← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9242

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ط الحديث

الشوكاني

Полный текст (3 079 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

٥٢٤ - (وَعَنْ «أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ فَسَلَّمَ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ) بَابُ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا ٥٢٥ - (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ) . ــ [نيل الأوطار] وَعَقَّبَ مَنْ عَقَّبَ) يُقَالُ: عَقَّبَهُ تَعْقِيبًا إذَا جَاءَ بِعَقِبِهِ. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ عَقَّبَ أَيْ أَقَامَ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ مَا يَفْرُغَ مِنْ الصَّلَاةِ، يُقَالُ صَلَّى الْقَوْمُ وَعَقَّبَ فُلَانٌ قَوْلُهُ: (حَفَزَهُ النَّفَسُ) فِي الْقَامُوسِ حَفَزَهُ يَحْفِزهُ دَفَعَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَبِالرُّمْحِ طَعَنَهُ وَعَنْ الْأَمْرِ أَعْجَلَهُ وَأَزْعَجَهُ اهـ. وَالْحَدِيثُ مِنْ أَدِلَّةِ مَنْ قَالَ: إنَّ الرُّكْبَةَ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ. وَفِيهِ أَنَّ انْتِظَارَ الصَّلَاةِ بَعْدَ فِعْلِ الصَّلَاةِ مِنْ مُوجِبَاتِ الْأَجْرِ وَأَسْبَابِ مُبَاهَاةِ رَبِّ الْعِزَّةِ لِمَلَائِكَتِهِ بِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ. ٥٢٤ - (وَعَنْ «أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ فَسَلَّمَ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ) . قَوْلُهُ: (غَامَرَ) الْمُغَامِرُ فِي الْأَصْلِ الْمُلْقِي بِنَفْسِهِ فِي الْغَمْرَةِ، وَغَمْرَةُ الشَّيْءِ شِدَّتُهُ وَمُزْدَحِمُهُ، الْجَمْعُ غَمَرَاتٍ. وَالْمُرَادُ بِالْمُغَامَرَةِ هُنَا الْمُخَاصَمَةُ أَخْذًا مِنْ الْغَمْرِ الَّذِي هُوَ الْحِقْدُ وَالْبُغْضُ. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّكْبَةَ لَيْسَتْ عَوْرَةً. قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: وَالْحُجَّةُ مِنْهُ أَنَّهُ أَقَرَّهُ عَلَى كَشْفِ الرُّكْبَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ اهـ. [بَابُ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا] الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ، وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِالْوَقْفِ وَقَالَ: إنَّ وَقْفَهُ أَشْبَهُ، وَأَعَلَّهُ الْحَاكِمُ بِالْإِرْسَالِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ وَالْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ بِلَفْظِ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ امْرَأَةٍ صَلَاةً حَتَّى تُوَارِيَ زِينَتَهَا، وَلَا مِنْ جَارِيَةٍ بَلَغَتْ الْحَيْضَ حَتَّى تَخْتَمِرَ» . قَوْلُهُ: (لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ) قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى لَفْظِ الْقَبُولِ وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَالْحَائِضُ: مَنْ بَلَغَتْ سِنَّ الْمَحِيضِ لَا مَنْ هِيَ مُلَابِسَةٌ لِلْحَيْضِ فَإِنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مُبَيَّنٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحهِ بِلَفْظِ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ امْرَأَةٍ قَدْ حَاضَتْ إلَّا بِخِمَارٍ» وَقَوْلُهُ: (إلَّا بِخِمَارٍ) هُوَ بِكَسْرِ الْخَاءِ مَا يُغَطَّى بِهِ رَأْسُ الْمَرْأَةِ، قَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: الْخِمَارُ: النَّصِيفُ، وَجَمْعُهُ أَخْمِرَةٌ وَخُمُرٌ. وَالْحَدِيثُ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ سَتْرِ الْمَرْأَةِ لِرَأْسِهَا حَالَ الصَّلَاةِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ سَوَّى بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ

стр. 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [نيل الأوطار] فِي الْعَوْرَةِ لِعُمُومِ ذِكْرِ الْحَائِضِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ. وَفَرَّقَتْ الْعِتْرَةُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورُ بَيْنَ عَوْرَةِ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ فَجَعَلُوا عَوْرَةَ الْأَمَةِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ كَالرَّجُلِ وَالْحُجَّةُ لَهُمْ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا لَفْظَ الْحَدِيثِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْمُتَقَدِّمِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا بِلَفْظِ: «إذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ أَمَتَهُ فَلَا يَنْظُرْ إلَى عَوْرَتِهَا» قَالُوا: وَالْمُرَادُ بِالْعَوْرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا صَرَّحَ بِبَيَانِهِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ. وَقَالَ مَالِكٌ: الْأَمَةُ عَوْرَتُهَا كَالْحُرَّةِ حَاشَا شَعْرِهَا فَلَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَكَأَنَّهُ رَأَى الْعَمَلَ فِي الْحِجَازِ عَلَى كَشْفِ الْإِمَاءِ لِرُءُوسِهِنَّ، هَكَذَا حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّ عَوْرَةَ الْأَمَةِ كَالرَّجُلِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ عَوْرَةِ الْحُرَّةِ فَقِيلَ جَمِيعُ بَدَنِهَا مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْهَادِي وَالْقَاسِمُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَمَالِكٌ. وَقِيلَ: وَالْقَدَمَيْنِ وَمَوْضِعِ الْخَلْخَالِ وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْقَاسِمُ فِي قَوْلٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو الْعَبَّاسِ وَقِيلَ: بَلْ جَمِيعُهَا إلَّا الْوَجْهَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَدَاوُد. وَقِيلَ: جَمِيعُهَا بِدُونِ اسْتِثْنَاءٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مَا وَقَعَ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ " لَا يَقْبَلُ " صَالِحٌ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ كَمَا قِيلَ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ قَالَ: وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الذَّاكِرِ وَالنَّاسِي، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ كَوْنَهُ سُنَّةً لَا يُبْطِلُ تَرْكُهَا الصَّلَاةَ اهـ. احْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] وَبِمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا وَوَصَلَهُ فِي تَارِيخِهِ، وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي رَجُلٌ أَتَصَيَّدُ أَفَأُصَلِّي فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ؟ قَالَ: نَعَمْ زُرْهُ، وَلَوْ بِشَوْكَةٍ» وَسَيَأْتِي الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ مَنْ صَلَّى فِي قَمِيصٍ غَيْرِ مُزَرَّرٍ. وَبِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْأَبْوَابِ. وَيُجَابُ عَنْ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ بِأَنَّ غَايَتَهَا إفَادَةُ الْوُجُوبِ وَأَمَّا الشَّرْطِيَّةُ الَّتِي يُؤْثَرُ عَدَمُهَا فِي عَدَمِ الْمَشْرُوطِ فَلَا تَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ حُكْمٌ وَضْعِيٌّ شَرْعِيٌّ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْأَوَامِرِ نَعَمْ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال لِلشَّرْطِيَّةِ بِحَدِيثِ الْبَابِ وَالْحَدِيثِ الْآتِي بَعْدَهُ وَبِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِلَفْظِ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ امْرَأَةٍ صَلَاةً حَتَّى تُوَارِيَ زِينَتَهَا، وَلَا جَارِيَةٍ بَلَغَتْ الْمَحِيضَ حَتَّى تَخْتَمِرَ» لَكِنْ لَا يَصْفُو الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ عَنْ شَوْبِ كَدَرٍ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلًا يُقَالُ: نَحْنُ نَمْنَعُ أَنَّ نَفْيَ الْقَبُولِ يَدُلُّ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَفَى الْقَبُولَ

стр. 458

٥٢٦ - (وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ «أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَلَيْسَ عَلَيْهَا إزَارٌ؟ ، قَالَ: إذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) ٥٢٧ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ يَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: يُرْخِينَ شِبْرًا قَالَتْ: إذَنْ يَنْكَشِفَ أَقْدَامُهُنَّ، قَالَ فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَفْظُهُ: «أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلْنَهُ عَنْ الذَّيْلِ، فَقَالَ اجْعَلْنَهُ شِبْرًا فَقُلْنَ: إنَّ شِبْرًا لَا يَسْتُرُ مِنْ عَوْرَةٍ فَقَالَ اجْعَلْنَهُ ذِرَاعًا» ــ [نيل الأوطار] عَنْ صَلَاةِ الْآبِقِ، وَمَنْ فِي جَوْفِهِ الْخَمْرُ وَمَنْ يَأْتِي عَرَّافًا مَعَ ثُبُوتِ الصِّحَّةِ بِالْإِجْمَاعِ وَثَانِيًا بِأَنَّ غَايَةَ ذَلِكَ أَنَّ السَّتْرَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ صَلَاةِ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الدَّعْوَى، وَإِلْحَاقُ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ لَا يَصِحُّ هَهُنَا لِوُجُودِ الْفَارِقِ، وَهُوَ مَا فِي تَكَشُّفِ الْمَرْأَةِ مِنْ الْفِتْنَةِ، وَهَذَا مَعْنَى لَا يُوجَدُ فِي عَوْرَةِ الرَّجُلِ. وَثَالِثًا: بِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِلَفْظِ: «كَانَ الرِّجَالُ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَاقِدِينَ أُزُرَهُمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ كَهَيْئَةِ الصِّبْيَانِ، وَيُقَالُ لِلنِّسَاءِ لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى تَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا» زَادَ أَبُو دَاوُد: «مِنْ ضِيقِ الْأُزُرِ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ السَّتْرِ فَضْلًا عَنْ شَرْطِيَّتِهِ، وَرَابِعًا: بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ وَفِيهِ «فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ وَعَلَيَّ بُرْدَةٌ مَفْتُوقَةٌ فَكُنْتُ إذَا سَجَدْت تَقَلَّصَتْ عَنِّي» وَفِي رِوَايَةٍ. «خَرَجَتْ اسْتِي، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْحَيِّ: أَلَا تُغَطُّوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ» . الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ فَالْحَقُّ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةَ فِي الصَّلَاةِ وَاجِبٌ فَقَطْ كَسَائِرِ الْحَالَاتِ لَا شَرْطٌ يَقْتَضِي تَرْكُهُ عَدَمَ الصِّحَّةِ ، وَقَدْ احْتَجَّ الْقَائِلُونَ لِعَدَمِ الشَّرْطِيَّةِ عَلَى مَطْلُوبِهِمْ بِحُجَجٍ فِقْهِيَّةٍ وَاهِيَةٍ، مِنْهَا قَوْلُهُمْ لَوْ كَانَ السَّتْرُ شَرْطًا فِي الصَّلَاةِ لَاخْتَصَّ بِهَا وَلَافْتَقَرَ إلَى النِّيَّةِ وَلَكَانَ الْعَاجِزُ الْعُرْيَانُ يَنْتَقِلُ إلَى بَدَلٍ كَالْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ يَنْتَقِلُ إلَى الْقُعُودِ، وَالْأَوَّلُ مَنْقُوضٌ بِالْإِيمَانِ، فَهُوَ شَرْطٌ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا، وَالثَّانِي: بِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلَى النِّيَّةِ، وَالثَّالِثُ: بِالْعَاجِزِ عَنْ الْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي سَاكِتًا. ٥٢٦ - (وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ «أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَلَيْسَ عَلَيْهَا إزَارٌ؟ ، قَالَ: إذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) . ٥٢٧ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ يَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: يُرْخِينَ شِبْرًا قَالَتْ: إذَنْ يَنْكَشِفَ أَقْدَامُهُنَّ، قَالَ فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَفْظُهُ: «أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلْنَهُ عَنْ الذَّيْلِ، فَقَالَ اجْعَلْنَهُ شِبْرًا فَقُلْنَ: إنَّ شِبْرًا لَا يَسْتُرُ مِنْ عَوْرَةٍ فَقَالَ اجْعَلْنَهُ ذِرَاعًا» . حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَأَعَلَّهُ عَبْدُ الْحَقِّ بِأَنَّ مَالِكًا وَغَيْرَهُ رَوَوْهُ مَوْقُوفًا. قَالَ الْحَافِظُ: هُوَ الصَّوَابُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ قَالَ الْحَاكِمُ: إنَّ رَفْعَهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ اهـ وَفِي إسْنَادِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ دِينَارٍ وَفِيهِ مَقَالٌ. قَالَ فِي التَّقْرِيبِ: صَدُوقٌ يُخْطِئُ مِنْ

стр. 459

بَابُ النَّهْيِ عَنْ تَجْرِيدِ الْمَنْكِبَيْنِ فِي الصَّلَاةِ إلَّا إذَا وَجَدَ مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَحْدَهَا ٥٢٨ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَلَكِنْ قَالَ: " عَلَى عَاتِقَيْهِ "، وَلِأَحْمَدَ اللَّفْظَانِ) . ــ [نيل الأوطار] السَّابِعَةِ. قَالَ أَبُو دَاوُد: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَبَكْرُ بْنُ مُضَرَ وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ لَمْ يَذْكُرْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ ﷺ قَصَرُوا بِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ اهـ. وَالرَّفْعُ زِيَادَةٌ لَا يَنْبَغِي إلْغَاؤُهَا كَمَا هُوَ مُصْطَلَحُ أَهْلِ الْأُصُولِ، وَبَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ الْحَقُّ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ هُوَ لِلْجَمَاعَةِ كُلِّهِمْ بِدُونِ قَوْلِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَجَوَابِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهَا وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الرُّخْصَةِ فِي اللِّبَاسِ الْجَمِيلِ مِنْ كِتَابِ اللِّبَاسِ وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «لَا بَأْسَ إذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا» . . . إلَخْ كَمَا فِي التَّلْخِيصِ عَلَى أَنَّ سَتْرَ بَدَنِ الْمَرْأَةِ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ تَقْيِيدَ نَفْيِ الْبَأْسِ بِتَغْطِيَةِ الْقَدَمَيْنِ مُشْعِرٌ أَنَّ الْبَأْسَ فِيمَا عَدَاهُ، وَلَيْسَ إلَّا فَسَادُ الصَّلَاةِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا الْإِشْعَارَ لَوْ سَلِمَ لَمْ يَسْتَلْزِمْ حَصْرَ الْبَأْسِ فِي الْإِفْسَادِ؛ لِأَنَّ نُقْصَانَ الْأَجْرِ الْمُوجِبِ لِنَقْصِ الصَّلَاةِ وَعَدَمِ كَمَالِهَا مَعَ صِحَّتِهَا بَأْسٌ، وَلَوْ سَلِمَ ذَلِكَ الِاسْتِلْزَامُ فَغَايَتُهُ أَنْ يُفِيدَ الشَّرْطِيَّةَ فِي النِّسَاءِ كَمَا عَرَفْت مِمَّا سَلَفَ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِمَنْ لَمْ يَسْتَثْنِ الْقَدَمَيْنِ مِنْ عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا " يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْعَفْوِ، وَهَكَذَا اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِالشَّرْطِيَّةِ بِمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «يُرْخِينَ شِبْرًا» وَقَوْلُهُ «يُرْخِينَهُ ذِرَاعًا» وَهُوَ كَمَا عَرَفْت غَيْرُ صَالِحٍ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ الْمُدَّعَاةِ، وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ. وَفِيهِ أَيْضًا حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: إنَّ قَدَمَيْ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ. قَوْلُهُ: (فِي دِرْعٍ) هُوَ قَمِيصُ الْمَرْأَةِ الَّذِي يُغَطِّي بَدَنَهَا وَرِجْلَيْهَا، وَيُقَالُ لَهُ سَابِغٌ إذَا طَالَ مِنْ فَوْقُ إلَى أَسْفَلُ. قَوْلُهُ: (يُرْخِينَ شِبْرًا) قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشِّبْرِ وَالذِّرَاعِ أَنْ يَكُونُ هَذَا الْقَدْرُ زَائِدًا عَلَى قَمِيصِ الرَّجُلِ لَا أَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى الْأَرْضِ. . [بَابُ النَّهْيِ عَنْ تَجْرِيدِ الْمَنْكِبَيْنِ فِي الصَّلَاةِ] الْحَدِيثُ اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلُهُ: (لَا يُصَلِّيَنَّ) فِي لَفْظٍ: " لَا يُصَلِّي " قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: كَذَا هُوَ

стр. 460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [نيل الأوطار] فِي الصَّحِيحَيْنِ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَوَجْهُهُ أَنْ لَا نَافِيَةٌ وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ. قَالَ الْحَافِظُ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ بِلَفْظِ: " لَا يُصَلِّ ". وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ: " لَا يُصَلِّيَنَّ " بِزِيَادَةِ نُونِ التَّوْكِيدِ. وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِلَفْظِ: " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " قَوْلُهُ: (لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ) الْعَاتِقُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ إلَى أَصْلِ الْعُنُقِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَتَّزِرُ فِي وَسَطِهِ وَيَشُدُّ طَرَفَيْ الثَّوْبِ فِي حَقْوَيْهِ بَلْ يَتَوَشَّجُ بِهِمَا عَلَى عَاتِقَيْهِ فَيَحْصُلُ السَّتْرُ مِنْ أَعَالِي الْبَدَنِ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، أَوْ لِكَوْنِ ذَلِكَ أَمْكَنَ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: حِكْمَتُهُ أَنَّهُ إذَا اتَّزَرَ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ تَنْكَشِفَ عَوْرَتُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا جَعَلَ بَعْضَهُ عَلَى عَاتِقِهِ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى إمْسَاكِهِ بِيَدِهِ فَيَشْتَغِلُ بِذَلِكَ، وَتَفُوتُهُ سُنَّةُ وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى تَحْتَ صَدْرِهِ وَرَفْعِهِمَا. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَا أَعْلَمُ صِحَّتَهُ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي ثَوْبَيْنِ أَفْضَلُ وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى عَاتِقِ الْمُصَلِّي مِنْهُ شَيْءٌ، وَقَدْ حَمَلَ الْجُمْهُورُ هَذَا النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَعَنْ أَحْمَدَ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَتَرَكَهُ. وَعَنْهُ أَيْضًا تَصِحُّ وَيَأْثَمُ، وَغَفَلَ الْكَرْمَانِيُّ عَنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ فَادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ تَرْكِ جَعْلِ طَرَفِ الثَّوْبِ عَلَى الْعَاتِقِ وَجَعَلَهُ صَارِفًا لِلنَّهْيِ عَنْ التَّحْرِيمِ إلَى الْكَرَاهَةِ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَدَمَ الْجَوَازِ، وَكَلَامُ التِّرْمِذِيِّ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْخِلَافِ أَيْضًا، وَعَقَدَ الطَّحَاوِيُّ لَهُ بَابًا فِي شَرْحِ الْمُغْنِي وَنُقِلَ الْمَنْعُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ عَنْ طَاوُسٍ وَالنَّخَعِيِّ، وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ جَرِيرٍ، وَجَمَعَ الطَّحَاوِيُّ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُصَلِّيَ مُشْتَمِلًا فَإِنْ ضَاقَ اتَّزَرَ وَنَقَلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وُجُوبَ ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ. قَالَ الْحَافِظُ: لَكِنْ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافُهُ. وَاسْتَدَلَّ الْخَطَّابِيِّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ «بِأَنَّهُ ﷺ صَلَّى فِي ثَوْبٍ كَانَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، وَهِيَ نَائِمَةٌ» قَالَ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّرَفَ الَّذِي هُوَ لَابِسُهُ مِنْ الثَّوْبِ غَيْرُ مُتَّسِعٍ؛ لَأَنْ يَتَّزِرَ بِهِ، وَيَفْضُلَ مِنْهُ مَا كَانَ لِعَاتِقِهِ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لَا يَخْفَى قَالَهُ الْحَافِظُ. إذَا تَقَرَّرَ لَك عَدَمُ صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ الَّذِي جَعَلَهُ الْكَرْمَانِيُّ صَارَ لِلنَّهْيِ فَالْوَاجِبُ الْجَزْمُ بِمَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ وَهُوَ تَحْرِيمُ تَرْكِ جَعْلِ طَرَفِ الثَّوْبِ الْوَاحِدِ حَالَ الصَّلَاةِ عَلَى الْعَاتِقِ وَالْجَزْمِ بِوُجُوبِهِ مَعَ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ طَرَفَيْهِ بِالْحَدِيثِ الْآتِي حَتَّى يَنْتَهِضَ دَلِيلٌ يَصْلُحُ لِلصَّرْفِ، وَلَكِنْ هَذَا فِي الثَّوْبِ إذَا كَانَ وَاسِعًا جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَقَدْ عَمِلَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: وَفُرِضَ عَلَى الرَّجُلِ إنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاسِعٍ أَنْ يَطْرَحَ مِنْهُ عَلَى عَاتِقِهِ أَوْ عَاتِقَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، إنْ كَانَ ضَيِّقًا اتَّزَرَ بِهِ، وَأَجْزَأَهُ سَوَاءٌ

стр. 461

٥٢٩ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بِطَرَفَيْهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَزَادَ: " عَلَى عَاتِقَيْهِ ") ٥٣٠ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا صَلَّيْت فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاِتَّزِرْ بِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِأَحْمَدَ وَفِي لَفْظٍ لَهُ آخَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا مَا اتَّسَعَ الثَّوْبُ فَلْتُعَاطِفْ بِهِ عَلَى مَنْكِبَيْك ثُمَّ صَلِّ، وَإِذَا ضَاقَ عَنْ ذَلِكَ فَشُدَّ بِهِ حَقْوَيْك، ثُمَّ صَلِّ مِنْ غَيْرِ رِدَاءٍ» ــ [نيل الأوطار] كَانَ مَعَهُ ثِيَابٌ غَيْرُهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ وَالنَّخَعِيِّ وَطَاوُسٍ. ٥٢٩ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بِطَرَفَيْهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَزَادَ: " عَلَى عَاتِقَيْهِ ") . أَخْرَجَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ أَحْمَدُ وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنٍ عَنْ شَيْبَانُ. وَقَدْ حَمَلَ الْجُمْهُورُ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَحْمَدُ وَالْخِلَافُ فِي الْأَمْرِ هَهُنَا كَالْخِلَافِ فِي النَّهْيِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا. وَفِي الْبَابِ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ كُلِّهِمْ، وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَعَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ وَالْمَوْصِلِيِّ فِي مُسْنَدَيْهِمَا، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي أَسَدٍ عِنْدَ الْبَغَوِيّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ وَالْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَابْنِ مَاجَهْ. وَعَنْ كَيْسَانَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَعَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد. وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ. وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيِّ. وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ عِنْدَ أَبِي دَاوُد. وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ. وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِهِ عَلَى الْمُسْنَدِ وَعَنْ حُذَيْفَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ. وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٌ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَيْضًا. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَيْضًا. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عِنْدَ أَحْمَدَ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَعَنْ مُعَاذٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَيْضًا. وَعَنْ مُعَاوِيَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَيْضًا. وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا. وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ. وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَاضِنِ عَائِشَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ. وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَعَنْ أُمِّ الْفَضْلِ عِنْدَ أَحْمَدَ. وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يُسَمَّ عِنْدَ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. ٥٣٠ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا صَلَّيْت فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاِتَّزِرْ بِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِأَحْمَدَ وَفِي لَفْظٍ لَهُ آخَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا مَا اتَّسَعَ الثَّوْبُ فَلْتُعَاطِفْ بِهِ عَلَى مَنْكِبَيْك ثُمَّ صَلِّ، وَإِذَا ضَاقَ عَنْ ذَلِكَ فَشُدَّ بِهِ حَقْوَيْك، ثُمَّ صَلِّ مِنْ غَيْرِ رِدَاءٍ»

стр. 462

بَابُ مَنْ صَلَّى فِي قَمِيصٍ غَيْرِ مُزَرَّرٍ تَبْدُو مِنْهُ عَوْرَتُهُ فِي الرُّكُوعِ أَوْ غَيْرِهِ ٥٣١ - (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَكُونُ فِي الصَّيْدِ وَأُصَلِّي وَلَيْسَ عَلَيَّ إلَّا قَمِيصٌ وَاحِدٌ قَالَ: «فَزُرَّهُ وَإِنْ لَمْ تَجِدْ إلَّا شَوْكَةً» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ) . ــ [نيل الأوطار] قَوْلُهُ: (فَالْتَحِفْ بِهِ) الِالْتِحَافُ بِالثَّوْبِ: التَّغَطِّي بِهِ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْقَامُوسِ. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَشُدُّ الثَّوْبَ فِي وَسَطِهِ فَيُصَلِّي مَكْشُوفَ الْمَنْكِبَيْنِ بَلْ يَتَّزِرُ بِهِ وَيَرْفَعُ طَرَفَيْهِ فَيَلْتَحِفُ بِهِمَا فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ، هَذَا إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ ضَيِّقًا جَازَ الِاتِّزَارُ بِهِ مِنْ دُونَ كَرَاهَةٍ، وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ كَمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ حَزْمٍ وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، فَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ طَرْحِ الثَّوْبِ عَلَى الْعَاتِقِ وَالْمُخَالَفَةُ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الثَّوْبِ الْوَاسِعِ وَالضَّيِّقِ تَرْكٌ لِلْعَمَلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَتَعْسِيرٌ مُنَافٍ لِلشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ، إنْ أَمْكَنَ الِاسْتِئْنَاسُ لَهُ بِحَدِيثِ: «إنَّ رِجَالًا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَاقِدِي أُزُرِهِمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ كَهَيْئَةِ الصِّبْيَانِ، وَيُقَالُ لِلنِّسَاءِ لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى تَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا» عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَوْلُهُ: (فَشُدَّ بِهِ حَقْوَيْك) الْحَقْوُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مَوْضِعُ شَدِّ الْإِزَارِ وَهُوَ الْخَاصِرَةُ ثُمَّ تَوَسَّعُوا فِيهِ حَتَّى سَمُّوا الْإِزَارَ الَّذِي يُشَدُّ عَلَى الْعَوْرَةِ حَقْوًا. [بَابُ مَنْ صَلَّى فِي قَمِيصِ غَيْرِ مُزَرَّرٍ تَبْدُو مِنْهُ عَوْرَتُهُ فِي الرُّكُوعِ أَوْ غَيْرِهِ] الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالطَّحَاوِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَعَلَّقَهُ. الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَوَصَلَهُ فِي تَارِيخِهِ، وَقَالَ: فِي إسْنَادِهِ نَظَرٌ. قَالَ الْحَافِظُ: وَقَدْ بَيَّنْت طُرُقَهُ فِي تَغْلِيقِ التَّعْلِيقِ وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُوسَى بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَلَمَةَ، زَادَ فِي الْإِسْنَادِ رَجُلًا، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ مَالِكِ بْنِ إسْمَاعِيلَ عَنْ عَطَّافِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، فَصَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ بَيْنَ مُوسَى وَسَلَمَةَ، فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ رِوَايَةُ أَبِي أُوَيْسٍ مِنْ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ، أَوْ يَكُونَ التَّصْرِيحُ فِي رِوَايَةِ عَطَّافٍ، وَهْمَا فَهَذَا وَجْهُ النَّظَرِ فِي إسْنَادِهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ. وَأَمَّا مَنْ صَحَّحَهُ فَاعْتَمَدَ عَلَى رِوَايَةِ الدَّرَاوَرْدِيِّ وَجَعَلَ رِوَايَةَ عَطَّافٍ شَاهِدَةً لِاتِّصَالِهَا. وَطَرِيقُ عَطَّافٍ أَخْرَجَهَا أَيْضًا أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْقَطَّانِ إنَّ مُوسَى هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ الْمُضَعَّفُ عِنْدَ

стр. 463

٥٣٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ حَتَّى يَحْتَزِمَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) ٥٨٦ - (وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ فِي رَهْطٍ مِنْ مُزَيْنَةُ فَبَايَعْنَاهُ، وَإِنَّ قَمِيصَهُ لَمُطْلَقٌ قَالَ: فَبَايَعْتُهُ فَأَدْخَلْت يَدِي مِنْ قَمِيصِهِ فَمَسِسْت الْخَاتَمَ، قَالَ عُرْوَةُ: فَمَا رَأَيْت مُعَاوِيَةَ وَلَا أَبَاهُ فِي شِتَاءٍ وَلَا حَرٍّ إلَّا مُطْلِقَيْ أَزْرَارِهِمَا لَا يُزَرِّرَانِ أَبَدًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) ــ [نيل الأوطار] الْبُخَارِيِّ وَأَبِي حَاتِمٍ وَأَبِي دَاوُد، وَأَنَّهُ نُسِبَ هُنَا إلَى جَدِّهِ فَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّهُ نُسِبَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مَخْزُومِيًّا وَهُوَ غَيْرُ التَّيْمِيِّ فَلَا تَرَدُّدَ، نَعَمْ وَقَعَ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَيُحْتَمَلُ عَلَى بُعْدٍ أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا رَوَيَا الْحَدِيثَ وَحَمَلَهُ عَنْهُمَا الدَّرَاوَرْدِيُّ وَإِلَّا فَذِكْرُ مُحَمَّدٍ فِيهِ شَاذٌّ كَذَا قَالَ الْحَافِظُ. قَوْلُهُ: (فِي الصَّيْدِ) جَاءَ فِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: " إنَّا نَكُونُ فِي الصَّفِّ " وَفِي أُخْرَى " بِالصَّيْفِ " وَقَدْ جَمَعَ ابْنُ الْأَثِيرِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ فِي شَرْحِهِ لِلْمُسْنَدِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ ذِكْرَ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّ الصَّائِدَ يَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا لَيْسَ عَلَيْهِ مَا يَشْغَلُهُ عَنْ الْإِسْرَاعِ فِي طَلَبِ الصَّيْدِ، وَذِكْرُ الصَّفِّ مَعْنَاهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي جَمَاعَةٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا قَمِيصٌ وَاحِدٌ فَرُبَّمَا بَدَتْ عَوْرَتُهُ، وَذِكْرُ الصَّيْفِ مَعْنَاهُ مَظِنَّةٌ لِلْحَرِّ سِيَّمَا فِي الْحِجَازِ لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْإِكْثَارُ مِنْ اللِّبَاسِ. قَوْلُهُ: (فَزُرَّهُ) هَكَذَا وَقَعَ هُنَا. وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ قَالَ: " يَزُرُّهُ ". وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد " فَأَزْرِرْهُ ". وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ وَالنَّسَائِيُّ " زُرْهُ " وَالْمُرَادُ شَدُّ الْقَمِيصِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ لِئَلَّا تَبْدُوَ عَوْرَتُهُ وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَغْرِزَ فِي طَرَفِهِ شَوْكَةً يَسْتَمْسِكُ بِهَا. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَفِي الْقَمِيصِ مُنْفَرِدًا عَنْ غَيْرِهِ مُقَيَّدًا بِعَقْدِ الزُّرَارِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ. ٥٣٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ حَتَّى يَحْتَزِمَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) . هَذَا الْحَدِيثُ وَقَعَ الْبَحْثُ عَنْهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَمُسْنَدِ أَحْمَدَ وَالْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَمَجْمَعِ الزَّوَائِدِ فَلَمْ يُوجَدْ بِهَذَا اللَّفْظِ فَيُنْظَرُ فِي نِسْبَةِ الْمُصَنِّفِ لَهُ إلَى أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَلَكِنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ الْأَمْرُ بِشَدِّ الْإِزَارِ عَلَى الْحَقْوِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الِاحْتِزَامَ شَدُّ الْوَسَطِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ " وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاِتَّزِرْ بِهِ " عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّ الِاتِّزَارَ: شَدُّ الْإِزَارِ عَلَى الْحَقْوِ فَيَكُونُ هَذَا النَّهْيُ مُقَيَّدًا بِالثَّوْبِ الضَّيِّقِ كَمَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ. عَلَى ذَلِكَ. ٥٣٣ - (وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ فِي رَهْطٍ مِنْ مُزَيْنَةُ فَبَايَعْنَاهُ، وَإِنَّ قَمِيصَهُ لَمُطْلَقٌ قَالَ: فَبَايَعْتُهُ فَأَدْخَلْت يَدِي مِنْ قَمِيصِهِ فَمَسِسْت الْخَاتَمَ، قَالَ عُرْوَةُ: فَمَا رَأَيْت مُعَاوِيَةَ وَلَا أَبَاهُ فِي شِتَاءٍ وَلَا حَرٍّ إلَّا مُطْلِقَيْ أَزْرَارِهِمَا لَا يُزَرِّرَانِ أَبَدًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) .

стр. 464

بَابُ اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبَيْنِ وَجَوَازِهَا فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ ٥٣٤ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ: أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ زَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ فَقَالَ: إذَا وَسَّعَ اللَّهُ فَأَوْسِعُوا جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، صَلَّى رَجُلٌ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ، فِي إزَارٍ وَقَمِيصٍ، فِي إزَارٍ وَقَبَا، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَا، فِي تُبَّانٍ وَقَبَا، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ. قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ) . ــ [نيل الأوطار] الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ تَفَرَّدَ بِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ قُرَّةَ بْنَ إيَاسٍ وَالِدَ مُعَاوِيَةَ الْمَذْكُورِ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ ابْنِهِ مُعَاوِيَةَ وَفِي إسْنَادِهِ أَبُو مَهَلٍ بِمِيمِ ثُمَّ هَاءٍ مَفْتُوحَتَيْنِ وَلَامٍ مُخَفَّفَةٍ الْجُعْفِيُّ الْكُوفِيُّ، وَقَدْ وَثَّقَهُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيّ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ. قَوْلُهُ: (وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ نُفَيْلٍ النُّفَيْلِيُّ وَقِيلَ: ابْنُ قُشَيْرٍ وَهُوَ أَبُو مَهَلٍ الْمَذْكُورُ الرَّاوِي عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ. قَوْلُهُ: (إنَّ قَمِيصَهُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ لِأَنَّهَا بَعْدَ وَاوِ الْحَالِ. قَوْلُهُ: (لَمُطْلَقٌ) أَيْ غَيْرُ مَشْدُودٍ، وَكَانَ عَادَةُ الْعَرَبِ أَنْ تَكُونَ جُيُوبُهُمْ وَاسِعَةً فَرُبَّمَا يَشُدُّونَهَا وَرُبَّمَا يَتْرُكُونَهَا مَفْتُوحَةً مُطْلَقَةً. قَوْلُهُ: (فَمَسِسْت) بِكَسْرِ السِّينِ الْأُولَى. قَوْلُهُ: (الْخَاتَمَ) يَعْنِي خَاتَمَ النُّبُوَّةِ تَبَرُّكًا بِهِ وَلِيُخْبِرَ بِهِ مَنْ لَمْ يَرَهُ. قَوْلُهُ: (إلَّا مُطْلِقَيْ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْيَاءِ مُثَنَّى مُطْلِقٍ. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إطْلَاقَ الزُّرَارِ مِنْ السُّنَّةِ. وَالْمُصَنِّفُ أَوْرَدَهُ هَهُنَا تَوَهُّمًا مِنْهُ أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ الَّذِي مَرَّ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ سَلَمَةَ خَاصٌّ بِالصَّلَاةِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الصَّلَاةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِإِيرَادِهِ هُنَا الِاسْتِدْلَالَ بِهِ عَلَى جَوَازِ إطْلَاقِ الزُّرَارِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَتْ تَرْجَمَةُ الْبَابِ لَا تُسَاعِدُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ ﵀: وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْقَمِيصَ لَمْ يَكُنْ وَحْدَهُ اهـ. [بَابُ اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبَيْنِ وَجَوَازِهَا فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ] قَوْلُهُ: (إنَّ سَائِلًا) ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ الْحَنَفِيَّ فِي كِتَابِهِ الْمَبْسُوطِ أَنَّ السَّائِلَ ثَوْبَانُ. قَوْلُهُ: (أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ) قَالَ الْخَطَّابِيِّ: لَفْظُهُ اسْتِخْبَارٌ وَمَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ قِلَّةِ الثِّيَابِ وَوَقَعَ فِي ضِمْنِهِ الْفَتْوَى مِنْ طَرِيقِ الْفَحْوَى، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إذَا عَلِمْتُمْ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ، وَالصَّلَاةُ لَازِمَةٌ، وَلَيْسَ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْكُمْ ثَوْبَانِ فَكَيْفَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ

стр. 465

٥٣٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ــ [نيل الأوطار] الصَّلَاةَ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ جَائِزَةٌ، أَيْ مَعَ مُرَاعَاةِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: مَعْنَاهُ: لَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مَكْرُوهَةً فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَكُرِهَتْ لِمَنْ لَا يَجِدُ إلَّا ثَوْبًا وَاحِدًا اهـ. قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذِهِ الْمُلَازَمَةُ فِي مَقَامِ الْمَنْعِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْقَادِرِ وَغَيْرِهِ، وَالسُّؤَالُ إنَّمَا كَانَ عَنْ الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ لَا عَنْ الْكَرَاهَةِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنَ مَسْعُودٍ لِأَنَّهُ اخْتَلَفَ هُوَ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَقَالَ أُبَيٌّ: الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ وَفِي الثِّيَابِ قِلَّةٌ، فَقَامَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: الْقَوْلُ مَا قَالَ أُبَيٌّ وَلَمْ يَأْلُ ابْنُ مَسْعُودٍ أَيْ لَمْ يُقَصِّرْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. قَوْلُهُ: (جَمَعَ رَجُلٌ) هَذَا مِنْ قَوْلِ عُمَرَ وَأَوْرَدَهُ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ، وَمُرَادُهُ الْأَمْرُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يَعْنِي لِيَجْمَعَ وَلْيُصَلِّ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ كَلَامٌ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ كَأَنَّهُ قَالَ: إنْ جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ فَحَسَنٌ ثُمَّ فَصَّلَ الْجَمْعَ بِصُوَرٍ. قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: تَضَمَّنَ هَذَا فَائِدَتَيْنِ. الْأُولَى: وُرُودُ الْمَاضِي بِمَعْنَى الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى وَالْمَعْنَى لِيُصَلِّ وَالثَّانِيَةُ: حَذْفُ حَرْفِ الْعَطْفِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ ﷺ : «تَصَدَّقَ امْرُؤٌ مِنْ دِينَارِهِ مِنْ دِرْهَمِهِ مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ» . قَوْلُهُ: (فِي سَرَاوِيلَ) قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: السَّرَاوِيلُ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَلَمْ يَعْرِفْ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ التَّذْكِيرَ، وَالْأَشْهَرُ عَدَمُ صَرْفِهِ. قَوْلُهُ: (وَقَبَا) بِالْقَصْرِ وَبِالْمَدِّ. قِيلَ: هُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَقِيلَ: عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنْ قَبَوْت الشَّيْءَ إذَا ضَمَمْت أَصَابِعَك سُمِّيَ بِذَلِكَ لِانْضِمَامِ أَطْرَافِهِ. قَوْلُهُ: (فِي تُبَّانٍ) التُّبَّانُ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ عَلَى هَيْئَةِ السَّرَاوِيلِ. إلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ رِجْلَانِ وَهُوَ يُتَّخَذُ مِنْ جِلْدٍ. قَوْلُهُ: (وَأَحْسَبُهُ) الْقَائِلُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَالضَّمِيرُ فِي أَحْسَبُهُ رَاجِعٌ إلَى عُمَرَ، وَمَجْمُوعُ مَا ذَكَرَ عُمَرُ مِنْ الْمَلَابِسِ سِتَّةٌ، ثَلَاثَةٌ لِلْوَسَطِ وَثَلَاثَةٌ لِغَيْرِهِ، فَقَدَّمَ مَلَابِسَ الْوَسَطِ لِأَنَّهَا مَحَلُّ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَقَدَّمَ أَسْتَرَهَا وَأَكْثَرَهَا اسْتِعْمَالًا لَهُمْ، وَضَمَّ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدًا فَخَرَجَ مِنْ ذَلِكَ تِسْعُ صُوَرٍ مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثَةٍ فِي ثَلَاثَةٍ، وَلَمْ يَقْصِدْ الْحَصْرَ فِي ذَلِكَ بَلْ يَلْحَقُ بِهِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ صَحِيحَةٌ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إلَّا ابْنُ مَسْعُودٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُ النَّوَوِيِّ: لَا أَعْلَمُ صِحَّتَهُ، وَتَقَدَّمَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي ثَوْبَيْنِ أَفْضَلُ، صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْقُرْطُبِيُّ وَالنَّوَوِيُّ، وَفِي قَوْلِ ابْنِ الْمُنْذِرِ: وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ الصَّلَاةَ فِي ثَوْبَيْنِ إشْعَارٌ بِالْخِلَافِ. ٥٣٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ وَمِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " أَمَّنَا جَابِرٌ " الْحَدِيثَ وَلَمْ يُخْرِجْهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِهَذَا

стр. 466

٥٣٦ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: «رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ قَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ) بَابُ كَرَاهِيَةِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ ٥٣٧ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ مِنْهُ: يَعْنِي شَيْءٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ: «نَهَى عَنْ لِبْسَتَيْنِ: أَنْ يَحْتَبِيَ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ فِي إزَارِهِ إذَا مَا صَلَّى إلَّا أَنْ يُخَالِفَ بِطَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ» . ــ [نيل الأوطار] اللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، بَلْ أَخْرَجَ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الَّذِي سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: (مُتَوَشِّحًا بِهِ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حَاكِيًا عَنْ الْأَخْفَشِ: إنَّ التَّوَشُّحَ هُوَ أَنْ يَأْخُذَ طَرَفَ الثَّوْبِ الْأَيْسَرِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ الْيُسْرَى فَيُلْقِيَهُ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ وَيُلْقِيَ طَرَفَ الثَّوْبِ الْأَيْمَنِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ، قَالَ: وَهَذَا التَّوَشُّحُ الَّذِي جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ إذَا تَوَشَّحَ بِهِ الْمُصَلِّي، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ. ٥٣٦ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: «رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ قَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ) . قَوْلُهُ: (مُتَوَشِّحًا بِهِ) فِي الْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ " مُشْتَمِلًا ". وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ " مُلْتَحِفًا " بِهِ وَقَدْ جَعَلَهَا النَّوَوِيُّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَقَالَ: الْمُشْتَمِلُ وَالْمُتَوَشِّحُ وَالْمُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ مَعْنَاهُ وَاحِدٌ هُنَا، وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ، وَفَرَّقَ الْأَخْفَشُ بَيْنَ الِاشْتِمَالِ وَالتَّوَشُّحِ فَقَالَ: إنَّ الِاشْتِمَالَ هُوَ أَنْ يَلْتَفَّ الرَّجُلُ بِرِدَائِهِ أَوْ بِكِسَائِهِ مِنْ رَأْسِهِ إلَى قَدَمِهِ وَيَرُدَّ طَرَفَ الثَّوْبِ الْأَيْمَنِ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ، قَالَ: وَالتَّوَشُّحُ وَذَكَرَ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، وَفَائِدَةُ التَّوَشُّحِ وَالِاشْتِمَالِ وَالِالْتِحَافِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنْ لَا يَنْظُرَ الْمُصَلِّي إلَى عَوْرَةِ نَفْسِهِ إذَا رَكَعَ وَلِئَلَّا يَسْقُطَ الثَّوْبُ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ. قَوْلُهُ: (قَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ) قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ صَحِيحَةٌ إذَا تَوَشَّحَ بِهِ الْمُصَلِّي أَوْ وَضَعَ طَرَفًا عَلَى عَاتِقِهِ أَوْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ. [بَابُ كَرَاهِيَةِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ] قَوْلُهُ: (أَنْ يَحْتَبِيَ) الِاحْتِبَاءُ أَنْ يَقْعُدَ عَلَى أَلْيَتَيْهِ وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ وَيَلُفَّ عَلَيْهِ ثَوْبًا، وَيُقَالُ

стр. 467

(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ وَالِاحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ فَإِنَّهُ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلِلْبُخَارِيِّ «نَهَى عَنْ لِبْسَتَيْنِ» ، وَاللِّبْسَتَانِ: اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ وَالصَّمَّاءُ: أَنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ فَيَبْدُوَ أَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، وَاللِّبْسَةُ الْأُخْرَى احْتِبَاؤُهُ بِثَوْبِهِ، وَهُوَ جَالِسٌ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ) بَابُ النَّهْيِ عَنْ السَّدْلِ وَالتَّلَثُّمِ فِي الصَّلَاةِ ٥٣٩ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ السَّدْلِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلِأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْهُ النَّهْيُ عَنْ السَّدْلِ، وَلِابْنِ مَاجَهْ النَّهْيُ عَنْ تَغْطِيَةِ ــ [نيل الأوطار] لَهُ: الْحَبْوَةُ وَكَانَتْ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ. قَوْلُهُ: (لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ سَتْرُ السَّوْأَتَيْنِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ النَّهْيَ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْفَرْجِ شَيْءٌ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْفَرْجَ إنْ كَانَ مَسْتُورًا فَلَا نَهْيَ. قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ) هُوَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: هُوَ أَنْ يُجَلِّلَ جَسَدَهُ بِالثَّوْبِ لَا يَرْفَعُ مِنْهُ جَانِبًا، وَلَا يُبْقِي مَا تَخْرُجُ مِنْهُ يَدُهُ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَتْ صَمَّاءَ؛ لِأَنَّهُ يَسُدُّ الْمَنَافِذَ كُلَّهَا فَيَصِيرُ كَالصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا خَرْقٌ. وَقَالَ الْفُقَهَاءُ: هُوَ أَنْ يَلْتَحِفَ بِالثَّوْبِ ثُمَّ يَرْفَعَهُ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ فَيَضَعَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَيَصِيرَ فَرْجُهُ بَادِيًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: فَعَلَى تَفْسِيرِ أَهْلِ اللُّغَةِ يَكُونُ مَكْرُوهًا لِئَلَّا تَعْرِضَ لَهُ حَاجَةٌ فَيَتَعَسَّرَ عَلَيْهِ إخْرَاجُ يَدِهِ فَيَلْحَقَهُ الضَّرَرُ، وَعَلَى تَفْسِيرِ الْفُقَهَاءِ يَحْرُمُ لِأَجْلِ انْكِشَافِ الْعَوْرَةِ، وَقَالَ الْحَافِظُ: ظَاهِرُ سِيَاقِ الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ فِي اللِّبَاسِ أَنَّ التَّفْسِيرَ الْمَذْكُورَ فِيهَا مَرْفُوعٌ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ، وَلَفْظُهُ سَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَابِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ مِنْ الرَّاوِي لَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْخَبَرِ. قَوْلُهُ: (وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ) هَذِهِ الرِّوَايَةُ مُوَافِقَةٌ لِمَا عِنْدَ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَعْنَى إلَّا أَنَّ فِيهَا زِيَادَةً وَهُوَ قَوْلُهُ: " إذَا مَا صَلَّى " وَهِيَ غَيْرُ صَالِحَةٍ لِتَقْيِيدِ النَّهْيِ بِحَالَةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ مُحَرَّمٌ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ، وَالنَّهْيُ عَنْ الِاحْتِبَاءِ وَالِاشْتِمَالِ لِكَوْنِهِمَا مَظِنَّةَ الِانْكِشَافِ فَلَا يَخْتَصُّ بِتِلْكَ الْحَالَةِ. قَوْلُهُ: (لِبْسَتَيْنِ) هُوَ بِكَسْرِ اللَّامِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ الْهَيْئَةُ الْمَخْصُوصَةُ لَا الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ مِنْ اللُّبْسِ. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ هَاتَيْنِ اللِّبْسَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لِلنَّهْيِ، وَصَرْفُهُ إلَى الْكَرَاهَةِ مُفْتَقِرٌ إلَى دَلِيلٍ. ٥٣٨ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ وَالِاحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ فَإِنَّهُ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلِلْبُخَارِيِّ «نَهَى عَنْ لِبْسَتَيْنِ» ، وَاللِّبْسَتَانِ: اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ وَالصَّمَّاءُ: أَنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ فَيَبْدُوَ أَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، وَاللِّبْسَةُ الْأُخْرَى احْتِبَاؤُهُ بِثَوْبِهِ، وَهُوَ جَالِسٌ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ) . قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْحَدِيثِ فِي شَرْحِ الَّذِي قَبْلَهُ.

стр. 468

الْفَمِ) . ــ [نيل الأوطار] [بَابُ النَّهْيِ عَنْ السَّدْلِ وَالتَّلَثُّمِ فِي الصَّلَاةِ] الْحَدِيثُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا إلَّا مِنْ حَدِيثِ عَسَلِ بْنِ سُفْيَانَ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ الطَّرِيقِ الَّتِي رَوَاهَا أَبُو دَاوُد بِالزِّيَادَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَا فِيهِ تَغْطِيَةَ الرَّجُلِ فَاهُ فِي الصَّلَاةِ ا. هـ. وَكَلَامُهُ هَذَا يُفْهِمُ أَنَّهُمَا أَخْرَجَا أَصْلَ الْحَدِيثِ مَعَ أَنَّهُمَا لَمْ يُخَرِّجَاهُ. وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي مَعَاجِمِهِ الثَّلَاثَةِ، وَالْبَزَّارِ فِي مُسْنَدِهِ وَفِي إسْنَادِهِ حَفْصُ بْنُ أَبِي دَاوُد وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَكَذَلِكَ أَبُو مَالِكٍ النَّخَعِيّ وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُمْ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ كَتَبْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ إبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ عَنْ الْهَيْثَمِ فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ رِوَايَةِ حَفْصٍ. وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ، وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ بُسْرُ بْنُ رَافِعٍ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَفِي إسْنَادِهِ عِيسَى بْنُ قِرْطَاسٍ وَلَيْسَ بِثِقَةٍ، وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: هُوَ مِمَّنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِ الْبَابِ فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَحْتَجَّ بِهِ لِتَفَرُّدِ عَسَلِ بْنِ سُفْيَانَ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ. قَالَ الْخَلَّالُ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ حَدِيثِ السَّدْلِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ: لَيْسَ هُوَ بِصَحِيحِ الْإِسْنَادِ. وَقَالَ: عَسَلُ بْنُ سُفْيَانَ غَيْرُ مُحْكَمِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو حَاتِمٍ وَالْبُخَارِيُّ وَآخَرُونَ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَقَالَ: يُخْطِئُ وَيُخَالِفُ عَلَى قِلَّةِ رِوَايَتِهِ اهـ. وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَطْ، وَأَبُو دَاوُد أَخْرَجَ لَهُ هَذَا وَحَدِيثًا آخَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَصْحِيحُ الْحَاكِمِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَعَسَلُ بْنُ سُفْيَانَ لَمْ يَتَفَرَّدْ بِهِ فَقَدْ شَارَكَهُ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ عَطَاءٍ الْحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ وَتَرْكُ يَحْيَى لَهُ لَمْ يَكُنْ إلَّا لِقَوْلِهِ إنَّهُ كَانَ قَدَرِيًّا وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: أَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. قَوْلُهُ: (نَهَى عَنْ السَّدْلِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي غَرِيبِهِ: السَّدْلُ: إسْبَالُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضُمَّ جَانِبَيْهِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنْ ضَمَّهُ فَلَيْسَ بِسَدْلٍ، وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: هُوَ أَنْ يَلْتَحِفَ بِثَوْبِهِ، وَيُدْخِلَ يَدَيْهِ مِنْ دَاخِلٍ فَيَرْكَعَ وَيَسْجُدَ، وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ: وَهَذَا مُطَّرِدٌ فِي الْقَمِيصِ وَغَيْرِهِ مِنْ الثِّيَابِ قَالَ: وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَضَعَ وَسَطَ الْإِزَارِ عَلَى رَأْسِهِ وَيُرْسِلَ طَرَفَيْهِ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْعَلَهُمَا عَلَى كَتِفَيْهِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: سَدَلَ ثَوْبَهُ يَسْدُلُهُ بِالضَّمِّ سَدْلًا أَيْ أَرْخَاهُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيِّ: السَّدْلُ: إرْسَالُ الثَّوْبِ حَتَّى يُصِيبَ الْأَرْضَ اهـ. فَعَلَى هَذَا السَّدْلُ وَالْإِسْبَالُ وَاحِدٌ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالسَّدْلِ: سَدْلُ الشَّعْرِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَدَلَ نَاصِيَتَهُ» وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ " أَنَّهَا

стр. 469

بَابُ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْحَرِيرِ وَالْمَغْصُوبِ ٥٤٠ - (عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «مَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَفِيهِ دِرْهَمٌ حَرَامٌ لَمْ يَقْبَلْ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً مَا دَامَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَقَالَ: صُمَّتَا إنْ لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ سَمِعْتُهُ يَقُولُهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ) . ــ [نيل الأوطار] سَدَلَتْ قِنَاعَهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ " أَيْ أَسْبَلَتْهُ اهـ. وَلَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الْمَعَانِي إنْ كَانَ السَّدْلُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهَا، وَحَمْلُ الْمُشْتَرَكِ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ هُوَ الْمَذْهَبُ الْقَوِيُّ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ السَّدْلَ مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ، أَخْرَجَ الْخَلَّالُ فِي الْعِلَلِ وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ خَرَجَ فَرَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ قَدْ سَدَلُوا ثِيَابَهُمْ فَقَالَ: كَأَنَّهُمْ الْيَهُودُ خَرَجُوا مِنْ قُهْرِهِمْ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ مَوْضِعُ مَدَارِسِهِمْ الَّذِي يَجْتَمِعُونَ فِيهِ. قَالَ صَاحِبُ الْإِمَامِ: وَالْقُهْرُ بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الْهَاءِ مَوْضِعُ مَدَارِسِهِمْ الَّذِي يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، وَذَكَرَهُ فِي الْقَامُوسِ وَالنِّهَايَةِ فِي الْفَاءِ لَا فِي الْقَافِ. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ السَّدْلِ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ مَعْنَى النَّهْيِ الْحَقِيقِيِّ، وَكَرِهَهُ ابْنُ عُمَرَ وَمُجَاهِدٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ أَحْمَدُ: يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَمَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيُّ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ لَا مُوجِبَ لِلْعُدُولِ عَنْ التَّحْرِيمِ إنْ صَحَّ الْحَدِيثُ لِعَدَمِ وُجْدَانِ صَارِفٍ لَهُ عَنْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَأَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ) قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لِأَنَّهُ مِنْ زِيِّ الْمَجُوسِ قَالَ: وَإِنَّمَا زَجَرَ عَنْ تَغْطِيَةِ الْفَمِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الدَّوَامِ لَا عِنْدَ التَّثَاؤُبِ بِمِقْدَارِ مَا يَكْظِمُهُ لِحَدِيثِ «إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ» وَهَذَا لَا يَتِمُّ إلَّا بَعْدَ تَسْلِيمِ عَدَمِ اعْتِبَارِ قَيْدٍ فِي الصَّلَاةِ الْمُصَرَّحِ بِهِ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي جَانِبِ الْمَعْطُوفِ، وَفِيهِ خِلَافٌ وَنِزَاعٌ. وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى كَرَاهَةِ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُتَلَثِّمًا كَمَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ. [بَابُ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْحَرِيرِ وَالْمَغْصُوبِ] الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ وَضَعَّفَاهُ وَتَمَّامٌ وَالْخَطِيبُ وَابْنُ عَسَاكِرَ وَالدَّيْلَمِيُّ، وَفِي إسْنَادِهِ هَاشِمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي إرْشَادِهِ: وَهُوَ لَا يُعْرَفُ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ: إنَّ الصَّلَاةَ فِي الثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ أَوْ الْمَغْصُوبِ ثَمَنُهُ لَا تَصِحُّ، وَهُمْ الْعِتْرَةُ جَمِيعًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: تَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْعِصْيَانَ لَيْسَ بِنَفْسِ الطَّاعَةَ لِتَغَايُرِ اللِّبَاسِ وَالصَّلَاةِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْحَدِيثَ مُصَرِّحٌ بِنَفْيِ قَبُولِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ

стр. 470

٥٤١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَحْمَدَ: «مَنْ صَنَعَ أَمْرًا عَلَى غَيْرِ أَمْرِنَا فَهُوَ مَرْدُودٌ» . ــ [نيل الأوطار] ثَمَنُهُ، وَالْمَغْصُوبِ عَيْنُهُ بِالْأَوْلَى، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْحَدِيثَ لَا يَنْتَهِضُ لِلْحُجِّيَّةِ، وَلَوْ سَلِمَ فَمَعْنَى نَفْيِ الْقَبُولِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَرِدُ عَلَى وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ يُرَادُ بِهِ الْمُلَازِمُ لِنَفْيِ الصِّحَّةِ وَالْإِجْزَاءِ نَحْوُ قَوْلِهِ «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ» وَالثَّانِي يُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْكَمَالِ وَالْفَضِيلَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ نَفْيِ قَبُولِ صَلَاةِ الْآبِقِ وَالْمُغَاضِبَةِ لِزَوْجِهَا وَمَنْ فِي جَوْفِهِ خَمْرٌ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ هُوَ مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّةِ صَلَاتِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى هَذَا فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ هَذَا الشَّرْحِ. وَمِنْ هَهُنَا تَعْلَمُ أَنَّ نَفْيَ الْقَبُولِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى أَحَدِهِمَا إلَّا لِدَلِيلٍ فَلَا يَتِمُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِي مَوَاطِنِ النِّزَاعِ. وَقَالَ أَبُو هِشَامٍ: إنْ اسْتَتَرَ بِحَلَالٍ لَمْ يُفْسِدْهُ الْمَغْصُوبُ فَوْقَهُ. إذْ هُوَ فَضْلَةٌ. قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَفِيهِ يَعْنِي الْحَدِيثَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النُّقُودَ تَتَعَيَّنُ فِي الْعُقُودِ. اهـ. وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ فُقَهَاءِ الزَّيْدِيَّةِ أَنْ تَتَعَيَّنَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ مَوْضِعًا وَمَحَلُّ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ عِلْمُ الْفُرُوعِ قَوْلُهُ: (لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا) الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ هُنَا وَاحِدُ الْأُمُورِ، وَهُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ. قَوْلُهُ: (فَهُوَ رَدٌّ) الْمَصْدَرُ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ كَمَا بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، قَالَ فِي الْفَتْحِ: يُحْتَجُّ بِهِ فِي إبْطَالِ جَمِيعِ الْعُقُودِ الْمَنْهِيَّةِ وَعَدَمِ وُجُودِ ثَمَرَاتِهَا الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهَا، وَأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ؛ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّاتِ كُلَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، فَيَجِبُ رَدُّهَا، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُغَيِّرُ مَا فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ، لِقَوْلِهِ: " لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا " وَالْمُرَادُ بِهِ أَمْرُ الدِّينِ، وَفِيهِ أَنَّ الصُّلْحَ الْفَاسِدَ مُنْتَقَضٌ، وَالْمَأْخُوذُ عَلَيْهِ مُسْتَحَقُّ الرَّدِّ اهـ. وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا لَا يَأْتِي عَلَيْهِ الْحَصْرُ. وَمَا أَصْرَحَهُ وَأَدَلَّهُ عَلَى إبْطَالِ مَا فَعَلَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ تَقْسِيمِ الْبِدَعِ إلَى أَقْسَامٍ وَتَخْصِيصِ الرَّدِّ بِبَعْضِهَا بِلَا مُخَصِّصٍ مِنْ عَقْلٍ وَلَا نَقْلٍ فَعَلَيْك إذَا سَمِعْت مَنْ يَقُولُ هَذِهِ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ بِالْقِيَامِ فِي مَقَامِ الْمَنْعِ مُسْنِدًا لَهُ بِهَذِهِ الْكُلِّيَّةِ وَمَا يُشَابِهُهَا مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ : «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» طَالِبًا لِدَلِيلِ تَخْصِيصِ تِلْكَ الْبِدْعَةِ الَّتِي وَقَعَ النِّزَاعُ فِي شَأْنِهَا بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهَا بِدْعَةٌ، فَإِنْ جَاءَك بِهِ قَبِلْته، وَإِنْ كَاعَ كُنْت قَدْ أَلْقَمْته حَجَرًا وَاسْتَرَحْت مِنْ الْمُجَادَلَةِ. وَمِنْ مَوَاطِنِ الِاسْتِدْلَالِ لِهَذَا الْحَدِيثِ كُلُّ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ بَيْنَك وَبَيْنَ خَصْمِك عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَالَفَك فِي اقْتِضَائِهِ الْبُطْلَانَ أَوْ الْفَسَادَ مُتَمَسِّكًا بِمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ إلَّا عَدَمَ أَمْرٍ يُؤْثَرُ عَدَمُهُ فِي الْعَدَمِ، كَالشَّرْطِ أَوْ وُجُودِ أَمْرٍ يُؤْثَرُ

стр. 471

٥٤٢ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: «أُهْدِيَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرُّوجُ حَرِيرٍ فَلَبِسَهُ، ثُمَّ صَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا عَنِيفًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ، ثُمَّ قَالَ لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . ــ [نيل الأوطار] وُجُودُهُ فِي الْعَدَمِ كَالْمَانِعِ، فَعَلَيْك بِمَنْعِ هَذَا التَّخْصِيصِ الَّذِي لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ إلَّا مُجَرَّدَ الِاصْطِلَاحِ مُسْنِدًا لِهَذَا الْمَنْعِ بِمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ الْعُمُومِ الْمُحِيطِ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْأُمُورِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ قَائِلًا: هَذَا أَمْرٌ لَيْسَ مِنْ أَمْرِهِ، وَكُلُّ أَمْرٍ لَيْسَ مِنْ أَمْرِهِ رَدٌّ فَهَذَا رَدٌّ وَكُلُّ رَدٍّ بَاطِلٌ، فَهَذَا بَاطِلٌ، فَالصَّلَاةُ مَثَلًا الَّتِي تُرِكَ فِيهَا مَا كَانَ يَفْعَلُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ فُعِلَ فِيهَا مَا كَانَ يَتْرُكُهُ لَيْسَتْ مِنْ أَمْرِهِ، فَتَكُونُ بَاطِلَةً بِنَفْسِ هَذَا الدَّلِيلِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْأَمْرُ الْمَفْعُولُ أَوْ الْمَتْرُوكُ مَانِعًا بِاصْطِلَاحِ أَهْلِ الْأُصُولِ، أَوْ شَرْطًا أَوْ غَيْرَهُمَا، فَلْيَكُنْ مِنْك هَذَا عَلَى ذِكْرٍ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعْدُودٌ مِنْ أُصُولِ الْإِسْلَامِ، وَقَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِهِ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ: مَنْ اخْتَرَعَ مِنْ الدِّينِ مَا لَا يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِهِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يَنْبَغِي حِفْظُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ فِي إبْطَالِ الْمُنْكَرَاتِ وَإِشَاعَةِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ كَذَلِكَ. وَقَالَ الطُّوخِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ يَصْلُحُ أَنْ يُسَمَّى نِصْفَ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ يَتَرَكَّبُ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ، وَالْمَطْلُوبُ بِالدَّلِيلِ إمَّا إثْبَاتُ الْحُكْمِ أَوْ نَفْيُهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ مُقَدِّمَةٌ كُبْرَى فِي إثْبَاتِ كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَنَفْيِهِ لِأَنَّ مَنْطُوقَهُ مُقَدِّمَةٌ كُلِّيَّةٌ، مِثْلُ أَنْ يُقَالَ فِي الْوُضُوءِ بِمَاءٍ نَجِسٍ: هَذَا لَيْسَ مِنْ أَمْرِ الشَّرْعِ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مَرْدُودٌ فَهَذَا الْعَمَلُ مَرْدُودٌ، فَالْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ ثَابِتَةٌ بِهَذَا الدَّلِيلِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ النِّزَاعُ فِي الْأُولَى، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا عَلَيْهِ أَمْرُ الشَّرْعِ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَلَوْ اتَّفَقَ أَنْ يُوجَدَ حَدِيثٌ يَكُونُ مُقَدِّمَةً أَوْلَى فِي إثْبَاتِ كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَنَفْيِهِ لَاسْتَقَلَّ الْحَدِيثَانِ بِجَمْعِ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، لَكِنَّ هَذَا الثَّانِي لَا يُوجَدُ، فَإِذَنْ حَدِيثُ الْبَابِ نِصْفُ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ اهـ. قَوْلُهُ: (فَرُّوجُ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَضْمُومَةِ وَآخِرُهُ جِيمٌ هُوَ الْقَبَا الْمُفَرَّجُ مِنْ خَلْفٍ، وَحَكَى أَبُو زَكَرِيَّا التَّبْرِيزِيُّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ الْمِصْرِيِّ جَوَازُ ضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفُ الرَّاءِ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَاَلَّذِي أَهْدَاهُ هُوَ أُكَيْدِرُ دَوْمَةَ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْبُخَارِيُّ فِي اللِّبَاسِ. وَالْحَدِيثُ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِتَحْرِيمِ الصَّلَاةِ فِي الْحَرِيرِ وَهُوَ الْهَادِي فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَالنَّاصِرُ وَالْمَنْصُورُ بِاَللَّهِ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ الْهَادِي فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَأَبُو الْعَبَّاسِ وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ وَالْإِمَامُ يَحْيَى وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: إنَّهَا مَكْرُوهَةٌ فَقَطْ، مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ الْخُيَلَاءُ وَلَا خُيَلَاءَ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا تَخْصِيصٌ لِلنَّصِّ بِحِيَالِ عِلَّةِ الْخُيَلَاءِ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي الِالْتِفَاتُ إلَيْهِ. وَقَدْ

стр. 472

٥٤٣ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «لَبِسَ النَّبِيُّ ﷺ قَبَاءً لَهُ مِنْ دِيبَاجٍ أُهْدِيَ إلَيْهِ، ثُمَّ أَوْشَكَ أَنْ نَزَعَهُ وَأَرْسَلَ بِهِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقِيلَ: قَدْ أَوْشَكْت مَا نَزَعْته يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: نَهَانِي عَنْهُ جِبْرِيلُ فَجَاءَهُ عُمَرُ يَبْكِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَرِهْت أَمْرًا وَأَعْطَيْتَنِيهِ فَمَا لِي؟ فَقَالَ: مَا أَعْطَيْتُك لِتَلْبَسَهُ إنَّمَا أَعْطَيْتُك تَبِيعُهُ فَبَاعَهُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ) ــ [نيل الأوطار] اسْتَدَلُّوا لِجَوَازِ الصَّلَاةِ فِي ثِيَابِ الْحَرِيرِ بِعَدَمِ إعَادَتِهِ ﷺ لِتِلْكَ الصَّلَاةِ وَهُوَ مَرْدُودٌ لِأَنَّ تَرْكَ إعَادَتِهَا لِكَوْنِهَا وَقَعَتْ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: «صَلَّى فِي قَبَا دِيبَاجٍ ثُمَّ نَزَعَهُ وَقَالَ: نَهَانِي جِبْرِيلُ ﵇» وَسَيَأْتِي، وَهَذَا ظَاهِرٌ. فِي أَنَّ صَلَاتَهُ فِيهِ كَانَتْ قَبْلَ تَحْرِيمِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهَذَا يَعْنِي حَدِيثَ الْبَابِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَبِسَهُ قَبْلَ تَحْرِيمِهِ إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِهِ أَنَّهُ لَبِسَهُ بَعْدَ التَّحْرِيمِ فِي صَلَاةٍ وَلَا غَيْرِهَا. وَيَدُلُّ عَلَى إبَاحَتِهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مَا رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ «أَنَّ أُكَيْدِرَ دَوْمَةَ أَهْدَى إلَى النَّبِيِّ ﷺ جُبَّةَ سُنْدُسٍ أَوْ دِيبَاجٍ قَبْلَ أَنْ يَنْهَى عَنْ الْحَرِيرِ فَلَبِسَهَا فَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْهَا فَقَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ انْتَهَى. قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ صَحَّتْ فِيهِ وِفَاقًا بَيْنَهُمْ فَإِنْ صَلَّى عَارِيًّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يُصَلِّي عَارِيًّا كَالنَّجِسِ. وَقَدْ اخْتَلَفُوا هَلْ تُجْزِي الصَّلَاةُ فِي الْحَرِيرِ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: إنَّهَا تُجْزِئُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مَعَ التَّحْرِيمِ، وَعَنْ مَالِكٍ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ انْتَهَى. وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَحُكْمُهُ قَرِيبًا. ٥٤٣ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «لَبِسَ النَّبِيُّ ﷺ قَبَاءً لَهُ مِنْ دِيبَاجٍ أُهْدِيَ إلَيْهِ، ثُمَّ أَوْشَكَ أَنْ نَزَعَهُ وَأَرْسَلَ بِهِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقِيلَ: قَدْ أَوْشَكْت مَا نَزَعْته يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: نَهَانِي عَنْهُ جِبْرِيلُ فَجَاءَهُ عُمَرُ يَبْكِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَرِهْت أَمْرًا وَأَعْطَيْتَنِيهِ فَمَا لِي؟ فَقَالَ: مَا أَعْطَيْتُك لِتَلْبَسَهُ إنَّمَا أَعْطَيْتُك تَبِيعُهُ فَبَاعَهُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ) . الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِنَحْوٍ مِمَّا هُنَا. قَوْلُهُ: (مِنْ دِيبَاجٍ) الدِّيبَاجُ هُوَ نَوْعٌ مِنْ الْحَرِيرِ، قِيلَ: هُوَ مَا غَلُظَ مِنْهُ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَوْشَكَ) أَيْ أَسْرَعَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ لُبْسِ الْحَرِيرِ، وَلُبْسُ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى الْحِلِّ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَبِسَهُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: " نَهَانِي عَنْهُ جِبْرِيلُ " وَلِهَذَا حُصِرَ الْغَرَضُ مِنْ الْإِعْطَاءِ فِي الْبَيْعِ وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ مَا هُوَ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: فِيهِ يَعْنِي الْحَدِيثَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أُمَّتَهُ ﵊ أُسْوَتُهُ فِي الْأَحْكَامِ اهـ. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ مَا هُوَ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ وَالْأَدِلَّةُ الْعَامَّةُ قَاضِيَةٌ بِمِثْلِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ نَحْوِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] .

стр. 473

كِتَابُ اللِّبَاسِ بَابُ تَحْرِيمِ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ ٥٤٤ - عَنْ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» . ٥٤٥ - (عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا فَلَنْ يَلْبَسَهُ فِي الْآخِرَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا) . ــ [نيل الأوطار] [كِتَابُ اللِّبَاسِ] [بَابُ تَحْرِيمِ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ] الْحَدِيثَانِ يَدُلَّانِ عَلَى تَحْرِيمِ لُبْسِ الْحَرِيرِ مَا فِي الْأَوَّلِ مِنْ النَّهْيِ الَّذِي يَقْتَضِي بِحَقِيقَتِهِ التَّحْرِيمَ، وَتَعْلِيلُ ذَلِكَ بِأَنَّ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] فَمَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ، رَوَى ذَلِكَ النَّسَائِيّ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: " وَاَللَّهِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ " وَذَكَرَ الْآيَةَ وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: " وَإِنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ لَبِسَهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَلَمْ يَلْبَسْهُ ". وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ بِلَفْظِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» وَالْخَلَاقُ كَمَا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَشُرُوحِ الْحَدِيثِ: النَّصِيبُ أَيْ مَنْ لَا نَصِيبَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَهَكَذَا إذَا فُسِّرَ بِمَنْ لَا حُرْمَةَ لَهُ، أَوْ مَنْ لَا دِينَ لَهُ كَمَا قِيلَ. وَهَكَذَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ السِّتَّةِ إلَّا التِّرْمِذِيَّ بِلَفْظِ: أَنَّهُ «رَأَى عُمَرُ حُلَّةً مِنْ إسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فَأَتَى بِهَا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْتَعْ هَذِهِ فَتَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَالْوُفُودِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ، ثُمَّ لَبِثَ عُمَرُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ ﷺ بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ، فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْت: إنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ ثُمَّ أَرْسَلْت إلَيَّ بِهَذِهِ فَقَالَ ﷺ : إنِّي لَمْ أُرْسِلْهَا إلَيْك لِتَلْبَسَهَا وَلَكِنْ لِتَبِيعَهَا وَتُصِيبَ بِهَا حَاجَتَك» . وَمِنْ أَدِلَّةِ التَّحْرِيمِ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ السَّابِقُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْكِتَابِ فَإِنَّ قَوْلُهُ: «لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ» إرْشَادٌ إلَى أَنَّ لَابِسَ الْحَرِيرِ لَيْسَ مِنْ زُمْرَةِ الْمُتَّقِينَ. وَقَدْ عُلِمَ وُجُوبُ الْكَوْنِ مِنْهُمْ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ: «الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْحَرِيرُ وَالدِّيبَاجُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» . وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى وَعَلِيٍّ وَحُذَيْفَةَ وَعُمَرَ وَأَبِي عَامِرٍ وَسَيَأْتِي وَإِذَا لَمْ تُفِدْ هَذِهِ الْأَدِلَّةُ التَّحْرِيمَ فَمَا فِي الدُّنْيَا مُحَرَّمٌ. وَأَمَّا مُعَارَضَتُهَا بِمَا سَيَأْتِي فَسَتَعْرِفُ مَا عَلَيْهِ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى التَّحْرِيمِ ذَكَرَ

стр. 474

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [نيل الأوطار] ذَلِكَ الْمَهْدِيُّ فِي الْبَحْرِ، وَقَدْ نَسَبَ فِيهِ الْخِلَافَ فِي التَّحْرِيمِ إلَى ابْنِ عُلَيَّةَ وَقَالَ: إنَّهُ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بَعْدَهُ عَلَى التَّحْرِيمِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: حُكِيَ عَنْ قَوْمٍ إبَاحَتُهُ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: إنَّهُ لَبِسَ الْحَرِيرَ عِشْرُونَ نَفْسًا مِنْ الصَّحَابَةِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ، مِنْهُمْ أَنَسٌ وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَوَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ مُخْتَصٌّ بِالرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مُسْتَدِلًّا بِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْمُخَصِّصُ الَّذِي سَيَأْتِي. وَقَدْ اسْتَدَلَّ مَنْ جَوَّزَ لُبْسَ الْحَرِيرِ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْمُتَقَدِّمُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ الْكِتَابِ، وَقَدْ عَرَفْت الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ. وَمِنْهَا حَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي الْجُبَّةِ الَّتِي كَانَ يَلْبَسُهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ إبَاحَةِ الْيَسِيرِ مِنْ الْحَرِيرِ وَسَنَذْكُرُ الْجَوَابَ عَنْهُ هُنَالِكَ. وَمِنْهَا حَدِيثُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ «أَنَّهَا قَدِمَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَقْبِيَةٌ فَذَهَبَ هُوَ وَأَبُوهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ لِشَيْءٍ مِنْهَا فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَلَيْهِ قَبَا مِنْ دِيبَاجٍ مَزْرُورٍ، فَقَالَ: يَا مَخْرَمَةُ خَبَّأْنَا لَك هَذَا وَجَعَلَ يُرِيهِ مَحَاسِنَهُ، وَقَالَ: أَرَضِيَ مَخْرَمَةُ» . وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا فِعْلٌ لَا ظَاهِرَ لَهُ، وَالْأَقْوَالُ صَرِيحَةٌ فِي التَّحْرِيمِ، عَلَى أَنَّهُ لَا نِزَاعَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ الْحَرِيرَ، ثُمَّ كَانَ التَّحْرِيمُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ كَمَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمُ. وَمِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ، وَسَنَذْكُرُ الْجَوَابَ عَنْهُ هُنَالِكَ. وَمِنْهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ لُبْسِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ لَهُ، وَسَيَأْتِي الْجَوَابُ عَلَيْهِ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْخَزِّ. وَمِنْهَا «أَنَّهُ ﷺ لَبِسَ مُسْتَقَةً مِنْ سُنْدُسٍ أَهْدَاهَا لَهُ مَلِكُ الرُّومِ ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إلَى جَعْفَرٍ فَلَبِسَهَا ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: إنِّي لَمْ أُعْطِكَهَا لِتَلْبَسَهَا، قَالَ: فَمَا أَصْنَعُ؟ قَالَ: أَرْسِلْ بِهَا إلَى أَخِيك النَّجَاشِيِّ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. وَالْجَوَابُ عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِلُبْسِهِ ﷺ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْجَوَابِ عَنْ حَدِيثِ مَخْرَمَةَ. وَأَمَّا عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِأَمْرِهِ ﷺ لِجَعْفَرٍ أَنْ يَبْعَثَ بِهَا لِلنَّجَاشِيِّ فَالْجَوَابُ عَنْهُ كَالْجَوَابِ الَّذِي سَيَأْتِي فِي شَرْحِ حَدِيثِ لُبْسِهِ ﷺ لِلْخَزِّ، عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ غَيْرُ صَالِحٍ لِلِاحْتِجَاجِ، لِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ عَلِيَّ بْنَ زَيْدِ بْنِ جَدْعَانَ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ لُبْسَهُ ﷺ لِقَبَاءِ الدِّيبَاجِ وَتَقْسِيمَهُ لِلْأَقْبِيَةِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى أَحَادِيثِ النَّهْيِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ، فَيَكُونُ قَرِينَةً صَارِفَةً لِلنَّهْيِ إلَى الْكَرَاهَةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَمِنْ مُقَوِّيَاتِ هَذَا مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَبِسَهُ عِشْرُونَ صَحَابِيًّا، وَيَبْعُدُ كُلَّ الْبَعْدِ أَنْ يُقْدِمُوا عَلَى مَا هُوَ مُحَرَّمٌ فِي الشَّرِيعَةِ، وَيَبْعُدُ أَيْضًا أَنْ يَسْكُتَ عَنْهُمْ سَائِرُ الصَّحَابَةِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ تَحْرِيمَهُ فَقَدْ كَانُوا يُنْكِرُونَ عَلَى بَعْضِهِمْ بَعْضًا مَا هُوَ أَخَفُّ مِنْ هَذَا. وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي الصِّغَارِ أَيْضًا هَلْ يَحْرُمُ إلْبَاسُهُمْ الْحَرِيرَ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إلَى التَّحْرِيمِ، قَالُوا: لِأَنَّ قَوْلَهُ " عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي " كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآتِي يَعُمُّهُمْ. وَلِحَدِيثِ

стр. 475

٥٤٨ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِلْإِنَاثِ مِنْ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) ــ [نيل الأوطار] ثَوْبَانَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ مِنْ غَزَاةٍ، وَكَانَ لَا يَقْدَمُ إلَّا بَدَأَ حِينَ يَقْدَمُ بِبَيْتِ فَاطِمَةَ، فَوَجَدَهَا قَدْ عَلَّقَتْ سِتْرًا عَلَى بَابِهَا وَحَلَّتْ الْحَسَنَيْنِ بِقَلْبَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ فَتَقَدَّمَ فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا فَظَنَّتْ أَنَّهُ إنَّمَا مَنَعَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَا رَأَى فَهَتَكَتْ السِّتْرَ وَفَكَّتْ الْقَلْبَيْنِ عَنْ الصَّبِيَّيْنِ فَانْطَلَقَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَبْكِيَانِ فَأَخَذَهُ مِنْهُمَا وَقَالَ: يَا ثَوْبَانُ اذْهَبْ بِهَذَا إلَى آلِ فُلَانٍ» الْحَدِيثَ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَارِدًا فِي الْحِلْيَةِ وَلَكِنَّهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ الْمُكَلَّفِينَ فِيهَا فَيَكُونُ حُكْمُهُمْ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ كَذَلِكَ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مَا يُشْعِرُ بِعَدَمِ التَّحْرِيمِ فَإِنَّهُ قَالَ: «نَحْنُ أَهْلَ بَيْتٍ لَا نَسْتَغْرِقُ طَيِّبَاتِنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا» أَوْ كَمَا قَالَ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالْفِضَّةِ فَالْعَبُوا بِهَا كَيْفَ شِئْتُمْ» وَالصِّغَارُ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ إنَّمَا التَّكْلِيفُ عَلَى الْكِبَارِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ دَخَلَ عَلَى عُمَرَ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ مِنْ حَرِيرٍ وَسِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَشَقَّ الْقَمِيصَ وَفَكَّ السِّوَارَيْنِ، وَقَالَ: اذْهَبْ إلَى أُمِّك. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إنَّهُ يَجُوزُ إلْبَاسُهُمْ الْحَرِيرَ، وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يَجُوزُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمْ وَفِي جَوَازِ إلْبَاسِهِمْ ذَلِكَ فِي بَاقِي السَّنَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا جَوَازُهُ، وَالثَّانِي تَحْرِيمُهُ، وَالثَّالِثُ يَحْرُمُ بَعْدَ سِنِّ التَّمْيِيزِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمِقْدَارِ الَّذِي يُسْتَثْنَى مِنْ الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ. ٥٤٦ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِلْإِنَاثِ مِنْ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) . الْحَدِيثُ أَيْضًا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَفِي إسْنَادِهِ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: إنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْعِلَلِ: لَمْ يَسْمَعْ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ مِنْ أَبِي مُوسَى. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي مُوسَى مَعْلُولٌ لَا يَصِحُّ، وَالْحَدِيثُ قَدْ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا ابْنُ حَزْمٍ كَمَا ذَكَرَ الْحَافِظُ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، ذَكَرَ ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْعِلَلِ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي مُوسَى. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى نَافِعٍ فَرَوَاهُ أَيُّوبُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَعِيدٍ مِثْلِهِ، وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي مُوسَى. وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ حِبَّانَ بِلَفْظِ «أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ حَرِيرًا فَجَعَلَهُ فِي يَمِينِهِ وَأَخَذَ ذَهَبًا فَجَعَلَهُ فِي شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: إنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي» زَادَ ابْنُ مَاجَهْ " حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ " وَبَيَّنَ

стр. 476

٥٤٧ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: «أُهْدِيَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ حُلَّةٌ سِيَرَاءُ فَبَعَثَ بِهَا إلَيَّ فَلَبَسْتُهَا فَعَرَفْت الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: إنِّي لَمْ أَبْعَثْ بِهَا إلَيْك لِتَلْبَسَهَا إنَّمَا بَعَثْت بِهَا إلَيْك لِتُشَقِّقَهَا خُمُرًا بَيْنَ النِّسَاءِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ــ [نيل الأوطار] النَّسَائِيّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ. قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ اخْتِلَافٌ لَا يَضُرُّ، وَنَقَلَ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرِجَالُهُ مَعْرُوفُونَ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى زَيْدِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيّ رِوَايَةَ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ أَبِي الصَّعْبَةِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ هَمْدَانَ يُقَالُ لَهُ أَفْلَحُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ الْحَافِظُ: الصَّوَابُ أَبُو أَفْلَحَ. وَقَدْ أَعَلَّهُ ابْنُ الْقَطَّانِ بِجَهَالَةِ حَالِ رُوَاتِهِ مَا بَيْنَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ وَعَلِيٍّ فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زُرَيْرٍ فَقَدْ وَثَّقَهُ الْعِجْلِيّ وَابْنُ سَعْدٍ، وَأَمَّا أَبُو أَفْلَحَ فَقَالَ الْحَافِظُ: يُنْظَرُ فِيهِ، وَأَمَّا ابْنُ أَبِي الصَّعْبَةِ فَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ. وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. وَعَنْ عُمَرَ عِنْدَ الْبَزَّارِ وَالطَّبَرَانِيِّ وَفِيهِ عُمَرُ بْنُ جَرِيرٍ الْبَجَلِيُّ، قَالَ الْبَزَّارُ: لَيِّنُ الْحَدِيثِ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو نَحْوُ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَالْبَزَّارِ وَأَبِي يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيِّ وَفِي إسْنَادِهِ الْإِفْرِيقِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَالْعُقَيْلِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ، وَفِيهِ ثَابِتُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ أَحْمَدُ: لَهُ مَنَاكِيرُ. وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ وَإِسْنَادُهُ مُقَارِبٌ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَزَّارِ بِإِسْنَادٍ وَاهٍ، وَهَذِهِ الطُّرُقُ مُتَعَاضِدَةٌ بِكَثْرَتِهَا يَنْجَبِرُ الضَّعِيفُ الَّذِي لَمْ تَخْلُ مِنْهُ وَاحِدَةٌ مِنْهَا. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِلْجَمَاهِيرِ الْقَائِلِينَ بِتَحْرِيمِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ وَتَحْلِيلِهِمَا لِلنِّسَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ. ٥٤٧ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: «أُهْدِيَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ حُلَّةٌ سِيَرَاءُ فَبَعَثَ بِهَا إلَيَّ فَلَبَسْتُهَا فَعَرَفْت الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: إنِّي لَمْ أَبْعَثْ بِهَا إلَيْك لِتَلْبَسَهَا إنَّمَا بَعَثْت بِهَا إلَيْك لِتُشَقِّقَهَا خُمُرًا بَيْنَ النِّسَاءِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَوْلُهُ: (أُهْدِيَتْ إلَى النَّبِيِّ) أَهْدَاهَا لَهُ مَلِكُ أَيْلَةَ وَهُوَ مُشْرِكٌ. قَوْلُهُ: (حُلَّةٌ) الْحُلَّةُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ: إزَارٌ وَرِدَاءٌ، وَلَا تَكُونُ حُلَّةٌ إلَّا مِنْ ثَوْبَيْنِ أَوْ ثَوْبٍ لَهُ بِطَانَةٌ، وَهِيَ بِضَمِّ الْحَاءِ. قَوْلُهُ: (سِيَرَاءُ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ ثُمَّ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ ثُمَّ أَلِفٌ مَمْدُودَةٌ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: كَعِنَبَاءٍ، نَوْعٌ مِنْ الْبُرُودِ فِيهِ خُطُوطٌ صُفْرٌ أَوْ يُخَالِطُهُ حَرِيرٌ وَالذَّهَبُ الْخَالِصُ اهـ. قَالَ الْخَطَّابِيِّ: هِيَ بُرُودٌ مُضَلَّعَةٌ بِالْقَزِّ، وَكَذَا قَالَ الْخَلِيلُ وَالْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو دَاوُد. وَقَالَ آخَرُونَ: إنَّهَا شُبِّهَتْ خُطُوطُهَا بِالسُّيُورِ. وَقِيلَ: هِيَ مُخْتَلِفَةُ الْأَلْوَانِ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ، وَقِيلَ: هِيَ وَشْيٌ مِنْ حَرِيرٍ قَالَهُ مَالِكٌ، وَقِيلَ: هِيَ حَرِيرٌ مَحْضٌ. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: إنَّهَا ضَرْبٌ مِنْ الْبُرُودِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: إنَّهَا مَا كَانَ فِيهِ خُطُوطٌ صُفْرٌ، وَقِيلَ: مَا يُعْمَلُ مِنْ الْقَزِّ. وَقِيلَ: مَا يُعْمَلُ مِنْ ثِيَابِ الْيَمَنِ، وَقَدْ رُوِيَ تَنْوِينُ

стр. 477

بَابٌ فِي أَنَّ افْتِرَاشَ الْحَرِيرِ كَلُبْسِهِ ٥٤٩ - (عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: «نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . ــ [نيل الأوطار] الْحُلَّةِ وَإِضَافَتُهَا وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى الْإِضَافَةِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: كَذَا قُيِّدَ عَمَّنْ يُوثَقُ بِعِلْمِهِ. فَهُوَ عَلَى هَذَا مِنْ بَابِ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى صِفَتِهِ، عَلَى أَنَّ سِيبَوَيْهِ قَالَ: لَمْ يَأْتِ فَعْلَاءُ صِفَةً. قَوْلُهُ: (خُمُرًا) جَمْعُ خِمَارٍ. وَقَوْلُهُ: (بَيْنَ النِّسَاءِ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ " فَشَقَقْته بَيْنَ نِسَائِي " وَفِي رِوَايَةٍ " بَيْنَ الْفَوَاطِمِ " وَهُنَّ ثَلَاثٌ: فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ أُمُّ عَلِيٍّ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ حَمْزَةَ، وَذَكَرَ عَبْدُ الْغَنِيِّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْفَوَاطِمَ أَرْبَعٌ، وَالرَّابِعَةُ فَاطِمَةُ بِنْتُ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، كَذَا قَالَهُ عِيَاضٌ وَابْنُ رَسْلَانَ. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ لُبْسِ الثَّوْبِ الْمَشُوبِ بِالْحَرِيرِ إنْ كَانَتْ السِّيَرَاءُ تُطْلَقُ عَلَى الْمَخْلُوطِ بِالْحَرِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَالِصًا كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْحَرِيرُ الْخَالِصُ كَمَا قَالَهُ الْبَعْضُ فَلَا إشْكَالَ. وَقَدْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ الْخَالِصُ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا نَهَى عَنْ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ» وَسَيَأْتِي وَسَتَعْرِفُ مَا هُوَ الْحَقُّ فِي الْمِقْدَارِ الَّذِي يَحِلُّ مِنْ الْمَشُوبِ. وَيَدُلُّ الْحَدِيثُ أَيْضًا عَلَى حِلِّ الْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ. ٥٤٨ - (وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ رَأَى عَلَى أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ بُرْدَ حُلَّةٍ سِيَرَاءَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد) . قَوْلُهُ: (أُمِّ كُلْثُومٍ) هِيَ بِنْتُ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ تَزَوَّجَهَا عُثْمَانُ بَعْدَ رُقَيَّةَ. قَوْلُهُ: (بُرْدَ حُلَّةٍ) الْإِضَافَةُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد بُرْدَ سِيَرَاءٍ بِالتَّنْوِينِ. وَالْحَدِيثُ مِنْ أَدِلَّةِ جَوَازِ الْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ إنْ فُرِضَ إطْلَاعُ النَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ وَتَقْرِيرُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مُخَالَفَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي ذَلِكَ. . [بَابٌ فِي أَنَّ افْتِرَاشَ الْحَرِيرِ كَلُبْسِهِ] الْحَدِيثُ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْأَوَانِي، وَقَوْلُهُ: (وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ) يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْجُلُوسِ عَلَى الْحَرِيرِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، كَذَا فِي الْفَتْحِ بِأَنَّهُ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ النَّاصِرُ وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ وَالْإِمَامُ يَحْيَى. وَقَالَ الْقَاسِمُ وَأَبُو طَالِبٍ وَالْمَنْصُورُ بِاَللَّهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ أَنَّهُ يَجُوزُ افْتِرَاشُ الْحَرِيرِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ. وَاحْتَجَّ لَهُمْ فِي

стр. 478

٥٥٠ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: «نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الْمَيَاثِرِ، وَالْمَيَاثِرُ: قِسِيٌّ كَانَتْ تَصْنَعُهُ النِّسَاءُ لِبُعُولَتِهِنَّ عَلَى الرَّحْلِ كَالْقَطَائِفِ مِنْ الْأُرْجُوَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ) ــ [نيل الأوطار] الْبَحْرِ بِأَنَّ الْفِرَاشَ مَوْضِعُ إهَانَةٍ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْوَسَائِدِ الْمَحْشُوَّةِ بِالْقَزِّ، قَالَ: إذْ لَا خِلَافَ فِيهَا، وَهَذَا دَلِيلٌ بَاطِلٌ لَا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ فِي مُقَابَلَةِ النُّصُوصِ، كَحَدِيثِ الْبَابِ وَالْحَدِيثُ الْآتِي بَعْدَهُ، وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ وَغَيْرِهِمْ بُطْلَانُ الْقِيَاسِ الْمَنْصُوبِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ، وَأَنَّهُ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ، وَعَدَمُ حُجِّيَّةِ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ لَا سِيَّمَا إذَا خَالَفَتْ الثَّابِتَ عَنْهُ ﷺ . ٥٥٠ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: «نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الْمَيَاثِرِ، وَالْمَيَاثِرُ: قِسِيٌّ كَانَتْ تَصْنَعُهُ النِّسَاءُ لِبُعُولَتِهِنَّ عَلَى الرَّحْلِ كَالْقَطَائِفِ مِنْ الْأُرْجُوَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ) . قَدْ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الْمَيَاثِرِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ، وَأَخْرَجَ الْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ إلَّا الْبُخَارِيَّ حَدِيثَ ﵇ عَلِيٍّ بِلَفْظِ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ وَعَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ وَعَنْ الْمِيثَرَةِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ مَيَاثِرِ الْأُرْجُوَانِ، وَلَمْ يُذْكَرْ الْجُلُوسُ إلَّا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَلِهَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀. قَوْلُهُ: (عَلَى الْمَيَاثِرِ) جَمْعُ مِيثَرَةٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَبِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْوَثَارَةِ وَهِيَ اللِّينُ وَالنِّعْمَةُ وَيَاءُ مِيثَرَةٍ وَاوٌ لَكِنَّهَا قُلِبَتْ لِكَسْرِ مَا قَبْلَهَا كَمِيزَانٍ وَمِيعَادٍ، وَقَدْ فَسَّرَهَا عَلِيٌّ بِمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، كَمَا رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ فَسَّرَهَا الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْمَيَاثِرِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ. مِنْهَا هَذَا التَّفْسِيرُ الْمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَالْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى. قَوْلُهُ: (وَالْمَيَاثِرُ قَسِّيٌّ) الْقَسِّيُّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ عَلَى الصَّحِيحِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَغَرِيبِ الْحَدِيثِ: هِيَ ثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ بِالْحَرِيرِ تُعْمَلُ بِالْقَسِّ بِفَتْحِ الْقَافِ مَوْضِعٌ مِنْ بِلَادِ مِصْرَ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ قَرِيبٌ مِنْ تَنِيسَ، وَقِيلَ: إنَّهَا مَنْسُوبَةٌ إلَى الْقَزِّ وَهُوَ رَدِيءُ الْحَرِيرِ فَأُبْدِلَتْ الزَّايُ سِينًا. قَوْلُهُ: (مِنْ الْأُرْجُوَانِ) هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْجِيمِ وَهُوَ الصُّوفُ الْأَحْمَرُ، كَذَا فِي شَرْحِ السُّنَنِ لِابْنِ رَسْلَانَ، وَقِيلَ: الْأُرْجُوَانُ: الْحُمْرَةُ، وَقِيلَ: الشَّدِيدُ الْحُمْرَةِ، وَقِيلَ: الصِّبَاغُ الْأَحْمَرُ الْقَانِي. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْجُلُوسِ عَلَى مَا فِيهِ حَرِيرٌ، وَقَدْ خَصَّصَ بَعْضُهُمْ بِالْمَذْهَبِ، فَقَالَ: إنْ كَانَ حَرِيرُ الْمِيثَرَةِ أَكْثَرَ أَوْ كَانَتْ جَمِيعُهَا مِنْ الْحَرِيرِ فَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ، وَإِلَّا فَالنَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْحَدِيثِ. عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَى الْأُمَّةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ خِطَابَهُ ﷺ لِوَاحِدٍ خِطَابٌ لِبَقِيَّةِ الْأُمَّةِ، وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ حُكْمٌ عَلَيْهِمْ، وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ فِي الْأُصُولِ مَشْهُورٌ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِلَفْظِ: " نَهَى " كَمَا عَرَفْت، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِعَلِيٍّ ﵇. .

стр. 479

بَابُ إبَاحَةِ يَسِيرِ ذَلِكَ كَالْعَلَمِ وَالرُّقْعَةِ . ٥٥١ - (عَنْ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لَبُوسِ الْحَرِيرِ إلَّا هَكَذَا، وَرَفَعَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةَ وَضَمَّهُمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي لَفْظٍ. نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ أُصْبُعَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَزَادَ فِيهِ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد: وَأَشَارَ بِكَفِّهِ) . ــ [نيل الأوطار] [بَابُ إبَاحَةِ يَسِيرِ ذَلِكَ كَالْعَلَمِ وَالرُّقْعَةِ] الْحَدِيثُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يَحِلُّ مِنْ الْحَرِيرِ مِقْدَارُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ كَالطِّرَازِ وَالسِّجَافِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْمُرَكَّبِ عَلَى الثَّوْبِ وَالْمَنْسُوجِ وَالْمَعْمُولِ بِالْإِبْرَةِ وَالتَّرْقِيعِ كَالتَّطْرِيزِ وَيَحْرُمُ الزَّائِدُ عَلَى الْأَرْبَعِ مِنْ الْحَرِيرِ وَمِنْ الذَّهَبِ بِالْأَوْلَى وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَقَدْ أَغْرَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فَقَالَ: يَجُوزُ الْعَلَمُ وَإِنْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ الْقَوْلُ بِالْمَنْعِ مِنْ الْمِقْدَارِ الْمُسْتَثْنَى فِي الْحَدِيثِ، وَلَا أَظُنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ عَنْهُ، وَذَهَبْت الْهَادَوِيَّةُ إلَى تَحْرِيمِ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ الْأَصَابِعِ، وَرِوَايَةُ الْأَرْبَعِ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ وَهِيَ زِيَادَةٌ صَحِيحَةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَتَعَيَّنَ الْأَخْذُ بِهَا. ٥٥٢ - ( «وَعَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا أَخْرَجَتْ جُبَّةَ طَيَالِسَةٍ عَلَيْهَا لَبِنَةُ شَبْرٍ مِنْ دِيبَاجٍ كَسْرَوَانِيٍّ وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ بِهِ، فَقَالَتْ: هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَلْبَسُهَا كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ فَلَمَّا قُبِضَتْ عَائِشَةُ قَبْضَتُهَا إلَيَّ فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرِيضِ يُسْتَشْفَى بِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَلَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ الشَّبْرِ) . قَوْلُهُ: (جُبَّةَ طَيَالِسَةٍ) هُوَ بِإِضَافَةِ جُبَّةٍ إلَى طَيَالِسَةٍ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ وَالطَّيَالِسَةُ: جَمْعُ طَيْلَسَانَ وَهُوَ كِسَاءٌ غَلِيظٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْجُبَّةَ غَلِيظَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ طَيْلَسَانَ. قَوْلُهُ: (كِسْرَوانِيٍّ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ السِّينِ وَفَتْحِ الْوَاوِ نِسْبَةً إلَى كِسْرَى مَلِكِ الْفُرْسِ. قَوْلُهُ: (وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ) الْفَرْجُ فِي الثَّوْبِ الشِّقُّ الَّذِي يَكُونُ أَمَامَ الثَّوْبِ وَخَلْفَهُ فِي أَسْفَلِهَا وَهُمَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: فَرْجَيْهَا. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ مَا فِيهِ مِنْ الْحَرِيرِ هَذَا الْمِقْدَارُ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرْبَعُ أَصَابِعَ أَوْ دُونَهَا أَوْ فَوْقَهَا، إذَا لَمْ يَكُنْ مُصْمَتًا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَلَكِنَّهُ يَأْبَى الْحَمْلَ عَلَى الْأَرْبَعِ فَمَا دُونَ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ " شَبْرٍ مِنْ دِيبَاجٍ " وَعَلَى غَيْرِ الْمُصْمَتِ. قَوْلُهُ: (مِنْ دِيبَاجٍ) فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا مِنْ دِيبَاجٍ فَقَطْ لَا مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يُصَارَ إلَى الْمَجَازِ لِلْجَمْعِ كَمَا ذُكِرَ، نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ بِالشَّبْرِ لِطُولِ تِلْكَ اللَّبِنَةِ لَا لِعَرْضِهَا فَيَزُولُ الْإِشْكَالُ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى

стр. 480

٥٥٣ - (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رُكُوبِ النِّمَارِ وَعَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إلَّا مُقَطَّعًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ) . ــ [نيل الأوطار] اسْتِحْبَابِ التَّجَمُّلِ بِالثِّيَابِ وَالِاسْتِشْفَاءِ بِآثَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَفِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ لِلْبُخَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُهَا لِلْوَفْدِ وَالْجُمُعَةِ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا قَالَتْ: " كَانَ يَلْبَسُهَا إذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ وَجَمَعَ ". وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ النَّهْيَ عَنْ الْمُكَفَّفِ بِالدِّيبَاجِ، وَفِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وَأَبُو صَالِحٍ هُوَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَرَوَى الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا عَلَيْهِ جُبَّةٌ مُزَرَّرَةٌ أَوْ مُكَفَّفَةٌ بِحَرِيرٍ فَقَالَ لَهُ: طَوْقٌ مِنْ نَارٍ» وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَقَدْ أَسْلَفْنَا أَنَّهُ اسْتَدَلَّ بَعْضُ مَنْ جَوَّزَ لُبْسَ الْحَرِيرِ بِهَذَا، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ لُبْسَهُ ﷺ لِلْجُبَّةِ الْمَكْفُوفَةِ بِالْحَرِيرِ لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ الثَّوْبِ الْخَالِصِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ هَذِهِ الْجُبَّةَ جَمِيعَهَا حَرِيرٌ خَالِصٌ لَمْ يَصْلُحْ هَذَا الْفِعْلُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْجَوَازِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ الْجَوَابِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِحَدِيثِ مَخْرَمَةَ. الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْخَاتَمِ وَالنَّسَائِيُّ فِي الزِّينَةِ بِإِسْنَادٍ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إلَّا مَيْمُونَ القناد وَهُوَ مَقْبُولٌ، وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقَةٍ، وَقَدْ اقْتَصَرَ أَبُو دَاوُد فِي اللِّبَاسِ مِنْهُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ رُكُوبِ النِّمَارِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ وَمُعَاوِيَةَ، وَفِيهِ النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ وَجُلُودِ السِّبَاعِ، وَفِي إسْنَادِهِ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ وَفِيهِ مَقَالٌ مَعْرُوفٌ. قَوْلُهُ: (عَنْ رُكُوبِ النِّمَارِ) فِي رِوَايَةٍ " النُّمُورِ " فَكِلَاهُمَا جَمْعُ نَمِرٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، وَيَجُوزُ التَّخْفِيفُ بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، وَهُوَ أَخْبَثُ وَأَجْرَأُ مِنْ الْأَسَدِ، وَهُوَ مُنَقَّطُ الْجِلْدِ نُقَطٌ سُودٌ، وَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ الْأَسَدِ إلَّا أَنَّهُ أَصْغَرُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ اسْتِعْمَالِ جُلُودِهِ لِمَا فِيهَا مِنْ الزِّينَةِ وَالْخُيَلَاءِ، وَلِأَنَّهُ زِيُّ الْعَجَمِ وَعُمُومُ النَّهْيِ شَامِلٌ لِلْمُذَكَّى وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (وَعَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إلَّا مُقَطَّعًا) لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَقْيِيدِ الْقَطْعِ بِالْقَدْرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ لَا بِمَا فَوْقَهُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ. قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُد: وَالْمُرَادُ بِالنَّهْيِ الذَّهَبُ الْكَثِيرُ لَا الْمُقَطَّعُ قِطَعًا يَسِيرَةً مِنْهُ تُجْعَلُ حَلْقَةً أَوْ قُرْطًا أَوْ خَاتَمًا لِلنِّسَاءِ أَوْ فِي سَيْفِ الرَّجُلِ، وَكُرِهَ الْكَثِيرُ مِنْهُ الَّذِي هُوَ عَادَةُ أَهْلِ السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ وَالتَّكَبُّرِ، وَقَدْ يُضْبَطُ الْكَثِيرُ مِنْهُ بِمَا كَانَ نِصَابًا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَالْيَسِيرُ بِمَا لَا تَجِبُ فِيهِ انْتَهَى. وَقَدْ ذَكَرَ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ الْخَطَّابِيِّ فِي الْمَعَالِمِ وَجَعَلَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ خَاصًّا بِالنِّسَاءِ، قَالَ: لِأَنَّ جِنْسَ الذَّهَبِ لَيْسَ بِمُحَرَّمِ عَلَيْهِنَّ كَمَا حَرُمَ عَلَى الرِّجَالِ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ.

стр. 481

بَابُ لُبْسِ الْحَرِيرِ لِلْمَرِيضِ ٥٥٤ - (عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحَكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا أَنَّ لَفْظَ التِّرْمِذِيِّ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ شَكَوَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ الْقَمْلَ فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ فِي غَزَاةٍ لَهُمَا) . بَابُ مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْخَزِّ وَمَا نُسِجَ مِنْ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ ٥٥٥ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ قَالَ: «رَأَيْت رَجُلًا بِبُخَارَى عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ عَلَيْهِ عِمَامَةُ خَزٍّ سَوْدَاءُ، فَقَالَ: كَسَانِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَقَدْ صَحَّ لُبْسُهُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃) . ــ [نيل الأوطار] [بَابُ لُبْسِ الْحَرِيرِ لِلْمَرِيضِ] وَهَكَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ التَّرْخِيصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالزُّبَيْرِ كَانَ فِي السَّفَرِ. وَزَعَمَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ انْفِرَادَهُ بِهِ وَعَزَاهُ إلَيْهِمَا ابْنُ الصَّلَاحِ وَعَبْدُ الْحَقِّ وَالنَّوَوِيُّ. قَوْلُهُ: (فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ) بِضَمِّ الْقَافِ وَالْمِيمِ جَمْعُ قَمِيصٍ وَيُرْوَى بِالْإِفْرَادِ. قَوْلُهُ: (لِحَكَّةٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ الْجَرَبُ، وَقِيلَ هِيَ غَيْرُهُ. وَهَكَذَا يَجُوزُ لُبْسُهُ لِلْقَمْلِ كَمَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَهِيَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَالتَّقْيِيدُ بِالسَّفَرِ بَيَانٌ لِلْحَالِ الَّذِي كَانَا عَلَيْهِ لَا لِلتَّقْيِيدِ، وَقَدْ جَعَلَ السَّفَرَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ قَيْدًا فِي التَّرْخِيصِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَوُجِّهَ أَنَّهُ شَاغِلٌ عَنْ التَّفَقُّدِ وَالْمُعَالَجَةِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ الْحَرِيرِ لِعُذْرِ الْحَكَّةِ وَالْقَمْلِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَدْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، وَيُقَاسُ غَيْرُهُمَا مِنْ الْحَاجَاتِ عَلَيْهِمَا، وَإِذَا ثَبَتَ الْجَوَازُ فِي حَقِّ هَذَيْنِ الصَّحَابِيَّيْنِ ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِمَا بِذَلِكَ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ فِي الْأُصُولِ فَمَنْ قَالَ: حُكْمُهُ عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمٌ عَلَى الْجَمَاعَةِ كَانَ التَّرْخِيصُ لَهُمَا تَرْخِيصًا لِغَيْرِهِمَا إذَا حَصَلَ لَهُ عُذْرٌ مِثْلُ عُذْرِهِمَا، وَمَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَلْحَقَ غَيْرَهُمَا بِالْقِيَاسِ بِعَدَمِ الْفَارِقِ. [بَابُ مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْخَزِّ وَمَا نُسِجَ مِنْ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ] الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ عَنْ مُخَيْلِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ وَقَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: نُرَاهُ ابْنَ خَازِمٍ السُّلَمِيُّ، قَالَ: وَابْنَ خَازِمٍ مَا أَدْرِي أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ أَمْ لَا، وَهَذَا شَيْخٌ آخَرُ. وَقَالَ النَّسَائِيّ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ هَذَا الرَّجُلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ أَمِيرُ خُرَاسَانَ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ هَذَا بِالْخَاءِ

стр. 482

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [نيل الأوطار] الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ كُنْيَتُهُ أَبُو صَالِحٍ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ لَهُ صُحْبَةً، وَأَنْكَرَهَا بَعْضُهُمْ انْتَهَى. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُثْمَانَ الدَّشْتَكِيُّ الرَّازِيّ رَوَى عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْكُتُبِ غَيْرُهُ، وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَقَدْ سَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّازِيّ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ قَالَ: رَأَيْت رَجُلًا. الْحَدِيثَ، وَلَعَلَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَازِمٍ كَمَا ذَكَرَ النَّسَائِيّ وَالْبُخَارِيُّ هُوَ الرَّجُلُ الْمُبْهَمُ فِي الْحَدِيثِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا ابْنُ رَسْلَانَ، فَقَالَ: الرَّجُلُ الرَّاكِبُ: قِيلَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ وَكُنْيَتُهُ أَبُو صَالِحٍ. قَوْلُهُ: (عِمَامَةُ خَزٍّ) قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الْخَزُّ ثِيَابٌ تُنْسَجُ مِنْ صُوفٍ وِإِبْرَيْسَمٍ، وَهِيَ مُبَاحَةٌ، وَقَدْ لَبِسَهُ الصَّحَابَةُ ﵃ وَالتَّابِعُونَ، وَقَالَ غَيْرُهُ الْخَزُّ: اسْمُ دَابَّةٍ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الثَّوْبِ الْمُتَّخَذِ مِنْ وَبَرِهَا. وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: أَصْلُهُ مِنْ وَبَرِ الْأَرْنَبِ، وَيُسَمَّى ذَكَرُهُ الْخَزَّ. وَقِيلَ: إنَّ الْخَزَّ ضَرْبٌ مِنْ ثِيَابِ الْإِبْرَيْسَمِ. وَفِي النِّهَايَةِ مَا مَعْنَاهُ أَنَّ الْخَزَّ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مَخْلُوطٌ مِنْ صُوفٍ وَحَرِيرٍ. وَقَالَ عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ: إنَّ الْخَزَّ مَا خُلِطَ مِنْ الْحَرِيرِ وَالْوَبَرِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ مِنْ وَبَرِ الْأَرْنَبِ ثُمَّ قَالَ: فَسُمِّيَ مَا خَالَطَ الْحَرِيرَ مِنْ سَائِرِ الْأَوْبَارِ خَزًّا وَالْحَدِيثُ قَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ الْخَزِّ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ غَايَةَ مَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَسَاهُ عِمَامَةَ الْخَزِّ، وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ اللُّبْسِ. وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ أَنَّهُ قَالَ: «كَسَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُلَّةً سِيَرَاءَ فَخَرَجْت بِهَا فَرَأَيْت الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ فَأَطَرْتهَا خُمُرًا بَيْنَ نِسَائِي» هَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ فِي التَّيْسِيرِ فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ " كَسَانِي " جَوَازُ اللُّبْسِ وَهَكَذَا قَالَ عُمَرُ: «لَمَّا بَعَثَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِحُلَّةٍ سِيَرَاءَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتنِيهَا وَقَدْ قُلْت فِي حُلَّةِ عُطَارِدَ مَا قُلْت، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا» هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد وَبِهَذَا تَبَيَّنَ لَك أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ كَسَانِي جَوَازُ اللُّبْسِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي تَحْرِيمِ الْخَزِّ مَا هُوَ أَصَحُّ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي عَامِرٍ الْآتِي وَكَذَلِكَ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ. وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ لُبْسِ الْمَشُوبِ، وَهُوَ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إلَّا عَلَى أَحَدِ التَّفَاسِيرِ لِلْخَزِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِهَا، وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمَشُوبِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا هُوَ الْحَقُّ. قَوْلُهُ: (وَقَدْ صَحَّ لُبْسُهُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ) لَا يَخْفَاك أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي فِعْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَإِنْ كَانُوا عَدَدًا كَثِيرًا، وَالْحُجَّةُ إنَّمَا هِيَ فِي إجْمَاعِهِمْ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِحُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ، وَلَوْ كَانَ لُبْسُهُمْ الْخَزَّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَلَالٌ لَكَانَ الْحَرِيرُ الْخَالِصُ حَلَالًا، لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ قَالَ: لَبِسَ الْحَرِيرَ عِشْرُونَ صَحَابِيًّا، وَقَدْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ أَنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ أُمَّتِهِ أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ وَالْحَرِيرَ وَذَكَرَ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْمَسْخِ إلَى الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ كَمَا سَيَأْتِي. ٥٥٦ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إنَّمَا «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنْ قَزٍّ» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا السَّدَى وَالْعَلَمُ فَلَا نَرَى بِهِ بَأْسًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) .

стр. 483

٥٥٦ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إنَّمَا «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنْ قَزٍّ» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا السَّدَى وَالْعَلَمُ فَلَا نَرَى بِهِ بَأْسًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) ــ [نيل الأوطار] الْحَدِيثُ فِي إسْنَادِهِ خُصَيْفٍ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.، وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، قَالَ فِي التَّقْرِيبِ: هُوَ صَدُوقٌ سَيِّئُ الْحِفْظِ خَلَطَ بِأَخِرَةٍ وَرُمِيَ بِالْإِرْجَاءِ وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو زُرْعَةَ وَبَقِيَّةُ رِجَالِ إسْنَادِهِ ثِقَاتٌ. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ. قَوْلُهُ: (الْمُصْمَتِ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ الْمُخَفَّفَةِ، وَهُوَ الَّذِي جَمِيعُهُ حَرِيرٌ لَا يُخَالِطُهُ قُطْنٌ وَلَا غَيْرُهُ قَالَهُ ابْنُ رَسْلَانَ. قَوْلُهُ: (وَأَمَّا السَّدَى) بِفَتْحِ السِّينِ وَالدَّالِ بِوَزْنِ الْحَصَى وَيُقَالُ: سَتَى بِمُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقُ بَدَلَ الدَّالِ لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ خِلَافُ اللَّحْمَةِ، وَهُوَ مَا مُدَّ طُولًا فِي النَّسْجِ. قَوْلُهُ: (وَالْعَلَمُ) هُوَ رَسْمُ الثَّوْبِ وَرَقْمُهُ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ وَذَلِكَ كَالطِّرَازِ وَالسِّجَافِ. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى حِلِّ لُبْسِ الثَّوْبِ الْمَشُوبِ بِالْحَرِيرِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ فِي الْبَحْرِ: مَسْأَلَةٌ: وَيَحِلُّ الْمَغْلُوبُ بِالْقُطْنِ وَغَيْرِهِ، وَيَحْرُمُ الْغَالِبُ إجْمَاعًا فِيهَا اهـ. وَكِلَا الْإِجْمَاعَيْنِ مَمْنُوعٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ نَقَلَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ عَنْ الْعَلَّامَةِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ مِنْ الْمَخْلُوطِ مَا كَانَ مَجْمُوعُ الْحَرِيرِ فِيهِ أَرْبَعَ أَصَابِعَ لَوْ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ الثَّوْبِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ فِي الْحَرِيرِ الْخَالِصِ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ قَوْمٍ كَمَا عَرَفْت. وَقَدْ ذَهَبَ الْإِمَامِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ إلَّا مَا كَانَ حَرِيرًا خَالِصًا لَمْ يُخَالِطْهُ مَا يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ كَمَا رَوَى ذَلِكَ الرِّيمِيُّ عَنْهُمْ. وَقَالَ الْهَادِي فِي الْأَحْكَامِ وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ وَأَبُو طَالِبٍ: إنَّهُ يَحْرُمُ مِنْ الْمَخْلُوطِ مَا كَانَ الْحَرِيرُ غَالِبًا فِيهِ أَوْ مُسَاوِيًا تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْحَظْرِ، وَلَا دَلِيلِ عَلَى تَحْلِيلِ الْمَشُوبِ إلَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا، وَهُوَ غَيْرُ صَالِحٍ لِلِاحْتِجَاجِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ الضَّعْفُ فِي إسْنَادِهِ كَمَا عَرَفْت. الثَّانِي: أَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا بَلَغَهُ مِنْ قَصْرِ النَّهْيِ عَلَى الْمُصْمَتِ وَغَيْرِهِ أَخْبَرَ بِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حُلَّةِ السِّيَرَاءِ مِنْ غَضَبِهِ ﷺ لَمَّا رَأَى عَلِيًّا لَابِسًا لَهَا. وَالْقَوْلُ بِأَنَّ حُلَّةَ السِّيَرَاءِ هِيَ الْحَرِيرُ الْخَالِصُ كَمَا قَالَ الْبَعْضُ مَمْنُوعٌ. وَالسَّنَدُ مَا أَسْلَفْنَاهُ عَنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ بَلْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّوْرَقِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ حَدِيثُ عَلِيٍّ السَّابِقُ فِي السِّيَرَاءِ بِلَفْظِ قَالَ عَلِيٌّ «أُهْدِيَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُلَّةٌ سِيَرَاءُ إمَّا حَرِيرٌ وَإِمَّا لَحْمَتُهَا فَأَرْسَلَ بِهَا إلَيَّ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْت: مَا أَصْنَعُ بِهَا؟ أَلْبَسُهَا؟ قَالَ: لَا، إنِّي لَا أَرْضَى لَك مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي، شَقِّقْهَا خُمُرًا لِفُلَانَةَ وَفُلَانَةَ، فَشَقَقْتهَا أَرْبَعَةَ أَخْمِرَةٍ» وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ، وَهَذَا صَرِيحٌ بِأَنَّ تِلْكَ السِّيَرَاءَ مَخْلُوطَةٌ لَا حَرِيرٌ خَالِصٌ. وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي رَيْحَانَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ وَفِيهِ

стр. 484

٥٥٧ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: «أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُلَّةٌ مَكْفُوفَةٌ بِحَرِيرٍ إمَّا سَدَاهَا وَإِمَّا لَحْمَتُهَا فَأَرْسَلَ بِهَا إلَيَّ فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَصْنَعُ بِهَا أَلْبَسُهَا؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ اجْعَلْهَا خُمُرًا بَيْنَ الْفَوَاطِمِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) ــ [نيل الأوطار] النَّهْيُ عَنْ عَشْرٍ مِنْهَا أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ فِي أَسْفَلِ ثِيَابِهِ حَرِيرًا مِثْلَ الْأَعَاجِمِ وَأَنْ يَجْعَلَ عَلَى مَنْكِبِهِ حَرِيرًا مِثْلَ الْأَعَاجِمِ، وَقَدْ عَرَفْت مِمَّا سَلَفَ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي تَحْرِيمِ الْحَرِيرِ بِدُونِ تَقْيِيدٍ فَالظَّاهِرُ مِنْهَا تَحْرِيمُ مَاهِيَّةِ الْحَرِيرِ سَوَاءٌ وُجِدَتْ مُنْفَرِدَةً أَوْ مُخْتَلِطَةً بِغَيْرِهَا، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ التَّحْرِيمِ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّارِعُ مِنْ مِقْدَارِ الْأَرْبَعِ الْأَصَابِعِ مِنْ الْحَرِيرِ الْخَالِصِ وَسَوَاءٌ وُجِدَ ذَلِكَ الْمِقْدَارُ مُجْتَمِعًا كَمَا فِي الْقِطْعَةِ الْخَالِصَةِ أَمْ مُفَرَّقًا كَمَا فِي الثَّوْبِ الْمَشُوبِ. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يَصْلُحُ لِتَخْصِيصِ تِلْكَ الْعُمُومَاتِ، وَلَا لِتَقْيِيدِ تِلْكَ الْإِطْلَاقَاتِ مَا عَرَفْت وَلَا مُتَمَسَّكَ لِلْجُمْهُورِ الْقَائِلِينَ بِحِلِّ الْمَشُوبِ. إذَا كَانَ الْحَرِيرُ مَغْلُوبًا إلَّا قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا أَعْلَمُ فَانْظُرْ - أَيُّهَا الْمُنْصِفُ - هَلْ يَصْلُحُ جَعْلُهُ جِسْرًا تُذَادُ عَنْهُ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي تَحْرِيمِ مُطْلَقِ الْحَرِيرِ وَمُقَيِّدِهِ، وَهَلْ يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ مَعَ مَا فِي إسْنَادِهِ مِنْ الضَّعْفِ الَّذِي يُوجِبُ سُقُوطَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى فَرْضِ تَجَرُّدِهِ عَنْ الْمُعَارَضَاتِ، فَرَحِمَ اللَّهُ ابْنَ دَقِيقِ الْعِيدِ فَلَقَدْ حَفِظَ اللَّهُ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أُمَّةَ نَبِيِّهِ عَنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْخَطَأِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ خُصَيْفًا الْمَذْكُورَ فِي إسْنَادِ الْحَدِيثِ قَدْ وَثَّقَهُ مَنْ تَقَدَّمَ، وَاعْتُضِدَ الْحَدِيثُ بِوُرُودِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ أَحَدُهُمَا صَحِيحٌ وَالْآخَرُ حَسَنٌ كَمَا سَلَفَ فَانْتَهَضَ الْحَدِيثُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ. فَإِنْ قُلْت: قَدْ صَرَّحَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّ عُهْدَةَ الْجُمْهُورِ فِي جَوَازِ لُبْسِ مَا خَالَطَهُ الْحَرِيرُ إذَا كَانَ غَيْرُ الْحَرِيرِ أَغْلَبَ مَا وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ الْحُلَّةِ السِّيَرَاءِ قُلْت: لَيْسَ فِي أَحَادِيثِ الْحُلَّةِ السِّيَرَاءِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا حَلَالٌ بَلْ جَمِيعُهَا قَاضِيَةٌ بِالْمَنْعِ مِنْهَا كَمَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا سَلَفَ، فَإِنْ فُسِّرَتْ بِالثِّيَابِ الْمَخْلُوطَةِ بِالْحَرِيرِ كَمَا قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ كَانَتْ حُجَّةً عَلَى الْجُمْهُورِ لَا لَهُمْ وَإِنْ فُسِّرَتْ بِأَنَّهَا الْحَرِيرُ الْخَالِصُ فَأَيُّ دَلِيلٍ فِيهَا عَلَى جَوَازِ لُبْسِ الْمَخْلُوطِ، وَهَكَذَا إنْ فُسِّرَتْ بِسَائِرِ التَّفَاسِيرِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ الْمُدَّعُونَ لِلْحِلِّ بِشَيْءٍ تَرْكَنُ النَّفْسُ إلَيْهِ، وَغَايَةُ مَا جَادَلُوا بِهِ أَنَّهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَهَذَا أَمْرٌ هَيِّنٌ، وَالْحَقُّ لَا يُعْرَفُ بِالرِّجَالِ. وَأَمَّا دَعْوَى الْإِجْمَاعِ الَّتِي ذَكَرَهَا صَاحِبُ الْبَحْرِ فَمَا هِيَ بِأَوَّلِ دَعَاوِيهِ عَلَى أَنَّ الرَّاجِحَ عِنْدَ مَنْ أَطْلَقَ نَفْسَهُ عَنْ وَثَاقِ الْعَصَبِيَّةِ الْوَبِيَّةِ عَدَمُ حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ إنْ سَلِمَ إمْكَانُهُ وَوُقُوعُهُ وَنَقْلُهُ وَالْعِلْمُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مَنَعَ الْكُلَّ. وَأَحْسَنُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْجَوَازِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الْمُتَقَدِّمُ فِي لُبْسِ عِمَامَةِ الْخَزِّ لِمَا فِي النِّهَايَةِ مِنْ أَنَّ الْخَزَّ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِهِ ﷺ مَخْلُوطٌ مِنْ صُوفٍ وَحَرِيرٍ. وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ: إنَّ الْخَزَّ مَا خُلِطَ مِنْ الْحَرِيرِ وَالْوَبَرِ كَمَا تَقَدَّمَ لَوْلَا أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ صَلَاحِيَّتِهِ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ مَا أَسْفَلْنَاهُ فِي شَرْحِهِ عَلَى أَنَّ النِّزَاعَ فِي مُسَمَّى الْخَزِّ بِمُجَرَّدِهِ مَانِعٌ مُسْتَقِلٌّ. ٥٥٧ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: «أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُلَّةٌ مَكْفُوفَةٌ بِحَرِيرٍ إمَّا سَدَاهَا وَإِمَّا لَحْمَتُهَا فَأَرْسَلَ بِهَا إلَيَّ فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَصْنَعُ بِهَا أَلْبَسُهَا؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ اجْعَلْهَا خُمُرًا بَيْنَ الْفَوَاطِمِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 485

٥٥٨ - (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَرْكَبُوا الْخَزَّ وَلَا النِّمَارَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) ٥٥٩ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَامِرٍ أَوْ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ وَالْحَرِيرَ وَذَكَرَ كَلَامَا قَالَ: يَمْسَخُ مِنْهُمْ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا وَقَالَ فِيهِ: «يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ» . ــ [نيل الأوطار] الْحَدِيثُ فِي إسْنَادِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَفِيهِ مَقَالٌ مَعْرُوفٌ، وَأَمَّا هُبَيْرَةُ بْنُ يَرِيمَ الرَّاوِي لَهُ عَنْ عَلِيٍّ فَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالدَّوْرَقِيُّ. قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْفَوَاطِمِ) فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أَسْمَائِهِنَّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ عَلِيٍّ الْمُتَقَدِّمِ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ لُبْسِ الثَّوْبِ الْمَخْلُوطِ بِالْحَرِيرِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ ذَكَرْنَا الْقَدْرَ الْمَعْفُوَّ عَنْهُ. ٥٥٨ - (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَرْكَبُوا الْخَزَّ وَلَا النِّمَارَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) . الْحَدِيثُ رِجَالُ إسْنَادِهِ ثِقَاتٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْكَلَامُ عَلَى الْخَزِّ تَفْسِيرًا وَحُكْمًا قَدْ تَقَدَّمَ. وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ عَلَى النِّمَارِ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ السَّابِقِ. الْحَدِيثُ رِجَالُ إسْنَادِهِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد ثِقَاتٌ وَقَدْ وَهِمَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فَقَالَ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ الْأَشْعَرِيُّ. قَوْلُهُ: (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي) اُسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ اسْتِحْلَالَ الْمُحَرَّمَاتِ لَا يُوجِبُ لِفَاعِلِهِ الْكُفْرَ وَالْخُرُوجَ عَنْ الْأُمَّةِ. قَوْلُهُ: (الْخَزَّ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الْحُمَيْدِيِّ وَابْنُ الْأَثِيرِ وَذَكَرَهُ أَبُو مُوسَى فِي بَابِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ الْفَرْجُ، وَكَذَلِكَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ ضَبَطَهُ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ، وَقَالَ: وَأَصْلُهُ حَرَحٌ فَحُذِفَ أَحَدُ الْحَاءَيْنِ وَجَمْعُهُ أَحْرَاحٌ كَفَرْخٍ وَأَفْرَاخٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ شَدَّدَ الرَّاءَ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ يُرِيدُ أَنَّهُ يَكْثُرُ فِيهِمْ الزِّنَا. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْخَزِّ، وَعَطْفُ الْحَرِيرِ عَلَى الْخَزِّ يُشْعِرُ بِأَنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ. قَوْلُهُ: (آخَرِينَ) وَفِي رِوَايَةٍ " آخَرُونَ ". قَوْلُهُ: (قِرَدَةً) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ جَمْعُ قِرْدٍ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَسْخَ وَاقِعٌ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْمَلَاهِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ

стр. 486

بَابُ نَهْيِ الرِّجَالِ عَنْ الْمُعَصْفَرِ وَمَا جَاءَ فِي الْأَحْمَرِ ٥٦٠ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا.» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ) . ــ [نيل الأوطار] «يُمْسَخُ قَوْمٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: بَلَى وَيَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ قَالُوا: فَمَا بَالُهُمْ؟ قَالَ: اتَّخَذُوا الْمَعَازِفَ وَالدُّفُوفَ وَالْقَيْنَاتِ فَبَاتُوا عَلَى شُرْبِهِمْ وَلَهْوِهِمْ فَأَصْبَحُوا وَقَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ وَلَيَمُرَّنَّ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ فِي حَانُوتِهِ يَبِيعُ فَيَرْجِعُ إلَيْهِ، وَقَدْ مُسِخَ قِرْدًا أَوْ خِنْزِيرًا» . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمْشِيَ الرَّجُلَانِ فِي الْأَمْرِ فَيُمْسَخَ أَحَدُهُمَا قِرْدًا أَوْ خِنْزِيرًا، وَلَا يَمْنَعُ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا مَا رَأَى بِصَاحِبِهِ أَنْ يَمْضِيَ إلَى شَأْنِهِ حَتَّى يَقْضِيَ شَهْوَتَهُ قَوْلُهُ: (وَالْمَعَازِفُ) بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ فَزَايٍ مُعْجَمَةٍ، وَهِيَ أَصْوَاتُ الْمَلَاهِي، قَالَهُ ابْنُ رَسْلَانَ، وَفِي الْقَامُوسِ الْمَعَازِفُ: الْمَلَاهِي كَالْعُودِ وَالطُّنْبُورِ انْتَهَى. وَالْكَلَامُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِأَبِي دَاوُد بِقَوْلِهِ: وَذَكَرَ كَلَامًا هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ «وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ يَعْنِي الْفَقِيرَ لِحَاجَتِهِ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إلَيْنَا غَدًا فَيُبَيِّتهُمْ اللَّهُ وَيَضَعُ الْعَلَمَ عَلَيْهِمْ» انْتَهَى. وَالْعَلَمُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ هُوَ الْجَبَلُ، وَمَعْنَى يَضَعُ الْعَلَمَ عَلَيْهِمْ أَيْ يُدَكْدِكُهُ عَلَيْهِمْ فَيَقَعُ. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ لِلتَّوَعُّدِ عَلَيْهَا بِالْخَسْفِ وَالْمَسْخِ وَإِنَّمَا لَمْ يُسْنِدْ الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثَ بَلْ عَلَّقَهُ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ مِنْ صَحِيحِهِ لِأَجْلِ الشَّكِّ الْوَاقِعِ مِنْ الْمُحَدِّثِ، حَيْثُ قَالَ أَبُو عَامِرٍ وَأَبُو مَالِكٍ، وَأَبُو عَامِرٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَانِئٍ الْأَشْعَرِيُّ صَحَابِيٌّ نَزَلَ الشَّامَ وَقِيلَ: هُوَ عُبَيْدُ بْنُ وَهْبٍ، وَأَبُو مَالِكٍ هُوَ الْحَارِثُ، وَقِيلَ: كَعْبُ بْنُ عَاصِمٍ صَحَابِيٌّ يُعَدُّ فِي الشَّامِيِّينَ. [بَابُ نَهْيِ الرِّجَالِ عَنْ الْمُعَصْفَرِ وَمَا جَاءَ فِي الْأَحْمَرِ] قَوْلُهُ: (مُعَصْفَرَيْنِ) الْمُعَصْفَرُ هُوَ الْمَصْبُوغُ بِالْعُصْفُرِ كَمَا فِي كِتَابِ اللُّغَةِ وَشُرُوحِ الْحَدِيثِ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ بِتَحْرِيمِ لُبْسِ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ بِعُصْفُرٍ وَهُمْ الْعِتْرَةُ، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو وَحَدِيثِ عَلِيٍّ الْمَذْكُورَيْنِ بَعْدَ هَذَا وَغَيْرِهِمَا وَسَيَأْتِي بَعْضُ ذَلِكَ. وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ إلَى الْإِبَاحَةِ، كَذَا قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ قَالَ: وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِالْكَرَاهَةِ لِلتَّنْزِيهِ، وَحَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى هَذَا لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ

стр. 487

(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ ثَنِيَّةٍ، فَالْتَفَتَ إلَيَّ وَعَلَيَّ رَيْطَةٌ مُضَرَّجَةٌ بِالْعُصْفُرِ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ فَعَرَفْت مَا كَرِهَ فَأَتَيْت أَهْلِي وَهُمْ يَسْجُرُونَ تَنُّورَهُمْ فَقَذَفْتهَا فِيهِ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنْ الْغَدِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا فَعَلَتْ الرَّيْطَةُ؟ فَأَخْبَرْته، فَقَالَ: أَلَا كَسَوْتَهَا بَعْضَ أَهْلِكِ؟» ، رَوَاهُ ــ [نيل الأوطار] مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ» زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، " وَقَدْ كَانَ يَصْبُغُ بِهَا ثِيَابَهُ كُلَّهَا " وَقَالَ الْخَطَّابِيِّ: النَّهْيُ مُنْصَرِفٌ إلَى مَا صُبِغَ مِنْ الثِّيَابِ، وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إلَى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ ذِكْرِ مُطْلَقِ الصَّبْغِ بِالصُّفْرَةِ، فَقَصَرَهُ عَلَى صَبْغِ اللِّحْيَةِ دُونَ الثِّيَابِ، وَجَعَلَ النَّهْيَ مُتَوَجِّهًا إلَى الثِّيَابِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى تِلْكَ الزِّيَادَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِأَنَّهُ كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ بِالصُّفْرَةِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الصُّفْرَةَ الَّتِي كَانَ يَصْبُغُ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ صُفْرَةِ الْعَصْفَرَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا سَيَأْتِي فِي بَابِ لُبْسِ الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصْبُغُ بِالزَّعْفَرَانِ» وَقَدْ أَجَابَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِالتَّحْرِيمِ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ وَحَدِيثِهِ الَّذِي بَعْدَهُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَهْيِهِ لَهُ نَهْيُ سَائِرِ الْأُمَّةِ. وَكَذَلِكَ أَجَابَ عَنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ الْآتِي بِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ: " نَهَانِي " أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِهِ، وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: وَلَا أَقُولُ نَهَاكُمْ، وَهَذَا الْجَوَابُ يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ بَيْنَ أَهْلِ الْأُصُولِ فِي حُكْمِهِ ﷺ عَلَى الْوَاحِدِ مِنْ الْأُمَّةِ هَلْ يَكُونُ حُكْمًا عَلَى بَقِيَّتِهِمْ أَوْ لَا؟ وَالْحَقُّ الْأَوَّلُ، فَيَكُونُ نَهْيُهُ لِعَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ نَهْيًا لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَلَا يُعَارِضُهُ صَبْغُهُ بِالصُّفْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّهَا مِنْ الْعُصْفُرِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ مِنْ أَنَّ فِعْلَهُ الْخَالِيَ عَنْ دَلِيلِ التَّأَسِّي الْخَاصِّ لَا يُعَارِضُ قَوْلَهُ الْخَاصَّ بِأُمَّتِهِ، فَالرَّاجِحُ تَحْرِيمُ الثِّيَابِ الْمُعَصْفَرَةِ، وَالْعُصْفُرُ وَإِنْ كَانَ يَصْبُغُ صَبْغًا أَحْمَرَ كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ حُلَّةً حَمْرَاءَ» كَمَا يَأْتِي، لِأَنَّ النَّهْيَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ يَتَوَجَّهُ إلَى نَوْعٍ خَاصٍّ مِنْ الْحُمْرَةِ، وَهِيَ الْحُمْرَةُ الْحَاصِلَةُ عَنْ صِبَاغِ الْعُصْفُرِ، وَسَيَأْتِي مَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِمَعْنَى هَذَا. وَقَدْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَادًّا لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ: إنَّهُ لَمْ يَحْكِ أَحَدٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ النَّهْيَ عَنْ الصُّفْرَةِ إلَّا مَا قَالَ عَلِيٌّ: " نَهَانِي وَلَا أَقُولُ نَهَاكُمْ " إنَّ الْأَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَلَى الْعُمُومِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثَ مَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَلَوْ بَلَغَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الشَّافِعِيَّ ﵀ لَقَالَ بِهَا، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مَا صَحَّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ خِلَافَ قَوْلِي فَاعْمَلُوا بِالْحَدِيثِ. ٥٦١ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ ثَنِيَّةٍ، فَالْتَفَتَ إلَيَّ وَعَلَيَّ رَيْطَةٌ مُضَرَّجَةٌ بِالْعُصْفُرِ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ فَعَرَفْت مَا كَرِهَ فَأَتَيْت أَهْلِي وَهُمْ يَسْجُرُونَ تَنُّورَهُمْ فَقَذَفْتهَا فِيهِ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنْ الْغَدِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا فَعَلَتْ الرَّيْطَةُ؟ فَأَخْبَرْته، فَقَالَ: أَلَا كَسَوْتَهَا بَعْضَ أَهْلِكِ؟» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَكَذَلِكَ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَزَادَ: " فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِلنِّسَاءِ ") .

стр. 488

أَحْمَدُ وَكَذَلِكَ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَزَادَ: " فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِلنِّسَاءِ ") ٥٦٢ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: «نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ ــ [نيل الأوطار] الْحَدِيثُ فِي إسْنَادِهِ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَفِيهِ مَقَالٌ مَشْهُورٌ، وَمَنْ دُونَهُ ثِقَاتٌ. قَوْلُهُ: (مِنْ ثَنِيَّةٍ) هِيَ الطَّرِيقَةُ فِي الْجَبَلِ، وَفِي لَفْظِ ابْنِ مَاجَهْ: مِنْ ثَنِيَّةِ أَذَاخِرَ، وَأَذَاخِرُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمُخَفَّفَةِ وَبَعْدَهَا أَلِفٌ ثُمَّ خَاءٌ مُعْجَمَةٌ عَلَى وَزْنِ أَفَاعِلَ، ثَنِيَّةٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. قَوْلُهُ: (رَيْطَةٌ) بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتَ ثُمَّ طَاءٌ مُهْمَلَةٌ وَيُقَالُ رَائِطَةٌ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: جَاءَتْ الرِّوَايَةُ بِهِمَا وَهِيَ مُلَاءَةٌ مَنْسُوجَةٌ بِنَسْجٍ وَاحِدٍ، وَقِيلَ: كُلُّ ثَوْبٍ رَقِيقٍ لَيِّنٍ، وَالْجَمْعُ رِيَطٌ وَرِيَاطٌ. قَوْلُهُ: (مُضَرَّجَةٌ) بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ مُلَطَّخَةٌ. قَوْلُهُ: (يَسْجُرُونَ) أَيْ يُوقِدُونَ. قَوْلُهُ: (بَعْضَ أَهْلِكِ) يَعْنِي زَوْجَتَهُ أَوْ بَعْضَ نِسَاءِ مَحَارِمِهِ وَأَقَارِبِهِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ لِلنِّسَاءِ، وَفِيهِ الْإِنْكَارُ عَلَى إحْرَاقِ الثَّوْبِ الْمُنْتَفَعِ بِهِ لِبَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ لِأَنَّهُ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، لَكِنَّهُ يُعَارِضُ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَيْضًا قَالَ: «رَأَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: أُمُّك أَمَرَتْك بِهَذَا؟ قَالَ: قُلْت: أَغْسِلُهُمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: بَلْ أَحْرِقْهُمَا» وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ أَوَّلًا بِإِحْرَاقِهِمَا نَدْبًا، ثُمَّ لَمَّا أَحْرَقَهُمَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْ كَسَوْتَهُمَا بَعْضَ أَهْلِكِ؟» إعْلَامًا لَهُ بِأَنَّ هَذَا كَانَ كَافِيًا لَوْ فَعَلَهُ، وَأَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا مِنْ التَّكَلُّفِ الَّذِي عَنْهُ مَنْدُوحَةٌ، لِأَنَّ الْقَضِيَّةَ لَمْ تَكُنْ وَاحِدَةً حَتَّى يُجْمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِمِثْلِ هَذَا، بَلْ هُمَا قَضِيَّتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ وَغَايَتُهُ أَنَّهُ ﷺ فِي إحْدَى الْقَضِيَّتَيْنِ غَلَّظَ عَلَيْهِ وَعَاقَبَهُ فَأَمَرَهُ بِإِحْرَاقِهِمَا، وَلَعَلَّ هَذِهِ الْمَرَّةَ الَّتِي أَمَرَهُ فِيهَا بِالْإِحْرَاقِ كَانَتْ بَعْدَ تِلْكَ الْمَرَّةِ الَّتِي أَخْبَرَهُ فِيهَا بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرَ وَاجِبٍ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ صَاحِبَ الْقِصَّةِ يَبْعُدُ أَنْ يَقَعَ مِنْهُ اللُّبْسُ لِلْمُعَصْفَرِ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ أَنْ سَمِعَ فِيهِ مَا سَمِعَ الْمَرَّةَ الْأُولَى، وَلَكِنَّهُ دُونَ الْبُعْدِ الَّذِي فِي الْجَمْعِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ احْتِمَالَ النِّسْيَانِ كَائِنٌ، وَكَذَا احْتِمَالُ عُرُوضِ شُبْهَةٍ تُوجِبُ الظَّنَّ بِعَدَمِ التَّحْرِيمِ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ وَقَعَتْ مِنْهُ ﷺ الْمُعَاتَبَةُ عَلَى الْإِحْرَاقِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: أَمَرَهُ بِإِحْرَاقِهِمَا مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ وَالْعُقُوبَةِ انْتَهَى. وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى جَوَازِ الْمُعَاقَبَةِ بِالْمَالِ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ الْمَصْبُوغَةِ بِالْعُصْفُرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ.

стр. 489

وَعَنْ لِبَاسِ الْقَسِّيِّ، وَعَنْ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَعَنْ لِبَاسِ الْمُعَصْفَرِ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَابْنَ مَاجَهْ) . ٥٦٣ - (وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرْبُوعًا بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ لَهُ شَعْرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ لَمْ أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . ــ [نيل الأوطار] قَوْلُهُ: (نَهَانِي) هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ " نَهَى " وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُ مَنْ أَجَابَ عَنْ الْحَدِيثِ بِاخْتِصَاصِهِ بِعَلِيٍّ ﵇ وَتَعَقَّبَهُ. قَوْلُهُ: (الْقَسِّيِّ) قَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَتَفْسِيرُهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ عَلِيٍّ فِي بَابِ إنَّ افْتِرَاشَ الْحَرِيرِ كَلُبْسِهِ. قَوْلُهُ: (وَعَنْ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْقِرَاءَةِ فِي هَذَيْنِ الْمَحِلَّيْنِ لِأَنَّ وَظِيفَتَهُمَا إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالدُّعَاءُ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْهُ ﷺ «نُهِيت أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ» . قَوْلُهُ: (وَعَنْ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ لُبْسِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ عَنْ ذَلِكَ. الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد. وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا صَلَّى إلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ» وَعَنْ عَامِرٍ الْمُزَنِيّ عِنْدَ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ فِيهِ اخْتِلَافٌ قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى وَهُوَ يَخْطُبُ عَلَى بَغْلَةٍ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ أَحْمَرُ وَعَلِيٌّ ﵇ أَمَامَهُ يُعَبِّرُ عَنْهُ» قَالَ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ: وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّهُ كَانَ لَهُ ﷺ ثَوْبٌ أَحْمَرُ يَلْبَسُهُ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ» . وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ نَحْوَهُ بِدُونِ ذِكْرِ الْأَحْمَرِ، وَالْحَدِيثُ احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ لُبْسِ الْأَحْمَرِ وَهُمْ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ. وَذَهَبَتْ الْعِتْرَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الَّذِي سَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا، وَسَيَأْتِي فِي شَرْحِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ عَدَمُ انْتِهَاضِهِ لِلِاحْتِجَاجِ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي تَحْرِيمِ الْمَصْبُوغِ بِالْعُصْفُرِ، قَالُوا: لِأَنَّ الْعُصْفُرَ يَصْبُغُ صِبَاغً أَحْمَرَ، وَهِيَ أَخَصُّ مِنْ الدَّعْوَى، وَقَدْ عَرَّفْنَاك أَنَّ الْحَقَّ أَنَّ ذَلِكَ النَّوْعَ مِنْ الْأَحْمَرِ لَا يَحِلُّ لُبْسُهُ (وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ) حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَرَأَى عَلَى رَوَاحِلِنَا وَعَلَى إبِلِنَا أَكْسِيَةً فِيهَا خُيُوطُ عِهْنٍ أَحْمَرُ، فَقَالَ: أَلَا أَرَى هَذِهِ الْحُمْرَةَ قَدْ عَلَتْكُمْ، فَقُمْنَا سِرَاعًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذْنَا الْأَكْسِيَةَ فَنَزَعْنَاهَا

стр. 490

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [نيل الأوطار] عَنْهَا» وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ لِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ رَجُلًا مَجْهُولًا. وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ حَدِيثُ «إنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ قَالَتْ: كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَ زَيْنَبَ امْرَأَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَصْبُغُ ثِيَابِهَا بِمَغْرَةٍ وَالْمَغْرَةُ: صِبَاغٌ أَحْمَرُ قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَأَى الْمَغْرَةَ رَجَعَ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ زَيْنَبُ عَلِمَتْ أَنَّهُ ﷺ قَدْ كَرِهَ مَا فَعَلَتْ وَأَخَذَتْ فَغَسَلَتْ ثِيَابَهَا وَوَارَتْ كُلَّ حُمْرَةٍ، ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ فَاطَّلَعَ، فَلَمَّا لَمْ يَرَ شَيْئًا دَخَلَ» الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَفِي إسْنَادِهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَابْنُهُ، وَفِيهِمَا مَقَالٌ مَشْهُورٌ. وَهَذِهِ الْأَدِلَّةُ غَايَةُ مَا فِيهَا لَوْ سَلِمَتْ صِحَّتُهَا، وَعَدَمُ وُجْدَانِ مُعَارِضٍ لَهَا الْكَرَاهَةُ لَا التَّحْرِيمُ، فَكَيْفَ وَهِيَ غَيْرُ صَالِحَةٍ لِلِاحْتِجَاجِ بِهَا لِمَا فِي أَسَانِيدِهَا مِنْ الْمَقَالِ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَمُعَارَضَةٌ بِتِلْكَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ. نَعَمْ مِنْ أَقْوَى حُجَجِهِمْ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْمَيَاثِرِ الْحُمْرِ، وَكَذَلِكَ مَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ: «نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ وَالْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ» وَلَكِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ أَخَصُّ مِنْ الدَّعْوَى، وَغَايَةُ مَا فِي ذَلِكَ تَحْرِيمُ الْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ، فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِ مَا عَدَاهَا، مَعَ ثُبُوتِ لُبْسِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ مَرَّاتٍ، وَمِنْ أَصْرَحِ أَدِلَّتِهِمْ حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ بُرْدٍ أَوْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ كَمَا قَالَ ابْنُ قَانِعٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «إنَّ الشَّيْطَانَ يُحِبُّ الْحُمْرَةَ فَإِيَّاكُمْ وَالْحُمْرَةَ وَكُلَّ ثَوْبٍ ذِي شُهْرَةٍ» أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْكُنَى وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ وَابْنُ قَانِعٍ وَابْنُ السَّكَنِ وَابْنُ مَنْدَهْ وَابْنُ عَدِيٍّ. وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «إيَّاكُمْ وَالْحُمْرَةَ فَإِنَّهَا أَحَبُّ الزِّينَةِ إلَى الشَّيْطَانِ.» وَأَخْرَجَ نَحْوَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا وَهَذَا إنْ صَحَّ كَانَ أَنَصَّ أَدِلَّتِهِمْ عَلَى الْمَنْعِ، وَلَكِنَّك قَدْ عَرَفْت لُبْسَهُ ﷺ لِلْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ فِي غَيْرِ مَرَّةٍ، وَيَبْعُدُ مِنْهُ ﷺ أَنْ يَلْبَسَ مَا حَذَّرَنَا مِنْ لُبْسِهِ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأَنَّ الشَّيْطَانَ يُحِبُّ الْحُمْرَةَ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ هَهُنَا فِعْلُهُ لَا يُعَارِضُ الْقَوْلَ الْخَاصَّ بِنَا، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ أَئِمَّةُ الْأُصُولِ، لِأَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ مُشْعِرَةٌ بِعَدَمِ اخْتِصَاصِ الْخِطَابِ بِنَا، إذْ تَجَنُّبُ مَا يُلَابِسُهُ الشَّيْطَانُ هُوَ ﷺ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ. فَإِنْ قُلْت: فَمَا الرَّاجِحُ إنْ صَحَّ ذَلِكَ الْحَدِيثُ؟ قُلْت: قَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إذَا فَعَلَ فِعْلًا لَمْ يُصَاحِبْهُ دَلِيلٌ خَاصٌّ يَدُلُّ عَلَى التَّأَسِّي بِهِ فِيهِ كَانَ مُخَصِّصًا لَهُ عَنْ عُمُومِ الْقَوْلِ الشَّامِلِ لَهُ بِطَرِيقِ الظُّهُورِ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا لُبْسُ الْأَحْمَرِ مُخْتَصًّا بِهِ، وَلَكِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثُ غَيْرُ صَالِحٍ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَافِظُ وَجَزَمَ بِضَعْفِهِ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الْبَدَلِيِّ وَقَدْ بَالَغَ الْجُوزَجَانِيّ فَقَالَ: بَاطِلٌ، فَالْوَاجِبُ الْبَقَاءُ عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ الْمُعْتَضَدَةِ بِأَفْعَالِهِ الثَّابِتَةِ فِي الصَّحِيحِ لَا سِيَّمَا مَعَ ثُبُوتِ لُبْسِهِ لِذَلِكَ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَلَمْ يَلْبَثْ بَعْدَهَا إلَّا أَيَّامًا يَسِيرَةً، وَقَدْ زَعَمَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ بُرْدَانِ يَمَانِيَّانِ مَنْسُوجَانِ بِخُطُوطٍ حُمْرٍ مَعَ الْأَسْوَدِ، وَغَلِطَ مَنْ قَالَ إنَّهَا كَانَتْ حَمْرَاءَ بَحْتًا،

стр. 491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [نيل الأوطار] قَالَ: وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ بِهَذَا الِاسْمِ، وَلَا يَخْفَاك أَنَّ الصَّحَابِيَّ قَدْ وَصَفَهَا بِأَنَّهَا حَمْرَاءُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ، وَالْوَاجِبُ الْحَمْلُ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ الْحَمْرَاءُ الْبَحْتُ، وَالْمَصِيرُ إلَى الْمَجَازِ أَعْنِي كَوْنَ بَعْضِهَا أَحْمَرَ دُونَ بَعْضٍ لَا يُحْمَلُ ذَلِكَ الْوَصْفُ عَلَيْهِ إلَّا لِمُوجِبٍ. فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَى الْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ لُغَةٌ فَلَيْسَ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِيهَا فَالْحَقَائِقُ الشَّرْعِيَّةُ لَا تَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَالْوَاجِبُ حَمْلُ مَقَالَةِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ عَلَى لُغَةِ الْعَرَبِ، لِأَنَّهَا لِسَانُهُ وَلِسَانُ قَوْمِهِ، فَإِنْ قَالَ: إنَّمَا فَسَّرَهَا بِذَلِكَ التَّفْسِيرِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ فَمَعَ كَوْنِ كَلَامِهِ آبِيًا عَنْ ذَلِكَ لِتَصْرِيحِهِ بِتَغْلِيطِ مَنْ قَالَ: إنَّهَا الْحَمْرَاءُ الْبَحْتُ، لَا مُلْجَأَ إلَيْهِ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بِدُونِهِ كَمَا ذَكَرْنَا مَعَ أَنَّ حَمْلَهُ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ عَلَى مَا ذَكَرَ يُنَافِي مَا احْتَجَّ بِهِ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ مِنْ إنْكَارِهِ ﷺ عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ رَأَى عَلَى رَوَاحِلِهِمْ أَكْسِيَةً فِيهَا خُطُوطٌ حُمْرٌ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهِيَةِ مَا فِيهِ الْخُطُوطُ وَتِلْكَ الْحُلَّةُ كَذَلِكَ بِتَأْوِيلِهِ. قَوْلُهُ: (فِي الْحَدِيثِ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ) هِيَ اللَّيِّنُ مِنْ الْأُذُنِ فِي أَسْفَلِهَا وَهُوَ مُعَلَّقُ الْقُرْطِ مِنْهَا، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ فِي شَعْرِهِ فَهَهُنَا " إلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ " وَفِي رِوَايَةٍ " كَانَ يَبْلُغُ شَعْرُهُ مَنْكِبَيْهِ " وَفِي رِوَايَةٍ " إلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ ". قَالَ الْقَاضِي: الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ مَا يَلِي الْأُذُنَ هُوَ الَّذِي يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ وَهُوَ الَّذِي بَيْنَ أُذُنِهِ وَعَاتِقِهِ، وَمَا خَلْفَهُ هُوَ الَّذِي يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ. وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ، فَإِذَا غَفَلَ عَنْ تَقْصِيرِهَا بَلَغَتْ الْمَنْكِبَ، وَإِذَا قَصَّرَهَا كَانَتْ إلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ، وَكَانَ يَقْصُرُ وَيَطُولُ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوُ هَذَا فِي بَابِ اتِّخَاذِ الشَّعْرِ. وَفِي فَتْحِ الْبَارِي أَنَّ فِي لُبْسِ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ سَبْعَةُ مَذَاهِبَ. الْأَوَّلُ: الْجَوَازُ مُطْلَقًا، جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَالْبَرَاءِ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَأَبِي قِلَابَةَ وَطَائِفَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ. الثَّانِي: الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَنْسُبْهُ الْحَافِظُ إلَى قَائِلٍ مُعَيَّنٍ، إنَّمَا ذَكَرَ أَخْبَارًا وَآثَارًا يُعْرَفُ بِهَا مَنْ قَالَ بِذَلِكَ. الثَّالِثُ: يُكْرَهُ لُبْسُ الثَّوْبِ الْمُشَبَّعِ بِالْحُمْرَةِ دُونَ مَا كَانَ صَبْغُهُ خَفِيفًا، جَاءَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ. الرَّابِعُ: يُكْرَهُ لُبْسُ الْأَحْمَرِ مُطْلَقًا لِقَصْدِ الزِّينَةِ وَالشُّهْرَةِ، وَيَجُوزُ فِي الْبُيُوتِ وَالْمِهْنَةِ، جَاءَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. الْخَامِسُ: يَجُوزُ لُبْسُ مَا كَانَ صُبِغَ غَزْلُهُ ثُمَّ نُسِجَ، وَيُمْنَعُ مَا صُبِغَ بَعْدَ النَّسْجِ جَنَحَ إلَى ذَلِكَ الْخَطَّابِيِّ. السَّادِسُ: اخْتِصَاصُ النَّهْيِ بِمَا يُصْبَغُ بِالْعُصْفُرِ وَلَمْ يَنْسُبْهُ إلَى أَحَدٍ. السَّابِعُ: تَخْصِيصُ الْمَنْعِ بِالثَّوْبِ الَّذِي يُصْبَغُ كُلُّهُ، وَأَمَّا مَا فِيهِ لَوْنٌ آخَرُ غَيْرُ أَحْمَرَ فَلَا. حُكِيَ عَنْ ابْنِ الْقَيِّمِ أَنَّهُ قَالَ بِذَلِكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، ثُمَّ قَالَ الْحَافِظُ: وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ لُبْسِ الْأَحْمَرِ إنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لُبْسُ الْكُفَّارِ فَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ زِيُّ النِّسَاءِ فَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الزَّجْرِ عَنْ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُ لَا لِذَاتِهِ،

стр. 492

٥٦٤ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحْمَرَانِ فَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد، وَقَالَ: مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَرِهَ الْمُعَصْفَرَ، وَقَالَ: وَرَأَوْا أَنَّ مَا صُبِغَ بِالْحُمْرَةِ مِنْ مَدَرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُعَصْفَرًا) ــ [نيل الأوطار] وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ الشُّهْرَةِ أَوْ خَرْمِ الْمُرُوءَةِ فَيُمْنَعُ، حَيْثُ يَقَعُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا فَيَقْوَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ لُبْسِهِ فِي الْمَحَافِلِ وَالْبُيُوتِ. ٥٦٤ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحْمَرَانِ فَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد، وَقَالَ: مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَرِهَ الْمُعَصْفَرَ، وَقَالَ: وَرَأَوْا أَنَّ مَا صُبِغَ بِالْحُمْرَةِ مِنْ مَدَرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُعَصْفَرًا) . الْحَدِيثُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّهُ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ اهـ. وَفِي إسْنَادِهِ أَبُو يَحْيَى الْقَتَّاتُ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ دِينَارٍ، وَقِيلَ: زَاذَانُ، وَقِيلَ: عِمْرَانُ، وَقِيلَ: مُسْلِمٌ، وَقِيلَ: زِيَادٌ، وَقِيلَ: يَزِيدُ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَهُوَ كُوفِيٌّ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: هَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى بِهَذَا اللَّفْظِ إلَّا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ طَرِيقًا إلَّا هَذِهِ الطَّرِيقَ وَلَا نَعْلَمُ رَوَاهُ إسْرَائِيلُ إلَّا عَنْ إِسْحَاقَ بْنَ مَنْصُورٍ. قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: حَدِيثٌ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ وَإِنْ وَقَعَ فِي نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ حَسَنٌ. وَالْحَدِيثُ احْتَجَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِكَرَاهِيَةِ لُبْسِ الْأَحْمَرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ. وَأَجَابَ الْمُبِيحُونَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَنْتَهِضُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ فِي مُقَابَلَةِ الْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِالْإِبَاحَةِ لَمَا فِيهِ مِنْ الْمَقَالِ وَبِأَنَّهُ وَاقِعَةٌ عَيْنٍ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ الرَّدَّ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ آخَرَ وَحَمَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى مَا صُبِغَ بَعْدَ النَّسْجِ لَا مَا صُبِغَ غَزْلًا ثُمَّ نُسِجَ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ لُبْسَ النَّبِيِّ ﷺ الْحُلَّةَ كَانَ لِأَجْلِ الْغَزْوِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ كَانَ عَقِيبَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إذْ ذَاكَ غَزْوٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى حُجَجِ الْفَرِيقَيْنِ مُسْتَوْفًى. قَوْلُ (فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ) فِيهِ جَوَازُ تَرْكِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ سَلَّمَ وَهُوَ مُرْتَكِبٌ لِمَنْهِيٍّ عَنْهُ رَدْعًا لَهُ وَزَجْرًا عَنْ مَعْصِيَتِهِ. قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ الْمُسْلِمُ عَلَيْهِ أَنَا لَمْ أَرُدَّ عَلَيْك لِأَنَّك مُرْتَكِبٌ لِمَنْهِيٍّ عَنْهُ. وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ تَرْكُ السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْمَعَاصِي الظَّاهِرَةِ تَحْقِيرًا لَهُمْ وَزَجْرًا، وَلِذَلِكَ قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فَسَلَّمْت عَلَيْهِ فَوَاَللَّهِ مَا رَدَّ السَّلَامَ عَلَيَّ وَالْجَمْعُ الَّذِي ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَنَسَبَهُ إلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ جَمْعٌ حَسَنٌ لِانْتِهَاضِ الْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِالْمَنْعِ مِنْ لُبْسِ مَا صُبِغَ بِالْعُصْفُرِ

стр. 493

بَابُ مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ وَالْأَخْضَرِ وَالْمُزَعْفَرِ وَالْمُلَوَّنَاتِ ٥٦٥ - (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْبَسُوا ثِيَابَ الْبَيَاضِ فَإِنَّهَا أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) . ٥٦٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ أَحَبُّ الثِّيَابِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَلْبَسَهَا الْحِبَرَةَ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ) ــ [نيل الأوطار] [بَابُ مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ وَالْأَخْضَرِ وَالْمُزَعْفَرِ وَالْمُلَوَّنَاتِ] الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ، وَاخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. وَفِي الْبَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ إلَّا النَّسَائِيّ بِلَفْظِ: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابَكُمْ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ بِمَعْنَاهُ. وَفِي لَفْظٍ لِلْحَاكِمِ: «خَيْرُ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضُ فَأَلْبِسُوهَا أَحْيَاءَكُمْ وَكَفِّنُوا بِهَا مَوْتَاكُمْ» وَصَحَّحَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ابْنُ الْقَطَّانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ. وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ. وَعَنْ أَنَسٍ عِنْدَ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ. وَعِنْدِ الْبَزَّارِ فِي مُسْنَدِهِ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ. وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ يَرْفَعُهُ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ بِلَفْظِ: «أَحْسَنُ مَا زُرْتُمْ اللَّهَ بِهِ فِي قُبُورِكُمْ وَمَسَاجِدِكُمْ الْبَيَاضُ» وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ لُبْسِ الْبَيَاضِ وَتَكْفِينُ الْمَوْتَى بِهِ كَوْنُهُ أَطْهَرَ مِنْ غَيْرِهِ وَأَطْيَبَ، أَمَّا كَوْنُهُ أَطْيَبَ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا كَوْنُهُ أَطْهَرَ فَلِأَنَّ أَدْنَى شَيْءٍ يَقَعُ عَلَيْهِ يَظْهَرُ فَيُغْسَلُ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ النَّجَاسَةِ فَيَكُونُ نَقِيًّا كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ فِي دُعَائِهِ: «وَنَقِّنِي مِنْ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ» وَالْأَمْرُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ، أَمَّا فِي اللِّبَاسِ فَلِمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنْ لُبْسِ غَيْرِهِ وَإِلْبَاسِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ثِيَابًا غَيْرَ بِيضٍ، وَتَقْرِيرُهُ لِجَمَاعَةٍ مِنْهُمْ عَلَى غَيْرِ لُبْسِ الْبَيَاضِ، وَأَمَّا فِي الْكَفَنِ فَلِمَا ثَبَتَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد. قَالَ الْحَافِظُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «إذَا تُوُفِّيَ أَحَدُكُمْ فَوَجَدَ شَيْئًا فَلْيُكَفَّنْ فِي ثَوْبِ حِبَرَةٍ» . ٥٦٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ أَحَبُّ الثِّيَابِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَلْبَسَهَا الْحِبَرَةَ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ) . قَوْلُهُ: (الْحِبَرَةُ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْحِبَرَةُ كَعِنَبَةٍ: بُرْدٌ يَمَانٍ يَكُونُ مِنْ كَتَّانٍ أَوْ قُطْنٍ، سُمِّيَتْ حِبَرَةً لِأَنَّهَا مُحَبَّرَةٌ أَيْ مُزَيَّنَةٌ وَالتَّحْبِيرُ: التَّزْيِينُ وَالتَّحْسِينُ وَالتَّخْطِيطُ، وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا الْخَمِيرَ،

стр. 494

٥٦٧ - (وَعَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: «رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ) ٥٦٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) ٥٦٩ - (وَعَنْ أُمِّ خَالِدٍ قَالَتْ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَ: مَنْ تَرَوْنَ نَكْسُو هَذِهِ الْخَمِيصَةَ؟ فَأُسْكِتَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ فَأُتِيَ بِي إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَلْبَسَنِيهَا بِيَدِهِ، وَقَالَ أَبْلِي وَأَخْلِقِي مَرَّتَيْنِ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ إلَى عَلَمِ الْخَمِيصَةِ، وَيُشِيرُ بِيَدِهِ إلَيَّ، وَيَقُولُ: يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَا هَذَا سَنَا وَالسَّنَا بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: الْحَسَنُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ٥٧٠ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ وَيَدَّهِنُ بِالزَّعْفَرَانِ، فَقِيلَ لَهُ لِمَ تَصْبُغُ ثِيَابَك وَتَدَّهِنُ بِالزَّعْفَرَانِ؟ فَقَالَ: إنِّي رَأَيْته أَحَبَّ الْأَصْبَاغِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَّهِنُ بِهِ وَيَصْبُغُ بِهِ ثِيَابَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَكَذَلِكَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ وَفِي لَفْظِهِمَا: وَلَقَدْ كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ كُلَّهَا حَتَّى عِمَامَتَهُ) ــ [نيل الأوطار] وَأَلْبَسَنَا الْحَبِيرَ» وَإِنَّمَا كَانَتْ الْحِبَرَةُ أَحَبَّ الثِّيَابِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا كَثِيرُ زِينَةٍ وَلِأَنَّهَا أَكْثَرُ احْتِمَالًا لِلْوَسَخِ مِنْ غَيْرِهَا. ٥٦٧ - (وَعَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: «رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ) . الْحَدِيثُ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ إيَادٍ انْتَهَى. وَعُبَيْدُ اللَّهِ وَأَبُوهُ ثِقَتَانِ، وَأَبُو رِمْثَةَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ مَفْتُوحَةٌ، وَاسْمُهُ رِفَاعَةُ بْنُ يَثْرِبِيٍّ كَذَا قَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: اسْمُهُ حَبِيبُ بْنُ وَهْبٍ، وَيَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ لُبْسِ الْأَخْضَرِ لِأَنَّهُ لِبَاسِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَيْضًا مِنْ أَنْفَعِ الْأَلْوَانِ لِلْأَبْصَارِ وَمِنْ أَجْمَلِهَا فِي أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ. ٥٦٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) ، قَوْلُهُ: (مِرْطٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ كِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ أَوْ خَزٍّ، وَالْجَمْعُ مُرُوطٌ كَذَا فِي الْقَامُوسِ. وَقِيلَ: كِسَاءٌ مِنْ خَزٍّ أَوْ كَتَّانٍ. قَوْلُهُ: (مُرَحَّلٌ) بِمِيمٍ مَضْمُومَةٍ وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مُشَدَّدَةٍ وَلَامٍ كَمُعَظَّمٍ وَهُوَ بُرْدٌ فِيهِ تَصَاوِيرُ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَتَفْسِيرُ الْجَوْهَرِيِّ إيَّاهُ بِإِزَارِ خَزٍّ فِيهِ عَلَمٌ غَيْرُ جَيِّدٍ، إنَّمَا ذَلِكَ تَفْسِيرُ الْمُرَجَّلِ بِالْجِيمِ انْتَهَى. وَتِلْكَ التَّصَاوِيرُ هِيَ صُوَرٌ، تُطْلَقُ عَلَى الْمَنَازِلِ وَعَلَى الرَّوَاحِلِ وَعَلَى مَا يُوضَعُ عَلَى الرَّوَاحِلِ يَسْتَوِي عَلَيْهِ الرَّاكِبُ، وَالتَّرْحِيلُ مَصْدَرٌ رَحَّلَ الْبُرْدَ أَيْ وَشَاهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْمُرَادُ تَصَاوِيرُ الْإِبِلِ وَلَا بَأْسَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ انْتَهَى. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ مَا فِيهِ صُورَةٌ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي لُبْسِ السَّوَادِ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «صَبَغْت لِلنَّبِيِّ ﷺ بُرْدَةً سَوْدَاءَ فَلَبِسَهَا فَلَمَّا عَرِقَ فِيهَا وَجَدَ رِيحَ الصُّوفِ فَقَذَفَهَا وَقَالَ أَحْسَبُهُ قَالَ: وَكَانَ يُعْجِبُهُ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ» . ٥٦٩ - (وَعَنْ أُمِّ خَالِدٍ قَالَتْ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَ: مَنْ تَرَوْنَ نَكْسُو هَذِهِ الْخَمِيصَةَ؟ فَأُسْكِتَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ فَأُتِيَ

стр. 495

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [نيل الأوطار] بِي إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَلْبَسَنِيهَا بِيَدِهِ، وَقَالَ أَبْلِي وَأَخْلِقِي مَرَّتَيْنِ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ إلَى عَلَمِ الْخَمِيصَةِ، وَيُشِيرُ بِيَدِهِ إلَيَّ، وَيَقُولُ: يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَا هَذَا سَنَا وَالسَّنَا بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: الْحَسَنُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . قَوْلُهُ: (خَمِيصَةٌ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ كِسَاءٌ مُرَبَّعٌ لَهُ عَلَمَانِ. قَوْلُهُ: (نَكْسُو هَذِهِ) بِالنُّونِ لِلْمُتَكَلِّمِ. قَوْلُهُ: (فَأُسْكِتَ الْقَوْمُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ قَوْلُهُ: (أَبْلِي وَأَخْلِقِي) هَذَا مِنْ بَابِ التَّفَاؤُلِ وَالدُّعَاءِ لِلَّابِسِ بِأَنْ يُعَمِّرَ وَيَلْبَسَ ذَلِكَ الثَّوْبَ حَتَّى يَبْلَى وَيَصِيرَ خَلَقًا، وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا كَذَلِكَ، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى عَلَى عُمَرَ قَمِيصًا أَبْيَضَ فَقَالَ: الْبَسْ جَدِيدًا وَعِشْ حَمِيدًا وَمُتْ شَهِيدًا» . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: " كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ إذَا لَبِسَ أَحَدُهُمْ ثَوْبًا جَدِيدًا قِيلَ لَهُ تُبْلِي وَيُخْلِفُ اللَّهُ تَعَالَى " سَنَدُهُ صَحِيحٌ. قَوْلُهُ: (هَذَا سَنَّا) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَفِيهِ جَوَازُ التَّكَلُّمِ بِاللُّغَةِ الْعَجَمِيَّةِ وَمَعْنَاهُ حَسَنٌ. وَالْحَدِيثُ يَدُلّهُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ لِبَاسُ الثِّيَابِ السُّودِ وَلَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا. ٥٧٠ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ وَيَدَّهِنُ بِالزَّعْفَرَانِ، فَقِيلَ لَهُ لِمَ تَصْبُغُ ثِيَابَك وَتَدَّهِنُ بِالزَّعْفَرَانِ؟ فَقَالَ: إنِّي رَأَيْته أَحَبَّ الْأَصْبَاغِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَّهِنُ بِهِ وَيَصْبُغُ بِهِ ثِيَابَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَكَذَلِكَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ وَفِي لَفْظِهِمَا: وَلَقَدْ كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ كُلَّهَا حَتَّى عِمَامَتَهُ) . الْحَدِيثُ فِي إسْنَادِهِ اخْتِلَافٌ كَمَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ الزَّعْفَرَانَ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا» قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ الْخِضَابَ لِلِّحْيَةِ بِالصُّفْرَةِ. وَقَالَ آخَرُونَ: أَرَادَ يُصَفِّرُ ثِيَابَهُ وَيَلْبَسُ ثِيَابًا صُفْرًا انْتَهَى. وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ الثَّانِي تِلْكَ الزِّيَادَةُ الَّتِي أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. قَوْلُهُ (حَتَّى عِمَامَتَهُ) بِالنَّصْبِ. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ صَبْغِ الثِّيَابِ بِالصُّفْرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ نَهْيِ الرِّجَالِ عَنْ الْمُعَصْفَرِ. وَفِيهِ أَيْضًا مَشْرُوعِيَّةُ الِادِّهَانِ بِالزَّعْفَرَانِ. وَمَشْرُوعِيَّةُ صِبَاغُ اللِّحْيَةِ بِالصُّفْرَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ وَغَيْرِهِ: «إنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا تَصْبُغُ فَخَالِفُوهُمْ وَاصْبُغُوا» قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ:
следующие страницы →