Полный текст (2 483 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
قال ابن عباس: هذا في القبلة، وذلك أن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون النبي ﷺ حين كان يصلي إلى قبلتهم، فلما صرف
الله القبلة إلى الكعبة أيسوا منه في أن يوافقهم على دينهم فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ﴾ إلا باليهودية، ﴿وَلا النَّصَارَى﴾ إلا بالنصرانية. والملة: الطريقة.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى﴾ ، أي: إن هدى الله الذي بعثني به هو الدين الصحيح.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ فيه تهديد ووعيد شديد لمن اتبع طرائق اليهود والنصارى من هذه الأمة. قال ابن كثير: وقد استدل كثير من الفقهاء بقوله حتى تتبع ملتهم على أن الكفر كله ملة واحدة، فيرث كل منهم قريبه. والله أعلم. انتهى ملخصًا.
قوله : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١) ﴾ .
قال ابن مسعود: والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزل الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئًا على غير تأويله. وقال الحسن: يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه.
وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ، أي: من أقام كتابه آمن بالقرآن، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ .
стр. 142
وقوله تعالى: ﴿وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ وفي الصحيح عن النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحدكم من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» .
قوله : ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُواْ يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ (١٢٣) ﴾ .
قد تقدم نظير هذه الآية في أول السورة، وكررت ها هنا للتأكيد والحث على إتباع الرسول محمد ﷺ ، والتحذير من الحسد وكتمان العلم. وبالله التوفيق.
* * *
стр. 143
الدرس الرابع عشر
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (١٢٩) ﴾ .
* * *
стр. 144
قوله : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) ﴾ .
يقول تعالى: واذكر يا محمد: إذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن
أي: قام بجميع ما كلفه الله به من الأوامر والنواهي، كما قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ .
قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ يقتدى بك في الخير جزاء على ما فعل، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ، قال: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ ، أي: ومن أولادي أيضًا فاجعل منهم أئمة يقتدى بهم.
قال الله تعالى: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يصيب عهدي من كان منهم ظالمًَا، ومعنى الآية: لا ينال ما عهدت إليك من النبوة والإِمامة من كان ظالمًا من ولدك، وأنه سيكون في ذريتك ظالمون، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ .
قوله : ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) ﴾ .
стр. 145
قال ابن عباس: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ﴾ ، يقول: لا يقضون منه وطرًا يأتونه، ثم يرجعون إلى أهليهم، ثم يعودون إليه. وقال
قتادة: ﴿مَثَابَةً لِّلنَّاسِ﴾ ، أي: مجمعًا للناس. وقال أبو العالية: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ ، يقول: وأمنا من العدو أن يحمل فيه السلاح، وقد كانوا في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلي خلاه» ، فقال العباس: يا رسول الله إلا الأذخر، فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال رسول الله ﷺ : «إلا الأذخر» .
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ، المقام: هو الحجر الذي كان إبراهيم ﵇ يقوم عليه في بناء الكعبة، وفي الحديث الصحيح عن عمر: (قلت: يا رسول الله! لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ) ، وفي حديث جابر: (استلم رسول الله ﷺ الركن، فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ: « ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ » فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين) . وقال قتادة: إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه، وروى البيهقي عن عائشة ﵂: أن المقام كان زمان رسول الله ﷺ وزمان أبي بكر ملتصقًا بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب.
стр. 146
وقوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ . قال الحسن: أمرهما الله أن يطهراه من الأذى والنجس، ولا يصيبه من ذلك شيء. وقال مجاهد:
من الأوثان والرفث، وقول الزور والرجس، وقال ابن عباس: إذا كان جالسًا فهو من العاكفين.
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي، أخبرنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت، قال: قلنا لعبد الله بن عبيد بن عمير: ما أراني إلا مكلم الأمير أن أمنع الذين ينامون في المسجد الحرام، فإنهم يُجنبون ويحدثون، قال: لا تفعل، فإن ابن عمر سئل عنهم، فقال: هم العاكفون، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ .
قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) ﴾ .
روى البخاري وغيره عن النبي ﷺ قال: «إن إبراهيم حرم مكة ودعوت لها، وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ودعوت لها، في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة» . ولمسلم: «بمثل ما دعا إبراهيم لأهل مكة» .
стр. 147
قال ابن كثير: لا منافاة بين الأحاديث الدالة على أن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، وبين الأحاديث الدالة على أن إبراهيم ﵇ حرمها؛ لأن إبراهيم بلغ عن الله حكمه فيها وتحريمه إياها.
وقوله تعالى: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ، عن أُبيّ بن كعب، قال: ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ، قال هو قول الله تعالى. وقال ابن عباس: كان إبراهيم يحجرها على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله: ومن كفر أيضًا أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أأخلق خلقًا لا أرزقهم! ؟ أمتعهم قليلاً ثم اضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير ثم قرأ ابن عباس: ﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ، أي: ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه إلى عذاب النار , ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ، أي: المرجع يصير إليه كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ .
قوله : ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ
стр. 148
فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (١٢٩) ﴾ .
يقول تعالى: واذكر يا محمد بناء إبراهيم وإسماعيل البيت، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . والقواعد: الأساس.
وعن ابن عباس ﵄ قال: (لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان، خرج إسماعيل وأم إسماعيل، ومعهم شنة فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة، فيدر لبنها على صبيها حتى قدم مكة، فوضعها تحت دوحة ثم رجع إبراهيم إلى أهله، فاتبعته أم إسماعيل حتى بلغوا كداء فنادته من ورائه: يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله: قالت: رضيت بالله، قال: فرجعت، فجعلت تشرب من الشنة ويدر لبنها على صبيها حتى لما فني الماء قالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدًا، فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت هل تحس أحدًا، فلم تحس أحدًا، فلما بلغت الوادي سعت حتى أتت المروة، وفعلت ذلك أشواطًا حتى أتمت سبعًا، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل الصبي، فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله، كأنه ينشع الموت، فلم تقرها نفسها، فقالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدًا، فذهبت فصعدت الصفا فنظرت ونظرت، فلم تحس أحدًا حتى أتمت سبعًا، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل، فإذا هي بصوت، فقالت: أغثْ إن كان عندك خير، فإذا جبريل ﵇ قال: فقال بعقبه هكذا، وغمز عقبه على الأرض، قال: فانبثق الماء، فدهشت أم إسماعيل، فجعلت تحفر.
قال: فقال أبو القاسم ﷺ : «لو تركته لكان الماء ظاهرًا» ، قال: فجعلت تشرب من الماء ويدر لبنها على صبيها، قال: فمر ناس من
جرهم ببطن الوادي، فإذا هم بطير كأنهم أنكروا ذلك، وقالوا: ما يكون هذا الطير إلا على ماء، فبعثوا رسولهم فنظر فإذا هو بالماء فأتاهم فأخبرهم فأتوا إليها، فقالوا: يا أم إسماعيل أتأذنين لنا أن نكون معك ونسكن معك؟ قالت: نعم، فبلغ ابنها ونكح منهم امرأة.
стр. 149
قال: ثم إنه بدا لإِبراهيم ﷺ ، فقال لأهله: إني مطلع تركتي، قال: فجاء فسلّم، فقال: أين إسماعيل؟ قالت امرأته: ذهب يصيد، قال قولي له إذا جاء غيّر عتبة بابك، فلما أخبرته قال: أنت ذاك، فاذهبي إلى أهلك.
قال: ثم إنه بدا لإِبراهيم، فقال: إني مطلع تركتي، قال: فجاء فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد، وقالت: ألا تنزل فتطعم وتشرب، فقال: ما طعامكم وما شرابكم؟ قالت: طعامنا اللحم، وشرابنا الماء، قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم.
قال: فقال أبو القاسم ﷺ : «بركة بدعوة إبراهيم» .
قال: ثم إنه بدا لإِبراهيم ﷺ ، فقال لأهله: إني مطلع تركتي، فجاء فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح نبلاً له، فقال: يا إسماعيل، إن ربك أمرني أن أبني له بيتًا، فقال: أطع ربك ، قال: إنه قد أمرني أن تعينني عليه، فقال: إذَن أفعل، أو كما قال: قال فقام فجعل إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ، قال: حتى ارتفع البناء، وضعف الشيخ عن نقل الحجارة، فقام على حجر المقام، فجعل يناوله الحجارة ويقولان:
﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . رواه البخاري في أحاديث الأنبياء كذلك، ورواه أيضًا من وجه آخر بسياق أبسط من هذا.
وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «ألم تري أن قومك حين بنوا البيت اقتصروا عن قواعد إبراهيم» ؟ فقلت: يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: «لولا حدثان قومك بالكفر» . فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من النبي ﷺ ، ما أرى رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين اللذين
стр. 150
يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم ﵇. رواه البخاري وغيره.
وفي رواية لمسلم: «لولا قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، ولجعلت لها بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشًا اقتصرتها حيث بنت الكعبة» .
قال ابن إسحاق: وكانت الكعبة على عهد النبي ﷺ ثمانية عشر ذراعًا، وكانت تكسي القباطيّ، ثم كسيت بعدُ البرود وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف.
وقوله تعالى: حكاية لدعاء إبراهيم، وإسماعيل ﵉: ... ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ، ﴿مُسْلِمَيْنِ﴾ ، مخلصين، قال سلام بن أبي مطيع: كانا مسلمين ولكنهما سألاه الثبات. وقال عكرمة: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ ، قال الله: قد فعلت. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ ، قال الله: قد فعلت.
وقوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ ، قال عطاء: أخرجها لنا، علّمناها، وقال مجاهد: قال إبراهيم: ((أرنا مناسكنا)) ، فأتاه جبريل فأتى به البيت، فقال: ارفع القواعد، فرفع القواعد وأتم البنيان؛ ثم أخذ بيده فأخرجه فانطلق به إلى الصفا، قال: هذا من شعائر الله؛ ثم انطلق به إلى المروة، فقال: وهذا من شعائر الله؛ ثم انطلق به نحو منى، فلما كان عند العقبة إذا إبليس قائم عند الشجرة فقال: كبِّر وارمه، فكبّر ورماه، ثم انطلق إبليس، فقام عند الجمرة الوسطى، فلما جاز به جبريل وإبراهيم، قال له: كبّر وارمه، فكبّر ورماه، فذهب الخبيث إبليس، وكان الخبيث أراد أن يدخل في الحج شيئًا فلم يستطع، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام، فقال: هذا المشعر الحرام، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به عرفات، قال قد عرفت ما أريتك؟ - قالها ثلاث مرات - قال: نعم.
стр. 151
وقوله: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ، طلبًا من الله التوبة والرحمة؛ لأنه لا يدخل الجنة أحد بعمله إلا أن يتغمده الله برحمته.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ، يقول تعالى إخبارًا عن تمام دعوة إبراهيم وإسماعيل أنهما قالا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ﴾ ، أي: في الأمة المسلمة ﴿رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾ ، أي: محمدًا ﷺ ، وروى أحمد وغيره عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ : ... «إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت،
وكذلك أمهات النبيين يرين» . وفي حديث أبي أمامة: «ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام» .
وقوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ، قال الحسن وغيره: الكتاب: القرآن، والحكمة: السنة، وقيل: الحكمة الفهم في الدين، ولا منافاة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ، أي: ﴿العَزِيزُ﴾ ، الذي ليس مثله أحد ولا يعجزه شيء، ﴿الحَكِيمُ﴾ ، في أفعاله وأقواله فيضع، الأشياء في محلها. والله أعلم.
* * *
стр. 152
الدرس الخامس عشر
... ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ (١٣٨) قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ
стр. 153
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ
خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٤١) ﴾ .
* * *
стр. 154
قوله : ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (١٣٢) ﴾ .
يقول تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ، أي: ما يرغب عن ملة إبراهيم الحنيفية إلا سفيه ظالم لنفسه. قال الربيع: رغبت اليهود والنصارى عن ملة إبراهيم، وابتدعوا اليهودية والنصرانية وليست من الله، وتركوا ملة إبراهيم الإِسلام، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ﴾ ، أي: اخترناه في الدنيا خليلاً ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ، أي: مع الأنبياء في الجنة.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، أي: أمره الله تعالى بالإخلاص له والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ، أي: وصى إبراهيم بنيه بكلمة الإِخلاص: لا إله إلا الله، وهي الملة الحنيفية، وكذلك وصى بها يعقوب بنيه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء
مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً
стр. 155
فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ ، أي: اختار لكم دين الإسلام، ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ، أي: استقيموا عليه حتى تموتوا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ . وروى مسلم وغيره عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله» .
قوله : ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) ﴾ .
قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء﴾ أكنتم؟ ولكنه استفهم بأم، إذ كان استفهامًا مستأنفًا على كلام قد سبقه، كما قال: ﴿الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ ، وكذلك تفعل العرب في كل استفهام ابتدأته بعد كلام قد سبقه، تستفهم فيه بأم.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ قيل: نزلت في اليهود حين قالوا
стр. 156
للنبي ﷺ : (ألست تعلم أن يعقوب يوم مات وصى بنيه باليهودية؟) وقال الكلبي: لما دخل يعقوب مصر رآهم يعبدون الأوثان
والنيران، فجمع ولده وخاف عليهم ذلك. وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ، إسماعيل عم يعقوب، والعرب تسمي العم أبًا. قال ابن زيد: يقال: بدأ بإسماعيل لأنه الأكبر، واستدل بالآية من جعل الجدّ أبًا وحجب به الأخوة، كما هو قول الصديق، وهو مذهب أبي حنيفة وغير واحد من السلف والخلف.
وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ، أي: موحدون مطيعون خاضعون.
قوله : ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) ﴾ .
يقول تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ ، أي: مضت ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ من العمل ﴿وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾ من خير أو شر ﴿وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . كما قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ وفي الحديث: «من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه» . قال قتادة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ ، يعني: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط.
قوله : ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) ﴾ .
قال ابن عباس: قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله ﷺ : ما الهدى إلا
стр. 157
ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتد. وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله : ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ، أي: قل يا محمد: لا نريد ما دعوتمونا إليه، بل نتبع: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ ، أي، مخلصًا مستقيمًا. قال ابن عباس: الحنيف المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ .
قال ابن جرير: يقول لم يكن ممن يدين بعبادة الأوثان والأصنام، ولا كان من اليهود ولا النصارى، بل كان حنيفًا مسلمًا.
قوله : ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) ﴾ .
روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله ﷺ : «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: ﴿آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ » الآية. وروى مسلم وغيره عن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ أكثر ما يصلي الركعتين اللتين قبل الفجر بـ: ﴿آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية، والأخرى بـ: ﴿آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ) . وفي رواية: (يقرأ في ركعتي
стр. 158
الفجر:
﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ ، والتي في آل عمران: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ) .
قال قتادة: الأسباط: بنو يعقوب اثنا عشر رجلاً ولد كل رجل منهم أمة من الناس فسموا الأسباط. وقال البخاري: الأسباط: قبائل بني إسرائيل.
قال القرطبي: والسبط: الجماعة. والقبيلة: الراجعون إلى أصل واحد. قال قتادة: أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا به ويصدقوا بكتبه كلها ورسله. وفي الحديث عن النبي ﷺ : «آمنوا بالتوراة، والزبور، والإنجيل، وليسعكم القرآن» . رواه ابن أبي حاتم.
قوله : ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ (١٣٨) ﴾ .
يقول تعالى: فإن آمن الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ﴾ ، أي: بجميع كتب الله ورسله، ولم يفرقوا بين أحد منهم ﴿فَقَدِ اهْتَدَوا﴾ إلى الحق ﴿وَّإِن تَوَلَّوْاْ﴾ عن ذلك، ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ ، أي: في خلاف ومنازعة، قاله ابن عباس. ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾ ، أي: فسيكفيك شرهم وينصرك عليهم ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ ... الْعَلِيمُ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ ، أي: دين الله، سماه صبغة لأنه يظهر أثر الدين على المتدين، كما يظهر أثر الصبغ على الثوب. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾ .
стр. 159
قال قتادة: إن اليهود تصبغ أبناءها يهودًا، والنصارى تصبغ أبناءها نصارى، وإن صبغة الله الإسلام، فلا صبغة أحسن من الإسلام ولا أطهر، وهو دين الله الذي بعث به نوحًا والأنبياء بعده.
قوله : ﴿قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٤١) ﴾ .
يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المعاندين: ﴿أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللهِ﴾ ، أي: في توحيد الله؟ ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ ، أي: لكل جزاء عمله، فكيف تدعون أنكم أولى بالله ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ ، وأنتم به مشركون؟ قال سعيد بن جبير: الإخلاص أن يخلص العبد دينه وعمله، فلا يشرك به في دينه. ولا يرائي بعمله.
﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ﴾ ، أي: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: أأنتم أعلم بدينهم أم الله؟ وقد أخبر الله تعالى: أن إبراهيم لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا، ولكن كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين، وإن أولى الناس به محمد والمؤمنون.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللهِ﴾ ، قال الحسن: كانوا يقرءون في كتاب الله الذي أتاهم: أن الدين الإسلام، وأن محمدًا رسول الله، وأن: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط كانوا برءاء من اليهودية والنصرانية، فشهدوا لله بذلك، وأقروا على أنفسهم، فكتموا شهادة الله عندهم
стр. 160
من ذلك. وعن قتادة: قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللهِ﴾ . قال: الشهادة النبي ﷺ مكتوب عندهم، وهو الذي كتموا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ تهديد ووعيد. ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ ، أي: مضت ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾ ، أي: لهم أعمالهم ولكم أعمالكم ﴿وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ . والله أعلم.
* * *
стр. 161
الدرس السادس عشر
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ
стр. 162
فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلا
يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ (١٥٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لا تَشْعُرُونَ (١٥٤) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧) ﴾ .
* * *
стр. 163
قوله : ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (١٤٢) ﴾ .
يقول تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء﴾ ، أي: الجهال وهم: اليهود والمنافقون ﴿مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ﴾ ، أيّ: شيء صرفهم وحوّلهم ... ﴿عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ يعني: بيت المقدس.
قال ابن عباس: (لما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعوا الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله : ﴿فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فارتاب من ذلك اليهود وقالوا: ﴿مَا وَلاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ ، فأنزل الله: ﴿قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ .
وروى الإمام أحمد من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ يعني في أهل الكتاب: «إنهم لا يحسدونا على شيء كما يحسدونا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين» .
стр. 164
قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ
لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (١٤٣) ﴾ .
يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ كما هديناكم صراطًا مستقيمًا ... ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ ، أي: عدلاً خيارًا، كما قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾ ، أي: على الأمم بتبليغ رسلهم. وروى الإمام أحمد وغيره عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلّغت؟ فيقول نعم، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلّغكم. فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ قال: والوسط العدل. فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم» . رواه البخاري وغيره.
وفي رواية لأحمد: «يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجلان، وأكثر من ذلك، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلّغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلّغت قومك؟ فيقول نعم، فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيدعى محمد وأمته فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما أعلمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا، فذلك قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ قال: عدلاً، ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى
стр. 165
النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ .
وروى أحمد وغيره عن النبي ﷺ : «يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم» . قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: «بالثناء الحسن، والثناء السيِّء، أنتم شهداء الله في الأرض» .
وفي الحديث الآخر: «أيما مسلم شهد له أربعة بخير، أدخله الله الجنة» قال: فقلنا: وثلاثة؟ قال: فقال: «وثلاثة» قال: فقلنا: واثنان؟ قال: «واثنان» . ثم لم نسأله عن الواحد. رواه البخاري وغيره.
وقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ ، كما قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾ قال قتادة: ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾ أي: أن رسلهم قد بلغت قومها عن ربها ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ على أنه قد بلغ رسالات ربه إلى أمته.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ قال ابن كثير: (يقول تعالى: إنما شرعنا لك يا محمد التوجه أولاً إلى بيت المقدس، ثم صرفناك
стр. 166
عنها إلى الكعبة، ليظهر حال من يتبعك ويطيعك، ويستقبل معك حيثما توجهت ﴿مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ ، أي: مرتدًا عن دينه، ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أي: هذه الفعلة، وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة، أي: وإن كان هذا الأمر عظيمًا في النفوس، ﴿إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ قلوبهم وأيقنوا بتصديق الرسول، وإن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه، وأن الله يفعل
ما يشاء، ويحكم ما يريد، فله أن يكلف عباده بما شاء وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك) . انتهى.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ، أي: صلاتكم إلى بيت المقدس. كما في الصحيح عن البراء قال: (مات قوم كانوا يصلون نحو بيت المقدس، فقال الناس: ما حالهم في ذلك؟ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ) .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ، أي: فلا يضيع أجورهم، فإن الله أرحم بهم من والديهم.
قوله : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) ﴾ .
قال ابن إسحاق: حدثني إسماعيل بن أبي خالد عن أبي إسحاق عن البراء قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي نحو بيت المقدس، ويكثر النظر إلى السماء، ينظر أمر الله، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فقال رجال من المسلمين: وددنا لو علمنا من مات منا قبل أن نصرف إلى القبلة، وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس؟ فأنزل الله: ﴿وَمَا
стр. 167
كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ . وقال السفهاء من الناس، وهم من أهل الكتاب:
﴿مَا وَلاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ فأنزل الله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ﴾ إلى آخر الآية. انتهى.
وعن ابن عباس قال: (كان النبي ﷺ إذا انصرف من صلاته إلى بيت المقدس، رفع رأسه إلى السماء، فأنزل الله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى الكعبة، إلى الميزاب، يؤم به جبريل ﵇ . وعن علي بن أبي طالب ﵁: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: شطره قبله، وفي الحديث الصحيح: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» ، يعني: لأهل المدينة ومن في سمتها، فعلى من كان مشاهدًا للكعبة استقبالها، وغير الشاهد يستقبل الجهة بعد التحري.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ أي: استقبالكم الكعبة، ولكنهم يكتمون ذلك ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ تهديد ووعيد.
قوله : ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) ﴾ .
يقول تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ﴾ ، يعني: اليهود والنصارى ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾ معجزة ﴿مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ﴾ ، يعني: الكعبة ﴿وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ لأن اليهود تستقبل
بيت المقدس وهو المغرب، والنصارى تستقبل المشرق، وقبلة المسلمين الكعبة.
стр. 168
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فيه: تحذير الأمة من مخالفة الحق واتباع الهوى.
قوله : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) ﴾ .
يخبر الله تعالى أن علماء أهل الكتاب يعرفون محمدًا ﷺ كما يعرفون أبناءهم، وأن ما جاء به هو الحق، ولكنهم يكتمون ذلك، وهم يعلمون ثم قال تعالى: ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ ، أي: هذا الحق من الله لا شك فيه ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ الشَّاكين. قال الربيع: لا تكن في شك فإنها قبلتك وقبلة الأنبياء قبلك.
قال ابن جرير: هذا من الكلام الذي تخرجه العرب مخرج الأمر أو النهي للمخاطب به، والمراد به غيره.
قوله : ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) ﴾ .
قال ابن عباس: يعني بذلك: أهل الأديان، يقول: لكل قبيلة قبلة يرضونها، ووجهة الله حيث توجه المؤمنون. وقال مجاهد: لكن أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ﴾ ، أي: بادروا بالطاعة أينما تكونوا أنتم وأهل الكتاب، ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً﴾ يوم القيامة
فيجزيكم بأعمالكم، ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ
стр. 169
عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ .
قوله : ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) ﴾ .
قيل: إنما كرر الأمر باستقبال القبلة لتأكيد النسخ، لأنه أول ناسخ وقع في الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ . قال ابن كثير: (وقوله: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ ، أي: أهل الكتاب، فإنهم يعلمون من صفة هذه الأمة التوجه إلى الكعبة، فإذا فقدوا ذلك من صفتها ربما احتجوا بها على المسلمين، ولئلا يحتجوا بموافقة المسلمين إياهم في التوجه إلى بيت المقدس) . انتهى. وعن مجاهد، وقتادة في قوله: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ
حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ قال: هم مشركو العرب، قالوا حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم. قال الله : ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ ، أي: بهدايتي إياكم إلى قبلة إبراهيم. قال علي بن أبي طالب ﵁: (تمام النعمة الموت على الإسلام) .
стр. 170
وقوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ، أي: لكي تهتدوا من الضلالة. ولعل وعسى من الله واجب.
قوله : ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ (١٥٢) ﴾ .
قيل معناه: ولأتم نعمتي عليكم ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ﴾ . وقال مجاهد: يقول: كما فعلت ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ . قال الحسن وغيره: إن الله يذكر من ذكره، ويزيد من شكره، ويعذب من كفره. وقال سعيد بن جبير: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي. وفي الحديث الصحيح: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه» .
قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لا تَشْعُرُونَ (١٥٤) ﴾ .
الصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله. قال ابن زيد: الصبر في بابين: الصبر لله بما أحب وإن ثقل على الأنفس والأبدان، والصبر لله عما كره وإن نازعت إليه الأهواء، فمن كان هكذا فهو من الصابرين.
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ﴾ ، نزلت في قتلى بدر من المسلمين ﴿بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لا تَشْعُرُونَ﴾ ، كما قال تعالى في شهداء أحد:
стр. 171
﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ . وفي صحيح مسلم: «إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فاطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا: يا ربنا وأي شيء نبغي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ ثم عاد عليهم بمثل هذا، فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يَسألوا، قالوا: نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا، فنقاتل في سبيلك حتى نقتل مرة أخرى. لما يرون من ثواب الشهادة. فيقول الرب ﷻ : إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون» .
وروى الإمام أحمد عن الإمام الشافعي عن الإمام مالك عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ :
«نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه» .
قال ابن كثير: ففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضًا.
قوله : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧) ﴾ .
стр. 172
يقول تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ ، أي: ولنختبرنكم، ﴿بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ ، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ . وفي الحديث الصحيح: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له» . ولهذا قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ .
وفي صحيح مسلم عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا آجره الله
في مصيبته وأخلف له خيرا منها» . قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله ﷺ فأخلف الله خيرًا منه رسول الله ﷺ .
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ ، أي: ثناء الله عليهم ورحمته. قال عمر بن الخطاب ﵁: نعم العدلان ونعمت العلاوة: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ ، فهذان العدلان ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ ، فهذه العلاوة.
стр. 173
وروى أحمد وغيره عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله: يا ملك الموت، قبضت ولد عبدي؟ قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟ قال: نعم. قال: فما قال؟ قال: حمدك واسترجع. قال: ابنوا له بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد» . وبالله التوفيق.
* * *
стр. 174
الدرس السابع عشر
... ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ (١٦٢) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧) ﴾ .
стр. 175
قوله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨) ﴾ .
﴿شَعَآئِرِ اللهِ﴾ : معالم دينه، والمراد به هنا: المناسك التي جعلها أعلامًا لطاعته وموضعًا لعبادته. روى البخاري عن أنس قال: كنا نرى أن الصفا والمروة من أمر الجاهلية، فلماجاء الإسلام أمسكنا عنها، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ﴾ . وقال الشعبي: كان أساف على الصفا، وكانت نائلة على المروة، وكانوا يستلمونها، فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية. وذكر ابن إسحاق أن أسافًا ونائلة كانا بشرين فزينا داخل الكعبة فمسخا حجرين، فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عُبدا، ثم حولا إلى الصفا والمروة فنصبا هنالك، فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما.
وفي صحيح مسلم من حديث جابر الطويل: (أن رسول الله ﷺ لما فرغ من طوافه بالبيت عاد إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من باب الصفا وهو يقول: « ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ﴾ - ثم قال -: ... «أبدأ بما بدأ الله به» . وفي رواية النسائي: «ابدءوا بما بدأ الله به» . وفي الحديث الآخر: «اسعوا فإن الله كتب
стр. 176
عليكم السعي» . رواه أحمد.
وقوله تعالى: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ، أي: من تطوع بالحج والعمرة بعد أداء الواجب فإن الله مجاز لعبده بجميع علمه عليم بنيته.
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) ﴾ .
قال قتادة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾ ، أولئك: أهل الكتاب كتموا الإسلام وهو دين الله، وكتموا محمدًا ﷺ وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» .
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ ، أصل اللعن الطرد، والإبعاد. قال مجاهد: إذا أجدبت الأرض قالت البهائم: هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم.
وقوله تعالى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ﴾ ، أي: رجعوا عما كانوا عليه من المعاصي وأصلحوا أعمالهم، وبينوا للناس ما كتموا ﴿فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ .
стр. 177
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ (١٦٢) ﴾ .
قال قتادة: إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة ثم يلعنه الناس أجمعون.
وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ، أي: في نار جهنم، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ ، أي: لا يمهلون، كما قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ .
قال أبو العالية: لا ينظرون فيعتذروا، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ .
قوله : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) ﴾ .
стр. 178
قال البغوي: سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش قالوا: يا محمد صف لنا ربك وانسبه. فأنزل الله تعالى هذه الآية، وسورة الإِخلاص. والواحد: الذي لا نظير له ولا شريك له. وذكر حديث شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«إن في هاتين الآيتين اسم الله الأعظم: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ، و ﴿الم * اللهُ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ » . قال أبو الضحى: (لما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن محمدًا يقول: إن إلهكم إله واحد، فليأتنا بآية إن كان من الصادقين، فأنزل الله : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الآية) . قال عطاء: نزلت على النبي ﷺ بالمدينة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ، فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ إلى قوله: ... ﴿لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ، فبهذا يعلمون أنه إله واحد، وأنه إله كل شيء وخالق كل شيء.
قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧) ﴾ .
стр. 179
يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا وما لهم في الآخرة، حيث جعلوا له ﴿أَندَاداً﴾ ، أي: أمثالاً ونظراء، يعبدونهم معه ويحبونهم
كحبه، وهو الله لا إله إلا هو لا شريك له ولا ند له، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ﴾ . قال الربيع: هي الآلهة التي تعبد من دون الله، يقول: يحبون أوثانهم كحب الله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ﴾ ، أي: من الكفار لأوثانهم. وقال مجاهد: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ مباهاة ومضاهاة للحق بالأنداد، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ﴾ من الكفار لأوثانهم.
قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ﴾ ولحبهم لله وتمام معرفتهم به، وتوقيرهم وتوحيدهم له، لا يشركون به شيئًا، بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه، ويلجأون في جميع أمورهم إليه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ ، أي: ولو يعلم الذين ظلموا باتخاذ الأنداد، ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ عاينوه يوم القيامة، ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ ، أي: لو يعلمون أن القدرة لله جميعًا، لا قدرة لأندادهم، ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ يوم القيامة لندموا أشد الندامة ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ﴾ ، وهم: القادة ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ﴾ ، أي: الأتباع، ﴿وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ ، أي: أسباب الخلاص، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ،
стр. 180
كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ ، قال ابن كيسان: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ أنهم أشركوا بالله الأوثان، برجاء أن تقربهم إلى الله ، فلما عذبوا على ما كانوا يرجون ثوابه، تحسروا وندموا. وبالله التوفيق.
* * *
следующие страницы →