← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9242

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ط الحديث

الشوكاني

Полный текст (3 079 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

٣١١٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ادْفَعُوا الْحُدُودَ مَا وَجَدْتُمْ لَهَا مَدْفَعًا» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) . ٣١١٥ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا، وَأَنَّ الْوَقْفَ أَصَحُّ. قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ أَنَّهُمْ ــ [نيل الأوطار] [بَابُ أَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ بِالتُّهَمِ وَأَنَّهُ يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ] حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الثَّانِي إسْنَادُهُ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ هَكَذَا: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَهُ، وَالْعَبَّاسُ صَدُوقٌ وَزَيْدُ بْنُ يَحْيَى ثِقَةٌ وَبَقِيَّةُ رِجَالِ الْإِسْنَادِ رِجَالُ الصَّحِيحِ. وَقَدْ وَرَدَ بِأَلْفَاظٍ مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَمِنْهَا أَلْفَاظٌ أُخَرُ، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهَا لَمَّا أَتَتْ بِالْوَلَدِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ قَالَ ﷺ : «لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِهِ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: «لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ» . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي اللِّعَان مَا قَالَهُ ﷺ فِي شَأْنِ الْوَلَدِ الَّذِي كَانَ فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ وَقْتَ اللِّعَانِ فَإِنَّهُ قَالَ: «إنْ أَتَتْ بِهِ عَلَى الصِّفَةِ الْفُلَانِيَّةِ فَهُوَ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ وَإِنْ أَتَتْ بِهِ عَلَى الصِّفَةِ الْفُلَانِيَّةِ فَهُوَ لِزَوْجِهَا هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ» قَوْلُهُ: فَقَالَ شَدَّادُ بْنُ الْهَادِ فِي الْفَتْحِ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ: إنَّ السَّائِلَ هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنُ الْهَادِ وَهُوَ ابْنُ خَالَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمَّاهُ أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا فِي كِتَابِ الْحُدُودِ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ. قَوْلُهُ: (كَانَتْ قَدْ أَعْلَنَتْ فِي الْإِسْلَامِ) فِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: " كَانَتْ تُظْهِر فِي الْإِسْلَامِ السُّوءَ " أَيْ: كَانَتْ تُعْلِنُ بِالْفَاحِشَةِ وَلَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهَا ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ وَلَا اعْتِرَافٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي اللِّعَانِ. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: فِيهِ جَوَازُ عَيْبِ مَنْ يَسْلُكَ مَسَالِكَ السُّوءِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يُسَمِّهَا، فَإِنْ أَرَادَ إظْهَارَ الْعَيْبِ عَلَى الْعُمُومِ فَمُحْتَمَلٌ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ ﵀ بِقَوْلِهِ ﷺ : «لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُهَا» عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِالتُّهَمِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ إقَامَةَ الْحَدِّ إضْرَارٌ بِمَنْ لَا يَجُوزُ الْإِضْرَارُ بِهِ وَهُوَ قَبِيحٌ عَقْلًا وَشَرْعًا فَلَا يَجُوزُ مِنْهُ إلَّا مَا أَجَازَهُ الشَّارِعُ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ بَعْدَ حُصُولِ الْيَقِينِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْحَدْسِ وَالتُّهْمَةِ وَالشَّكِّ مَظِنَّةٌ لِلْخَطَإِ وَالْغَلَطِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُسْتَبَاحُ بِهِ تَأْلِيمُ الْمُسْلِمِ وَإِضْرَارُهُ بِلَا خِلَافٍ ٣١١٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ادْفَعُوا الْحُدُودَ مَا وَجَدْتُمْ لَهَا مَدْفَعًا» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) . ٣١١٥ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا، وَأَنَّ الْوَقْفَ أَصَحُّ. قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ أَنَّهُمْ

стр. 2487

قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ) . حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ وَهُوَ ضَعِيفٌ. ٣١١٦ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، وَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: وَاَللَّهِ مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إذَا أُحْصِنَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ.» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ) بَابُ مَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَجَحَدَتْ ــ [نيل الأوطار] قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ) . حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَلَكِنْ فِي إسْنَادِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ: إنَّهُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوكٌ انْتَهَى. وَالصَّوَابُ الْمَوْقُوفُ كَمَا فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رِوَايَةُ وَكِيعٍ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ. قَالَ: وَرَوَاهُ رِشْدِينُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَرِشْدِينُ ضَعِيفٌ، وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» وَفِيهِ الْمُخْتَارُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ الْبُخَارِيُّ وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، قَالَ: وَأَصَحُّ مَا فِيهِ حَدِيثُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: قَالَ «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ، ادْفَعُوا الْقَتْلَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَرُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَمُعَاذٍ أَيْضًا مَوْقُوفًا، وَرُوِيَ مُنْقَطِعًا وَمَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ. وَرَوَاهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ الِاتِّصَالِ عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ قَالَ الْحَافِظُ: وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ عَنْ عُمَرَ بِلَفْظِ: " لَأَنْ أُخْطِئَ فِي الْحُدُودِ بِالشُّبُهَاتِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُقِيمَهَا بِالشُّبُهَاتِ ". وَفِي مُسْنَدِ أَبِي حَنِيفَةَ لِلْحَارِثِيِّ مِنْ طَرِيقِ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» وَمَا فِي الْبَابِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ الْمَقَالُ الْمَعْرُوفُ فَقَدْ شَدَّ مِنْ عَضُدِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فَيَصْلُحُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ دَرْءِ الْحُدُودِ بِالشُّبُهَاتِ الْمُحْتَمَلَةِ لَا مُطْلَقِ الشُّبْهَةِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ عَذَرَ رَجُلًا زَنَى فِي الشَّامِ وَادَّعَى الْجَهْلَ بِتَحْرِيمِ الزِّنَا. وَكَذَا رُوِيَ عَنْهُ وَعَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُمَا عَذَرَا جَارِيَةً زَنَتْ وَهِيَ أَعْجَمِيَّةٌ وَادَّعَتْ أَنَّهَا لَمْ تَعْلَمْ التَّحْرِيمَ ٣١١٦ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، وَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: وَاَللَّهِ مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إذَا أُحْصِنَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ.» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ) قَوْلُهُ: (آيَةُ الرَّجْمِ) هِيَ: " الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ ". وَقَدْ قَدَّمْنَا

стр. 2488

٣١١٧ - (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنَّهُ قَدْ زَنَى بِامْرَأَةٍ سَمَّاهَا فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى الْمَرْأَةِ فَدَعَاهَا فَسَأَلَهَا عَمَّا قَالَ فَأَنْكَرَتْ، فَحَدَّهُ وَتَرَكَهَا.» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) . بَابُ الْحَثِّ عَلَى إقَامَةِ الْحَدِّ إذَا ثَبَتَ وَالنَّهْيِ عَنْ الشَّفَاعَةِ فِيهِ ــ [نيل الأوطار] الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحُدُودِ، وَهَذِهِ الْمَقَالَةُ وَقَعَتْ مِنْ عُمَرَ لَمَّا صَدَرَ مِنْ الْحَجِّ وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ. قَوْلُهُ (فَأَخْشَى إنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ. . . إلَخْ) قَدْ وَقَعَ مَا خَشِيَهُ ﵁ حَتَّى أَفْضَى ذَلِكَ إلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ وَبَعْضَ الْمُعْتَزِلَةِ أَنْكَرُوا ثُبُوتَ مَشْرُوعِيَّةِ الرَّجْمِ كَمَا سَلَفَ. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: " سَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يُكَذِّبُونَ بِالرَّجْمِ ". وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ: «وَإِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: مَا بَالُ الرَّجْمِ فَإِنَّ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْجَلْدُ» وَهَذَا مِنْ الْمَوَاطِنِ الَّتِي وَافَقَ حَدْسُ عُمَرَ فِيهَا الصَّوَابَ. وَقَدْ وَصَفَهُ ﷺ بِارْتِفَاعِ طَبَقَتِهِ فِي ذَلِكَ الشَّأْنِ كَمَا قَالَ: " إنْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مُحَدِّثُونَ فَمِنْهُمْ عُمَرُ " قَوْلُهُ: (إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ) أَيْ شَهَادَةُ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ ذُكُورٍ بِالْإِجْمَاعِ. قَوْلُهُ: (أَوْ كَانَ الْحَبَلُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَفِي رِوَايَةٍ " الْحَمْلُ ". وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ مَنْ قَالَ: إنَّ الْمَرْأَةَ تُحَدُّ إذَا وُجِدَتْ حَامِلًا وَلَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ وَلَمْ تَذْكُرْ شُبْهَةً، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. قَالُوا: إذَا حَمَلَتْ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهَا زَوْجٌ وَلَا عَرَفْنَا إكْرَاهًا لَزِمَهَا الْحَدُّ إلَّا أَنْ تَكُونَ غَرِيبَةً وَتَدَّعِي أَنَّهُ مِنْ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الْحَبَلِ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْحَدُّ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الِاعْتِرَافِ أَوْ الْبَيِّنَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي دَرْءِ الْحُدُودِ بِالشُّبُهَاتِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ عُمَرَ وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِهِ مِثْلُ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ الَّذِي يُفْضِي إلَى هَلَاكِ النُّفُوسِ، وَكَوْنُهُ قَالَهُ فِي مَجْمَعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ إجْمَاعًا كَمَا بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ هَذَا الشَّرْحِ؛ لِأَنَّ الْإِنْكَارَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْمُخَالِفِ، وَلَا سِيَّمَا وَالْقَائِلُ بِذَلِكَ عُمَرُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةٍ مِنْ الْمَهَابَةِ فِي صُدُورِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُدَّعَى أَنَّ قَوْلَهُ: إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ وَكَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ مِنْ تَمَامِ مَا يَرْوِيهِ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ الَّذِي كَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ هُوَ مَا أَسَلَفْنَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحُدُودِ. وَقَدْ أَجَابَ الطَّحَاوِيُّ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْحَبَلَ إذَا كَانَ مِنْ زِنًا وَجَبَ فِيهِ الرَّجْمُ، وَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ كَوْنِهِ مِنْ زِنًا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَأْبَى ذَلِكَ جَعْلُ الْحَبَلِ مُقَابِلًا لِلْبَيِّنَةِ وَالِاعْتِرَافِ. قَوْلُهُ: (أَوْ الِاعْتِرَافُ) قَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي مِقْدَارِهِ وَمَا هُوَ الْحَقُّ.

стр. 2489

٣١١٨ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْأَرْضِ خَيْرٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ قَالَ: ثَلَاثِينَ وَأَحْمَدُ بِالشَّكِّ فِيهِمَا) . ٣١١٩ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَهُوَ مُضَادُّ اللَّهِ فِي أَمْرِهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) . ــ [نيل الأوطار] [بَابُ مَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَجَحَدَتْ] الْحَدِيثُ فِي إسْنَادِهِ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَفْصٍ أَبُو مُصْعَبٍ الْمَدَنِيِّ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: ثِقَةٌ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ: لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ. وَفِي الْبَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَكْرِ بْنِ لَيْثٍ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَجَلَدَهُ مِائَةً وَكَانَ بِكْرًا، ثُمَّ سَأَلَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَرْأَةِ فَقَالَتْ: كَذَبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَجَلَدَهُ حَدَّ الْفِرْيَةِ ثَمَانِينَ» وَفِي إسْنَادِهِ الْقَاسِمُ بْنُ فَيَّاضٍ الصَّنْعَانِيُّ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ حَتَّى قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: إنَّهُ بَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَقَالَ النَّسَائِيّ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فَقَالَا: يُحَدُّ مَنْ أَقَرَّ بِالزِّنَا بِامْرَأَةٍ مُعَيَّنَةً لِلزِّنَا لَا لِلْقَذْفِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يُحَدُّ لِلْقَذْفِ فَقَطْ، قَالَا: لِأَنَّ إنْكَارَهَا شُبْهَةٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِهِ إقْرَارُهُ. وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَمُحَمَّدٌ وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّهُ يُحَدُّ لِلزِّنَا وَالْقَذْفِ. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ لِوَجْهَيْنِ، الْأَوَّلُ: أَنَّ غَايَةَ مَا فِي حَدِيثِ سَهْلٍ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَحُدَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ لِلْقَذْفِ " وَذَلِكَ لَا يَنْتَهِضُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى السُّقُوطِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعَدَمِ الطَّلَبِ مِنْ الْمَرْأَةِ أَوْ لِوُجُودِ مُسْقِطٍ بِخِلَافِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَيْهِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ ظَاهِرَ أَدِلَّةِ الْقَذْفِ الْعُمُومُ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ، وَقَدْ صَدَقَ عَلَى مَنْ كَانَ كَذَلِكَ أَنَّهُ قَاذِفٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنْ الْكَلَامِ فِي بَابِ مَنْ أَقَرَّ بِالزِّنَا بِامْرَأَةٍ لَا يَكُونُ قَاذِفًا مِنْ أَبْوَابِ اللِّعَانِ.

стр. 2490

بَابُ أَنَّ السُّنَّةَ بُدَاءَةُ الشَّاهِدِ بِالرَّجْمِ وَبُدَاءَةُ الْإِمَامِ بِهِ إذَا ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ ــ [نيل الأوطار] [بَابُ الْحَثِّ عَلَى إقَامَةِ الْحَدِّ إذَا ثَبَتَ وَالنَّهْيِ عَنْ الشَّفَاعَةِ فِيهِ] حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَ نَحْوَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «وَحَدٌّ يُقَامُ فِي الْأَرْضِ بِحَقِّهِ أَزْكَى مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا» قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: وَفِي إسْنَادِهِ زُرَيْقُ بْنُ السحب وَلَمْ أَعْرِفْهُ، وَفِي إسْنَادِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ جَرِيرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ صَحِيحٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ. وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَقَالَ فِيهِ: «فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي مُلْكِهِ» . وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ التَّرْغِيبُ فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَنْفِيذِ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَدَمِ الرَّأْفَةِ بِالْعُصَاةِ وَرَدْعِهِمْ عَنْ هَتْكِ حُرُمِ الْمُسْلِمِينَ، وَلِهَذَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا الْحَدَّ عَلَيْهِ " فَإِذَا كَانَ تَرْكُ الْحُدُودِ وَالْمُدَاهَنَةُ فِيهَا وَإِسْقَاطُهَا عَنْ الْأَكَابِرِ مِنْ أَسْبَابِ الْهَلَاكِ كَانَتْ إقَامَتُهَا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ شَرِيفٍ وَوَضِيعٍ مِنْ أَسْبَابِ الْحَيَاةِ وَتَبَيَّنَ سِرُّ قَوْلِهِ ﷺ : «حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْأَرْضِ خَيْرٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا» الْحَدِيثُ. وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ وَالتَّرْهِيبِ لِفَاعِلِهَا بِمَا هُوَ غَايَةٌ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ وَصْفُهُ بِمُضَادَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَمْرِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ لَمَّا شَفَعَ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» . وَفِي لَفْظِ: «لَا أَرَاك تَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» وَسَيَأْتِي فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي الْمُخْتَلِسِ مِنْ كِتَابِ الْقَطْعِ، وَلَكِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ الْمَنْعُ مِنْ الشَّفَاعَةِ بِمَا إذَا كَانَ بَعْدَ الرَّفْعِ إلَى الْإِمَامِ لَا إذَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ لِمَا فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالْأَرْبَعَةِ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ الْجَارُودِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ الَّذِي سَرَقَ رِدَاءَهُ فَشَفَعَ فِيهِ: هَلَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟» . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ: «تَعَافُوا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ» . وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: " لَقِيَ الزُّبَيْرُ سَارِقًا فَشَفَعَ فِيهِ، فَقِيلَ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْإِمَامَ، قَالَ: إذَا بَلَغَ الْإِمَامَ فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفِّعَ ". وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ الْحَافِظُ: بِسَنَدٍ حَسَنٍ " أَنَّ الزُّبَيْرَ وَعَمَّارًا وَابْنَ عَبَّاسٍ أَخَذُوا سَارِقًا فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ فَقَالَ عِكْرِمَةُ: فَقُلْت: بِئْسَ مَا صَنَعْتُمْ حِينَ خَلَّيْتُمْ سَبِيلَهُ فَقَالُوا: لَا أُمَّ لَك، أَمَا لَوْ كُنْت أَنْتَ لَسَرَّك أَنْ يُخَلَّى سَبِيلُك ". وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ الزُّبَيْرِ مَرْفُوعًا: «اشْفَعُوا مَا لَمْ يَصِلْ إلَى الْوَالِي فَإِذَا وَصَلَ إلَى الْوَالِي فَعَفَا فَلَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ» . وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ. وَقَدْ ادَّعَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ الْإِقَامَةُ إذَا بَلَغَهُ الْحَدُّ، وَهَكَذَا حُكِيَ الْإِجْمَاعُ فِي الْبَحْرِ. وَحَكَى الْخَطَّابِيِّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ مَنْ عُرِفَ بِأَذِيَّةِ النَّاسِ وَغَيْرِهِ، فَقَالَ: لَا يُشْفَعُ فِي الْأَوَّلِ مُطْلَقًا، وَفِي الثَّانِي تَحْسُنُ الشَّفَاعَةُ قَبْلَ الرَّفْعِ لَا بَعْدَهُ وَالرَّاجِحُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَحْدُودِينَ وَعَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ بَيْنَ قَبْلِ الرَّفْعِ وَبَعْدَهُ تُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي التَّرْغِيبِ فِي السَّتْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ فَيَكُونُ السَّتْرُ هُوَ الْأَفْضَلَ قَبْلَ الرَّفْعِ إلَى الْإِمَامِ.

стр. 2491

٣١٢٠ - (عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: «كَانَ لِشُرَاحَةَ زَوْجٌ غَائِبٌ بِالشَّامِ وَأَنَّهَا حَمَلَتْ فَجَاءَ بِهَا مَوْلَاهَا إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ زَنَتْ وَاعْتَرَفَتْ فَجَلَدَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ مِائَةً، وَرَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَحَفَرَ لَهَا إلَى السُّرَّةِ وَأَنَا شَاهِدٌ ثُمَّ قَالَ: إنَّ الرَّجْمَ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَوْ كَانَ شَهِدَ عَلَى هَذِهِ أَحَدٌ لَكَانَ أَوَّلَ مَنْ يَرْمِي الشَّاهِدُ، يَشْهَدُ ثُمَّ يُتْبِعُ شَهَادَتَهُ حَجَرَهُ، وَلَكِنَّهَا أَقَرَّتْ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ رَمَاهَا، فَرَمَاهَا بِحَجَرٍ ثُمَّ رَمَى النَّاسُ وَأَنَا فِيهِمْ، فَكُنْتُ وَاَللَّهِ فِيمَنْ قَتَلَهَا.» رَوَاهُ أَحْمَدُ) . بَابُ مَا فِي الْحَفْرِ لِلْمَرْجُومِ ــ [نيل الأوطار] [بَابُ أَنَّ السُّنَّةَ بُدَاءَةُ الشَّاهِدِ بِالرَّجْمِ وَبُدَاءَةُ الْإِمَامِ بِهِ إذَا ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ] الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ وَالْحَاكِمُ، وَأَصْلُهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَلَكِنْ بِدُونِ ذِكْرِ الْحَفْرِ وَمَا بَعْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحُدُودِ مِنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْحَفْرِ قَرِيبًا. وَأَمَّا كَوْنُ الشَّاهِدِ أَوَّلَ مَنْ يَرْمِي الزَّانِيَ الْمُحْصَنَ حَيْثُ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْهَادَوِيَّةُ إلَى أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ وَأَنَّ الْإِمَامَ يُجْبِرُهُمْ عَلَى ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الزَّجْرِ عَنْ التَّسَاهُلِ وَالتَّرْغِيبِ فِي التَّثَبُّتِ وَإِذَا كَانَ ثُبُوتُ الزِّنَا بِالْإِقْرَارِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَوَّلَ مَنْ يَرْجُمُ أَوْ مَأْمُورُهُ لِمَا عِنْدَ أَبِي دَاوُد فِي رِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ امْرَأَةً وَكَانَ هُوَ أَوَّلَ مَنْ رَمَاهَا بِحَصَاةٍ مِثْلِ الْحِمَّصَةِ، ثُمَّ قَالَ: ارْمُوهَا وَاتَّقُوا الْوَجْهَ» . وَيُجَابُ بِأَنَّ مُجَرَّدَ هَذَا الْفِعْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ. وَأَمَّا حَدِيثُ الْعَسِيفِ الْمُتَقَدِّمُ فَلَا يَدُلُّ قَوْلُهُ ﷺ فِيهِ «وَاغْدُ يَا أُنَيْسٌ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» عَلَى وُجُوبِ الْبُدَاءَةِ بِذَلِكَ مِنْهُ بَلْ غَايَتُهُ الْأَمْرُ بِنَفْسِ الرَّجْمِ لَا بِالرَّجْمِ الْخَاصِّ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ﵁ فَإِنَّمَا يَنْتَهِضُ لِلِاحْتِجَاجِ

стр. 2492

٣١٢١ - (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «لَمَّا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَرْجُمَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ خَرَجْنَا بِهِ إلَى الْبَقِيعِ فَوَاَللَّهِ مَا حَفَرْنَا لَهُ، وَلَا أَوْثَقْنَاهُ، وَلَكِنْ قَامَ لَنَا فَرَمَيْنَاهُ بِالْعِظَامِ وَالْخَزَفِ، فَاشْتَكَى فَخَرَجَ يَشْتَدُّ حَتَّى انْتَصَبَ لَنَا فِي عُرْضِ الْحَرَّةِ فَرَمَيْنَاهُ بِجَلَامِيدِ الْجَنْدَلِ حَتَّى سَكَتَ» . ٣١٢٢ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «جَاءَتْ الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي، وَأَنَّهُ رَدَّهَا، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ تَرُدُّنِي لَعَلَّك تَرُدُّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا، فَوَاَللَّهِ إنِّي لَحُبْلَى، قَالَ: إمَّا لَا فَاذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ قَالَتْ: هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ، قَالَ: اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ، فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَقَالَتْ: هَذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ فَطَمْتُهُ وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا، فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ فَرَمَى رَأْسَهَا فَنَضَخَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ فَسَبَّهَا، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ سَبَّهُ إيَّاهَا، فَقَالَ: مَهْلًا يَا خَالِدُ، فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصُلِّيَ عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ» رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد) . ــ [نيل الأوطار] بِهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِالْحُجِّيَّةِ لَا عَلَى مَنْ يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ وَالْمَقَامُ مَقَامُ اجْتِهَادٍ، وَلِهَذَا حَكَى صَاحِبُ الْبَحْرِ عَنْ الْعِتْرَةِ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ حُضُورُ الرَّجْمِ وَهُوَ الْحَقُّ لِعَدَمِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، وَلِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ مَاعِزٍ «أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِرَجْمِ مَاعِزٍ، وَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُمْ» وَالزِّنَا مِنْهُ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ كَمَا سَلَفَ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَحْضُرْ فِي رَجْمِ الْغَامِدِيَّةِ كَمَا زَعَمَ الْبَعْضُ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: لَمْ يَقَعْ فِي طُرُقِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ حَضَرَ، بَلْ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ، وَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: وَأَمَّا الْغَامِدِيَّةُ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا تَبَيَّنَ عَدَمُ الْوُجُوبِ عَلَى الشُّهُودِ وَلَا عَلَى الْإِمَامِ، وَأَمَّا الِاسْتِحْبَابُ فَقَدْ حَكَى ابْنُ دَقِيقٍ الْعِيدِ أَنَّ الْفُقَهَاءَ اسْتَحَبُّوا أَنْ يَبْدَأَ الْإِمَامُ بِالرَّجْمِ إذَا ثَبَتَ الزِّنَا بِالْإِقْرَارِ وَتَبْدَأُ الشُّهُودُ بِهِ إذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ.

стр. 2493

٣١٢٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ الْأَسْلَمِيَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي زَنَيْتُ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي فَرَدَّهُ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَتَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي قَدْ زَنَيْت، فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى قَوْمِهِ: هَلْ تَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئًا؟ قَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ إلَّا وَفِي الْعَقْلِ مِنْ صَالِحِينَا فِيمَا نَرَى، فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ أَيْضًا فَسَأَلَ عَنْهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا بِعَقْلِهِ، فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةُ حَفَرَ لَهُ حُفْرَةً، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: «فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَحُفِرَ لَهُ حُفْرَةٌ فَجُعِلَ فِيهَا إلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ بِرَجْمِهِ» . ٣١٢٤ - (وَعَنْ خَالِدِ بْنِ اللَّجْلَاجِ «أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ فَذَكَرَ قِصَّةَ رَجُلٍ اعْتَرَفَ بِالزِّنَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُحْصِنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ، فَذَهَبْنَا فَحَفَرْنَا لَهُ حَتَّى أَمْكَنَنَا وَرَمَيْنَاهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى هَدَأَ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) . ــ [نيل الأوطار] [بَابُ مَا فِي الْحَفْرِ لِلْمَرْجُومِ] حَدِيثُ خَالِدِ بْنِ اللَّجْلَاجِ فِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُلَاثَةَ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ، وَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَآخِرُهُ جِيمٌ أَيْضًا، وَهُوَ عَامِرِيٌّ كُنْيَتُهُ أَبُو الْعَلَاءِ، عَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً. قَوْلُهُ: (وَالْخَزَفِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ آخِرُهُ فَاءٌ: وَهِيَ أَكْسَارُ الْأَوَانِي الْمَصْنُوعَةِ مِنْ الْمَدَرِ. قَوْلُهُ: (فِي عُرْضِ الْحَرَّةِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَالْحَرَّةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ: وَهِيَ أَرْضٌ ذَاتُ أَحْجَارٍ سُودٍ، وَقَدْ سُمِّيَ بِذَلِكَ مَوَاضِعُ مِنْهَا مَوَاضِعُ وَقْعَةِ حُنَيْنٌ وَمَوْضِعٌ بِتَبُوكَ وَبِنَقْدَةَ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالْعَقِيقِ وَقِبْلِيَّ الْمَدِينَةِ وَبِبِلَادِ عَبْسٍ وَبِبِلَادِ فَزَارَةَ وَبِبِلَادِ بَنِي الْقَيْنِ وَبِالدَّهْنَاءِ وَبِعَالِيَةِ الْحِجَازِ وَقُرْبِ فَيْدَ وَبِجِبَالِ طَيِّئٍ وَبِأَرْضِ بَارِقٍ وَبِنَجْدٍ وَبِبَنِيَّ مُرَّةَ وَقُرْبِ خَيْبَرَ وَهِيَ حَرَّةُ النَّارِ وَبِظَاهِرِ الْمَدِينَةِ تَحْتَ وَاقِمٍ وَبِهَا كَانَتْ وَقْعَةُ الْحَرَّةِ أَيَّامَ يَزِيدَ وَبِالْبُرَيْكِ فِي طَرِيقِ الْيَمَنِ وَحَرَّةِ غَلَّاسٍ وَلُبْنٍ وَلَفْلَفٍ وَشَوْرَانَ وَالْحَمَّارَةِ وَجَفْلٍ وَمِيطَانَ وَمَعْشَرٍ وَلَيْلَى وَعَبَّادٍ وَالرَّجْلَاءِ وَقَمْأَةَ مَوَاضِعُ بِالْمَدِينَةِ، كَذَا فِي الْقَامُوسِ. قَوْلُهُ: (بِجَلَامِيدِ) الْجَلَامِيدُ جَمْعُ جَلْمَدٍ، وَهُوَ الصَّخْرُ كَالْجُلْمُودِ وَالْجَنْدَلِ كَجَعْفَرٍ مَا يُقِلُّهُ الرَّجُلُ مِنْ الْحِجَارَةِ وَتُكْسَرُ الدَّالُ وَكَعُلَبِطٍ: الْمَوْضِعُ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْحِجَارَةُ، وَأَرْضٌ جَنْدَلَةٌ كَعُلَبِطَةٍ وَقَدْ تُفْتَحُ: كَسْرَتُهَا كَذَا فِي الْقَامُوسِ. قَوْلُهُ: (إمَّا لَا فَاذْهَبِي) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مِنْ إمَّا وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَبِالْإِمَالَةِ، وَمَعْنَاهُ: إذَا أَبَيْت أَنْ تَسْتُرِي نَفْسَك وَتَتُوبِي عَنْ قَوْلِكِ فَاذْهَبِي

стр. 2494

بَابُ تَأْخِيرِ الرَّجْمِ عَنْ الْحُبْلَى حَتَّى تَضَعَ وَتَأْخِيرِ الْجَلْدِ عَنْ ذِي الْمَرَضِ الْمَرْجُوِّ زَوَالُهُ ــ [نيل الأوطار] حَتَّى تَلِدِي فَتُرْجَمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ. اهـ. قَوْلُهُ: (فَنَضَخَ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْمُهْمَلَةِ. قَوْلُهُ: (صَاحِبُ مَكْسٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْكَافِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ: هُوَ مَنْ يَتَوَلَّى الضَّرَائِبَ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: مَكَسَ فِي الْبَيْعِ يَمْكِسُ إذَا جَبَى مَالًا وَالْمَكْسُ: النَّقْصُ وَالظُّلْمُ، وَدَرَاهِمُ كَانَتْ تُؤْخَذُ مِنْ بَائِعِي السِّلَعِ فِي الْأَسْوَاقِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ دِرْهَمٌ كَانَ يَأْخُذُهُ الْمُصَدِّقُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّدَقَةِ انْتَهَى. قَوْلُهُ: (فَصَلَّى عَلَيْهَا) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: هُوَ بِفَتْحِ الصَّادِ وَاللَّامِ عِنْدَ جُمْهُورٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلَكِنْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبِي دَاوُد وَالطَّبَرَانِيِّ فَصُلِّيَ بِضَمِّ الصَّادِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد بِلَفْظِ: " ثُمَّ أَمَرَهُمْ فَصَلَّوْا عَلَيْهَا " وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: " أَنَّهُ قَالَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ: ﷺ أَيُصَلَّى عَلَيْهَا؟ فَقَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ ". قَوْلُهُ: (إلَّا وَفِي الْعَقْلِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْبَابِ قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى فِقْهِهَا، وَإِنَّمَا سَاقَهَا الْمُصَنِّفُ هَهُنَا لِلِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى مَا تَرْجَمَ الْبَابَ بِهِ وَهُوَ الْحَفْرُ لِلْمَرْجُومِ. وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي ذَلِكَ، فَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورُ فِيهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَحْفِرُوا لِمَاعِزٍ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ فِيهِ أَنَّهُمْ حَفَرُوا لَهُ إلَى صَدْرِهِ. وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ الْمَنْفِيَّ حَفِيرَةٌ لَا يُمْكِنُهُ الْوُثُوبُ مِنْهَا وَالْمُثْبَتُ عَكْسُهُ، أَوْ أَنَّهُمْ لَمْ يَحْفِرُوا لَهُ أَوَّلَ الْأَمْرِ ثُمَّ لَمَّا فَرَّ فَأَدْرَكُوهُ حَفَرُوا لَهُ حَفِيرَةً فَانْتَصَبَ لَهُمْ فِيهَا حَتَّى فَرَغُوا مِنْهُ، أَوْ أَنَّهُمْ حَفَرُوا لَهُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ لَمَّا وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ خَرَجَ مِنْ الْحُفْرَةِ فَتَبِعُوهُ، وَعَلَى فَرْضِ عَدَمِ إمْكَانِ الْجَمْعِ فَالْوَاجِبُ تَقْدِيمُ رِوَايَةِ الْإِثْبَاتِ عَلَى النَّفْيِ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُرَجِّحٍ تَوَجَّهَ إسْقَاطُ الرِّوَايَتَيْنِ وَالرُّجُوعُ إلَى غَيْرِهِمَا كَحَدِيثِ خَالِدِ بْنِ اللَّجْلَاجِ، فَإِنَّ فِيهِ التَّصْرِيحَ بِالْحَفْرِ بِدُونِ تَسْمِيَةِ الْمَرْجُومِ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُهُ أَيْضًا فِي الْحَفْرِ لِلْغَامِدِيَّةِ. وَقَدْ ذَهَبَتْ الْعِتْرَةُ إلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْحَفْرُ إلَى سُرَّةِ الرَّجُلِ وَثَدْيِ الْمَرْأَةِ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا يُحْفَرُ لِلرَّجُلِ. وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إذَا حُفِرَ لَهُ فَلَا بَأْسَ، وَبِهِ قَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى. وَفِي وَجْهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ الْإِمَامُ، وَفِي الْمَرْأَةِ عِنْدَهُمْ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، ثَالِثُهَا: يُحْفَرُ إنْ ثَبَتَ زِنَاهَا بِالْبَيِّنَةِ لَا بِالْإِقْرَارِ وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَأَبِي ثَوْرٍ أَنَّهُ يُحْفَرُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ. وَالْمَشْهُورُ عَنْ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ لَا يُحْفَرُ مُطْلَقًا، وَالظَّاهِرُ مَشْرُوعِيَّةُ الْحَفْرِ لِمَا قَدَّمْنَا.

стр. 2495

عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنْ الْأَزْدِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي، فَقَالَ: وَيْحَكِ ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إلَيْهِ، فَقَالَتْ: أَرَاك تُرِيدُ أَنْ تُرَدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ قَالَتْ إنَّهَا حُبْلَى مِنْ الزِّنَا، قَالَ: أَنْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا: حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ، قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، قَالَ: فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتْ الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَ: إذَنْ لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: إلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَالَ: فَرَجَمَهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ والدراقطني، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) . ٣١٢٦ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ حُبْلَى مِنْ الزِّنَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْت حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَلِيَّهَا، فَقَالَ: أَحْسِنْ إلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي فَفَعَلَ فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: نُصَلِّي عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ زَنَتْ؟ قَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدَتْ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ؟» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَابْنَ مَاجَهْ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَحْدُودَ مُحْتَرَزٌ تُحْفَظُ عَوْرَتُهُ مِنْ الْكَشْفِ) . ٣١٢٧ - (وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «إنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَتْ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا، فَأَتَيْتُهَا فَإِذَا هِيَ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ فَخَشِيتُ إنْ أَجْلِدْهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَحْسَنْت اُتْرُكْهَا حَتَّى تَمَاثَلَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) . ــ [نيل الأوطار] [بَابُ تَأْخِيرِ الرَّجْمِ عَنْ الْحُبْلَى حَتَّى تَضَعَ وَتَأْخِيرِ الْجَلْدِ عَنْ ذِي الْمَرَضِ الْمَرْجُوِّ زَوَالُهُ] قَوْلُهُ: (مِنْ غَامِدٍ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ، لَقَبُ رَجُلٍ هُوَ أَبُو قَبِيلَةٍ وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ جُهَيْنَةَ، وَلِهَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الْمَذْكُورِ امْرَأَةٌ مِنْ جُهَيْنَةَ، وَهِيَ

стр. 2496

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [نيل الأوطار] هَذِهِ، وَاسْمُ غَامِدٍ الْمَذْكُورُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَلُقِّبَ بِغَامِدٍ لِإِصْلَاحِهِ أَمْرًا كَانَ فِي قَوْمِهِ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ قَدْ رَوَاهَا جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ بُرَيْدَةَ وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ وَفِي الْبَابِ الْأَوَّلِ. وَمِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَجَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَحَادِيثُهُمْ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِي سِيَاقِ الْأَحَادِيثِ بَعْضُ اخْتِلَافٍ، فَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ «أَنَّهَا جَاءَتْ بِنَفْسِهَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ حَالَ الْحَمْلِ وَعِنْدَ الْوَضْعِ، وَأَخَّرَ رَجْمَهَا إلَى الْفِطَامِ، فَجَاءَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وَرُجِمَتْ» . وَفِي حَدِيثِهِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ «أَنَّهُ كَفَلَهَا رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، ثُمَّ أَتَى فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: إلَيَّ رَضَاعُهُ فَرُجِمَتْ» . وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الْمَذْكُورِ أَنَّهَا " لَمَّا أَقَرَّتْ دَعَا النَّبِيُّ ﷺ وَلِيَّهَا وَأَمَرَهُ بِالْإِحْسَانِ إلَيْهَا حَتَّى تَضَعَ ثُمَّ جَاءَ بِهَا عِنْدِ الْوَضْعِ فَرُجِمَتْ وَلَمْ يُمْهِلْهَا إلَى الْفِطَامِ " وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهَا جَاءَتْ عِنْدَ الْوِلَادَةِ وَجَاءَ مَعَهَا وَلِيُّهَا وَتَكَلَّمَتْ وَتَكَلَّمَ، وَلَكِنَّهُ يَبْقَى الْإِشْكَالُ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ رَجَمَهَا عِنْدَ الْوِلَادَةِ وَلَمْ يُؤَخِّرْهَا، وَرِوَايَةِ أَنَّهُ أَخَّرَهَا إلَى الْفِطَامِ، وَقَدْ قِيلَ إنَّهُمَا رِوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ، وَرِوَايَةُ التَّأْخِيرِ رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ لَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُهَا، فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ الرِّوَايَةِ الْقَاضِيَةِ بِأَنَّهَا رُجِمَتْ عِنْدَ الْوِلَادَةِ بِأَنْ يُقَالَ فِيهَا طَيٌّ وَحَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ أَنَّ وَلِيَّهَا جَاءَ بِهَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ الْوِلَادَةِ فَأَمَرَ بِتَأْخِيرِهَا إلَى الْفِطَامِ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا وَإِنْ تَمَّ بِاعْتِبَارِ حَدِيثِ عِمْرَانَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ فَلَا يَتِمُّ بِاعْتِبَارِ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْمَذْكُورِ فَإِنَّ فِيهِ " أَنَّهُ قَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: إلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَرَجَمَهَا " وَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَبِلَ قَوْلَهُ وَكَفَالَتَهُ بَلْ أَخَّرَهَا إلَى الْفِطَامِ ثُمَّ أَمَرَ بِرَجْمِهَا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ السِّيَاقَ يَأْبَى كُلَّ الْإِبَاءِ، وَمَا أَكْثَرَ مَا يَقَعُ مِثْلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي الْقِصَّةِ الْوَاحِدَةِ الَّتِي مَخْرَجُهَا مُتَّحِدٌ بِالِاتِّفَاقِ ثُمَّ تُرْتَكَبُ لِأَجْلِ الْجَمْعِ بَيْنَ رِوَايَتِهِمْ الْعَظَائِمُ الَّتِي لَا تَخْلُو فِي الْغَالِبِ مِنْ تَعَسُّفَاتٍ وَتَكَلُّفَاتٍ كَأَنَّ السَّهْوَ وَالْغَلَطَ وَالنِّسْيَانَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ إلَّا كَسَائِرِ النَّاسِ فِي الْعَوَارِضِ الْبَشَرِيَّةِ، فَإِنْ أَمْكَنَنَا الْجَمْعُ بِوَجْهٍ سَلِيمٍ عَنْ التَّعَسُّفَاتِ فَذَاكَ وَإِلَّا تَوَجَّهَ عَلَيْنَا الْمَصِيرُ إلَى التَّرْجِيحِ وَحَمْلِ الْغَلَطِ أَوْ النِّسْيَانِ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَرْجُوحَةِ، إمَّا مِنْ الصَّحَابِيِّ أَوْ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ مِنْ الرُّوَاةِ. وَقَدْ مَرَّ لَنَا فِي هَذَا الشَّرْحِ عِدَّةُ مَوَاطِنَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَشَيْنَا فِيهَا عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ الْجَمْعِ بِوُجُوهٍ يَنْفِرُ عَنْ قَبُولِهَا كُلُّ طَبْعٍ سَلِيمٍ، وَيَأْبَى الرِّضَا بِهَا كُلُّ عَقْلٍ مُسْتَقِيمٍ. قَوْلُهُ: (أَصَبْت حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ) هَذَا الْإِجْمَالُ قَدْ وَقَعَ مِنْ الْمَرْأَةِ تَبْيِينُهُ. كَمَا فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ، وَلَكِنَّهُ وَقَعَ الِاخْتِصَارُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَمَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ عَقِبَ ذَلِكَ: " أَحْسِنْ إلَيْهَا فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي " وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِقْرَارِ بِالْحَدِّ مِنْ دُونِ تَعْيِينٍ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ

стр. 2497

بَابُ صِفَةِ سَوْطِ الْجَلْدِ وَكَيْفَ يُجْلَدُ مَنْ بِهِ مَرَضٌ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ ــ [نيل الأوطار] أَنْ يَحُدَّ بِهِ. قَوْلُهُ: (أَحْسِنْ إلَيْهَا) إنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِأَنَّ سَائِرَ قَرَابَتِهَا رُبَّمَا حَمَلَتْهُمْ الْغَيْرَةُ وَحَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى أَنْ يَفْعَلُوا بِهَا مَا يُؤْذِيهَا فَأَمَرَهُ بِالْإِحْسَانِ تَحْذِيرًا مِنْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (فَشُدَّتْ) فِي رِوَايَةٍ: " فَشُكَّتْ " وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَالْغَرَضُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا تَنْكَشِفَ عِنْدَ وُقُوعِ الرَّجْمِ عَلَيْهَا لِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ الِاضْطِرَابِ عِنْدَ نُزُولِ الْمَوْتِ وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِمَا يَبْدُو مِنْ الْإِنْسَانِ، وَلِهَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُرْجَمُ قَاعِدَةً وَالرَّجُلُ قَائِمًا لِمَا فِي ظُهُورِ عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ الشَّنَاعَةِ، وَقَدْ زَعَمَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُرْجَمُ قَاعِدَةً وَلَيْسَ فِي الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى السَّتْرِ، وَلَمْ يُحْكَ ذَلِكَ فِي الْبَحْرِ إلَّا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْهَادَوِيَّةِ. وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا تُحَدُّ قَائِمَةً، وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ الرَّجُلَ يُحَدُّ قَاعِدًا. قَوْلُهُ: (ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا) قَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ. قَوْلُهُ: (لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ. . . إلَخْ) فِي رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ " لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ " وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ وَقَعَ جَمِيعُهُ مِنْهُ ﷺ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحُدُودَ لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ الْحَنَفِيَّةُ وَالْهَادِي. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إلَى سُقُوطِهَا بِهَا، وَمِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ الْغَامِدِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ تَأْخِيرُ الْحَدِّ عَنْ الْحَامِلِ حَتَّى تَضَعَ ثُمَّ حَتَّى تُرْضِعَ وَتَفْطِمَ، وَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ أَنَّهَا لَا تُؤَخَّرُ إلَى الْفِطَامِ إلَّا إذَا عُدِمَ مِثْلُهَا لِلرَّضَاعِ وَالْحَضَانَةِ، فَإِنْ وُجِدَ مَنْ يَقُومُ بِذَلِكَ لَمْ تُؤَخَّرْ، وَتَمَسَّكُوا بِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ: (اُتْرُكْهَا حَتَّى تَمَاثَلَ) بِالْمُثَلَّثَةِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: تَمَاثَلَ الْعَلِيلُ: قَارَبَ الْبُرْءَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد: " حَتَّى يَنْقَطِعَ عَنْهَا الدَّمُ " وَسَيَأْتِي فِي بَابِ حَدِّ الرَّقِيقِ بِلَفْظِ: " إذَا تَعَالَتْ مِنْ نِفَاسِهَا فَاجْلِدْهَا " وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرِيضَ يُمْهَلُ حَتَّى يَبْرَأَ أَوْ يُقَارِبَ الْبُرْءَ. وَقَدْ حُكِيَ فِي الْبَحْرِ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ يُمْهَلُ الْبِكْرُ حَتَّى تَزُولَ شِدَّةُ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْمَرَضِ الْمَرْجُوِّ، فَإِنْ كَانَ مَأْيُوسًا فَقَالَ الْهَادِي وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنَّهُ يُضْرَبُ بِعُثْكُولٍ إنْ احْتَمَلَهُ. وَقَالَ النَّاصِرُ وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ: لَا يُحَدُّ فِي مَرَضِهِ وَإِنْ كَانَ مَأْيُوسًا وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ الْآتِي قَرِيبًا. وَالْمَرْجُومُ إذَا كَانَ مَرِيضًا أَوْ نَحْوَهُ فَذَهَبَتْ الْعِتْرَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَمَالِكٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُمْهَلُ لِمَرَضٍ وَلَا لِغَيْرِهِ إذْ الْقَصْدُ إتْلَافُهُ. وَقَالَ الْمَرْوَزِيِّ: يُؤَخَّرُ لِشِدَّةِ الْحَرِّ أَوْ الْبَرْدِ أَوْ الْمَرَضِ، سَوَاءٌ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ، وَقَالَ الْإسْفَرايِينِيّ يُؤَخَّرُ لِلْمَرَضِ فَقَطْ وَفِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ أَوْجُهٌ: يُرْجَمُ فِي الْحَالِ، أَوْ حَيْثُ يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ لَا الْإِقْرَارِ أَوْ الْعَكْسِ.

стр. 2498

عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ «أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَوْطٍ فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ، فَقَالَ: فَوْقَ هَذَا، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ لَمْ تُقْطَعْ ثَمَرَتُهُ، فَقَالَ: بَيْنَ هَذَيْنِ، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ قَدْ لَانَ وَرُكِبَ بِهِ فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ» . رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْهُ) . ٣١٢٩ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: «كَانَ بَيْنَ أَبْيَاتِنَا رُوَيْجِلٌ ضَعِيفٌ مُخْدَجٌ فَلَمْ يُرَعْ الْحَيُّ إلَّا وَهُوَ عَلَى أَمَةٍ مِنْ إمَائِهِمْ يَخْبُثُ بِهَا، فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُسْلِمًا فَقَالَ: اضْرِبُوهُ حَدَّهُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ أَضْعَفُ مِمَّا تَحْسَبُ، لَوْ ضَرَبْنَاهُ مِائَةً قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ: خُذُوا لَهُ عِثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، ثُمَّ اضْرِبُوهُ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، قَالَ: فَفَعَلُوا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَبِي دَاوُد مَعْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَفِيهِ وَلَوْ حَمَلْنَاهُ إلَيْك لَتَفَسَّخَتْ عِظَامُهُ مَا هُوَ إلَّا جِلْدٌ عَلَى عَظْمٍ) . ــ [نيل الأوطار] [بَابُ صِفَةِ سَوْطِ الْجَلْدِ وَكَيْفَ يُجْلَدُ مَنْ بِهِ مَرَضٌ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ] حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ هُوَ مُرْسَلٌ وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ نَحْوُهُ، وَآخَرُ عِنْدَ ابْنِ وَهْبٍ مِنْ طَرِيقِ كُرَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَهَذِهِ الْمَرَاسِيلُ الثَّلَاثَةُ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَحَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مُرْسَلًا. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ فُلَيْحِ عَنْ أَبِي سَالِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَقَالَ: وَهِمَ فُلَيْحِ، وَالصَّوَابُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِيهِ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَقَالَ: إنْ كَانَتْ الطُّرُقُ كُلُّهَا مَحْفُوظَةً فَيَكُونُ أَبُو أُمَامَةَ قَدْ حَمَلَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَأَرْسَلَهُ أُخْرَى. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَلَفْظُهُ: " أَنَّهُ اشْتَكَى رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى أَضْنَى فَعَادَ جِلْدَةً عَلَى عَظْمٍ فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ جَارِيَةٌ لِبَعْضِهِمْ فَهَشَّ لَهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رِجَالُ قَوْمِهِ يَعُودُونَهُ أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ وَقَالَ: اسْتَفْتُوا لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإِنِّي قَدْ وَقَعْت عَلَى جَارِيَةٍ دَخَلَتْ عَلَيَّ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ -

стр. 2499

بَابُ مَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ أَوْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ أَوْ أَتَى بَهِيمَةً ــ [نيل الأوطار] وَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا بِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ مِنْ الشَّرِّ مِثْلَ الَّذِي هُوَ بِهِ لَوْ حَمَلْنَاهُ إلَيْك لَتَفَسَّخَتْ عِظَامُهُ مَا هُوَ إلَّا جِلْدٌ عَلَى عَظْمٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْخُذُوا لَهُ مِائَةَ شِمْرَاخٍ فَيَضْرِبُوهُ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً " وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِيهِ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد وَفِي إسْنَادِهِ عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَامِرٍ الثَّعْلَبِيُّ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَهُوَ كُوفِيٌّ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ: صَدُوقٌ يَهِمُ مِنْ السَّادِسَةِ. وَقَالَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ: إنَّ إسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ حَسَنٌ وَلَكِنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ. قَوْلُهُ: (لَمْ تُقْطَعْ ثَمَرَتُهُ) أَيْ: عَذَبَتَهُ وَهِيَ طَرَفُهُ. قَوْلُهُ: (وَرُكِبَ بِهِ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ رَكِبَ بِهِ الرَّاكِبُ عَلَى الدَّابَّةِ وَضَرَبَهَا بِهِ حَتَّى لَانَ. قَوْلُهُ: (رُوَيْجِلٌ) تَصْغِيرُ رَجُلٍ لِلتَّحْقِيرِ. قَوْلُهُ: (مُخْدَجٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا جِيمٌ وَهُوَ السَّقِيمُ النَّاقِصُ الْخَلْقِ وَفِي رِوَايَةٍ مُقْعَدٌ. قَوْلُهُ: (يَخْبُثُ بِهَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ مُثَلَّثَةٌ: أَيْ يَزْنِي بِهَا. قَوْلُهُ (عِثْكَالًا) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: كَقِرْطَاسٍ: الْعِذْقُ وَالشِّمْرَاخُ، وَيُقَالُ عُثْكُولٌ وَعُثْكُولَةٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ انْتَهَى. وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ " إثْكَالٌ " وَفِي أُخْرَى " أُثْكُولٌ " وَهُمَا لُغَتَانِ فِي الْعِثْكَالِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْبُسْرُ. وَالشِّمْرَاخُ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَآخِرُهُ خَاءٌ مُعْجَمَةٌ وَهُوَ غُصْنٌ دَقِيقٌ. وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: الشِّمْرَاخُ بِالْكَسْرِ: الْعِثْكَالُ عَلَيْهِ بُسْرٌ أَوْ عِنَبٌ كَالشُّمْرُوخِ انْتَهَى. وَالْمُرَادُ هَهُنَا بِالْعُثْكَالِ: الْعُنْقُودُ مِنْ النَّخْلِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ أَغْصَانٌ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَغْصَانِ يُسَمَّى شِمْرَاخًا. وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ السَّوْطُ الَّذِي يُجْلَدُ بِهِ الزَّانِي مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْجَدِيدِ وَالْعَتِيقِ وَهَكَذَا إذَا كَانَ الْجَلْدُ بِعُودٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ فَلَا يَكُونُ مِنْ الْخَشَبِ الَّتِي تَكْسِرُ الْعَظْمَ وَتَجْرَحُ اللَّحْمَ، وَلَا مِنْ الْأَعْوَادِ الرَّقِيقَةِ الَّتِي لَا تُؤَثِّرُ فِي الْأَلَمِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْجَدِيدِ وَالْعَتِيقِ. وَقَالَ فِي الْبَحْرِ: وَقَدْرُ عَرْضِهِ بِأُصْبُعٍ وَطُولُهُ بِذِرَاعٍ. وَحَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا لَمْ يَحْتَمِلْ الْجَلْدَ ضُرِبَ بِعُثْكُولٍ أَوْ مَا يُشَابِهُهُ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ تُبَاشِرَهُ جَمِيعُ الشَّمَارِيخِ. وَقَدْ قِيلَ يَكْفِي الِاعْتِمَادُ، وَهَذَا الْعَمَلُ مِنْ الْحِيَلِ الْجَائِزَةِ شَرْعًا. وَقَدْ جَوَّزَ اللَّهُ مِثْلَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص: ٤٤] الْآيَةُ. [بَابُ مَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ أَوْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ أَوْ أَتَى بَهِيمَةً] الْحَدِيثُ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ الْبَرَاءِ أَيْضًا بِلَفْظِ: «بَيْنَمَا أَطُوفُ عَلَى إبِلٍ لِي ضَلَّتْ إذْ أَقْبَلَ رَكْبٌ أَوْ فَوَارِسُ مَعَهُمْ لِوَاءٌ فَجَعَلَ الْأَعْرَابُ يُطِيفُونَ بِي لِمَنْزِلَتِي مِنْ النَّبِيِّ ﷺ إذْ أَتَوْا قُبَّةً فَاسْتَخْرَجُوا مِنْهَا رَجُلًا فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، فَسَأَلْت عَنْهُ فَذَكَرُوا أَنَّهُ أَعْرَسَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ» قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَرُوِيَ عَنْ الْبَرَاءِ وَرُوِيَ عَنْهُ عَنْ عَمِّهِ، وَرُوِيَ عَنْهُ قَالَ: مَرَّ بِي خَالِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ وَمَعَهُ لِوَاءٌ، وَهَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ. وَرُوِيَ عَنْهُ عَنْ خَالِهِ وَسَمَّاهُ هُشَيْمِ فِي حَدِيثِهِ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو، وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ. وَرُوِيَ عَنْهُ قَالَ: " مَرَّ بِنَا أُنَاسٌ يَنْطَلِقُونَ " وَرُوِيَ عَنْهُ: " إنِّي لَأَطُوفُ عَلَى إبِلٍ ضَلَّتْ فِي تِلْكَ الْأَحْيَاءِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ إذْ جَاءَهُمْ رَهْطٌ مَعَهُمْ لِوَاءٌ " وَهَذَا لَفْظُ النَّسَائِيّ. وَلِلْحَدِيثِ أَسَانِيدُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَ بِقَتْلِ مَنْ خَالَفَ قَطْعِيًّا مِنْ قَطْعِيَّاتِ الشَّرِيعَةِ كَهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] وَلَكِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي أَمَرَ ﷺ بِقَتْلِهِ عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ وَفَعَلَهُ مُسْتَحِلًّا وَذَلِكَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْكُفْرِ، وَالْمُرْتَدُّ يُقْتَلُ لِلْأَدِلَّةِ الْآتِيَةِ. وَفِيهِ أَيْضًا مُتَمَسَّكٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ إنَّهُ يَجُوزُ التَّعْزِيرُ بِالْقَتْلِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ مَالِ مَنْ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً مُسْتَحِلًّا لَهَا بَعْدَ إرَاقَةِ دَمِهِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ الْكَلَامَ عَلَى التَّأْدِيبِ بِالْمَالِ. ٣١٣١ - (وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ) . ٣١٣٢ - (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْبِكْرِ يُوجَدُ عَلَى اللُّوطِيَّةِ يُرْجَمُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) .

стр. 2500

عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «لَقِيت خَالِي وَمَعَهُ الرَّايَةُ، فَقُلْت: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ وَآخُذَ مَالَهُ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ أَخْذَ الْمَالِ) ٣١٣١ - (وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ) . ٣١٣٢ - (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْبِكْرِ يُوجَدُ عَلَى اللُّوطِيَّةِ ــ [نيل الأوطار] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2501

يُرْجَمُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) . ــ [نيل الأوطار] الْحَدِيثُ الَّذِي مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ. وَقَالَ الْحَافِظُ: رِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ إلَّا أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّمَا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو فَقَالَ: " مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ " وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَتْلَ انْتَهَى. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى يَعْلَى ثِقَةٌ يُنْكَرُ عَلَيْهِ حَدِيثُ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اُقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» . وَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ قَدْ احْتَجَّ الشَّيْخَانِ بِهِ، وَرَوَى عَنْهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ، وَقَدْ اسْتَنْكَرَ النَّسَائِيّ هَذَا الْحَدِيثَ. وَالْأَثَرَ الْمَرْوِيَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَالْحَاكِمِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اُقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ أُحْصِنَا أَوْ لَمْ يُحْصَنَا» وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ قَالَ ابْنُ الطَّلَّاعِ فِي أَحْكَامِهِ: لَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ رَجَمَ فِي اللِّوَاطِ وَلَا أَنَّهُ حَكَمَ فِيهِ. وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «اُقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ انْتَهَى. قَالَ الْحَافِظُ: وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَصِحُّ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ وَعَاصِمٌ مَتْرُوكٌ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ: " فَارْجُمُوا الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ ". وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «إذَا أَتَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُمَا زَانِيَانِ وَإِذَا أَتَتْ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَهُمَا زَانِيَتَانِ» وَفِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَذَّبَهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَا أَعْرِفُهُ وَالْحَدِيثُ مُنْكَرٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ انْتَهَى. وَرَوَاهُ أَبُو الْفَتْحِ الْأَزْدِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي مُوسَى وَفِيهِ بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ الْبَجَلِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ أَنَّهُ رَجَمَ لُوطِيًّا. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ: يُرْجَمُ اللُّوطِيُّ مُحْصَنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهُ جَمَعَ النَّاسَ فِي حَقِّ رَجُلٍ يُنْكَحُ كَمَا يُنْكَحُ النِّسَاءُ، فَسَأَلَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَكَانَ مِنْ أَشَدِّهِمْ يَوْمَئِذٍ قَوْلًا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇ قَالَ: هَذَا ذَنْبٌ لَمْ تَعْصِ بِهِ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ إلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً صَنَعَ اللَّهُ بِهَا مَا قَدْ عَلِمْتُمْ، نَرَى أَنْ نُحَرِّقَهُ بِالنَّارِ، فَاجْتَمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنْ يُحَرِّقَهُ بِالنَّارِ فَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُحَرِّقَهُ بِالنَّارِ. وَفِي إسْنَادِهِ إرْسَالٌ. وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: يُرْجَمُ وَيُحَرَّقُ بِالنَّارِ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِّ اللُّوطِيِّ فَقَالَ: يُنْظَرُ أَعْلَى بِنَاءٍ فِي الْقَرْيَةِ فَيُرْمَى بِهِ مُنَكَّسًا ثُمَّ يُتْبَعُ الْحِجَارَةَ.

стр. 2502

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [نيل الأوطار] وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي عُقُوبَةِ الْفَاعِلِ لِلِّوَاطِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَأَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ لِلْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ فِي تَحْرِيمِهِ وَلَعْنِ فَاعِلِهِ فَذَهَبَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ إلَى أَنَّ حَدَّهُ الْقَتْلُ وَلَوْ كَانَ بِكْرًا سَوَاءٌ كَانَ فَاعِلًا أَوْ مَفْعُولًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالنَّاصِرُ وَالْقَاسِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَهُوَ بِمَجْمُوعِهِ يَنْتَهِضُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ. وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ قَتْلِ اللُّوطِيِّ فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ ثُمَّ يُحَرَّقُ لِعِظَمِ الْمَعْصِيَةِ وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ. وَذَهَبَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ إلَى أَنَّهُ يُلْقَى عَلَيْهِ حَائِطٌ، وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى أَنَّهُ يُلْقَى مِنْ أَعْلَى بِنَاءٍ فِي الْبَلَدِ. وَقَدْ حَكَى صَاحِبُ الشِّفَاءِ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى الْقَتْلِ. وَقَدْ حَكَى الْبَغَوِيّ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ أَنَّهُ يُرْجَمُ. وَحَكَى ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وَرُوِيَ عَنْ النَّخَعِيّ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ كَانَ يَسْتَقِيمُ أَنْ يُرْجَمَ الزَّانِي مَرَّتَيْنِ لَرُجِمَ اللُّوطِيُّ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيَّ: حَرَّقَ اللُّوطِيَّةَ بِالنَّارِ أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَهِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو طَالِبٍ وَالْإِمَامُ يَحْيَى وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ إلَى أَنَّ حَدَّ اللُّوطِيِّ حَدُّ الزَّانِي فَيُجْلَدُ الْبِكْرُ وَيُغَرَّبُ وَيُرْجَمُ الْمُحْصَنُ. وَحَكَاهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ إبْرَاهِيمَ، وَرَوَى عَنْهُ الْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ الْقَتْلَ مُطْلَقًا كَمَا سَلَفَ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ التَّلَوُّطَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ إيلَاجُ فَرْجٍ فِي فَرْجٍ فَيَكُونُ اللَّائِطُ وَالْمَلُوطُ بِهِ دَاخِلَيْنِ تَحْتَ عُمُومِ الْأَدِلَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الزَّانِي الْمُحْصَنِ وَالْبِكْرِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ " إذَا أَتَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُمَا زَانِيَانِ " وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَعَلَى فَرْضِ عَدَمِ شُمُولِ الْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ لَهُمَا فَهُمَا لَاحِقَانِ بِالزَّانِي بِالْقِيَاسِ. وَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الْوَارِدَةَ بِقَتْلِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ مُطْلَقًا مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ أَدِلَّةِ الزِّنَا الْفَارِقَةِ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ عَلَى فَرْضِ شُمُولِهَا لِلُّوطِيِّ وَمُبْطِلَةٌ لِلْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ عَلَى فَرْضِ عَدَمِ الشُّمُولِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ فَاسِدَ الِاعْتِبَارِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ، وَمَا أَحَقَّ مُرْتَكِبَ هَذِهِ الْجَرِيمَةِ وَمُقَارِفَ هَذِهِ الرَّذِيلَةِ الذَّمِيمَةِ بِأَنْ يُعَاقَبَ عُقُوبَةً يَصِيرُ بِهَا عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ وَيُعَذَّبَ تَعْذِيبًا يَكْسِرُ شَهْوَةَ الْفَسَقَةِ الْمُتَمَرِّدِينَ، فَحَقِيقٌ بِمَنْ أَتَى بِفَاحِشَةِ قَوْمٍ مَا سَبَقَهُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ أَنْ يَصْلَى مِنْ الْعُقُوبَةِ بِمَا يَكُونُ فِي الشِّدَّةِ وَالشَّنَاعَةِ مُشَابِهًا لِعُقُوبَتِهِمْ. وَقَدْ خَسَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمْ وَاسْتَأْصَلَ بِذَلِكَ الْعَذَابِ بِكْرَهُمْ وَثَيِّبَهُمْ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ وَالْمُرْتَضَى وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ إلَى أَنَّهُ يُعَزَّرُ اللُّوطِيُّ فَقَطْ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْمَذْهَبِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ لِلْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي خُصُوصِ اللُّوطِيِّ وَالْأَدِلَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الزَّانِي عَلَى الْعُمُومِ. وَإِنَّمَا الِاسْتِدْلَال لِهَذَا بِحَدِيثِ «لَأَنْ أُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ أُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ» فَمَرْدُودٌ بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مَعَ الِالْتِبَاسِ وَالنِّزَاعِ لَيْسَ هُوَ فِي ذَلِكَ.

стр. 2503

٣١٣٣ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي رَزِينٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ أَنَّهُ أَصَحُّ) . بَابُ فِيمَنْ وَطِئَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ ــ [نيل الأوطار] ٣١٣٣ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي رَزِينٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ أَنَّهُ أَصَحُّ) . الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ عِكْرِمَةُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي رَزِينٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ " حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ انْتَهَى. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ إبْرَاهِيمَ بْنِ إسْمَاعِيلَ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ فَاقْتُلُوهُ، وَمَنْ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ» وَإِبْرَاهِيمُ الْمَذْكُورُ قَدْ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْحُفَّاظِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ مِنْ " حَدِيثِ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وَذَكَرَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أَبِي يَعْلَى أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ عَبْدَ الْغَفَّارِ رَجَعَ عَنْهُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَدِيٍّ أَنَّهُمْ كَانُوا لَقَّنُوهُ. وَأَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ الْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ: " مَلْعُونٌ مَنْ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ وَقَالَ: اُقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوهَا لَا يُقَالُ هَذِهِ الَّتِي فُعِلَ بِهَا كَذَا وَكَذَا " وَمَالَ الْبَيْهَقِيُّ إلَى تَصْحِيحِهِ. وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ عِكْرِمَةَ. وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ ضَعِيفٌ، وَإِنْ كَانَ الشَّافِعِيُّ يُقَوِّي أَمْرَهُ، إذَا عَرَفْت هَذَا تَبَيَّنَ لَك أَنَّهُ لَمْ يَتَفَرَّدْ بِرِوَايَةِ الْحَدِيثِ عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ، بَلْ رَوَاهُ عَنْ عِكْرِمَةَ جَمَاعَةٌ كَمَا بَيَّنَّا. وَقَدْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رَوَيْنَاهُ عَنْ عِكْرِمَةَ مِنْ أَوْجُهٍ مَعَ أَنَّ تَفَرُّدَ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو لَا يَقْدَحُ فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ احْتَجَّ بِهِ الشَّيْخَانِ وَوَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: عَمْرٌو صَدُوقٌ وَلَكِنَّهُ رَوَى عَنْ عِكْرِمَةَ مَنَاكِيرَ. وَالْأَثَرُ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو رَزِينٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ، وَلَا حُكْمَ لِرَأْيِ ابْنِ عَبَّاسٍ إذَا انْفَرَدَ، فَكَيْفَ إذَا عَارَضَ الْمَرْوِيَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ طَرِيقِهِ؟ . ١ -.

стр. 2504

٣١٣٤ - (عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ «رُفِعَ إلَيْهِ رَجُلٌ غَشِيَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: لَأَقْضِيَنَّ فِيهَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إنْ كَانَتْ أَحَلَّتْهَا لَك جَلَدْتُكَ مِائَةً، وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُحِلَّهَا لَك رَجَمْتُك» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ النُّعْمَانِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «قَالَ فِي الرَّجُلِ يَأْتِي جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: إنْ كَانَتْ أَحَلَّتْهَا لَهُ جَلَدْتُهُ مِائَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحَلَّتْهَا لَهُ رَجَمْته» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ) . ــ [نيل الأوطار] وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ، فَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَتَى الْبَهِيمَةَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ مُحْصَنًا رُجِمَ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الزَّانِي، قَالَ الْحَاكِمُ: أَرَى أَنْ يُجْلَدَ وَلَا يُبْلَغَ بِهِ الْحَدُّ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِ إتْيَانِ الْبَهِيمَةِ، كَمَا حَكَى ذَلِكَ صَاحِبُ الْبَحْرِ. وَقَدْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْحَدَّ كَالزِّنَا الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ وَالْهَادَوِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ وَالْمُرْتَضَى وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ وَالنَّاصِرُ وَالْإِمَامُ يَحْيَى إلَى أَنَّهُ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ فَقَطْ إذْ لَيْسَ بِزِنًا. وَرُدَّ بِأَنَّهُ فَرْجٌ مُحَرَّمٌ شَرْعًا مُشْتَهًى طَبْعًا فَأَوْجَبَ الْحَدَّ كَالْقُبُلِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ إلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ أَخْذًا بِحَدِيثِ الْبَابِ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تُقْتَلُ الْبَهِيمَةُ؛ وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ أَنَّهُ قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا شَأْنُ الْبَهِيمَةِ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ قَالَ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُؤْكَلَ لَحْمُهَا. وَقَدْ عُمِلَ بِهَا ذَلِكَ الْعَمَلُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْعِلَّةَ أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الَّتِي فُعِلَ بِهَا كَذَا وَكَذَا. وَقَدْ ذَهَبَ إلَى تَحْرِيمِ لَحْمِ الْبَهِيمَةِ الْمَفْعُولِ بِهَا وَإِلَى أَنَّهَا تُذْبَحُ عَلِيٌّ ﵇ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ، وَذَهَبَتْ الْقَاسِمِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ أَكْلُهَا تَنْزِيهًا فَقَطْ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: إنَّهَا تُذْبَحُ الْبَهِيمَةُ وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ لِئَلَّا تَأْتِيَ بِوَلَدٍ مُشَوَّهٍ، كَمَا رَوَى أَنَّ رَاعِيًا أَتَى بَهِيمَةً فَأَتَتْ بِوَلَدٍ مُشَوَّهٍ انْتَهَى، وَأَمَّا حَدِيثُ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ إلَّا لِأَكْلِهِ فَهُوَ عُمُومٌ مُخَصَّصٌ لِحَدِيثِ الْبَابِ. [بَابُ فِيمَنْ وَطِئَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ] الْحَدِيثُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: فِي إسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ، سَمِعْت مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: لَمْ يَسْمَعْ قَتَادَةُ مِنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ هَذَا الْحَدِيثَ إنَّمَا رَوَاهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ، وَأَبُو بِشْرٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا إنَّمَا رَوَاهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ انْتَهَى. وَاَلَّذِي

стр. 2505

بَابُ حَدِّ زِنَا الرَّقِيقِ خَمْسُونَ جَلْدَةً ــ [نيل الأوطار] فِي السُّنَنِ أَنَّ أَبَا بِشْرٍ رَوَاهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ عَنْ حَبِيبٍ وَلَكِنَّ التِّرْمِذِيَّ رَوَاهُ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ حَبِيبٍ وَخَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ: هُوَ مَجْهُولٌ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَأَلْت مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ عَنْهُ فَقَالَ: أَنَا أَتَّقِي هَذَا الْحَدِيثَ. وَقَالَ النَّسَائِيّ: أَحَادِيثُ النُّعْمَانِ هَذِهِ مُضْطَرِبَةٌ. وَقَالَ الْخَطَّابِيِّ: هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ انْتَهَى. وَعُرْفُطَةَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَضَمِّ الْفَاءِ وَبَعْدَهَا طَاءٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَتَاءُ تَأْنِيثٍ، وَفِي الْبَابِ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ إنْ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا فَهِيَ حُرَّةٌ وَعَلَيْهِ لِسَيِّدَتِهَا مِثْلُهَا، وَإِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ فَهِيَ لَهُ وَعَلَيْهِ لِسَيِّدَتِهَا مِثْلُهَا ". قَالَ النَّسَائِيّ: لَا تَصِحُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: قَبِيصَةُ بْنُ حُرَيْثٍ غَيْرُ مَعْرُوفٍ. وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: رَوَاهُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ شَيْخٌ لَا يُعْرَفُ لَا يُحَدِّثُ عَنْهُ غَيْرُ الْحَسَنِ يَعْنِي قَبِيصَةَ بْنَ حُرَيْثٍ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ: قَبِيصَةُ بْنُ حُرَيْثٍ سَمِعَ سَلَمَةَ بْنَ الْمُحَبِّقِ فِي حَدِيثِهِ نَظَرٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ خَبَرُ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيِّ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَقَبِيصَةُ بْنُ حُرَيْثٍ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَالْحُجَّةُ لَا تَقُومُ بِمِثْلِهِ، وَكَانَ الْحَسَنُ لَا يُبَالِي أَنْ يَرْوِيَ الْحَدِيثَ مِمَّنْ سَمِعَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا كَانَ قَبْلَ الْحُدُودِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ نَحْوَ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: " وَإِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ فَهِيَ وَمِثْلُهَا مِنْ مَالِهِ لِسَيِّدَتِهَا "، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ الْحَسَنِ فَقِيلَ: عَنْهُ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ. وَقِيلَ: عَنْهُ عَنْ سَلَمَةَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ قَبِيصَةَ. وَقِيلَ: عَنْ جَوْنِ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ سَلَمَةَ وَجَوْنِ بْنِ قَتَادَةَ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا يُعْرَفُ، وَالْمُحَبِّقُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ مُشَدَّدَةٌ مَفْتُوحَةٌ، وَمِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مَنْ يَكْسِرُهَا. وَالْمُحَبِّقُ لَقَبٌ وَاسْمُهُ صَخْرُ بْنُ عُبَيْدٍ وَسَلَمَةُ ابْنُهُ، لَهُ صُحْبَةٌ سَكَنَ الْبَصْرَةَ، كُنْيَتُهُ أَبُو سِنَانٍ كُنِّيَ بِابْنِهِ سِنَانٍ. وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ أَنَّ لِابْنِهِ سِنَانٍ صُحْبَةً أَيْضًا. وَجَوْنٌ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَبَعْدَهَا نُونٌ. وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الرَّجُلِ يَقَعُ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، فَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ أَنَّ عَلَيْهِ الرَّجْمُ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَيْسَ عَلَيْهِ حَدٌّ وَلَكِنْ يُعَزَّرُ. وَذَهَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إلَى مَا رَوَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ انْتَهَى. وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ لِأَنَّ الْحَدِيثَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ الْمَقَالُ الْمُتَقَدِّمُ فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ شُبْهَةً يُدْرَأُ بِهَا الْحَدُّ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ أَبَاحَتْ الزَّوْجَةُ لِلزَّوْجِ وَطْءَ أَمَتِهَا أَوْ وَطْء امْرَأَةً يَسْتَحِقُّ دَمَهَا حُدَّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا، إذْ هُمَا شُبْهَةٌ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ انْتَهَى. وَهَذَا مَنْعٌ مُجَرَّدٌ فَإِنَّ مِثْلَ حَدِيثِ النُّعْمَانِ إذَا لَمْ يَكُنْ شُبْهَةً فَمَا الَّذِي

стр. 2506

٣١٣٥ - (عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى أَمَةٍ سَوْدَاءَ زَنَتْ لِأَجْلِدَهَا الْحَدَّ، قَالَ: فَوَجَدْتهَا فِي دَمِهَا، فَأَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لِي: إذَا تَعَالَتْ مِنْ نِفَاسِهَا فَاجْلِدْهَا خَمْسِينَ» . رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي الْمُسْنَدِ) . ٣١٣٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ: أَمَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَجَلَدْنَا وَلَائِدَ مِنْ وَلَائِدِ الْإِمَارَةِ خَمْسِينَ خَمْسِينَ فِي الزِّنَا. رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ) . بَابُ السَّيِّدِ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى رَقِيقِهِ ــ [نيل الأوطار] يَكُونُ شُبْهَةً؟ قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُحِلَّهَا لَك رَجَمْتُك زَادَ أَبُو دَاوُد فَوَجَدُوهُ أَحَلَّتْهَا لَهُ فَجَلَدَهُ مِائَةً) [بَابُ حَدِّ زِنَا الرَّقِيقِ خَمْسُونَ جَلْدَةً] حَدِيثُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ تَأْخِيرِ الرَّجْمِ عَنْ الْحُبْلَى، وَسَيَأْتِي أَيْضًا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا. وَأَثَرُ عُمَرَ مُؤَيِّدٌ لِحَدِيثِ الْبَابِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهُ بِمَحْضَرِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ " أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ تَجْلِدُ وَلِيدَتَهَا إذَا زَنَتْ خَمْسِينَ ". وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وَلَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ، كَمَا حَكَى ذَلِكَ صَاحِبُ الْبَحْرِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا حَدَّ عَلَى مَمْلُوكٍ حَتَّى يَتَزَوَّجَ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] فَإِنَّهُ تَعَالَى عَلَّقَ حَدَّ الْإِمَاءِ بِالْإِحْصَانِ. وَأَجَابَ عَنْهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ لَفْظَ الْإِحْصَانِ مُحْتَمِلٌ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى أَسْلَمْنَ وَبَلَغْنَ وَتَزَوَّجْنَ، قَالَ: وَلَوْ سُلِّمَ فَخِلَافُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْقُوضٌ، وَالْأَوْلَى الْجَوَابُ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْآتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا، فَإِنَّ فِيهِ «أَنَّهُ سُئِلَ ﷺ عَنْ الْأَمَةِ إذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ، فَقَالَ: إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا» وَهَذَا نَصٌّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيًّا ﵁ خَطَبَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى أَرِقَّائِكُمْ مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ. وَقَدْ وَافَقَ ابْنَ عَبَّاسٍ طَاوُسٌ وَعَطَاءٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى خِلَافِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (إذَا تَعَالَتْ مِنْ نِفَاسِهَا) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ خَرَجَتْ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُمْهَلُ مَنْ كَانَ مَرِيضًا حَتَّى يَصِحَّ مِنْ مَرَضِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ تَأْخِيرِ الرَّجْمِ عَنْ الْحُبْلَى

стр. 2507

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا، وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَأَبُو دَاوُد وَذَكَرَا فِيهِ فِي الرَّابِعَةِ الْحَدَّ وَالْبَيْعَ. قَالَ الْخَطَّابِيِّ: مَعْنَى لَا يُثَرِّبْ: لَا يَقْتَصِرْ عَلَى التَّثْرِيبِ) . ٣١٣٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَا: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْأَمَةِ إذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ، قَالَ: «إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا أَدْرِي أَبَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . ٣١٣٩ - (وَعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ﵁ «أَنَّ خَادِمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ أَحْدَثَتْ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدَّ، فَأَتَيْتهَا فَوَجَدْتهَا لَمْ تَجِفَّ مِنْ دَمِهَا، فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: إذَا جَفَّتْ مِنْ دَمِهَا فَأَقِمْ عَلَيْهَا الْحَدَّ، أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) . ــ [نيل الأوطار] [بَابُ السَّيِّدِ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى رَقِيقِهِ] حَدِيثُ عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ وَوَهِمَ فَاسْتَدْرَكَهُ. قَوْلُهُ: (فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ تَبَيَّنَهُ بِمَا يَتَبَيَّنُ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ، وَذَلِكَ إمَّا بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ أَوْ بِالْإِقْرَارِ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ فِيهِ. وَقِيلَ: إنَّ الْمُرَادَ بِالتَّبَيُّنِ أَنْ يَعْلَمَ السَّيِّدُ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ إقْرَارٌ وَلَا قَامَتْ شَهَادَةٌ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ. وَحَكَى فِي الْبَحْرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ شَهَادَةُ أَرْبَعَةٍ فِي الْعَبْدِ كَالْحُرِّ وَالْأَمَةُ حُكْمُهَا حُكْمُهُ. وَقَدْ ذَهَبَ الْأَكْثَرُ إلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ تَكُونُ إلَى الْإِمَامِ أَوْ الْحَاكِمِ. وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّهَا تَكُونُ عِنْدَ السَّيِّدِ. قَوْلُهُ: (وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا) بِمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ وَمُثَلَّثَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ رَاءٍ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وَبَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ وَهُوَ التَّعْنِيفُ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ النَّسَائِيّ بِلَفْظِ: " وَلَا يُعَنِّفْهَا " وَالْمُرَادُ أَنَّ اللَّازِمَ لَهَا شَرْعًا هُوَ الْحَدُّ فَقَطْ فَلَا يَضُمُّ إلَيْهِ سَيِّدُهَا مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ شَرْعًا وَهُوَ

стр. 2508

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [نيل الأوطار] التَّثْرِيبُ. وَقِيلَ: إنَّ الْمُرَادَ نَهْيُ السَّيِّدِ عَلَى أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى التَّثْرِيبِ دُونَ الْحَدِّ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا يُفْهِمُهُ السِّيَاقُ. وَفِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعَزَّرُ مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِالتَّعْنِيفِ وَاللَّوْمِ، وَلِهَذَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ ﷺ سَبَّ أَحَدًا مِمَّنْ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ، بَلْ نَهَى ﷺ عَنْ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي كِتَابِ حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ إنْ زَنَتْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَى الْأَمَةِ الْحَدُّ إلَّا إذَا زَنَتْ بَعْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا لَا إذَا تَكَرَّرَ مِنْهَا الزِّنَا قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لَفْظُ " ثُمَّ " بَعْدَ ذِكْرِ الْجَلْدِ. قَوْلُهُ: (فَلْيَبِعْهَا) ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهَا لَا تُحَدُّ إذَا زَنَتْ بَعْدَ أَنْ جَلَدَهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، وَلَكِنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ مُصَرِّحَةٌ بِالْجَلْدِ فِي الثَّالِثَةِ، وَكَذَلِكَ الرِّوَايَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا عَنْ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد أَنَّهُمَا ذَكَرَا فِي الرَّابِعَةِ الْحَدَّ وَالْبَيْعَ نَصٌّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَبِهَا يُرَدُّ عَلَى النَّوَوِيِّ حَيْثُ قَالَ: إنَّهُ لَمَّا لَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ مِنْ الزَّجْرِ عَدَلَ إلَى الْإِخْرَاجِ عَنْ الْمِلْكِ دُونَ الْجَلْدِ مُسْتَدِلًّا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " فَلْيَبِعْهَا " وَكَذَا وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَهُوَ مَرْدُودٌ، وَأَمَّا الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فَقَالَ: الْأَرْجَحُ أَنَّهُ يَجْلِدُهَا قَبْلَ الْبَيْعِ ثُمَّ يَبِيعُهَا، وَصَرَّحَ بِأَنَّ السُّكُوتَ عَنْ الْجَلْدِ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَمْ يَسْكُت ﷺ عَنْ ذَلِكَ كَمَا سَلَفَ، وَظَاهِرُ الْأَمْرِ بِالْبَيْعِ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ فَقَطْ، وَزَعَمَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْبَيْعِ مَنْسُوخٌ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ، وَلَا أَعْرِفُ لَهُ نَاسِخًا فَإِنْ كَانَ هُوَ النَّهْيُ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ فَيُجَابُ عَنْهُ أَوَّلًا بِأَنَّ الْإِضَاعَةَ إنَّمَا تَكُونُ إذَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ فِي مُقَابِلِ الْمَبِيعِ، وَالْمَأْمُورُ بِهِ هَهُنَا هُوَ الْبَيْعُ لَا الْإِضَاعَةُ، وَذِكْرُ الْحَبْلِ مِنْ الشَّعَرِ لِلْمُبَالَغَةِ وَلَوْ سُلِّمَ عَدَمُ إرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ لَمَا كَانَ فِي الْبَيْعِ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ إضَاعَةٌ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ بَيْعُ الشَّيْءِ الْكَثِيرِ بِالْحَقِيرِ إضَاعَةً وَهُوَ مَمْنُوعٌ. وَقَدْ ذَهَبَ دَاوُد وَسَائِرُ أَهْلِ الظَّاهِرِ إلَى أَنَّ الْبَيْعَ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ تَرْكَ مُخَالَطَةِ الْفَسَقَةِ وَمُفَارَقَتَهُمْ وَاجِبَانِ، وَبَيْعُ الْحَقِيرِ بِالْكَثِيرِ جَائِزٌ إذَا كَانَ الْبَائِعُ عَالِمًا بِهِ بِالْإِجْمَاعِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: حَمَلَ الْفُقَهَاءُ الْأَمْرَ بِالْبَيْعِ عَلَى الْحَضِّ عَلَى مُبَاعَدَةِ مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الزِّنَا لِئَلَّا يُظَنَّ بِالسَّيِّدِ الرِّضَا بِذَلِكَ، وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْوَسِيلَةِ إلَى تَكْثِيرِ أَوْلَادِ الزِّنَا. قَالَ: وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْوُجُوبِ، وَلَا سَلَفَ لَهُ فِي الْأُمَّةِ فَلَا يُشْتَغَلُ بِهِ انْتَهَى. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْبَيْعِ فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ كَانَ هُوَ الْقَرِينَةَ الصَّارِفَةَ لِلْأَمْرِ عَنْ الْوُجُوبِ وَإِلَّا كَانَ الْحَقُّ مَا قَالَهُ أَهْلُ الظَّاهِرِ. وَأَحَادِيثُ الْبَابِ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّيِّدَ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى مَمْلُوكِهِ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالشَّافِعِيُّ وَذَهَبَتْ الْعِتْرَةُ إلَى أَنَّ حَدَّ الْمَمَالِيكِ إلَى الْإِمَامِ إنْ كَانَ ثَمَّ إمَامٌ وَإِلَّا كَانَ إلَى سَيِّدِهِ، وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ الْأَمَةَ إنْ كَانَتْ مُزَوَّجَةً كَانَ أَمْرُ حَدِّهَا إلَى الْإِمَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ زَوْجُهَا عَبْدًا لِسَيِّدِهَا فَأَمْرُ حَدِّهَا إلَى السَّيِّدِ، وَاسْتَثْنَى مَالِكٌ أَيْضًا الْقَطْعَ فِي

стр. 2509

كِتَابُ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ بَابُ مَا جَاءَ فِي كَمْ يُقْطَعُ السَّارِقُ؟ ــ [نيل الأوطار] السَّرِقَةِ وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَفِي وَجْهٍ لَهُمْ آخَرَ يُسْتَثْنَى حَدُّ الشُّرْبِ. وَرُوِيَ عَنْ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ لَا يُقِيمُ السَّيِّدُ إلَّا حَدَّ الزِّنَا وَذَهَبَتْ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يُقِيمُ الْحُدُودَ عَلَى الْمَمَالِيكِ إلَّا الْإِمَامُ مُطْلَقًا. وَظَاهِرُ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ يَحُدُّ الْمَمْلُوكَ سَيِّدُهُ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مَوْجُودًا أَوْ مَعْدُومًا، بَيْنَ أَنْ يَكُونَ السَّيِّدُ صَالِحًا لَإِقَامَةِ الْحَدِّ أَمْ لَا. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: يُقِيمُهُ السَّيِّدُ إلَّا إذَا كَانَ كَافِرًا. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ قَالَ: أَدْرَكْت بَقَايَا الْأَنْصَارِ وَهُمْ يَضْرِبُونَ الْوَلِيدَةَ مِنْ وَلَائِدِهِمْ فِي مَجَالِسِهِمْ إذَا زَنَتْ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي بُرْدَةَ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ يُنْتَهَى إلَى أَقْوَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ يُقِيمُ شَيْئًا مِنْ الْحُدُودِ دُونَ السُّلْطَانِ، إلَّا أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُقِيمَ حَدَّ الزِّنَا عَلَى عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ. وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَطَعَ يَدَ عَبْدِهِ وَجَلَدَ عَبْدًا لَهُ زَنَى. وَأَخْرَجَ مَالِكٌ عَنْ عَائِشَةَ " أَنَّهَا قَطَعَتْ يَدَ عَبْدٍ لَهَا " وَأَخْرَجَ أَيْضًا " أَنَّ حَفْصَةَ قَتَلَتْ جَارِيَةً لَهَا سَحَرَتْهَا ". وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالشَّافِعِيُّ " أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدَّتْ جَارِيَةً لَهَا زَنَتْ " وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا " أَنَّهَا جَلَدَتْ وَلِيدَةً لَهَا خَمْسِينَ ". وَقَدْ احْتَجَّ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَا يُقِيمُ الْحُدُودَ مُطْلَقًا إلَّا الْإِمَامُ بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ: " كَانَ رَجُلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ يَقُولُ: الزَّكَاةُ وَالْحُدُودُ وَالْجُمُعَةُ وَالْفَيْءُ إلَى السُّلْطَانِ ". قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّهُ خَالَفَهُ اثْنَا عَشَرَ صَحَابِيًّا. وَظَاهِرُ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّ الْأَمَةَ وَالْعَبْدَ يُجْلَدَانِ سَوَاءٌ كَانَا مُحْصَنَيْنِ أَمْ لَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا. وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمَمْلُوكِ إذَا كَانَ مُحْصَنًا هَلْ يُرْجَمُ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إلَى الثَّانِي، وَذَهَبَ الزُّهْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ إلَى الْأَوَّلِ. وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ الرَّجْمَ لَا يُتَنَصَّفُ، وَاحْتَجَّ الْآخِرُونَ بِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَذَهَبَتْ الْعِتْرَةُ إلَى أَنَّهُ لَا رَجْمَ عَلَيْهِ وَيُجْلَدُ كَالْحُرِّ بِقَدْرِ مَا أَدَّى وَفِي الْبَقِيَّةِ كَالْعَبْدِ، وَذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يُجْلَدُ كَالْعَبْدِ مُطْلَقًا لِحَدِيثِ: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى التَّقْسِيطِ فِي الْمُكَاتَبِ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ.

стр. 2510

عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. وَفِي لَفْظِ بَعْضِهِمْ: قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ) . ٣١٤١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْطَعُ يَدَ السَّارِقِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ. وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: " تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد، وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: " تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: " اقْطَعُوا فِي رُبُعِ دِينَارٍ، وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ " وَكَانَ رُبُعُ الدِّينَارِ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، وَالدِّينَارُ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِيمَا دُونَ ثَمَنِ الْمِجَنِّ "، قِيلَ لِعَائِشَةَ: مَا ثَمَنُ الْمِجَنِّ؟ قَالَتْ: رُبُعُ دِينَارٍ. رَوَاهُ النَّسَائِيّ) . ٣١٤٢ - (وَعَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» ، قَالَ الْأَعْمَشُ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ بَيْضُ الْحَدِيدِ، وَالْحَبْلُ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ مِنْهَا مَا يُسَاوِي دَرَاهِمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِمُسْلِمٍ فِيهِ زِيَادَةُ قَوْلِ الْأَعْمَشِ) . ــ [نيل الأوطار] [كِتَابُ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ] [ بَابُ مَا جَاءَ فِي كَمْ يُقْطَعُ السَّارِقُ] قَوْلُهُ: (فِي مِجَنٍّ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَهُوَ التُّرْسُ وَيُقَالُ لَهُ: مِجَنَّةٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْضًا وَجِنَانٌ وَجُنَانَةٌ بِضَمِّهِمَا. قَوْلُهُ: (فَصَاعِدًا) هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِيَّةِ:

стр. 2511

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [نيل الأوطار] أَيْ فَزَائِدًا وَيُسْتَعْمَلُ بِالْفَاءِ وَبِثُمَّ لَا بِالْوَاوِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «لَنْ تُقْطَعَ يَدُ السَّارِقِ إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَمَا فَوْقَهُ» . قَوْلُهُ: (فِي رُبُعِ دِينَارٍ) هَذِهِ الرِّوَايَةُ مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ الثَّلَاثَةِ الدَّرَاهِمِ الَّتِي هِيَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ كَمَا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ " أَنَّ ثَمَنَ الْمِجَنِّ كَانَ رُبُعَ دِينَارٍ " وَكَمَا فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ " أَنَّهُ كَانَ رُبُعُ الدِّينَارِ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ ". وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَرُبُعُ الدِّينَارِ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمِ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّرْفَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ، وَكَانَ كَذَلِكَ بَعْدَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عُمَرَ فَرَضَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ أُتِيَ عُثْمَانُ بِسَارِقٍ سَرَقَ أُتْرُجَّةً فَقُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ حِسَابِ الدِّينَارِ بِاثْنَيْ عَشَرَ فَقُطِعَ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيًّا ﵁ قَطَعَ فِي رُبُعِ دِينَارٍ وَكَانَتْ قِيمَتُهُ دِرْهَمَيْنِ وَنِصْفًا. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ﵁ الْقَطْعَ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا. وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ فِي بَيْضَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ثَمَنُهَا رُبُعُ دِينَارٍ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَلَكِنَّهُ مُنْقَطِعٌ. وَقَدْ ذَهَبَ إلَى مَا تَقْتَضِيهِ أَحَادِيثُ الْبَابِ مِنْ ثُبُوتِ الْقَطْعِ فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ رُبُعِ دِينَارٍ الْجُمْهُورُ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَمِنْهُمْ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يُقَوَّمُ بِهِ مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. فَذَهَبَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ إلَى أَنَّهُ يَكُونُ التَّقْوِيمُ بِالدَّرَاهِمِ لَا بِرُبُعِ الدِّينَارِ إذَا كَانَ الصَّرْفُ مُخْتَلِفًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْأَصْلُ فِي تَقْوِيمِ الْأَشْيَاءِ هُوَ الذَّهَبُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي جَوَاهِرِ الْأَرْضِ كُلِّهَا حَتَّى قَالَ: إنَّ الثَّلَاثَةَ الدَّرَاهِمِ إذَا لَمْ تَكُنْ قِيمَتُهَا رُبُعَ دِينَارٍ لَمْ تُوجِبْ الْقَطْعَ انْتَهَى. قَالَ مَالِكٌ: وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مُعْتَبَرٌ فِي نَفْسِهِ لَا يُقَوَّمُ بِالْآخَرِ. وَذَكَرَ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي تَقْوِيمِ الْعُرُوضِ بِمَا كَانَ غَالِبًا فِي نُقُودِ أَهْلِ الْبَلَدِ. وَذَهَبَتْ الْعِتْرَةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَسَائِرُ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ إلَى أَنَّ النِّصَابَ الْمُوجِبَ لِلْقَطْعِ هُوَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَلَا قَطْعَ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ. وَاحْتَجُّوا بِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقَوَّمُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ» وَأَخْرَجَ نَحْوَ ذَلِكَ النَّسَائِيّ عَنْهُ، وَأَخْرَجَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد أَنَّ ثَمَنَهُ كَانَ دِينَارًا أَوْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «كَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ» . وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ عَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلًا: «أَدْنَى مَا يُقْطَعُ فِيهِ ثَمَنُ الْمِجَنِّ قَالَ: وَثَمَنُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ» . قَالُوا:

стр. 2512

بَابُ اعْتِبَارِ الْحِرْزِ وَالْقَطْعِ فِيمَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ ــ [نيل الأوطار] وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ فِي تَقْدِيرِ ثَمَنِ الْمِجَنِّ أَرْجَحُ مِنْ الرِّوَايَاتِ الْأُولَى وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ وَأَصَحَّ وَلَكِنَّ هَذِهِ أَحْوَطُ، وَالْحُدُودُ تُدْفَعُ بِالشُّبُهَاتِ، فَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ كَأَنَّهَا شُبْهَةٌ فِي الْعَمَلِ بِمَا دُونَهَا. وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ قَالَ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ مَعَ جَلَالَتِهِ. وَيُجَابُ بِأَنَّ الرِّوَايَاتِ الْمَرْوِيَّةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي إسْنَادِهَا جَمِيعًا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ عَنْعَنَ، وَلَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ إذَا جَاءَ بِالْحَدِيثِ مُعَنْعَنًا فَلَا يَصْلُحُ لِمُعَارَضَةِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ، وَقَدْ تَعَسَّفَ الطَّحَاوِيُّ فَزَعَمَ أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ مُضْطَرِبٌ ثُمَّ بَيَّنَ الِاضْطِرَابَ بِمَا يُفِيدُ بُطْلَانَ قَوْلِهِ، وَقَدْ اسْتَوْفَى صَاحِبُ الْفَتْحِ الرَّدَّ عَلَيْهِ. وَأَيْضًا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حُجَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وَلَوْ سَلَّمْنَا صَلَاحِيَّةَ رِوَايَاتِ تَقْدِيرِ ثَمَنِ الْمِجَنِّ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ لِمُعَارَضَةِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُفِيدًا لِلْمَطْلُوبِ، أَعْنِي عَدَمَ ثُبُوتِ الْقَطْعِ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ لِمَا فِي الْبَابِ مِنْ إثْبَاتِ الْقَطْعِ فِي رُبُعِ الدِّينَارِ وَهُوَ دُونَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، فَيُرْجَعُ إلَى هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَيَتَعَيَّنُ طَرْحُ الرِّوَايَاتِ الْمُتَعَارِضَةِ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ، وَبِهَذَا يَلُوحُ لَك عَدَمُ صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِرِوَايَةِ الْعَشَرَةِ الدَّرَاهِمِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ عَلَى سُقُوطِ الْقَطْعِ فِيمَا دُونَهَا وَجَعْلِهَا شُبْهَةً، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ لِمَا سَلَفَ. وَقَدْ أَسْلَفْنَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ قَطَعُوا فِي رُبُعِ دِينَارٍ وَفِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ. الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: نَقَلَهُ عِيَاضٌ عَنْ النَّخَعِيّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَطْعُ إلَّا فِي أَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ أَوْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَهَذَا قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فِيمَا أَعْلَمُ. الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ: حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ يُقْطَعُ فِي دِرْهَمَيْنِ. وَحَكَاهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ وَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْمَرْفُوعِ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَنَسٍ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَطَعَ فِي شَيْءٍ مَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ. وَفِي لَفْظٍ: لَا يُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ. الْمَذْهَبُ الْخَامِسُ: أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ، وَكَذَلِكَ حَكَاهُ عَنْهُمَا فِي الْبَحْرِ، وَنَقَلَهُ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا سَلَفَ. الْمَذْهَبُ السَّادِسُ: ثُلُثُ دِينَارٍ، رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْبَاقِرِ. الْمَذْهَبُ السَّابِعُ: خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، حَكَاهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ النَّاصِرِ وَالنَّخَعِيِّ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَا تُقْطَعُ الْخَمْسُ إلَّا فِي خَمْسٍ. الْمَذْهَبُ الثَّامِنُ: دِينَارٌ أَوْ مَا بَلَغَ قِيمَتَهُ، رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ النَّخَعِيّ، وَحَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ طَائِفَةٍ. الْمَذْهَبُ التَّاسِعُ: رُبُعُ دِينَارٍ مِنْ الذَّهَبِ وَمِنْ غَيْرِهِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ وَنَقَلَ نَحْوَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَاسْتَدَلَّ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّ التَّحْدِيدَ فِي الذَّهَبِ مَنْصُوصٌ وَلَمْ يُوجَدْ نَصٌّ فِي غَيْرِهِ فَيَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ عُمُومِ الْآيَةِ. وَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِرِوَايَةِ النَّسَائِيّ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ بِلَفْظِ: «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِيمَا دُونَ ثَمَنِ الْمِجَنِّ» وَيُمْكِنُ أَيْضًا الْجَوَابُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﷺ : «اقْطَعُوا فِي رُبُعِ دِينَارٍ وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا دُونَ ذَلِكَ» كَمَا فِي الْبَابِ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ

стр. 2513

٣١٤٣ - (عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ، وَلَا كَثَرٍ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ) . ٣١٤٤ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ــ [نيل الأوطار] عَلَى مَا لَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهُ رُبُعَ دِينَارٍ أَنَّهُ دُونَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ فَإِنَّهُ يُفَضَّلُ الْجِنْسُ عَلَى جِنْسٍ آخَرَ مُغَايِرٍ لَهُ بِاعْتِبَارِ الزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ، وَكَذَلِكَ الْعَرَضُ عَلَى الْعَرَضِ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ ثَمَنِهِمَا. الْمَذْهَبُ الْعَاشِرُ: أَنَّهُ يَثْبُتُ الْقَطْعُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، حَكَاهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَدَاوُد وَالْخَوَارِجِ، وَاسْتَدَلُّوا بِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] . وَيُجَابُ بِأَنَّ إطْلَاقَ الْآيَةِ مُقَيَّدٌ بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ. وَاسْتَدَلُّوا ثَانِيًا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ فَإِنَّ فِيهِ: «يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ تَحْقِيرُ شَأْنِ السَّارِقِ وَخَسَارِ مَا رَبِحَهُ، وَأَنَّهُ إذَا جَعَلَ السَّرَقَ عَادَةً لَهُ جَرَّأَهُ ذَلِكَ عَلَى سَرِقَةِ مَا فَوْقَ الْبَيْضَةِ وَالْحَبْلِ حَتَّى يَبْلُغَ إلَى الْمِقْدَارِ الَّذِي تُقْطَعُ بِهِ الْأَيْدِي، هَكَذَا قَالَ الْخَطَّابِيِّ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَفِيهِ تَعَسُّفٌ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّنْفِيرِ عَنْ السَّرِقَةِ وَجَعْلُ مَا لَا قَطْعَ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ مَا فِيهِ الْقَطْعُ كَمَا فِي حَدِيثِ: «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ» وَحَدِيثِ: «تَصَدَّقِي وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحَرَّقٍ» مَعَ أَنَّ مَفْحَصَ الْقَطَاةِ لَا يَكُونُ مَسْجِدًا، وَالظِّلْفُ الْمُحَرَّقُ لَا ثَوَابَ فِي التَّصَدُّقِ بِهِ لِعَدَمِ نَفْعِهِ، وَلَكِنَّ مَقَامَ التَّرْغِيبِ فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالصَّدَقَةِ اقْتَضَى ذَلِكَ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيْضَةِ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ كَمَا وَقَعَ فِي الْبَابِ عَنْ الْأَعْمَشِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ لَهَا قِيمَةً. وَكَذَلِكَ الْحَبْلُ فَإِنَّ فِي الْحِبَالِ مَا تَزِيدُ قِيمَتُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ كَحِبَالِ السُّفُنِ، وَلَكِنَّ مَقَامَ الْمُبَالَغَةِ لَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيًّا ﵁ قَطَعَ فِي بَيْضَةِ حَدِيدٍ ثَمَنُهَا رُبُعُ دِينَارٍ. الْحَادِيَ عَشْرَ: أَنَّهُ يَثْبُتُ الْقَطْعُ فِي دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا لَا دُونَهُ، حَكَاهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَتِّيِّ، وَرُوِيَ عَنْ رَبِيعَةَ. هَذِهِ جُمْلَةُ الْمَذَاهِبِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ جَعَلَهَا فِي الْفَتْحِ عِشْرِينَ مَذْهَبًا وَلَكِنَّ الْبَقِيَّةَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا لَا يَصْلُحُ جَعْلُهَا مَذَاهِبَ مُسْتَقِلَّةً لِرُجُوعِهَا إلَى مَا حَكَيْنَاهُ.

стр. 2514

عَنْ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، فَقَالَ: مَنْ أَصَابَ مِنْهُ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «سَمِعْت رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةُ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْحَرِيسَةِ الَّتِي تُوجَدُ فِي مَرَاتِعِهَا قَالَ: فِيهَا ثَمَنُهَا مَرَّتَيْنِ وَضَرْبُ نَكَالٍ، وَمَا أُخِذَ مِنْ عَطَنِهِ فَفِيهِ الْقَطْعُ إذَا بَلَغَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالثِّمَارُ وَمَا أُخِذَ مِنْهَا فِي أَكْمَامِهَا؟ قَالَ: مَنْ أَخَذَ بِفِيهِ وَلَمْ يَتَّخِذْ خُبْنَةً فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَمَنْ احْتَمَلَ فَعَلَيْهِ ثَمَنُهُ مَرَّتَيْنِ وَضَرْبُ نَكَالٍ، وَمَا أُخِذَ مِنْ أَجْرَانِهِ فَفِيهِ الْقَطْعُ إذَا بَلَغَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَلِابْنِ مَاجَهْ مَعْنَاهُ. وَزَادَ النَّسَائِيّ فِي آخِرِهِ " وَمَا لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَجَلَدَاتُ نَكَالٍ ") . ٣١٤٥ - (وَعَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ أُتْرُجَّةً فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ أَنْ تُقَوَّمَ فَقُوِّمَتْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ بِدِينَارٍ فَقَطَعَ عُثْمَانُ يَدَهُ. رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ) . ــ [نيل الأوطار] [بَابُ اعْتِبَارِ الْحِرْزِ وَالْقَطْعِ فِيمَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ] [ بَابُ تَفْسِيرِ الْحِرْزِ وَأَنَّ الْمَرْجِعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ] حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَاخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ تَلَقَّتْ الْعُلَمَاءُ مَتْنَهُ بِالْقَبُولِ. وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَأَثَرُ عُثْمَانَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ بِنَحْوِ حَدِيثِ رَافِعٍ وَفِي إسْنَادِهِ سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ وَلَا فِي حَرِيسَةِ حَبْلٍ» وَهُوَ مُعْضَلٌ قَوْلُهُ: (وَلَا كَثَرٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَهُوَ الْجُمَّارُ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَيُحَرَّكُ: جُمَّارُ النَّخْلِ أَوْ طَلْعُهَا، قَالَ أَيْضًا: وَالْجُمَّارُ كَرُمَّانٍ: شَحْمُ النَّخْلَةِ. قَوْلُهُ: (خُبْنَةً) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا نُونٌ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: خَبَنَ الثَّوْبَ وَغَيْرَهُ يَخْبِنُهُ خَبْنًا وَخِبَانًا بِالْكَسْرِ: عَطَفَهُ وَخَاطَهُ لِيَقْصُرَ وَالطَّعَامَ غَيَّبَهُ وَخَبَّأَهُ لِلشِّدَّةِ وَالْخُبْنَةُ بِالضَّمِّ: مَا تَحْمِلُهُ فِي حُضْنِكَ انْتَهَى. قَوْلُهُ: (الْجَرِينُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هُوَ مَوْضِعُ تَجْفِيفِ التَّمْرِ وَهُوَ لَهُ كَالْبَيْدَرِ لِلْحِنْطَةِ، وَيُجْمَعُ عَلَى جُرُنٍ بِضَمَّتَيْنِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالْجُرْنُ بِالضَّمِّ وَكَأَمِيرٍ وَمِنْبَرٍ الْبَيْدَرُ وَأَجْرَنَ التَّمْرَ: جَمَعَهُ فِيهِ انْتَهَى. قَوْلُهُ:

стр. 2515

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [نيل الأوطار] عَنْ الْحَرِيسَةِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَهَا سِينٌ مُهْمَلَةٌ، قِيلَ: هِيَ الَّتِي تَرْعَى وَعَلَيْهَا حَرَسٌ فَهِيَ عَلَى هَذَا الْمَحْرُوسَةُ نَفْسُهَا. وَقِيلَ: هِيَ السَّيَّارَةُ الَّتِي يُدْرِكُهَا اللَّيْلُ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إلَى مَأْوَاهَا. وَفِي الْقَامُوسِ: حَرَسَ كَضَرَبَ: سَرَقَ، كَاحْتَرَسَ وَكَسَمِعَ: عَاشَ زَمَانًا طَوِيلًا وَالْحَرِيسَةُ الْمَسْرُوقَةُ الْجَمْعُ حَرَائِسُ، وَجِدَارٌ مِنْ حِجَارَةٍ يُعْمَلُ لِلْغَنَمِ انْتَهَى. قَوْلُهُ: (فِيهَا ثَمَنُهَا مَرَّتَيْنِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّأْدِيبِ بِالْمَالِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ. وَقَوْلُهُ: (وَضَرْبُ نَكَالٍ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالتَّنْوِينِ لِلْأَوَّلِ وَبِالْإِضَافَةِ، وَفِيهِ جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ عُقُوبَةِ الْمَالِ وَالْبَدَنِ. قَوْلُهُ: (فِي أَكْمَامِهَا) جَمْعُ كِمٍّ بِكَسْرِ الْكَافِ: وَهُوَ وِعَاءُ الطَّلْعِ. وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ رَافِعٍ عَلَى أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ الثَّمَرَ وَالْكَثَرَ سَوَاءٌ كَانَا بَاقِيَيْنِ فِي مَنْبَتِهِمَا أَوْ قَدْ أُخِذَا مِنْهُ وَجُعِلَا فِي غَيْرِهِ وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ. قَالَ: وَلَا قَطْعَ فِي الطَّعَامِ وَلَا فِيمَا أَصْلُهُ مُبَاحٌ كَالصَّيْدِ وَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ. وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا بِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ غَيْرُ مَرْغُوبٍ فِيهَا وَلَا يَشِحُّ بِهَا مَالِكُهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى الزَّجْرِ وَالْحِرْزُ فِيهَا نَاقِصٌ. وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا قَطْعَ فِي الثَّمَرِ وَالْكَثَرِ وَالطَّبَائِخِ وَالشِّوَاءِ وَالْهَرَائِسِ إذَا لَمْ تُحْرَزْ، وَأَمَّا إذَا أُحْرِزَتْ وَجَبَ فِيهَا الْقَطْعُ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ الْجُمْهُورِ. وَذَهَبَ الثَّوْرِيُّ إلَى أَنَّ الشَّيْءَ إنْ كَانَ يَبْقَى يَوْمًا فَقَطْ كَالْهَرَائِسِ وَالشِّوَاءِ لَمْ يُقْطَعْ سَارِقُهُ وَإِلَّا قُطِعَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ حَدِيثَ رَافِعٍ خَرَجَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ عَادَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ عَدَمِ إحْرَازِ حَوَائِطِهَا فَذَلِكَ لِعَدَمِ الْحِرْزِ، فَإِذَا أُحْرِزَتْ الْحَوَائِطُ كَانَتْ كَغَيْرِهَا. وَقَدْ حَكَى صَاحِبُ الْبَحْرِ عَنْ الْأَكْثَرِ أَنَّ شَرْطَ الْقَطْعِ الْحِرْزُ. وَعَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَزُفَرَ وَالْخَوَارِجِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ الظَّاهِرِيَّةِ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا سَيَأْتِي فِي قَطْعِ جَاحِدِ الْوَدِيعَةِ وَفِي بَابِ تَفْسِيرِ الْحِرْزِ. وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عَدَمِ الْقَطْعِ فِي الثَّمَرِ إذَا كَانَ غَيْرَ مُحْرَزٍ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ، فَإِنَّ فِيهِ: إنَّ مَنْ أَصَابَ مِنْ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ بِفِيهِ وَلَمْ يَتَّخِذْ خُبْنَةً فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَلَا ضَمَانَ إنْ كَانَ مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ، وَإِنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ كَانَ عَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُحْرَزَ فِي الْجَرِينِ قُطِعَ إذَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ " فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَ إذَا أُحْرِزَ قُطِعَ سَارِقُهُ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْحِرْزِ أَيْضًا رِوَايَةُ النَّسَائِيّ وَأَحْمَدَ الْمَذْكُورَةُ فِي الْبَابِ فِي سَارِقِ الْحَرِيسَةِ وَالثِّمَارِ. وَأَمَّا أَثَرُ عُثْمَانَ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ " أَنَّهُ قَطَعَ فِي أُتْرُجَّةٍ " فَلَا يُعَارِضُ مَا وَرَدَ فِي اعْتِبَارِ الْحِرْزِ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِالْحِرْزِ فِيمَنْ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْأُتْرُجَّةَ كَانَتْ قَدْ أُحْرِزَتْ وَهَكَذَا حَدِيثُ رَافِعٍ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ مُطْلَقًا وَلَكِنَّهُ مُطْلَقٌ مُقَيَّدٌ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ. .

стр. 2516

بَابُ تَفْسِيرِ الْحِرْزِ وَأَنَّ الْمَرْجِعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ ٣١٤٦ - (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: «كُنْت نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ عَلَى خَمِيصَةٍ لِي فَسُرِقَتْ فَأَخَذْنَا السَّارِقَ فَرَفَعْنَاهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفِي خَمِيصَةٍ ثَمَنُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا؟ أَنَا أَهَبُهَا لَهُ أَوْ أَبِيعُهَا لَهُ قَالَ: فَهَلَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيُّ: فَقَطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) . ٣١٤٧ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ سَرَقَ بُرْنُسًا مِنْ صُفَّةِ النِّسَاءِ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ) . مَا جَاءَ فِي الْمُخْتَلِسِ وَالْمُنْتَهِبِ وَالْخَائِنِ وَجَاحِدِ الْعَارِيَّةِ ــ [نيل الأوطار] حَدِيثُ صَفْوَانَ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَالشَّافِعِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ طُرُقٍ مِنْهَا عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَمِنْهَا عَنْ طَاوُسٍ عَنْ صَفْوَانَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: سَمَاعُ طَاوُسٍ عَنْ صَفْوَانَ مُمْكِنٌ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ زَمَنَ عُثْمَانَ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَدْرَكْت سَبْعِينَ صَحَابِيًّا. وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ عَنْ أَبِيهِ. وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ وَالْحَاكِمُ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ الْحَافِظُ: وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ طَاوُسٍ مُرْسَلًا. وَرَوَاهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُمَيْدٍ بْنِ أُخْتِ صَفْوَانَ عَنْ صَفْوَانَ. وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ. قَوْلُهُ: (خَمِيصَةٍ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمِيمٍ مَكْسُورَةٍ وَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ صَادٍ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْخَمِيصَةُ: كِسَاءٌ أَسْوَدُ مُرَبَّعٌ لَهُ عَلَمَانِ. قَوْلُهُ: (بُرْنُسًا) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ النُّونِ بَعْدَهُ مُهْمَلَةٌ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: هُوَ قَلَنْسُوَةٌ طَوِيلَةٌ أَوْ كُلُّ ثَوْبٍ رَأْسُهُ مِنْهُ، دُرَّاعَةً كَانَ أَوْ جُبَّةً. وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهَا بِلَفْظِ " تُرْسًا " بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ وَهُوَ مَعْرُوفٌ. قَوْلُهُ: (صُفَّةِ النِّسَاءِ) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ: أَيْ الْمَوْضِعِ الْمُخْتَصِّ بِهِنَّ مِنْ الْمَسْجِدِ وَصُفَّةُ الْمَسْجِدِ مَوْضِعٌ مُظَلَّلٌ مِنْهُ. وَحَدِيثُ صَفْوَانَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَفْوَ بَعْدَ الرَّفْعِ إلَى الْإِمَامِ لَا يَسْقُطُ بِهِ الْحَدُّ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ كَمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ فِي بَابِ الْحَثِّ عَلَى إقَامَةِ الْحَدِّ إذَا ثَبَتَ وَالنَّهْيِ عَنْ الشَّفَاعَةِ

стр. 2517

٣١٤٨ - (عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: « ﷺ لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ) . ــ [نيل الأوطار] فِيهِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَسْقُطُ الْقَطْعُ بِالْعَفْوِ مُطْلَقًا وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: " فَهَلَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ " الْإِخْبَارُ لَهُ عَمَّا ذَكَرَهُ مِنْ الْبَيْعِ أَوْ الْهِبَةِ أَنَّهُمَا إنَّمَا يَصِحَّانِ قَبْلَ الرَّفْعِ إلَى الْإِمَامِ لَا بَعْدَهُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ يَسْقُطُ بِالْعَفْوِ قَبْلَ الرَّفْعِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثَيْ الْبَابِ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْحِرْزِ. وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُمْ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا. وَيُرَدُّ بِأَنَّ الْمَسْجِدَ حِرْزٌ لِمَا دَاخِلَهُ مِنْ آلَةٍ وَغَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ أَنْ جَعَلَ صَفْوَانُ خَمِيصَتَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ كَمَا ثَبَتَ فِي الرِّوَايَاتِ، وَأَمَّا جَعْلُ الْمَسْجِدِ حِرْزًا لِآلَتِهِ فَقَطْ فَخِلَافُ الظَّاهِرِ، وَلَوْ سُلِّمَ ذَلِكَ كَانَ غَايَتُهُ تَخْصِيصُ الْحِرْزِ بِمِثْلِ الْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَسْتَوِي النَّاسُ فِيهِ لِمَا فِي تَرْكِ الْقَطْعِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَفْسَدَةِ وَأَمَّا التَّمَسُّكُ بِعُمُومِ آيَةِ السَّرِقَةِ فَلَا يَنْتَهِضُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ لِأَنَّهُ عُمُومٌ مَخْصُوصٌ بِالْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِاعْتِبَارِ الْحِرْزِ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ اعْتِبَارَهُ قَوْلُ صَاحِبِ الْقَامُوسِ: السَّرِقَةُ وَالِاسْتِرَاقُ: الْمَجِيءُ لِأَخْذِ مَالِ غَيْرِهِ مِنْ حِرْزٍ، فَهَذَا إمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ جَعَلَ الْحِرْزَ جُزْءًا مِنْ مَفْهُومِ السَّرِقَةِ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْخَطِيبِ فِي تَيْسِيرِ الْبَيَانِ. [مَا جَاءَ فِي الْمُخْتَلِسِ وَالْمُنْتَهِبِ وَالْخَائِنِ وَجَاحِدِ الْعَارِيَّةِ] الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَأَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْخَائِنِ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْعِلَلِ مِنْ طَرِيقِ مَكِّيِّ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ وَقَالَ: لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْخَائِنَ غَيْرُ مَكِّيٍّ. قَالَ الْحَافِظُ: قَدْ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ فَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ بِلَفْظِ: «لَيْسَ عَلَى الْمُخْتَلِسِ وَلَا عَلَى الْخَائِنِ قَطْعٌ» وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ: لَمْ يَسْمَعْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ إنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ يَاسِينِ بْنِ مُعَاذٍ الزَّيَّاتِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَكَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد. قَالَ الْحَافِظُ أَيْضًا: وَقَدْ رَوَاهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ وَأَسْنَدَهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ، وَرَوَاهُ سُوَيْد بْنُ نَصْرٍ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ. قَالَ النَّسَائِيّ: وَرَوَاهُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ وَالْفَضْلُ بْنُ مُوسَى وَابْنُ وَهْبٍ وَمَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ

стр. 2518

٣١٤٩ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَتْ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ: فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَقُطِعَتْ يَدُهَا. قَالَ أَبُو دَاوُد: وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ عُبَيْدٍ، قَالَ فِيهِ: فَشُهِدَ عَلَيْهَا) . ٣١٥٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَتْ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا، فَأَتَى أَهْلُهَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَكَلَّمُوهُ، فَكَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : يَا أُسَامَةُ لَا أَرَاك تَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ خَطِيبًا فَقَالَ: إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِأَنَّهُ إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْت يَدَهَا فَقَطَعَ يَدَ الْمَخْزُومِيَّةِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «اسْتَعَارَتْ امْرَأَةٌ، يَعْنِي حُلِيًّا عَلَى أَلْسِنَةِ نَاسٍ يُعْرَفُونَ وَلَا تُعْرَفُ هِيَ، فَبَاعَتْهُ، فَأُخِذَتْ فَأُتِيَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ فَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهَا» وَهِيَ الَّتِي شَفَعَ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَالَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ) . ــ [نيل الأوطار] وَجَمَاعَةٌ وَلَمْ يَقُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ وَلَا أَحْسِبُهُ سَمِعَهُ عَنْهُ، وَقَدْ أَعَلَّهُ ابْنُ الْقَطَّانِ بِعَنْعَنَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ وَصَرَّحَ بِسَمَاعِ أَبِي الزُّبَيْرِ مِنْ جَابِرٍ. وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ بِنَحْوِ حَدِيثِ الْبَابِ. وَعَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ أَيْضًا وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي الْعِلَلِ وَضَعَّفَهُ، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ تَصْحِيحِ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ لِحَدِيثِ الْبَابِ، وَيَاسِينُ الزَّيَّاتُ هُوَ الْكُوفِيُّ وَأَصْلُهُ يَمَامِيٌّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ مُسْلِمٍ هُوَ خُرَاسَانِيٌّ كُنْيَتُهُ أَبُو سَلَمَةَ. قَالَ ابْنُ مَعِينٍ، صَالِحُ الْحَدِيثِ، صَدُوقٌ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ: إنَّهُ كَانَ صَدُوقًا. وَقَدْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ الْمُخْتَلِسُ وَالْمُنْتَهِبُ وَالْخَائِنُ الْعِتْرَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ. وَذَهَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَزُفَرُ وَالْخَوَارِجُ إلَى أَنَّهُ يُقْطَعُ، وَذَلِكَ لِعَدَمِ اعْتِبَارِهِمْ الْحِرْزَ كَمَا سَلَفَ، وَالْمُرَادُ بِالْخَائِنِ هُوَ مَنْ يَأْخُذُ الْمَالَ خُفْيَةً وَيُظْهِرُ النُّصْحَ لِلْمَالِكِ، وَالْمُنْتَهِبُ: هُوَ مَنْ يَنْتَهِبُ الْمَالَ عَلَى جِهَةِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، وَالْمُخْتَلِسُ الَّذِي يَسْلُبُ الْمَالَ عَلَى طَرِيقَةِ الْخِلْسَةِ. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: هُوَ مَنْ يَأْخُذُهُ سَلْبًا وَمُكَابَرَةً.

стр. 2519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [نيل الأوطار] حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ أَيْضًا بِلَفْظِ " اسْتَعَارَتْ حُلِيًّا ". قَوْلُهُ: (كَانَتْ مَخْزُومِيَّةً) اسْمُهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَهِيَ بِنْتُ أَخِي أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ الصَّحَابِيِّ. قَوْلُهُ: (تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ) فِي رِوَايَةٍ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ فَقَالَتْ: إنَّ فُلَانَةَ تَسْتَعِيرُ حُلِيًّا فَأَعَارَتْهَا فَمَكَثَتْ لَا تَرَاهَا، فَجَاءَتْ إلَى الَّتِي اسْتَعَارَتْ لَهَا تَسْأَلُهَا، فَقَالَتْ: مَا اسْتَعَرْتُك شَيْئًا، فَرَجَعَتْ إلَى الْأُخْرَى فَأَنْكَرَتْ، فَجَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَدَعَاهَا فَسَأَلَهَا، فَقَالَتْ: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا اسْتَعَرْت مِنْهَا شَيْئًا، فَقَالَ: اذْهَبُوا إلَى بَيْتِهَا تَجِدُوهُ تَحْتَ فِرَاشِهَا، فَأَتَوْهُ وَأَخَذُوهُ، فَأَمَرَ بِهَا فَقُطِعَتْ» . قَوْلُهُ: (فَأَتَى أَهْلُهَا أُسَامَةَ فَكَلَّمُوهُ) فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «إنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمْ الْمَرْأَةُ الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إلَّا أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ " أَنَّ الْمَخْزُومِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ عَاذَتْ بِأُمِّ سَلَمَةَ " وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مَوْصُولًا وَأَبُو دَاوُد مُرْسَلًا أَنَّهَا عَاذَتْ بِزَيْنَبِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ذَلِكَ بِأَنَّ زَيْنَبَ مَاتَتْ فِي شَهْرِ جُمَادَى مِنْ السَّنَةِ السَّابِعَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَقِصَّةُ الْمَخْزُومِيَّةِ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ سَنَةَ ثَمَانٍ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ رَبِيبَةُ النَّبِيِّ ﷺ فَتَكُونُ نِسْبَتُهَا إلَيْهِ مَجَازًا. وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّهَا عَاذَتْ بِعَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ. وَالْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهَا عَاذَتْ بِأُمِّ سَلَمَةَ وَابْنَيْهَا فَشَفَعُوا لَهَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُشَفِّعْهُمْ، فَطَلَبَ الْجَمَاعَةُ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أُسَامَةَ الشَّفَاعَةَ ظَنًّا مِنْهُمْ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَقْبَلُ شَفَاعَتَهُ لِمَحَبَّتِهِ لَهُ. قَوْلُهُ: (لَا أَرَاك تَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ قَدْ وَقَعَ الرَّفْعُ إلَى الْإِمَامِ لَا قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ مُرْسَلِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لِأُسَامَةَ «لَمَّا تَشَفَّعَ: لَا تَشْفَعْ فِي حَدٍّ فَإِنَّ الْحُدُودَ إذَا انْتَهَتْ إلَيَّ فَلَيْسَتْ بِمَتْرُوكَةٍ» . وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي بَابِ الْحَثِّ عَلَى إقَامَةِ الْحُدُودِ وَالنَّهْيِ عَنْ الشَّفَاعَةِ فِيهِ مَا فِيهِ أَكْمَلُ دَلَالَةٍ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّفَاعَةِ فِي الْحَدِّ قَبْلَ الرَّفْعِ وَبَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) فِي رِوَايَةِ: «إنَّمَا هَلَكَ بَنُو إسْرَائِيلَ» وَظَاهِرُ الْحَصْرِ الْعُمُومُ وَأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الْهَلَاكُ لِمَنْ قَبْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوْ لِبَنِي إسْرَائِيلَ إلَّا بِهَذَا السَّبَبِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَنْ هَلَكَ بِسَبَبِ تَضْيِيعِ الْحُدُودِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْعُمُومِ هَذَا النَّوْعُ الْخَاصُّ. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ أَنَّهُمْ عَطَّلُوا الْحُدُودَ عَنْ الْأَغْنِيَاءِ وَأَقَامُوهَا عَلَى الضُّعَفَاءِ، وَمِثْلُهُ مَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ «أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ. . .» إلَخْ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ الدِّيَةَ مِنْ الشَّرِيفِ إذَا قَتَلَ عَمْدًا وَالْقِصَاصُ

стр. 2520

بَابُ الْقَطْعِ بِالْإِقْرَارِ وَأَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالْمَرَّةِ ــ [نيل الأوطار] مِنْ الضَّعِيفِ» . قَوْلُهُ: (فَقَطَعَ يَدَ الْمَخْزُومِيَّةِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُقْطَعُ جَاحِدُ الْعَارِيَّةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْقَطْعِ أَنْ يَكُونَ مِنْ حِرْزٍ وَهُوَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَزُفَرُ وَالْخَوَارِجُ كَمَا سَلَفَ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ، وَانْتَصَرَ لَهُ ابْنُ حَزْمٍ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْقَطْعِ لِمَنْ جَحَدَ الْعَارِيَّةَ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ أَوْجَبَا الْقَطْعَ عَلَى السَّارِقِ، وَالْجَاحِدُ لِلْوَدِيعَةِ لَيْسَ بِسَارِقٍ. وَرُدَّ بِأَنَّ الْجَحْدَ دَاخِلٌ فِي اسْمِ السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ وَالسَّارِقُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُمَا بِخِلَافِ الْمُخْتَلِسِ وَالْمُنْتَهِبِ، كَذَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ. وَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْخَائِنَ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ لِأَنَّهُ آخِذُ الْمَالِ خُفْيَةً مَعَ إظْهَارِ النُّصْحِ كَمَا سَلَفَ. وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ. وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَخْزُومِيَّةِ بِأَنَّ الْجَحْدَ لِلْعَارِيَّةِ وَإِنْ كَانَ مَرْوِيًّا فِيهَا مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ، لَكِنَّهُ وَرَدَ التَّصْرِيحُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا بِذِكْرِ السَّرِقَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّهَا سَرَقَتْ قَطِيفَةً مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ أَبُو الشَّيْخِ وَعَلَّقَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَوَقَعَ فِي مُرْسَلِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ " أَنَّهَا سَرَقَتْ حُلِيًّا " قَالُوا: وَالْجَمْعُ مُمْكِنٌ بِأَنْ يَكُونَ الْحُلِيُّ فِي الْقَطِيفَةِ، فَتَقَرَّرَ أَنَّ الْمَذْكُورَةَ قَدْ وَقَعَ مِنْهَا السَّرَقُ، فَذِكْرُ الْعَارِيَّةِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ كَانَ لَهُ فَقَطْ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الْجَحْدِ لِقَصْدِ التَّعْرِيفِ بِحَالِهَا، وَأَنَّهَا كَانَتْ مُشْتَهِرَةً بِذَلِكَ الْوَصْفِ، وَالْقَطْعُ كَانَ لِلسَّرِقَةِ، كَذَا قَالَ الْخَطَّابِيِّ وَتَبِعَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِأَنَّهُمْ إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ» . . . إلَخْ فَإِنَّ ذِكْرَ هَذَا عَقِبَ ذِكْرِ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ مِنْهَا السَّرَقُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَّلَ ذَلِكَ الْجَحْدَ مَنْزِلَةَ السَّرَقِ فَيَكُونُ دَلِيلًا لِمَنْ قَالَ: إنَّهُ يَصْدُقُ اسْمُ السَّرَقِ عَلَى جَحْدِ الْوَدِيعَةِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّ الْقَطْعَ كَانَ لِأَجْلِ ذَلِكَ الْجَحْدِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بَعْدَ وَصْفِ الْقِصَّةِ " فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا ". وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْأَلْفَاظِ الْمَذْكُورَةِ. وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ وَصْفَ الْمَرْأَةِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّهَا سَرَقَتْ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى جَاحِدِ الْوَدِيعَةِ بِأَنَّهُ سَارِقٌ كَمَا سَلَفَ، فَالْحَقُّ قَطْعُ جَاحِدِ الْوَدِيعَةِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مُخَصِّصًا لِلْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى اعْتِبَارِ الْحِرْزِ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَةٌ بَيْنَ النَّاسِ إلَى الْعَارِيَّةِ، فَلَوْ عَلِمَ الْمُعِيرُ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ إذَا جَحَدَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لَجَرَّ ذَلِكَ إلَى سَدِّ بَابِ الْعَارِيَّةِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْرُوعِ.

стр. 2521

عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِلِصٍّ فَاعْتَرَفَ اعْتِرَافًا وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ الْمَتَاعُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا إخَالُكَ سَرَقْتَ؟ قَالَ: بَلَى، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اقْطَعُوهُ ثُمَّ جِيئُوا بِهِ، قَالَ: فَقَطَعُوهُ ثُمَّ جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُلْ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ، فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَكَذَلِكَ النَّسَائِيّ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ: مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. وَابْنُ مَاجَهْ، وَذَكَرَ مَرَّةً ثَانِيَةً فِيهِ قَالَ: " مَا إخَالُكَ سَرَقْت؟ " قَالَ: بَلَى) . ٣١٥٢ - (وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: لَا يُقْطَعُ السَّارِقُ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ مَرَّتَيْنِ. حَكَاهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَاحْتَجَّ بِهِ) . بَابُ حَسْمِ يَدِ السَّارِقِ إذَا قُطِعَتْ وَاسْتِحْبَابِ تَعْلِيقِهَا فِي عُنُقِهِ ــ [نيل الأوطار] [بَابُ الْقَطْعِ بِالْإِقْرَارِ وَأَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالْمَرَّةِ] حَدِيثُ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ: رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَقَالَ الْخَطَّابِيِّ: إنَّ فِي إسْنَادِهِ مَقَالًا. قَالَ: وَالْحَدِيثُ إذَا رَوَاهُ مَجْهُولٌ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً وَلَمْ يَجِبْ الْحُكْمُ بِهِ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ أَبَا الْمُنْذِرِ مَوْلَى أَبِي ذَرٍّ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إلَّا إِسْحَاقَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْهُ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا. وَفِي الْبَابِ آثَارٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهَا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ أُتِيَ بِجَارِيَةٍ سَرَقَتْ فَقَالَ لَهَا: أَسَرَقْتِ، قُولِي: لَا، فَقَالَتْ: لَا، فَخَلَّى سَبِيلَهَا. وَعَنْ عَطَاءٍ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مَنْ مَضَى يُؤْتَى إلَيْهِمْ بِالسَّارِقِ فَيَقُولُ: أَسَرَقْت؟ قُلْ: لَا، وَسَمَّى أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أُتِيَ بِرَجُلٍ فَسَأَلَهُ: أَسَرَقْت؟ قُلْ: لَا، فَقَالَ: لَا، فَتَرَكَهُ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقَالَ: أَسَرَقْت؟ قُلْ: لَا، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ فِي جَامِعِ سُفْيَانَ أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ جَمَلًا فَقَالَ: أَسَرَقْت؟ قُولِي: لَا. قَوْلُهُ: (مَا أَخَالُكَ سَرَقْت) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا: أَيْ مَا أَظُنُّكَ سَرَقْت، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَلْقِينُ مَا يُسْقِطُ الْحَدَّ. قَوْلُهُ: (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ إنَّ الْإِقْرَارَ بِالسَّرِقَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا يَكْفِي، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِقْرَارِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَأَقَلُّ مَا يَلْزَمُ بِهِ الْقَطْعُ مَرَّتَانِ وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَتْ الْعِتْرَةُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ

стр. 2522

٣١٥٣ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِسَارِقٍ قَدْ سَرَقَ شَمْلَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذَا قَدْ سَرَقَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا إخَالَهُ سَرَقَ، فَقَالَ السَّارِقُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ، ثُمَّ احْسِمُوهُ، ثُمَّ ائْتُونِي بِهِ فَقُطِعَ فَأُتِيَ بِهِ فَقَالَ: تُبْ إلَى اللَّهِ، قَالَ: قَدْ تُبْتُ إلَى اللَّهِ، فَقَالَ: تَابَ اللَّهُ عَلَيْك» ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ) . ٣١٥٤ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ قَالَ: سَأَلْنَا فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ عَنْ تَعْلِيقِ الْيَدِ فِي عُنُقِ السَّارِقِ أَمِنَ السُّنَّةِ؟ ، قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَارِقٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا أَحْمَدَ وَفِي إسْنَادِهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ) . بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّارِقِ يُوهَبُ السَّرِقَةُ بَعْدَ وُجُوبِ الْقَطْعِ وَالشَّفْعِ فِيهِ ــ [نيل الأوطار] مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إلَى أَنَّهُ يَكْفِي الْإِقْرَارُ مَرَّةً. وَيُجَابُ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ بِحَدِيثِ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْإِقْرَارِ مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ تَلْقِينُ الْمُسْقِطِ لِلْحَدِّ عَنْهُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الِاسْتِثْبَاتِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " لَا أَخَالُكَ سَرَقْت ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " فِي رِوَايَةٍ، وَلَا قَائِلَ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ، وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ الْفِعْلِ يَدُلّ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ لَكَانَ وُقُوعُ التَّكْرَارِ مِنْهُ ﷺ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ يَقْتَضِي اشْتِرَاطَهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْمِجَنِّ وَرِدَاءِ صَفْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ، وَلَمْ يُنْقَلْ فِي ذَلِكَ تَكْرِيرُ الْإِقْرَارِ. وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَهُوَ وَإِنْ كَانَتْ الصِّيغَةُ مُشْعِرَةٌ بِاشْتِرَاطِ الْإِقْرَارِ مَرَّتَيْنِ لَكِنَّهُ لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ إلَّا عِنْدَ مَنْ يَرَى حُجِّيَّةَ قَوْلِهِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ. قَوْلُهُ: (قُلْ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ أَمْرِ الْمَحْدُودِ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالدُّعَاءِ لَهُ بِالتَّوْبَةِ بَعْدَ اسْتِغْفَارِهِ. [بَابُ حَسْمِ يَدِ السَّارِقِ إذَا قُطِعَتْ وَاسْتِحْبَابِ تَعْلِيقِهَا فِي عُنُقِهِ] حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ مَوْصُولًا أَيْضًا الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ بِدُونِ ذِكْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَجَّحَ الْمُرْسَلَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ:

стр. 2523

٣١٥٥ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: تَعَافَوْا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد) . ٣١٥٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إلَّا الْحُدُودَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) . ٣١٥٧ - (وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ لَقِيَ رَجُلًا قَدْ ــ [نيل الأوطار] حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيِّ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ وَهُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ شَامِيٌّ انْتَهَى. وَقَالَ النَّسَائِيّ: الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ النَّسَائِيّ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ احْسِمُوهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْحَسْمَ وَاجِبٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْكَيُّ بِالنَّارِ: أَيْ يُكْوَى مَحَلُّ الْقَطْعِ لِيَنْقَطِعَ الدَّمُ؛ لِأَنَّ مَنَافِذَ الدَّمِ تَنْسَدُّ بِهِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا اسْتَرْسَلَ الدَّمُ فَيُؤَدِّي إلَى التَّلَفِ. وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ إذَا كَرِهَ السَّارِقُ الْحَسْمَ لَمْ يُحْسَمْ لَهُ وَجَعَلَهُ مَنْدُوبًا فَقَطْ مَعَ رِضَاهُ، وَفِي كُلٍّ مِنْ الطَّرَفَيْنِ نَظَرٌ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ تَرْكَ الْحَسْمِ إذَا كَانَ مُؤَدِّيًا إلَى التَّلَفِ وَجَبَ عَلَيْنَا عَدَمُ الْإِجَابَةِ لَهُ إلَى مَا يُؤَدِّي إلَى تَلَفِهِ وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ الْوُجُوبُ لِكَوْنِهِ أَمْرًا وَلَا صَارِفَ لَهُ عَنْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ وَلَا سِيَّمَا مَعَ كَوْنِهِ يُؤَدِّي التَّرْكُ إلَى التَّلَفِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ وَاجِبًا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَثَمَنُ الدُّهْنِ وَأُجْرَةُ الْقَطْعِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ثُمَّ مِنْ مَالِ السَّارِقِ، فَإِنْ اخْتَارَ أَنْ يَقْطَعَ نَفْسَهُ فَوَجْهَانِ. قَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى: لَا يُمْكِنُ كَالْقِصَاصِ وَسَائِرِ الْحُدُودِ، وَقِيلَ: يُمْكِنُ لِحُصُولِ الزَّجْرِ انْتَهَى. قَوْلُهُ: (فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ تَعْلِيقِ يَدِ السَّارِقِ فِي عُنُقِهِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مِنْ الزَّجْرِ مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ فَإِنَّ السَّارِقَ يَنْظُرُ إلَيْهَا مَقْطُوعَةً مُعَلَّقَةً فَيَتَذَكَّرُ السَّبَبَ لِذَلِكَ وَمَا جَرَّ إلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرُ مِنْ الْخَسَارِ بِمُفَارَقَةِ ذَلِكَ الْعُضْوِ النَّفِيسِ، وَكَذَلِكَ الْغَيْرُ يَحْصُلُ لَهُ بِمُشَاهَدَةِ الْيَدِ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ مِنْ الِانْزِجَارِ مَا تَنْقَطِعُ بِهِ وَسَاوِسُهُ الرَّدِيئَةُ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَطَعَ سَارِقًا، فَمَرُّوا بِهِ وَيَدُهُ مُعَلَّقَةٌ فِي عُنُقِهِ

стр. 2524

أَخَذَ سَارِقًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ إلَى السُّلْطَانِ فَشَفَعَ لَهُ الزُّبَيْرُ لِيُرْسِلَهُ، فَقَالَ: لَا، حَتَّى أَبْلُغَ بِهِ السُّلْطَانَ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: إذَا بَلَغْت بِهِ السُّلْطَانَ فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفَّعَ. رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ) . ٣١٥٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمْ الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ، قَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إلَّا أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا ضَلَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَاَيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . بَابٌ فِي حَدِّ الْقَطْعِ وَغَيْرِهِ هَلْ يُسْتَوْفَى فِي دَارِ الْحَرْبِ أَمْ لَا ــ [نيل الأوطار] [بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّارِقِ يُوهَبُ السَّرِقَةُ بَعْدَ وُجُوبِ الْقَطْعِ وَالشَّفْعِ فِيهِ] حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَهُوَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَسَنَدُهُ إلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ صَحِيحٌ وَالْوَاقِعُ فِيمَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ مِنْ نُسَخِ هَذَا الْكِتَابِ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِدُونِ وَاوٍ وَلَعَلَّهُ غَلَطٌ مِنْ النَّاسِخِ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ وَابْنُ عَدِيٍّ وَالْعُقَيْلِيُّ وَقَالَ: لَهُ طُرُقٌ وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَثْبُتُ وَذَكَرَهُ ابْنُ طَاهِرٍ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الشِّهَابِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَارُونَ بْنِ مُوسَى الْفَرْوِيُّ عَنْ الْقَعْنَبِيَّ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ. وَقَالَ: الْإِسْنَادُ بَاطِلٌ وَالْحَمْلُ فِيهِ عَلَى الْفَرْوِيِّ. وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَابْنُ عَدِيٍّ أَيْضًا وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ زَلَّاتِهِمْ» وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَسَمِعْت مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ وَيَقُولُ: يُتَجَاوَزُ لِلرَّجُلِ مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثْرَتُهُ مَا لَمْ يَكُنْ حَدًّا. وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: ذَكَرَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي بَابِ وَاصِلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّقَاشِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ عِلَّةً. قَالَ الْحَافِظُ: وَوَاصِلٌ هُوَ أَبُو حُرَّةَ ضَعِيفٌ، وَفِي إسْنَادِهِ ابْنُ حَيَّانَ أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ. وَقَدْ نَصَّ أَبُو زُرْعَةَ عَلَى ضَعْفِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَفِي الْبَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: «تَجَاوَزُوا عَنْ ذَنْبِ السَّخِيِّ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْخُذُ بِيَدِهِ عِنْدَ عَثَرَاتِهِ» وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. وَأَثَرُ الزُّبَيْرِ الْمَذْكُورُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَإِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ مَعَ وَقْفِهِ، وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ الزُّبَيْرِ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْمُعَافَاةِ فِي الْحُدُودِ قَبْلَ الرَّفْعِ إلَى الْإِمَامِ لَا

стр. 2525

٣١٥٩ - (عَنْ بُسْرِ بْنِ أَرْطَاةَ: «أَنَّهُ وَجَدَ رَجُلًا يَسْرِقُ فِي الْغَزْوِ فَجَلَدَهُ وَلَمْ يَقْطَعْ يَدَهُ وَقَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْقَطْعِ فِي الْغَزْوِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْهُ الْمَرْفُوعُ) . ٣١٦٠ - (وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «جَاهِدُوا النَّاسَ فِي اللَّهِ، الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ، وَلَا تُبَالُوا فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَقِيمُوا حُدُودَ اللَّهِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ» . رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ) . ــ [نيل الأوطار] بَعْدَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ إقَالَةَ أَرْبَابِ الْهَيْئَاتِ إنْ وَقَعَتْ مِنْهُمْ الزَّلَّةُ نَادِرًا وَالْهَيْئَةُ صُورَةُ الشَّيْءِ وَشَكْلُهُ وَحَالَتُهُ، وَمُرَادُهُ أَهْلُ الْهَيْئَاتِ الْحَسَنَةِ. وَالْعَثَرَاتُ جَمْعُ عَثْرَةٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا الزَّلَّةُ كَمَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَذَوِي الْهَيْئَاتِ الَّذِينَ يُقَالُونَ عَثَرَاتِهِمْ الَّذِينَ لَيْسُوا يُعْرَفُونَ بِالشَّرِّ فَيَزِلَّ أَحَدُهُمْ الزَّلَّةَ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فِي تَفْسِيرِ الْعَثَرَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الصَّغَائِرُ. وَالثَّانِي: أَوَّلُ مَعْصِيَةٍ زَلَّ فِيهَا مُطِيعٌ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " إلَّا الْحُدُودَ " أَيْ فَإِنَّهَا لَا تُقَالُ بَلْ تُقَامُ عَلَى ذِي الْهَيْئَةِ وَغَيْرِهِ بَعْدَ الرَّفْعِ إلَى الْإِمَامِ وَأَمَّا قَبْلَهُ فَيُسْتَحَبُّ السَّتْرُ مُطْلَقًا لِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ: «وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ مِنْ حَدِيثِ مَسْلَمَةُ بْنِ مَخْلَدٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا فِي الدُّنْيَا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَشَفَ عَوْرَةَ أَخِيهِ كَشَفَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِي بَيْتِهِ» . قَوْلُهُ: (فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ) فِيهِ التَّشْدِيدُ فِي الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ بَعْدَ الرَّفْعِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. [بَابٌ فِي حَدِّ الْقَطْعِ وَغَيْرِهِ هَلْ يُسْتَوْفَى فِي دَارِ الْحَرْبِ أَمْ لَا] حَدِيثُ بُسْرِ بْنِ أَرْطَاةَ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ وَرِجَالُ إسْنَادِهِ عِنْدَ أَبِي دَاوُد ثِقَاتٌ إلَى بُسْرٍ، وَفِي إسْنَادِ التِّرْمِذِيِّ ابْنُ لَهِيعَةَ، وَفِي إسْنَادِ النَّسَائِيّ بَقِيَّةُ بْنُ
следующие страницы →