ طَلَاقًا حَتَّى يُوقَفَ " وَأَثَرُ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ إسْنَادُهُ فِي سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيّ هَكَذَا: أَخْبَرْنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، أَخْبَرْنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرْنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَهُ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ.
وَأَخْرَجَ إسْمَاعِيلُ الْقَاضِي عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: أَدْرَكْنَا النَّاسَ يَقِفُونَ الْإِيلَاءَ إذَا مَضَتْ الْأَرْبَعَةُ وَفِي الْبَابِ مِنْ الْمَرْفُوعِ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آلَى مِنْ نِسَائِهِ» الْحَدِيثَ. وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِنَحْوِهِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ: «أَنَّهُ ﷺ أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا» وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ ﷺ اعْتَزَلَ نِسَاءَهُ شَهْرًا»
قَوْلُهُ: (آلَى) الْإِيلَاءُ فِي اللُّغَةِ: الْحَلِفُ.
وَفِي الشَّرْعِ: الْحَلِفُ الْوَاقِعُ مِنْ الزَّوْجِ أَنْ لَا يَطَأَ زَوْجَتَهُ. وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ قَالَ: الْإِيلَاءُ: الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ كَلَامِهَا أَوْ عَلَى أَنْ يَغِيظَهَا أَوْ يَسُوءَهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَنُقِلَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْإِيلَاءُ إيلَاءً إلَّا أَنْ يَحْلِفَ الْمَرْءُ بِاَللَّهِ فِيمَا يُرِيدُ أَنْ يُضَارَّ بِهِ امْرَأَتَهُ مِنْ اعْتِزَالِهَا، فَإِذَا لَمْ يَقْصِدْ الْإِضْرَارَ لَمْ يَكُنْ إيلَاءً.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَطَائِفَةٍ أَنَّهُ لَا إيلَاءَ إلَّا فِي غَضَبٍ، فَأَمَّا مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَهَا بِسَبَبِ الْخَوْفِ عَلَى الْوَلَدِ الَّذِي يَرْضَعُ مِنْهَا مِنْ الْغِيلَةِ فَلَا يَكُونُ إيلَاءً
وَرُوِيَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسَالِمٍ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ كَلَّمْتُكِ سَنَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ، قَالَا: إنْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ يُكَلِّمْهَا طَلُقَتْ. وَإِنْ كَلَّمَهَا قَبْلَ سَنَةٍ فَهِيَ طَالِقٌ.
وَرُوِيَ عَنْ يَزَيْدَ بْنِ الْأَصَمِّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لَهُ: " مَا فَعَلَتْ امْرَأَتُك فَعَهْدِي بِهَا سَيِّئَةُ الْخُلُقِ فَقَالَ: لَقَدْ خَرَجَتْ وَمَا أُكَلِّمُهَا، قَالَ: أَدْرِكْهَا قَبْلَ أَنَّ
стр. 2278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَإِنْ مَضَتْ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ " قَوْلُهُ: (وَحَرَّمَ) فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ الَّذِي حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى نَفْسِهِ هُوَ الْعَسَلُ. وَقِيلَ: تَحْرِيمُ مَارِيَةَ وَسَيَأْتِي. وَرَوَى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ مَا يُفِيدُ الْجَمْعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَهَكَذَا الْخِلَافُ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] الْآيَةَ. وَمُدَّةُ إيلَائِهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرٌ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ. وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ الْإِيلَاءِ، فَقِيلَ: سَبَبُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ الَّذِي أَفْشَتْهُ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِي بَيَانِهِ رِوَايَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا قَالُوا: فَإِنْ حَلَفَ عَلَى أَنْقَصَ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا. وَقَالَ إِسْحَاقُ: إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَهَا يَوْمًا فَصَاعِدًا ثُمَّ لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا كَانَ إيلَاءً، وَجَاءَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ مِثْلُهُ. وَحَكَى صَاحِبُ الْبَحْرِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَقَتَادَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِدُونِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، لِأَنَّ الْقَصْدَ مَضَارَّةُ الزَّوْجَةِ وَهِيَ حَاصِلَةٌ فِي دُونِهَا. وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وَأَجَابَ الْآخَرُونَ عَنْهَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْمُدَّةُ الَّتِي تُضْرَبُ لِلْمُولِي، فَإِنْ فَاءَ بَعْدهَا وَإِلَّا طَلَّقَ حَتْمًا، لَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْإِيلَاءُ بِدُونِ هَذِهِ الْمُدَّةِ
وَيُؤَيِّدُ مَا قَالُوهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إيلَائِهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَا فِي الْقُرْآنِ بَيَانًا لِمِقْدَارِ الْمُدَّةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ الْإِيلَاءُ دُونَهَا لَمْ يَقَعْ مِنْهُ ﷺ ذَلِكَ. وَأَيْضًا الْأَصْلُ أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ لَزِمَهُ حُكْمُ الْيَمِينِ، فَالْحَالِفُ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ مُولٍ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَقْرَبَ امْرَأَتَهُ سَمَّى أَجَلًا أَوْ لَمْ يُسَمِّهِ، فَإِنْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ أُلْزِمَ حُكْمَ الْإِيلَاءِ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُهَا اللَّيْلَةَ، فَتَرَكَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مِنْ أَجْلِ يَمِينِهِ تِلْكَ فَهُوَ إيلَاءٌ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ إيلَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَوَقَّتَ اللَّهُ لَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَمَنْ كَانَ إيلَاؤُهُ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَلَيْسَ بِإِيلَاءٍ
قَوْلُهُ: (فَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ) الْفَيْءُ: الرُّجُوعُ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ عَنْهُ، قَالَ: الْفَيْءُ: الرُّجُوعُ بِاللِّسَانِ. وَمِثْلُهُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ: الْفَيْءُ: الرُّجُوعُ بِالْقَلْبِ لِمَنْ بِهِ مَانِعٌ عَنْ الْجِمَاعِ وَفِي غَيْرِهِ بِالْجِمَاعِ. وَحَكَى ذَلِكَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْعِتْرَةِ وَالْفَرِيقَيْنِ. وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْفَتْحِ عَنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْفَيْءُ: الْجِمَاعُ. وَحُكِيَ مِثْلُهُ عَنْ مَسْرُوقٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيِّ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: اخْتِلَافُهُمْ فِي هَذَا مِنْ اخْتِلَافِهِمْ فِي تَعْرِيفِ الْإِيلَاءِ، فَمَنْ خَصَّهُ بِتَرْكِ الْجِمَاعِ قَالَ: لَا يَفِيءُ إلَّا بِفِعْلِ الْجِمَاعِ. وَمَنْ قَالَ: الْإِيلَاءُ:
стр. 2279
كِتَابُ الظِّهَارِ
ــ
[نيل الأوطار]
الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ كَلَامِ الْمَرْأَةِ أَوْ عَلَى أَنْ يَغِيظَهَا أَوْ يَسُوءَهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْفَيْءِ الْجِمَاعَ، بَلْ رُجُوعُهُ بِفِعْلِ مَا حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ
قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَرْعٌ: وَلَفْظُ الْفَيْءِ: نَدِمْتُ عَلَى يَمِينِي وَلَوْ قَدَرْتُ الْآنَ لَفَعَلْتُ أَوْ رَجَعْتُ عَنْ يَمِينِي وَنَحْوِهِ، انْتَهَى. وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ الزَّوْجَ لَا يُطَالَبُ بِالْفَيْءِ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: إنَّهُ يُطَالَبُ فِيهَا لِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦] فِيهِنَّ قَالُوا: وَإِذَا جَازَ الْفَيْءُ جَازَ الطَّلَبُ إذْ هُوَ تَابِعٌ. وَيُجَابُ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ وَبِنَصِّ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ شَرَعَ التَّرَبُّصَ هَذِهِ الْمُدَّةَ فَلَا يَجُوزُ مُطَالَبَةُ الزَّوْجِ قَبْلَهَا، وَاخْتِيَارُهُ لِلْفَيْءِ قَبْلَهَا إبْطَالٌ لِحَقِّهِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ فَلَا يَبْطُلُ بِإِبْطَالِ غَيْرِهِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ الطَّلَاقَ الْوَاقِعَ مِنْ الزَّوْجِ فِي الْإِيلَاءِ يَكُونُ رَجْعِيًّا، وَهَكَذَا عِنْدَ مَنْ قَالَ: إنَّ مُضِيَّ الْمُدَّةِ يَكُونُ طَلَاقًا وَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْ
وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهَا إذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَفِئْ طَلُقَتْ طَلْقَةً بَائِنَةً. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ مِنْ الْكُوفِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ كَابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَرَبِيعَةَ وَمَكْحُولٍ وَالزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهَا تَطْلُقُ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهَا تَطْلُقُ بَائِنًا. وَرَوَى إسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ.
стр. 2280
عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ قَالَ: «كُنْتُ امْرَأً قَدْ أُوتِيتُ مِنْ جِمَاعِ النِّسَاءِ مَا لَمْ يُؤْتَ غَيْرِي، فَلَمَّا دَخَلَ رَمَضَانُ ظَاهَرْتُ مِنْ امْرَأَتِي حَتَّى يَنْسَلِخَ رَمَضَانُ فَرَقًا مِنْ أَنْ أُصِيبَ فِي لَيْلَتِي شَيْئًا فَأَتَتَايَعَ فِي ذَلِكَ إلَى أَنْ يُدْرِكَنِي النَّهَارُ وَأَنَا لَا أَقْدِرُ أَنْ أَنْزِعَ، فَبَيْنَا هِيَ تَخْدُمُنِي مِنْ اللَّيْلِ إذْ تَكَشَّفَ إلَيَّ مِنْهَا شَيْءٌ، فَوَثَبْتُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْت عَلَى قَوْمِي فَأَخْبَرْتُهُمْ خَبَرِي وَقُلْت لَهُمْ: انْطَلِقُوا مَعِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأُخْبِرَهُ بِأَمْرِي، فَقَالُوا: وَاَللَّهِ لَا نَفْعَلُ نَتَخَوَّفُ أَنْ يَنْزِلَ فِينَا قُرْآنٌ أَوْ يَقُولَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَالَةً يَبْقَى عَلَيْنَا عَارُهَا، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَقَالَ لِي: أَنْتَ بِذَاكَ؟ فَقُلْت: أَنَا بِذَاكَ، فَقَالَ: أَنْتَ بِذَاكَ؟ قُلْت: أَنَا بِذَاكَ، فَقَالَ: أَنْتَ بِذَاكَ؟ قُلْت: نَعَمْ هَا أَنَا ذَا فَامْضِ فِي حُكْمِ اللَّهِ فَأَنَا صَابِرٌ لَهُ، قَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً فَضَرَبْتُ صَفْحَةَ رَقَبَتِي بِيَدِي وَقُلْت: لَا وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَصْبَحْتُ أَمْلِكُ غَيْرَهَا، قَالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ أَصَابَنِي مَا أَصَابَنِي إلَّا فِي الصَّوْمِ؟ قَالَ: فَتَصَدَّقْ، قَالَ: قُلْت: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ بِتْنَا لَيْلَتَنَا وَحْشًا مَا لَنَا عَشَاءٌ، قَالَ: اذْهَبْ إلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَقُلْ لَهُ فَلْيَدْفَعْهَا إلَيْكَ فَأَطْعِمْ عَنْكَ مِنْهَا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ سِتِّينَ مِسْكِينًا، ثُمَّ اسْتَعِنْ بِسَائِرِهِ عَلَيْكَ وَعَلَى عِيَالِكَ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إلَى قَوْمِي فَقُلْت: وَجَدْتُ عِنْدَكُمْ الضِّيقَ وَسُوءَ الرَّأْيِ، وَوَجَدْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السَّعَةَ وَالْبَرَكَةَ، وَقَدْ أَمَرَ لِي بِصَدَقَتِكُمْ فَادْفَعُوهَا إلَيَّ. قَالَ: فَدَفَعُوهَا إلَيْهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ)
ــ
[نيل الأوطار]
[كِتَابُ الظِّهَارِ]
الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ. وَقَدْ أَعَلَّهُ عَبْدُ الْحَقِّ بِالِانْقِطَاعِ وَأَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ لَمْ يُدْرِكْ سَلَمَةَ. وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْبُخَارِيِّ، وَفِي إسْنَادِهِ أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَوْلُهُ: (ظَاهَرْتُ مِنْ امْرَأَتِي) الظِّهَارُ بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ اشْتِقَاقُهُ مِنْ الظَّهْرِ، وَهُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. قَالَ فِي الْفَتْحِ:
стр. 2281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
وَإِنَّمَا خَصَّ الظَّهْرَ بِذَلِكَ دُونَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الرُّكُوبِ غَالِبًا، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْمَرْكُوبُ ظَهْرًا فَشُبِّهَتْ الزَّوْجَةُ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا مَرْكُوبُ الرَّجُلِ. وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ الظِّهَارَ يَخْتَصُّ بِالْأُمِّ كَمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ.
وَفِي حَدِيثِ خَوْلَةَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا أَوْسٌ، فَلَوْ قَالَ: كَظَهْرِ أُخْتِي، مَثَلًا لَمْ يَكُنْ ظِهَارًا، وَكَذَا لَوْ قَالَ: كَظَهْرِ أَبِي.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ. أَنَّهُ ظِهَارٌ وَطَرْدُهُ فِي كُلِّ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهُ حَتَّى فِي الْبَهِيمَةِ
وَحَكَى فِي الْبَحْرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وَالنَّاصِرِ وَالْإِمَامِ يَحْيَى وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ أَنَّهُ يُقَاسُ الْمَحَارِمُ عَلَى الْأُمِّ وَلَوْ مِنْ رَضَاعٍ، إذْ الْعِلَّةُ التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ. وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: وَلَوْ مِنْ الرِّجَالِ. وَعَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالْبَتِّيِّ وَغَيْرِ الْمُؤَيَّدِ: فَيَصِحُّ بِالْأَجْنَبِيَّاتِ. قَوْلُهُ (فَرَقًا) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ. قَوْلُهُ: (فَأَتَتَايَعَ) بِتَاءَيْنِ فَوْقِيَّتَيْنِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ يَاءٌ: وَهُوَ الْوُقُوعُ فِي الشَّرِّ قَوْلُهُ: (فَقَالَ لِي أَنْتَ بِذَاكَ) لَعَلَّ هَذَا التَّكْرِيرَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ لَا أَنَّهُ شَرْطٌ فِي إقْرَارِ الْمُظَاهِرِ، وَمِنْ هَهُنَا يَلُوحُ أَنَّ مُجَرَّدَ الْفِعْلِ لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَى. قَوْلُهُ: (أَعْتِقْ رَقَبَةً) ظَاهِرُهُ عَدَمُ اعْتِبَارِ كَوْنِهَا مُؤْمِنَةً، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالنَّخَعِيِّ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الْعِتْرَةِ: لَا يَجُوزُ وَلَا يَجْزِي إعْتَاقُ الْكَافِرِ لِأَنَّ هَذَا مُطْلَقٌ مُقَيَّدٌ بِمَا فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ مِنْ اشْتِرَاطِ الْإِيمَانِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَقْيِيدَ حُكْمٍ بِمَا فِي حُكْمٍ آخَرَ مُخَالِفٌ لَهُ لَا يَصِحُّ، وَتَحْقِيقُ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ مُحَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ وَلَكِنَّهُ يُؤَيِّدُ اعْتِبَارَ الْإِسْلَامِ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيُّ فَإِنَّهُ «لَمَّا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ إعْتَاقِ جَارِيَتِهِ عَنْ الرَّقَبَةِ الَّتِي عَلَيْهِ، قَالَ لَهَا: أَيْنَ اللَّهُ؟ فَقَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، فَقَالَ: مَنْ أَنَا؟ فَقَالَتْ: رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: فَأَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» وَلَمْ يَسْتَفْصِلْهُ عَنْ الرَّقَبَةِ الَّتِي عَلَيْهِ وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي مَقَامِ الِاحْتِمَالِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الرَّقَبَةِ أَنَّهَا تُجْزِي الْمَعِيبَةُ. وَقَدْ حَكَاهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ أَكْثَرِ الْعِتْرَةِ وَدَاوُد
وَحُكِيَ عَنْ الْمُرْتَضَى وَالْفَرِيقَيْنِ وَمَالِكٍ أَنَّهَا لَا تُجْزِي. قَوْلُهُ: (فَصُمْ شَهْرَيْنِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ حُكْمَ الْعَبْدِ حُكْمُ الْحُرِّ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ إذَا ظَاهَرَ لَزِمَهُ، وَأَنَّ كَفَّارَتَهُ بِالصِّيَامِ شَهْرَانِ كَالْحُرِّ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْإِطْعَامِ وَالْعِتْقِ، فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْهَادَوِيَّةُ: لَا يُجْزِيهِ إلَّا الصِّيَامُ فَقَطْ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: إذَا أَطْعَمَ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ أَجْزَأَهُ. قَالَ: وَمَا ادَّعَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ مِنْ الْإِجْمَاعِ مَرْدُودٌ، فَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ فِي الْمُغْنِي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ظِهَارُ الْعَبْدِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ الرَّقَبَةَ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ تَحْرِيرَ الرَّقَبَةِ إنَّمَا هُوَ عَلَى مَنْ يَجِدُهَا فَكَانَ كَالْمُعْسِرِ فَفَرْضُهُ الصِّيَامُ
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ لَوْ صَامَ الْعَبْدُ شَهْرًا أَجْزَأَ عَنْهُ. قَوْلُهُ: (وَحْشًا) لَفْظُ أَبِي دَاوُد
стр. 2282
٢٨٩٤ - (وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمُظَاهِرِ يُوَاقِعُ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ، قَالَ: كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ) .
٢٨٩٥ - (وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ مِكْتَلًا فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، فَقَالَ: أَطْعِمْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَذَلِكَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَلِلتِّرْمِذِيِّ مَعْنَاهُ) .
٢٨٩٦ - (وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ قَدْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي ظَاهَرْتُ مِنْ امْرَأَتِي فَوَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ
ــ
[نيل الأوطار]
وَحْشَيْنِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: يُقَالُ رَجُلٌ وَحْشٌ بِالسُّكُونِ: إذَا كَانَ جَائِعًا لَا طَعَامَ لَهُ. وَقَدْ أَوْحَشَ: إذَا جَاعَ. قَوْلُهُ: (بَنِي زُرَيْقٍ) بِتَقْدِيمِ الزَّايِ عَلَى الرَّاءِ. قَوْلُهُ: (سِتِّينَ مِسْكِينًا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجْزِي مَنْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصِّيَامِ لِعِلَّةِ أَنْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا. وَقَدْ حَكَى صَاحِبُ الْبَحْرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ. وَحَكَى أَيْضًا الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي الظِّهَارِ وَاجِبَةٌ عَلَى التَّرْتِيبِ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَلَا يَجْزِي إطْعَامُ دُونِهِمْ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَالْهَادَوِيَّةُ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالنَّاصِرُ: إنَّهُ يَجْزِي إطْعَامُ وَاحِدٍ سِتِّينَ يَوْمًا. قَوْلُهُ: (فَأَطْعِمْ عَنْك مِنْهَا وَسْقًا) فِي رِوَايَةٍ " فَأَطْعِمْ عَرَقًا مِنْ تَمْرٍ سِتِّينَ مِسْكِينًا " وَسَيَأْتِي الِاخْتِلَافُ فِي الْعَرَقِ فِي حَدِيثِ خَوْلَةَ. وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ حَدِيثِ الْبَابِ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْهَادَوِيَّةُ
وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ، فَقَالُوا: الْوَاجِبُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ ذُرَةٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا: إنَّ الْوَاجِبَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ، وَتَمَسَّكُوا بِالرِّوَايَاتِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْعَرَقِ وَتَقْدِيرُهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا وَسَيَأْتِي، وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ عَنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِهَا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعَانَهُ بِمَا يُكَفِّرُ بِهِ بَعْدَ أَنَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا يَجِدُ رَقَبَةً وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إطْعَامٍ وَلَا يُطِيقُ الصَّوْمَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى السُّقُوطِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى التَّفْصِيلِ فَقَالُوا: تَسْقُطُ كَفَّارَةُ صَوْمِ رَمَضَانَ لَا غَيْرُهَا مِنْ الْكَفَّارَاتِ
٢٨٩٤ - (وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمُظَاهِرِ يُوَاقِعُ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ، قَالَ: كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ) .
٢٨٩٥ - (وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ مِكْتَلًا فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، فَقَالَ: أَطْعِمْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَذَلِكَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَلِلتِّرْمِذِيِّ مَعْنَاهُ) .
٢٨٩٦ - (وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ قَدْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي ظَاهَرْتُ مِنْ امْرَأَتِي فَوَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ قَالَ: رَأَيْت خَلْخَالَهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ، قَالَ: فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا أَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ حُجَّةٌ فِي تَحْرِيمِ الْوَطْءِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ بِالْإِطْعَامِ وَغَيْرِهِ. وَرَوَاهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا وَقَالَ فِيهِ: «فَاعْتَزِلْهَا حَتَّى تَقْضِيَ مَا عَلَيْكَ» وَهُوَ حُجَّةٌ فِي ثُبُوتِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي الذِّمَّةِ)
стр. 2283
أُكَفِّرَ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ قَالَ: رَأَيْت خَلْخَالَهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ، قَالَ: فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا أَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ حُجَّةٌ فِي تَحْرِيمِ الْوَطْءِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ بِالْإِطْعَامِ وَغَيْرِهِ. وَرَوَاهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا وَقَالَ فِيهِ: «فَاعْتَزِلْهَا حَتَّى تَقْضِيَ مَا عَلَيْكَ» وَهُوَ حُجَّةٌ فِي ثُبُوتِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي الذِّمَّةِ)
ــ
[نيل الأوطار]
حَدِيثُ سَلَمَةَ الْأَوَّلُ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَحَدِيثُهُ الثَّانِي أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ الْبَيَاضِيُّ الْحَدِيثَ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، قَالَ الْحَافِظُ: وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. لَكِنْ أَعَلَّهُ أَبُو حَاتِمٍ وَالنَّسَائِيُّ بِالْإِرْسَالِ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ وَلَا يَضُرُّهُ إرْسَالُ مَنْ أَرْسَلَهُ. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ شَاهِدًا لَهُ مِنْ طَرِيقِ خُصَيْفٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي ظَاهَرْتُ مِنْ امْرَأَتِي، فَرَأَيْت سَاقَهَا فِي الْقَمَرِ فَوَاقَعْتُهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ، فَقَالَ: كَفِّرْ وَلَا تَعُدْ» وَقَدْ بَالَغَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ: لَيْسَ فِي الظِّهَارِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. قَوْلُهُ: (قَالَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا وَاقَعَهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ
قَوْلُهُ: (فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُحَرَّمُ عَلَى الزَّوْجِ الْوَطْءُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ وَأَنَّ الْكَفَّارَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ لَا تَسْقُطُ بِالْوَطْءِ قَبْلَ إخْرَاجِهَا. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ الْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ وَطِئَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ ثُلَاثُ كَفَّارَاتٍ. وَذَهَبَ الزُّهْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو يُوسُفَ إلَى سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ بِالْوَطْءِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ كَمَا سَلَفَ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ الْوَاجِبَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مُطْلَقًا وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ. وَاخْتُلِفَ فِي مُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ هَلْ تُحَرَّمُ مِثْلُ الْوَطْءِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ أَمْ لَا؟ ، فَذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ إلَى أَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الْوَطْءُ وَحْدَهُ لَا الْمُقَدِّمَاتُ
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهَا تُحَرَّمُ كَمَا يُحَرَّمُ الْوَطْءُ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] وَهُوَ يَصْدُقُ عَلَى الْوَطْءِ وَمُقَدِّمَاتِهِ. وَأَجَابَ قَالَ: بِأَنَّ حُكْمَ الْمُقَدِّمَاتِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْوَطْءِ بِأَنَّ الْمَسِيسَ كِنَايَةٌ عَنْ الْجِمَاعِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الْوُضُوءِ. وَاعْلَمْ أَنَّهَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بَعْدَ الْعَوْدِ إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] وَاخْتَلَفُوا هَلْ الْعِلَّةُ فِي وُجُوبِهَا الْعَوْدُ أَوْ الظِّهَارُ؟ فَذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالْحَسَنُ
стр. 2284
٢٨٩٧ - (وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَتْ: «ظَاهَرَ مِنِّي أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ، فَجِئْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَشْكُو إلَيْهِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَادِلُنِي فِيهِ وَيَقُولُ: اتَّقِي اللَّهَ فَإِنَّهُ ابْنُ عَمِّك، فَمَا بَرِحَ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] إلَى الْفَرْضِ فَقَالَ: يُعْتِقُ رَقَبَةً، قَالَتْ: لَا يَجِدُ، قَالَ: فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ، قَالَ: فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قَالَتْ: مَا عِنْدَهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ، قَالَتْ: فَأُتِيَ سَاعَتَئِذٍ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنِّي سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ، قَالَ: قَدْ أَحْسَنْت اذْهَبِي فَأَطْعِمِي بِهِمَا عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَارْجِعِي إلَى ابْنِ عَمِّك وَالْعَرَقُ سِتُّونَ صَاعًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَحْمَدَ مَعْنَاهُ لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قَدْرَ الْعَرَقِ وَقَالَ فِيهِ: فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ. وَلِأَبِي دَاوُد فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: وَالْعَرَقُ مِكْتَلٌ يَسَعُ ثَلَاثِينَ صَاعًا. وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ. وَلَهُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَوْسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا. وَهَذَا مُرْسَلٌ. قَالَ أَبُو دَاوُد: عَطَاءٌ لَمْ يُدْرِكْ أَوْسًا) .
ــ
[نيل الأوطار]
وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْعِتْرَةُ. وَذَهَبَ إلَى الثَّانِي مُجَاهِدٌ وَالثَّوْرِيُّ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَطَاوُسٌ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَدَاوُد وَالشَّافِعِيُّ: بَلْ الْعِلَّةُ مَجْمُوعُهُمَا. وَقَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى: إنَّ الْعَوْدَ شَرْطٌ كَالْإِحْصَانِ مَعَ الزِّنَى. وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَوْدِ مَا هُوَ؟ فَقَالَ قَتَادَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْعِتْرَةُ: إنَّهُ إرَادَةُ الْمَسِّ لِمَا حُرِّمَ بِالظِّهَارِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَرَادَ فَقَدْ عَادَ عَنْ عَزْمِ التَّرْكِ إلَى عَزْمِ الْفِعْلِ سَوَاءٌ فَعَلَ أَمْ لَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بَلْ هُوَ إمْسَاكُهَا بَعْدَ الظِّهَارِ وَقْتًا يَسَعُ الطَّلَاقَ وَلَمْ يُطَلِّقْ، إذْ تَشْبِيهُهَا بِالْأُمِّ يَقْتَضِي إبَانَتَهَا، وَإِمْسَاكُهَا نَقِيضُهُ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: بَلْ هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ فَقَطْ وَإِنْ لَمْ يَطَأْ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَطَاوُسٌ وَالزُّهْرِيُّ: بَلْ هُوَ الْوَطْءُ نَفْسُهُ. وَقَالَ دَاوُد وَشُعْبَةُ: بَلْ إعَادَةُ لَفْظِ الظِّهَارِ.
٢٨٩٧ - (وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَتْ: «ظَاهَرَ مِنِّي أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ، فَجِئْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَشْكُو إلَيْهِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَادِلُنِي فِيهِ وَيَقُولُ: اتَّقِي اللَّهَ فَإِنَّهُ ابْنُ عَمِّك، فَمَا بَرِحَ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] إلَى الْفَرْضِ فَقَالَ: يُعْتِقُ رَقَبَةً، قَالَتْ: لَا يَجِدُ، قَالَ: فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ، قَالَ: فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قَالَتْ: مَا عِنْدَهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ، قَالَتْ: فَأُتِيَ سَاعَتَئِذٍ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنِّي سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ، قَالَ: قَدْ أَحْسَنْت اذْهَبِي فَأَطْعِمِي بِهِمَا عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَارْجِعِي إلَى ابْنِ عَمِّك وَالْعَرَقُ سِتُّونَ صَاعًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَحْمَدَ مَعْنَاهُ لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قَدْرَ الْعَرَقِ وَقَالَ فِيهِ: فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ. وَلِأَبِي دَاوُد فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: وَالْعَرَقُ مِكْتَلٌ يَسَعُ ثَلَاثِينَ صَاعًا. وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ. وَلَهُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَوْسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا. وَهَذَا مُرْسَلٌ. قَالَ أَبُو دَاوُد: عَطَاءٌ لَمْ يُدْرِكْ أَوْسًا) حَدِيثُ خَوْلَةَ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَالْمُنْذِرِيُّ، وَفِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى الْإِسْنَادِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ " تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ إنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ وَهِيَ تَشْتَكِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " فَذَكَرَتْ الْحَدِيثَ، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّهَا. وَأَخْرَجَ أَيْضًا أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَالَتْ: " كَانَتْ جَمِيلَةُ امْرَأَةَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ وَكَانَ امْرَأً بِهِ لَمَمٌ، فَإِذَا اشْتَدَّ لَمَمُهُ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ "
وَحَدِيثُ
стр. 2285
بَابُ مَنْ حَرَّمَ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ
٢٨٩٨ - (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ: أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إنِّي جَعَلْت امْرَأَتِي عَلَيَّ حَرَامًا، فَقَالَ: كَذَبْت، لَيْسَتْ عَلَيْك بِحَرَامٍ، ثُمَّ تَلَا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] عَلَيْكَ أَغْلَظُ الْكَفَّارَةِ عِتْقُ رَقَبَةٍ. رَوَاهُ النَّسَائِيّ) .
٢٨٩٩ - (وَعَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ يَطَؤُهَا، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ حَتَّى حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] إلَى آخِرِ الْآيَةِ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ) .
ــ
[نيل الأوطار]
أَوْسٍ أَعَلَّهُ أَبُو دَاوُد بِالْإِرْسَالِ كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ. قَوْلُهُ: (خَوْلَةَ بِنْتِ مَالِكٍ) وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ أَبِي حَاتِمٍ: خَوْلَةَ بِنْتِ الصَّامِتِ، قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ وَهْمٌ، وَالصَّوَابُ: زَوْجِ ابْنِ الصَّامِتِ. وَرَجَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهَا خَوْلَةُ بِنْتُ الصَّامِتِ بْنِ ثَعْلَبَةَ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمَرْأَةَ خَوْلَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفِي إسْنَادِهِ أَبُو حَمْزَةَ الْيَمَانِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَّامٍ: إنَّهَا خَوْلَةُ، وَرُوِيَ أَنَّهَا بِنْتُ دُلَيْحٍ، كَذَا فِي الْكَاشِفِ، وَفِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّهَا جَمِيلَةُ. قَوْلُهُ: (وَالْعَرَقُ سِتُّونَ صَاعًا) هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَفَرَّدَ بِهَا مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ، قَالَ الذَّهَبِيُّ: لَا يُعْرَفُ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَفِيهَا أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ عَنْعَنَ، وَالْمَشْهُورُ عُرْفًا أَنَّ الْعَرَقَ يَسَعُ خَمْسَةَ عَشْرَ صَاعًا كَمَا رَوَى ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ نَفْسِهِ، وَالْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِحَدِيثِ خَوْلَةَ مِنْ الْفِقْهِ قَدْ تَقَدَّمَ.
[بَابُ مَنْ حَرَّمَ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ]
الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهَا ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ. وَحَدِيثُ أَنَسٍ قَالَ الْحَافِظُ: سَنَدُهُ صَحِيحٌ وَهُوَ أَصَحُّ طُرُقِ سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ، وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ عَنْ الطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ التَّابِعِيِّ الْمَشْهُورِ قَالَ: «أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ إبْرَاهِيمَ وَلَدِهِ فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي بَيْتِي وَعَلَى فِرَاشِي؟ فَجَعَلَهَا عَلَيْهِ حَرَامًا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تُحَرِّمُ عَلَيْك الْحَلَالَ؟ فَحَلَفَ لَهَا بِاَللَّهِ لَا يُصِيبُهَا، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] » .
стр. 2286
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ قَالَتْ «آلَى النَّبِيُّ ﷺ وَحَرَّمَ فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلَالًا، وَجَعَلَ فِي الْيَمِينِ كَفَّارَةً» وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْإِيلَاءِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ غَيْرُ حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهِكٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إنِّي جَعَلْت امْرَأَتِي حَرَامًا، قَالَ: لَيْسَتْ، عَلَيْك بِحَرَامٍ، قَالَ: أَرَأَيْت قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣] الْآيَةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ إسْرَائِيلَ كَانَ بِهِ عِرْقُ الْإِنْسِيِّ فَجَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ إنْ شَفَاهُ اللَّهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ الْعُرُوقَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَيْسَتْ بِحَرَامٍ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ "
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا، فَإِنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا عَلَى أَقْوَالٍ بَلَّغَهَا الْقُرْطُبِيُّ الْمُفَسِّرُ إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ قَوْلًا. قَالَ الْحَافِظُ: وَزَادَ غَيْرُهُ عَلَيْهَا.
وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيهَا تَفَاصِيلُ يَطُولُ اسْتِيفَاؤُهَا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: سَبَبُ الِاخْتِلَافِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ صَرِيحًا وَلَا فِي السُّنَّةِ نَصٌّ ظَاهِرٌ صَحِيحٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَتَجَاذَبَهَا الْعُلَمَاءُ، فَمَنْ تَمَسَّكَ بِالْبَرَاءَةِ قَالَ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَمَنْ قَالَ: إنَّهَا يَمِينٌ، أَخَذَ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] وَمَنْ قَالَ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ وَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ مَعْنَى الْيَمِينِ فَوَقَعَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمَعْنَى. وَمَنْ قَالَ: يَقَعُ بِهِ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ حَمَلَ اللَّفْظَ عَلَى أَقَلِّ وُجُوهِهِ الظَّاهِرَةِ وَأَقَلُّ مَا تُحَرَّمُ بِهِ الْمَرْأَةُ طَلْقَةٌ مَا لَمْ يَرْتَجِعْهَا. وَمَنْ قَالَ: بَائِنَةٌ، فَلِاسْتِمْرَارِ التَّحْرِيمِ بِهَا مَا لَمْ يُجَدِّدْ الْعَقْدَ. وَمَنْ قَالَ: ثَلَاثًا، حَمَلَ اللَّفْظَ عَلَى مُنْتَهَى وُجُوهِهِ. وَمَنْ قَالَ: ظِهَارٌ. نَظَرَ إلَى مَعْنَى التَّحْرِيمِ وَقَطَعَ النَّظَرَ عَنْ الطَّلَاقِ فَانْحَصَرَ الْأَمْرُ عِنْدَهُ فِي الظِّهَارِ انْتَهَى.
وَمِنْ الْمُطَوِّلِينَ لِلْبَحْثِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَيْهَا فِي الْهَدْيِ كَلَامًا طَوِيلًا وَذَكَرَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مَذْهَبًا أُصُولًا تَفَرَّعَتْ إلَى عِشْرِينَ مَذْهَبًا، وَذَكَرَ فِي كِتَابِهِ الْمَعْرُوفِ بِأَعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ خَمْسَةَ عَشَرَ مَذْهَبًا، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاخْتِصَارِ وَنَزِيدُ عَلَيْهِ فَوَائِدَ: الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ لَغْوٌ وَبَاطِلٌ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ مَسْرُوقٌ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ وَدَاوُد وَجَمِيعُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الْمَالِكِيَّةِ، وَاخْتَارَهُ أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ مِنْهُمْ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا تَقَدَّمَ، وَبِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. الْقَوْلُ الثَّانِي: إنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ﵁ -
стр. 2287
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى
وَحَكَاهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَاعْتَرَضَ ابْنُ الْقَيِّمِ الرِّوَايَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عُمَرَ وَقَالَ: الثَّابِتُ عَنْهُمَا مَا رَوَاهُ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُمَا قَالَا: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُمَا خِلَافُ ذَلِكَ. وَرَوَى ابْنُ حَزْمٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ الْوَقْفَ فِي ذَلِكَ. وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: إنَّهُ يَمِينٌ. وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّهَا لَا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ إلَّا بِالثَّلَاثِ فَكَانَ وُقُوعُ الثَّلَاثِ مِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِهَا حَرَامًا. الثَّالِثُ: أَنَّهَا بِهَذَا الْقَوْلِ حَرَامٌ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَابْنُ الْقَيِّمِ فِي أَعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ: صَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ وَخِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَقَتَادَةَ قَالَ: لَمْ يَذْكُرْ هَؤُلَاءِ طَلَاقًا بَلْ أَمَرُوهُ بِاجْتِنَابِهَا فَقَطْ. قَالَ: وَصَحَّ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ ﵇ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَنْهُ رِوَايَتَانِ، أَوْ يَكُونَ أَرَادَ تَحْرِيمَ الثَّلَاثِ، وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ لَفْظَهُ إنَّمَا اقْتَضَى التَّحْرِيمَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِعَدَدِ الطَّلَاقِ فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى تَحْرِيمِهِ. الرَّابِعُ: الْوَقْفُ فِيهَا. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: صَحَّ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵇، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ التَّحْرِيمَ لَيْسَ بِطَلَاقٍ، وَالزَّوْجُ لَا يَمْلِكُ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ، إنَّمَا يَمْلِكُ السَّبَبَ الَّذِي تُحَرَّمُ بِهِ وَهُوَ الطَّلَاقُ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الطَّلَاقِ وَلَا هُوَ مِمَّا لَهُ عُرْفٌ فِي الشَّرْعِ فِي تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ فَاشْتَبَهَ الْأَمْرُ فِيهِ
الْخَامِسُ: إنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ فَهُوَ طَلَاقٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ كَانَ يَمِينًا، وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ وَالزُّهْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ الْحَسَنِ، وَحَكَاهُ أَيْضًا فِي الْفَتْحِ عَنْ النَّخَعِيّ وَإِسْحَاقَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ. وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فِي الطَّلَاقِ فَإِنْ نَوَاهُ كَانَ طَلَاقًا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ كَانَ يَمِينًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] إلَى قَوْلِهِ: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] . السَّادِسُ: أَنَّهُ إنْ نَوَى الثَّلَاثَ فَثَلَاثٌ وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِنْ نَوَى يَمِينًا فَهُوَ يَمِينٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَهُوَ كَذْبَةٌ لَا شَيْءَ فِيهَا، قَالَهُ سُفْيَانُ: وَحَكَاهُ النَّخَعِيّ عَنْ أَصْحَابِهِ، وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِمَا نَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ فَتُتْبَعُ نِيَّتُهُ. السَّابِعُ: مِثْلُ هَذَا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَهُوَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْلِ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] فَإِذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، فَإِذَا أَطْلَقَ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا كَانَ يَمِينًا. الثَّامِنُ: مِثْلُ هَذَا أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَوَاحِدَةٌ بَائِنًا إعْمَالًا لِلَفْظِ التَّحْرِيمِ، هَكَذَا فِي أَعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ وَلَمْ يَحْكِهِ عَنْ أَحَدٍ. وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ
التَّاسِعُ: أَنَّ فِيهِ كَفَّارَةَ ظِهَارٍ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي قِلَابَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ، وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ التَّشْبِيهَ بِمَنْ تُحَرَّمُ عَلَيْهِ ظِهَارًا، فَالتَّصْرِيحُ بِالتَّحْرِيمِ أَوْلَى. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَهَذَا أَقَيْسُ الْأَقْوَالِ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ لِلْمُكَلَّفِ التَّحْلِيلَ وَالتَّحْرِيمَ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إلَيْهِ
стр. 2288
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
تَعَالَى، وَإِنَّمَا جَعَلَ لَهُ مُبَاشَرَةَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا التَّحْرِيمُ، فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أَوْ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَقَدْ قَالَ الْمُنْكَرَ مِنْ الْقَوْلِ وَالزُّورِ وَكَذَبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهَا عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ وَلَا جَعَلَهَا عَلَيْهِ حَرَامًا فَقَدْ أَوْجَبَ بِهَذَا الْقَوْلِ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ أَغْلَظَ الْكَفَّارَتَيْنِ وَهِيَ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ. الْعَاشِرُ: أَنَّهَا تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقَوْلُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ شَيْخِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ تَطْلِيقَ التَّحْرِيمِ لَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ بِالثَّلَاثِ بَلْ يَصْدُقُ بِأَقَلِّهِ، وَالْوَاحِدَةُ مُتَيَقَّنَةٌ فَحُمِلَ اللَّفْظُ عَلَيْهَا
الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّهُ يَنْوِي مَا أَرَادَ مِنْ ذَلِكَ فِي إرَادَةِ أَصْلِ الطَّلَاقِ وَعَدَدِهِ وَإِنْ نَوَى تَحْرِيمًا بِغَيْرِ طَلَاقٍ فَيَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ اللَّفْظَ صَالِحٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ فَلَا يَتَعَيَّنُ وَاحِدَةٌ مِنْهَا إلَّا بِالنِّيَّةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ هُوَ الْقَوْلُ الْخَامِسُ وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ عَنْهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي، بَلْ حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْقَيِّمِ نَفْسُهُ. الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنَّهُ يَنْوِي أَيْضًا مَا شَاءَ مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا نَوَى وَاحِدَةً كَانَتْ بَائِنَةً، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَإِيلَاءٌ، وَإِنْ نَوَى الْكَذِبَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ هَكَذَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ.
وَفِي الْفَتْحِ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ إذَا نَوَى اثْنَتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ طَلَاقًا فَهُوَ يَمِينٌ وَيَصِيرُ مُوَلِّيًا.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إذَا نَوَى الْكَذِبَ دِينَ وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ وَلَا يَكُونُ مُظَاهِرًا عِنْدَهُ، نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ، وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ فَقَالَ: أَعْنِي بِهِ الظِّهَارَ، لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا؛ وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْلِ احْتِمَالُ اللَّفْظِ. الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّهُ يَمِينٌ يُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ عَلَى حَالٍ
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: صَحَّ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ وَالْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَنَافِعٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَخَلْقٍ سِوَاهُمْ، وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْلِ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ فَرْضَ تَحِلَّةِ الْأَيْمَانِ عَقِبَ تَحْرِيمِ الْحَلَالِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ يَقِينًا. الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّهُ يَمِينٌ مُغَلَّظَةٌ يَتَعَيَّنُ بِهَا عِتْقُ رَقَبَةٍ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: صَحَّ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ، وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَمِينًا مُغَلَّظَةً غُلِّظَتْ كَفَّارَتُهَا. الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّهُ طَلَاقٌ، ثُمَّ إنَّهَا إنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا فَهُوَ مَا نَوَاهُ مِنْ الْوَاحِدَةِ فَمَا فَوْقَهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا فَهُوَ ثَلَاثٌ، وَإِنْ نَوَى أَقَلَّ مِنْهَا وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ فِي نِهَايَةِ الْمُجْتَهِدِ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ اللَّفْظَ لَمَّا اقْتَضَى التَّحْرِيمَ وَجَبَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ، وَغَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا تُحَرَّمُ بِوَاحِدَةٍ، وَالْمَدْخُولُ بِهَا لَا تُحَرَّمُ إلَّا بِالثَّلَاثِ
стр. 2289
كِتَابُ اللِّعَانِ
ــ
[نيل الأوطار]
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ رَجَّحَ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ مِنْ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ هُوَ الرَّاجِحُ عِنْدِي إذَا أَرَادَ تَحْرِيمَ الْعَيْنِ، وَأَمَّا إذَا أَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ فَلَيْسَ فِي الْأَدِلَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ وُقُوعِهِ بِهِ، أَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦] وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] فَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجَبِ ذَلِكَ: فَمَنْ أَرَادَ تَحْرِيمَ عَيْنِ زَوْجَتِهِ لَمْ تُحَرَّمْ. وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ طَلَاقَهَا بِذَلِكَ اللَّفْظِ فَلَيْسَ فِي الْأَدِلَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ الطَّلَاقِ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ، وَعَدَمِ جَوَازِهِ بِمَا سِوَاهَا، وَلَيْسَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] مَا يَقْضِي بِانْحِصَارِ الْفُرْقَةِ فِي لَفْظِ الطَّلَاقِ. وَقَدْ وَرَدَ الْإِذْنُ بِمَا عَدَاهُ مِنْ أَلْفَاظِ الْفُرْقَةِ كَقَوْلِهِ ﷺ لِابْنَةِ الْجَوْنِ: «الْحَقِي بِأَهْلِك» قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَقَدْ أَوْقَعَ الصَّحَابَةُ الطَّلَاقَ بِأَنْتِ حَرَامٌ، وَأَمْرُكِ بِيَدِكِ، وَاخْتَارِي، وَوَهَبْتُكِ لِأَهْلِكِ، وَأَنْتِ خَلِيَّةٌ وَقَدْ خَلَوْت مِنِّي، وَأَنْتِ بَرِيَّةٌ وَقَدْ أَبْرَأْتُك وَأَنْتِ مُبَرَّأَةٌ، وَحَبْلُك عَلَى غَارِبِك، انْتَهَى. وَأَيْضًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: سَرَّحْتُك لَكَفَى فِي إفَادَةِ مَعْنَى الطَّلَاقِ
وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى جَوَازِ التَّجَوُّزِ لِعَلَاقَةٍ مَعَ قَرِينَةٍ فِي جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ إلَّا مَا خُصَّ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى امْتِنَاعِهِ فِي بَابِ الطَّلَاقِ؟ وَأَمَّا إذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا غَيْرَ زَوْجَتِهِ كَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَظَاهِرُ الْأَدِلَّةِ أَنَّهُ لَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ إلَيْهِ تَحْرِيمًا وَلَا تَحْلِيلًا فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ الْوَاقِعُ مِنْهُ لَغْوًا، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى مِثْلِ هَذَا الشَّافِعِيُّ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ.
стр. 2290
(عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ) .
٢٩٠١ - (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، الْمُتَلَاعِنَانِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، نَعَمْ إنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، قَالَ: فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ فَقَالَ: إنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ اُبْتُلِيتُ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ [النور: ٦] فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، فَقَالَ: لَا وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْت عَلَيْهَا، ثُمَّ دَعَاهَا فَوَعَظَهَا وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، فَقَالَتْ: لَا وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ إنَّهُ لَكَاذِبٌ؛ فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ؛ ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ، فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا» .
٢٩٠٢ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي عَجْلَانَ وَقَالَ: اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا مِنْ تَائِبٍ ثَلَاثًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا) .
٢٩٠٣ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: «أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيُّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ
ــ
[نيل الأوطار]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2291
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَدْ نَزَلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا، قَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ.
وَفِي رِوَايَةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ " ذَاكُمْ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلَاعِنَيْنِ ".
وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ: وَكَانَ فِرَاقُهُ إيَّاهَا سُنَّةً فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ.)
ــ
[نيل الأوطار]
[كِتَابُ اللِّعَانِ]
. قَوْلُهُ: (لَاعَنَ امْرَأَتَهُ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: اللِّعَانُ مَأْخُوذٌ مِنْ اللَّعْنِ؛ لِأَنَّ الْمُلَاعِنَ يَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ، وَاخْتِيرَ لَفْظُ اللَّعْنِ دُونَ الْغَضَبِ فِي التَّسْمِيَةِ لِأَنَّهُ قَوْلُ الرَّجُلِ وَهُوَ الَّذِي بُدِئَ بِهِ فِي الْآيَةِ، وَهُوَ أَيْضًا يَبْدَأُ بِهِ. وَقِيلَ: سُمِّيَ لِعَانًا لِأَنَّ اللَّعْنَ: الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا. وَإِنَّمَا خُصَّتْ الْمَرْأَةُ بِلَفْظِ الْغَضَبِ لِعِظَمِ الذَّنْبِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا. ثُمَّ قَالَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ مَشْرُوعٌ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَعَ عَدَمِ التَّحَقُّقِ. وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ عَلَى الزَّوْجِ. وَظَاهِرُ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّ اللِّعَانَ إنَّمَا يُشْرَعُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] الْآيَةَ، فَلَوْ قَالَ أَجْنَبِيٌّ لِأَجْنَبِيَّةٍ: يَا زَانِيَةُ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ. قَوْلُهُ: (فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ إنَّ الْفُرْقَةَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا تَقَعُ بِنَفْسِ اللِّعَانِ حَتَّى يُوقِعَهَا الْحَاكِمُ
وَأَجَابَ مَنْ قَالَ: إنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ بِنَفْسِ اللِّعَانِ أَنَّ ذَلِكَ بَيَانُ حُكْمٍ لَا إيقَاعُ فُرْقَةٍ. وَاحْتَجُّوا بِمَا وَقَعَ مِنْهُ ﷺ فِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: «لَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا» . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ جَوَابٌ لِسُؤَالِ الرَّجُلِ عَنْ مَالِهِ الَّذِي أَخَذَتْهُ مِنْهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وَهُوَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَيَشْمَلُ الْمَالَ وَالْبَدَنَ وَيَقْتَضِي نَفْيَ تَسَلُّطِهِ عَلَيْهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثٍ لِأَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «وَقَضَى أَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ قُوتٌ وَلَا سُكْنَى مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَلَا مُتَوَفَّى عَنْهَا» ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا بِنَفْسِ اللِّعَانِ، وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ فِي الْفُرْقَةِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا: قَوْلُهُ: (وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: تَفَرَّدَ مَالِكٌ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ذَكَرُوا أَنَّ مَالِكًا تَفَرَّدَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَقَدْ جَاءَتْ مِنْ أَوْجُهٍ أُخَرَ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد بِلَفْظِ: «فَكَانَ الْوَلَدُ يُنْسَبُ إلَى أُمِّهِ» وَمِنْ رِوَايَةٍ أُخْرَى «وَكَانَ الْوَلَدُ يُدْعَى إلَى أُمِّهِ» وَمَعْنَى قَوْلِهِ «أَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ» : أَيْ صَيَّرَهُ لَهَا وَحْدَهَا وَنَفَاهُ عَنْ الزَّوْجِ فَلَا تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا الْأُمُّ فَتَرِثُ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا
وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ بِلَفْظِ: «وَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى لِأُمِّهِ» ثُمَّ جَرَتْ السُّنَّةُ فِي مِيرَاثِهَا أَنَّهَا تَرِثُهُ وَيَرِثُ مِنْهَا مَا فَرَضَ اللَّهُ
стр. 2292
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
لَهُمَا. وَقِيلَ: مَعْنَى إلْحَاقِهِ بِأُمِّهِ أَنَّهُ صَيَّرَهَا لَهُ أَبًا وَأُمًّا، فَتَرِثُ جَمِيعَ مَالِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ آخَرُ مِنْ وَلَدٍ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَوَاثِلَةَ وَطَائِفَةٍ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ الْقَاسِمِ، وَقِيلَ: إنَّ عَصَبَةَ أُمِّهِ تَصِيرُ عَصَبَةً لَهُ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَبِهِ قَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ. وَقِيلَ: تَرِثُهُ أُمُّهُ وَأُخْتُهُ مِنْهَا بِالْفَرْضِ وَالرَّدِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَرِثْهُ ذُو فَرْضٍ بِحَالٍ فَعَصَبَتُهُ عَصَبَةُ أُمِّهِ. وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ اللِّعَانِ لِنَفْيِ الْوَلَدِ، وَعَنْ أَحْمَدَ يَنْتَفِي الْوَلَدُ بِمُجَرَّدِ اللِّعَانِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ الرَّجُلُ لِذِكْرِهِ فِي اللِّعَانِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَلْحَقَهُ لَحِقَهُ، وَإِنَّمَا يُؤْثِرُ اللَّعَّانُ دَفْعَ حَدِّ الْقَذْفِ عَنْهُ وَثُبُوتَ زِنَى الْمَرْأَةِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ نَفْيَ الْوَلَدِ فِي الْمُلَاعَنَةِ انْتَفَى وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، فَلَهُ أَنْ يُعِيدَ اللِّعَانَ لِانْتِفَائِهِ وَلَا إعَادَةَ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ الرَّفْعُ إلَى الْحَاكِمِ فَأَخَّرَ بِغَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى وَلَدَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ. كَمَا فِي الشُّفْعَةِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي نَفْيِ الْوَلَدِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا وَلَدَتْهُ مِنْ زِنًى وَلَا بِأَنَّهُ اسْتَبْرَأَهَا بِحَيْضَةٍ. وَعَنْ الْمَالِكِيَّةِ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (أَرَأَيْتَ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا) أَيْ أَخْبِرْنِي عَنْ حُكْمِ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (عَلَى فَاحِشَةٍ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا وَتَحَقَّقَ وُجُودُ الْفَاحِشَةِ مِنْهُمَا فَقَتَلَهُ هَلْ يُقْتَلُ بِهِ أَمْ لَا؟ فَمَنَعَ الْجُمْهُورُ الْإِقْدَامَ وَقَالُوا: يُقْتَصُّ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةِ الزِّنَى أَوْ يَعْتَرِفَ الْمَقْتُولُ بِذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُحْصَنًا. وَقِيلَ: بَلْ يُقْتَلُ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا يُقْتَلُ أَصْلًا وَيُعْذَرُ فِيمَا فَعَلَهُ إذَا ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ صِدْقِهِ، وَشَرَطَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَمَنْ تَبِعَهُمَا أَنْ يَأْتِيَ بِشَاهِدَيْنِ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ. وَوَافَقَهُمْ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ حَبِيبٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ لَكِنْ زَادَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ قَدْ أُحْصِنَ
وَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقْتُلَ مَنْ وَجَدَهُ مَعَ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ وَوَلَدِهِ حَالَ الْفِعْلِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَيُقَادُ بِهِ إنْ كَانَ بِكْرًا. قَوْلُهُ: (وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ لِلْإِمَامِ مَوْعِظَةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ قَبْلَ اللِّعَانِ تَحْذِيرًا لَهُمَا مِنْهُ وَتَخْوِيفًا لَهُمَا مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْمَعْصِيَةِ. قَوْلُهُ: (فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَبْدَأُ الْإِمَامُ فِي اللِّعَانِ بِالرَّجُلِ. وَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ الْمَهْدِيُّ فِي الْبَحْرِ الْإِجْمَاعَ. أَنَّ السُّنَّةَ تَقْدِيمُ الزَّوْجِ. وَاخْتُلِفَ فِي الْوُجُوبِ؛ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَأَشْهَبُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ وَهُوَ قَوْلُ الْمُؤَيَّدِ بِاَللَّهِ وَأَبِي طَالِبٍ وَأَبِي الْعَبَّاسِ وَالْإِمَامِ يَحْيَى. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَمَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ إلَى أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ الِابْتِدَاءُ بِالْمَرْأَةِ صَحَّ وَاعْتُدَّ بِهِ؛ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَطَفَ فِي الْقُرْآنِ بِالْوَاوِ وَهُوَ لَا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ؛ وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ أَيْضًا بِأَنَّ اللِّعَانَ يُشْرَعُ لِدَفْعِ الْحَدِّ عَنْ الرَّجُلِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ لِهِلَالٍ: " الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ " وَسَيَأْتِي، فَلَوْ بَدَأَ بِالْمَرْأَةِ لَكَانَ دَفْعًا لِأَمْرٍ لَمْ
стр. 2293
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
يَثْبُتْ. قَوْلُهُ: (بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي عَجْلَانَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَهُوَ ابْنُ حَارِثَةَ بْنُ ضُبَيْعَةَ مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " أَخَوَيْ " الرَّجُلُ وَامْرَأَتُهُ، وَاسْمُ الرَّجُلِ عُوَيْمِرٌ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَاسْمُ الْمَرْأَةِ خَوْلَةُ بِنْتُ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْعَجْلَانِيُّ قَالَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَنَّهَا خَوْلَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، وَذَكَرَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ أَنَّهَا بِنْتُ أَخِي عَاصِمٍ الْمَذْكُورِ، وَالرَّجُلُ الَّذِي رَمَى عُوَيْمِرٌ امْرَأَتَهُ بِهِ هُوَ شَرِيكُ بْنُ سَحْمَاءَ ابْنُ عَمِّ عُوَيْمِرٍ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: «أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ وَكَانَ أَخَا الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ لِأُمِّهِ»
وَسَيَأْتِي، وَكَانَ أَوَّلَ رَجُلٍ لَاعَنَ فِي الْإِسْلَامِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: السَّبَبُ فِي نُزُولِ آيَةِ اللِّعَانِ قِصَّةُ عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيُّ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ لَهُ: «قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيك وَفِي صَاحِبَتِك قُرْآنًا» وَقَالَ الْجُمْهُورُ.: السَّبَبُ قِصَّةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ رَجُلٍ لَاعَنَ فِي الْإِسْلَامِ. وَقَدْ حَكَى أَيْضًا الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِ أَنَّ قِصَّةَ هِلَالٍ أَسْبَقُ مِنْ قِصَّةِ عُوَيْمِرٍ. وَقَالَ الْخَطِيبُ وَالنَّوَوِيُّ وَتَبِعَهُمَا الْحَافِظُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هِلَالٌ سَأَلَهُ أَوَّلًا ثُمَّ سَأَلَ عُوَيْمِرًا فَنَزَلَتْ فِي شَأْنِهِمَا مَعًا
وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الشَّامِلِ: قِصَّةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ نَزَلَتْ فِيهَا الْآيَةُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ لِعُوَيْمِرٍ: " إنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِك " فَمَعْنَاهُ مَا نَزَلَ فِي قِصَّةِ هِلَالٍ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ عَامٌّ لِجَمِيعِ النَّاسِ. وَاخْتُلِفَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ اللِّعَانُ؛ فَجَزَمَ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ وَابْنُ حِبَّانَ أَنَّهُ كَانَ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ سَنَةَ تِسْعٍ، وَقِيلَ: كَانَ فِي السَّنَةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لِمَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ شَهِدَ قِصَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقِيلَ: كَانَتْ الْقِصَّةُ فِي سَنَةِ عَشْرٍ، وَوَفَاتُهُ ﷺ فِي سَنَةِ إحْدَى عَشْرَةَ. قَوْلُهُ: (فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا) وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: فَهِيَ الطَّلَاقُ فَهِيَ الطَّلَاقُ فَهِيَ الطَّلَاقُ وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ مَنْ قَالَ: إنَّ الْفُرْقَةَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ تَتَوَقَّفُ عَلَى تَطْلِيقِ الرَّجُلِ كَمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ. وَأُجِيبَ بِمَا فِي حَدِيثِ سَهْلٍ نَفْسِهِ مِنْ تَفْرِيقِهِ ﷺ بَيْنَهُمَا
وَبِمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ فَإِنَّ ظَاهِرَهُمَا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بِتَفْرِيقِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا طَلَّقَهَا عُوَيْمِرٌ لِظَنِّهِ أَنَّ اللِّعَانَ لَا يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ فَأَرَادَ تَحْرِيمَهَا بِالطَّلَاقِ فَقَالَ: طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ لَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا أَيْ لَا مِلْكَ لَك عَلَيْهَا فَلَا يَقَعُ طَلَاقٌ. قَالَ الْحَافِظُ: وَقَدْ تُوُهِّمَ أَنَّ قَوْلَهُ: " لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا " وَقَعَ مِنْهُ ﷺ عَقِبَ قَوْلِ الْمُلَاعِنِ هِيَ طَالِقٌ، وَأَنَّهُ مَوْجُودٌ كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَقِبَ قَوْلِهِ: «اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا» انْتَهَى. وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا جَاءَ فِي طَلَاقِ الْبَتَّةِ الْجَوَابَ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا
стр. 2294
بَابُ لَا يَجْتَمِعُ الْمُتَلَاعِنَانِ أَبَدًا
٢٩٠٤ - (عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالِي؟ قَالَ: لَا مَالَ لَكَ، إنْ كُنْتَ صَدَقْت عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْت مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْت عَلَيْهَا فَذَلِكَ أَبْعَدُ لَك مِنْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهُوَ حُجَّةٌ فِي أَنَّ كُلَّ فُرْقَةٍ بَعْدَ الدُّخُولِ لَا تُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ الْمَهْرِ)
٢٩٠٥ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي خَبَرِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ قَالَ: «فَطَلَّقَهَا ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ، فَأَنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ مَا صُنِعَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ سُنَّةً، قَالَ سَهْلٌ: حَضَرْت هَذَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَمَضَتْ السُّنَّةُ بَعْدُ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) .
٢٩٠٦ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي قِصَّةِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ: «فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا وَقَالَ: لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا» .
٢٩٠٧ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْمُتَلَاعِنَانِ إذَا تَفَرَّقَا لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا» .
ــ
[نيل الأوطار]
الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ الْمُتَتَابِعَ يَقَعُ: قَوْلُهُ: (فَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ) زَادَ أَبُو دَاوُد عَنْ الْقَعْنَبِيَّ عَنْ مَالِكٍ " فَكَانَتْ تِلْكَ " وَهِيَ إشَارَةٌ إلَى الْفُرْقَةِ.
وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الْمَذْكُورَةِ ذَاكُمْ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلَاعِنَيْنِ وَقَالَ مُسْلِمٌ: إنَّ قَوْلَهُ: وَكَانَ فِرَاقُهُ إيَّاهَا سُنَّةً بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ مُدْرَجٌ. وَكَذَا ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي غَرِيبِ مَالِكٍ اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ عَلَى ابْنِ شِهَابٍ ثُمَّ عَلَى مَالِكٍ فِي تَعْيِينِ مَنْ قَالَ: " فَكَانَ فِرَاقُهُمَا سُنَّةً " هَلْ هُوَ مِنْ قَوْلِ سَهْلٍ، أَوْ مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ؟ وَذَكَرَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ نِسْبَتَهُ إلَى ابْنِ شِهَابٍ لَا تَمْنَعُ نِسْبَتَهُ إلَى سَهْلٍ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد عَنْ سَهْلٍ قَالَ: «فَطَلَّقَهَا ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ مَا صَنَعَ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُنَّةً» وَسَيَأْتِي قَرِيبًا.
وَفِي نُسْخَةِ الصَّاغَانِيِّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَوْلُهُ: " ذَلِكَ تَفْرِيقٌ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ " مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ وَلَيْسَ مِنْ الْحَدِيثِ
стр. 2295
٢٩٠٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «مَضَتْ السُّنَّةُ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ لَا يَجْتَمِعَا أَبَدًا» .
٢٩٠٩ - (وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ قَالَا: «مَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ لَا يَجْتَمِعَ الْمُتَلَاعِنَانِ» . رَوَاهُنَّ الدَّارَقُطْنِيّ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ لَا يَجْتَمِعُ الْمُتَلَاعِنَانِ أَبَدًا]
حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الْأَوَّلُ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَالْمُنْذِرِيُّ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. وَحَدِيثُهُ الثَّانِي فِي إسْنَادِهِ عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ: فِيهِ لِينٌ وَلَكِنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَ نَحْوَهُ أَبُو دَاوُد فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ فِي إسْنَادِهَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ وَفِيهِ مَقَالٌ. وَحَدِيثُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَخْرَجَهُمَا أَيْضًا عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ نَحْوُ حَدِيثِهِمَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. قَوْلُهُ: (أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ) قَالَ عِيَاضٌ: إنَّهُ قَالَ هَذَا الْكَلَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا مِنْ اللِّعَانِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ عَرْضُ التَّوْبَةِ عَلَى الْمُذْنِبِ بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ وَأَنَّهُ يَلْزَمُ مَنْ كَذَبَ التَّوْبَةُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ اللِّعَانِ تَحْذِيرًا لَهُمَا مِنْهُ، قَالَ الْحَافِظُ: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (لَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِقُّ مَا صَارَ إلَيْهَا مِنْ الْمَهْرِ بِمَا اسْتَحَلَّ الزَّوْجُ مِنْ فَرْجِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تَقْتَضِي الْعُمُومَ لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: " مَالِي " الصَّدَاقَ الَّذِي سَلَّمَهُ إلَيْهَا، يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَيْهَا، فَأَجَابَهُ ﷺ بِأَنَّهَا قَدْ اسْتَحَقَّتْهُ بِذَلِكَ السَّبَبِ، وَأَوْضَحَ لَهُ اسْتِحْقَاقَهَا لَهُ بِذَلِكَ التَّقْسِيمِ عَلَى فَرْضِ صِدْقِهِ وَعَلَى فَرْضِ كَذِبِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ الصِّدْقِ قَدْ اسْتَوْفَى مِنْهَا مَا يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَهَا لَهُ، وَعَلَى فَرْضِ كَذِبِهِ كَذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ قَدْ ظَلَمَهَا بِرَمْيِهَا بِمَا رَمَاهَا بِهِ
وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي الْمَدْخُولَةِ. وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا؛ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ النِّصْفَ كَغَيْرِهَا مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ قَبْلَ الدُّخُولِ. وَقَالَ حَمَّادٌ وَالْحَكَمُ وَأَبُو الزِّنَادِ: إنَّهَا تَسْتَحِقُّهُ جَمِيعَهُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ: لَا شَيْءَ لَهَا. قَوْلُهُ: (فَطَلَّقَهَا) قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَأْبِيدِ الْفُرْقَةِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ الْمُؤَبَّدَ لِأَنَّهُ طَلَاقُ زَوْجَةٍ مَدْخُولَةٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَمْ يَنْوِ بِهِ التَّثْلِيثَ فَيَكُونُ كَالرَّجْعِيِّ. وَلَكِنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا إنَّمَا تَحِلُّ لَهُ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ لَا إذَا لَمْ يُكْذِبْ نَفْسَهُ فَإِنَّهُ يُوَافِقُ الْجُمْهُورَ كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهَدْيِ عَنْهُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ. وَالْأَدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ قَاضِيَةٌ بِالتَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ وَكَذَا أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ حُكْمُ اللِّعَانِ وَلَا يَقْتَضِي سِوَاهُ، فَإِنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ وَغَضَبَهُ قَدْ حَلَّتْ بِأَحَدِهِمَا لَا مَحَالَةَ، وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ هَلْ اللِّعَانُ فَسْخٌ أَوْ طَلَاقٌ؟ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ فَسْخٌ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ
стр. 2296
بَابُ إيجَابِ الْحَدِّ بِقَذْفِ الزَّوْجِ وَأَنَّ اللِّعَانَ يُسْقِطُهُ
٢٩١٠ - (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ. فَقَالَ هِلَالٌ: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إنِّي لَصَادِقٌ وَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنْ الْحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَرْسَلَ إلَيْهِمَا. فَجَاءَ هِلَالٌ، فَشَهِدُوا النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا، فَقَالُوا: إنَّهَا مُوجِبَةٌ، فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ فَمَضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اُنْظُرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ. فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا وَالنَّسَائِيُّ)
ــ
[نيل الأوطار]
وَرِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ إلَى أَنَّهُ طَلَاقٌ.
[بَابُ إيجَابِ الْحَدِّ بِقَذْفِ الزَّوْجِ وَأَنَّ اللِّعَانَ يُسْقِطُهُ]
قَوْلُهُ: (الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ إذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِالزِّنَى وَعَجَزَ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَاذِفِ، وَإِذَا وَقَعَ اللِّعَانُ سَقَطَ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إلَى أَنَّ اللَّازِمَ بِقَذْفِ الزَّوْجِ إنَّمَا هُوَ اللِّعَانُ فَقَطْ وَلَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ، وَالْحَدِيثُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (فَنَزَلَ جِبْرِيلُ. . . إلَخْ) فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ هِلَالٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ. . . إلَخْ) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ تَقْدِيمِ الْوَعْظِ لِلزَّوْجَيْنِ قَبْلَ اللِّعَانِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: " ثُمَّ قَامَتْ " فَإِنَّ تَرْتِيبَ الْقِيَامِ عَلَى ذَلِكَ مُشْعِرٌ بِمَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْإِشَارَةُ إلَى الْخِلَافِ. قَوْلُهُ: (وَقَّفُوهَا) أَيْ أَشَارُوا عَلَيْهَا بِأَنْ تَرْجِعَ وَأَمَرُوهَا بِالْوَقْفِ عَنْ تَمَامِ اللِّعَانِ حَتَّى يَنْظُرُوا فِي أَمْرِهَا فَتَلَكَّأَتْ وَكَادَتْ أَنْ تَعْتَرِفَ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَرْضَ بِفَضِيحَةِ قَوْمِهَا فَاقْتَحَمَتْ وَأَقْدَمَتْ عَلَى الْأَمْرِ الْمَخُوفِ الْمُوجِبِ لِلْعَذَابِ الْآجِلِ مَخَافَةً مِنْ الْعَارِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ قَوْمَهَا مِنْ إقْرَارِهَا الْعَارُ بِزِنَاهَا وَلَمْ يَرْدَعْهَا عَنْ ذَلِكَ الْعَذَابُ الْعَاجِلُ وَهُوَ حَدُّ الزِّنَى.
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ
стр. 2297
بَابُ مَنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِرَجُلٍ سَمَّاهُ
٢٩١١ - (عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، وَكَانَ أَخَا الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ لِأُمِّهِ، وَكَانَ أَوَّلَ رَجُلٍ لَاعَنَ فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ: فَلَاعَنَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ سَبْطًا قَضِيءَ الْعَيْنَيْنِ فَهُوَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، قَالَ: فَأُنْبِئْت أَنَّهَا جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السَّاقَيْنِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «إنَّ أَوَّلَ لِعَانٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ شَرِيكَ بْنَ السَّحْمَاءِ بِامْرَأَتِهِ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ يُرَدِّدُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِرَارًا، فَقَالَ لَهُ هِلَالٌ: وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لَيَعْلَمُ أَنِّي لَصَادِقٌ، وَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنْ الْحَدِّ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ آيَةُ اللِّعَانِ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] إلَى آخِرِ الْآيَةِ» ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. رَوَاهُ
ــ
[نيل الأوطار]
التَّلَكُّؤِ مِنْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَالتَّكَلُّمِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ الْآخَرِ دَلَالَةٌ ظَنِّيَّةٌ، لَا يُعْمَلُ بِهِ، بَلْ الْمُعْتَبَرُ هُوَ التَّصْرِيحُ مِنْ أَحَدِهِمَا بِصِدْقِ الْآخَرِ وَالِاعْتِرَافُ الْمُحَقَّقُ بِالْكَذِبِ إنْ كَانَ الزَّوْجُ، أَوْ الْوُقُوعُ فِي الْمَعْصِيَةِ إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ
قَوْلُهُ: (اُنْظُرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ. . . إلَخْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ حَامِلًا وَقْتَ اللِّعَانِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ أَيْضًا فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي اللِّعَانِ عَلَى الْحَمْلِ. قَوْلُهُ: (أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ) الْأَكْحَلُ: الَّذِي مَنَابِتُ أَجْفَانِهِ سُودٌ كَأَنَّ فِيهَا كُحْلًا. قَوْلُهُ: (سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ غَيْنٌ مُعْجَمَةٌ: أَيْ عَظِيمَهُمَا. قَوْلُهُ: (خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ: أَيْ مُمْتَلِئَ السَّاقَيْنِ وَالذِّرَاعَيْنِ. قَوْلُهُ: (فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ) فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ " فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَكْرُوهِ " وَفِي أُخْرَى لَهُ " فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " وَفِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ أُخَرُ سَتَأْتِي.
قَوْلُهُ: (لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «مِنْ حُكْمِ اللَّهِ» وَالْمُرَادُ أَنَّ اللِّعَانَ يَدْفَعُ الْحَدَّ عَنْ الْمَرْأَةِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا الْحَدَّ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الشَّبَهِ الظَّاهِرِ بِاَلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَحْكُمُ بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِيهِ وَحْيٌ خَاصٌّ، فَإِذَا نَزَلَ الْوَحْيُ بِالْحُكْمِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ قُطِعَ النَّظَرُ وَعُمِلَ بِمَا نَزَلَ وَأُجْرِيَ الْأَمْرُ عَلَى الظَّاهِرِ وَلَوْ قَامَتْ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي خِلَافَ الظَّاهِرِ.
стр. 2298
النَّسَائِيّ) .
بَابٌ فِي أَنَّ اللِّعَانَ يَمِينٌ
٢٩١٢ - (عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، فَجَاءَ مِنْ أَرْضِهِ عِشَاءً فَوَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ رَجُلًا، فَذَكَرَ حَدِيثَ تَلَاعُنِهِمَا إلَى أَنْ قَالَ: فَفَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا وَقَالَ:. إنْ جَاءَتْ بِهِ أُصَيْهِبَ أُرَيْسِحَ حَمْشَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِهِلَالٍ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَوْرَقَ جَعْدًا جُمَّالِيًّا خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ، فَجَاءَتْ بِهِ أَوْرَقَ جَعْدًا جُمَّالِيًّا خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ مَنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِرَجُلٍ سَمَّاهُ]
الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ رِجَالُهَا رِجَالُ الصَّحِيحِ، وَيَشْهَدُ لِصِحَّتِهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا فَإِنَّ سِيَاقَهُ وَسِيَاقَ هَذَا الْحَدِيثِ مُتَقَارِبَانِ. قَوْلُهُ: (وَكَانَ أَوَّلَ رَجُلٍ لَاعَنَ فِي الْإِسْلَامِ) قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا. قَوْلُهُ: (سَبْطًا) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا طَاءٌ مُهْمَلَةٌ: وَهُوَ الْمُسْتَرْسِلُ مِنْ الشَّعْرِ وَتَامُّ الْخَلْقِ مِنْ الرِّجَالِ. قَوْلُهُ: (قَضِئَ الْعَيْنَيْنِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهُمَا هَمْزَةٌ عَلَى وَزْنِ حَذِرَ، وَهُوَ فَاسِدُ الْعَيْنَيْنِ. وَالْأَكْحَلُ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ. وَالْجَعْدُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ أَيْضًا، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْجَعْدُ مِنْ الشَّعْرِ: خِلَافُ السَّبْطِ أَوْ الْقَصِيرِ مِنْهُ. قَوْلُهُ: (حَمْشَ السَّاقَيْنِ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ وَهُوَ لُغَةٌ فِي أَحَمْشَ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: حَمَشَ الرَّجُلُ حَمْشًا وَحَمَشًا صَارَ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ أَحْمَشُ السَّاقَيْنِ وَحَمْشُهُمَا بِالْفَتْحِ وَسُوقٌ حِمَاشٌ وَقَدْ حَمَشَتْ السَّاقُ كَضَرَبَ وَكَرُمَ حُمُوشَةً، انْتَهَى. قَوْلُهُ: (إنَّ أَوَّلَ لِعَانٍ فِي الْإِسْلَامِ) قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ يَسْقُطُ بِاللِّعَانِ وَلَوْ كَانَ قَذَفَ الزَّوْجَةَ بِرَجُلٍ مُعَيَّنٍ.
[بَابٌ فِي أَنَّ اللِّعَانَ يَمِينٌ]
الْحَدِيثُ أَوْرَدَهُ أَبُو دَاوُد مُطَوَّلًا، وَفِي إسْنَادِهِ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كَانَ قَدَرِيًّا دَاعِيَةً. قَوْلُهُ: (أُصَيْهِبَ) تَصْغِيرُ الْأَصْهَبِ، وَهُوَ مِنْ الرِّجَالِ: الْأَشْقَرُ وَمِنْ الْإِبِلِ: الَّذِي يُخَالِطُ بَيَاضَهُ حُمْرَةٌ. قَوْلُهُ: (أُرَيْسِحَ) تَصْغِيرُ الْأَرْسَحِ بِالسِّينِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَرُوِيَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلًا مِنْ السِّينِ، وَيُقَالُ: الْأَوْصَعُ بِالصَّادِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ: وَهُوَ خَفِيفُ لَحْمِ الْفَخِذَيْنِ وَالْأَلْيَتَيْنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ حَمْشَ السَّاقَيْنِ وَالْجَعْدِ وَخَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ وَسَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ. قَوْلُهُ: (أَوْرَقَ) هُوَ الْأَسْمَرُ. قَوْلُهُ: (جُمَّالِيًّا) بِضَمِّ
стр. 2299
بَابُ مَا جَاءَ فِي اللِّعَانِ عَلَى الْحَمْلِ وَالِاعْتِرَافِ بِهِ
٢٩١٣ - (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَاعَنَ عَلَى الْحَمْلِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَفِي حَدِيثِ سَهْلٍ: وَكَانَتْ حَامِلًا وَكَانَ ابْنُهَا يُنْسَبُ إلَى أُمِّهِ. وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَاعَنَ بَيْنَ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ وَامْرَأَتِهِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَقَضَى أَنْ لَا يُدْعَى وَلَدُهَا لِأَبٍ، وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا، وَمَنْ رَمَاهَا أَوْ رَمَى وَلَدَهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ. قَالَ عِكْرِمَةُ: فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَمِيرًا عَلَى مِصْرَ وَمَا يُدْعَى لِأَبٍ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَقَدْ أَسْلَفْنَا فِي غَيْرِ حَدِيثٍ أَنَّ تَلَاعُنَهُمَا قَبْلَ الْوَضْعِ) .
٢٩١٤ - (وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ: قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي رَجُلٍ أَنْكَرَ وَلَدَ امْرَأَتِهِ وَهُوَ فِي بَطْنِهَا، ثُمَّ اعْتَرَفَ بِهِ وَهُوَ فِي بَطْنِهَا حَتَّى إذَا وُلِدَ أَنْكَرَهُ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ فَجُلِدَ ثَمَانِينَ جَلْدَةً لِفِرْيَتِهِ عَلَيْهَا، ثُمَّ أُلْحِقَ بِهِ وَلَدُهَا. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ) .
ــ
[نيل الأوطار]
الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ: هُوَ الْعَظِيمُ الْخَلْقِ كَأَنَّهُ الْجَمَلُ. قَوْلُهُ: (لَوْلَا الْأَيْمَانُ) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ: إنَّ اللِّعَانَ يَمِينٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ الْعِتْرَةُ وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَمَالِكٌ وَالْإِمَامُ يَحْيَى وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ: إنَّهُ شَهَادَةٌ. وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] وَبِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ " فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ " وَقِيلَ: إنَّ اللِّعَانَ شَهَادَةٌ فِيهَا شَائِبَةُ يَمِينٍ. وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَيْسَ بِيَمِينٍ وَلَا شَهَادَةٍ، حَكَى هَذِهِ الثَّلَاثَةَ الْمَذَاهِبِ صَاحِبُ الْفَتْحِ وَقَالَ: الَّذِي تَحَرَّرَ لِي أَنَّهَا مِنْ حَيْثُ الْجَزْمُ بِنَفْيِ الْكَذِبِ وَإِثْبَاتِ الصِّدْقِ يَمِينٌ لَكِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهَا شَهَادَةٌ لِاشْتِرَاطِ أَنْ لَا يُكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِالظَّنِّ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ عِلْمِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْأَمْرَيْنِ عِلْمًا يَصِحُّ مَعَهُ أَنْ يَشْهَدَ.
[بَابُ مَا جَاءَ فِي اللِّعَانِ عَلَى الْحَمْلِ وَالِاعْتِرَافِ بِهِ]
حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْأَوَّلُ هُوَ بِمَعْنَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِهِ بِلَفْظِ: «لَاعَنَ بَيْنَ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ وَزَوْجَتِهِ وَكَانَتْ حَامِلًا وَنَفَى الْحَمْلَ» . وَحَدِيثُ سَهْلٍ هُوَ فِي الْبُخَارِيِّ كَمَا قَدَّمْنَا وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَلَفَ صَرِيحًا. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الثَّانِي هُوَ مِنْ حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ الَّذِي سَاقَهُ أَبُو دَاوُد، وَفِي إسْنَادِهِ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَثَرُ عُمَرَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ وَحَسَّنَ الْحَافِظُ إسْنَادَهُ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَصِحُّ اللِّعَانُ قَبْلَ الْوَضْعِ مُطْلَقًا وَنَفْيُ الْحَمْلِ. وَقَدْ حَكَاهُ فِي الْهَدْيِ عَنْ الْجُمْهُورِ وَهُوَ الْحَقُّ لِلْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
стр. 2300
بَابُ الْمُلَاعَنَةِ بَعْدَ الْوَضْعِ لِقَذْفٍ قَبْلَهُ وَإِنْ شَهِدَ الشَّبَهُ لِأَحَدِهِمَا
٢٩١٥ - (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّهُ ذُكِرَ التَّلَاعُنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو إلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ رَجُلًا، فَقَالَ عَاصِمٌ: مَا اُبْتُلِيتُ بِهَذَا إلَّا لِقَوْلِي فِيهِ، فَذَهَبَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِاَلَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَلِيلَ اللَّحْمِ سَبِطَ الشَّعْرِ، وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ خَدْلًا آدَمَ كَثِيرَ اللَّحْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ، فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِاَلَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا، فَلَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَجْلِسِ: أَهِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ رَجَمْت أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ رَجَمْت هَذِهِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا، تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الْإِسْلَامِ السُّوءَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
[نيل الأوطار]
وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَبْلَ الْوَضْعِ مُطْلَقًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ رِيحًا. وَرُدَّ بِأَنَّ هَذَا احْتِمَالٌ بَعِيدٌ لِأَنَّ لِلْحَمْلِ قَرَائِنَ قَوِيَّةً يُظَنُّ مَعَهَا وُجُودُهُ ظَنًّا قَوِيًّا وَذَلِكَ كَافٍ فِي اللِّعَانِ، كَمَا جَازَ الْعَمَلُ بِهَا فِي إثْبَاتِ عِدَّةِ الْحَامِلِ وَتَرْكِ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ، وَلَا يُدْفَعُ الْأَمْرُ الْمَظْنُونُ بِالِاحْتِمَالِ الْبَعِيدِ
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيِّ وَأَبُو طَالِبٍ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اللِّعَانُ وَالنَّفْيُ قَبْلَ الْوَضْعِ إلَّا مَعَ الشَّرْطِ لِعَدَمِ الْيَقِينِ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ مَشْرُوطٌ إنْ لَمْ يَلْفِظْ بِهِ. وَأَثَرُ عُمَرَ الْمَذْكُورُ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَا يَصِحُّ نَفْيُ الْوَلَدِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِهِ وَهُمْ الْعِتْرَةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الرُّجُوعُ بَعْدَهُ لَصَحَّ عَنْ كُلِّ إقْرَارٍ فَلَا يَتَقَرَّرُ حَقٌّ مِنْ الْحُقُوقِ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
[بَابُ الْمُلَاعَنَةِ بَعْدَ الْوَضْعِ لِقَذْفٍ قَبْلَهُ وَإِنْ شَهِدَ الشَّبَهُ لِأَحَدِهِمَا]
قَوْلُهُ: (فَقَالَ عَاصِمٌ فِي ذَلِكَ قَوْلًا) أَيْ كَلَامًا لَا يَلِيقُ بِهِ كَالْمُبَالَغَةِ فِي الْغَيْرَةِ وَعَدَمِ الرُّجُوعِ إلَى إرَادَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ. وَقَالَ الْحَافِظُ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْلِ الْمَذْكُورِ هُوَ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ الْحُكْمِ الَّذِي أَمَرَهُ عُوَيْمِرٌ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ. قَوْلُهُ: (فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: هُوَ عُوَيْمِرٌ، وَلَا يُمْكِنُ تَفْسِيرُهُ بِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ لِأَنَّهُ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَاصِمٍ. قَوْلُهُ: (مَا اُبْتُلِيتُ بِهَذَا إلَّا لِقَوْلِي) أَيْ بِسُؤَالِي عَمَّا لَمْ يَقَعْ فَكَأَنَّهُ عَرَفَ أَنَّهُ عُوقِبَ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا جَعَلَهُ ابْتِلَاءً لِأَنَّ امْرَأَةَ عُوَيْمِرِ بِنْتَ عَاصِمٍ الْمَذْكُورِ وَاسْمُهَا خَوْلَةُ بِنْتُ عَاصِمٍ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْكَلْبِيِّ، وَذَكَرَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ أَنَّهَا بِنْتُ أَخِي عَاصِمٍ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، فِي التَّفْسِيرِ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حِبَّانَ أَنَّ الزَّوْجَ وَزَوْجَتَهُ وَالرَّجُلَ الَّذِي رُمِيَ بِهَا ثَلَاثَتُهُمْ
стр. 2301
بَابُ مَا جَاءَ فِي قَذْفِ الْمُلَاعَنَةِ وَسُقُوطِ نَفَقَتِهَا
٢٩١٦ - (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْمُلَاعَنَةِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى أَنْ لَا قُوتَ لَهَا وَلَا سُكْنَى مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا يَتَفَرَّقَانِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ وَلَا مُتَوَفَّى عَنْهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) .
٢٩١٧ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
ــ
[نيل الأوطار]
بَنُو عَمِّ عَاصِمٍ. قَوْلُهُ: (مُصْفَرًّا) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ: أَيْ قَوِيَّ الصُّفْرَةِ، وَهَذَا لَا يُخَالِفُ مَا فِي حَدِيثِ سَهْلٍ أَنَّهُ كَانَ أَحْمَرَ أَوْ أَشْقَرَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْنُهُ الْأَصْلِيُّ وَالصُّفْرَةُ عَارِضَةٌ. وَالْمُرَادُ بِقَلِيلِ اللَّحْمِ: نَحِيفُ الْجِسْمِ، وَالسَّبْطُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ
قَوْلُهُ: (خَدْلًا) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْخَدْلُ: الْمُمْتَلِئُ، وَسَاقٌ خَدْلَةٌ: بَيِّنَةُ الْخَدَلِ مُحَرَّكَةً ثُمَّ قَالَ: وَالْخَدْلَةُ الْمَرْأَةُ الْغَلِيظَةُ السَّاقِ وَمُمْتَلِئَةُ الْأَعْضَاءِ لَحْمًا فِي رِقَّةِ عِظَامٍ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْفَتْحِ: خَدَلًّا بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ: أَيْ مُمْتَلِئَ السَّاقَيْنِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ فَارِسٍ: مُمْتَلِئَ الْأَعْضَاءِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ غِلَظِ الْعَظْمِ مَعَ اللَّحْمِ. قَوْلُهُ: (آدَمَ) بِالْمَدِّ: أَيْ لَوْنُهُ قَرِيبٌ مِنْ السَّوَادِ. قَوْلُهُ: (كَثِيرَ اللَّحْمِ) أَيْ فِي جَمِيعِ جَسَدِهِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً شَارِحَةً لِقَوْلِهِ خَدْلًا بِنَاءً أَنَّ الْخَدْلَ: الْمُمْتَلِئُ الْبَدَنِ. قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ بَيِّنْ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَيْسَ مَعْنَى هَذَا الدُّعَاءِ طَلَبَ ثُبُوتِ صِدْقِ أَحَدِهِمَا فَقَطْ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنْ تَلِدَ لِيَظْهَرَ الشَّبَهُ وَلَا يَمْتَنِعُ وِلَادُهَا بِمَوْتِ الْوَلَدِ مَثَلًا فَلَا يَظْهَرُ الْبَيَانُ. وَالْحِكْمَةُ فِي الْبَيَانِ الْمَذْكُورِ رَدْعُ مَنْ شَاهَدَ ذَلِكَ عَنْ التَّلَبُّسِ بِمِثْلِ مَا وَقَعَ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْقُبْحِ. قَوْلُهُ: (فَلَاعَنَ. . . إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُلَاعَنَةَ تَأَخَّرَتْ إلَى وَضْعِ الْمَرْأَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ بَوَّبَ الْمُصَنِّفُ
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ أَنَّ اللِّعَانَ وَقَعَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ أَنْ تَضَعَ. وَرِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذِهِ هِيَ الْقِصَّةُ الَّتِي فِي حَدِيثِ سَهْلٍ كَمَا تَقَدَّمَ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: " فَلَاعَنَ " لِعَطْفِ لَاعَنَ عَلَى " فَأَخْبَرَهُ بِاَلَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ " وَيَكُونُ مَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضًا. قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ وَهُوَ ابْنُ خَالَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَمَّاهُ أَبُو الزِّنَادِ كَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْحُدُودِ. قَوْلُهُ: (كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الْإِسْلَامِ السُّوءَ) أَيْ كَانَتْ تُعْلِنُ بِالْفَاحِشَةِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عَلَيْهَا بِبَيِّنَةٍ وَلَا اعْتِرَافٍ. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: فِيهِ جَوَازُ غِيبَةِ مَنْ يَسْلُكُ مَسَالِكَ السُّوءِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّهَا فَإِنْ أَرَادَ إظْهَارَ الْغِيبَةِ عَلَى طَرِيقِ الْإِبْهَامِ فَمُسَلَّمٌ.
стр. 2302
فِي وَلَدِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنَّهُ يَرِثُ أُمَّهُ وَتَرِثُهُ أُمُّهُ، وَمَنْ رَمَاهَا بِهِ جُلِدَ ثَمَانِينَ، وَمَنْ دَعَاهُ وَلَدَ زِنًى جُلِدَ ثَمَانِينَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
بَابُ النَّهْيِ أَنْ يَقْذِفَ زَوْجَتَهُ لِأَنَّهَا وَلَدَتْ مَا يُخَالِفُ لَوْنَهُمَا
٢٩١٨ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: وَلَدَتْ امْرَأَتِي غُلَامًا أَسْوَدَ وَهُوَ حِينَئِذٍ يُعَرِّضُ بِأَنْ يَنْفِيَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : هَلْ لَكَ مِنْ إبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: إنَّ فِيهَا لَوُرْقًا قَالَ: فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ؟ ، قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ: فَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. وَلِأَبِي دَاوُد فِي رِوَايَةٍ: إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ وَإِنِّي أُنْكِرُهُ.) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ مَا جَاءَ فِي قَذْفِ الْمُلَاعَنَةِ وَسُقُوطِ نَفَقَتِهَا]
حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ الَّذِي سَاقَهُ أَبُو دَاوُد، وَفِي إسْنَادِهِ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ وَفِيهِ مَقَالٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَشَارَ إلَيْهِ فِي التَّلْخِيصِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الِاخْتِلَافَ فِي حَدِيثِهِ. وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: فِي إسْنَادِهِ ابْنُ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُدَلِّسٌ وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ. قَوْلُهُ: (أَنْ لَا قُوتَ وَلَا سُكْنَى) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمَفْسُوخَةَ بِاللِّعَانِ لَا تَسْتَحِقُّ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ نَفَقَةً وَلَا سُكْنَى؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ إنَّمَا تُسْتَحَقُّ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ لَا فِي عِدَّةِ الْفَسْخِ، وَكَذَلِكَ السُّكْنَى وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْفَسْخُ بِحُكْمٍ كَالْمُلَاعَنَةِ. وَمَنْ قَالَ: إنَّ اللَّعْنَ طَلَاقٌ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مُحَمَّدٍ فَلَعَلَّهُ يَقُولُ بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (أَنَّهُ يَرِثُ أُمَّهُ وَتَرِثُهُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَرَابَةَ الْوَلَدِ الْمَنْفِيِّ قَرَابَةُ أُمِّهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ اللِّعَانِ. قَوْلُهُ: (وَمَنْ رَمَاهَا بِهِ جُلِدَ ثَمَانِينَ) فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ رَمَى الْمَرْأَةَ الَّتِي لَاعَنَهَا زَوْجُهَا بِالرَّجُلِ الَّذِي اتَّهَمَهَا بِهِ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى مَنْ قَالَ لِوَلَدِهَا إنَّهُ وَلَدُ زِنًى، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ صِدْقُ مَا قَالَهُ الزَّوْجُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ، وَمُجَرَّدُ وُقُوعِ اللِّعَانِ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ الْعَفَافِ وَالْأَعْرَاضُ مَحْمِيَّةٌ عَنْ الثَّلْبِ مَا لَمْ يَحْصُلْ الْيَقِينُ.
[بَابُ النَّهْيِ أَنْ يَقْذِفَ زَوْجَتَهُ لِأَنَّهَا وَلَدَتْ مَا يُخَالِفُ لَوْنَهُمَا]
قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ) اسْمُهُ ضَمْضَمُ بْنُ قَتَادَةَ. قَوْلُهُ: (يُعَرِّضُ بِأَنْ يَنْفِيَهُ) وَجْهُ التَّعْرِيضِ أَنَّهُ قَالَ: غُلَامٌ أَسْوَدُ أَيْ وَأَنَا أَبْيَضُ فَكَيْفَ يَكُونُ مِنِّي؟ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ
стр. 2303
بَابُ أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ دُونَ الزَّانِي
٢٩١٩ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد.
وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: " لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ ") .
٢٩٢٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إلَيَّ أَنَّهُ
ــ
[نيل الأوطار]
التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ لَا يَكُونُ قَذْفًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ. وَعَنْ الْمَالِكِيَّةِ يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ إذَا كَانُوا يَفْهَمُونَهَا، وَكَذَلِكَ قَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ، إلَّا أَنَّهُمْ اشْتَرَطُوا أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّ قَصْدَهُ الْقَذْفُ. وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يُرِدْ قَذْفًا، بَلْ جَاءَ سَائِلًا مُسْتَفْتِيًا عَنْ الْحُكْمِ بِمَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الرِّيبَةِ فَلَمَّا ضُرِبَ لَهُ الْمَثَلُ أَذْعَنَ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: التَّعْرِيضُ إذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ السُّؤَالِ لَا حَدَّ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْحَدُّ فِي التَّعْرِيضِ إذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاجَهَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الْفَرْقُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْأَجْنَبِيِّ فِي التَّعْرِيضِ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ يَقْصِدُ الْأَذِيَّةَ الْمَحْضَةَ وَالزَّوْجُ يُعْذَرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى صِيَانَةِ النَّسَبِ
قَوْلُهُ: (مِنْ أَوْرَقَ) هُوَ الَّذِي يَمِيلُ إلَى الْغَبَرَةِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْحَمَامَةِ: وَرْقَاءُ. قَوْلُهُ: (فَأَنَّى ذَلِكَ) بِفَتْحِ النُّونِ الثَّقِيلَةِ: أَيْ مِنْ أَيْنَ أَتَاهَا اللَّوْنُ الَّذِي خَالَفَهَا هَلْ هُوَ بِسَبَبِ فَحْلٍ مِنْ غَيْرِ لَوْنِهَا طَرَأَ عَلَيْهَا أَوْ لِأَمْرٍ آخَرَ؟ . قَوْلُهُ: (نَزَعَهُ عِرْقٌ) الْمُرَادُ بِالْعِرْقِ: الْأَصْلُ مِنْ النَّسَبِ تَشْبِيهًا بِعِرْقِ الشَّجَرَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ عَرِيقٌ فِي الْأَصَالَةِ: أَيْ إنَّ أَصْلَهُ مُتَنَاسِبٌ، وَكَذَا مُعَرِّقٌ فِي الْكَرَمِ، وَهُوَ ضَرْبُ مَثَلٍ لِتَعْرِيفِ السَّائِلِ وَتَوْضِيحِ الْبَيَانِ بِتَشْبِيهِ الْمَجْهُولِ بِالْمَعْلُومِ، وَهُوَ مِنْ قِيَاسِ التَّشْبِيهِ كَمَا قَالَ الْخَطَّابِيِّ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْقِيَاسِ وَالِاعْتِبَارِ بِالنَّظِيرِ. وَتَوَقَّفَ فِيهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فَقَالَ: هُوَ تَشْبِيهٌ فِي أَمْرٍ وُجُودِيٍّ، وَالنِّزَاعُ إنَّمَا هُوَ فِي التَّشْبِيهِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدَةٍ قَوِيَّةٍ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يَنْفِيَ وَلَدَهُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مُخَالِفًا لَهُ فِي اللَّوْنِ. وَقَدْ حَكَى الْقُرْطُبِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ. وَتَعَقَّبَهُمَا الْحَافِظُ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ ثَابِتٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالُوا: إنْ لَمْ يَنْضَمَّ إلَى الْمُخَالَفَةِ فِي اللَّوْنِ قَرِينَةُ زِنًى لَمْ يَجُزْ النَّفْيُ، فَإِنْ اتَّهَمَهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ عَلَى لَوْنِ الرَّجُلِ الَّذِي اتَّهَمَهَا بِهِ جَازَ النَّفْيُ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَجُوزُ النَّفْيُ مَعَ الْقَرِينَةِ مُطْلَقًا.
стр. 2304
ابْنُهُ اُنْظُرْ إلَى شَبَهِهِ؛ وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي؛ فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، قَالَ: فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَرِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " هُوَ أُخُوكَ يَا عَبْدُ ")
٢٩٢١ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: «مَا بَالُ رِجَالٍ يَطَئُونَ وَلَائِدَهُمْ ثُمَّ يَعْتَزِلُونَهُنَّ، لَا يَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنْ قَدْ أَلَمَّ بِهَا إلَّا أَلْحَقْتُ بِهِ وَلَدَهَا، فَاعْزِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ. أَوْ اُتْرُكُوا» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ دُونَ الزَّانِي]
حَدِيثُ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» مَرْوِيٌّ مِنْ طَرِيقِ بِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ نَفْسًا مِنْ الصَّحَابَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْحَافِظُ. قَوْلُهُ: (الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ) اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْفِرَاشِ، فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إلَى أَنَّهُ اسْمٌ لِلْمَرْأَةِ. وَقَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَالَةِ الِافْتِرَاشِ. وَقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ لِلزَّوْجِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَأَنْشَدَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ مُسْتَدِلًّا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلَ جُرَيْجٍ.
بَاتَتْ تُعَانِقُهُ وَبَاتَ فِرَاشَهَا
وَفِي الْقَامُوسِ: إنَّ الْفِرَاشَ: زَوْجَةُ الرَّجُلِ، قِيلَ: وَمِنْهُ فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ. وَالْجَارِيَةُ يَفْتَرِشُهَا الرَّجُلُ انْتَهَى. قَوْلُهُ: (وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ) الْعَاهِرُ: الزَّانِي، يُقَالُ عَهَرَ: أَيْ زَنَى، قِيلَ: وَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِاللَّيْلِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: عَهَرَ الْمَرْأَةَ كَمَنَعَ عَهْرًا وَيُكْسَرُ وَيُحَرَّكُ، وَعَهَارَةً بِالْفَتْحِ وَعُهُورَةً، وَعَاهَرَهَا عِهَارًا: أَتَاهَا لَيْلًا لِلْفُجُورِ أَوْ نَهَارًا انْتَهَى. وَمَعْنَى لَهُ الْحَجَرُ: الْخَيْبَةُ، أَيْ لَا شَيْءَ لَهُ فِي الْوَلَدِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: لَهُ الْحَجَرُ وَبِفِيهِ التُّرَابُ، يُرِيدُونَ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْخَيْبَةُ
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْحَجَرِ أَنَّهُ يُرْجَمُ بِالْحِجَارَةِ إذَا زَنَى، وَلَكِنَّهُ لَا يُرْجَمُ بِالْحِجَارَةِ كُلُّ زَانٍ بَلْ الْمُحْصَنُ فَقَطْ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا يُلْحَقُ بِالْأَبِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْفِرَاشِ، وَهُوَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ إمْكَانِ الْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ أَوْ الْفَاسِدِ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَاسْتُدِلَّ لَهُ بِأَنَّ مُجَرَّدَ الْمَظِنَّةِ كَافِيَةٌ، وَرُدَّ بِمَنْعِ حُصُولِهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إمْكَانِ الْوَطْءِ وَلَا شَكَّ أَنَّ اعْتِبَارَ مُجَرَّدِ الْعَقْدِ فِي ثُبُوتِ الْفِرَاشِ جُمُودٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ قَدْ حَكَى ابْنُ الْقَيِّمِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَقُولُ: بِأَنَّ نَفْسَ الْعَقْدِ وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِهَا بَلْ لَوْ طَلَّقَهَا عَقِبَهُ فِي الْمَجْلِسِ تَصِيرُ بِهِ الزَّوْجَةُ فِرَاشًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُلَاحِظُ الْمَظِنَّةَ أَصْلًا وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ فِي الْغَيْثِ أَنَّهُ يَقُولُ بِثُبُوتِ الْفِرَاشِ وَلُحُوقِ الْوَلَدِ. وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ مَا وَطِئَ بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّوْجَةِ
стр. 2305
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
مَسَافَةٌ طَوِيلَةٌ لَا يُمْكِنُ وُصُولُهُ إلَيْهَا فِي مِقْدَارِ مُدَّةِ الْحَمْلِ
وَذَهَبَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الدُّخُولِ الْمُحَقَّقِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَشَارَ إلَيْهِ أَحْمَدُ وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ وَقَالَ: وَهَلْ يَعُدُّ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ الْمَرْأَةَ فِرَاشًا قَبْلَ الْبِنَاءِ بِهَا؟ كَيْفَ تَأْتِي الشَّرِيعَةُ بِإِلْحَاقِ نَسَبِ مَنْ لَمْ يَبْنِ بِامْرَأَتِهِ وَلَا دَخَلَ بِهَا وَلَا اجْتَمَعَ بِهَا بِمُجَرَّدِ إمْكَانِ ذَلِكَ؟ وَهَذَا الْإِمْكَانُ قَدْ قُطِعَ بِانْتِفَائِهِ عَادَةً، فَلَا تَصِيرُ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا إلَّا بِدُخُولٍ مُحَقَّقٍ انْتَهَى. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْوَطْءِ الْمُحَقَّقِ مُتَعَسِّرَةٌ، فَاعْتِبَارُهَا يُؤَدِّي إلَى بُطْلَانِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَنْسَابِ وَهُوَ يُحْتَاطُ فِيهَا. وَاعْتِبَارُ مُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ يُنَاسِبُ ذَلِكَ الِاحْتِيَاطَ، وَلَا بُدَّ فِي ثُبُوتِ نَسَبِ الْوَلَدِ أَنْ تَأْتِيَ الْمَرْأَةُ بِهِ بَعْدَ مُضِيِّ أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ مِنْ وَقْتِ إمْكَانِ الْوَطْءِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَوْ الْعَقْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ مَعْرِفَةِ الْوَطْءِ الْمُحَقَّقِ عِنْدَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، فَلَوْ وُجِدَتْ قَبْلَ مُضِيِّهَا حَصَلَ الْقَطْعُ بِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْ قَبْلُ فَلَا يُلْحَقُ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ فِرَاشَ الْأَمَةِ كَفِرَاشِ الْحُرَّةِ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ الْفِرَاشِ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ الْمَذْكُورُ نَصٌّ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ النِّزَاعَ بَيْنَ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ
وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي ثُبُوتِ فِرَاشِ الْأَمَةِ الدَّعْوَةُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَهُوَ مَذْهَبُ الْهَادَوِيَّةِ أَنَّ الْأَمَةَ لَا يَثْبُتُ فِرَاشُهَا إلَّا بِدَعْوَةِ الْوَلَدِ، وَلَا يَكْفِي الْإِقْرَارُ بِالْوَطْءِ فَإِنْ لَمْ يَدْعُهُ كَانَ مِلْكًا لَهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَلْحَقَ وَلَدَ زَمْعَةَ بِهِ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ هَلْ ادَّعَاهُ زَمْعَةُ أَمْ لَا؟ بَلْ جَعَلَ الْعِلَّةَ فِي الْإِلْحَاقِ أَنَّهُ صَاحِبُ الْفِرَاشِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ لَمْ يُلْحِقْهُ بِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ عَلَى أَنَّهُ أَخٌ لَهُ. وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مَمْلُوكًا لَهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ: " هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ " وَاللَّامُ لِلتَّمْلِيكِ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مِنْ أَمْرِهِ ﷺ لِسَوْدَةِ بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ أَخًا لَهَا لَمْ تُؤْمَرْ بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ، وَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ: " احْتَجِبِي مِنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَخٍ لَك " فَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ ﷺ " هُوَ لَكَ " لِلِاخْتِصَاصِ لَا التَّمْلِيكِ
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ " هُوَ أَخُوكَ يَا عَبْدُ " وَبِأَنَّ أَمْرَهُ لِسَوْدَةِ بِالِاحْتِجَابِ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ وَالْوَرَعِ وَالصِّيَانَةِ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ لِمَا رَآهُ مِنْ الشَّبَهِ بِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ كَمَا فِي حَدِيثِ " كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ " قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْجَوَابِ: أَوْ يَكُونُ مُرَاعَاةً لِلشَّيْئَيْنِ وَإِعْمَالًا لِلدَّلِيلَيْنِ، فَإِنَّ الْفِرَاشَ دَلِيلُ لُحُوقِ النَّسَبِ، وَالشَّبَهُ بِغَيْرِ صَاحِبِهِ دَلِيلُ نَفْيِهِ، فَأَعْمَلَ أَمْرَ الْفِرَاشِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُدَّعِي، وَأَعْمَلَ الشَّبَهَ بِعُتْبَةَ بِالنِّسْبَةِ إلَى ثُبُوتِ الْمَحْرَمِيَّةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَوْدَةَ، وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْأَحْكَامِ وَأَبْيَنِهَا وَأَوْضَحِهَا، وَلَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ النَّسَبِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، انْتَهَى. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا " احْتَجِبِي مِنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَخٍ لَكِ " فَقَدْ طَعَنَ الْبَيْهَقِيُّ فِي إسْنَادِهَا. وَقَالَ فِيهَا جَرِيرٌ: وَقَدْ نُسِبَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ إلَى سُوءِ الْحِفْظِ، وَفِيهَا يُوسُفُ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ. قَوْلُهُ: (اخْتَصَمَ سَعْدٌ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ
стр. 2306
بَابُ الشُّرَكَاءِ يَطَئُونَ الْأَمَةَ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ
٢٩٢٢ - (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: «أُتِيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ ﵁ وَهُوَ بِالْيَمَنِ فِي ثَلَاثَةٍ وَقَعُوا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلَ اثْنَيْنِ فَقَالَ: أَتُقِرَّانِ لِهَذَا بِالْوَلَدِ؟ قَالَا: لَا، ثُمَّ سَأَلَ اثْنَيْنِ: أَتُقِرَّانِ لِهَذَا بِالْوَلَدِ؟ قَالَا: لَا، فَجَعَلَ كُلَّمَا سَأَلَ اثْنَيْنِ: أَتُقِرَّانِ لِهَذَا بِالْوَلَدِ؟ قَالَا: لَا، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِاَلَّذِي أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ وَجَعَلَ، عَلَيْهِ ثُلُثَيْ الدِّيَةِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد مَوْقُوفًا عَلَى عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ أَجْوَدَ مِنْ إسْنَادِ الْمَرْفُوعِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَقَالَ فِيهِ: فَأَغْرَمَهُ ثُلُثَيْ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ لِصَاحِبَيْهِ.) .
ــ
[نيل الأوطار]
إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) لَمْ يَذْكُرْ مَا وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِصَامُ، وَلَعَلَّ هَذَا اللَّفْظَ أَحَدُ الْأَلْفَاظِ الَّتِي رُوِيَ بِهَا هَذَا الْحَدِيثُ، وَفِي بَقِيَّةِ الْأَلْفَاظِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الِاخْتِصَامَ وَقَعَ فِي غُلَامٍ
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ. . . إلَخْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِغَيْرِ الْأَبِ أَنْ يَسْتَلْحِقَ الْوَلَدَ مِثْلَ اسْتِلْحَاقِ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ لِلْأَخِ، وَكَذَلِكَ لِلْوَصِيِّ الِاسْتِلْحَاقُ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ سَعْدُ الدَّعْوَى الْمَذْكُورَةَ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَسْتَلْحِقَ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَدِّ. قَوْلُهُ: (فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْعَمَلِ بِالشَّبَهِ وَالْقَافَةِ قَرِيبًا. قَوْلُهُ: (يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنْ قَدْ أَلَمَّ بِهَا) فِيهِ تَقْوِيَةٌ لِمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي فِرَاشِ الْأَمَةِ الدَّعْوَةُ، بَلْ يَكْفِي مُجَرَّدُ ثُبُوتِ الْفِرَاشِ.
[بَابُ الشُّرَكَاءِ يَطَئُونَ الْأَمَةَ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ]
الْحَدِيثُ فِي إسْنَادِهِ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْأَجْلَحِ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ. وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَالْعِجْلِيُّ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: يُعَدُّ فِي الشِّيعَةِ مُسْتَقِيمَ الْحَدِيثِ وَضَعَّفَهُ النَّسَائِيّ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ مُرْسَلًا. وَقَالَ النَّسَائِيّ: هَذَا صَوَابٌ. وَقَالَ الْخَطَّابِيِّ: وَقَدْ تُكُلِّمَ فِي إسْنَادِ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ انْتَهَى. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقَيْنِ: الْأُولَى مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْخَلِيلِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنْهُ. وَالثَّانِيَةُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ زَيْدٍ عَنْهُ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ خَيْرٍ فَرِجَالُ إسْنَادِهِ ثِقَاتٌ غَيْرَ أَنَّ الصَّوَابَ فِيهِ الْإِرْسَالُ انْتَهَى
وَعَلَى هَذَا لَمْ تَخْلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّرِيقَيْنِ مِنْ عِلَّةٍ فَالْأُولَى فِيهَا الْأَجْلَحُ، وَالثَّانِيَةُ مَعْلُولَةٌ بِالْإِرْسَالِ؛ وَالْمُرَادُ بِالْإِرْسَالِ هَهُنَا: الْوَقْفُ، كَمَا عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ، لَا مَا هُوَ الشَّائِعُ فِي الِاصْطِلَاحِ مِنْ أَنَّهُ قَوْلُ التَّابِعِيِّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
стр. 2307
بَابُ الْحُجَّةِ فِي الْعَمَلِ بِالْقَافَةِ
٢٩٢٣ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ: أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَفِي لَفْظِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ وَرِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيِّ: " أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ رَأَى زَيْدًا وَأُسَامَةَ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا بِقَطِيفَةٍ وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ".
وَفِي لَفْظٍ قَالَ: «دَخَلَ قَائِفٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ شَاهِدٌ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مُضْطَجِعَانِ فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، فَسُرَّ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَعْجَبَهُ وَأَخْبَرَ بِهِ
ــ
[نيل الأوطار]
ﷺ . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِابْنَ لَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنْ أَبٍ وَاحِدٍ، قَالَهُ الْخَطَّابِيِّ. وَقَالَ أَيْضًا: وَفِيهِ إثْبَاتُ الْقُرْعَةِ فِي إلْحَاقِ الْوَلَدِ، انْتَهَى. وَقَدْ أَخَذَ بِالْقُرْعَةِ مُطْلَقًا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ. حَكَى ذَلِكَ عَنْهُمْ ابْنُ رَسْلَانَ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ مِنْ شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُد، وَقَدْ وَرَدَ الْعَمَلُ بِهَا فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا: فِي إلْحَاقِ الْوَلَدِ، وَمِنْهَا فِي الرَّجُلِ الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ فَجَزَّأَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ وَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ كَمَا فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ
وَمِنْهَا: فِي تَعْيِينِ الْمَرْأَةِ مِنْ نِسَائِهِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَهَكَذَا ثَبَتَ اعْتِبَارُ الْقُرْعَةِ فِي الشَّيْءِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّدَاعِي إذَا تَسَاوَتْ الْبَيِّنَتَانِ، وَفِي قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ مَعَ الِالْتِبَاسِ لِأَجْلِ إفْرَازِ الْحِصَصِ بِهَا، وَفِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ اعْتَبَرَ الْقُرْعَةَ فِي جَمِيعِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَهَا فِي بَعْضِهَا، وَمِمَّنْ قَالَ بِظَاهِرِ حَدِيثِ الْبَابِ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَقَالَ: هَذِهِ السُّنَّةُ فِي دَعْوَى الْوَلَدِ، حَكَى ذَلِكَ عَنْهُ الْخَطَّابِيِّ وَقَالَ: إنَّهُ كَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِهِ فِي الْقَدِيمِ. وَقِيلَ: لِأَحْمَدَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ هَذَا، فَقَالَ: حَدِيثُ الْقَافَةِ أَحَبُّ إلَيَّ وَسَيَأْتِي قَرِيبًا وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ حَدِيثَ الْقُرْعَةِ مَنْسُوخٌ. وَقَالَ الْمُقْبِلِيُّ فِي الْأَبْحَاثِ: إنَّ حَدِيثَ الْإِلْحَاقِ بِالْقُرْعَةِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ انْسِدَادِ الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ، انْتَهَى. وَمِنْ الْمُخَالِفِينَ فِي اعْتِبَارِ الْقُرْعَةِ الْحَنَفِيَّةُ وَكَذَلِكَ الْهَادَوِيَّةُ، وَقَالُوا: إذَا وَطِئَ الشُّرَكَاءُ الْأَمَةَ الْمُشْتَرَكَةَ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ وَجَاءَتْ بِوَلَدٍ وَادَّعَوْهُ جَمِيعًا، وَلَا مُرَجِّحَ لِلْإِلْحَاقِ بِأَحَدِهِمْ كَانَ الْوَلَدُ ابْنًا لَهُمْ جَمِيعًا يَرِثُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِيرَاثَ ابْنٍ كَامِلٍ وَمَجْمُوعُهُمْ أَبٌ يَرِثُونَهُ مِيرَاثَ أَبٍ وَاحِدٍ.
стр. 2308
عَائِشَةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو دَاوُد: كَانَ أُسَامَةُ أَسْوَدَ وَكَانَ زَيْدٌ أَبْيَضَ)
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ الْحُجَّةِ فِي الْعَمَلِ بِالْقَافَةِ]
. قَوْلُهُ: (تَبْرُقُ أَسَارِيرُ) الْأَسَارِيرُ جَمْعُ سَرَرٍ أَوْ سَرَارَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا وَيُضَمَّانِ، وَهُمَا فِي الْأَصْلِ خُطُوطُ الْكَفِّ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، أُطْلِقَ عَلَى مَا يَظْهَرُ عَلَى وَجْهِ مَنْ سَرَّهُ أَمْرٌ مِنْ الْإِضَاءَةِ وَالْبَرِيقِ قَوْلُهُ: (إنَّ مُجَزِّزًا) هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ الْأُولَى، اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ الْجَزِّ لِأَنَّهُ جَزَّ نَوَاصِيَ الْقَوْمِ، هَكَذَا قَيَّدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيّ وَعَبْدُ الْغَنِيِّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ مُحْرِزٌ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ ثُمَّ زَايٌ صِيغَةُ اسْمِ الْفَاعِلِ. قَالَ الْخَطَّابِيِّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ الْعَمَلِ بِالْقَافَةِ وَصِحَّةِ الْحُكْمِ بِقَوْلِهِمْ فِي إلْحَاقِ الْوَلَدِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يُظْهِرُ السُّرُورَ إلَّا بِمَا هُوَ حَقٌّ عِنْدَهُ وَكَانَ النَّاسُ قَدْ ارْتَابُوا فِي زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَابْنِهِ أُسَامَةَ، وَكَانَ زَيْدٌ أَبْيَضَ وَأُسَامَةُ أَسْوَدَ كَمَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَتَمَارَى النَّاسُ فِي ذَلِكَ وَتَكَلَّمُوا بِقَوْلٍ كَانَ يَسُوءُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا سَمِعَ قَوْلَ الْمُدْلِجِيِّ فَرِحَ بِهِ وَسَرَّى عَنْهُ، وَقَدْ أَثْبَتَ الْحُكْمَ بِالْقَافَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ
وَذَهَبَتْ الْعِتْرَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِقَوْلِ الْقَائِفِ، بَلْ يُحْكَمُ بِالْوَلَدِ الَّذِي ادَّعَاهُ اثْنَانِ لَهُمَا. وَاحْتَجَّ لَهُمْ صَاحِبُ الْبَحْرِ بِحَدِيثِ " الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ " وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ تَعْرِيفَ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ وَاللَّامَ الدَّاخِلَةَ عَلَى الْمُسْنَدِ لِلِاخْتِصَاصِ يُفِيدَانِ الْحَصْرَ. وَيُجَابُ بِأَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْحَصْرِ الْمُدَّعَى مُخَصِّصٌ لِعُمُومِهِ، فَيَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ فِي مِثْلِ الْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ إذَا وَطِئَهَا الْمَالِكُونَ لَهَا.
وَرُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ يَحْيَى أَنَّ حَدِيثَ الْقَافَةِ مَنْسُوخٌ. وَيُجَابُ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّسْخِ، وَمُجَرَّدُ دَعْوَاهُ بِلَا بُرْهَانٍ كَمَا لَا يَنْفَعُ الْمُدَّعِي لَا يَضُرُّ خَصْمَهُ. وَأَمَّا مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ حَدِيثَ مُجَزِّزٍ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَعْرِفُ الْقَائِفُ بِزَعْمِهِ أَنَّ هَذَا الشَّخْصَ مِنْ مَاءِ ذَاكَ، لَا أَنَّهُ طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ فَلَا يُعْرَفُ إلَّا بِالشَّرْعِ، فَيُجَابُ بِأَنَّ فِي اسْتِبْشَارِهِ ﷺ مِنْ التَّقْرِيرِ مَا لَا يُخَالِفُ فِيهِ مُخَالِفٌ، وَلَوْ كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ لَقَالَ لَهُ: إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ. لَا يُقَالُ: إنَّ أُسَامَةَ قَدْ ثَبَتَ فِرَاشُ أَبِيهِ شَرْعًا، وَإِنَّمَا لَمَّا وَقَعَتْ الْقَالَةُ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ اللَّوْنِ، وَكَانَ قَوْلُ الْمُدْلِجِيِّ الْمَذْكُورُ دَفْعًا لَهَا لِاعْتِقَادِهِمْ فِيهِ الْإِصَابَةَ وَصِدْقَ الْمَعْرِفَةِ، اسْتَبْشَرَ ﷺ بِذَلِكَ، فَلَا يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِمِثْلِ هَذَا التَّقْرِيرِ عَلَى إثْبَاتِ أَصْلِ النَّسَبِ
لِأَنَّا نَقُولُ: لَوْ كَانَتْ الْقَافَةُ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهَا إلَّا مِثْلَ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ مَعَ مِثْلِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَالُوا مَقَالَةَ السُّوءِ لَمَا قَرَّرَهُ ﷺ عَلَى قَوْلِهِ " هَذِهِ الْأَقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ " وَهُوَ فِي قُوَّةِ: هَذَا ابْنُ هَذَا، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ تَقْرِيرٌ لِلْإِلْحَاقِ بِالْقَافَةِ مُطْلَقًا لَا إلْزَامٌ لِلْخَصْمِ بِمَا يَعْتَقِدُهُ، وَلَا سِيَّمَا وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ إنْكَارُ كَوْنِهَا طَرِيقًا يَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ حَتَّى يَكُونَ تَقْرِيرُهُ لِذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّقْرِيرِ عَلَى مُضِيِّ كَافِرٍ. إلَى كَنِيسَةٍ وَنَحْوُهُ مِمَّا عُرِفَ مِنْهُ ﷺ إنْكَارُهُ قَبْلَ السُّكُوتِ عَنْهُ. وَمِنْ الْأَدِلَّةِ
стр. 2309
بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
٢٩٢٤ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «لَمَّا أُنْزِلَ عُذْرِي قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ فَذَكَرَ ذَلِكَ وَتَلَا الْقُرْآنَ، فَلَمَّا نَزَلَ أَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ) .
٢٩٢٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْت أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
[نيل الأوطار]
الْمُقَوِّيَةِ لِلْعَمَلِ بِالْقَافَةِ حَدِيثُ الْمُلَاعَنَةِ الْمُتَقَدِّمُ حَيْثُ أَخْبَرَ ﷺ بِأَنَّهَا إنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى كَذَا فَهُوَ لِفُلَانٍ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى كَذَا فَهُوَ لِفُلَانٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْمُشَابَهَةِ. لَا يُقَالُ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ مُعْتَبَرًا لَمَا لَاعَنَ بَعْدَ أَنْ جَاءَتْ بِالْوَلَدِ مُشَابِهًا لِأَحَدِ الرِّجَالِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ ﷺ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: " لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ " لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّ النَّسَبَ كَانَ ثَابِتًا بِالْفِرَاشِ وَهُوَ أَقْوَى مَا يَثْبُتُ بِهِ، فَلَا تُعَارِضُهُ الْقَافَةُ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُعْتَبَرُ مَعَ الِاحْتِمَالِ فَقَطْ وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ وُجُودِ الْأَيْمَانِ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَلَمْ يُشْرَعْ فِي اللِّعَانِ غَيْرُهَا، وَلِهَذَا جَعَلَهَا ﷺ مَانِعَةً مِنْ الْعَمَلِ بِالْقَافَةِ، وَفِي ذَلِكَ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ يُعْمَلُ بِقَوْلِ الْقَائِفِ مَعَ عَدَمِهَا
وَمِنْ الْمُؤَيِّدَاتِ لِلْعَمَلِ بِالْقَافَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ جَوَابِهِ ﷺ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ حَيْثُ قَالَتْ: " أَوْ تَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ فَقَالَ: فِيمَ يَكُونُ الشَّبَهُ " وَقَالَ: " إنَّ مَاءَ الرَّجُلِ إذَا سَبَقَ مَاءَ الْمَرْأَةِ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ " الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ. لَا يُقَالُ: إنَّ بَيَانَ سَبَبِ الشَّبَهِ لَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهِ فِي الْإِلْحَاقِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّ إخْبَارَهُ ﷺ بِذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ مَنَاطٌ شَرْعِيٌّ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِلْإِخْبَارِ فَائِدَةٌ يُعْتَدُّ بِهَا. وَأَمَّا عَدَمُ تَمْكِينِهِ ﷺ لِمَنْ ذُكِرَ لَهُ أَنَّ وَلَدَهُ أَسْوَدُ مِنْ اللِّعَانِ كَمَا تَقَدَّمَ فَلِمُخَالَفَتِهِ لِمَا يَقْضِيهِ الْفِرَاشُ الَّذِي لَا يُعَارِضُهُ الْعَمَلُ بِالشَّبَهِ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ حَدِيثِ الْعَمَلِ بِالْقَافَةِ وَحَدِيثِ الْعَمَلِ بِالْقُرْعَةِ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ فَأَيُّهُمَا حَصَلَ وَقَعَ بِهِ الْإِلْحَاقُ، فَإِنْ حَصَلَا مَعًا فَمَعَ الِاتِّفَاقِ لَا إشْكَالَ، وَمَعَ الِاخْتِلَافِ الظَّاهِرُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْأَوَّلِ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ وَلَا يَنْقُضُهُ طَرِيقٌ آخَرُ يَحْصُلُ بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (دَخَلَ قَائِفٌ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالْقَائِفُ: مَنْ يَعْرِفُ الْآثَارَ، وَالْجَمْعُ قَافَةٌ، وَقَافَ أَثَرَهُ: تَبِعَهُ، كَقَفَاهُ وَاقْتَفَاهُ، انْتَهَى.
стр. 2310
وَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُ قَالَ: جَلَدَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَبْدًا فِي فِرْيَةٍ ثَمَانِينَ، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: فَسَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَدْرَكْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَالْخُلَفَاءَ هَلُمَّ جَرًّا مَا رَأَيْتُ أَحَدًا جَلَدَ عَبْدًا فِي فِرْيَةٍ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ. رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْهُ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ]
حَدِيثُ عَائِشَةَ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ أَسْنَدَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ مَرَّةً وَأَرْسَلَهُ أُخْرَى، انْتَهَى. وَقَدْ عَنْعَنَ هَهُنَا، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِعَنْعَنَتِهِ لِتَدْلِيسِهِ. وَقَدْ أَشَارَ إلَى الْحَدِيثِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ.
وَالْأَثَرُ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ، وَرَوَاهُ أَيْضًا الثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ. قَوْلُهَا: (لَمَا أُنْزِلَ عُذْرِي) أَيْ بَرَاءَتِي مِمَّا نَسَبَ إلَيَّ أَهْلُ الْإِفْكِ. قَوْله تَعَالَى وَالْمُرَادُ بِالْمُنْزَلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ﴾ [النور: ١١] إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦] هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْحَاكِمُ مِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَفِي الْبُخَارِيِّ إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩] وَعَنْ الزُّهْرِيِّ إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] . قَوْلُهُ: (أَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ) الرَّجُلَانِ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَمِسْطَحٌ، وَالْمَرْأَةُ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ حَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ. وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَى الْمَاوَرْدِيِّ حَيْثُ قَالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَحُدَّ قَذَفَةَ عَائِشَةَ، وَلَا مُسْتَنَدَ لَهُ إلَّا تَوَهُّمُ أَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ، وَغَفَلَ عَنْ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ الْمُصَرِّحِ بِكَذِبِهِمْ، وَصِحَّةُ الْكَذِبِ تَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْحَدِّ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى ثُبُوتِ حَدِّ الْقَذْفِ. وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ حَدَّهُ ثَمَانُونَ جَلْدَةً لِنَصِّ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِذَلِكَ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُنَصَّفُ الْحَدُّ لِلْعَبْدِ أَوْ لَا؟ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إلَى الْأَوَّلِ، وَذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَاللَّيْثُ وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنُ حَزْمٍ إلَى أَنَّهُ لَا يُنَصَّفُ لِعُمُومِ الْآيَةِ. وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ الْعَبْدَ مُخَصَّصٌ مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ عَلَى حَدِّ الزِّنَى، وَيُؤَيِّدُهُ فِعْلُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ ﵃. وَقَدْ تُعُقِّبَ الْقِيَاسُ الْمَذْكُورُ بِأَنَّ حَدَّ الزِّنَى إنَّمَا نُصِّفَ فِي الْعَبْدِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْعِفَّةِ وَحَيْلُولَةِ الْمِلْكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّحَصُّنِ بِخِلَافِ الْحُرِّ، وَبِأَنَّ الْقَذْفَ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ وَهُوَ أَغْلَظُ
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَاذِفِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي وُجُوبِ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَيْهِ. وَلَا يُعْرَفُ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ نَازَعَ الْجَلَالُ فِي وُجُوبِهِ عَلَى قَاذِفِ الرَّجُلِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ بِمَا تَقَدَّمَ ﷺ فِي اللِّعَانِ أَنَّهُ لَمْ يَحُدَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ لِقَذْفِهِ شَرِيكَ ابْنَ سَحْمَاءَ، وَلَمْ يَحُدَّ أَهْلَ الْإِفْكِ إلَّا لِعَائِشَةَ فَقَطْ لَا لِصَفْوَانَ بْنِ الْمُعَطِّلِ، وَلَوْ كَانَ يَجِبُ عَلَى
стр. 2311
بَابُ مَنْ أَقَرَّ بِالزِّنَى بِامْرَأَةٍ لَا يَكُونُ قَاذِفًا لَهَا
٢٩٢٧ - (عَنْ نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ قَالَ: «كَانَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أَبِي، فَأَصَابَ جَارِيَةً مِنْ الْحَيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبِرْهُ بِمَا صَنَعْت لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ لَكَ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي زَنَيْتُ فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَعَادَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي زَنَيْتُ فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي زَنَيْتُ فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ، ثُمَّ أَتَاهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي زَنَيْتُ فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّك قَدْ قُلْتَهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَبِمَنْ؟ قَالَ: بِفُلَانَةَ، قَالَ: ضَاجَعْتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: جَامَعْتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ فَخَرَجَ إلَى الْحَرَّةِ، فَلَمَّا رُجِمَ فَوَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ جَزِعَ، فَخَرَجَ يَشْتَدُّ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٌ وَقَدْ أَعْجَزَ أَصْحَابَهُ، فَنَزَعَ بِوَظِيفِ بَعِيرٍ فَرَمَاهُ بِهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ؟» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) .
ــ
[نيل الأوطار]
قَاذِفِ الرَّجُلِ؛ لَحَدَّ أَهْلَ الْإِفْكِ حَدَّيْنِ. وَقَدْ أَطَالَ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ، وَالْبَسْطُ هَهُنَا يَقُودُ إلَى تَطْوِيلٍ يَخْرُجُ عَنْ الْمَقْصُودِ. قَوْلُهُ: (يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحَدُّ مَنْ قَذَفَ عَبْدَهُ؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَ إيقَاعِ الْحَدِّ عَلَيْهِ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ مُشْعِرٌ بِذَلِكَ. وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ لَا يُحَدُّ قَاذِفُ الْعَبْدِ مُطْلَقًا. وَحَكَى صَاحِبُ الْبَحْرِ عَنْ دَاوُد أَنَّهُ يُحَدُّ. وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ أَيْضًا إلَى أَنَّهُ لَا يُحَدُّ قَاذِفُ أُمِّ الْوَلَدِ إلْحَاقًا لَهَا بِالْقِنِّ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُحَدُّ مُطْلَقًا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُحَدُّ إنْ كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ، وَلَعَلَّ مَالِكًا يَجْعَلُ الْمُحْصَنَاتِ الْمَذْكُورَاتِ فِي الْآيَةِ هُنَّ الْعَفَائِفُ لَا الْحَرَائِرُ.
[بَابُ مَنْ أَقَرَّ بِالزِّنَى بِامْرَأَةٍ لَا يَكُونُ قَاذِفًا لَهَا]
الْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَالْمُنْذِرِيُّ وَحَسَّنَهُ الْحَافِظُ، وَفِي صُحْبَةِ نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ خِلَافٌ؛ وَرَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: ذَكَرْت لِعَاصِمِ بْنِ قَتَادَةَ قِصَّةَ مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ فَقَالَ لِي: حَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ» مَنْ شِئْتُمْ مِنْ رِجَالِ أَسْلَمَ مِمَّنْ لَا أَتَّهِمُ، قَالَ: وَلَا أَعْرِفُ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَجِئْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْت: إنَّ رِجَالًا مِنْ أَسْلَمَ يُحَدِّثُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُمْ حِينَ ذَكَرُوا لَهُ جَزَعَ مَاعِزٍ مِنْ الْحِجَارَةِ حِينَ أَصَابَتْهُ: «أَلَا تَرَكْتُمُوهُ» وَمَا أَعْرِفُ الْحَدِيثَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، كُنْت
стр. 2312
كِتَابُ الْعِدَدِ بَابُ إنَّ عِدَّةَ الْحَامِلِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ
ــ
[نيل الأوطار]
فِيمَنْ رَجَمَ الرَّجُلَ «إنَّا لَمَّا خَرَجْنَا بِهِ فَرَجَمْنَاهُ فَوَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ صَرَخَ بِنَا: يَا قَوْمُ رَدُّونِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّ قَوْمِي قَتَلُونِي وَغَرُّونِي مِنْ نَفْسِي وَأَخْبَرُونِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ قَاتِلِي، فَلَمْ نَنْزِعْ عَنْهُ حَتَّى قَتَلْنَاهُ؛ فَلَمَّا رَجَعْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَخْبَرْنَاهُ قَالَ: فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ وَجِئْتُمُونِي بِهِ؟» لِيَسْتَثْبِتَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْهُ، فَأَمَّا لِتَرْكِ حَدٍّ فَلَا، قَالَ: فَعَرَفْت وَجْهَ الْحَدِيثِ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَفِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى طَرَفٍ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ مَاعِزٍ هَذَا فِي أَبْوَابِ حَدِّ الزَّانِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ هَهُنَا لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَنْ أَقَرَّ بِالزِّنَى حَدُّ الْقَذْفِ إذَا قَالَ: زَنَيْت بِفُلَانَةَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَبَ مِنْهُ تَعْيِينَ مَنْ زَنَى بِهَا فَعَيَّنَهَا ثُمَّ لَمْ يَحُدَّهُ لِلْقَذْفِ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْهَادَوِيَّةُ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُحَدُّ، وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ وَتَحْقِيقُ مَا هُوَ الْحَقُّ فِي بَابِ مَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَجَحَدَتْ، مِنْ أَبْوَابِ الْحُدُودِ. قَوْلُهُ: (بِوَظِيفِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ يَاءٍ تَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا فَاءٌ: وَهُوَ دَقِيقُ السَّاقِ مِنْ الْجِمَالِ وَالْخَيْلِ.
وَفِي النِّهَايَةِ: خُفُّ الْجَمَلِ: هُوَ الْوَظِيفُ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ مَا يُذْكَرُ فِي الرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: " فَرَّ يَشْتَدُّ حَتَّى مَرَّ بِرَجُلٍ مَعَهُ لَحْيُ جَمَلٍ فَضَرَبَهُ بِهِ وَضَرَبَهُ النَّاسُ حَتَّى مَاتَ "
стр. 2313
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهَا سُبَيْعَةُ كَانَتْ تَحْتَ زَوْجِهَا فَتُوُفِّيَ عَنْهَا وَهِيَ حُبْلَى، فَخَطَبَهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ، فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَهُ فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا يَصْلُحُ أَنْ تَنْكِحِي حَتَّى تَعْتَدِّي آخِرَ الْأَجَلَيْنِ فَمَكَثَتْ قَرِيبًا مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ ثُمَّ نُفِسَتْ، ثُمَّ جَاءَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: انْكِحِي» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد وَابْنَ مَاجَهْ، وَلِلْجَمَاعَةِ إلَّا التِّرْمِذِيَّ مَعْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ سُبَيْعَةَ وَقَالَتْ فِيهِ: فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْت حِينَ وَضَعْت حَمْلِي وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ إنْ بَدَا لِي) .
٢٩٢٩ - (وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ قَالَ: أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ وَلَا تَجْعَلُونَ عَلَيْهَا الرُّخْصَةَ؟ أَنْزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ) .
٢٩٣٠ - (وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا وَلِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا؟ فَقَالَ: هِيَ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا وَلِلْمُتَوَفَّى، عَنْهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ) .
٢٩٣١ - (وَعَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: «أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَهُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ فَقَالَتْ لَهُ وَهِيَ حَامِلٌ: طَيِّبْ نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ، فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ فَرَجَعَ وَقَدْ وَضَعَتْ، فَقَالَ: مَا لَهَا خَدَعَتْنِي خَدَعَهَا اللَّهُ ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: سَبَقَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ اُخْطُبْهَا إلَى نَفْسِهَا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
ــ
[نيل الأوطار]
[كِتَابُ الْعِدَدِ] [ بَابُ إنَّ عِدَّةَ الْحَامِلِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ]
حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو يَعْلَى وَالضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ وَابْنُ مَرْدُوَيْهِ. قَالَ فِي
стр. 2314
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: فِي إسْنَادِهِ الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدُوَيْهِ وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَحَدِيثُ الزُّبَيْرِ إسْنَادُهُ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ هَكَذَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ هَيَّاجٍ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الزُّبَيْرِ فَذَكَرَهُ، وَكُلُّهُمْ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ عُمَرَ بْنِ هَيَّاجٍ وَهُوَ صَدُوقٌ لَا بَأْسَ بِهِ وَفِيهِ انْقِطَاعٌ لِأَنَّ مَيْمُونًا هُوَ ابْنُ مِهْرَانَ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ الزُّبَيْرِ. قَوْلُهُ: (الْعِدَدِ: جَمْعُ الْعِدَّةِ) ، قَالَ فِي الْفَتْحِ: الْعِدَّةُ: اسْمٌ لِمُدَّةٍ تَتَرَبَّصُ بِهَا الْمَرْأَةُ عَنْ التَّزْوِيجِ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا أَوْ فِرَاقِهِ لَهَا إمَّا بِالْوِلَادَةِ أَوْ بِالْأَقْرَاءِ أَوْ الْأَشْهُرِ. قَوْلُهُ: (سُبَيْعَةُ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ تَصْغِيرُ سَبْعٍ، وَقَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ سَعْدٍ فِي الْمُهَاجِرَاتِ وَهِيَ بِنْتُ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ. قَوْلُهُ: (كَانَتْ تَحْتَ زَوْجِهَا) هُوَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ الْعَامِرِيُّ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَقِيلَ: إنَّهُ مِنْ خَلَفَاتِهِمْ
قَوْلُهُ: (فَتُوُفِّيَ عَنْهَا) نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ قُتِلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ. قَوْلُهُ (: أَبُو السَّنَابِلِ) بِمُهْمَلَةٍ وَنُونٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ جَمْعُ سُنْبُلَةٍ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ؛ فَقِيلَ: عَمْرٌو، وَقِيلَ: عَامِرٌ، وَقِيلَ: حَبَّةٌ، بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، وَقِيلَ: أَصْرَمُ، وَقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ، وَبَعْكَكٌ بِمُوَحَّدَةٍ فَمُهْمَلَةٍ فَكَافَيْنِ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، وَقِيلَ: ابْنُ الْحَجَّاجِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا يَصْلُحُ أَنْ تَنْكِحِي. . . إلَخْ) قَالَ عِيَاضٌ: وَالْحَدِيثُ مَبْتُورٌ نَقَصَ مِنْهُ قَوْلُهَا: " فَنُفِسَتْ بَعْدَ لَيَالٍ فَخُطِبَتْ. . . إلَخْ " قَالَ الْحَافِظُ: وَقَدْ ثَبَتَ الْمَحْذُوفُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مِلْحَانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْر شَيْخِ الْبُخَارِيِّ، وَلَفْظُهُ: " فَمَكَثَتْ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً ثُمَّ نُفِسَتْ " وَقَدْ وَقَعَ لِلْبُخَارِيِّ اخْتِصَارُ الْمَتْنِ فِي طَرِيقٍ بِأَخْصَرَ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ.
وَوَقَعَ لَهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الطَّلَاقِ مُطَوَّلًا بِلَفْظِ: «إنَّ سُبَيْعَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِيَ حَامِلٌ فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ فَقَالَ: مَا لِي أَرَاك تَجَمَّلْتِ لِلْخُطَّابِ؟ فَإِنَّكِ وَاَللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ جَمَعْت عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْت، فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْت حِينَ وَضَعْت حَمْلِي وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ»
وَظَاهِرُ هَذَا يُخَالِفُ مَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ حَيْثُ قَالَ: " فَمَكَثَتْ قَرِيبًا مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ ثُمَّ جَاءَتْ النَّبِيَّ ﷺ " فَإِنَّ قَوْلَهَا: " فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ جَمَعْت عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْت " يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَوَجَّهَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسَاءِ ذَلِكَ الَّذِي قَالَ لَهَا فِيهِ أَبُو السَّنَابِلِ مَا قَالَ. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ قَوْلِهَا: " حِينَ أَمْسَيْت " عَلَى إرَادَةِ وَقْتِ تَوَجُّهِهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ
стр. 2315
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي قَالَ لَهَا فِيهِ مَا قَالَ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ نُفِسَتْ) بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الْفَاءِ: أَيْ وَلَدَتْ. قَوْلُهُ: (قَرِيبًا مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ) فِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ " فَلَمْ أَمْكُثْ إلَّا شَهْرَيْنِ حَتَّى وَضَعْت " وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ " فَوَضَعْت بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً " وَفِي أُخْرَى لِلنَّسَائِيِّ " بِعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ خَمْسَ عَشْرَةَ " وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ " فَوَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا أَوْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا " وَلِابْنِ مَاجَهْ " بِبِضْعٍ وَعِشْرِينَ " وَفِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ أُخَرُ مُخْتَلِفَةٌ
قَالَ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ أَنْ سَاقَهَا: وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ مُتَعَذِّرٌ لِاتِّحَادِ الْقِصَّةِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إبْهَامِ مَنْ أَبْهَمَ الْمُدَّةَ، إذْ مَحَلُّ الْخِلَافِ أَنْ تَضَعَ لِدُونِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ هُنَا كَذَلِكَ، فَأَقَلُّ مَا قِيلَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ: نِصْفُ شَهْرٍ. وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ فِي الْبُخَارِيِّ عَشْرَ لَيَالٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ ثَمَانٍ أَوْ سَبْعٌ فَهُوَ فِي مُدَّةِ إقَامَتِهَا بَعْدَ الْوَضْعِ إلَى أَنْ اسْتَفْتَتْ النَّبِيَّ ﷺ لَا فِي مُدَّةِ بَقِيَّةِ الْحَمْلِ، وَأَكْثَرُ مَا قِيلَ فِيهِ بِالتَّصْرِيحِ شَهْرَانِ، وَبِغَيْرِهِ دُونَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى فِي الْأَمْصَارِ إلَى أَنَّ الْحَامِلَ إذَا مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِآخِرِ الْأَجَلَيْنِ. وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا إنْ وَضَعَتْ قَبْلَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ تَرَبَّصَتْ إلَى انْقِضَائِهَا. وَإِنْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ قَبْلَ الْوَضْعِ تَرَبَّصَتْ إلَى الْوَضْعِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ. أَوْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى ابْنِ سِيرِينَ الْقَوْلَ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْوَضْعِ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ بِذَلِكَ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ أَنَّهُ كَانَ يُوَافِقُ الْجُمْهُورَ حَتَّى كَانَ يَقُولُ: مَنْ شَاءَ لَاعَنْتُهُ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ حَكَى صَاحِبُ الْبَحْرِ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَالْقَاسِمِيَّةِ وَالْمُؤَيَّدِ بِاَللَّهِ وَالنَّاصِرِ مُوَافَقَةَ عَلِيٍّ عَلَى اعْتِبَارِ آخِرِ الْأَجَلَيْنِ. وَأَمَّا أَبُو السَّنَابِلِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَذْهَبُ إلَى اعْتِبَارِ آخِرِ الْأَجَلَيْنِ لَكِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ. وَقَدْ نَقَلَ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ سَحْنُونٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَقُولُ بِقَوْلِ عَلِيٍّ. قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ إحْدَاثُ خِلَافٍ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْإِجْمَاعِ. وَالسَّبَبُ الَّذِي حَمَلَ الْقَائِلِينَ بِاعْتِبَارِ آخِرِ الْأَجَلَيْنِ الْحِرْصُ عَلَى الْعَمَلِ بِالْآيَتَيْنِ: أَعْنِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فَإِنَّ ظَاهِرَ ذَلِكَ أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا سَوَاءٌ كَانَتْ حَامِلًا أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] عَامٌّ يَشْمَلُ الْمُطَلَّقَةَ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا، فَجَمَعُوا بَيْنَ الْعُمُومَيْنِ بِقَصْرِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ عَدَدِ الْمُطَلَّقَاتِ كَالْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ قَبْلَهَا، وَلَمْ يُهْمِلُوا مَا تَنَاوَلَتْهُ مِنْ الْعُمُومِ فَعَمِلُوا بِهَا وَبِاَلَّتِي قَبْلَهَا فِي حَقِّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا نَظَرٌ حَسَنٌ، فَإِنَّ الْجَمْعَ أَوْلَى مِنْ التَّرْجِيحِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ
следующие страницы →