Полный текст (93 стр.). Показаны 71–93 · переход к 76.
стр. 71
نوع من الذوق بالقدر الحاصل ونوع من التصديق بما لم يحصل بالقياس إليه فهذه الخاصية الواحدة تكفيك للإيمان بأصل النبوة.
فإن وقع لك الشك في شخص معين، أنه نبي أم لا؟ فلا يحصل اليقين إلا بمعرفة أحواله، إما بالمشاهدة، أو بالتواتر والتسامع، فإنك إذا عرفت الطب والفقه، يمكنك أن تعرف الفقهاء والأطباء بمشاهدة أحوالهم، وسماع أقوالهم، وإن لم تشاهدهم، ولا تعجز أيضاً عن معرفة كون الشافعي ﵀ فقيهاً، وكون جالينوس طبيباً، معرفة بالحقيقة لا بالتقليد عن الغير. بل بأن تتعلم شيئاً من الفقه والطب وتطالع كتبهما وتصانيفهما، فيحصل لك علم ضروري بحالهما. فكذلك إذا فهمت معنى النبوة فأكثرت النظر في القرآن والأخبار، يصل لك العلم الضروري بكونه ﷺ على أعلى درجات النبوة، وأعضد ذلك بتجربة ما قاله في العبادات وتأثيرها في تصفية القلوب، وكيف صدق ﷺ في قوله: " من عمل بما علم ورثهُ الله علم ما لم يعلم " ويكف صدق في قوله: " من أعان ظالماً سلطهُ الله عليهِ "
стр. 72
وكيف صدق في قوله: " من اصبح وهُمُومُهُ همٌّ واحدٌ الله تعالى هُمُومَ الدنيا والآخرةِ ".
فإذا جربت ذلك في ألف وألفين وآلاف، حصل لك علم ضروري ولا تتمارى فيه. فمن هذا الطريق اطلب اليقين بالنبوة، ولا من قلب العصا ثعباناً، وشق القمر، فإذن ذلك إذا نظرت إليه وحده، ولم تنضم إليه القرائن الكثيرة الخارجة عن الحصر، وربما ظننت أنه سحر وتخييل، وأنه من الله تعالى إضلال فإنه " يُضِلُّ من يَشَاءُ ويَهدي من يشاءُ ".
وترد عليك أسئلة المعجزات، فإذا كان مستند إيمانك إلى كلام منظوم في وجه دلالة المعجزة، فينجزم إيمانك بكلام مرتب في وجه الإشكالات والشبهة عليها، فليكن مثل هذه الخوارق إحدى الدلائل والقرائن في جملة نظرك، حتى يحصل لك علم ضروري لا يمكنك ذكر مستنده على التعيين، كالذي يخبرك جماعة بخبر متواتر لا يمكنه أن يذكر أن اليقين مستفاد
стр. 73
من قول واحد معين، بل من حيث لا يدري ولا يخرج من جملة ذلك ولا بتعيين الآحاد. فهذا هو الإيمان القوي العلمي.
وأما الذوق فهو كالمشاهدة والأخذ باليد، ولا يوجد إلا في طريق الصوفية فهذا القدر من حقيقة النبوة، كاف في الغرض الذي أقصده الآن، وسأذكر وجه الحاجة إليه.
стр. 74
سبب نشر العلم بعد الإعراض عنه
ثم إني لما واظبت على العزلة والخلوة قريباً من عشر سنين، وبان لي في أثناء ذلك على الضرورة من أسباب لا أحصيها، مرة بالذوق، ومرة بالعلم البرهاني ومرة بالقبول الإيماني: أن للإنسان بدناً وقلباً، وأعني بالقلب حقيقة روحه التي هي محل معرفة الله، دون اللحم والدم الذي يشارك فيه الميت والبهيمة، وأن البدن له صحة بها سعادته ومرض فيه هلاكه، وأن القلب كذلك له صحة وسلامة، ولا ينجو " إلا من أتى الله بقلب سليم " وله مرض فيه هلاكه الأبدي الأخروي، كما قال تعالى: في قلوبهم مرضٌ " وأن الجهل بالله سم مهلك، وأن معصية الله بمتابعة الهوى، داؤه الممرض، وأن معرفة الله تعالى ترياقه المحيي، وطاعته بمخالفة الهوى دواؤه الشافي، وأنه لا سبيل إلى معالجة البدن إلا بذلك. وكما أن أدوية البدن تؤثر في كسب الصحة بخاصية فيها، لا يدركها العقلاء ببضاعة العقل، بل يجب فيها تقليد الأطباء الذين أخذوها من الأنبياء، الذين اطلعوا بخاصية النبوة على خواص الأشياء، فكذلك بان لي، على الضرورة
стр. 75
بأن أدوية العبادات بحدودها ومقاديرها المحدودة المقدرة من جهة الأنبياء، لا يدرك وجه تأثيرها ببضاعة عقل العقلاء، بل يجب فيها تقليد الأنبياء الذين أدركوا تلك الخواص بنور النبوة، لا ببضاعة العقل. وكما أن الأدوية تركب من أخلاط مختلفة النوع والمقدار وبعضها ضعف البعض في الوزن والمقدار، فلا يخلو اختلاف مقاديرها عن سر هو من قبيل الخواص، فكذلك العبادات التي هي أدوية داء القلوب، مركبة من أفعال مختلفة النوع والمقدار، حتى أن السجود ضعف الركوع، وصلاة الصبح نصف صلاة العصر في المقدار، ولا يخلو عن سر إلهي فيها، يقتضيها بطريق الخاصية. وكما أن في الأدوية أصولاً هي أركانها وزوائد هي متمماتها، لكل واحد منها خصوص تأثير في أعمال أصولها، كذلك النوافل والسنن متممات لتكميل آثار أركان العبادات.
وعلى الجملة: فالأنبياء ﵈ أطباء أمراض القلوب، وإنما فائدة العقل
стр. 76
وتصرفه، إن عرفنا ذلك، وشهد للنبوة بالتصديق ولنفسه بالعمى عن درك ما يدرك بعين النبوة، أخذ بأيدينا وسلمنا إليها تسليم العميان إلى العميان إلى العقائدين، وتسليم المرضى المتحيرين إلى الأطباء المشفقين. فإلى ههنا مجرى العقل ومخطاه وهو معزول عما بعد ذلك، إلا عن تفهم ما يلقيه الطبيب إليه.
فهذه أمور عرفناها بالضرورة الجارية مجرى المشاهدة، في مدة الخلوة والعزلة، ثم رأينا فتور الاعتقادات في أصل النبوة، ثم في حقيقة النبوة، ثم في العمل بما شرحته النبوة، وتحققنا شيوع ذلك بين الخلق، فنظرت إلى أسباب فتور الخلق، وضعف إيمانهم، فإذا هي أربعة: ١ - سبب من الخائضين في علم الفلسفة.
٢ - وسبب من الخائضين في طريق التصوف.
٣ - وسبب من المنتسبين إلى دعوى التعليم.
٤ - وسبب من معاملة الموسومين بالعلم فيما بين الناس.
стр. 77
فإني تتبعت مدة آحاد الخلق، أسألُ من يقصر منهم في متابعة الشرع وأسأله عن شبهته وأبحث عن عقيدته وسره وقلت له: مالك تقصر فيها فإن كنت تؤمن بالآخرة ولست تستعد لها وتبيعها بالدنيا، فهذه حماقة، فإنك لا تبيع الاثنين بواحد، فكيف تبيع ما لا نهاية له بأيام معدودة؟ وإن كنت لا تؤمن، فأنت كافر، فدبر نفسك في طلب الإيمان، وانظر سبب كفرك الخفي الذي هو مذهبك باطناً، وهو سبب جرأتك ظاهراً، وإن كنت لا تصرح به تجملاً بالإيمان وتشرفاً بذكر الشرع.
فقائل يقول: إن هذا أمر لو وجبت المحافظة عليه، لكان العلماء أجدر بذلك، وفلان من المشاهير بين الفضلاء لا يصلي، وفلان يشرب الخمر، وفلان يأكل أموال الأوقاف وأموال اليتامى. وفلان يأكل إدرار السلطان ولا يحترز عن الحرام، وفلان يأخذ الرشوة على القضاء والشهادة وهلم جراً إلى أمثاله. وقائل ثان: يدعي علم التصوف، ويزعم أنه قد بلغ مبلغاً ترقى عن الحاجة إلى العبادة!.
وقائل ثالث يتعلل بشبهة أخرى من شبهات أهل الإباحة! وهؤلاء هم الذين ضلوا عن التصوف.
стр. 78
وقائل رابع لقي أهل التعليم فيقول: الحق مشكل، والطريق متعسرة والاختلاف فيه كثير، وليس بعض المذاهب أولى من بعض، وأدلة العقول متعارضة، فلا ثقة برأي أهل الرأي. والداعي إلى التعليم متحكم لا حجة له، فكيف أدع اليقين بالشك؟ وقائل خامس يقول: لست أفعل هذا تقليداً، ولكنني قرأت علم الفلسفة، وأدركت حقيقة النبوة، وإن حاصلها يرجع إلى الحكمة والمصلحة، وأن المقصود من تعبداتها ضبط عوام الخلق وتقيدهم عن التقاتل والتنازع والاسترسال في الشهوات، فما أنا من العوام الجهال حتى أدخل في حجر التكليف، وإنما أنا من الحكماء أتبع الحكمة وأنا بصير، مستغن فيها عن التقليد!.
هذا منتهى إيمان من قرأ مذهب فلسفة الإلهيين منهم، وتعلم ذلك من كتب ابن سينا وأبي نصر الفارابي. وهؤلاء هم المتجملون بالإسلام.
وربما ترى الواحد منهم يقرأ القرآن ويحضر الجماعات والصلوات، ويعظم الشريعة بلسانه، ولكنه مع ذلك لا يترك شرب الخمر، وأنواعاً من الفسق والفجور، وإذا قيل له:
стр. 79
إن كانت غير صحيحة فلم تصلي؟ فربما يقول: لرياضة الجسد، ولعادة أهل البلد، وحفظ المال والولد. وربما قال: الشريعة صحيحة، والنبوة حق فيقال: فلم تشرب الخمر؟ فيقول: إنما نهي عن الخمر لأنها تورث العداوة والبغضاء، وأنا بحكمتي محترز عن ذلك، وإني أقصد به تشحيذ خاطري. حتى أن ابن سينا ذكر في وصية له كتب فيها: إنه عاهد الله تعالى على كذا وكذا، وأن يعظم الأوضاع الشرعية، ولا يقصر في العبادات الدينية، ولا يشرب تلهياً بل تداوياً وتشافياً فكان منتهى حالته في صفاء الإيمان، والتزام العبادات، أن استثنى شرب الخمرة لغرض التشافي، فهذا إيمان من يدعي الإيمان منهم، وقد انخدع بهم جماعة، وزادهم انخداعاً ضعف اعتراض المعترضين عليهم، إذ اعترضوا بمجاهدة علم الهندسة والمنطق، وغير ذلك مما هو ضروري لهم، على ما بينا علته من قبل.
فلما رأيت أصناف الخلق قد ضعف إيمانهم إلى هذا الحد بهذه الأسباب، ورأيت نفسي ملبة بكشف هذه الشبهة، حتى كان إفضاح
стр. 80
هؤلاء أيسر عندي من شربة ماء، ولكثرة خوضي في علومهم وطرقهم، وأعني طرق الصوفية والفلاسفة والتعليمية والمتوسمين من العلماء. وانقدح في نفسي أن ذلك متعين في هذا الوقت محتوم. فماذا تغنيك الخلوة والعزلة، وقد عم الداء، ومرض الأطباء، وأشرف الخلق على الهلاك! ثم قلت في نفسي: متى تشتغل أنت بكشف هذه الغمة ومصادمة هذه الظلمة، والزمان زمان الفترة، والدور دور الباطل، ولو اشتغلت بدعوة الخلق، عن طرقهم إلى الحق، لعاداك أهل الزمان بأجمعهم، وأنَّى تقاومهم فكيف تعايشهم، ولا يتم ذلك إلا بزمان مساعد، وسلطان متدين قاهر.
فترخصت بيني وبين الله تعالى بالاستمرار على العزلة تعللاً بالعجز عن إظهار الحق بالحجة. فقدر الله تعالى أن حرك داعية سلطان الوقت من نفسه، لا بتحريك من خارج. فأمر إلزام بالنهوض إلى نيسابور، لتدارك هذه الفترة، وبلغ الإلزام حداً كان ينتهي لو أصررت على الخلاف إلى حد الوحشة، فخطر لي أن سبب الرخصة قد ضعف، فلا ينبغي أن يكون
стр. 81
باعثك على ملازمة العزلة الكسل والاستراحة، وطلب عز النفس وصونها عن أذى الخلق، ولم ترخص لنفسك عسر معاناة الخلق والله يقول:
بسم الله الرحمن الرحيم " ألم. أحسب الناسُ أن يتركوا أن يقولوا آمناً وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذينَ من قبلهم " ويقول لرسوله وهو أعز خلقه " ولقد كذبت رسلٌ من قبلكَ فصبروا على ما كذبوا ولقد جاءك من نبأ المرسلين " ويقول بسم الله الرحمن الرحيم " يس والقرآن الحكيم.. إلى قوله إنما تنذرُ من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيبِ "
стр. 82
فشاورت في ذلك جماعة من أرباب القلوب والمشاهدات، فاتفقوا على الإشارة بترك العزلة، والخروج من الزاوية، وانضاف إلى ذلك منامات من الصالحين كثيرة متواترة، وتشهد بأن هذه الحركة مبدأ خير ورشد قدرها الله سبحانه على رأس هذه المائة فاستحكم الرجاء. وغلب حسن الظن بسبب هذه الشهادات وقد وعد الله سبحانه بإحياء دينه على رأس كل مئة، ويسر الله الحركة إلى نيسابور، للقيام بهذا المهم في ذي القعدة
стр. 83
سن تسع وتسعين وأربع مئة، وكان الخروج من بغداد سنة ثمان وثمانين وأربع مئة، وبلغت العزلة إحدى عشر سنة وهذه حركة قدرها الله تعالى، وهي من عجائب تقديراته التي لم يكن لهذا انقداح في القلب في هذه العزلة، كما لم يكن الخروج من بغداد، والنزوع عن تلك الأحوال مما خطر إمكانه أصلاً بالبال، والله تعالى مقلب القلوب والأحوال و " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابعِ الرحمن " وأنا أعلم أني، وإن رجعت إلى نشر العلم فما رجعت فإن الرجوع عود إلى ما كان وكنت في ذلك الزمان أنشر العلم الذي به يكتسب الجاه، وأدعو إليه بقولي وعملي، وكان ذلك قصدي ونيتي. أما الآن فأدعو إلى العلم الذي به يترك الجاه، ويعرف به سقوط رتبة الجاه.
هذا هو الآن نيتي وقصدي وأمنيتي، يعلم الله ذلك مني وأنا أبغي أن أصلح نفسي وغيري، ولست أدري أأصل مرادي أم أخترم دون غرضي؟ ولكني أؤمن إيمان يقين ومشاهدة أنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأني لم أتحرك، ولكنه حركني، وإني لم أعمل، لكنه استعملني، فأساله أن يصلحني أولاً،
стр. 84
ثم يصلح بي، ويهدني ثم يهدي بي وأن يريني الحق حقاً ويرزقني اتباعه، ويريني الباطل باطلاً ويرزقني اجتنابه، ونعود الآن إلى ما ذكرناه من أسباب ضعف الإيمان بذلك طريق إرشادهم وإنقاذهم من مهالكهم. أما الذين ادعوا الحيرة من أهل التعليم فعلاجهم ما ذكرناه في كتاب القسطاس المستقيم ولا نطول بذكره في هذه الرسالة.
وأما ما توهمه أهل الإباحة، فقد حصرنا شبههم في سبعة أنواع وكشفناها في كيمياء السعادة.
وأما من فسد إيمانه بطريق الفلسفة، حتى أنكر أصل النبوة، فقد ذكرنا حقيقة النبوة ووجودها بالضرورة، بدليل وجود عمل خواص الأدوية والنجوم وغيرهما. وإنما قدمنا هذه المقدمة لأجل ذلك وأننا أوردنا الدليل من خواص الطب والنجوم، لأنه من نفس علمهم. ونحن نبين لكل عالم بفن من العلوم كالنجوم والطب والطبيعة والسحر والطلسمات مثلاً من نفس علمه برهان النبوة.
стр. 85
وأما من أثبت النبوة بلسانه، وسوى أوضاع الشرع على الحكمة، فهو على التحقيق كافر بالنبوة، وإنما هو مؤمن بحكم له طالع مخصوص، ويقتضي طالعه أن يكون متبوعاً، وليس هذا من النبوة في شيء، بل الإيمان بالنبوة أن يقر بإثبات طور وراء العقل، تنفتح فيه عين يدرك بها مدركات خاصة، والعقل معزول عنها، كعزل السمع عن إدراك الألوان، والبصر عن إدراك الأصوات، وجميع الحواس عن إدراك المعقولات، فإن لم يجوّز هذا، فقد أقمنا البرهان على إمكانه، بل على وجوده. وإن جوز هذا، فقد أثبت أن هنا أموراً تسمى خواص، لا يدور تصرف العقل حواليها أصلاً، بل يكاد العقل يكذبها ويقضي باستحالتها. فإن وزن دانق من الأفيون سم قاتل لأنه يجمد الدم في العروق لفرط برودته والذي يدعي علم الطبيعة، يزعم أنه ما يبرد من المركبات، إنما يبرد بعنصري الماء والتراب فهما العنصران الباردان. ومعلوم أن أرطالاً من الماء والتراب لا يبلغ تبريدها في الباطن إلى هذا الحد. فلو أخبر طبيعي بهذا ولم يجربه، لقال: هذا محال، والدليل على
стр. 86
استحالته أن فيه نارية وهوائية والهوائية والنارية لا تزيدها برودة، فنقدر الكل ماء وتراباً، فلا يوجب هذا الإفراط في التبريد، فإن انضم إليه حاران فبأن لا يوجب ذلك أولى ويقدر هذا برهاناً! وأكثر براهين الفلاسفة في الطبيعيات والإلهيات، ومبني على هذا الجنس! فإنهم تصوروا الأمور على قدر ما وجدوه وعقلوه، وربما لم يألفوه قدروا استحالته، ولو لم تكن الرؤيا الصادقة مألوفة، وادعى مدعٍ، أنه عند ركود الحواس، يعلم الغيب، لأنكره المتصفون بمثل هذه العقول. ولو قيل لوا حد: هل يجوز أن يكون في الدنيا شيء، هو بمقدار حبة يوضع في بلدة، فيأكل تلك البلدة بجملتها ثم يأكل نفسه فلا يبقى شيئاً من البلدة وما فيها، ولا يبقى هو نفسه؟ لقال: هذا محال وهو من الخرافات! وهذه حالة النار، ينكرها من لم ير النار إذا سمعها. وأكثر إنكار عجائب الآخرة هو من هذا القبيل. فنقول للطبيعي: قد اضطررت أن تقول في الأفيون خاصية في التبريد، ليست على قياس المعقول بالطبيعة. فلم لا يجوز أن يكون في الأوضاع الشرعية من الخواص، في مداواة القلوب وتصفيتها،
стр. 87
ما لا يدرك بالحكمة العقلية، بل لا يبصر ذلك إلا بعين النبوة؟ قد اعترفوا بخواص هي أعجب من هذا فيما أوردوه في كتبهم، وهي من الخواص العجيبة المجربة في معالجة الحامل التي عسر عليها الطلق بهذا الشكل: يكتب على خرقتين لم يصبهما ماء، وتنظر إليهما الحامل بعينها. وتضعها تحت قدميها، فيسرع الولد في الحال إلى الخروج. وقد أقروا بإمكان ذلك وأوردوه في عجائب الخواص وهو شكل فيه تسعة بيوت، ويرقم فيها رقوماً مخصوصة، يكون مجموع ما في جدول واحد خمسة عشر، قرأته في طول الشكل أو في عرضه أو على التأريب.
ب ط د ٢ ٩ ٤ ز هـ ج ٧ ٥ ٣ وا ح ٦ ١ ٨ فيا ليت شعري! من يصدق بذلك ثم لا يتسع عقله للتصديق بأن تقدير صلاة الصبح بركعتين، والظهر بأربع، والمغرب بثلاث، وهو لخواص غير معلومة بنظر الحكمة وسببها اختلاف هذه الأوقات.
стр. 88
وإنما تدرك هذه الخواص بنور النبوة. والعجب أنا لو غيرنا العبارة إلى عبارة المنجمين لعقلوا اختلاف هذه الأوقات، فنقول: أليس يختلف الحكم في الطالع، بأن تكون الشمس في وسط السماء، أو في الطالع أو في الغارب، حتى يبنوا على هذا في تسييراتهم اختلاف العلاج وتفاوت الأعمار والآجال، ولا فرق بين الزوال وبين كون الشمس في وسط السماء، ولا بين المغرب وبين كون الشمس في الغارب، فهل لتصديق ذلك سبب، وإلا أن ذلك يسمعه بعبارة منجم، لعله جرب كذبه مئة مرة. ولا يزال يعاود تصديقه، حتى لو قال المنجم له: إذا كانت الشمس في وسط السماء ونظر إليها الكوكب الفلاني، والطالع هو البرج الفلاني، فلبست ثوباً جديداً في ذلك الوقت قتلت في ذلك الثوب! فإنه لا يلبس الثوب في ذلك الوقت، وربما يقاسي فيه البرد الشديد، وربما سمعه من منجم وقد جرب كذبه مرات!.
فليت شعري! من يتسع عقله لقبول هذه البدائع ويضطر إلى الاعتراف بأنها خواص - معرفتها لبعض الأنبياء - فيكف ينكر مثل ذلك، فيما يسمعه من قول نبي صادق مؤيد بالمعجزات، لم يعرف قط بالكذب! ولم لا يتسع لإمكانه؟ فإن أنكر فلسفي إمكان هذه الخواص في أعداد
стр. 89
الركعات، ورمي الجمار وعدد أركان الحج، وسائر تعبدات الشرع، لم يجد بينها وبين خواص الأدوية والنجوم فرقاً أصلاً. فإن قال: وقد جربت شيئاً من النجوم وشيئاً من الطب، فوجدت بعضه صادقاً، فانقدح في نفسي تصديقه وسقط من قلبي استبعاده ونفرته، وهذا لم أجربه به، فبم أعلم وجوده وتحقيقه؟ وإن أقررت بإمكانه؟ فأقول: إنك لا تقتصر على تصديق ما جربته بل سمعت أخبار المجربين وقلدتهم، فاسمع أقوال الأنبياء فقد جربوا وشاهدوا الحق في جميع ما ورد به الشرع، واسلك سبيلهم تدرك بالمشاهدة بعض ذلك.
على أني أقول: وإن لم تجربه، فيقضي عقلك بوجوب التصديق والإتباع قطعاً. فإنا لو فرضنا رجلاً بلغ وعقل ولم يجرب المرض، فمرض، وله والد مشفق حاذق بالطب، يسمع دعواه في معرفة الطب منذ عقل، فعجن له والده دواء، فقال: هذا يصلح لمرضك ويشفيك من سقمك. فماذا يقتضيه عقله، وإن كان الدواء مراً كريه المذاق، أن يتناول أن يكذب؟ ويقول: أنا لا أعقل مناسبة هذا الدواء لتحصيل الشفاء، ولم أجربه! فلا شك أنك تستحمقه إن فعل ذلك!
стр. 90
وكذلك يستحمقك أهل البصائر في توقفك! فإن قلت: فيم أعرف شفقة النبي ﷺ ومعرفته بهذا الطب؟ فأقول: وبم عرفت شفقة أبيك وليس ذلك أمراً محسوساً؟ بل عرفتها بقرائن أحواله وشواهد أعماله في مصادره وموارده علماً ضرورياً لا تتمارى فيه.
ومن نظر في أقوال الرسول ﷺ ، وما ورد من الأخبار في اهتمامه بإرشاد الخلق، وتلطفه في جر الناس بأنواع الرفق واللين واللطف، إلى تحسين الأخلاق وإصلاح ذات البين، وبالجملة إلى ما يصلح به دينهم ودنياهم حصل له علم ضروري، بأن شفقته ﷺ على أمته أعظم من شفقة الوالد على ولده. وإذا نظر إلى عجائب ما ظهر عليه من الأفعال، وإلى عجائب الغيب الذي أخبر عنه القرآن على لسانه، وفي الأخبار وإلى ما ذكره في آخر الزمان، فظهر ذلك كما ذكره، علم علماً ضرورياً أنه بلغ الطور الذي وراء العقل، وانفتحت له العين التي ينكشف منها الغيب الذي لا يدركه إلا الخواص، والأمور التي لا يدركها العقل. فهذا هو منهاج تحصيل العلم الضروري بتصديق النبي ﷺ .
стр. 91
فجرب وتأمل القرآن وطالع الأخبار، تعرف ذلك بالعيان. وهذا القدر يكفي في تنبيه المتفلسفة، ذكرناه لشدة الحاجة إليه في هذا الزمان.
وأما السبب الرابع - وهو ضعف الإيمان بسبب سيرة العلماء فيداوي هذا المرض بثلاثة أمور: أحدهما: أن نقول: إن العالم الذي تزعم أنه يأكل الحرام ومعرفته بتحريم ذلك الحرام كمعرفتك بتحريم الخمر، ولحم الخنزير والربا، بل بتحريم الغيبة والكذب والنميمة، وأنت تعرف ذلك وتفعله، لا لعدم إيمانك بأنه معصية، بل لشهوتك الغالبة عليك، فشهوته كشهوتك، وقد غلبته كما غلبتك، فعلمه بمسائل وراء هذا يتميز به عنك، لا يناسب زيادة زجر عن هذا المحظور المعين.
وكم من مؤمن بالطب لا يصبر عن الفاكهة وعن الماء البارد، وإن زجره الطبيب عنه! ولا يدل ذلك على أنه ضار أو على الإيمان بالطب غير صحيح، فهذا محمل هفوات العلماء، والثاني أن يقال للعامي: ينبغي أن تعتقد أن العالم اتخذ علمه ذخراً لنفسه في الآخرة، ويظن أن علمه ينجيه، ويكون شفيعاً له
стр. 92
حتى يتساهل معه في أعماله، لفضيلة علمه. وإن جاز أن يكون زيادة حجة عليه، فهو يجوز أن يكون زيادة درجة له وهو ممكن. فهو وإن ترك العمل، يدلي بالعلم. وأما أنت أيها العامي! إذا نظرت إليه وتركت العمل وأنت عن العلم عاطل، فتهلك بسوء عملك ولا شفيع لك.
الثالث: هو الحقيقة، أن العالم الحقيقي لا يقارف معصية إلا على سبيل الهفوة، ولا يكون مصراً على المعاصي أصلاً. إذ العلم الحقيقي ما يعرف أن المعصية سهم مهلك، وأن الآخرة خير من الدنيا. ومن عرف ذلك، لا يبيع الخير بما هو أدنى منه. وهذا العلم لا يحصل بأنواع العلوم التي يشتغل بها أكثر الناس. فلذلك لا يزيدهم ذلك العلم إلا جرأة على معصية الله تعالى. وأما العلم الحقيقي، فيزيد صاحبه خشية وخوفاً ورجاء، وذلك يحول بينه وبني المعاصي إلا الهفوات التي لا ينفك عنها البشر في الفترات وذلك لا يدل على ضعف الإيمان. فالمؤمن مفتن تواب وهو بعيد عن الإصرار والإكباب.
стр. 93
هذا ما أردت أن أذكره في ذم الفلسفة والتعليم وآفاتهما وآفات من أنكر عليهما، لا بطريقه.
نسأل الله العظيم أن يجعلنا ممن آثره واجتباه، وأرشده إلى الحق وهداه، وألهمه ذكره حتى لا ينساه، وعصمه عن شر نفسه حتى لم يؤثر عليه سواه، واستخلصه لنفسه حتى لا يعبد إلا إياه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.